هذه مفاهيمناصفحات 139-178
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثالث: الشفاعة...

صفحات 139-178

الشفاعة معنى الشفاعة في اللغة: تقولُ: شَفَعَ لي يَشْفَعُ شفاعةً، وتَشَفَّعَ: طَلَبَ.
قاله ابن سيده في " المحكم " 1، ونقله في " اللسان "، قال أبو منصور: " روى أبو عمر عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، قالا: الشفاعة: الدعاء ها هنا.
والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره" 2.
وشفع إليه: في معنى طلب إليه.
والشافع: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، فمعنى الشفاعة: الدعاء.
وعلى هذا يفسر موارد اللفظ في القرآن والسنة، في لفظ الشفاعة، فمما ورد في السنة ما رواه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته على الجنازة: " اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له " رواه أحمد.
وعن أنس وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه " رواه مسلم.
وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلمٍ يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه " رواه مسلم.

فهذا معنى الشفاعة في وضع اللغة واستعمال الشرع.
آيات الشفاعة جاءت في الشفاعة آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، فبعضها ينفي الشفاعة مطلقاً عن أحدٍ غير الله، وأخرى فيها إثبات الشفاعة عنده تعالى وتقييد الانتفاع بهذه الشفاعة بإذن الرحمن -جل وعلا- بالشفاعة، وفي آيات غيرها تقييد الانتفاع برضى الله -جل شأنه- عن عن المشفوع له.
فمما جاء في اختصاص الشفاعة بالله وحده ولا يملكها أحد غيره قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: 43، 44]، فهذا نفي بالنص الصريح أن يملك أحدٌ الشفاعة؛ لقوله: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44].
ومن ذلك نفيه تعالى أن يكون من دون الله شفيع، قال: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: من الآية51] وهذه الآية في المؤمنين قال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْإِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 51]، وهذا نفي منه تعالى أن يكون للمؤمنين شفيع من دون الله، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْمِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَشَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254]. فنفى تعالى أن يكون في ذلك اليوم شفاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ

يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86]، وفي آيات أُخر: ذكر الله تعالى أن الشفاعة موجودة في ذلك اليوم، وتنفع بقيد وشرط: أن يأذن الله تعالى للشفيع أن يشفع.
فمنه قوله تعالى في أعظم آية في القرآن: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وقال في أول يونس: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: 3]، وقال تعالى في النجم: ﴿وَكَم مِّنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ [النجم: 26]، وغير ذلك من آيات الذكر الحكيم.
وفي آياتٍ أُخر ذكر تقييد الانتفاع برضى الله، واتخاذ الشافع والمشفوع له عهداً عند الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 28، 29]، وقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87].
وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109]، وآيات أخر لا تخفى على من تتبع ما في الباب من آيات، فإذا تبين أن الله -تبارك وتعالى- قد نفى في كتابه شفاعة، وأثبت شفاعة، وجب على طالب الحق أن ينظر في هذه الشفاعة المنفية، والشفاعة المثبتة، ومعنى هذه وهذه، حتى لا يضل في هذا الأمر الذي ضل فيه فئام من أمة محمد، وإنما كان سبب ضلالهم أن كل فرقة أخذت بآية، وبنت

عليها أحكاماً ولم تتتبَّع آيات الشفاعة في القرآن، فضربوا كتاب الله بعضه ببعض، والقرآن حق كله، والحق لا يناقض حقاً أبداً.
فالآيات الأولى دلت على أن هناك شفاعةً منفية ليست لأحدٍ من الخلق، وهذه الشفاعة هي ذاك النوع الذي يظنه المشركون في الجاهليات، وأولئك المشركون ظنوا أن الشفاعة عند الله، كالشفاعة عند غيره، وهذا أصل ضلال النصارى أيضاً.
فمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله، مثل: أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم ويرجوهم، فيجيب سؤالهم؛ لأجل رجائه أو خوفه منهم، أو أن لهم حقاً عنده يوجب عليه الإجابة فيمن يشفعون فيه عنده، وإن كان يكره شفاعتهم، ويشفعون بغير إذنه.
فهذه الشفاعة هي التي نفاها الله -جل وعلا- في الآيات الأولى، وهي أن يكون للشافع حق عند الله كما للشفعاء حق عند الملوك ونحوهم.
وهذا النوع هو الشركي الذي أشرك به من أشرك بالله، واتخذ وسائط يسألهم الشفاعة، كما كان يفعله النصارى، وأشباههم في ذلك من هذه الأمة، ويعتقدون أن لهم أن يسألوا المقبورين من الأنبياء والصالحين شفاعتهم، وهم يعتقدون أن لهم حقاً عند الله به يجيب شفاعتهم ولا يرد شفاعتهم.
وهذا غلط: فإن دعاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قد يرد، وليس كل ما دعوا به أجيب، بل ربما امتنعت إجابتهم لحكمة يعلمها الله -عز وجل-،

إما أنه قد سبق في القضاء ما يخالف ما دعوا به، أو لأنهم دعوا وشفعوا فيمن لم يرض الله قوله، أو نحو ذلك من الموانع.
ومن المتقرر في الكتاب والسنة أن الأنبياء ليس لهم حق في أن يجاب جميع ما دعوا به، ودعاؤهم حري بالإجابة وهم أرفع من غيرهم من أممهم، فإجابة سؤالهم إما إعطاؤهم عين ما سألوا، أو تأخير ذلك بالأجر الجزيل لهم.
وقد يستنكر بعض الناس هذا لكونه لم يرتو من علوم الكتاب والسنة، ولم يتفقه فيها، ولذا سأسوق بعض الدلائل لعلّها تكُفُّ بعض الناس، وتبصر أقواماً: فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال الله له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 80]، فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم -وهو خير الخلق وأعظمهم قدراً عند الله- لو استغفر لأولئك المنافقين لم يغفر لهم، وذلك لوجود مانع يمنع الإجابة، وهو أن المُسْتَغْفَر له غير مرضي عنه، فشرط الرضى غير متحقق في المشفوع له؛ فلم يُجب الداعي فيما سأل، وفي الآية بيان لهذا بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقد تمتنع إجابة الله للرسول صلى الله عليه وسلم لحكمة يعلمها الله -جل وعلا-، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في " صحيحه " (8/171-172) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".

