الباب السادس: ملابسات محمد المالكي...
قال ص 10: "أما هو صلى الله عليه وسلم فإننا نعتقد أنه صلى الله عليه وسلم بشر يجوز عليه ما يجوز على غيره من البشر من حصول الأعراض والأمراض التي لا توجب النقص والتنفير.
كما قال صاحب العقيدة: وجائز في حقهم من عرض بغير نقص كخفيف المرض " اهـ. أقول: بئس ما قاله صاحب عقيدتكم من أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصيبه إلا المرض الخفيف، وبئس القدوة المقتدى بها، فأنتم مقتدون بقوله هذا ونحن متبعون لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، أنتم تصدقون أقوال صاحب عقيدتكم، ونحن نصدق أقوال حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم فبؤساً لكم باتباع صاحبكم، وهنيئاً لنا باتباع نبيناً محمدٍ صلى الله عليه وسلم وصحابته.
يقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله! إنك توعك وعكاً شديداً.
قال: "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم " أخرجه البخاري في كتاب المرضى من " صحيحة " (10/111)، قال الحافظ في " الفتح ": "صدر هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الدارمي والنسائي في الكبرى، وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم كلهم من طريق عاسم ابن بهدلة عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً؟ قال: " الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه... الحديث " اهـ كلام الحافظ.
فهذا اعتقادنا نتبع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم اتبعوا ناظم عقيدتكم مخالفين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه.
اسمع قول عائشة فيما أخرجه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ": "ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ". فالذي جر الكاتب إلى هذه المخالفة الظاهرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الغلو المنهي عنه، فانظر بطلان دعواهم، وصحة دعوى المتبعين للسلف.
قال القاضي عياض -رحمه الله- في " شرح مسلم ": " وليعلم أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقن أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات، ويلبس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم" اهـ. قال ص 31: " الأدعياء والمتطفلون على بساط الحقيقة كثيرون، والحقيقة بريئة منهم، ولا تعترف لهم بصحة نسبتهم إليها "، ثم قال: " ولقد بلينا معشر المسلمين بكثير من هؤلاء، يعكرون صفو الأمة ويفرقون بين الجماعات..."، ثم قال: "ويدخلون إلى تصحيح مفاهيم الإسلام من باب العقوق " اهـ. أقول: لقد عاشت هذه البلاد السعودية منذ ضم الحجاز تحت لواء حكمها على عقيدة واحدة، ائتلف عليها جميع رعاياها في شتى أنحائها، لا تسوءُهم بدعة، ولا يؤرقهم عصيان وكفران، كلهم على كلمة واحدة، وجماعة واحدة، في صفوٍ من العيش، لا تفرقات ولا أحزاب إقليمية، متحابين، يصحح مصيبهم مخطاهم، ويسدده ويقيله عثرته، في ما تختلف فيه الأفهام، ويسوغ فيه الاجتهاد والنظر، وكانوا متفقين في الأصول، لا خلاف بينهم فيها، ولا جدال حولها، إذ قر قرارها، وأجمع المسلمون في هذه البلاد على ذلك، لا نعلم مخالفاً لهم بينهم.
ثم ظهر من أثار الفتنة، وفرق المسلمين، وعكر صفو الأمة، وجعل الجماعة الواحدة جماعات: فمَنِ الأدعياء المتطفلون الذين فعلوا هذا؟ ! وجعلوا لا يفتؤون في الصد عن العقيدة التي كانت عليها هذه البلاد من التوحيد الخالص.
فهذا سهم ارتد عليك من جعبتك، وقول خشيت أن ترمى به فسارعت إلى الرمي به.
ثم نقول لك: من هو الذي يفرق الجماعة؟ ! أهو الذي يدعو إلى عقيدة التوحيد وإفراد الله بعبادة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاعتصام بالكتاب والسنة، حتى تكون الأمة جماعة واحدة معبودها واحد: وهو الله، وقدوتها واحد: هو محمد صلى الله عليه وسلم، ودليلها واحد، وهو الكتاب والسنة، وتحت راية واحدة هي راية التوحيد؟ !، أم الذي يدعو إلى التعلق بغير الله من الأولياء والصالحين، وإلى اتباع الطرق الصوفية المبتدعة وإلى الاستدلال بالأحاديث الموضوعة، والحكايات المكذوبة والمنامات الشيطانية مما تزخر به كتب القوم؟ ! ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 81].
