باب النعت
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أحمد بن عمر الحازمي
- الكتاب
- فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية (نظم الآجرومية لمحمد بن أبَّ القلاوي الشنقيطي)المؤلف (مؤلف الشرح): أحمد بن عمر بن مساعد الحازمي
- الناشر
- مكتبة الأسدي، مكة المكرمة
- الطبعة
- الأولى، 1431 هـ - 2010 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
، وبدأ بالنعت لأن هذه الخمسة إذا اجتمعت قُدِّم النعت، إذا اجتمعت في تركيب واحد قدم النعت، ويقال: باب الوصف والصفة، وأكثر النحاة على أنهما مترادفان، وابن القيم له كلام في بدائع الفوائد في التفريق بين النعت والصفة.
النعت في اللغة: بمعنى الصفة أو الوصف، والوصف والصفة مترادفان.
وفي اصطلاح النحاة: هو التابع المشتق أو المؤول به المباين للفظ متبوعه.
هذا أحسن ما يقال في حد النعت.
قوله: التابع هذا جنس، والعلاقة بينه وبين المحدود العموم والخصوص المطلق، فكل نعت تابع ولا عكس، لأن النعت واحد التوابع، والتوابع خمسة ومنها النعت.
إذاً التابع جنس يشمل التوابع الخمسة: النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق والبدل, فنحتاج إلى قيود لإخراج الأربعة ليبقى النعت.
قال: المشتق أو المؤول به فخرجت كل التوابع: التوكيد والبدل وعطف البيان وعطف النسق والتوكيد اللفظي الجامد لأنها ليست بمشتقات، وبقي نوع واحد، وهو التوكيد اللفظي المشتق.
إذاً قوله: المشتق أو المؤول به -وسيأتي معنى المشتق والمؤول بالمشتق- فصلٌ مخرج لبقية التوابع، فإنها لا تكون مشتقة ولا مؤولة بالمشتق.
إذاً التوكيد والبدل والعطف لا تكون
مشتقة، فإذا جاءك التابع مشتقاً فاحكم عليه بأنه نعت، إذاً كون اللفظة مشتقة علامة على أنه نعت، فإذا وجد الاشتقاق فثم النعت، وإذا لم يوجد الاشتقاق حينئذ ارتفع النعت.
فمثلا تقول في التوكيد: جاء القومُ أجمعون، فأجمعون توكيد وليس بمشتق، حينئذ تقول: أجمعون ليس بنعت.
وتقول: جاء زيدٌ زيد، فزيد الأول فاعل، والثاني توكيد جامد، فليس بمشتق فلا يكون نعتًا، وتقول في البدل: جاء زيد أخوك، فأخوك بدل وليس بمشتق، فلا يكون نعتًا، وعطف البيان لا يكون مشتقاً، والمثال السابق صالح له، وتقول في عطف النسق: جاء زيد وعمرو، فعمرو معطوف على زيد وليس بمشتق؛ لأنه عطف نسق.
فإن قيل: يردُ على أن سائر التوابع ليست بمشتقات ما إذا قلتَ: قال: أبو بكر الصديق، وقال: عمر الفاروق، ورأيت شاعراً وكاتباً.
فالصديق مشتق صيغة مبالغة على وزن فعيل، والفاروق أيضًا مشتق صيغة مبالغة على وزن فاعول، وهما عطف بيان أو بدل، فكيف نقول: إن التابع المشتق لا يكون إلا نعتاً، فقد وجد البدل وعطف البيان كما في الصديق والفاروق مشتقين؟! الجواب: أن الصديق والفاروق هما في الأصل مشتقان ثم عوملا معاملة الألقاب، فجُعلا كالعلمين، بحيث إذا أطلقا انصرفا إلى الخليفتين الراشدين - رضي الله عنهما - فصارا كالعلم كزيد، فهما جامدان؛ لأن الأصل في العلم أنه جامد، والأصل فيما إذا كان دالاً على صفة ثم صار علمًا أنه يسلب دلالته على الصفة، فلا يدل على شيء حينئذٍ، كما لو سمي رجل بصالح، لا يلزم أنه صالح
بالفعل، وإنما الوصف بكونه صالحاً قبل جعل اللفظ علماً، فلما جعل اللفظ علماً سلب منه المعنى وهو الصلاح، كذلك محمود لا يدل على أنه متصف بالصفات الحميدة.