وأورد الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " قول بعض شراح المصابيح: " اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة " فتعقبه بقوله (11/97) : "وأما جزمه بأن جميع أدعيتهم مستجابة فيه غفلة عن الحديث الصحيح: سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعنى واحدة.. الحديث" انتهى كلام الحافظ.1
وأخرج البخاري (11/96) ومسلم (1/130-132) عن أبي هريرة وأنس بن مالك ومسلم نحوه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة"، هذا لفظ نسخة الأعرج عن أبي هريرة.
قال الحافظ في " الفتح ": "وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط، والجواب: أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة " اهـ. وعلى هذا جرى أهل العلم وشراح الحديث، وقال الكَرْماني في " شرح البخاري " (22/122) عند شرح الحديث: " معناه لكل نبي دعوة مجابة البتة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهو على رجاء إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب" انتهى.
وكذلك غيره من الأنبياء لهم دعوة مستجابة، وما كل ما دعوا به أجيب، فهذا نوح قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

[هود: 45، 46] فسأل نوح ربه الشفاعة في ابنه فلم يعطها؛ لأنه فقد شرط الرضى على الابن، ولذا قال: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
وهذا إبراهيم خليل الله لم تنفع شفاعته في أبيه، وأمثال هذا معلوم لمن تدبر القرآن والسنة، مقرر فيهما أوضح تقرير وأبلغه، فإذا انتفى هذا عن الأنبياء، فالصالحون أولى وأولى.
وبعض الخلوف الجهال يظنون أن للأنبياء حقاً عند ربهم لا يرد، ولا يعلمون بهذه الآيات والأحاديث، وذلك من تسويل الشيطان وتلاعبه بهم.
قال ابن جرير في تفسير آية البقرة: ﴿وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 123] : " فتأويل الآية إذًا: واتقوا يوماً لا تقضي نفس عن نفس حقاً لزمها الله -جل ثناؤه- ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع، فيترك لها ما لزمها من حق.
وقيل: إن الله -عز وجل- خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم بها فيها؛ لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناؤ الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم الله -عز وجل- أن نفساً لا تجزي عن نفس شيئاً في القيامة، ولا يقبل منها شفاعةُ أحدٍ فيها، حتى يستوفي لكل ذي حق منها حقه" 1 انتهى.
والطائفة الثانية من الآيات أفادت إثبات الشفاعة، وهي الشفاعة الشرعية المخالفة لما عليه المشركون.
وأخبر الله -تعالى- أنها لا تنفع إلا بشرطين: الأول: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع.
الثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له.

وهذان الشرطان لازمان لكل شفاعة ترجى منفعتها، فأما الإذن: فهو إذن الله -تعالى- للشافع، ونكتة هذا القيد وسره صرف الوجوه إلى الله وإسلامها له وتعلقها به، وترك تعلقها بغيره لأجل الشفاعة؛ لذلك يساق هذا بعد ذكر التوحيد وذكر ما يدل على وجوب عبادة الله وحده، وهذا الشرط لم يفهمه فئام من الناس، ظنوا أن الاستثناء يفيد إثبات الشفاعة مطلقاً، وطلبها من غير الله فعادوا لما ظنه المشركون وقصدوه.
وحقيقتها أن الله إذا أراد رحمة عبده ونجاته أذن لمن شاء في الشفاعة رحمة للمشفوع فيه، وكرامة للشافع.
وإذا سأله الشفاعة ولم يأذن الله له لم تنفعه كما في شفاعة نوح لابنه، وإبراهيم لأبيه، ونبينا محمدٍ لعمه في استغفاره، حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113] صلى الله عليهم وسلم تسليماً.
فالرسل المذكورون صلوات الله وسلامه عليهم لم يأذن الله لهم الإذن الشرعي في أن يشفعوا: فلذا ردت شفاعاتهم، ولم يرض سبحانه فيمن شفعوا فيهم لأنهم كفار مشركون؛ فلذا لم تنفع شفاعة هؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
والله لا يرضى إلا التوحيد كما قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]؛ ولذا فسر السلف الرضا في الآيات التي وردت بها بالإخلاص والتوحيد، وترك الشرك كله.
فأخرج ابن جرير في " تفسيره " (16/97)، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في " تفسيره "، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص 109 كلهم من طريق معاوية ابن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى في مريم: ﴿لَا

يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87] قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله.
وهذه الطريق هي التي قال فيها الإمام أحمد هاتيك الكلمات، قال: " إن بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً".
قال الحافظ ابن حجر: " وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس " انتهى.
وهذه الطريق أعلى الطرق جودة وصحة عن ابن عباس في التفسير.
وفي المعنى ما أخرجه ابن مردويه في " التفسير " في هذه الآية عن ابن عباس قال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة".
وأخرج ابن جرير (17/13)، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في " البعث " وفي " الأسماء والصفات " ص 109 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله.
وهذه الطريق سلف الكلام عليها.
وفي قوله تعالى في الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾.
قال قتادة:: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ قال: لا تشفع الملائكة يوم القيامة: ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال: لأهل التوحيد، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير (25/62)، وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: 86]، قال: كلمة الإخلاص.

شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم: إذا تقرر هذا فينبغي النظر في نصوص الشرع الخاصة بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ففي الحياة الدنيا طلب الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم وهو معنى أن يشفع لهم، وهذا لا ينازع فيه أحد، وإنما الشأن في طلب الشفاعة منه بعد موته، وأهل السنة مجمعون في القرون الثلاثة المفضلة على أمرين: الأول: عدم مشروعية طلب الشفاعة منه في قبره، وإنما ظهر خلاف من خالف من شذّاذ الناس بعد نشاط الدعوات الباطنية كالإسماعلية والفاطمية، ومن تأثر بها كالموسوية الجعفرية وشبهها، فروجوا هذا في الناس، فأشكل على بعضهم.
فقد كان المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة لا يعرفون طلب الشفاعة منه بسؤاله إياها، بل مضى الخلفاء الراشدون ولم يسأل أحد منهم نبي الله الشفاعة بعد موته، ولو كانت مشروعة لكانوا أحرص عليها، ولم يتركوا طلبها منه بعد موته.
فلو لم يكن تغير نوع الحياة له أثر عندهم لما تركوا ذلك، وكذلك مضى التابعون وتابعوهم بإحسان وتابعوهم، حتى نشطت الدعوات الباطنية التي تسترت بالتشيع لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بل إنهم ألفوا الكتب باسمهم، وهذا ظاهر لمن درس حركة إخوان الصفا والعبيديين (الفاطميين) وكلها باطنية إسماعيلية، شعارهم التشيع لأهل البيت بزعمهم، وهم أول من أحدث الكذب في النسب إلى آل البيت رضي الله عنهم.
فالمقصود من هذا أن الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم بسؤاله الشفاعة بعد موته محدث أحدثه الباطنيون.

الثاني: وهو الأهم، أن أهل السنة مجمعون أن للنبي صلى الله عليه وسلم أنواعاً من الشفاعة يشفع بها، ولم يذكروا منها طلبها منه في قبره، بل كلها يوم القيامة.
فينبغي تأمل هذا، ومن خالف إجماع أهل السنة فليس منهم.