قال ص 33: " وهذا ما حققه علماء الأصول من سلف هذه الأمة -رضي الله عنهم-: كالإمام العز بن عبد السلام، والنووي، والسيوطي، والمحلي، وابن حجر" اهـ. أقول: مما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن لفظ السلف له إطلاقات: منها: ما هو عامٌ كلي يُعنى به الصحابة والتابعون وتابعوهم، ثلاثةُ القرون المفضلة، وهذا المعنى هو الذي يصح عند إضافته إلى الأمة، كقولهم: سلف الأمة، وإلى هؤلاء وخاصة الصحابة ينسب السلفيون.
ومعنى هذه النسبة: " السلفي": أنه ينهج نهج الصحابة وتابعيهم، فإن اتباع الكتاب والسنة كل يدعيه، وكل يطمح إلى شرف الانتساب إليه، وما كل ما ظنه المرء مطمحاً يصل إليه، فرب طامح تشعبت السبل به، فالفرق الضالة كلها تنتسب إلى الكتاب والسنة، كالمعتزلة من المتقدمين، والقاديانية من المتأخرين، والرافضة المتقدمين والمتأخرين وغير هؤلاء.
فحقيقة الانتساب الصحيح إلى الكتاب والسنة الذي به يفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم اتباع الصحابة، وانتهاج منهجهم، وارتضاء طريقتهم، فبهذا تنقطع الأسباب المدعاة، ويظهر المحق والمبطل، وقد فُصِّل هذا الإجمال في موضع آخر من هذه " الورقات".
ومنها: ما هو خاص يضاف إلى القائل بالنسبة لمن سبقه كقولهم: سلفنا، فهذا لفظ يصدق على كل من تقدم القائل، ولا يقتضي رفعة في رتبة شرعية، ولا منزلة دينية، وهذا هو الذي يستعمله المؤلفون عند ذكر علماء الأمة الأجلاء المتأخرين عن مرتبة أولئك، وهو الذي يصدق على الذين ذكرهم المؤلف وأقدمهم وفاة العز بن عبد السلام وكانت وفاته في القرن السابع، وآخرهم ابن حجر الهيتمي.
وهؤلاء عند علماء الشافعية متأخرون كما هو اصطلاحهم في المتقدمين والمتأخرين، وحد التفرقة رأس الأربع مئة عند الشافعية، فإطلاق " سلف هذه الأمة" عليهم ليس مستقيماً لا باقتضاء لغوي ولا عرفي.
قال ص 41 في فصل " حقائق تموت بالبحث": " وذلك مثلاً كاختلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لله -سبحانه وتعالى- كيف كانت؟ والخلاف الطويل العريض الدائر بينهم في ذلك الباب، فمن قائل: رآه بقلبه، ومن قائل: رآه بعينه، وكل يورد دليله ويستنصر له
بما لا طائل تحته، والذي أراه أن كل ذلك عبث لا فائدة فيه، بل ضرره أكبر من نفعه" اهـ. أقول: هذا قول كاتب المفاهيم الغريبة العجيبة، وفي قوله من الجرأة والانتقاص للسلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ورميهم بالبحث فيما لا فائدة فيه! بل إنهم في زعمه يبحثون فيما ضرره أكبر من نفعه! من علمك هذا الاختيال والزهو؟ ومن صيرك حكماً على أقوال الصحابة تتهمهم بالعبث، ومباحثهم بالضرر؟.
قال أبو العباس القرطبي في " المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (1/148) نسخة الأحمدية بحلب: " واختلف قديماً وحديثاً في جواز رؤية الله تعالى، فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة، وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها الآخرة.
ثم هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه أم لا؟ اختلف في ذلك السلف والخلف، فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف، وهو المشهور عن ابن مسعود وإليه ذهب جماعة من المتكلمين والمحدثين.
وذهبت طائفة أخرى من السلف إلى وقوعه، وأنه رأى بعينيه، وإليه ذهب ابن عباس، وقال: اختص موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالرؤية، وأبو ذر وكعب والحسن وأحمد بن حنبل، وحكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قولٍ لهما آخر" اهـ. وطلب دلائل هذه المسألة وسبب الاختلاف له موضع آخر، وإنما المقصود هنا رد قول الكاتب الجريء على السلف، أن ضرر البحث في المسألة أكبر من نفعه.