أما رأيت شاعراً وكاتباً، كاتباً عطف نسق وهو مشتق، فكيف يقال: عطف النسق لا يكون مشتقاً وقد وجد الاشتقاق في عطف النسق؟! الجواب: أنّ كاتباً ليس هو المعطوف، وإنما المعطوف محذوف كذلك رأيت شاعراً، شاعراً ليس هو المفعول، وإنما التقدير: رأيت رجلاً شاعراً، ورجلاً كاتباً، فرجلاً هو المعطوف، وكاتباً وشاعراً هذان نعتان في الموضعين، رأيت شاعراً ليس هو المفعول به في الحقيقة، وإنما هو صفة لموصوف محذوف، رأيت رجلاً شاعراً وكاتباً، أي ورجلاً كاتباً حينئذ لم يعطف المشتق، وإنما عطف المنعوت، وهو جامد.
قال: المباين للفظ متبوعه هذا فصل لإخراج نوع واحد من أنواع التوكيد اللفظي، وهو فيما إذا وقع التوكيد بمكرر وهو مشتق، نحو: جاء زيد الفاضلُ الفاضلُ، زيدٌ: فاعل، والفاضل الأول نعت، والثاني توكيد لفظي، إذاً وجد الاشتقاق، وصار التوكيد اللفظي مشتقاً؛ لأنه اسم فاعل، والجواب: أن النعت لا بد أن يكون مبايناً أي مغايراً لمتبوعه، زيد الفاضل، ليس الفاضل في اللفظ عين زيد، بل هو مباين ومخالف له، أما الفاضل الثاني فهي عين الأول، فحينئذ لا يكون نعتاً، وإنما هو توكيد، وشرط النعت أن يكون مبايناً لمتبوعه، وهنا الفاضل الفاضل، الفاضل الثاني لم تغاير
الفاضل الأول، بل هو عينه، حينئذ لا يقال: إنه نعت، بل هو توكيد لفظي.
عرفنا أن شرط النعت: أن يكون مشتقاً بصيغته، أو مؤولا بالمشتق بأن يكون جامداً ليس بمشتق، لكنه يقوم مقام المشتق للدلالة على ما دل عليه اللفظ المشتق.
قال ابن مالك:
وَانْعَتْ بِمُشْتَقٍّ كَصَعْبٍ وَذَرِبْ... وَشِبْهِهِ كَذَا وَذِي وَالمُنْتَسِبْ
والمراد بالمشتق هنا: ما دل على حدث وصاحبه.
قولنا: ما أي لفظ دل على حدث وصاحبه كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، أربعة لا خامس لها في هذا الموضع، وإلا فالمشتقات عشرة عند الصرفيين، ولكن المراد به في باب النعت أربعة، إذا أُطلق المشتق حمل عليها، لأنها تدل على ذات وصفة، والمعنى ظاهر في اسم الفاعل إذا قيل: ضارب وفاضل وعالم وقاتل، فنقول: هذه أسماء فاعلين تدل على ذات أي على شخص، هذا الشخص قد اتصف بصفة، فإذا قيل: زيد، نقول: هذا دل على ذات فقط، ولم يدل على حدث، وإذا قيل: قَتْلٌ وضرْبٌ وأَكْلٌ وشرْبٌ دلت على حدث فقط، ولم تدل على ذات.
ثم وضعت العرب لفظاً مشتركاً دالاً على ذات وحدث معًا، فقالت: قاتل وضارب مثلا، كأنه قال: زيد اتصف بحدث وهو القتل أو الضرب.
فقاتل وضارب اسم فاعل، دل على ذات وصفة.