فصل: وبرهان هذا الإجمال الذي قدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أنه: "أول شافع، وأول مشفع" أخرجه مسلم (7/59). وهذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى لأهل الموقف، بالنص والإجماع.
فهذه قوله: نحكمه على من ادعى محبته وتصديقه، فقوله: " أنا أول شافع، وأول مشفع " يقتضي أولوية مطلقة لا استثناء فيها، على كل من قامت قيامته.
ومن زعم أنه بعد موته في قبره يشفع، وأن الصالحين يشفعون بعد موتهم في قبورهم فلا معنى لقوله: "أنا أول شافع" عند ذاك الزاعم، إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في قبره لكان يشفع من حين موته إلى أن ينفخ في الصور، وحينئذ فلا معنى لقوله: "أنا أول"، إذ لو كان يشفع في قبره لانتفى تخصيصه صلى الله عليه وسلم بهذه الفضيلة يوم القيامة! فإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع، وبعد قيام قيامة الناس يشفع، فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول شافع"؟ ! فهو على هذا الفرض مستديم الشفاعة، ودائم قبولها منه عند أولئك الزاعمين، وإذا كان كذلك فأي فائدة من إنشاء هذا الخبر أنه أول شافع وأول مشفع؟ ! فتدبر هذا فإنه مفيد لمن أراد الله به خيراً.
فأهل السنة المتمسكون بما كان عليه الصحابة يطلبون في حال موت النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة من الله، ويسألون الله أن يشفع فيهم نبيه صلى الله عليه وسلم، وطلبهم هذا يكون بأمرين: الأول: الاستقامة على تحقيق كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وفهم معناها، والعمل بمقتضاها، ومخالفة معتقدات مشركي العرب وأشباههم

ممن قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وممن قالوا: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: 18]، يشيرون إلى أوثانهم التي مثلوها بصور الأنبياء والصالحين.
الثاني: التضرع والاستكانة بين يدي الله في أوقات الإجابة والأسحار أن يمنّ عليهم بالاستقامة على التوحيد، ويثبتهم عليه، وأن يشفع فيهم نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم حين يأخذ الناس الكرب، فيكون أول شافع وأول مشفع.
اللهم! أنلنا شفاعته، واجعلنا ممن شفعته فيهم، ولا تحرمنا هذه الشفاعة، ونسألك الثبات على التوحيد، والعزيمة على الرشد.
وبهذين الأمرين يكون أهل الحق والسنة قد أخذوا بقوله صلى الله عليه وسلم: " كل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً " متفق عليه.
وهو تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه " متفق عليه.
فأهل الحق أخذوا وأعملوا القولين، ولم يحرفوا أحد القولين عن مراد الله، فاهتدوا، فزادهم هدى وآتاهم تقواهم.

فصل قال صاحب المفاهيم ص 78: " زعم بعضهم أنه لا يجوز أن تطلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، بل ذهب البعض الآخر من المتعنتين إلى أن ذلك شرك وضلال، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44] وهذا الاستدلال باطل، ولا يدل على فهمهم الفاسد، وذلك من وجهين: أولاً: أنه لم يرد نص لا في الكتاب ولا في السنة ينهى عن طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا" اهـ. أقول: هو لا يعني بقوله في الدنيا حال حياته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يعلم أن هذا لم يقله أحد، وإنما يعني بقوله: " في الدنيا" طلبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، كما صرح به بعد، بقوله ص81: "لا بأس بطلبها منه أيضاً بعد موته" اهـ. وهذا الوجه مردود من وجوه كثيرة، أجتزئ منها أوجهاً: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته لا يقال إنه في الدنيا لا عقلاً ولا شرعاً.
الثاني: أن هذا برهان لا يقوم عند العارفين بالبراهين، إذ قوله: "لم يرد نص" متهافت، فمن أراد أن يثبت حكماً ويعتمده وينصره، فلا بد أن يأتي بنص يدل على ثبوته، فقوله بجواز طلب الشفاعة من المقبورين أنبياء وصالحين هو الذي يجب أن يبرهن عليه بنص، لا أن يقال لمن نفاه معتمداً على عمومات النصوص في حال المشركين، إنه لم يرد نص، وكذا لمن نفاه بناءً على النفي الأصلي حتى يرد دليل الإثبات؛ لأن العبادات توقيفية، لا بد لها من أدلة صريحة.

الثالث: أن قوله: " لم يرد نص" غير صحيح، فعمومات النصوص تنهى عن طلب الشفاعة من الأموات؛ لأنهم أفضوا إلى ما قدموا، فتأمل قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: 18] والدعاء هو العبادة، والشفاعة طلب الدعاء، فعلم أن قولهم ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا﴾ تفسير لـ ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ في أول الآية.
وهنا نقلٌ أسوقه عن الرازي1ليستبين به الحال، وأن لا يقال إن هذا فهم (الوهابيين) فقط! قال في " تفسيره " (17/59-60) : " اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنهم شفعاؤنا عن الله!.. " فذكر صوراً منها قوله: " ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى.
ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله" اهـ. وهو كلام يقضي على قول صاحب المفاهيم من أُسَّه، حتى يواري كلامه في رمسه، من رجل هو عندهم مقدم في قوله وحسه.
والآيات في الشفاعة الشركية كثيرة، نوَّعَها الله جل وعلا في كتابه؛ ليتدبر باغي الخير، متحري الصراط المستقيم.
وهو إخبار عن قوم مشركين كي نبعد عن حالهم وصفتهم، وسياقة الآيات كلها وأقوال أهل التفسير والعلم فيها يخرج بي عن قصد الاختصار

والإيجاز، وقد قدمت طرفاً منها، ويرجع المستزيد لأقوال المفسرين وأهل العلم عند آيات الشفاعة.
الرابع: قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23]، والآية قبلها قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 22، 23]. فأبطل تعالى صور الشرك التي يعتقدها المشركون في كل زمان، وهذه الآية قال فيها بعض أهل العلم المتقدمين: هذه الآية تقطع عروق شجرة الشرك لمن عقلها.
قال الرازي في " تفسيره " (25/254-255) : " واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة.. " فذكر ثلاثة ثم قال: " رابعها: قول من قال: إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا، فقال تعالى في إبطال قولهم: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23]، فلا فائدة لعبادتكم غير الله، فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره، فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة" اهـ كلام الرازي بحروفه.
فتأمل قوله: إن من طلب الشفاعة فوت على نفسه الشفاعة التي تكون يوم القيامة؛ لأنها لا تنال إلا بالتوحيد، ومن التوحيد ترك طلب الشفاعة من المقبورين، سواء كانوا أنبياء أو صالحين وإنما تطلب شفاعة الأنبياء من الله سبحانه لا منهم، وتطلب من الله بتحقيق التوحيد والاستقامة عليه، وترك طلب الشفاعة ممن لا يملكها.

وهذا هو الحق الذي اتفقت عليه أقوال أهل العلم قبل إحداث الباطنية التعلق بالأموات، والتفلسف لإثباته بطرق عقلية لا شرعية.
وإنما ضل من ضل بسبب أنه ظن أن ما في القرآن من آيات في الشفاعة هي عن قوم مضوا وانتهوا، وهذا من مداخل الشيطان والأهواء على النفوس، وما أحسن قول شمس الدين ابن القيم1على هذه الآية: " فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً ونجاةً وتجريداً للتوحيد، وقطعاً لأصول الشرك وموارده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً.
وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.
ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم وشر منهم ودونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك.
ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه، أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه" اهـ.