ولو كان الكاتب ذا أدب علمي، وورع ديني لما ضمن كلامه هذه الاتهامات لخير القرون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال في ص 29 من كتابه في العلماء والسلف الصالح: " كيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الانحراف " اهـ. فهذا قوله ذكرناه به، وحَتْفَهَا تحمل مَعْز بأظلافها، ويداك أوكتا وفوك نفخ، إذ هو مقر على نفسه بأن فتح باب العلوم لا يجتمع مع التنقص للسلف، وهو متهم بعض علوم الصحابة بالعبث والضرر، فصدق؛ فإن باب علومهم موصدٌ أمامه، مغلق لا يفتح إلا لمن أجلهم ونظر فيما اختلفوا فيه وترضى عنهم.
فكتاب المفاهيم بشهادة كاتبه على نفسه ليس له بعلوم الصحابة اتصال، ولا ارتباط بسبب من الأسباب، وإن كان يدعي خلاف ذلك فرب زَعَمات يُسمين عَزَمات.
وفي ص 38 عنون بـ " حقيقة الأشاعرة" وقال فيه: "يجهل كثير من أبناء المسلمين مذهب الأشاعرة، ولا يعرفون من هم الأشاعرة ولا طريقتهم في أمر العقيدة.. ولا يتورع البعض أن ينسبهم إلى الضلال أو يرميهم بالمروق من الدين والإلحاد في صفات الله، وهذا الجهل بمذهب الأشاعرة سبب تمزق وحدة أهل السنة.. إلخ".
نقول: مذهب الأشاعرة في العقيدة معروف، ومخالفاته لمذهب أهل السنة محررة معلومة، فيجب هنا أن نذكر طرفاً من حال الأشاعرة ليتضح حالهم، ولا يلتبس الآمر فأقول: الأشاعرة جمع أشعري وهي نسبة إلى الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري جده البعيد أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- ولد سنة 260 تقريباً وتوفي سنة 324هـ.
مات أبوه فتزوجت أمه بعده أحد رؤوس المعتزلة وهو: الجبائي، فتربى الأشعري في حجره، حتى كانت تلمذته له خاصة، فعرف فكره ودرس مذهبه حتى بلغ أربعين سنة فيما قيل يناظر على مذهب الاعتزال.
ثم يقال: إنه رقى يوم جمعة كرسياً، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي: أنا فلان ابن فلان، كنت قلت بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع.
وقيل غير ذلك واخترت أخصرها لفظًا، والمقصود أنه تاب من اعتزاله، ثم بعد ذلك جلس في حلقة أصحاب ابن كلاّب، فأخذ منهم زماناً، فكان مذهبه المتوسط الذي ينسب إليه أتباعه هو المذهب الكلابي الذي لم يتخلص من براثن الاعتزال وهو نفي الصفات، ما عدا سبعاً منها، والقول بالأرجاء، والكلام النفسي، ونفي الحكمة عن أفعال الله وشرعه.
ثم نظر في النصوص نظرة تعلم فتاب من مذهبه ذلك، ورجع إلى مذهب أهل الحديث في الجملة، وهاك نصوصاً من كتبه مقررة لذلك.
1- قال في " مقالات المسلمين " وهو أوثق الكتب نسبه له بعد أن سرد مذهب أهل الحديث وعقائدهم بتفصيل (1/320-325) : " فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله... ". 2- قال في " الإبانة " العبارة المشهورة المنقولة: " قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا، وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون... " اهـ.
ولكن المنتسبين إليه بقوا على مذهبه المخالف لمذهب السلف في باب الصفات والقدر وغيره، ولم يكونوا على مذهبه الأخير الذي استقر عليه، بل بقوا على مذهبه الذي رجع عنه والذي هو ضلال وخروج عن منهج السلف، فكيف يقال إن تضليل الأشاعرة تمزيق لوحدة أهل السنة؟ ! بل نقول إن الدفاع عن مذهب الأشاعرة -وهو مذهب باطل -هو التمزيق لوحدة أهل السنة، حيث حسب على أهل السنة من ليس منهم ليحل مذهبهم الباطل على مذهبهم الحق ويدس في صفوفهم من ليس منهم.
