هذه مفاهيمناصفحات 57-96
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الأول: التوسل وحكمه...

صفحات 57-96

إذا تبين هذا فالأثر من الأذكار التي قد يتساهل في العمل بها مع ضعفها؛ لأنها جارية على الأصول الشرعية، ولم تخالف النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم هو مخصوص بما ورد به الدليل؛ لأن هذا مما لا يجوز فيه القياس لأن العقائد مبناها على التوقيف.
ولهذا روى عبد الله بن أحمد في "المسائل" (ص 245) عن أبيه قال: "ضللت الطريق في حجة وكنت ماشياً فجعلت أقول يا عباد الله! دلونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعتُ على الطريق".
فما بَوّبَ به صاحب المفاهيم هذا الحديث وأشباهه بقوله: "التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم" هو من عدم تدبر الأحاديث وفهمهما كما فهمها أئمة العلماء، فلم يقل عالم من المتقدمين إنها دليل في التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم، كيف وقد أجمعوا على منعه؟! وقال ناقلاً عن "مجمع الزوائد" وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة: فليناد: يا عباد الله! احبسوا، فإن لله حاضرا في الأرض سيحبسه".
رواه أبو يعلى والطبراني، وزاد: "سيحبسه عليكم" وفيه معروف ابن حسان وهو ضعيف اهـ. أقول: الحديث في "المعجم الكبير" (10/267) ثنا إبراهيم بن نائلة، و"مسند أبي يعلى" (2/244)، وفي "عمل اليوم والليلة" لابن السني (ص 136) من طريق أبي يعلى، كلاهما قال: حدثنا الحسن بن عمر بن شفيق حدثنا معروف بن حسان (أبو معاذ) السمرقندي عن سعيد بن أبى عروبة عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مسعود به مرفوعاً.
وهذا إسناد ضعيف لأمور: 1- معروف بن حسان: قال أبو حاتم: "مجهول"، وقال ابن عدي: "منكر الحديث"، قلت: هو الراوي عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن

عمر مرفوعا: "من ربى شجرة حتى نبتت كان له كأجر قائم الليل صائم النهار"، وهو حديث موضوع، رواه الكنجروذي في"الكنجروذيات".
2- سعيد ابن أبي عروبة: اختلط، قال النسائي: من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء.
ومعروف بن حسان من الصغار، ولم يسمع منه قبل الاختلاط إلا الكبار، وسمع منه قبل استحكام اختلاطه جماعة، وسمع منه بعد استحكام الاختلاط كثير.
وكان بدأ اختلاطه سنة 132 هـ واستحكم 148 هـ، أفاده البزار.
3- تدليس سعيد بن أبي عروبة: قال الحافظ "كثير التدليس"، وروى هذا الحديث معنعناً عن ابن بريدة فلا يقبل.
قال الحافظ في "نتائج الأفكار": "حديث غريب أخرجه ابن السني، وأخرجه الطبراني، وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود" اهـ. فهذه علة رابعة أفادها الحافظ وهي الانقطاع.
4- روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (10/424- 425) : حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره.
وهذا الإسناد معضل، وتدليس ابن إسحاق مشهور، فهذه علل تِلْوَ علل، ليس لها دواء من التلف، وإسناده مطروح.
ولهذا كله لم يصَحَّحْ أو يحسن هذا الحديث أحدٌ ممن له معرفة أو مشاركة في علم الحديث، بل إما مضعف، أو ناقل تضعيف غيره.
وبعدُ: فقول صاحب المفاهيم ص 69: "فهذا توسل في صورة النداء" من الدعاوي العريضة لغةً، وشرعاً.
فأما اللغة: فلا يعرف أن من صور التوسل النداء، بل النداء دعاءٌ وطلب مباشر، لمنادى حاضر يسمع ويجيب، والتوسل جعل القرب سبباً لقبول الدعاء.

وأما الشرع: فالأحاديث ضعيفة، والأول والثالث شديدا الضعف، والثاني: والذي فيه ذكر الملائكة ضعيف وغريب جداً، ولا دلالة فيه على المدعى وهو التوسل، إذ هذا نداء حي يقدر على إجابته.
وما أحسن ما روى الهروي في "ذم الكلام" (4/68/1) : "أن عبد الله ابن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه: أن من اضطر في مفازة فنادى: عباد الله! أعينوني؟ أعين.
قال: فجعلتُ أطلب الجزء أنظر إسناده".
قال الهروي: فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرى إسناده1اهـ. فهذه طريق السلف وأتباعهم، البحث في الأسانيد، وصنيع بعض الخلف وأتباعهم الفرح بكل ما يؤيد رأيهم ولو بالموضوعات المكذوبات، ولا يغارون على سنة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال ص 69: "وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد ركعتي الفجر: "اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل ومحمد صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من النار".
ثم قال: "وتخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم، فكأنه يقول: اللهم! إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل.. الخ.
وقد أشار ابن علان إلى هذا في الشرح" انتهى كلامه.
أقول: في ما قاله تعليل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحليل لما في نفسه صلى الله عليه وسلم، وإلا فما أدراه عما في قلبه صلى الله عليه وسلم حتى يقول "كأنه يقول"، هذا تجرؤ عظيم على مقام الرسالة.

ثم أيَّد تجرأه بنسبته ذلك إلي ابن علان في "شرح الأذكار" (2/141)، وما قاله ابن علان ولا أشار إليه، ولكنه تحريف تبديل، وصنيع مذموم رديء.
فهاك ما قاله ابن علان في "شرح الأذكار" قال: "إنما خصهم بالذكر -وإن كان تعالى رب كل شيء- لما تقرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن، دون ما يستحقر ويستصغر" ثم قال: "فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية الله لهذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول الحاجات ووصول المهمات" اهـ. وهو كلام جيد من ابن علان، فالتوسل بربوبية الله لهذه الأرواح لا بالأرواح، وهو توسل بصفةٍ من صفات الله العلى، وهذا التوسل مما يحبه الله ويرضاه، واختاره رسوله وانتقاه.
فجرَّد المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وذر الخائضين ذوي المين والحين، محبي إفساد ذات البين.
وعقد صاحب المفاهيم ص 69 عنواناً، قال فيه معنوناً: "معنى توسل عمر بالعباس"، قلب فيه ما قاله العلماء في معنى هذا التوسل، وأنه توسل بالدعاء؛ لأن العباس يملكه، فقال عجباً، فاسمعه: "ومن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس ولم يتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العباس حي والنبي ميت: فقد مات فهمه، وغلب عليه وهمه، ونادى على نفسه بحالة ظاهرة، أو عصبية لرأيه قاهره، فإن عمر لم يتوسل بالعباس إلا لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم..". أقول: ما أعجب هذا وأسهل صده ورده، وإنما أتي كاتبه من أمرين: الأول: شهوةٌ خفية تُرى خلل أسطر قوله، وأحرفه.
الثاني: قلة التتبع والفقه لمعنى الاستسقاء بالصالحين وتأريخه، فقد صح أن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- استسقى بـ "يزيد بن

الأسود".
قال الحافظ العَلَم يعقوب بن سفيان في كتابه "المعرفة والتاريخ" (2/380-381) : حدثنا أبو اليمان قال حدثنا صفوان عن سليم بن عامر الخبائري: أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس.
فأقبل يتخطى الناس فأمره معاوية فصعد المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم! إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم! إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يايزيد! ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه، ورفع الناس أيديهم.
فما كان أو شك أن فارت سحابة في الغرب كأنها تُرْس، وهبت لها ريح، فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم.
وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (7/444)، وأبو زرعة في "تأريخ دمشق" (1/652) وإسناده مسلسل بالثقات الكبار، فهو في غاية الصحة.
فهذا معاوية الصحابي -رضى الله عنه- فهم من الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم حال حياته أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم.
وفهم من فعل عمر بالعباس، أن يدعو العباس لهم، وسار على هذا الفهم، فاستسقى واستشفع بيزيد يدعو لهم، وأي قرابة ليزيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ولا شك أن قرابته مع صلاحه سبب لقبول دعائه، أما مجرد القرابة من غير صلاح فلم تفد عمه أبا لهب ونحوه.
إنما هو السبب الأعظم، والحبل الأكرم، اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن على فهم الصحابة مقتفون ومتبعون، ولمجانب سنة الخليفة الراشد والصحابة من بعده مجانبون، ولفهم أهل الأهواء رادون ناقضون، والحمد لله رب العالمين.

