الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: الِاخْتِلَافُ فِي كَيْفِيَّةِ حَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ
بْنِ أَيْمَنَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَنَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: «بَلْ لِلْأَبَدِ» فَصَحَّ أَنَّ قَوْلَ أَبِي ذَرٍّ، وَعُثْمَانَ، وَعُمَرَ فِي ذَلِكَ رَأْيٌ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَقَدْ رَجَعَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ وَاضْطَرَبَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ عُثْمَانَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ قَالَ بِثَبَاتِ الْمُتْعَةِ أَبَدًا عَلِيٌّ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، جُمْهُورُ التَّابِعِينَ.
هَذَا وَخُصُومُنَا مُخَالِفُونَ لِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ الصَّحِيحِ عَنْهُ، وَلِقَوْلِ عُثْمَانَ الَّذِي ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَإِنَّمَا فِيهِ وَفِي قَوْلِ عُثْمَانَ أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَخُصُومُنَا هَا هُنَا بِأَجْمَعِهِمْ مِنَ الْمَالِكِيِّ وَالْحَنَفِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَالدَّاوُدِيِّ مُجْمِعُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ بَاقِيَةٌ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ، وَثَابِتَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، فَإِنَّمَا رَوَاهُ الْمُرَقِّعُ الْأَسَدِيُّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَمُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَسُلَيْمَانُ أَوْ سُلَيْمٌ، هَذَا بِالشَّكِّ وَهُوَ أَيْضًا مَجْهُولٌ، فَلَا
تَعَلُّقَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَصْلًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَدْ تَوَقَّفَ عَنْ فُتْيَاهُ بِهَا، إِذْ أَخْبَرَ عَنْ عُمَرَ بِمَا أَخْبَرَ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَكْفِينَا مِنْ مُعَارَضَةِ خُصُومِنَا الْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِقْرَارُ عُمَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ مِنْهُ حَدَثٌ أَحْدَثَهُ فِي النُّسُكِ، وَأَنَّهُ تَأَوَّلَ الْقُرْآنَ، وَفِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَالْحَدَثُ لَا يُفْسِخُ السُّنَّةَ، وَإِنَّمَا الْآيَةُ الَّتِي تَأَوَّلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ لَا يَرَى فَسْخَ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ لِذَلِكَ هُوَ الْإِتْمَامُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّهُ بِذَلِكَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَيِّنُ لَنَا مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَكُونُ مُتِمًّا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَنْ أَتَى بِهِمَا، كَمَا أُمِرَ، لَا كَمَا لَمْ يُؤْمَرْ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ فَنَعْمَ، هَذَا صَحِيحٌ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَحْرَمَ وَمَعَهُ هَدْيٌ أَنْ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِي تَوَقُّفِ أَبِي مُوسَى، فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَخَافَةً، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ بَيَانًا كَافِيًا أَمْرُهُ لِلنَّاسِ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ السُّنَّةِ الَّتِي عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَقُولُ عُمَرُ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ بِأَبِي مُوسَى أَنْ يَتْرُكَ سُنَّةً عِنْدَهُ لِقَوْلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ بَعْدُ، وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ، وَلَكِنْ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ مَا عَرَضَ فِي حَدِيثِ الِاسْتِئْذَانِ
426 - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
، قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَتَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مُغْضَبًا حَتَّى وَقَفَ، فَقَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، هَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ» ، قَالَ أُبَيٌّ: وَمَا ذَاكَ؟، قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، ثُمَّ جِئْتُهُ الْيَوْمَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي جِئْتُ أَمْسِ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْنَاكَ وَنَحْنُ عَلَى شُغُلَ، فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ أَوْ لَتَأْتِيَنِّي بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَوَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا، قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَتْ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شِدَّةٌ إِذَا سَمِعَ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ قَصْدًا بِذَلِكَ إِلَى الْخَيْرِ، وَكَانَ سَرِيعَ الْفَيْئَةِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا بَلَغَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيُبَيِّنُ صِحَّةَ مَا قُلْنَا، وَأَنَّ تَوَقُّفَ أَبِي مُوسَى رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الْفُتْيَا بِالْفَسْخِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا مِنْهُ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ، وَلَا شَكًّا مِنْهُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ بِهِ، لَكِنْ تَوَقُّعُ مَا قُلْنَاهُ: أَنَّ أَبَا مُوسَى قَدْ كَلَّمَ عُمَرَ هُوَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فِي أَمْرِ الْمُتْعَةِ، وَنَازَلَاهُ فِيهَا، حَتَّى اعْتَرَفَ لَهُمَا بِرُجُوعِهِ عَنْ إِنْكَارِهَا إِلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ قَبْلُ مِنْ طَرِيقِ الْكَشْوَرِيِّ عَنِ الْحُذَاقِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ
طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
427 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ الْقُرَيْنَشِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ الْخُتَّلِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ الْأَثْرَمُ، قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ عِمْرَانَ: نَأْخُذُ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قَالَ: تَأَوَّلَ عُمَرُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا قَوْلَ عُمَرَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ، ضَحِكَ أَحْمَدُ وَقَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ.
وَذَكَرَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: مُتْعَةُ الْحَجِّ كَانَتْ لَنَا خَاصَّةً، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، هِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُسْنَدِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ خَاصَّةً لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَحَدِيثٌ وَاهٍ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الْحَارِثَ بْنَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَجْهُولٌ، وَالْمَجْهُولُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ
428 - حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْمُهِلَّ مِنَ الْحَجِّ أَنْ يَفْسَخَهُ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ فِي الْمُتْعَةِ
: هِيَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً» ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْتُ: فَحَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ فِي فَسْخِ الْحَجِّ يُرِيدُ فِي الْمَنْعِ مِنْ فَسْخِ الْحَجِّ، قَالَ: لَا أَقُولُ بِهِ، لَا يُعْرَفُ هَذَا الرَّجُلُ، هَذَا لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْمَعْرُوفِ، لَيْسَ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ عِنْدِي يَثْبُتُ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ نُصُوصُ أَلْفَاظِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِمَا رَامُوا الشَّغَبَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ تُبْطِلُ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ مَنْ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَتُوجِبُ أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
429 - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، كِلَاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» ، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: «دَخَلْتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ، لَا بَلْ لِأَبَدٍ آبِدٍ»
430 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْهَمَذَانِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ، قَالَ: أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بَلْ لِلْأَبَدِ»
431 - وَبِهِ إِلَى الْبُخَارِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، هُوَ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَا: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، لَا يَخْلِطُهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً وَأَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا، فَفَشَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالَةُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا، قَالَ جَابِرٌ: بِكَفِّهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهِ لَأَنَا أَبَرُّ وَأَتْقَى مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» ، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ لَنَا أَوْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: «بَلْ لِلْأَبَدِ»
432 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَهَذِهِ الْآثَارُ الصِّحَاحُ الَّتِي لَا دَاخِلَةَ فِيهَا تَشْهَدُ بِبُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ فَسْخَ الْحَجِّ مَنْسُوخٌ، إِذْ فِيهَا كَمَا تَرَى شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ عَلَى جَابِرٍ، وَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَشَهَادَةُ عَدْلَيْنِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسِ، وَهُمَا مُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، بِإِخْبَارِ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ لَيْسَ لَهُمْ خَاصَّةً، بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَقَدْ أَمِنَّا نَسْخَهُ وَأَيْقَنَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ أَبَدًا، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَكُونُ كَاذِبًا حِينَئِذٍ، وَمَنْ ظَنَّ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَارْتَفَعَ الزَّيْفُ جُمْلَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا دُخُولَ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ خَاصَّةً وَلَا لِعَامِهِمْ ذَلِكَ، مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَلَسْنَا نَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْمُرْسَلَاتِ، وَإِنَّمَا نَحْتَجُّ بِالْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَرَاسِيلِ؛ حُجَّةً عَلَى مَنْ يَرَى أَنَّ الْمُسْنَدَ مِثْلُ الْمُرْسَلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ حَاجَّ الطَّحَاوِيُّ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَقَالَ لَنَا: مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لِأَبَدِ الْأَبَدِ» إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَيْسَ فِي الْمُجَاهَرَةِ بِرَدِّ الْحَقِّ أَقْبَحُ مِنْ هَذَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا يُكَذِّبُ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ، لِأَنَّ سُرَاقَةَ بَيَّنَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُتْعَةِ الَّتِي هِيَ فَسْخُ الْحَجِّ، لَا عَنْ
جَوَازِ الْعُمْرَةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ بِعَقِبِ أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ، فَقَالَ لَهُ سُرَاقَةُ: هِيَ لَنَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَأَجَابَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَمَّا سَأَلَهُ، لَا عَمَّا لَمْ يَسْأَلْهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا أَيْضًا مَعَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ اتِّصَالُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ الْعُمْرَةَ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» بِأَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِالْإِحْلَالِ، فَبَيَّنَ بَيَانًا جَلِيًّا أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ فِي عُمْرَةٍ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ دَعْوَى الْخُصُوصِ وَالْفَسْخِ وَالتَّأْوِيلَاتِ جُمْلَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ وَقَوْلُ أَبِي ذَرٍّ، وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمَا كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْنَا، بَلْ كَانَ يَكُونُ مُوَافِقًا لَنَا لِأَنَّ مَعْنَى: إِنَّ فَسْخَ الْحَجِّ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ خَاصٌّ، كَانَ يَكُونُ مَعْنَاهُ لَوْ صَحَّ عَمَّا ذَكَرْنَا هَذَا الْقَوْلَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ الصَّحَابَةِ أَنْ يَبْتَدِئَ حَجًّا مُفْرِدًا يَحْتَاجُ إِلَى فَسْخِهِ فِي عُمْرَةٍ، لَكِنْ يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يُهِلَّ بِالْعُمْرَةِ فَقَطْ، إِذْ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا، ثُمَّ إِذَا حَلَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ يُهِلَّ بِالْقِرْانِ إِنْ سَاقَ هَدْيًا، وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَبْدَءُوا بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، ثُمَّ فَسَخُوهُ، فَأَجْزَأَهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ اللَّفْظُ، لَكَانَ حُجَّةً لَنَا لَا لَهُمْ فَكَيْفَ؟ وَهُوَ لَا يَصِحُّ، فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرِدًا جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَتِهِ الْوَاجِبَةِ، كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِمْ أَعْظَمُ الْأُسْوَةِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
، وَكَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ بَاقٍ لِأَبَدٍ آبِدٍ، وَقَدْ تَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ فِي مُخَالَفَةِ الْقَوْلِ بِفَسْخِ الْحَجِّ