قال ص 38 عن الأشاعرة: " هم الذين قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: [والعلماء أنصار علوم الدين، والأشاعرة أنصار أصول الدين] " الفتاوى " الجزء الرابع" اهـ. أقول: ما قال هذا شيخ الإسلام، وإنما نقله في فتوى له (4/16) عن العز بن عبد السلام من قوله، وهذا نصه: " رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد فتوى طويلة، فيها أشياء حسنة، قد سئل بها عن مسائل متعددة، قال فيها: فذكر نقولاً منها قوله: قال: " وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية، فمن لعنهم عزر، وعادت اللعنة عليه، فمن لعن من ليس أهلاً للعنة وقعت اللعنة عليه.
والعلماء أنصار فروع الدين، والأشعرية أنصار أصول الدين ". هذا كلام العز بن عبد السلام، وتعقبه شيخ الإسلام بقوله: "فالفقيه أبو محمد أيضاً إنما منع اللعن، وأمر بتعزير اللاعن لأجل من نصروه من " أصول الدين "، وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث، والرد على من خالف القرآن والسنة والحديث ولهذا كان أبو إسحاق يقول: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة".
وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد.
ولهذا قال أبو القاسم ابن عساكر في " مناقبه ": "ما رأيت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين، حتى حدثت فتنة ابن القشيري " إلخ كلام الشيخ.
فعلم بهذا أن شيخ الإسلام ما أطلق بأن الأشاعرة أنصار الدين، بل إنه رد على أبي محمد بن عبد السلام إطلاقه ذلك القول؛ لأنهم إنما يمدحون بما وافقوا فيه الكتاب والسنة، ويذمون بما خالفوا فيه القرآن والحديث.
فالأشاعرة نصروا الدين في مسائل نقضوا بها على المعتزلة، وأحسنوا، ولكنهم لم يتبعوا القرآن والحديث في مسائل معروفة من الأصول، فلذا إنما نصروا جانباً، وعظمت الفتنة بهم فيما ضلوا فيه عن القرآن المجيد والحديث.
وكاتب المفاهيم ليس ذا تحرٍ في نقوله، بل إنه مقلد في عباراته، فهذه الجملة من قول العز بن عبد السلام قد نسبها إلى شيخ الإسلام ترويجاً لها رجلٌ أشعري معاصر، يقطن مكة الآن، وجل من ترى اليوم منهم شيوخًا وصغاراً منهجهم عدم التثبت، وترك التوقي، والتلبيس والتزوير، فالله المتسعان.
قال ص 39 في تعداد أسماء الأشاعرة: " وأبو حيان التوحيدي صاحب البحر المحيط ". أقول: كيف يؤمن على تصحيح المفاهيم، وتفسير القرآن وشرح الحديث من لا يفرق بين أسماء العلماء ولا يعرفهم.
فمن كان هذا شأنه وتلك علومه فسيخلط حين ينسب الأقوال ويتقول على أهل العلم ما لم يقولوه، فربما يقول القول محمدُ بنُ إسحاق ابن خزيمة، فيجعله لمحمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة، وربما يروي
أبو نعيم الفضل بن دكين خبراً فيجعله من مرويات أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، وربما ينقل عن محمد بن إدريس أبي حاتم الرازي ويجعله لمحمد بن إدريس الشافعي، وربما ينسب لأبي داود السجستاني ما لأبي داود الطيالسي، وربما ينقل عن أبي زرعة العراقي ما لأبي زرعة الرازي، كما صنعه بعضهم، وهكذا.
وفي علوم اللغة ربما نسب لابن هشام صحاب السيرة ما لابن هشام شارح مقصورة ابن دريد أو لابن هشام النحوي شارح الألفية، وربما نسب ما لأبي عبيد لأبي عبيدة، أو ما للأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة ما لأخفش آخر، كعلي بن سليمان أو غيره، وربما نقل عن الأزهري أبي منصور ويظنه الأزهري خالداً المتأخر شارح " أوضح المسالك " وغيره، وهكذا.