قال ص 65 معنوناً: "توسل النبي صلى الله عليه وسلم بحقه وحق الأنبياء والصالحين".
ثم استدل بحديث قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت أسد أم علي -رضى الله عنه- وفيه: "اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي".
قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح [كذا بمجمع الزوائد ج 9 ص 257] رواه الطبراني في الأوسط والكبير بسند جيد.
ورواه ابن حبان والحاكم وصححوه عن أنس.
ورواه ابن أبي شيبة عن جابر.
وابن عبد البر عن ابن عباس.
واختلف بعضهم في روح بن صلاح أحد رواته، ولكن ابن حبان ذكره في الثقات وقال الحاكم: ثقة مأمون، وكلا الحافظين صحح الحديث، وهكذا الهيثمي في "مجمع الزوائد" ورجاله رجال الصحيح.
ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس، وابن أبي شيبة عن جابر، وأخرجه الديلمي وأبو نعيم، فطرقه يشد بعضها بعضاً بقوة وتحقيق.
اهـ. هذا كلام صاحب المفاهيم بحروفه أطلت الكتاب بنقله؛ ليتبين لمن طالع كلامه أمور: الأول: قلة معرفته بالتخريج وأصوله.
الثاني: تناقضه في حديث واحد، وفي أسطر متقاربة في مواضع: منها: أنه نقل عن الهيثمي أول كلامه ما يفيد ضعف الحديث، ثم قال في آخره: صححه الهيثمي.
فكيف يزعم أنه صححه، وإنما قال عن روح: "وفيه ضعف"، قاله بعد سياق من وثقه مستدركا عليهم.
ثم قوله: "رجاله

رجال الصحيح"، إنما تفيد لو كانوا كلهم رجال الصحيح أن رواته ثقات، ولا دخل للحكم على الإسناد بالصحة فكيف بتصحيح الحديث؟! ومنها: أنه قال: بسند جيد، ثم ذكر صحته من الطريق نفسها التي قال إن إسنادها جيد.
ومنها: قوله: وأخرجه الديلمي وأبو نعيم، وإنما أخرجاه من طريق روح؛ ليلبس وليوهم كثرة الطرق.
الثالث: تكراره لرواية ابن أبي شيبة وابن عبد البر مرتين وما أدري لم؟! ولكن يريد تطويلاً.
وعبارته في هذا الحديث مختلة مضطربة متكررة العبارات، ليست بمستقيمة كما هو ظاهر لمن قرأها فضلاً عمن تأملها، فكيف لم ينبه عليها الذين قرضوا كتابه؟! تخريج الحديث: حديث أنس المذكور: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1/152-153)، وفي "المعجم الكبير" (24/352)، وأبو نعيم في "الحلية" (3/121)، من طريق روح بن صلاح حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس.
وفي هذا الإسناد روح بن صلاح: ضعفه الدارقطني، قال الذهبي: الدارقطني لا يضعف إلا من لا طِبّ فيه.
اهـ، نقله عنه المناوي في "فيض القدير" (1/28). وضعفه ابن عدي، وابن ماكولا وقال: "ضعفوه"، وقال ابن يونس في "تاريخ الغرباء": رويت عنه مناكير.
أما توثيق ابن حبان فعلى قاعدته في توثيق المجاهيل، وقد ترجم روحاً في "الثقات" فقال: "روح بن صلاح من أهل مصر، يروي عن يحيى بن أيوب وأهل بلده".
"روى عنه محمد بن إبراهيم البوشنجي وأهل مصر" اهـ (2/132/2 من ترتيب الهيثمي نسخة دار الكتب).
فهذا ظاهر أنه مجهول، فلا يتكثر بتوثيق ابن حبان، والحاكم تلميذ ابن حبان، فلعلّه استقى توثيقه منه، ومن كان ضعيفاً فلا يقبل حديثه،

فكيف إذا تفرد به؟! فإن هذا الحديث لم يروه أحدٌ من أصحاب سفيان الثوري مطلقاً، ولذا قال الطبراني في "الأوسط" ونقله عنه أبو نعيم في "الحلية": "تفرد به روح بن صلاح" ومعلوم أن الضعيف إذا تفرد بحديث صار منكراً كما قاله الذهبي في "الميزان" في ترجمة ابن المديني، وسبقت الإشارة إلى ذلك.
قوله: "رواه ابن حبان والحاكم وصححوه عن أنس"، لم يذكر هذا التخريج الحفاظ الجهابذة، ابن حجر في "الإصابة" ولا السيوطي في "الجامع الكبير"، وذكر كل ما فيه المتقي الهندي في "كنز العمال" في موضعين ولم يذكر هذا المخرج.
وكأن المؤلف اغترّ بالكوثري، فهو الذي عزا هذا العزو في "مقالاته" ص 391، وحاله في التلبيس والتحريف يُعْلم من "التنكيل" للعلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني.
أما قول الكاتب: "ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس"، فهذا تدليس شديد، وتلبيس عتيد، فرواية ابن عباس ليس فيها توسل النبي صلى الله عليه وسلم بحقه وحق الأنبياء، فهذه اللفظة ليست في رواية ابن عباس فلماذا يلبس صاحب المفاهيم على المطالعين لكتبه؟! أيريد إثبات أمر لم يثبت ولم يروَ؟! إن إيراد الشواهد في باب: معناه عند العلماء أن الشاهد يدل على ما ترجم به، وهذا لا يوجد في كلام صاحب المفاهيم، فكأن له قصداً يستخفي به، ويتدسس لإثباته.
وإليك ما قاله ابن عبد البر في "الاستيعاب" (4/1891)، قال: "روى سعدان بن الوليد السابري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه!.
فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها" اهـ.

فأفادنا هذا التوثيق عوار ما قاله صاحب المفاهيم ملبساً تلبيسين: الأول: قوله "رواه" وأنت ترى أن ابن عبد البر لم يروه، وإنما حكى أن سعدان بن الوليد رواه وفرق بعيد بين الحالين.
الثاني: أن الشاهد في التوسل بحق النبي والأنبياء ليس له ذكر في خبر ابن عباس، فتحفظ مما يمليه هؤلاء المبطلة، وكن حذراً.
وقال صاحب المفاهيم ص 66-67: "قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا.
فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: "ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون، وقل له: "عليك بالكيس الكيس".
فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب لا آلوا إلا ما عجزت عنه.
وهذا إسناد صحيح [كذا قال الحافظ ابن كثير في البداية (ج1-ص 91) 1 في حوادث عام ثمانية عشر] اهـ. كلام صاحب المفاهيم.
أقول: الكلام هنا في مبحثين: الأول: الحافظ ابن كثير ساق قبل رواية البيهقي رواية سيف، وفيها أن عمر -رضى الله عنه- صعد المنبر، فقال للناس: أنشدكم الله الذي هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئاً تكرهون؟

فقالوا: اللهم لا.
وعم ذلك؟ فأخبرهم بقول المزني وهو بلال بن حارث.
ففطنوا ولم يفطن.
فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا.
اهـ المقصود.
وهذه الرواية مبينة أن قول نبي الله لعمر في رواية سيف: "عهدي بك وفي العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر.." هو ما فسرها صحابة رسول الله "ففطنوا ولم يفطن عمر" كما جاء صريحاً، وهو إرشاده للاستسقاء.
وفي هذا سرّ لطيف وهو أن قول القائل: "يا رسول الله استسق الله لأمتك" منكر، جره تباطؤ عمر عن طلب السقيا، وعدم الفزع إلى المشروع، يجر إلى وجود غير المشروع، فلذا قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "عهدي بك وفي العهد شديد العقد، فالكيس الكيس.."، أقول هذا مع ضعف الرواية، لأبين مقصد ابن كثير حين ساق الروايتين الضعيفتين.
إذا تبين هذا عُلِمَ فضل علم ابن كثير -رحمه الله- حيث جعل رواية البيهقي هي الثانية، ورواية سيف المفصِّلة معنى الكيس هي الأولى، فتأمل هذا! وتبين مقاصد الحفاظ في أحكامهم.
ويقال: تأخر عمر عن الاستسقاء وهو العبادة المشروعة التي يحبها الله، لما فيها من الذل بين يديه، والإنكسار له، وتوجه القلوب بصدقٍ وإخلاص نحو ربها لكشف ضرها، إن تأخر عمر عن الاستغاثة المشروعة سبب هذا الأمر غير المشروع.
ولذا؛ لم يفعل أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما فعل هذا الرجل الذي جاء إلى قبر نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال ما قال، وهم إنما سقوا باستسقائهم، لا بقول الرجل غير المشروع.
فتنبه لهذا.
الثاني: أن هذه الرواية التي ساقها الحافظ ابن كثير من رواية البيهقي في "دلائل النبوة" فيها علل يعلل بها المحدثون:

الأولى: عنعنة الأعمش، وهو مدلس، والمدلس لا يقبل من حديثه إلا ما قال فيه "حدثنا" و"أخبرنا" ونحوها، دون "قال" أو "عن"، إذ احتمال أنه أخذه عن ضعيف يهي الحديث بذكره، كما هو معلوم في "مصطلح الحديث"، مع أن الأعمش في الطبقة الثانية من المدلسين عند الحافظ وغيره.
الثانية: مالك الذي في إسناده والذي هو عمدة الرواية مجهول، وذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيها تعديلاً ولا جرحاً، فهو مجهول، والمجهول لا يقبل حديثه.
وابن كثير إنما صحح الإسناد على طريقته في توثيق مجاهيل كبار التابعين كما يعلم من تتبع صنيعه في التفسير وغيره.
وإذا كان مجهولاً فلا علم لنا بتأريخ وفاته.
الثالثة: أن أبا صالح وهو ذكوان الراوي عن مالك لا يعلم سماعه ولا إدراكه لمالك، إذ لم نتبين وفاة مالك، سيما ورواه بالعنعنة فهو مظنة انقطاع لا تدليس.
الرابعة: أن تفرد مالك المجهول به رغم عظم الحادثة وشدة وقعها على الناس إذ هم في كرب شديد اسوَّد معه لون عمر بن الخطاب، إن سبباً يفك هذه الأزمة ويرشد إلى المخرج منها مما تتداعى همم الصغار فضلاً عن الكبار لنقله وتناقله، كما في تناقلهم للمجاعة عام الرمادة، فإذا لم ينقلوه مع عظم سبب نقله دلّ على أن الأمر لم يكن كما رواه مالك، فلعله ظنه ظناً.
ونقل الكاتب ص 67 قول الحافظ في هذه الرواية: "روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري "وكان خازن عمر"... " فساق نحواً من حديث البيهقي.

قال صاحب المفاهيم: "وقد أورد هذا الحديث ابن حجر العسقلاني وصحح سنده كما تقدم، وهو من هو في علمه وفضله ووزنه بين حفاظ الحديث، مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل" اهـ. أقول: منزلة الحافظ لا مكان للمجادلة فيها فهو عَلَم أشم في علوم الحديث، ولكن الشان في فهم من ينتسب إلى العلم، ولا يدرك ألفاظ الحافظ ومدلولاتها.
فالحافظ المِِدْره الجهْبذ ابن حجر لم يصحح إسناده مطلقاً كما زعمه صاحب المفاهيم، إنما قال: "بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار... " اهـ ومعنى هذا أن الحافظ صحح سنده إلى أبي صالح السمان، وما ذكر من رجال إسناده لم يقل بصحته كما هو ظاهر لأهل العلم، ففرق بين قوله هذا وبين ما لو قال: "بإسنادٍ صحيح أن مالك الدار... "، فتبين أن كلام الحافظ هذا لا يمنع من علتين سبق تعليلُ الحديث بهما.
الأولى: جهالة مالك الدار.
الثانية: مظنة الانقطاع بين أبي صالح ذكوان وبين مالك الدار، إذا تقرر هذا واتَّضح، عُلم فضل قول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- على قول ابن كثير الذي سبق.
ومنه يتبين ضعف الأثر، ثم قد أوضحت أنه لا حجة في لفظه، بل ينعكس به الاستدلال على صاحب المفاهيم، وذلك إذا سلمت النفوس، وارتضت قواعد أهل العلم طريقاً وسبيلاً للوصول للحق، ومن لم يكن كذلك فلا يباليه أهل العلم باله، ولا يأخذون بالوزن مقاله.

رواية سيف في الفتوح: قال صاحب المفاهيم ص 67: "وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة، قال ابن حجر: إسناده صحيح.
اهـ[فتح الباري ص 415 ج2] انتهى.
أقول: هذا كذب ظاهر على الحافظ ابن حجر، فكلامه انتهى عند قوله أحد الصحابة: أما قوله قال ابن حجر: إسناده صحيح، فهو من مفتريات صاحب المفاهيم على الحافظ، فانظر كيف فعلته، وسوء صنعته، وكيف يصحح الحافظ إسناداً يرويه سيف في "الفتوح"؟! والحافظ هو الذي يقول في سيف في كتابه "تقريب التهذيب": ضعيف الحديث، ومن قال فيه ذلك فلا يقبل حتى في المتابعات كما هو معلوم من اصطلاحه، ذكره في مقدمة كتابه، وسيأتي في المسألة التي تلي هذه، كلام الحفاظ في سيف.
فما لصاحب المفاهيم وتعمد الكذب، فتعمده الكذب كبيرة، قال في "المشرع الروي في مناقب آل أب علوي" (1/58) : "إن القبيح من أهل البيت أقبح منه في غيرهم، ولهذا قال العباس لابنه عبد الله -رضى الله عنهما-: يا بني! إن الكذب ليس بأحدٍ أقبح من هذه الأمة أقبح منه بي وبك وبأهل بيتك" اهـ. وقال ص 67: " ذكر الحافظ ابن كثير أن شعار المسلمين في موقعة اليمامة كان [محمداه] " اهـ. أقول: ابن كثير -رحمه الله- ساق ذلك في ضمن خبر طويل عن الغزوة، دخل حديث بعض الأخباريين في بعض، وأما هذا الشعار فقد روى خبره ابن جرير في "تأريخ الأمم والملوك" (293/3) قال: "كتب إلي السري

عن شعيب عن سيف عن الضحاك بن يربوع عن أبيه عن رجل من بني سحيم.." فذكر قصة وفيها الشعار.
أقول: هذا إسنادٌ مظلم، وما عهدت مسائل العقيدة والتوحيد، بل ولا غيرها من أحكام الشريعة تؤخذ من كتب التاريخ، وإنما تروى قصص التأريخ للعبرة والعظة، والتصديق بمجموعها، لا تفاصيلها، ولهذا قال أحمد بن حنبل: "ثلاثة ليس لها أصول وذكر المغازي.." وإظلام هذا الإسناد من ثلاث جهات: الأولى: سيف هو ابن عمر مصنف "الفتوح" و "الردة"، يروي عن خلق كثير من المجهولين.
قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/255) : "روى مطيّن عن يحيى: فَلْس خير منه.
وقال أبو داود: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم: متروك.
وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة.
وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر.." اهـ. الثانية: الضحاك بن يربوع: قال الأزدي: حديثه ليس بقائم قلت: وهو من المجهولين الذين تفرد بالرواية عنهم سيف.
الثالثة: جهالة يربوع والرجل السحيمي.
وكل واحدة من هذه العلل والقوادح تضعف الحديث، فكيف وهو من رواية سيف بن عمر؟! وقد عرفت ما فيه، نسأل الله العافية.
ولا يُستنكر إيراد ابن جرير لمثل هذه الحكايات الواهيات، وتتابع المؤرخين بعده على ذكرها، فقد قال ابن جرير -رحمه الله- في مقدمة كتابه "تأريخ الأمم والملوك" (1/8) ما نصه: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة:

فيعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُديَ إلينا".
انتهى كلامه.
استدل صاحب المفاهيم -على زعمه- بجواز التوسل بحق الصالحين بحديث أبي سعيد الخدري الذي ساقه ص 65-66 ولفظه: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعه.. الحديث".
أقول: المؤلف قصَّر في الحكم على الحديث والنظر في إسناده على عادته، فالحديث أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (3/21)، وابن ماجه في "سننه" (1/256)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (85)، وأشار ابن خزيمة في "التوحيد" ص 17 إلى تخريج الحديث في كتاب آخر، كلهم عن فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري به مرفوعاً.
وهذا إسناد ضعيف لأمور: 1- فضيل بن مرزوق: وثقه بعضهم وضعفه آخرون، وهو ممن عيب على مسلم -رحمه الله-، إخراج حديثهم في "الصحيح"، كما قال الحاكم -رحمه الله-، وأغلظ ابن حبان فقال: "يروي عن عطية الموضوعات".
2- عطية العوفي: قال الذهبي في "الميزان": "تابعي شهير، ضعيف...، وقال أحمد: ضعيف الحديث.. وقال النسائي وجماعة: ضعيف" اهـ. 3- عطية مدلس مع ضعفه، وتدليسه عجيب، قال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنى بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد.
انتهى.
4- وقد أعلّ الحديث الشيخ ناصر الألباني في "السلسلة الضعيفة" (1/37) بعلة أخرى، وهي: اضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته، حيث إنه رواه تارة مرفوعاً كما تقدم، وأخرى موقوفاً على أبي سعيد، كما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (12/110/1) عن ابن مرزوق به موقوفاً.