433 - بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ هُوَ ابْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرُ وَعَفَا الْأَثَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرٌ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَقَالَ قَائِلُهُمْ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي عُمْرَةٍ لِيُرِيَهُمْ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلِيُوقِفَهُمْ عَلَى إِبَاحَتِهَا عَمَلًا وَقَوْلًا، بِخِلَافِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنْ تَحْرِيمِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ تِسْعَةٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ بِلَا دَلِيلٍ، لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ
: إِنِّي إِنَّمَا أَمَرْتُكُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِأُرِيَكُمْ إِبَاحَتَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَا يَجِدُونَ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، فَأُخْبِرَ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا مَنْقُولًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ صَاحِبٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَالْقَائِلُ بِذَلِكَ قَافٍ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَائِلٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَهَذَا حَرَامٌ، وَلَقَدْ يُتَوَقَّعُ عَلَى قَائِلِ ذَلِكَ الدُّخُولُ فِي الْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَبَرٍ لَمْ يُسْنَدْ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ تَظَنِّيًا، فَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ مَنْ قَالَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ وَلَجَ النَّارَ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الظَّنُّ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، فَقَدْ سَقَطَ وَحَرُمَ الْقَوْلُ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُخْبِرَ بِمَا شَغَبُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ، وَهوَ أَعْلَمُ بِمَا وَصَفَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي أَكْثَرِ فَتَاوِيهِمْ إِذْ يَتْرُكُونَ رِوَايَةَ الصَّاحِبِ لِرَأْيِهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رَوَى، وَإِنَّمَا نُورِدُ هَذَا حُجَّةً عَلَيْهِمْ مِنْ أُصُولِهِمُ الْهَامَّةِ لِفُرُوعِهِمْ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي إِجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ رَاجِعٍ إِلَى التَّوْقِيفِ، فَإِذَا لَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا الْأَمْرَ عِلَّةَ الْفَسْخِ، وَرَأَى الْفَسْخَ وَاجِبًا، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنْ يَتَزَيَدُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ وَلَا رَوَوْهُ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَا ذَكَرُوا مِنْ أَنْ يُرِيَهُمُ الْعُمْرَةَ جَائِزَةً فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، بِخِلَافِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ، لَكَانَ هَذَا مُحَالًا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اعْتَمَرَ بِهِمْ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، كُلُّ عُمْرَةٍ مِنْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَأَوَّلُهَا عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، الَّتِي صُدَّ عَنْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ مِنَ الْعَامِ الثَّانِي فِي ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ
، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفُوا بِعَمَلِ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ، فَمُحَالٌ أَنْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ بِعَمَلِ الْعَامِ الرَّابِعِ، وَمِنَ الْمُمْتَنَعِ أَنْ يُظَنَّ بِالصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُمْ أَصَحُّ النَّاسِ أَذْهَانًا وَأَقْوَاهُمْ فَهْمًا، وَأَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا وَلَا عَلِمُوا جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَج، وَهُمْ قَدْ عَمِلُوهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ مُتَّصِلَةٍ، كُلُّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ لَا يَعْرِفُونَ بِهَذَا الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ الظَّاهِرِ الْمَقْصُودِ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، أَنَّ الَّذِيَ عَمِلُوهُ جَائِزٌ، هَذَا أَمْرٌ لَا يَظُنُّهُ بِالصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَّا أَنْوَكُ تَامُّ السَّخْفِ.
وَلَعَلَّ نَاقِصَ الْعَقْلِ يَقُولُ: كَانَتْ تِلْكَ الْعُمْرَةُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَرَادَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُرِيَهُمْ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: تَمَامُ مَا تَقُولُ أَنْ يَعْتَمِرَ بِهِمْ أَيْضًا فِي شَوَّالٍ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلِيُرِيَهُمْ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِيهِ، وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِلَّا مَنْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ الْقَلَمُ مَرْفُوعًا عَنْهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ غَايَةَ الْبَيَانِ فِي إِخْلَالِ ظَنِّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْفَسْخَ إِنَّمَا كَانَ لِيُرِيَهُمْ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ وَابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيمَا خَلَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، إِذْ يَقُولَانِ: إِنَّ النَّاسَ أَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ، وَتَقُولُ هِيَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ لَهُمْ مُفْرَدَةً وَبِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَبِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا، وَإِنَّهُمْ أَهَلُّوا مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكُلِّ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَدْ كَانَ كَمَا تَرَى فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ خَلْقٌ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ وَعَائِشَةُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَخَلْقٌ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا، فَقَدْ صَحَّ بِهَذَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ، وَعَمِلُوا بِهَا، فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ
بِفَسْخِ الْحَجِّ لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا عَمِلُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُعَلِّمُهُمْ مَا قَدْ عَمِلُوهُ بَعْدَ مَا عَلِمُوا بِهِ؟ . وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِفَسْخِ الْحَجِّ لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ، بِخِلَافِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ، لَمَّا خَصَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَمْرِ بِالْفَسْخِ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، وَلَعَمَّ بِذَلِكَ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ لِيَعُمَّهُمْ بِالتَّعْلِيمِ، وَفِي هَذَا بُطْلَانُ مَا ظَنُّوهُ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةً، وَارْتِفَاعُ الرِّيَبِ، وَبَيَانٌ أَنَّ الْفَسْخَ حُكْمُ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، وَلَيْسَ حُكْمُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ؛ كَمَا أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا مَزِيدَ وَلَا عِلَّةَ لِذَلِكَ، كَمَا لَا عِلَّةَ لِكَوْنِ الصَّلَوَاتِ خَمْسًا، وَلَا لِاخْتِصَاصِ رَمَضَانَ بِالصَّوْمِ دُونَ شَوَّالٍ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَالْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ،: كَانَ أَمْرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَسْخِ حَقًّا يَجِبُ الِائْتِمَارُ بِهِ، وَشَرِيعَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ.