وأما المؤول بالمشتق، يعني ما يؤول ويرجع إلى المشتق فهو ما يقوم مقام الاسم المشتق في دلالته على معنى المشتق، منها الأول: اسم الإشارة، فاسم الإشارة يصح أن يقع نعتاً ويؤول بالمشتق، تقول: مررت بزيد هذا، مررت فعل وفاعل، وبزيد جار ومجرور، وهذا نعت لزيد، وقد وقع نعتًا وليس بمشتق بل هو جامد، ولكن نؤوله بالمشتق أي بزيد المشار إليه، أرجعته إلى اسم المفعول؛ لأن المشار اسم مفعول.
فحينئذ فسرت اسم الإشارة باسم المفعول وهو مشتق.
إذاً اسم الإشارة يقع نعتاً، وليس هو عينه بمشتق، وإنما يقوم مقام المشتق في الدلالة على ما دل عليه المشتق، وهو المشار إليه.
الثاني: ذو التي بمعنى صاحب، تقول: جاء رجل ذو علم، جاء فعل ماض، ورجل فاعل، وذو نعت، وهو جامد ليس بمشتق لكنها في قوة المشتق؛ لأنها بمعنى صاحب، والصاحب اسم فاعل وهو مشتق، إذاً هو في قوة المشتق.
الثالث: الاسم المنسوب، تقول: جاء رجل مكيٌّ أو قرشيٌّ، جاء فعل ماض، ورجل فاعل، وقرشي نعت، وهو جامد ليس بمشتق، لكنه في قوة المشتق أي المنسوب إلى قريش، والمنسوب اسم مفعول.
الرابع: الجملة الخبرية، فالجملة الخبرية تقع نعتاً، تقول: جاءني رجل أبوه عالم، رجل فاعل، وأبوه عالم مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع نعت لرجل، لأن الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، ويشترط هنا في الجملة أن تكون مشتملة على رابط
-كجملة الخبر- يربط بين الجملة والمنعوت، وأن تكون جملة خبرية لا إنشائية، كما قال ابن مالك:
وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ......................
الخامس: المصدر، تقول: جاءني رجل عدل، فرجل فاعل، وعدل نعت؛ لأنه مؤول عند الكوفيين باسم الفاعل جاءني رجل عادل، أو على حذف المضاف ذو عدل أي صاحب عدل عند البصريين.
السادس: شبْه الجملة، تقول: مررت برجل في الدار، في الدار جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لرجل، ومررت برجل عندك، عند ظرف متعلق بمحذوف صفة لرجل.
إذاً الجار والمجرور والظرف إذا وقعا بعد النكرة يعربان صفة، وإذا وقعا بعد المعرفة يعربان حالا.
السابع: الاسم الموصول، تقول: جاء زيد الذي قام، فزيد فاعل، والذي نعت لأن الموصول مع صلته في قوة المشتق، أي جاء زيد القائم، حينئذ أحللت محله اسم فاعل وهو مشتق.
الثامن: أيُّ الوصفية، تقول: جاء رجل أيُّ رجل، يعني بلغ الكمال في الرجولة، فأيّ نعت؛ لأنها بمعنى كاملة.
وفائدة النعت أنه مخصص للنكرات، موضح للمعارف، يعني إذا وقع بعد النكرة فهو مخصص لها، والمراد بالتخصيص: تقليل الاشتراك، نحو: مررت برجل عالم، فلفظ رجل نكرة، ويحتمل أنه
عالم أو جاهل، فإذا قلت: عالم، خصصته، يعني أخرجت الجاهل، ثم بقي نوع اشتراك، هل الرجل هذا زيد أو عمرو أو خالد... إلخ.
فالصفة هنا خصصت النكرة بأن قللت الاشتراك، ولم ترفعه.
وإذا وقع بعد المعارف فهو للتوضيح، والمراد بالتوضيح هنا: رفع الاشتراك، تقول: جاء زيد، وأنت تعرف أن زيدًا علَمٌ مشترك، قد يكون زيدًا العالم، زيدًا الفاضل، زيدًا البخيل، زيدًا الكريم وهكذا، فإذا قلت: جاء زيد الكريم، تعيَّن.