قال صاحب المفاهيم ص78: " ثانياً: أن هذه الآية لا تدل على ذلك، بل شأنها شأن غيرها من الآيات التي جاءت لبيان اختصاص الله سبحانه وتعالى بما هو ملك له دون غيره، بمعنى أنه هو المتصرف فيه، وهذا لا ينفي أنه يعطيه من يشاء إذا أراد فهو مالك الملك، يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء.." إلخ كلامه.
ثم قال: " كذلك الشفاعة كلها له، وقد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين، بل وكثير من عامة المؤمنين كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً، وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه.. إلخ" اهـ. أقول: أولاً: اختصاص الله بالشفاعة اختصاص ملك، ومعنى ذلك أنه ليس لأحدٍ من الخلق شفاعة إلا من أخبر الله أن له شفاعة مقيدة بقيود، فالله -جل وعلا- هو مالكها يأذن لمن شاء أن يشفع، في من رضي أن يشفع فيه.
فالشفاعة ليست ملكاً مطلقا ً لهم كما زعمه الكاتب؛ لأن المالك له التصرف فيما يملكه، وإنما حقيقة الشفاعة أنها لله وحده، لكنه سبحانه يأذن لمن شاء أن يأذن له، وفي هذا تمام صرف القلوب إلى خالقها وحده مالك الشفاعة، وعلى هذا دلت الآية في الزمر قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: 43، 44].

فأخبر تعالى أن من اتخذهم المشركون شفعاء لا يملكون شيئاً، وشيئاً نكرة في سياق النفي، فتعم الشفاعة وغيرها، فهم لا يملكون الشفاعة، كما نبه عليه جماعة من المفسرين.
فهذه الآية صريحة في أنهم لا يملكون الشفاعة، وهذا الملك هو الذي يظنه المشركون وهو المطلق من شرطي الإذن للشافع، والرضى عن المشفوع له، فالشفيع مع هذين الشرطين يملك الشفاعة ملك انتفاع موقت، لا ملكاً دائماً؛ ولذا يحتاج في كل شفاعة أن يأذن الله ويرضى، فليست الشفاعة للشفيع مطلقاً؛ ولذا قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: 43]، فقوله: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من دون إذنه ورضاه.
ثانياً: قول الكاتب إن الشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين... الخ، مغالطة ظاهرة، فالشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين يوم القيامة مع شرط الإذن والرضى، لا إعطاءً مطلقاً؛ ولذا لا نصيب فيها لمشرك، وصحاح الأحاديث المتواترة معنوياً -كما قال- هي في الشفاعة يوم القيامة لا في الحياة البرزخية.
ففي الحياة البرزخية لا يجوز أن يسأل أحدٌ ميتاً الشفاعة؛ لأنهم لا يملكونها في الحياة البرزخية حتى ولا ملك انتفاع؛ لأنهم قد أفضوا إلى ما قدموا.
والنبي صلى الله عليه وسلم الذي أخبر بأنه سيشفع يوم القيامة، لم يخبر بأنه في قبره يشفع، ولا يوجد دليل صحيح ولا ضعيف في ذلك.
فقوله: " كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً" تلبيسٌ على الأغمار، فالأحاديث في شفاعة القيامة لا الحياة البرزخية، ولذا عدل الكاتب عن إثبات الحجة إلى الإحالة الإجمالية وما فيها من تلبيس، لينخدع بها من عري عن العلم.

ولم لا يحاكم الكاتب نفسه إلى الصحابة الكرام؟ ! فهل طلب الشفاعة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم صحابي من العشرة، أو طلبها أحدٌ من البدريين، أو أحدٌ ممن شهد بيعة الرضوان، أو ممن حج معه حجة الوداع، أو من شاء من الصحابة؟ فلم يطلب أحد منهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته البرزخية الشفاعة، بل عدلوا إلى طلبها -وهي الدعاء- ممن هو دونه عام القحط، وهذا إجماع منهم.
ثالثاً: أن آية الزمر: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44] رد على من يصرف قلبه لغير الله احتجاجاً بالشفاعة، كما كان مشركو العرب يصنعون مع آلهتهم، فإنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم أنها شفعاءُ لهم، فأخبر تعالى أن الشفاعة له، ليس لأحدٍ منها شيء.
قال الرازي في " تفسيره " (26/285) : " اعلم أن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالاً.
فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله.
فأجاب الله تعالى بأن قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: 43].
وتقرير الجواب: أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لهم.
والأول باطل؛ لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها؟ !

والثاني باطل؛ لأن في يوم القيامة لا يملك أحدٌ شيئاً، ولا يقدر أحدٌ على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله، الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره " انتهى.
قال صاحب المفاهيم ص 78-79: " وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه لا سيما إذا كان المسؤول كريماً، والسائل في أشد الحاجة إلى ما سأله ". أقول: هذا على أن الشفاعة وإن كانت ملكاً لله، فقد ملكها الأنبياء والصالحين، وهذه المقدمة قد احتج بها مشركو العرب، فيظنون أن الله ملك الملائكة والأنبياء الشفاعة تمليكاً مطلقاً من القيود، وهذا غلط في الفهم أسوأ غلط؛ لأن الله -جل جلاله- وتقدست أسماؤه لم يملك أحداً من خلقه الشفاعة تمليكاً مطلقاً من القيود، بل لا أحد يشفع عنده إلا بأمرين: 1- إذن الله للشافع أن يشفع.
2- رضاه عن المشفوع له.
والإذن هنا ليس هو الإرادة الكونية، بمعنى أنه لو لم يأذن لم يقع ولم يكن، بل من ظن هذا الظن فقد ظن نظير ما قاله المشركون: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148]، فإنهم قالوا لو لم يشأ الله شركنا لم يحدث في ملكه وملكوته، ولم يأذن بوقوعه، وهذه الشبهة أصل ضلال كثيرين.
فالمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين إنما يشفعون لمن أذن الله له يوم القيامة، ورضي توحيده وقوله، وأما في الدنيا في حياتهم وتمكنهم من الدعاء، فقد يشفعون بمعنى أنهم يطلبون من الله ويدعون، فمن دعا من

الأنبياء دون إذن من الرحمن وشفع فيمن لم يأذن الرحمن بالشفاعة فيه، فهذا يرد عليه ولا تقبل شفاعته، وهذا ظاهر، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]. وقال لنبيه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]، والآية في شأن المنافقين الذين كانوا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلون مع الناس ويجاهدون، لكنهم لم يخلصوا ولم يوحدوا ربهم بأعمالهم، فكان هذا شأنهم، فلم ينفعهم استغفار نبي الله صلى الله عليه وسلم.
قال ص79: " وهل الشفاعة إلا الدعاء، والدعاء مأذون فيه، مقدور عليه لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة، وبعد الوفاة في القبر، ويوم القيامة، فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهداً، ومقبولة لديه عز وجل في كل من مات على التوحيد" اهـ. أقول: وهذه الجملة من كلامه حوت تلبيساً وغلطًا، فالنصوص قد جاءت بجواز طلب الشفاعة أي: الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وجاءت بطلبها منه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولم تجئ بطلبها منه في حياته البرزخية.
ومما يؤكد منع طلبها منه وهو في البرزخ: أن الأحاديث جاءت في حياته ويوم القيامة، فلو كان طلبها في البرزخ مشروعاً لانتفى تخصيص الحياة والقيامة بالذكر.