فَإِنْ قَالُوا: كَانَ غَيْرَ حَقٍّ كَفَرُوا، وَقَالُوا: إِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّ النَّاسَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ كَانَ حَقًّا، وَشَرِيعَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ، فَالْحَقُّ بَاقٍ، مَا لَمْ يَأْتِ نَصٌّ صَحِيحٌ، أَوْ إِجْمَاعٌ بِنَسْخِهِ وَلَا نُبَالِي لِعِلَّةٍ كَانَ عَلَى دَعْوَاهُمْ، أَمْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ مُسْلِمٍ أَنَّ السِّوَاكَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لِكُلِّ صَلَاةٍ لَأَمَرَهُمْ بِهِ، شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ
، فَالْفَسْخُ إِذْ أَمَرَهُمْ بِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَبَدًا بِلَا شَكٍّ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَيْهِمْ لَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمْرَ إِلْزَامٍ وَحَتْمٍ، كَمَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالسِّوَاكِ وَهُوَ أَحَبُّ التَّطَوُّعِ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِوَاجِبٍ، لَا سِيَّمَا بِمَا شَقَّ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الْفَسْخَ، وَلَا يَسَعُ مُسْلِمًا أَنْ يَظُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِمَا لَيْسَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، أَوْ بِمَا لَا يَلْزَمُ النَّاسَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِهِ تَعَالَى نَعْتَصِمُ.
وَالْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ مَا قَالُوا، وَوُجِدَ نَصٌّ صَحِيحٌ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ تَعْلِيمًا لَهُمْ بِجَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَطْعًا لِمَا كَانُوا يَظُنُّونَهُ مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ، لَكَانَ ذَلِكَ بَاقِيًا إِلَى الْيَوْمِ وَأَبَدًا، وَقَدْ أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالرَّمَلِ؛ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّةَ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَاقِيًا وَإِنِ ارْتَفَعَ السَّبَبُ، وَهَكَذَا لِكُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ، فَكَانَ فَسْخُ الْحَجِّ بَاقِيًا أَيْضًا كَذَلِكَ، فَكَيْفَ وَلَا يُوجَدُ مَا ظَنُّوهُ، وَلَا يَصِحُّ أَبَدًا، وَإِنَّمَا الْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ جَابِرٌ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ أَمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، فَالْأَمْرُ بِفَسْخِ الْحَجِّ وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، لَازِمٌ أَبَدًا كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ ذَلِكَ لِأَبَدِ الْأَبَدِ.
وَالْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّنَا نَقُولُ لَهُمْ: إِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلٍ لَمْ يَكْتَفُوا بِإِخْبَارِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِيَّاهُمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ، وَلَا بِعَمَلِ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ مُتَّصِلَةٍ يَعْمَلُونَهَا مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، حَتَّى يَأْمُرَهُمْ بِفَسْخِ حَجِّهِمْ فِي عُمْرَةٍ، فَنَحْنُ أَحْرَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ، فَالْعَمَلُ بِذَلِكَ بَاقٍ عَلَيْنَا أَبَدًا، لَا أَنْ يَقُولَ أَحْمَقُ: إِنَّنَا نَحْنُ اكْتَفَيْنَا مِنْ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِمَّا اكْتَفَى بِهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَأَيْنَ تَقْلِيدُهُمْ لِلصَّحَابَةِ، وَقَوْلُهُمْ بِأَنَّ عُقُولَهُمْ لَا تُبِيحُ التَّمَيُّزَ، وَأَنَّ اتِّهَامَهَا لِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَاجِبٌ
. وَالْوَجْهُ التَّاسِعُ: لَا يَحِقُّ لِمَنْ يَتَمَسَّكُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِشُعْبَةٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِالْحَقِّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْفَسْخِ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِيُعْلِمَهُمْ بِذَلِكَ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا ظَنٌّ لَيْسَ فِي الْوَسْوَاسِ أَشَدُّ مِنْهُ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُبِيحَ الْحَرَامَ لِيُعْلِمَ الْجُهَّالَ مَا يَجُوزُ لَهُمْ.
فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ الْفَسْخُ حَرَامًا تَرَكُوا قَوْلَهُمْ، وَرَجَعُوا إِلَى قَوْلِنَا فِي إِيجَابِهِ، أَوْ إِلَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِبَاحَتِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ بُطْلَانَ هَذَا الشَّغَبِ الْفَاسِدِ السَّاقِطِ الَّذِي مَوَّهَ بِهِ مَنْ مَوَّهَ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ شَغَبَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّحَاوِيُّ فِي هَذَا الْفَصْلِ بِشَيْءٍ وَجَبَ أَيْضًا عَلَيْنَا إِيرَادُهُ وَنَقْضُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ، وَهُوَ: أَنْ جَعَلَ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ مُتَعَارِضَةً، فَجَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْعَقَدِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، يُعَارِضُهُ حَدِيثُهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي مَا خَلَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ: أَمْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ بِأَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ذَكَرْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْلَالِ مِنْ عُمْرَةٍ لَا مِنْ حَجٍّ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهَذَا هَذْرٌ بِهِ مَا شِئْتَ مِنْهُ، وَمَا كَانَ يَخْفَى
مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ الْفَاسِدِ عَلَى مِثْلِ الطَّحَاوِيِّ لَوْلَا الْهَوَى وَفَرْطُ التَّقْلِيدِ الَّذِي يُعْمِي وَيُصِمُّ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ: بِأَنْ يُهِلَّ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، هُوَ أَمْرٌ لَهُمْ بِالْقِرَانِ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَأْمُرْ قَطُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَؤُلَاءِ بِالْإِحْلَالِ، وَهَكَذَا نَصُّ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَتِنَا.
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» ، فَهُوَ يُقِرُّ بِلِسَانِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ لَا يَحِلُّوا حَتَّى يَحِلُّوا مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَقُولُ هُوَ: إِنَّمَا أَحَلُّوا مِنْ عُمْرَةٍ فَقَطْ، وَيَرَى فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِالْإِحْلَالِ إِنَّمَا كَانُوا الَّذِينَ لَا هَدْيَ مَعَهُمْ، وَهُمْ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعَهُمُ الْهَدْيُ الَّذِينَ أُمِرُوا أَنْ لَا يَحِلُّوا، ثُمَّ يَخْلِطُ هَذَا التَّخْلِيطَ، وَيَأْتِي بِهَذَا الْأَمْرِ الْفَاحِشِ.
ثُمَّ حَتَّى لَوْ وَجَدَ مُتَعَلِّقًا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَأْمُورِينَ بِجَمْعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْإِحْلَالِ، وَهُوَ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ أَبَدًا لَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَا لَهُ؛ لِأَنَّ نَصَّ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ: «ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» ، فَالنَّصُّ يُوجِبُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكُونُونَ مُحِلِّينَ مِنَ الْحَجِّ وَمِنَ الْعُمْرَةِ مَعًا، فَخِلَافُ الْخَطَلِ الَّذِي أَتَى بِهِ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَحَلُّوا مِنْ عُمْرَةٍ لَا مِنْ حَجَّةٍ
. وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَكْثُرُ مِمَّنْ يَسْتَجِيزُ الِاحْتِجَاجَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَصَايِبِ، وَهَذَا الْعَمَى الظَّاهِرُ الَّذِي إِنْ سُلِّمَ بِأَنْ يَكُونَ جَهْلًا مُظْلِمًا، لَمْ يَسْلَمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا فَاحِشًا، وَغُرُورًا ظَاهِرًا، وَتَدْلِيسًا فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَنَا، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُذْلَانِ، فَكَيْفَ وَالْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا؟ لِأَنَّ قَوْلَهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ وَالْقَاسِمِ عَنْهَا: خَرَجْنَا لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ إِخْبَارٌ عَنْ بَدْءِ الْحَالِ وَعَنْ نِيَّتِهِمْ حِينَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَمِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ عَلَى نَصِّ قَوْلِهَا فِيهِ مِنْ لَفْظِهَا: خَرَجْنَا.
وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ بِأَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْقَى لَفْظُهَا فِي الْحَدِيثِ تَبِعَةً مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ إِهْلَالِ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ.
أَفَلَا يَتَّقِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ يَجْعَلُ هَذَا تَعَارُضًا؟ وَلَكِنَّهُمْ يَأْبَوْنَ إِلَّا تَسْوِيدَ الْقَرَاطِيسِ، وَتَسْخِيمَ وُجُوهِ مَنْ يُغْتَرُّ بِهِمْ وَيُقَلِّدُهُمْ دِينَهُ، وَتَكْفِينَا الْمَئُونَةُ فِي بَيَانِ هَذَا الْهَذَيَانِ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ، وَلَكِنْ فِي الْأَجْرِ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَجَلُّ عِوَضٍ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ نِيَّاتِنَا وَعَمَلَنَا وَقَوْلَنَا خَالِصًا آمِينَ آمِينَ.