إذاً الفرق بين التخصيص والتوضيح: أن التخصيص تقليل للاشتراك، والتوضيح رفع للاشتراك بالكلية، كذلك يقع النعت توكيداً، كقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة:196]، وقد يقع للمدح، (بسم الله الرحمن الرحيم) الرحمن الرحيم نعتان المراد بهما المدح، وقد يقع ويراد به الذم، (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (الرجيم) المراد به الذم.
قال في عقود الجمان:
وَوَصْفُهُ لِلْكَشْفِ وَالتَّخْصِيصِ أَوْ... تَأَكُّدٍ وَالمَدْحِ وَالذَّمِ رَأَوْا
قال الناظم - رحمه الله تعالى-:
النَّعْتُ قَدْ قَالَ ذَوُو الأَلبَابِ... يَتْبَعُ لِلمَنْعُوتِ فِي الإِعْرَابِ
كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ وِالتَّنْكِيرِ... كَجَاءَ زَيدٌ صَاحِبُ الأَمِيرِ
النعت يتبع المنعوت في حكمه، فإن كان منعوته مرفوعاً كان النعت مرفوعاً، وإن كان المنعوت منصوباً كان النعت منصوباً، وإن كان المنعوت مجروراً كان النعت مجروراً، والعامل في المتبوع هو العامل في النعت، وهذا مذهب الجمهور ونسب إلى سيبويه.
وذهب الخليل والأخفش إلى أن العامل في النعت هو التبعية وهذا أمر معنوي، فإذا قيل مثلاً: جاء زيد الفاضل، جاء فعل ماض، وزيد فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، والذي أحدث الضمة في زيد هو الفعل جاء، والفاضل مرفوع لأنه نعت لزيد، والنعت يتبع المنعوت في حكمه الإعرابي، إذا كان المنعوت مرفوعاً كان النعت مرفوعاً، وهنا النعت مرفوع لكون المنعوت مرفوعاً، إذًا طابقه في الإعراب، فهو مرفوع ورفعه الضمة الظاهرة على آخره، والذي أحدث الضمة في النعت الفاضل فيه قولان: الجمهور على أن العامل في المتبوع هو العامل في التابع، فحينئذ العامل في زيد هو عينه العامل في الفاضل، فيكون الفاضل مرفوعًا بالفعل جاء، فيكون الفعل جاء قد رفع اسمين: رفع الأول على أنه فاعل، ورفع الثاني على أنه نعت له، فيكون العامل لفظيا، وهذا مذهب الجمهور وهو أصح.
وذهب الخليل والأخفش أن العامل هو التبعية، وهي كونك قد أتبعت زيدًا بالفاضل، وألحقتَ زيدًا الموصوفَ بالفاضل أي وصفته به، وهذا أمر معنوي وهو فعل الفاعل، وهذا محتمل أن تكون التبعية هي العامل، لكن إذا وجد في التركيب ما هو عامل لفظي وأمكن إسناد العمل إليه دون أن يقدر عامل معنوي فهو
أرجح، لأن الأصل في العوامل أن تكون لفظية، والعامل المعنوي ضعيف، حينئذٍ الأولى أن يعلق العمل باللفظي لأنه أرجح وأقوى من أن يعلق بأمر معنوي.
[النَّعْتُ قَدْ قَالَ ذَوُو الأَلبَابِ] النعت مبتدأ، وقد حرف تحقيق، وذووا فاعل مرفوع ورفعه الواو المحذوف للتخلص من التقاء الساكنين، لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وذوو الألباب أي أصحاب الألباب، جمع لب والمراد به العقل، [يَتْبَعُ] أي النعت [لِلمَنْعُوتِ] أي المنعوتَ، فاللام زائدة، دخلت على المفعول به، وهذا شاذ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، [فِي الإِعْرَابِ] أي في واحد من أوجه الإعراب، ولابد من التقدير لأنه لا يتبع المنعوت في الإعراب مطلقاً، لأن الإعراب جنس تحته أنواع، والاسم حيث كان تابعاً حينئذٍ قد يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، فإذا قيل يتبعه في الإعراب: رفعاً أو نصباً أو جراً، إذاً لا يمكن أن يتبعه في اثنين لأن الاسم لا يمكن أن يكون مرفوعاً منصوباً، أو منصوباً مجروراً، أو مرفوعاً مجروراً في وقت واحد، ولذلك نقول الاسم له باعتبار الإعراب ثلاثة أحوال: إما أن يكون مرفوعاً، وإما أن يكون منصوباً، وإما أن يكون مجروراً.