فلما كان كذلك علم منه أن النوع الثاني من الحياة، وهو الحياة البرزخية تخالف ما قبلها وما بعدها، وبدليل أن الصحابة لم يفعلوا ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فتقرر أنها لا تطلب من الأموات.
وهذا برهان إجمالي، وأما تفصيل الرد على قوله فيقال: قوله: " الدعاء مأذون فيه مقدور عليه"، ليس صحيحاً على إطلاقه في الحياة والموت.
فأما والداعي حي قادر فهذا صحيح، وأما بعد موته فليس الأمر كذلك، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل قبره مسجداً، فقال فيما روته عائشة وابن عباس وأبو هريرة: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ يحذر ما صنعوا.
قالت: فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
متفق عليه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
والشاهد أن هذه اللعنة لمن اتخذ القبر مسجداً إنما هي لأن المسجد يقصد للدعاء، وأعلى أنواع الدعاء الصلاة، والصلاة دعاء في اللغة، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]. وقال الأعشى في شعره المشهور: تقولُ بنْتي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتحِلاً يا ربّ جّنَّب أبيْ الأوْصَابَ والوجعا عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي نوماً، فإنَّ لجنْبِ المرءِ مضطجَعا قوله: " صليتِ" يعني: دعوتِ، وشواهد هذا المعنى كثيرة، والصلاة كلها دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ومن لم يعرف هذين النوعين للدعاء لم يوفق لفهم الآيات في الدعا.
فإذا كانت المساجد إنما تقصد لدعاء الله فيها؛ فلعنة الله على من اتخذ قبور أنبيائه مساجد، معناها: النهي البليغ الشديد عن الدعاء

عندها، ولمن دعا عندها.
وإذا كان من دعا عندها كذلك ولم يدع إلا الله، فكيف به إذا سأل الميت الدعاء؟ ! والحي إذا أتيته وسألته الدعاء كان لك جائزاً.
وأما الميت إذا سألته أن يدعو الك فذلك شركٌ؛ ولأجله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، يدعى عندها ويصلى عندها، ونحو ذلك من وسائل الشرك، وهذا مع إخلاص السائل في دعائه، وإنما تحرى القبر لشرف المقبور، ولظنه أن المكان مبارك، وهذا من جنس من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن شرار الناس، فإن المساجد بنيت لدعاء الله فيها بالصلاة والذكر.
إذا تقرر هذا فانظر إلى فهم الخليفة الراشد عمر فيما عَلَّقه البخاري في " صحيحه "، وقد رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر، القبر، القبر، يحذر أنساً، ويعلمه أن بقرب مكان صلاته قبراً.
ولو كان الميت يملك الدعاء، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك بعد موته أن يدعو لمن سأله، ويقدر على الدعاء، كما يقدر عليه حياً، فلأي معنى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره مسجداً؟ ! فالمسلمون كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم، وكان يدعو لهم في حياته فلو كان دعاؤه لهم مقدوراً مستديماً بعد موته صلى الله عليه وسلم لما نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وهي الذريعة الكبرى، والوسيلة العظمى للإشراك الأكبر برب الأرباب، بطلب الدعاء من الأموات، والاستغاثة بهم، ونحو ذلك.
الثاني: أن يقال: إذا كان طلب دعاء الأموات من الأنبياء جائزاً وهم يقدرون على الدعاء، فلأي معنى لم يطلب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أن يدعو لهم بعد موته وعدلوا إلى العباس ويزيد الجرشي وهم أعلم الأمة وأحرص الأمة على الخير؟ !

الثالث: هؤلاء شهداء أحد معروف مكانهم وفضلهم، معروفة قبورهم لم يذهب إليهم أحد من المسلمين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ولا بعد مماته يسألونهم الدعاء، وهم أحياء حياة برزخية بنص القرآن: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَالْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 169-171]، فَلِمَ ترك أولئك طلب دعاء هؤلاء الشهداء، بل كانوا يدعون لهم، لا يسألونهم الدعاء، وهم أحياء بنص كريم، لكن حياتهم ليست كحياتنا على الأرض؟ ! نعلم منه أنهم وإن كانوا أحياء حياة برزخية لا نعلمها، فهي مختلفة في ما يقدرون عليه عن حياتهم في الدنيا، وهذا تقرير نافع لمن تأمله وتدبره، والحمد لله رب العالمين.
الرابع: أن مسلماً أخرج في " الصحيح " (7/189) عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم ". وأخرج أيضاً أن عمر قال لأويس لما لقيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يأتي عليكم أويس بن عامر " الحديث وفيه: " لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل " فاستغفر لي، فاستغفر له.
وفقه هذا الحديث الصحيح: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد عمر إلى أن يطلب الدعاء من أويس وهو تابعي، وأين منزلته من منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! فأرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يدعو له المفضول ويترك طلب الدعاء من خير الخلق في قبره، وهذا دليل واضح في أن الفرق هو تغير نوع الحياة، وقدرة

الحي على الدعاء للمعين، بخلاف من حياته برزخية -عليه الصلاة والسلام- فتأمل.
قوله: " لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة، وبعد الوفاة في القبر، ويوم القيامة، فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهداً ". أقول: قد مر فيما سبق في الوجهين الثاني والثالث الماضيين ما به يرد على هذه المقالة السيئة، التي تخالف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
وبقي هنا أمر وهو أن يقال: قوله: " وبعد الوفاة في القبر" مما لا يستطيع أن يأتي عليه بدليل، بل إن المشركين في الجاهلية اتخذوا بعض أصنامهم عند أماكن أناس صالحين، وعند قبورهم، ولم يكونوا يطلبون منها سوى الشفاعة.
والمشركون لم يكونوا يحجون لأصنامهم ولا يتصدقون لها، بل كانوا يدعون أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، أو المتخذة على قبورهم، وكان لهم معها حالان: 1- حال الرخا: وهم أنهم يسألونها حيناً أن تدعو لهم، وحيناً يدعونها أنفسها، وهم يعتقدون أن أرواح من اتخذ الصنم على صورته تحل عند الصنم، فتسمع الدعاء وتدعو لهم فتجيبهم إلى ما يطلبون.
ويسألونها جلب الخيرات، وإغداق الأموال، واستمرار المسرات، فهذه كانت حالهم في الرخاء كلها دائرة على طلب الدعاء من الأصنام، أو دعوتها، وحالهم قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] أي: ما ندعوهم.
ويستعينون على تحقيق استجابة الأوثان لهم بصرف النذور لهم، وإيصال القرابين إلى أعتابهم فتذبح بأسماء الأوثان، فيجيب الجن بعض ما طلبوا، فيظنون أن المجيب هو المدعو، فقويت عبادتهم عندهم.

2-حال الشدة: وأهل الجاهلية كانوا في هذا الحال يخلصون العبادة له، أي: الدعاء، كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِيالْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65] وغيرها من الآيات.
وهذا يدل على أن الله أعظم في نفوسهم من تلك الأصنام لعلمهم أنه لا يجيب في الشدة إلا بالإخلاص، وتوجيه الدعاء وهو العبادة له سبحانه.
وجماع هذا أن من سأل المقبور أن يدعو له لكشف شدته فإنه قد صرف محض حق الله للمقبور، وبيانه أن من وقعت به شدة، وكان به شدة حاجة إلى ما سأله، فسيكون في قلبه من التعلق بمن سأله وحبه ورجائه أمر عظيم، وسيكون قلبه مضطراً لتعظيم هذا المسؤول، وهذا كله مما يجب أن لا يكون إلا لله، فإذا كان الحب ورجاء إجابة السؤال، وتفريج الهموم، وزوال الكروب يطلب من غير الله من المقبورين: أنبياء أو صالحين فما بقي للقلب تعلق بالله، أين المحبة التي لا تكون إلا لله؟ ! فإذا علق هذا بالموتى كان كما قال تعالى عن أشباههم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ [البقرة: 165]. فالحمد لله الذي وفق محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقةً لاتباع سنته وهديه، في دعائه، وفي فعله وتركه، وخذل من شاء من خلقه بعدله، فتركوا سبيله في فعله وتركه، ولم يرتضوها، وتشعبت بهم السبل والطرق، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103، 104] الآيات.