وفي رواية البغوي من طريق الفضيل قال: أحسبه قد رفعه، وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (2/184) : موقوف أشبه.
انتهى وهو كلام متجه؛ لأن المضطربين ضعاف في حديثهم، فلا يحمل ذلك على غير الاضطراب، كما هو معلوم من "أصول الحديث".
وقد حسن إسناد الحديث الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء الصغير" (1/323)، وحسن الحديث الحافظ ابن حجر فقال في "نتائج الأفكار": "حديث حسن أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة في "كتاب التوحيد" وأبو نعيم الأصبهاني.
قال: وفي "كتاب الصلاة" لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال: حدثني أبو سعيد فذكره، ولكنه لم يرفعه.
فقد أمن بذلك تدليس عطية.." انتهى.
أقول: أفاد الحافظ هنا أن تحسينه الحديث لأجل انتفاء تدليس عطية وفي هذا نظر من وجهين: الأول: أن تدليس عطية ليس هو تدليس الإسناد المعروف حتى يؤمن بقوله: حدثني، بل هو تدليس آخر، فعطية يقول: حدثني أبو سعيد، أو قال أبو سعيد ويعني به الكلبي.
كما أفاد الإمام أحمد -رحمه الله.
الثاني: أن الحافظ ذكر أن الرواية التي فيها حدثنا أبو سعيد موقوفة، فلم لم يعلّها بالاضطراب، وحقها ذلك؟! إذا عُلم هذا النظر، فقد قال جماعة كثيرون من الحفاظ بضعف الحديث: منهم: الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، في "الترغيب والترهيب" (3/459). ومنهم: الحافظ النووي في "الأذكار" ص 25. ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (1/288).

ومنهم: البوصيري الحافظ في "زوائد ابن ماجة".
وغيرهم، ممن أصاب الحق، فمن تأمل ما ذكر متجرداً منصفاً، علم أن قول هؤلاء الحفاظ الأكثرين هو الأصوب، والله أعلم.
تنبيه: قال شيخ الإسلام على هذا الحديث في "مجموع الفتا وى" (1/288) : "وهذا الحديث من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم، وقد روي من طريق آخر1، وهو ضعيف أيضاً، ولفظه لا حجة فيه فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم.
وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم" انتهى.
وقال رحمه الله (1/217) : "ومن قال: بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته، وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله به يسأل الله تعالى إنجاز وعده، أو يسأله بالأسباب التي علق الله بها المسببات كالأعمال الصالحة، فهذا مناسب.
وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص، وذلك سؤال بأمرٍ أجنبي عن هذا السائل، لم يسأله بسببٍ يناسب إجابة دعائه" اهـ. وقال (1/214) : "وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه.
يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق، كالذين يخدمون ملوكهم ومُلاَّكهم، فيجلبون لهم منفعة، ويدفعون عنهم

مضرة، ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه: ألم أفعل كذا؟ يمن عليه بما يفعله معه، وإن لم يقل ذلك بلسانه كان ذلك في نفسه.
وتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه" اهـ. قال ص 62 معنوناً: "التوسل بآثاره صلى الله عليه وسلم" "ثبت أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يتبركون بآثاره صلى الله عليه وسلم وهذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره إلى الله تعالى؛ لأن التوسل يقع على وجوه كثيرة لا على وجه واحد، أفتراهم يتوسلون بآثاره ولا يتوسلون به؟! هل يصح أن يتوسل بالفرع ولا يصح بالأصل؟! ". أقول: لما كان أكثر من يتبع ما يدعو إليه المبتدعة الجهال الطغام الذين لا يفقهون الفروق اللغوية ولا الشرعية بين الألفاظ، لما كان كذلك سهل على رؤسائهم وسادتهم أن يتلاعبوا بهم، وبالألفاظ الشرعية واللغوية، فتلوى أعناقها وتكسر أيديها، وتعكف أرجلها لتوافق ما يريدون.
وهذه الأسطر التي نقلتها من هذه البابة.
فالصحابة ثبت أنهم يتبركون بذاته صلى الله عليه وسلم، وما بأيديهم من آثاره الجسمية كالشعر والعرق ونحو ذلك، والتبرك بذاته صلى الله عليه وسلم مما نقر به ونؤمن به كما يأتي بيانه، ولكن أين وجد مؤلف المفاهيم أن التبرك يسمى توسلا؟! وكيف استجاز أن يخرق أقوال أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم بتسميته توسلاً، والبركة شيء، والوسيلة شي ة آخر؟!! ولذا؛ تعلم مجازفة وتعدي صاحب المفاهيم على صحابة رسول الله بقوله: "هذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره".
ليٌّ لفعل الصحابة ظاهر، وكسر لأعناق تصرفاتهم جائر.
وهو يريد تقرير مذهبه ولكن بطريق غير علمية، لا تصلح إلا في الأزمنة الجاهلية، حيث

يتبع الناس ساداتهم دون بحث ونظر، وبقي منهم بقية، ولكن اليقظة العلمية الشرعية كفيلة برد مزاعمه إليه ولو من أتباعه.
أنس -رضى اللة عنه- كان عنده شعرة يتبرك بها، فهلا أحضرت لنا نقلاً واحداً أنه قال مرة: "أتوسل بشعر رسول الله.."؟!، لن تستطيع ولو طرت إلى الثريا، لن يأتي المبتدعة بشيء من هذا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
إن الصحابة يفرقون بين التبرك بالأثر المنفصل عن جسمه، وبين التوسل.
ولكن القوم لا يفهمون، أو يفهمون وعلى الصحابة يجنون، والحمد لله فنحن أهلُ السنة على طريق الصحابة سائرون، وبما قالوه قائلون.
وقال ص 64: "وهذا في الحقيقة ليس إلا توسلاً بآثار أولئك الأنبياء إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم إلا ذلك، والله سبحانه وتعالى راضٍ عن ذلك، بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت، ولم ينكر عليهم ذلك الفعل" اهـ. هذا آخر كلامه في "التوسل بآثار الأنبياء"، وواضح لأدنى ذي مسكة من علم ما في كلِمه من عُوَار: ففيه: أن تقديمهم التابوت بين أيديهم مفتقر إلى إثباته لا أن تجعل مقالات بعض المؤرخين مما نقله الأخباريون في مجالسهم مقام النصوص التي يستدل بها، ويفرع عليها.
فلم أسمع أحداً ممَّن ارتبط بالعلم بسبب من المتقدمين والمتأخرين يستدل لحكم شرعي عقدي بقول مؤرخ.

أسفاً على ما أصله العلماء، فقد ذهب حين نطق أشباه العلماء، فإن كانت الإسرائيليات حجة عند كاتب المفاهيم وأشباهه كما هو ظاهر من احتجاجهم بها، فليحتجوا بما رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (10/9) : قال يوسف عليه السلام: "اللهم! إني أتوجه إليك بصلاح آبائي إبراهيم خليلك وإسحاق ذبيحك؛ ويعقوب إسرائيلك".
فأوحى الله تعالى إليه: يا يوسف! تتوجه بنعمةٍ أنا أنعمتها عليهم؟ فاحتجوا بهذا يا أصحاب المفاهيم! وفيه: التجني على مقام الربوبية بقوله "والله سبحانه راض عن ذلك"، فانظر جزمه برضى المولى على فعل نقله الأخباريون لا يثبت عند العلماء، وليس له وزن.
يوصف الله بالرضى عن فعلٍ لم يقله هو ولا رسوله، وإنما قاله المؤرخون.
ياله من تسرع، وسؤ نظر، وقلة مبالاة، نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال ص 64: معنوناً: "التوسل بآثار الأنبياء".
ثم ساق قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
ونقل عن ابن كثير في "تاريخه " قول ابن جرير: "كانوا ينصرون ببركته، وبما جعل الله فيه من السكينة".
أقول: كم بين الدعوى والدليل من بون تنقطع أكباد المهاري البزل عن وصوله، فالدعوى: التوسل بآثار الأنبياء، ودليل هذا عند قائله قول ابن جرير: "كانوا ينصرون ببركته".
ففي هذا افتئات على العلم الشرعي وجناية من أوجه:

الأول: أن الآيات ليس فيها إلا أنهم أنكروا ملك طالوت، لكونه ليس من سلالة الملك، فقال لهم نبيهم: إن آية صحة ملكه أن يأتيكم التابوت تسكنون لصحة كونه آية، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، تستدلون بهذه البقية على الصحة دليلاً ثانياً، والدليل الثالث أن الملائكة تحمله.
هذا ما دلت عليه الآية.
الثاني: أن كلام ابن جرير وغيره بحاجة إلى أن يستدل له لا أن يستدل به.
الثالث: هبهم كانوا يتبركون، فأين الدليل على أنهم كانوا يتوسلون به؟! ومؤلف المفاهيم لا يفرق بين التبرك، والتوسل!.
الرابع: هبه كما زعمت، فمن أين جزمت أن ما جاز في شرع من قبلنا جائز في شرعنا مطلقاً؟! الخامس: من أدلة عدم جواز فعل ما فعلت بنو إسرائيل -إن صح-: ترك النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، والتوجيه إليه في سراياه التي بعثها، وهزم المسلمون فيها، كغزوة مؤته ونحوها، أفلا بعث شيئاً من آثاره كملابسه ونحوها لينصرون بها؟! إن عدم الفعل مع اشتداد الحاجة إليه دليل على أن ذلك ليس مشروعاً عندنا.
السادس: وهذا فهم الصحابة بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، لم يأخذوا شيئاً من آثاره ليبعثوها مع المجاهدين تبركاً بها، واستنصاراً بها، وإنما بعثوا والرجال العاملين المخلصين، وتفقدوا أمر السنن في حروبهم، تفقدوا آثار أنبيائهم الآمرة الناهية لا آثارهم الجسمية، هذا شأنهم في حروبهم.

وقال في ص 66 معنونا: "التوسل بقبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته"، وذكر برهانه على هذا العنوان الغريب، فقال: قال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه "السنن": باب ما أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعد موته.
حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عمرو بن مالك البكري1حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كواً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا.
فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل (تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق، ومعنى كواً أي: نافذة) اهـ. "سنن الدارمي" (ج 1ص 43). انتهى ما نقله صاحب المفاهيم.
ووضعه (تفتقت من الشحم... ) إلخ بين أقواس من تصرفه، وإخلاله بالنقل السليم، فإن اللفظ في "سنن الدارمي" (1/43) هكذا: "وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسُمِّي عام الفتق" اهـ، هذه عبارة سنن الدارمي، فتصرفه مذموم، وزاد على الأثر قوله: ومعنى كواً أي نافذة، وهذه ليست في سنن الدارمي التي نص على النقل عنها.
وهذه الأثر ضعيف جداً لا حجة فيه، لأوجه: الأول: أن راويه عمرو بن مالك النكري ضعيف بمرة، قال ابن عدي في "الكامل" (5/1799) : "منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث، سمعت أبا يعلى يقول: عمرو بن مالك النكري: كان ضعيفاً"، ثم قال بعد أن ساق أحاديث: "ولعمرو غير ما ذكرت أحاديث مناكير" اهـ، وقال ابن حبان: "يخطئ ويغرب" اهـ.

فعمرو وأمثاله ممن هذه حالهم كيف يجترأ على الاحتجاج بروايتهم؟! أما من غيرة على سنة رسول الله وشريعته من سراق الحديث؟! الثاني: أن سعيد بن زيد الراوي عن عمرو فيه ضعف، قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس: كان يحيى بن سعيد لا يستمرؤه، ساق هذه الأقوال الذهبي في "الميزان".
الثالث: قال شيخ الإسلام في "مختصر الرد على البكري" ص 68-69: "وما روي عن عائشة -رضى الله عنها- من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر، فليس بصحيح ولا يثبت إسناده، وإنما نقل ذلك من هو معروف بالكذب.
ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقياً كما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في "الصحيحين" عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيئ بعد.
ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم" انتهى.
وبعد أن تبين وانجلى نكارة هذه الحكاية نقلاً وعقلاً، إسناداً وتأريخاً يعلم أن قول صاحب المفاهيم بعد سياق الأثر: "فهذا توسل بقبره صلى الله عليه وسلم، لا من حيث كونه قبراً، بل من حيث كونه ضمَّ جسد أشرف المخلوقين، وحبيب رب العالمين، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة، واستحق بذلك المنقبة الكريمة".
اهـ.

مما اعتمد فيه على المنكرات الواهيات، ولهذا فلا قيمة لكلامه، ولو بنخالة شعير، أو وزن قطمير وهذا ظاهر لكل أحد، والحمد لله على توفيقه.
وقال صاحب المفاهيم في ص 72 بعد سياقه قصة العتبي: [فهذه القصة رواها الإمام النووي في كتابه المعروف بالإيضاح في الباب السادس ص 498. ورواها أيضا الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره الشهير عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية.
ورواها أيضا الشيخ أبو محمد بن قدامه في كتابه "المغني" (ج 3 ص 556)..] انتهى.
أقول: هذه عبارات عامية، ليست علمية، ولا تنبئ عن فهم طالب علم، ذلك أن قوله رواها،... ورواها... إلخ خطأ محض؛ لأن كلمة رواها لا تقال إلا لمن ساق القصة بإسناده بقوله: حدثنا أو أخبرنا أو نحوها من كلمات التحمل والأداء.
1- فالنووي لم يروها، وإنما قال في "المجموع شرح المهذب" (8/274) وفي آخر منسكه المعروف بـ "الإيضاح": "ومن أحسن ما يقول: ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم... " انتهى.
فهذا هو قول النووي، وما هو برواية، ومن قال إنه رواية: فإما أن يكون لا فقه له ولا فهم بمصطلحات العلماء، وإما أن يكون متشبعاً بما لم يعط، ملبساً، فهذا لا حيلة فيه.
2- وابن كثير لم يروها، وإنما قال في "تفسيره": [ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي... ] وما هذه برواية، وإنما هو نقل.

وابن قدامة في "المغني" لم يروها، وإنما حكاها بصيغة التضعيف (3/557) فقال: "ويروى عن العتبي... ". وليست هذه رواية، إنما نقل بصيغة التمريض وهي تفيد التضعيف، ثم المؤلف يعلم أن قصة العتبي ضعيفة السند واهية، فهي مردودة غير صحيحة.
ولعلمه بذلك أورد الشبهة التي لم يبق له مع الضعف إلا هي، فقال ص 73: "هذه قصة العتبي، وهؤلاء الذين نقولها، وسواءً أكانت صحيحة أم ضعيفة من ناحية السند الذي يعتمد عليه المحدثون في الحكم على أي خبر، فإننا نتساءل ونقول: هل نقل هؤلاء الكفر والضلال؟! أو نقلوا ما يدعو إلى الوثنية وعبادة القبور...." اهـ. أقول: أولا: مادام أنها ليست من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابه المكرمين، ولا من فعل التابعين والقرون المفضلة، وإنما هي مجرد حكاية عن مجهول، نقلت بسند ضعيف فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد الذي هو أصل الأصول؟! وكيف يحتج بها وهي تعارض الأحاديث الصحيحة التي نهى فيها عن الغلو في القبور والغلو في الصالحين عموماً، وعن الغلو في قبره والغلو فيه صلى الله عليه وسلم خصوصاً؟!، وأما من نقلها من العلماء أو استحسنها فليس ذلك بحجة تعارض بها النصوص الصحيحة وتخالف من أجلها عقيدة السلف، فقد يخفى على بعض العلماء ما هو واضح لغيرهم، وقد يخطئون في نقلهم ورأيهم وتكون الحجة مع من خالفهم، وما دمنا قد علمنا طريق الصواب فلا شأن لنا بما قاله فلان أو حكاه فلان، فليس ديننا مبنياً على الحكايات والمنامات، وإنما هو مبني على البراهين الصحيحة.
ثانيا: قد تخفى بعض المسائل والمعاني على من خلع الأنداد وتبرأ من الشرك وأهله، كما قال بعض الصحابة "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم

ذات أنواط" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده ما قاله أصحاب موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ". حديث صحيح.
والحجة في هذا أن هؤلاء الصحابة وإن كانوا حديثي عهد بكفر فهم دخلوا في الدين بلا إله إلا الله، وهي تخلع الأنداد وأصناف الشرك وتوحد المعبود، فمع ذلك ومع معرفة قائليها الحقة بمعنى لا إله إلا الله، خفي عليهم بعض المسائل من أفرادها.
وإنما الشأن أنه إذا وضح الدليل وأبينت الحجة فيجب الرجوع إليها والتزامها، والجاهل قد يعذر، كما عذر أولئك الصحابة في قولهم: اجعل لنا ذات أنواط، وغيرهم من العلماء أولى باحتمال أن يخفى عليهم بعض المسائل ولو في التوحيد والشرك.
ثالثا: كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بقول حكاه حاكٍ مستحسناً له، والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِأَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور 63]؟!.
قال الإمام أحمد: عجبتُ لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِأَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
رواه عن أحمد الفضل بن زياد، وأبو طالب، ولعله في كتاب "طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم " لأحمد -رحمه الله.
فطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.

فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس الذين يعارضون السنة الثابتة، والحجة الواضحة بقول أعرابي في قصة العتبي الضعيفة المنكرة.
إن السنة في قلوب محبيها أعظم وأغلى من تلك الحجج المتهافتة التي يدلي بها صاحب المفاهيم البدعية، تلك المفاهيم المبنية على المنامات والمنكرات.
فاعجب لهذا، وجرد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذارِ ثم حذارِ من أن ترد الأحاديث الصحيحة، وتؤمن بالأخبار الباطلة الواهية، فيوشك بمن فعل ذلك أن يقع في قلبه فتنة فيهلك.
رابعا: ما من عالم إلا ويرد عليه في مسائل اختارها: إما عن رأي أو عن ضعف حجة، وهم معذورون قبل إيضاح المحجة بدلائلها، ولو تتبع الناس شذوذات المجتهدين ورخصهم لخرجوا عن دين الإسلام إلى دين آخر، كما قيل: من تتبع الرخص تزندق.
ولو أراد مبتغي الفساد والعدول عن الصراط أن يتخذ له من رخصهم سلماً يرتقي به إلى شهواته، لكان الواجب على الحاكم قمعه وصده وتعزيره كما هو مشهور في فقه الأئمة الأربعة وغيرهم.
وما ذكر فقيه أن من أحال لتبرير جرمه على قول عالم عُلِمَ خطؤه فيه، أنه يقبل منه ولا يؤخذ بالعتاب.
اللهم احفظ علينا ديننا وتوحيدنا.
وعنون صاحب المفاهيم ص 76: "بيان أسماء المتوسلين من أئمة المسلمين" وعمدته في هذا إيراد أكثر أولئك العلماء حديثاً فيه التوسل، وهذا من الحكم بالظن المنهي عنه، يل ثبت عن بعضهم -وهم الأكثر- خلاف ما زعمه، والقاعدة المقررة عند أهل العلم أن العالم إذا أورد أثراً بإسنادٍ فقد خفف من العهدة التي تجب عليه من إتباع ذلك بالحكم على الحديث.

وإذا رُوي حديث وصححه راويه في كتاب له فلا يعني هذا إلزامه بالقول به، إذ قد يكون له نظر وفهم، ولعلّ سبباً اكتنف حكم الحديث يمنع من القول به، من إجماع على خلافه، أو نسخ، أو لكونه ليس في شرعنا، ونحو ذلك.
وتفصيل هذا الإجمال يطلب من كتب لأصول.
قال المؤلف معدداً أسماء: 1.
فمنهم الحاكم في المستدرك، فقد ذكر حديث آدم وصححه.
والجواب: حال الحديث أنه واضح الضعف، كما نص الحاكم على ضعف راويه في "المدخل"، وأن النسخة التي روي بها الحديث موضوعة، والمستدرك لم يحرره الحاكم، بل أكثره مسودة، كما سبق تفصيل ذلك.
فالقول بأنه يقول به مع تضعيفه الشديد لرواية راويه، وضميمة القاعدة التي ذكرنا، ليس بمستقيم مع المنهج العلمي الموفق.
2. ومنهم البيهقي في "دلائل النبوة"، فقد ذكر حديث آدم وغيره، وقد التزم أن لا يخرج الموضوعات.
والجواب: أن البيهقي عقب الحديث بيّن تفرد راويه عبد الرحمن مع ضعفه.
وهذه علة توجب رد الحديث.
3. ومنهم السيوطي في كتابه "الخصائص النبوية"، فقد ذكر الحديث وغيره.
والجواب: ذكره ولم يحكم عليه، وذكره في "تخريج الشفاء" له، وقال بضعف إسناده.
4. ومنهم ابن الجوزي في "الوفاء" فقد ذكر الحديث وغيره.
والجواب: أن ابن الجوزي ذكر كل ما وجد ولم يتكفل بصحة إسنادٍ، وقد ذكر في كتابه مكذوبات يعرفها أهل الشأن، ويعدونها من تناقضاته.
وقال: (5، 6، 7)، ومنهم: عياض وملا قاري والخفاجي.

والجواب: أن القاري والخفاجي قد ضعفوا حديث توسل آدم، والعبرة بتضعيفهم لابرأيهم، انظر "شرح القاري" (1/215)، و"شرح الخفاجي" (2/242). قال: 8- ومنهم: القسطلاني في كتابه "المواهب اللدنية".
والجواب: أن القسطلاني لا يُفرَد بقولٍ بتصحيح حديث آدم، فإنما هو في كتابه هذا ناقلٌ من السيوطي، وقد ذكرنا القصة في ذلك، وما قد يكون سبباً لتأليف السيوطي "الفارق بين المصنف والسارق".
قال: 9- ومنهم: الزرقاني في "شرحه على المواهب" (ج1 ص44). والجواب: ضعف الزرقاني حديث آدم، فإن كان رأياً ارتآه فليذكر دليله، ولم أجد في (ج1 ص44) من شرح المواهب شيئاً من ذلك.
قال: 10- ومنهم النووي.
أقول: ذكْره قصة العتبي لا يعني أنه يجيز التوسل بالذوات ونحوه.
قال: ومنهم ابن كثير.
الجواب: نقله قصة الأعرابي لا يعني تجويزه للتوسل بالذوات ونحوه، وقصة آدم ذكرها وضعف راويها.
وقصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، بينت ما فيها فارجع إليه، وتصحيح إسنادها لا يعني القول بجواز فعلها، كما يشير إليه صنيع ابن كثير نفسه.
وذكره شعار المسلمين [يا محمداه] ليس مقصوداً، بل ورد في أثناء نقل طويل بإسنادٍ مظلم اهـ. قال: ومنهم: ابن حجر فقد صحح سند قصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
والجواب: لم يصححها، وإنما قال: بإسنادٍ صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار.

وفي هذا تنبيه لعلة الرواية عنده، يفهمها المشتغلون بعلم الحديث.
قال: ومنهم: القرطبي المفسر.
الجواب: ذكر القرطبي نحواً من قصة الأعرابي، وحكايته لها لا يدل على قوله بموجب كل لفظٍ فيها.
ومن هذا ينجلي الغطاء، وينكشف ما تحت الكساء، ويظهر أن قول صاحب المفاهيم فيه تجنّ على أكثر من ذكرنا قولهم، وما كان يحسن به هذا، وهو شيء لم يسبق إليه ولم يفعله المصنفون قبله؛ ذلك لأنه مردود على مقتضى قواعد أهل العلم، وبالله التوفيق.
ذكر ص 54: استغاثة الخلق يوم القيامة بالأنبياء وآخرهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليشفع إلى ربه في أهل الموقف... إلخ.
ثم قال: "فهذا إجماع من الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين، وتقرير من رب العالمين، بأن الاستغاثة عند الشدائد بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج ومن موجبات رضى رب العالمين" اهـ. أقول: هذه جراءة قبيحة على رب العالمين، وعلى أنبيائه ورسله، فلو صعدت أبخرة هذه الجراءة إلى السحاب لنزل ماؤه سماً زعافاً، ولو نزلت إلى ينابيع الماء لقلبتها ناراً تلظى.
ولكن الهوى يفسد العقول، ويجر إلى عبادة غير الله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان: 43]، أيكون دين الجاهلية قرره رب العالمين؟!