وفي علوم القراءات ربما عزى القول أو القراءة لابن كثير المكي، فظنت لابن كثير المفسر، وبينهما قرون، وربما نسب لنافع المدني ما لنافع مولى ابن عمر، وربما ذكر قراءة عاصم بن أبي النجود فظنت كمنزلة روايته عند المحدثين.
وفي علوم الفقه: ربما خلط بين ابن تيمية شيخ الإسلام أبي العباس وبين جده أبي البركات، وربما نسب ما لابن حجر العسقلاني لابن حجر المكي، وربما ظن قول ابن عبد الهادي يوسف قولاً لابن عبد الهادي محمد بن أحمد، وربما خلط بين الهيثمي والهيتمي، وربما ظن ابن نجيم صاحب " البحر الرائق " هو ابن نجيم صاحب " النهر الفائق "، وربما ظن الزيلعي الفقيه هو الزيلعي صاحب " نصب الراية ". وسرد بقية العلوم، أو الاستفاضة فيما أشير إليه ليعلم؛ فلا يخرج بنا عن المقصود الذي مثلنا بنظيره، وألمعنا إلى قليله.
وإني لا نقضي عجبي من قول الكاتب: أبو حيان التوحيدي صاحب " تفسير البحر المحيط "، ثم أعجب أكثر حين أرى أسماء العلماء الذين صدروا كتابه بالتقريظات والثناء العاطر، وكلهم يزعم أنه قرأ الكتاب! ومنهم من حُلّي اسمه بالقاضي العلامة المؤرخ (!) الفقيه، ومنهم العلامة المحدث المحقق، ومنهم العلامة الفقيه، ومنهم العلامة الفقيه الأصولي الذي امتدح كتاب " المفاهيم " بقوله: بحث دقيق عميق لا يقوم له خبط وخَلْطٌ وتدليس وإيهام ومنها تقاريظ لم تنشر تواضعاً! كيف يفوت المقرظين هذا الخلط العجيب بين رجلين عاش أحدهما في القرن الرابع، والآخر في السابع والثامن الهجريين؟ ! كيف لم تمر عليهم هذه العبارة ويصححوها؟ ! أو هي مرت ولم يعرفوها؟ ! ما من شك أن المستنتج أنهم لم يقرؤوا كتابه، إذ فوت مثل هذا على أمة من العلماء لا يتصور إلا بأحد سببين، الأول: ذكرناه، والآخر: نطويه ليتفكر فيه اللبيب.
إن المتوسط من طلبة العلم يدرك من هو التوحيدي، ومن صاحب " البحر المحيط "، فهاك يا من زبزب قبل أن يحصرم ترجمة الرجلين، لعلّها تكون لجاماً عن الإعجاب بالنفس، أو الإعجاب بالتقريظات.
أما التوحيدي فهو علي بن محمد بن العباس البغدادي، قال الذهبي فيه: " الضال الملحد... صاحب التصانيف الأدبية والفلسفية" اهـ. ولد نحو سنة 335هـ وهلك نحو سنة 414هـ أو فيها.
له تصانيف فمما طبع: الإمتاع والمؤانسة، وفيه ذكر اتصاله بإخوان الصفا، وله البصائر والذخائر، والصداقة والصديق، ومثالب الوزيرين، وغيرها.
ومذهبه غامض يتدسس فيه وله إعجاب بالمعتزلة، وكأنه لذلك سمى نفسه التوحيدي، نسبة إلى توحيدهم الذي هو نفي الصفات، وقيل نسبة تمرٍ بالعراق يقال له: توحيد، وليس بمستقيم.
والتوحيدي أبو حيان يشبه أن يكون من إخوان الصفا الباطنيين، أو من أتباع الإسماعيليين فإنه يردد آراءهم في كتبه، وهذه الآراء شر محض، وفلسفة صرفة، ودين غير دين الإسلام.
وأما أبو حيان الأندلسي صاحب تفسير " البحر المحيط " فهو أثير الدين محمد ابن يوسف بن علي بن يوسف بن حيَّان الأندلسي الغَرْناطي النفزي، نسبة إلى نِفْزة، قبيلة من البربر.