فالشيطان حريص على إغواء بني أدم ويأتي كلاً بما يناسبه، فيأتي من ينتسب إلى العلم فيضله بما ينتسب إليه، ووقائع أحابيله في العيان ظاهرة، وشبهه في قلوب مواليه قاهرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال ص80: " وإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا قبل الآخرة فإن معنى ذلك أنه سينالها حقيقة في محلها يوم القيامة، وبعد أن يأذن الله تعالى للشفعاء بالشفاعة لا أنه ينالها هنا قبل وقتها" اهـ. أقول: أولاً: ليس هذا قصد من يطلب الشفاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، بل قصده أن يشفع له الآن، وصاحب المفاهيم يرواغ نفسه، ويناقضها، فإذا كان قصده كذلك فلم أطال في إثبات خبر عثمان بن حنيف الباطل الضعيف، فيمن أبطأ عليه عثمان بالاستجابة؟ ! أليس -في زعمه- أن شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم له كانت هنا في الدنيا؟ ! ولم ساق خبر العتبي، وقد أجيبت عندكم شفاعته في الدنيا؟ ! ولم سردت كل ما سردت من أقوال، تريد بها إثبات طلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وتحبب ذلك للناس ببيان أثر طلبها في الدنيا؟ ! لِمَ كل هذا من صاحب المفاهيم؟ ! لِمَ يتناقض، وفي صفحات متقاربة؟ ! أينسى، أم يتناسى، أم هو صاحب هوى؟ ! ثانياً: يقال: إذا كان مقصودكم -إن صدقتم- طلب الشفاعة الآخروية التي تكون يوم القيامة، فلم لا تتبعون السبل المشروعة التي سنها من أعطي الشفاعة صلى الله عليه وسلم؟ ! ومن أمثال ذلك سؤال الله له الوسيلة كما في حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة

التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة " أخرجه البخاري في " صحيحه " وغيره.
وفي " صحيح مسلم " (2/4) من حديثٍ لعبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من سأل لي الوسيلة حيلت له الشفاعة".
وكما في قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه " أخرجه البخاري (1/193) 1. والإخلاص ترك الشرك وإفراد الله بالعبادة، كما في حديث أبي هريرة الآخر: " إني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة -إن شاء الله- من مات لا يشرك بالله شيئاً " متفق عليه.
فبهذا وأمثاله تطلب الشفاعة من الله، فيطلبها أهل التوحيد بترك الإشراك وتحقيق التوحيد، وبسؤال الله لنبيه الوسيلة، ولا يطلبها أهل التوحيد الكارهون للشرك بأصنافه -الصحابة وأتباعهم إلى يوم الدين- من النبي صلى الله عليه وسلم في قبره، بل يعلمون بدلائل القرآن والسنة أن من سأله الشفاعة بعد وفاته فهو خليق بحرمانه من الشفاعة.
فاتبعوا يا عباد الله المشروع في سؤال شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وابتعدوا عن ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته المقربون.
وإذا لم نسأل النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة فغيره من الصالحين أولى وأولى، ودلائل هذا ظاهرة، فعسى أن تجد قلوباً مهدية، لم يعل عليها هواها، فالتبصر التبصر، والاتباع الاتباع.
ثالثاً: يقال: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة لا تطلب منه في الدنيا لا سيما وهو ميت.
وإنما تطلب منه في وقت الحاجة إليها، وفي حال حياته صلى الله عليه وسلم في

الآخرة حينما يشتد الحال بأهل الموقف كما صح في الحديث، وحينما يريد أهل الجنة دخول الجنة، وحينما يدخل أهل الكبائر من أمته في النار أو يؤمر بدخولهم فيها، كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة، أما طلبها الآن فهو طلب قبل أوانه، ومن تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.
قال ص 92 في رده على أهل السنة والجماعة الذين يفرقون بين ما مكن الله العبد منه في الحياة الدنيا، وبين ما لم يمكنه في الحياة البرزخية.
قال: " ولنقتصر هنا على هذا السؤال: أيعتقدون أن الشهداء أحياء عند ربهم كما نطق القرآن بذلك أو لا؟ فإن لم يعتقدوا فلا كلام لنا معهم؛ لأنهم كذبوا القرآن حيث يقول: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِنْ لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. وإن اعتقدوا ذلك فنقول لهم: إن الأنبياء وكثيراً من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداء كأكابر الصحابة أفضل من الشهداء بلا شك" اهـ. أقول: يظهر أن الكاتب لا يعرف معتقد أهل السنة والجماعة، ولو عرفه لما فتح فاه، ولا نبس بما نبس به، فكتب علماء السنة وخاصة علماء هذه البلاد، وتلامذة الشيخ محمد بن عبد الوهاب منتشرة مشهورة، وفيها بيان اعتقادنا والحمد لله.
فمن ذلك ما كتبه الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد عبد الوهاب في الاعتقاد لأهل مكة لما دخلها أتباع الدولة السعودية الأولى سنة 1218هـ فمما قال: "والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين

على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء، المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب" اهـ.1 وسئل الشيخ عبد الله أبابطين المتوفي سنة 1282هـ: هل النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره؟ فأجاب: " الله سبحانه وتعالى أخبر بحياة الشهداء، ولا شك أن الأنبياء أعلى رتبةُ من الشهداء، وأحق بهذا، وأنهم أحياء في قبورهم، ونحن نرى الشهداء وميماً، وربما أكلتهم السباع، ومع ذلك هم ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَبِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْبِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: 169، 170] فحياتهم حياة برزخية، والله أعلم بحقيقتها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات بنص القرآن والسنة، ومن شك في موته فهو كافر" اهـ 2. فهذا بحمد لله معتقدنا، ولو علمه الكاتب لما حرك قلمه بهذه الشبهة، والقوم يظنون أنهم أفراح بالدلائل الصحيحة الصريحة من أهل السنة والجماعة، وما صح دليل إلا وقد نصره أهل السنة نصراً بليغًا، مع النظر في غيره من الأدلة، والحمد لله رب العالمين.
ثم دخل الكاتب في الأرواح وخصائصها، وخاض بغير علم فمما قال ص 93: " ولا شك أن الأرواح لها من الانطلاق والحرية ما يمكنها من أن تجيب من يناديها، وتغيث من يستغيث بها، كالأحياء سواء بسواء، بل أشد وأعظم" اهـ.