كذلك باعتبار التعريف والتنكير الاسم له حالان: إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة.
وباعتبار الإفراد والتثنية والجمع له ثلاثة أحوال: إما أن يكون مفرداً، وإما أن يكون مثنى، وإما أن يكون جمعاً.
وباعتبار التذكير والتأنيث له حالان: إما أن يكون مذكراً، وإما أن يكون مؤنثاً.
هذه
عشرة أحوال للاسم: ثلاثة في الإعراب، وثلاثة في الإفراد والتثنية والجمع، واثنان في التعريف والتنكير، واثنان في التذكير والتأنيث، هذه أربعة أقسام تحتها عشرة أنواع.
وكل اسم له أربعة أمور من هذه العشرة، ولا يمكن أن تجتمع كلها في اسم واحد، فحينئذ يأخذ من كل قسم نوعا واحدا، القسم الأول الذي هو الإعراب له ثلاثة أحوال: إما أن يكو مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، الاسم له حالة واحدة منها فإذا كان مرفوعاً انتفى النصب والجر، وإذا كان منصوباً انتفى الرفع والجر، وإذا كان مجروراً انتفى الرفع والنصب، فله حالة واحدة.
وباعتبار الإفراد له حالة واحدة: إما أن يكون مفرداً أو مثنى أو جمعاً، فإذا كان جمعاً ارتفع الإفراد والتثنية، وإذا كان مثنى ارتفع الإفراد والجمع، وإذا كان مفرداً ارتفعت التثنية والجمع.
وباعتبار التنكير والتعريف: إذا كان معرفة فحينئذٍ لا يمكن أن يكون نكرة، وإذا كان نكرة لا يمكن أن يكون معرفة، إذاً له حالة واحدة من التعريف والتنكير.
وباعتبار التذكير والتأنيث له حالة واحدة إما أن يكون مذكراً، وإما أن يكون مؤنثاً.
إذا قلت: جاء زيد، زيد له الرفع، والتذكير، والإفراد، والتعريف، أربعة أحوال، وإذا قلت: جاءت هند ارتفع التذكير، وحل محله التأنيث مع بقية الأوجه، وإذا قلت: جاء الزيدان، ارتفع الإفراد وحل محله التثنية مع بقية الأوجه، وهكذا في سائر الأنواع، لا يمكن أن تكون إلا أربعة منها.
النعت إما أن يكون حقيقياً، وإما أن يكون سببياً، فالحقيقي هو الذي رفع ضميرًا مستتراً، لأن النعت لا بد أن يكون مشتقاً، فإذا
كان مشتقاً لا بد أن يكون عاملاً، وذكرنا أن المشتق هنا المراد به اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل، وهذه ترفع ضميرًا مستترًا، فإذا قلت: جاء زيد العاقل، العاقل نعت تنظر بعد لفظ العاقل، هل هناك اسم ظاهر؟ فإذا لم يكن بعده اسم ظاهر تحكم عليه بأنه رفع ضميراً مستتراً، يعود على المنعوت، هذا ضابط النعت الحقيقي.
والنعت السببي هو الذي رفع اسماً ظاهراً، فإذا قلت: جاء زيد العاقل أبوه، فالعاقل نعت ثم تنظر في النعت هل رفع ضميراً مستتراً؟ الجواب لا، وإنما رفع اسماً ظاهراً وهو أبوه وهو فاعل.