أيكون دين الجاهلية أجمع عليه: الأنبياء والمرسلون؟! ما أقبح الهوى! وما أظهر الجاهلية في كلام كاتب المفاهيم الخاسرة! إن الذي يكون يوم القيامة: أن الخلق يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم إلى ربهم في فصل القضاء بينهم وإراحتهم من الموقف، وهذا الطلب جار على المألوف الجائز من طلب الشفاعة من حي حاضر قادر بمعنى أن يدعو الله للطالب في حصول مقصوده، فالشفاعة معناها: طلب الدعاء من الحي الحاضر، وهذا بخلاف طلب الشفاعة من الميت، أو التقرب إليه بشيء من أنواع العبادة بقصد أن يشفع له كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: 18].
قال ص 55: "وفي الفتاوى الكبرى: سئل شيخ الإسلام -رحمه الله: هل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك من ما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين [الفتاوى الكبرى ج1 ص 140]... " اهـ. أقول: جرى كاتب المفاهيم على هديه الذي رضيه لنفسه، وهو التحريف والتبديل، فبتر آخر كلام شيخ الإسلام؛ ليوهم أنه ساوى بين التوسل بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً.
وهذا تحريف للمعنى من جنس ما مر من تحريفاته.
قال الشيخ بعد قوله الذي نقله الكاتب: "وكان الصحابة -رضى الله عنهم- يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به" اهـ. فهذا التفسير للإجمال السابق لابد من ذكره ونقله، وفيه أن التوسل به في حياته يكون بدعائه لمن طلب منه الدعاء، أوبابتدائه الدعاء لمن شاء من أصحابه.
فهذا حق؛ لأن نبي الله حي

بين أظهرهم، ممكن من الدعاء في دار التكليف، ممكن من سؤال الله لمن طلب منه بالنصوص القطعية.
أما بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، والحياة البرزخية، فقد انقطع ما كان يعمله في حياته من الدعاء لمن طلب منه، والشفاعة لمن استشفعه.
وما خرج عن ذلك فهو مردود، إلا بنص ولا نص منقول يدل عليه، لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، كما يفهمه أو لو الشأن.
والرسول صلى الله عليه وسلم -كما بُيِّن في باب الشفاعة من هذا الكتاب- لم يتشفع ولم يتوسل بمن قبله من الأنبياء، بل ولا شهداء أحد وأفضلهم حمزة بن عبد المطلب، فلم يسألهم الدعاء ولا توسل بهم وهم الأنبياء، والشهداء الذين ثبتت حياتهم، وأنهم ليسوا بأموات، ولكنها حياة برزخية.
هذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن له أتباع، والمبتدعة الضلال لأهوائهم أتباع.
ومن نظر في هذا نظرة، حدثت له فكرة، أنجته بإذن مالك الأفئدة من الحسرة، إن كان من طلاب الصراط المستقيم، والهدي القويم، هدي خير الخلق أجمعين.
قال ص 56: "مما يستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية أن من دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم صح له أن يتوسل إلى الله بدعائه صلى الله عليه وسلم له، وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قد دعا لأمته، كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة" اهـ ثم قال: "لذا؛ فإنه يصح لكل مسلم أن يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بذلك فيقول: اللهم! إن نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم قد دعا لأمته، وأنا من أفراد هذه الأمة، فأتوسل إليك بهذا الدعاء أن تغفر لي وأن ترحمني، إلى آخر ما

يريد، فإذا قال ذلك: لم يخرج عن الأمر المتفق عليه بين كافة علماء المسلمين" اهـ أقول: قد بينت آنفا ما في التوسل بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته من البدعة، والخروج عن فهم السلف للتوسل.
والتوسل بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مقصوداً للكاتب، وإنما أتى بذلك ليصل إلى شيء آخر، وهو ما صرح به بقوله: "فإن قال: اللهم! إني أتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فقد فاته التصريح بما ينويه، وبيان ما ينعقد عليه قلبه، وهو مقصود كل مسلم، ومراده لا يخرج عن هذا الحد" اهـ. فهذا الكلام بيّن لِمَ ساق الكاتب كل ما مر من كلام شيخ الإسلام؟ فانظروا ضعف حجته، وقلة بصيرته في إحالته على قلوب المتوسلين برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وهو يزعم أنه بما في قلوبهم عليم، وأن مراداتهم لا تخرج عن الحد الذي اطلع به على قلوبهم.
أفتش الكاتب قلوب الداعين؟! أم هو نقيبهم ينافح عنهم.
وها هو الكاتب خرج عن هذا الحد المدعى، فتوصل بالتوسل البدعي إلى جواز الاستغاثة بالأنبياء، وطلبهم الشفاعة، فجعله سلماً.
ثم ما الذي يحجز الداعي من التصريح بما في قلبه؟! لا يمنعه إلا شيء هو أحسن عنده من ما لم يذكره، فلو كان يعتقد في لفظ أنه أقرب وأصح لقاله فإنه داعٍ سائل، والسائل يتحرى المقرب الصحيح، فلو كان مقصودهم ما اعتذر به الكاتب لصرحوا به، ولكن مقصودهم هو التوسل بذاته، مما هو من البدع، ووسائل الشرك، والإقسام به على الله تعالى، واتخاذه شفيعاً، ومغيثاً، ومعيناً، فيما لايقدر عليه إلا الله أو بعد موته.
ثم إنك إن فتشت لا تكاد تجد اليوم أحداً ينافح عن جواز التوسل بالذوات إلا وهو يجيز الشرك: كالاستغاثة بالأموات ودعائهم أو طلب

شفاعتهم.
وقد طالعت من كتبهم شيئاً فوجدتهم كما وصفت لك، فلعلك تكون من المستبصرين الناجين.
قال ص 57: "جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم تعرض أعمالكم عليّ، فإن وجدت خيراً حمدت الله وإن وجدت شراً استغفرت الله لكم".
ذكره الحافظ إسماعيل القاضي في "جزء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم"، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" وصححه.
وهذا صريح بأنه صلى الله عليه وسلم يستغفر للأمة في برزخه، والاستغفار دعاء، والأمة تنتفع بذلك" اهـ. كلام صاحب المفاهيم.
أقول: الكلام في هذه الأحرف من أوجه: الأول: هذا الحديث أخرجه إسماعيل القاضي ص 36 في "جزء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم" مرسلاً، فقال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكره بلفظ آخر غير ما ذكر، فأوهم صنيع صاحب المفاهيم أنه رواه باللفظ المذكور، وبكر بن عبد الله المزني من التابعين الثقات، توفي سنة 106 هـ فهو مرسل، والمرسل لا يقبل عند المحدثين.
وأما قول الكاتب: "ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" وصححه" ففيه: أن الهيثمي ذكر رواية البزار (وسيأتي ما فيها)، وقال "رجاله رجال الصحيح"، وهذه العبارة لا تفيد تصحيحه الحديث، فلا يجوز أن يقال إنه صححه، كما تجرأ عليه صاحب المفاهيم، وذلك أن قوله "رجاله رجال الصحيح" تفيد ثقة الرجال وأنهم مخرَّج لهم في الصحيح، ولا تفيد لا صحة الإسناد ولا صحة الحديث.

فصحة الإسناد تفتقر إلى معرفة اتصال الرواية وعدم الانقطاع في الإسناد، وألا يكون في الإسناد مدلس رواه بالعنعنة.
فمثلاً: لو روي حديث من طريق أحمد بن حنبل عن سفيان الثوري عن ابن المسيب عن أبي بكر الصديق، لجاز أن يقال: رجاله أئمة أثبات حفاظ، ولا يعني ذلك التكفل بصحة الإسناد، إذ ظاهر الإسناد الانقطاع بين كل راو وشيخه، فأحمد لم يدرك سفيان وهو لم يدرك ابن المسيب، وسعيد لم يدرك أبا بكر.
وصحة الحديث ليست بلازمة لصحة الإسناد، بل بينهما مراتب يعرفها أهل العلم والنظر، فكم من حديث صحيح الإسناد وهو شاذ أو غلط أو معلل.
وذلك أن تعريف علماء الحديث للحديث الصحيح جمع أمرين: صحة الإسناد وانتفاء الشذوذ والعلة.
فما لم يجتمع الأمران، لا يقال بصحة الحديث.
ومن هذا يعلم ما في قول صاحب المفاهيم من نسبة تصحيح الحديث للهيثمي من تَقَوُّل على الهيثمي، وزيادة أمرٍ لم يقله الحافظ الهيثمي رحمه الله.
ومثله ما نقله صاحب المفاهيم في ص 172 من كتابه من قول العراقي: إسناده جيد.
الثاني: الحديث رواه البزار في "مسنده" (1/397 زوائده) فقال: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام"، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حياتي خير لكم.. الحديث".