أقول: فهلا أتى الكاتب على علمه بالأرواح من دليل نقلي، والله سبحانه يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 85] أم أنه كشف له الغيب فعلم ذلك! وهنا أمور يجب تقريرها: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بما يمكن علمه من شأن الأرواح، وهو لم يعلم صحابته وأمته هذا العلم من أنها "تغيث من يستغيث بها كالأحياء سواء بسواء بل أشد وأعظم"، أفكتم هذا العلم الذي علمه المفسرون المشركون؟ !. الثاني: أن الأرواح لا تعلم أحوالها وكيف هي، وقدراتها، والذي نعلمه قطعاً أنها لا تجيب من يدعوها، ولا تغيث من يستغيثها.
فما ظن الكاتب بدين الجاهلية دين المشركين، أيعبدون أصناماً أحجاراً؟ ! أم أنهم لم يعبدوها إلا وقد رأوا أثرها من إجابة دعاء، وإغاثة؟ ! إن أعظم فتن الشياطين هي الشرك، وبابه القبور حيث يظهر عمل شياطين الجن من تمثل بصورة المقبور، وتكليم الحاضرين، وربما أجاب سؤالاً، وغير ذلك.
الثالث: ومما يتفرع عما أسلفتُ ما ذكره الشيخ العلم تقي الدين ابن تيمية في " الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح " (1/322) : " والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه، فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم، ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقاده، وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم، ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس، أو بصورة من يستغيث به من النصارى من أكابر دينهم إما بعض البتاركة، وإما بعض المطارنة، وإما بعض الرهبان، ويتمثل لمن يستغيث به من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ

في صورة ذلك الشيخ، كما يتمثل لجماعة ممن أعرفه في صورتي، وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا في ذلك.
ويتمثل كثيراً في صورة بعض الموتى، تارة يقول: أنا الشيخ عبد القادر، وتارة يقول: أنا الشيخ أبو الحجاج الأقصري، وتارة يقول: أنا الشيخ عدي، وتارة يقول: أنا أحمد بن الرفاعي، وتارة يقول: أنا أبو مدْين المغربي، وإذا كان يقول: أنا المسيح أو إبراهيم أو محمد، فغيرهم بطريق أولى.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: " من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي "، وفي رواية: " في صورة الأنبياء "، فرؤيا الأنبياء في المنام حق، وأما رؤية الميت في اليقظة فهذا جني تمثل في صورته.
وبعض الناس يسمي هذا روحانية الشيخ، وبعض الناس يقول: هي رفيقه، وكثير من هؤلاء من يقوم من مكانه ويدع في مكانة صورة مثل صورته، وكثير من هؤلاء ومن هؤلاء من يقول يرى في مكانين، ويرى وافقاً بعرفات وهو في بلده لم يذهب، فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين، فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين.
والصادقون قد رأوا ذلك عياناً لا شكون فيه، ولهذا يقع النزاع كثيراً بين هؤلاء وهؤلاء، كما قد جرى ذلك غير مرة، وهذا صادق فيما رأى وشاهد، وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح، لكن ذلك المرئي كان جنياً تمثل في صورة إنسان" اهـ. وذكر -رحمه الله- في " قاعدة في التوسل والوسيلة " من تفصيل ذلك ما يزيد المؤمنين هدى، ومما قال (1/174) " مجموع الفتاوى ": "وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى، ومبتدعة هذه الأمة في ذلك من الحكايات ما يطول وصفه.

فإنه ما من أحدٍ يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبياً كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلالة، كما أن الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون في صورتهم، أو يظنون أنه في صورتهم، ويقول: أنا فلان، ويكلمهم ويقضي بعض حوائجهم، فإنهم يظنون أن الميت المتسغاث به هو الذي كلمهم وقضى مطلوبهم، وإنما هو من الجن والشياطين.
ومنهم من يقول: هو ملك من الملائكة، والملائكة لا تعين المشركين، وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله، وفي مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التي يعرفها من هنالك، ومن وقعت له ما يطول وصفه" اهـ. فقَطْع الكاتب بأن أرواح الموتى تغيث من يستغيث بها، كالأحياء بل أشد وأعظم، من الشرك الذي خدعت الجن والشياطين به طوائف من الناس، فتقربوا إلى المقبورين، وإنما تقربوا في الحقيقة إلى شياطين الجن، فتشكلت لهم الجن وأرضوهم حيث أشركوا بهم، وهذا ما يريده إبليس اللعين، وقد أطاعه فيه عباد القبور، والمنافحون عنهم.
قال الكاتب ص96 شارحاً لمعنى حديث: " إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " قال: " هذا الحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستغاثة بما سوى الله، كما يفيده ظاهر لفظه، وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن ما كان من الخير على يد الأسباب فهو من الله، والأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهو من الله وبالله.
فالمعنى: وإذا أردت الاستغاثة بأحد من المخلوقين -ولابد لك منها- فاجعل كل اعتمادك على الله وحده، ولا تحجبنك الأسباب عن رؤية المسبب -جل جلاله- ولا تكن ممن يعلمون ظاهراً من هذه الارتباطات

والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض، وهم عن الذي ربط بينها غافلون " اهـ. أقول: هذا التفسير لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بناه الكاتب على مفهوماته للتوحيد وهو توحيد الربوبية، وفسره تفسيراً لم ينقله عن عالم يركن إلى تفسيره وشرحه، ولا إلى إمام يحتذى حذو فهمه ويتابع عليه.
فإذا كان من عند نفسه فلا شك أنه لن يقبل ولن يصار إليه، والعجب منه كيف جُرُأته على تحريف مرادات رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصرة هواه.
ومما يدل على بطلان ما فسره به: أولاً: أن هذه الوصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس منقبة لابن عباس، ولو فسرت بما فسرها به الكاتب لكانت غير منقبة، إذ تفسيره يدل على أن المخاطب معه أدنى درجات الإيمان والتوحيد، فهو يحذر من الوقوع في براثن رؤية الأسباب، وحاشا ابن عباس -رضي الله عنه -عن ذلك.
الثاني: أن هذا الشرح خارج عما قاله الشراح من أهل العلم، وما كان كذلك فهو من الهوى إن لم يقم صاحبه عليه دليلاً صحيحاً نقلاً ونظراً، وهو مما ليس في قول الكاتب هنا، وأنى له ذلك.
قال الحافظ الفقيه ابن رجب في " شرح الأربعين " (2/228) : قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" هذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فإن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة، كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: " الدعاء مخ العبادة ".

فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل، ولا يسأل غيره، وأن يستعان بالله دون غيره، فأما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال: ﴿وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]، وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل "، وفيه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: "من لا يسأل الله يغضب عليه "، وفي حديث آخر: " ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع ". وفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً منهم: أبو بكر الصديق وأبو ذر وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه".
ثم قال ابن رجب: " واعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضرر ونيل المطلوب، وجلب المنافع ودرء المضار.
ولا يصح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد يقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك " انتهى كلام ابن رجب.
وقال ابن حجر الهيتمي المكي في " الفتح المبين شرح الأربعين " (ص172) : " فمع النظر لذلك لا فائدة لسؤال الخلق مع التعويل عليهم فإن قلوبهم كلها بيد الله سبحانه وتعالى، ويصرفها على حسب إرادته، فوجب أن لا يعتمد في أمر من الأمور إلا عليه سبحانه وتعالى، فإنه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، له الخلق وله الأمر... ثم قال:

" فبقدر ما يميل القلب إلى مخلوق يبعد عن مولاه لضعف يقينه ووقوعه في هوة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أصحاب التوكل واليقين، فأعرضوا عما سواه وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرمه وجوده " اهـ. وفي " الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين النووية "، قال إبراهيم بن مرعي المالكي ص 178: "وإذا استعنت أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والدين، ولذا حذف المعمول المؤذن بالعموم: " فاستعن بالله"؛ لأنه القادر على كل شيء، وغيره عاجز عن كل شيء، والاستعانة إنما تكون بقادر على الإعانة، وأما من هو كلٌّ على مولاه لا يقدر على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلاً عن غيره، فكيف يؤهل للاستعانة أو التمسك بسببه؟ ! ومن كان عاجزاً عن النفع والدفع عن نفسه، فهو عن غيره أو أعجز، ليت الفحل يهضم نفسه.
فاستعانة مخلوق بمخلوق كاستعانة مسجون بمسجون، فلا تستعن إلا بمولاك فهو دليلك في أخراك وأولاك، كيف تستعين بعبد مع علمك بعجزه؟ ! فمن لا يستطيع دفع نازلة عن نفسه كيف يدفعها عن غيره، من أبناء جنسه؟ ! فلا تنتصر إلا به فهو الولي الناصر، ولا تعتصم إلا بحبله فإنه العزيز القادر " انتهى.
فهذه شذرة من كلام أهل العلم، يبين بها خروج الكاتب بمفاهيمه عن فهمهم ومن كان كذلك فليس منهم.
الثالث: إذا كان هذا كلام العلماء فيمن هو حي يقدر على إجابة السؤال وإعانة الطالب، فما ظنك بالميت الذي هو أضعف في إجابته من الحي، بل لا يجيب حياً سأله في أمرٍ يتعلق به، فالميت مشغولٌ بنفسه: إما في نعيم وروضة وإما في جحيم وحفرة.

قال كاتب المفاهيم العجيبة: " هذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه إذ يستدل به على أنه لا سؤال ولا استعانة مطلقاً من كل وجه وبأي طريق إلا بالله، ويجعل السؤال والاستعانة بغير الله من الشرك المخرج عن الملة".
أقول: إن من خَطَّأَ العلماء لا يؤبه لكلامه، فالحي الأولى له والأكمل تحقيقاً لتوحيده، أن لا يسأل أحداً شيئاً ولا يستعين بأحد مطلقاً إلا بالله، فهذه مرتبة الأنبياء والصديقين، ولذا قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فو الله ما قال لي: أفٍ قط، ولم يقل لشيء فعلته، لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ " وبهذا أوصى طائفة من أصحابه أبا بكر وأبا ذر وثوبان، فهذا من تحقيق كمال التوحيد.
وأما سؤال الميت الأشياء والاستعانة به، فهو منافٍ للتوحيد من أصله، إذ الميت لا يمكنه إعانة نفسه، فكيف يعين غيره؟! والميت لأن يعين نفسه أحرص وأشد رغبة، فهو عن الناس في شغل، وحدُّه وقصاراه نفسه لا غير.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22] يعني: سمع إجابة، والكاتب يماحل نفسه، ويلوي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم لتوافق مذهبه، ولو كانت مخالفة لقول أهل العلم أجمعين.
ثم إن في تفسيره الحديث بما فسره به تنقصاً لابن عباس -رضي الله عنهما -وقع فيه من جراء اختلاق التفاسير والشروح، ومن خالف وقع.
ثم أراد أن يقوي نظرته المخالفة لأقوال أهل العلم بما ليس بدليل، فمما قال ص97:

" وقال صلى الله عليه وسلم: "إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله"، فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "يفزع إليهم في حوائجهم" ولم يجعلهم مشركين بل ولا عاصين ". أقول: لم يذكر مخرج الحديث، فقد رواه الطبراني في " المعجم الكبير " 1 عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (8/192) : فيه شخص ضعفه الجمهور، وأحمد بن طارق الراوي عنه لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح، هذا ما نقله المناوي في " فيض القدير " (2/477-478) عن الهيثمي وما في المجمع المطبوع مختل، وبه بياض فلتراجع نسخة مضبوطة.
ورواه ابن عساكر في " تاريخه " عن ابن عمر.
ورواه ابن عدي في " الكامل في ضعفاء الرجال " (4/1507) من طريق عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو قال حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر به.
وهذا إسناد ضعيف جداً وإن قيل بوضعه كان متجهاً؛ لأن عبد الرحمن حدث عن أبيه بالموضوعات كما قاله الحاكم وغيره، والراوي عنه عبد الله بن إبراهيم من الضعفاء.
وأورد الكاتب أحاديث في الحث على قضاء حوائج الناس، مستدلاً بها على فساد فهم أهل العلم الذين قالوا بأن ترك سؤال المخلوق القادر على الإجابة من إكمال التوحيد، وأن من سأل من لا يقدر على الإجابة ممن زال عن دار العمل والتكليف دار الدنيا، فقد أشرك.
وما فهم العلماء بفاسد، ولكن فهم المعجب بفهمه هو الفاسد، ونُذَكر الكاتب بقوله في أهل العلم: " وكيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الانحراف والزيغ عن طريق الإسلام" ص 39، وحق

هذا فما فتح لكاتب المفاهيم أبواب الاستفادة من أقوالهم؛ لأنه يعتقد فيها الانحراف، حيث قال: " وهذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه"، والذين أخطؤوا هم العلماء، فعلى نفسه حكم، ولمفاهيمه وزن.
وختم كلامه على الحديث ص 99 بعجب عجيب وأمر مريج فقال: " وبهذا يبين أن المقصود من الحديث ليس ما توهموه، فإنه فاسد واضح الفساد كما تبين، وإنما المقصود الترهيب من سؤال الناس أموالهم بلا حاجة طمعاً فيها".
وهذا التأويل يعرف الجهال فساده.
قال ص 98: " ومن أخذ بالسبب الذي أمر الله بسلوكه لنيل جوده فما سأل السبب بل سأل واضعه، فقول القائل: يا رسول الله! أريد أن ترد عيني أو يزول عنا البلاء أو أن يذهب مرضي، فمعنى ذلك طلب هذه الأشياء من الله بواسطة شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كقوله: ادع لي بكذا واشفع لي في كذا، لا فرق بينهما إلا أن هذه أصرح في المراد من ذلك" اهـ. أقول: إن قول القائل: يا رسول الله! أريد أن ترد عيني أو أن يذهب مرضي من شرك التصرف، وهو شرك أكبر ناقل عن الملة.
وأما قول القائل: ادع لي بكذا واشفع لي في كذا، سائلاً النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته فهو من شرك التقريب والشفاعة.
وكلا الأمرين شرك ولكن الأول أعظم وأشد؛ لأن معناه إشراك رسول الله صلى الله عليه وسلم في التصرف، فقائله -كما هو الحال المشاهد من قائلي مثل هذا مع غير النبي صلى الله عليه وسلم من الصالحين- يعتقدون أن الميت يتصرف في جزءٍ من

فصول الكتاب · 9 فصل · 260 صفحة
جارٍ التحميل