وهذا يسمى نعتاً سببياًَ، وعلة التسمية قالوا: لأنه جرى على غير ما هو له، فقولك: جاء زيد العاقل أبوه، جاء فعل ماضٍ، وزيد فاعل، وهو المنعوت، والعاقل نعت لزيد، وأبوه فاعل للنعت، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فمَن الذي وصف بالعقل؟ هل هو زيد أو أبو زيد؟ الجواب: الموصوف بالعقل هو أبو زيد، إذاً هل جرى النعت والصفة التي تضمنها اللفظ المشتق على الموصوف أو على غيره؟ لاشك أنه على غيره، هذا يسمى نعتاً سببياً، فحينئذٍ العاقل أبوه ليس وصفاً لزيد، وإنما هو وصف لأبي زيد، فتقول هذا الوصف جرى على غير من هو له في الأصل، لأنه في الأصل لزيد ولذلك نعربه نعتا له، لكنه لما رفع اسماً ظاهراً انتقل في المعنى من جهة كونه صفة لزيد إلى كونه صفة لأبي زيد.
قال الناظم: النعت [يَتْبَعُ لِلمَنْعُوتِ فِي الإِعْرَابِ] أي في واحد من أوجه الإعراب رفعاً أو نصباً أوجراً، [كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ وِالتَّنْكِيرِ] كذاك أي مثل ذاك والمشار إليه كون النعت يتبع المنعوت في واحد من أوجه الإعراب يتبعه في واحد من التعريف والتنكير، إذًا ذكر خمسة من العشرة، فيتبع النعت المنعوت في اثنين من خمسة، لأنه قال: يتبع للمنعوت في واحد من أوجه الإعراب الثلاثة، وفي واحد من التعريف والتنكير، إذاً في اثنين من خمسة.
النعت مطلقاً سواء كان النعت حقيقياً أو سببياً يتبع المنعوت في اثنين من خمسة، وهي التي ذكرها الناظم، فحينئذٍ إذا كان النعت حقيقياً أو سببياً وجب أن يكون رفعه أو نصبه أو جره على حسب المنعوت ولا ينفك عنه مطلقاً، كذاك في التعريف والتنكير، إذا كان المنعوت نكرة وجب أن يكون النعت نكرة مطلقاً سواء كان النعت حقيقياً أو سببياً، وإذا كان المنعوت معرفة وجب أن يكون النعت معرفة مطلقاً سواء كان النعت حقيقياً أو سببياً، ولذلك نقدر عند قوله يتبع للمنعوت في اثنين من خمسة سواء كان حقيقياً أو سببياً، ولا يجوز في شيء من النعوت مطلقاً الحقيقي والسببي أن يخالف منعوته في الإعراب، ولا أن يخالفه في التعريف والتنكير، وهذا أمر لازم للنوعين فتقول: جاء زيدٌ العاقلُ، تبعه في الرفع والتعريف، ولا يصح أن يقال: جاء زيد عاقل، ولا جاء رجل العاقل، ولا جاء زيدٌ العاقلَ إلا إذا قطع فحينئذٍ صار جملة مستقلة فيكون الكلام مركباً من جملتين جاء زيد أعني العاقلَ، أما الكلام في الجملة
الواحدة وعلى الأصل دون القطع فنقول جاء زيدٌ العاقلُ ولا يجوز أن يقال العاقلَ دون أن تقطع النعت، هذا في النعت الحقيقي والسببي.
وأما الأحوال الأخرى التي تختص بالاسم من حيث الإفراد والتثنية والجمع، ومن حيث التذكير والتأنيث، فحينئذٍ نقول: إن كان النعت حقيقياً أيضاً يتبع المنعوت في اثنين من خمسة: في واحد من الإفراد والتثنية والجمع، وفي واحد من التأنيث والتذكير، فحينئذٍ إذا نظرنا للأحوال العشرة نقول: النعت الحقيقي يتبع منعوته في أربعة من عشرة، واحد من أوجه الإعراب، وواحد من أوجه الإفراد وفرعيه، وواحد من التذكير والتأنيث، وواحد من التعريف والتنكير، تقول: مررت برجلٍ قائمٍ، ومررت برجلين قائمين، ومررت برجال قائمين، تبع منعوته في الجر هنا، قال برجالٍ بالكسر، وقائمين بالياء، ولا يشترط أن يكون تابعاً لما قبله في شخص الحركة، بل في مطلق الإعراب، يعني لو كان المنعوت مرفوعاً تبعه النعت في مطلق الرفع لا في عين الحركة، ولذلك تقول: مررت برجال قائمين كل منهما مجرور، إذاً يكون تابعاً له في مطلق الخفض وليس في عين الحركة.