قال ابن العماد في " شذرات الذهب " (6/145) : "نَحْوي عصره، ولُغويه، ومفسره ومحدثه ومقريه ومؤرخه وأديبه، ولد بمَطْخشَاش مدينة من حضيرة غرناطة في آخر شوال سنة 654هـ" اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في " الدرر الكامنة " (4/304) : " كان ظاهرياً وانتمى إلى الشافعية، واختصر المنهاج، وكان أبو البقاء يقول: إنه لم يزل ظاهرياً، قلت: كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه" اهـ. توفي سنة 745 هـ وهو قائل هاتيك الأبيات في شأن الشيخ تقي الدين ابن تيمية لما دخل مصر.
قال الكاتب ص 9: " جاء في الحديث: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ". والمعنى أن إطراءه والتغالي فيه والثناء عليه بما سوى ذلك هو محمود، ثم قال: "نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيءٍ من صفات الربوبية، ورحم الله القائل حيث قال: دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
فليس في تعظيمه صلى الله عليه وسلم بغير صفات الربوبية شيء من الكفر والإشراك بل ذلك من أعظم الطاعات والقربات.. " انتهى.
أقول: أهل السنة والحديث -بحمد لله وتوفيقه- يعظمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أمرنا أن نعظمه به، من الإيمان به وبما جاء به، وتعزيره وتوقيره، واتباع النور الذي جاء به، والاستنان بهديه وسنته في الأمور كلها.
وهم يحبون حديثه وسنته، ويدافعون عنها، وينافحون عن أقواله، ولا يرتضون أن ينسب أحد إليه ما لم يقله، أو يترجح أنه ما قاله.
يعرفون منزلته التي أنزله الله فلا ينزلونه عنها وحاشاهم، ولا يرفعونه عنها كما فعله الغلاة، وهم في كل ذلك متبعون طريقة الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- ومن بعدهم من أئمة الهدى والدين.
ثم لما ظهرت طوائف الابتداع كالصوفية الغلاة اظهروا فتنة عظيمة فتنوا بها الناس ألا هي: إظهار تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأقوال، وهجر اتباعه بالأفعال، فخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطريقة أصحابه الكرام الخلفاء الراشدين فمن بعدهم.
وأدخل أولئك المتصوفة من الأحاديث المكذوبة والموضوعة ما لا يكاد يحصى عن قلة علم وجهل بالحديث، أو عن قصد عمد، وأشيعت في الناس وانتشرت حتى هجرت السنن الصحيحة واتبعت الأحاديث المردودة، وهم معترفون بأنهم لا يعرفون الحديث ومخارجه، ولا صحيحه من بهرجه، ومن نظر في كتب القوم وجد ذلك جلياً.
وسياق كاتب المفاهيم لحججه بين ضعف الاستدلال والتقليد، فهو مطلق لنفسه الحبل على الغارب، فهذا الحديث الذي استدل به أخرجه البخاري في " صحيحه " (6/478) عن عمر مرفوعاً: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ".
والكاتب وضع يده على بقية الحديث لئلا يفهم منه قاري كلامه الفهم الصحيح واجتزاؤه هذا مخل، وهو من باب التحريف لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، تحريف معنى، إذ لا يتضح المعنى إلا بإتمامه، فإن معنى الحديث: لا تتجاوزا الحد في مدحي فيفضي بكم ذلك إلى ما آل بالنصارى لما أغرقوا في مدح وتعظيم عيسى -عليه السلام- فإنهم رأوا ما أجراه الله على يديه من معجزات كإحياء الموتى وإسماع الصم وإعادة الأبصار مع ضميمة كونه كلمة الله، فادعوا فيه الألوهية.
فالكاف في قوله صلى الله عليه وسلم: " كما" ليست كاف تشبيه، إنما هي كاف التعليل التي تدل على مآل الحال.