قال البزار: "لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد" اهـ. وهذا إسنادٌ فيه: عبد المجيد بن أبي رواد، وهو ممن لا يقبل ما ينفرد به عندهم، ولذا قال الحافظ العراقي شيخ الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي، فقد ضعفه بعضهم" فهذا هو التحقيق، وقد تفرد بهذه الزيادة "حياتي خير لكم... ". أما أول الحديث إن لله ملائكة... الخ فهو محفوظ من حديث سفيان عن عبد الله بن السائب به، واتفق رواة الحديث عن سفيان على هذا القدر تم أتى عبد المجيد فتفرد عنهم بهذه الزيادة فهي شاذة ضعيفة كما يقتضيه التحقيق.
الثالث: لوثبت الحديث لم يكن فيه ما ادعاه صاحب المفاهيم من جواز التوسل بعموم استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لأن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته لأمته وسؤاله الله لهم أبلغ وأقطع من استغفاره بعد موته -إن ثبت-، وهذا السبب الذي كان موجوداً في حياته هو عين السبب الذي علق الحكم به بعد مماته، فلما لم يشرع هذا العمل وهو التوسل بالاستغفار العام مع قيام المقتضي له في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن إحداثه بدعة.
ويؤيد هذا أن خير القرون ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، لم يستعمل أحد منهم التوسل بهذا الطريق الذي اخترعه عشاق البدع، وهُجَّار السنن.
أقول: وتوسع صاحب المفاهيم على عادته بتمسكه بأدنى شبهة وأبعدها، فقال ص 173 أواخر كتابه حول الحديث: "الحديث صحيح لا مطعن فيه" اهـ، وهذا افتراء أو قلة علم؛ بل فيه مطعن كما قدمناه.
قال: وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أعمالنا بعرضها عليه، ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سيئ وقبيح، وإذا كان كذلك فإنه يجوز لنا أن

نتوسل به إلى الله ونستشفع به لديه؛ لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا... " اهـ. أقول: في الحديث عرض الأعمال، والكاتب يستدل به على جواز طلب الشفاعة، يا له من فقه غاب عن الأمة بضعة عشر قرناً، حتى ظهر هؤلاء المبتدعة فأدركوه! فعرض العمل عليه صلى الله عليه وسلم شيء وتجويزك طلب الشفاعة أمر آخر بعيد، فإن عرضت عليه أعمالك فلن يرضى صلى الله عليه وسلم بالشرك الذي فيها، ومنه طلب الشفاعة من الموتى، ولن يستغفر لمشرك يستغيث بالأموات، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنيَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]. إن طلبك الشفاعة من الأموات سيء من العمل وشرك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستغفر لمن ترك دينه واتبع هواه فأشرك.
إن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفاعته، إنما تكون في حياته وفي الدار الآخرة لا في دار البرزخ، وله أنواع من الشفاعات ليس فيها نصيب لمشرك.
فمن طلب الشفاعة منه بعد موته، فحري أن يكون فوت على نفسه شفاعته صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وإن من سيئ الكلام تعدي صاحب المفاهيم على مقام النبوة حيث جزم بقوله "فيشفع فينا ويدعو لنا".
وإن من سيء القول وخطله وشنيعه تعدي الكاتب على مقام الألوهية، فيجوز طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، والشفاعة حق لله وحده، وإنما تطلب منه وحده، كما يدعو المخلصون بقولهم: اللهم! شفع فينا نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم.
وفي باب الشفاعة بيان هذه الأصول بما فيه مقنع لمن أراد الله هدايته.

وضع ص 61 عنواناً هو: "الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب لا ينكر التوسل".
أقول: تحليتك محمد بن عبد الوهاب بالشيخ الإمام: إما أن تكون اعترافاً بفضله قي تجديد أمر دين الإسلام، وإصلاحه وجهاده، وإما أن تكون عنيت بها وضعها اللغوي.
فإن أردت المعنى الأول فالشيخ قد أقام دعوته في محاربة أصناف الشرك الجلي والخفي، الأكبر منه والأصغر، وحارب وسائل الشرك التي تجر إليه مما حرمه الله ورسوله، ومن تأمل كتاب التوحيد ألفاه في فلك ما ذكر دائر، وعلى الصراط المستقيم سائر.
والشيخ -رحمه الله- جاهد في إرجاع الناس إلى دينهم الذي جاء به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وجاهد في إقناعهم بأن ما يفعله بعض الناس في زمانه ويدّعونه إسلاماً هو عين ما عليه المشركون الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان كثير من المنتسبين إلى الدين في زمانه عبَّاداً للقبور: يدعون أصحاب القبور استقلالاً من دون الله، ويدعونهم مع الله طلباً للشفاعة منهم والقربى إلى الله زلفى، ويرجونهم دفع المضرات، ورفع المهلكات، وتفريج الكربات، كما قال الله عن أشباههم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].
ثم هم يقدمون لأولئك المقبورين أصناف القرابين والعبادات التي لا تكون إلا لله جل وعلا: كالذبح، والنذر، وهم يخضعون لأولئك المقبورين الميتين أعظم من خضعانهم في مساجد الله.
كانوا يستغيثون بالأموات، ويخافونهم خوف السر، ويحبونهم أشد من محبة الله، ويتقربون إليهم أكثر من تزلفهم إلى ربهم، بل نسوا ربهم

وذكره، وفشت فيهم مذاهب الإلحاد والزندقة، كمذهب وحدة الوجود، وتعظيم الأولياء على الأنبياء، كما قال مقدمهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي هذا جزء في واقع أسود رآه الشيخ في هذه الديار، فجاهد متوكلاً على ربه، مقتفياً سنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى في سيرته الجهادية، فنصره الله وأعزه، ومكن له الدين.
وذلك الواقع الذي وصفنا موجود في أكثر البلدان الإسلامية، والواجب تبصيرهم بالمكفرات الواقعة الكثيرة، ثم جهادهم بأنواع الجهاد باليد واللسان والقلب، ولكن اثَّاقل الناس إلى الأرض، إلا قليلاً.
هذا الذي ذكر من أصناف الشرك الأكبر كانت محاربته وتغييره، وهداية الناس إلى الإسلام همَّ الشيخ الأول، ثم إن الشيخ -رحمه الله- داع حكيمٌ متروٍ، فإذا كان المخاطب واقعاً في أصناف الشرك فمن غير الحكمة أن ينهاه عن البدع ووسائل الشرك وهو لم يعلم بعدُ أن الشرك موجود بين الناس، بل الواجب أن يبين الشرك ثم إذا استقرت حقيقة الإسلام في قلب العبد وترك وجاهد الشرك الأكبر، فهو سينكر وسائل الشرك؛ لأن العاقل البصير إذا كره شيئاً كره وسائله ودواعيه.
إن السلامة من سلمى وجارتها أن لا تحل على حالٍ بواديها فهذا الشاعر القديم عرف هذه الحقيقة، وإليها يهتدي العقلاء، وقد دلت الشريعة إليها وحضت عليها قاعدة "سد الذرائع".
وقال ملخصاً مباحثه في التوسل ص 73: "إن التوسل: ليس مقصوراً على تلك الدائرة الضيقة التي يظنها المتعنتون".

أقول: هذه كلمات ينفر منها ذووا القلوب الحية، التي قد ملأت محبة الله وإعظامه وإجلاله جوانحها، ويستأنس لها من شغل بذكر غير الله مع الله، أو نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
يالها من ألفاظ لو مزجت بماء البحر لمزجته، ولو سالت على زروع الناس لأفسدت معيشتهم.
سبحان الله!! التوسل بأسماء الله وصفاته دائرة ضيقة! أسماء الله التي لا تحصى دائرة ضيقة للتوسل! صفات الله العُلى وأفعاله الحكيمة دائرة ضيقة! سبحان الله! ولا حول ولا قوة إلا بالله! يا صاحب المفاهيم! لو دعوت ربك متوسلاً إليه بأسمائه لانقضى عمرك وعمر من معك، ولم تبلغوا نهاية، ولم تحصوا لها عدداً.
يا صاحب المفاهيم! لو ظللت تدعو الليل والنهار لا تفتر أبداً تتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى لم تنقض، ولانقضى عمرك.
يا صاحب المفاهيم! لو توسلت إلى الله بأسمائه الحسنى بما يناسب مطلوبك من أسمائه، لا نقضت حوائجك ولم تبلغ بعضاً من أسماء الله.
يا صاحب المفاهيم! إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، فلو ظللت تدعو بها مفردة، ثم تجعل مع الاسم آخر، ثم هكذا، لبلغت ما لو دعا به الخلق من أولهم إلى آخرهم ما يسعهم غير مكررٍ ولا معيد.
يا صاحب المفاهيم! إني أنذرك مغبة هذه الكلمة الوبيلة التي يقْشَعِرُ منها البدن، وعليك بالانطراح بين يدي الله والتوبة من هذا القول، وما جرَّ إليه من الشرك، وما قرب إليه من البدع، ولا حول ولا قوة إلأ بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم إنا نبرأ إليك من قول من قال: إن التوسل بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا دائرة ضيقة، فتقبل اللهم براءتنا، وعلمنا من أسمائك، وآثار صفاتك، ما يقوي قلوبنا، ويهدينا إلى صراطك المستقيم.

فصول الكتاب · 9 فصل · 260 صفحة
جارٍ التحميل