الكون، فبيده إشفاء المرضى بتفويض الله له ذلك، وبيده إزالة البلاء والقحط والنكبات، لتفويض الله له التصرف في جزءٍ من الكون.
وهذا معلوم، والكاتب مغالط فيدعي معرفة عقائد كل من قال تلك الكلمات، وذاك من الدعاوي العريضة التي هي محض تخرص، أو مغالطة.
فمن ذلك ما في " رماح حزب الرحيم " لعمر الفوني (1/219) 1 قال في النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته" اهـ. وفي شعر لأحدهم2قال: فلذا إليك الخلقُ تفزَع كلهم في هذه الدنيا وفي اليوم الأهم وإذا دهتهم كربة فرجتها حتى سوى العقلاء في ذاك انتظم جُدْ لي فإن خزائن الرحمن في يدك اليمين وأنت أكرمُ من قسم وعند عباد القبور المستغيثين بأصحابها من اعتقاد تصرفهم في العالم شيء كثير، وهو من أعظم الشرك، الشرك في الربوبية.
ومن أدلته على خطأ فهم العلماء لحديث ابن عباس قوله ص98: " ويكفي في بيان الخطأ أن الحديث نفسه إنما هو جواب منه -عليه الصلاة والسلام -لسؤال ابن عباس راوي الحديث بعد تشويق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأله فإنه قال: "يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن"، فأي تحريض على السؤال أجمل من هذا؟ قال ابن عباس: بلى" اهـ.
أقول: الحديث أخرجه الترمذي في " جامعه " (رقم 2516) بإسناده عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: "يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله... " الحديث.
وأخرجه أحمد (1/293) هكذا، وجماعة.
هذه الرواية المشهورة القوية السند.
وهي التي أشار إليها الكاتب حيث قال: " هذا طرف من الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعاً"، وليس فيها السؤال والجواب اللذان أوردهما.
وإنما ورد ذلك من طريق ضعيفة منقطعة، أخرجها أحمد في " المسند " (1/307) وغيره، وفي كلام أحمد شاكر على الحديث وبيان انقطاعه كفاية، فيرجع إليه (4/286-288). ثم قال الكاتب: " ولو جرينا على هذا الوهم ما صح على مقتضاه أن يسأل جاهل عالماً ولا واقع في مهلكة غوثاً... إلخ".
أقول: هذا مما يعرف بالأسباب الظاهرة للعيان مما جاءت الشريعة بإقراره بين الناس، وأن لا حرج فيه، وأما سؤال الموتى فهذا من الأسباب الخفية التي جاءت الشريعة بردها ونهي الناس عنها، وقتال المشركين من العرب وغيرهم عليها.
وشعر الكاتب فداحة الخطأ وتكثير الكلام فيما لا طائل تحته فقال: "فإن قالوا: إن1الممنوع إنما هو سؤال الأنبياء والصالحين من أهل القبور في برازخهم لأنهم غير قادرين، وقد سبق رد هذا الوهم مبسوطًا ".
أقول: جواب الشرط لم يذكره، والعبارة ركيكة، وأما رده عقيدة السلف والعلماء، فهو مردود عليه؛ لأنه -كما سبق- ينفي شرك التصرف ظاهراً، ويقع في شرك القربى والزلفى.
وأبطال دعواه فُصّل فيما كتبته عليها.
ثم تكلم الكاتب على حديث رواه الطبراني في " معجمه الكبير " 1 أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ". ساقه هكذا الكاتب.
ثم قال في معناه ص101: " فلا بد من تأويله بما يناسب عمومات الأحاديث لينتظم شمل النصوص، فنقول: إن المراد بقوله: ذلك هو إثبات حقيقة التوحيد في أصل الاعتقاد، وهو أن المغيث حقيقة هو الله تعالى والعبد ما هو إلا واسطة في ذلك" اهـ. أقول: ما أجرأ الكاتب على عسف الأحاديث، فإن أبا بكر -رضي الله عنه- هو الصديق أول المؤمنين وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وفضائله وسبقه مشهور، أفيظن به أنه يحوم على خاطره استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم بالإغاثة؟ ! هل يجوّز مسلم أن يأتي على ذهن أبي بكر أن إغاثة الرسول -عليه الصلاة والسلام- مستقلة؟ ! هذا ما قرره كاتب المفاهيم، وفي حمل الحديث على ما حمله عليه من هذا المعنى الباطل نسبة الصديق إلى غاية الضلال، وهو الشك في خالق الأسباب المتفرد بها، يالها من معانٍ سيئة
قبيحة جرها عدم الفقه والفهم، فما أفسد وأشنع مفاهيمك يا كاتب المفاهيم! وفي الجعبة سهام مريشة، والاكتفاء بهذا الوجه في رد إفكه كاف، قال شيخ الإسلام في " رده على البكري " حين أورد جنس كلام كاتب المفاهيم قال ص 204: " والنبي صلى الله عليه وسلم نفى وأثبت، وإن كان ما نفاه لم يخطر بقلوبهم، فأي حاجة إلى نفيه، وإن قيل: إنهم ظنوه فذلك بهتان عظيم، بخلاف ظنهم أنه يقدر على دفع المكروه1؛ فإن هذا الظن قد كان يقع منهم كثيراً، وقد يكون الأمر كما يظنه الظان، فليس فيه قدح لا في الصحابة -رضي الله عنهم- ولا في الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف من يقول: لا تعتقدوا في أني مثل الله أقدر وأستقل بالتأثير كما يفعله الله، فإن هذا المعنى لا يظنه به من هو دون الصحابة، فكيف يظنونه هم" انتهى.