جاء في إنجيل " برنابا " في الفصل الرابع والتسعين قول عيسى -عليه السلام-: " إني أشهد أمام السماء، وأشهد كل ساكن على الأرض أني بريء من كل ما قاله الناس عني من أني أعظم من بشر؛ لأني بشر مولود من امرأة، وعرضة لحكم الله، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام ". ثم جاء فيه رد النصارى عليه: " قال الوالي وهيرو دوس: يا سيد! إنه لمن المحال أن يفعل بشر ما أنت تفعله، فلذلك لا تفقه ما تقول" اهـ. هذا قول عيسى -عليه السلام- وقد أخبر الله عنه في المائدة، أنه قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: 117]، وقال لهم: ﴿اعْبُدُواْاللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾
وقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [الصف: 6]، قال شيخ الإسلام في " رده على البكري " (ص105) : "فلو امتثلوا أمره كانوا مطيعين لرسل الله، موحدين لله، ونالوا بذلك السعادة من الله تعالى في الدنيا والآخرة، فغلوا فيه واتخذوه وأمه إلهين من دون الله: يستغيثون به وبغيره من الأنبياء والصالحين، ويطلبون منهم، ويشركون بهم، وكذبوا بالرسول الذي بشر به، وحرفوا التوراة التي صدق بها، وظنوا في ذلك أنهم معظمون للمسيح، وكان هذا من جهلهم وضلالهم.
فإنهم كلما أطاعوه فيما دعاهم إليه كان له مثل أجورهم، وكانت طاعتهم له، والإقرار بعبوديته، وبما بشر به فيه: وله ولهم من الأجر ما لا يحصيه إلا الله، ففوتوا هذا الأجر والثواب عليهم وعليه، وله ولهم فيه الخبر المستطاب، واعتاضوا عن ذلك بما ضرهم في الدنيا والآخرة.
وإذا بين لهم قدر المسيح فقيل لهم: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]، قالوا: إن هذا تنقص بالمسيح، وسب له واستخفاف بدرجته وسوء أدب معه، بل قالوا: هذا كفر وجحد لحقه، وسلب لصفات الكمال الثابتة له " اهـ. ففي حديث عمر " لا تطروني " إرشاداً إلى قطع وسائل الإطراء والأمر بأن نقول فيه: عبد الله ورسوله، هذا الذي ارتضاه صلى الله عليه وسلم لنفسه، أفلا نرتضي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما ارتضاه هو لنفسه؟ ! وقد نهى عن تعظيمه بأحاديث كثيرة؛ قطعاً وحسماً لمادة الإطراء المستوجبة لرفعه فوق منزلته التي أنزله الله، المؤدية لوصفه بما لا يجوز إلا لله.
ثم إن قول الكاتب: " نعم يجب علينا أن لا نصفه بشيء من صفات الربوبية.
ورحم الله القائل حيث قال: دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم" أقول: إن قولك كله من مشكاة هذا القائل الذي أبهمته، وأنت من أحفظ الناس لاسمه، إنه البوصيري صاحب البردة، فلم أبهمته، وتركت التصريح باسمه؟ ! وقولك هذا من أقوال شراح البردة، يتناقله الضلال من قديم في ردودهم على أهل الحق، وعلمهم حول البردة يدندن، قال الأزهري في شرحه للبيت ص 22: "اترك ما قالته النصارى -في نبيهم عيسى بن مريم -عليهما السلام- أنه ابن الله كما أخبر الله -سبحانه وتعالى- عنهم، فإن نبينا نهى عن مثل ذلك، حيث قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى "، أي: لا تصفوني بذلك، واحكم بعد ذلك له صلى الله عليه وسلم بما شئت من أوصاف الكمال اللائقة بجلال قدره، وخاصم في إثبات فضائله" اهـ. يعني لا تقولوا ابن الله وقولوا بعد ذلك ما شئتم من الغلو والشرك، وهذا من فروع الإطراء الذي نهى عنه، وقعوا فيه، فالغلو شر كله، وقادهم الغلو إلى قولٍ خطير، عظيم شره، وهو قول البوصيري: لو ناسبت قدرَه آياتُه عظماً أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم قال إبراهيم الباجوري شارحاً للبيت ص 33: "لو ناسبت آياته قدره في العظم لكان من جملة آياته أن يحيى اسمه دارس الرمم حين يدعى به، فلم تناسب آياته قدره في العظم، وهو المطلوب؛
لأن الواقع أن قدره صلى الله عليه وسلم أعظم من آياته، حتى من القرآن المتلو بخلاف غير المتلو" انتهى.1
فانظر ما جره إطراء البوصيري من المعاني المستولية الوخيمة، التي تنادي عليهم بالويل والثبور من كل سهل وجبل، وغَوْرٍ ونجد، حتى اتهموا الله بأنه لم يوفه حقه، فاللهم! إنا نبرأ إليك من هذا القول وقائله وممن ارتضاه.