ثُمَّ جَعَلَ الطَّحَاوِيُّ حَدِيثَ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ طُرُقٍ، وَفِيهِ مِنْ وَصْفِ حَالِهِمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، لَمْ يَأْتِ عَنْ جَابِرٍ مَا يُعَارِضُهُ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ الْقَائِلِينَ ادَّعَى أَنَّ هَا هُنَا حَدِيثًا يُعَارَضُ هَذَا
وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ
، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: تَمَتَّعْنَا مُتْعَتَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا عَنْهَا فَانْتَهَيْنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا أَدْرِي مَاذَا تَوَهَّمَ الْقَائِلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؟ وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ مَا قَالَ، وَمَا هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَابِرٍ إِلَّا مُوَافِقٌ كَسَائِرِ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِفَسْخِهِ، وَأَنْ يَحِلُّوا مِنْهُ، وَأَنْ يَجْعَلُوهُ عُمْرَةً، ثُمَّ يُهِلُّوا بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَفَعَلُوا، فَصَارُوا مُتَمَتِّعِينَ.
فَأَيُّ اخْتِلَافٍ هَا هُنَا؟ وَهَلْ فِي الِاتِّفَاقِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ مَنْصُوصٌ كُلُّهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَجَعَلَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ: أَنَّ النَّاسَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ مِنْهُمْ بِالْإِحْلَالِ، يُعَارِضُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَأَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ مِنْهُمْ بِالْإِحْلَالِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُتَّفِقَانِ، لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَوْ أَحَلُّوا مِنْ عُمْرَةٍ لَا حَجَّ مَعَهَا لَمَّا خَصَّ بِذَلِكَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ دُونَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، وَنَصُّ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مُتَّفِقٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا خَصَّ بِالْإِحْلَالِ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ لَا يَحِلَّ، وَلَيْسَ هَذَا حُكْمَ الْمُعْتَمِرِ الْمُفْرِدِ لِلْعُمْرَةِ الْمَزِيدِ لِلْحَجِّ مِنْ عَامِهِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَهُ عَنْهَا قَدْ رَوَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ بِأَنْ يَجْعَلَ مِنْ عُمْرَتِهِ حَجًّا، وَأَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْهَا، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَكَّةَ: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَأَمَّا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا» . هَذَا نَصُّ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ عَائِشَةَ.
فَكَيْفَ يَسُوغُ لِذِي عِلْمٍ وَدِينٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا أَمَرَ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ أَنْ لَا يَحِلَّ أَيْضًا مِنْ عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ فَقَطْ، وَهَلْ فِي الْهَذَيَانِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟ وَيَخْرُجُ هَذَا الْقَوْلُ الْفَاسِدُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانُوا مُهِلِّينَ بِعُمْرَةٍ فَقَطْ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا مَنْ أُمِرَ بِالْإِحْلَالِ، وَنُهِيَ عَنْهُ، وَلَا مَزِيدَ " وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ الْمَذْكُورُ زَائِدٌ عَلَى حَدِيثِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَيَانًا فِي صِفَةِ إِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا فِي فَسْخِ الْحَجِّ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا بَيْنَ أَحَادِيثِ ابْنِ عُمَرَ كُلِّهَا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا جَاءَ الِاخْتِلَافُ عَنْهُ فِي صِفَةِ إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَرَّةً قَالَ: أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَمَرَّةً قَالَ: تَمَتَّعَ، ثُمَّ وَصَفَ صِفَةَ الْقِرَانِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْفَسْخِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُ كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ فَسَخُوا حَجَّهُمْ أَوْ قِرَانَهُمْ بِعُمْرَةٍ، لَعَلَّ بِهَا مِنْهُمْ مَنْ لَا هَدْيَ
مَعَهُ، وَتَمَادَى عَلَى إِحْرَامِهِ مِنْهُمْ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَيَّدَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُ الْفَاسِدَ فِي تَعَارُضِ حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَيْنِ بِقَوْلِ حَفْصَةَ
434 - الَّذِي حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَسُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَالُ النَّاسِ أَحَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: فَهَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى حَفْصَةَ قَوْلَهَا لَهُ: «مِنْ عُمْرَتِكَ» ، فَصَحَّ أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ شَيْءٍ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي عُمْرَةٍ مَعَهَا حَجَّةٌ وَمَعَهُ هَدْيٌ مِمَّا يُعَارِضُ أَمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ بِفَسْخِ حَجِّهِمْ فِي عُمْرَةٍ؟ أَوْ أَيُّ تَعَلُّقٍ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ؟ وَهَلْ هُمَا إِلَّا خَبَرَانِ مُتَغَايِرَانِ؟ لَا سِيَّمَا وَالطَّحَاوِيُّ مُقِرٌّ مَعَنَا أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا لَا مُفْرِدًا عُمْرَةً، وَلَا مُفْرِدًا حَجًّا، أَفَيَسُوغُ لِمَنْ يَتَّقِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُحَقِّقَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَارِنًا ثُمَّ يَتَعَلَّقُ فِي إِنْكَارِ الْحَقِّ الْمَرْوِيِّ؟ بِأَنْ يَلْجَأَ إِلَى خِلَافِ مَا يَعْتَقِدُ فَيَتَشَبَّثَ بِهِ، وَيُشِيرَ إِلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مُفْرِدًا عُمْرَةً، فَرَجَعَ إِلَى أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ خَاصَّةً، وَيُبْطِلَ مِمَّا
صَحَّحَ قَبْلُ مِنْ مَذْهَبِهِ، فَهُوَ إِذَا نَاظَرَ خُصُومَهُ فِي حَالِ إِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ: إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مُلَبِّيًا بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا قَارِنًا بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، فَإِذَا أَتَى إِلَى الْكَلَامِ فِي الْفَسْخِ قَالَ: كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُلَبِّيًا بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، مُتَمَتِّعًا بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ.
وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَسْتَجِيزُهُ ذُو وَرَعٍ يَخَافُ النَّارَ، وَلَا ذُو حَيَاءٍ يَتَجَنَّبُ الْعَارَ، وَلَا عَجَبَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا إِذَا كَانَ مَنْ سَلَفَ مِمَّنِ اتَّسَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ يَسْتَجِيزُ مِثْلَ هَذَا الْبَلَاءِ؛ نَظَرًا لِتَقْلِيدِهِ الْفَاسِدِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُذْلَانِ، وَنَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ آمِينَ.
وَإِذَا حَصَلَ لَنَا مِنْ كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ الْفَسْخَ الْمَأْمُورَ بِهِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ عُمْرَةٍ، وَأَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ أَنْ لَا يَحِلَّ حَتَّى يُتِمَّ الْحَجَّ: إِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَقَطْ، وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ، وَنَوَى التَّمَتُّعَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ.
وَقَدْ تَيَقَّنَّا كَذِبَ هَذَا الْكَلَامِ بِمَا صَحَّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ دِرَايَةِ مَنْ رَوَى مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ مَنْ قَرَنَ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى مِنْهُمْ: خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، لَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ الصِّحَاحِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: جَعَلَ الطَّحَاوِيُّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا الْمَكَانِ مِنْ طَرِيقِ بَهْزٍ، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ
، يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا الَّذِي
435 - حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَصْلًا، وَلَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنِ سَائِرِ أَحَادِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلْ كُلُّهَا مُتَّفِقٌ؛ لِأَنَّهُ إِذْ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ يَفْسَخَ مِنْهُمْ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ الْحَجَّ فِي عُمْرَةٍ، ثُمَّ يَحِلُّ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ صَارَتْ لَهُمْ عُمْرَةً لِيَسْتَمْتِعُوا بِهَا بِلَا شَكٍّ، وَصَارُوا مُتَمَتِّعِينَ بِيَقِينٍ، فَأَيُّ تَعَارُضٍ هَا هُنَا؟ وَهَلْ فِي الِاتِّفَاقِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّ عُمَرَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْفُتْيَا بِفَسْخِ الْحَجِّ، قَالَ: وَعُمَرُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ عُمَرَ أَمْرُ فَسْخِ الْحَجِّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ عُمَرَ أَمْرُ فَسْخِ الْحَجِّ، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ
فَنَسِيَهُ، أَوْ لَمْ يَنْسَهُ لَكِنْ تَأَوَّلَ فِيهِ أَنَّهُ فَسْخٌ أَوْ كَانَ خُصُوصًا، فَمَا عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَاتِّبَاعُ الَّذِي لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ إِمَامًا، وَالَّذِي بِهِ هَدَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عُمَرَ وَغَيْرَ عُمَرَ، أَوْلَى بِنَا مِنِ اتِّبَاعِ مَنْ دُونَهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذْ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَاكَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فَحُقِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَهَى أَبِي عَنْهَا، أَكِتَابَ اللَّهِ تَتَّبِعُونَ أَمْ أَبِي؟ وَلَا شَكَّ أَنَّ اتِّبَاعَ مَا دُونَهُ الْكَافَّةُ الَّذِينَ فِيهِمُ الْمَكِّيُّ وَالْمَدَنِيُّ وَالْبَصْرِيُّ وَالْكُوفِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنِ اتِّبَاعِ رَأْيٍ رَآهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَعَلَّهُ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ، وَهَذَا عُمَرُ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مَعَ الْإِمَامِ بِعَرَفَةَ بَطَلَ حَجُّهُ، وَمَنْ قَدَّمَ ثَقْلَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى مِنًى بَطَلَ حَجَّهُ، وَخُصُومُنَا الْمُحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِعُمَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُخَالِفُونَ فِي هَاتَيْنِ الْقَضِيَّتَيْنِ لِعُمَرَ، وَفِي مَا لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ فِيهِ مِنْ حُكْمِهِ فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ، وَفِي الضَّبِّ بِجَدْيٍ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِحَمَلَانِ مِنَ الْغَنَمِ، نَعَمْ وَفِي عِدَّةِ قَضَايَا فِي الْحَجِّ فَلْيُنْكِرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مُخَالَفَةَ عُمَرَ، فَالْعَيْبُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ ثُمَّ يُخَالِفُونَهُ " وَإِنَّا مَنْ لَا يَرَى حُجَّةً فِي أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ فِي إِبَاحَةِ الْإِفْرَادِ مِنَ الْمِيقَاتِ
436 - بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ
بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» قَالَ مُسْلِمٌ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَعْلَمُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِالْوَحْيِ؛ لِأَنَّهُ عِلْمُ غَيْبٍ بِمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَقَدْ أَيْقَنَّا ضَرُورَةً أَنَّ الْوَحْيَ لَا يَأْتِي بِشَكٍّ، فَصَحَّ أَنَّ الشَّكَّ الْمَذْكُورَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّهُ مُسْلِمٌ، أَنْ يَشُكَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَقَدْ وَجَدْنَا لِلْأَفَاضِلِ كَلَامًا يَأْتُونَ بِهِ تَفْسِيرًا لِلْحَدِيثِ يَصِلُونَهُ بِهِ، لَا سِيَّمَا هَذَا الْإِسْنَادُ، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَ النَّفَقَاتِ، ثُمَّ وَصَلَ بِهِ تَقُولُ امْرَأَتُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ، أَوْ طَلِّقْنِي، وَيَقُولُ لَكَ غُلَامُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ لَكَ وَلَدُكَ: إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: لَا هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ
. وَوَجَدْنَا الزُّهْرِيَّ قَدْ رَوَى عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِصَّةَ زِيَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَلَّ، فَذَكَرَ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ» ، ثُمَّ وَصَلَ بِهِ: يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَوَى الزُّهْرِيُّ حَدِيثَ إِفْطَارِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَدِيدِ، فَوَصَلَ بِهِ، فَكَانَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ» ، فَوَصَلَ بِهِ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدِ اسْتَوْعَبْنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كُلَّ مَا مَوَّهَ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْفَسْخَ، وَأَبَنَّا بِتَأْيِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ، وَأَبْطَلْنَا دَعْوَاهُمُ الْفَسْخَ فِيهِ، وَدَعْوَاهُمُ الْخُصُوصَ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعِلَّةٍ، وَدَعْوَاهُمُ التَّعَارُضَ، وَدَعْوَى الطَّحَاوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ الْفَسْخَ كَانَ مِنْ عُمَرَ.
وَهَذَا الْوَجْهُ أَبْرَدُ الْوُجُوهِ الَّتِي تَعَلَّقُوا بِهَا وَأَكْذَبُهَا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ، وَجَابِرًا
، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَأَسْمَاءَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَسُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ، وَسَبْرَةَ، وَأَبَا مُوسَى كُلُّهُمْ يَرْوِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَ النَّاسَ مِنَ الْإِحْلَالِ بِحَجٍّ أَحْرَمُوا بِهِ، وَمَا رَوَى قَطُّ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا أَمَرَ بِالْفَسْخِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ مِنْ عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ أَدْخَلَ قَائِلَهُ فِي الْكَذِبِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: رَوَى الْفَسْخَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرْنَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُمْ: عَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو مُوسَى، وَالْبَرَاءُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسُرَاقَةُ، وَسَبْرَةُ.
فَرَوَاهُ عَنُ عَائِشَةَ: الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَالْقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ، وَذَكْوَانُ، فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ.
وَرَوَاهُ عَنُ جَابِرٍ، عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ.
وَرَوَاهُ عَنُ أَسْمَاءَ صَفِيَّةُ، وَمُجَاهِدٌ، اثْنَانِ.
وَرَوَاهُ عَنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَبُو نَضْرَةَ، وَاحِدٌ.
وَرَوَاهُ عَنُ الْبَرَاءِ: أَبُو إِسْحَاقَ، وَاحِدٌ.
وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، سَالِمٌ ابْنُهُ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، اثْنَانِ.
وَرَوَاهُ عَنُ أَنَسٍ: أَبُو قِلَابَةَ، وَاحِدٌ.
وَرَوَاهُ عَنُ أَبِي مُوسَى، طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ، وَاحِدٌ
. وَرَوَاهُ عَنُ ابْنِ عَبَّاسٍ، طَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَنَسُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَكُرَيْبٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُسْلِمٌ الْقُرِّيُّ، وَأَبُو حَسَّانَ الْأَعْرَجُ، فَهَؤُلَاءِ عَشْرَةٌ.
وَرَوَاهُ عَنُ سُرَاقَةَ، طَاوُسٌ.
وَرَوَاهُ عَنُ سَبْرَةَ ابْنُهُ، وَاحِدٌ.
أَسْقَطْنَا مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُمْ وَعَدَدْنَاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَبَلَغُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الثِّقَاتِ.
وَرَوَاهُ عَنُ أَبِي ذَرٍّ ثَلَاثَةٌ مَجْهُولُونَ مُسْنَدًا، فَصَارَ نَقْلَ كَافَّةٍ وَتَوَاتُرٍ، يَقْطَعُ الْعُذْرَ، وَيُوجِبُ الْعِلْمَ الْفَرْدِيَّ، وَالْحَمْدُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الِاخْتِلَافُ فِي كَيْفِيَّةِ إِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، أَمْ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ، تَمَتَّعَ بِهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ شَهْرِهِ، أَمْ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ مَعًا قَرَنَ بَيْنَهُمَا، وَالِاخْتِلَافُ فِي مَوْضِعِ إِهْلَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