وتقول: مررت بامرأة قائمة، ومررت بامرأتين قائمتين، ومررت بنساء قائمات، إذاً الخلاصة: النعت الحقيقي يتبع منعوته في أربعة من عشرة واحد من أوجه الإعراب وواحد من الإفراد والتثنية والجمع، وواحد من التذكير والتأنيث، وواحد من التعريف والتنكير، ولا يجوز أن يخالف المنعوت واحدًا من هذه الأربعة.
أما النعت السببي فإنه يلزم حالة واحدة وهي الإفراد، ولا يكون مثنى ولا جمعاً إلا على لغة أكلوني البراغيث، وهي لغة ضعيفة لا يعول عليها.
ومن حيث التذكير والتأنيث يتبع الاسم الظاهر الذي رفعه، ولا يتبع المنعوت، تقول: مررت برجل قائمٍ أبوه، قائم نعت لرجل تبعه في اثنين من خمسة، وهما الخفض والتنكير، ويلزم الإفراد مطلقًا، وباعتبار التذكير والتأنيث نقول: الاسم الظاهر قد وقع مذكراً وهو أبوه، فذُكِّر النعت لا لكون المنعوت مذكراً وإنما لكون الاسم الظاهر مذكراً، ولذلك لو قيل: مررت برجلٍ قائمةٍ أمُه، قائمة هذا نعت لرجل تبعه في اثنين من خمسة، وهما الخفض والتنكير، ويلزم الإفراد مطلقًا، وباعتبار التذكير والتأنيث هنا وقع المنعوت مذكراً والنعت مؤنثاً، لأنه نعت سببي رفع اسماً ظاهراً والنعت السببي في باب التأنيث والتذكير يتبع ما بعده لا ما قبله، والفاعل وهو أمه مؤنث حقيقي، حينئذٍ يجب تأنيثه لأنه كما سبق أن الفعل إذا كان فاعله مؤنثاً وجب التأنيث، وكذلك الوصف الذي هو اسم الفاعل إذا رفع اسماً ظاهراً وكان فاعله مؤنثاً بشرطه وجب التأنيث، إذا قلت: قامت أم زيد، حكم التأنيث أنه واجب، كذلك الوصف إذا أقيم مقام الفعل أخذ حكمه، حينئذٍ إذا رفع الوصف اسماً ظاهراً وكان مؤنثاً تأنيثاً حقيقياً وجب تأنيث الوصف، لأن الوصف في قوة الفعل يعامل معاملة الفعل، وإذا وجب في الفعل تجريده عن علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمع الفاعل وجب تجريد الوصف عن علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمعه، وحينئذٍ: مررت
برجل قائمة أمه، قائمة هذا في قوة قامت فيجب التأنيث، ولذلك سبق في المبتدأ من نحو: أقائم الزيدان، قائم مبتدأ، والزيدان فاعل سد مسد الخبر، لِمَ قالوا فاعل ولم يقولوا خبر؟ قلنا: لأن قائم في معنى الفعل، والفعل لا يرفع خبراً، وإنما يرفع فاعلاً، لأن النظر في المعنى فقائم الزيدان في قوة قولك: يقوم الزيدان، فإذا جاء الزيدان بعد الفعل يقوم رُفع على أنه فاعل، وإذا جاء تالياً لما هو في قوة الفعل يقوم كذلك يجب أن يكون مرفوعاً على أنه فاعل، ولا يكون خبراً، لأن الفعل لا يخبر عنه، وإنما يرفع ما بعده على أنه فاعل، كذلك هنا: مررت برجل قائمة أمه، قالوا: هذا في قوة الفعل فحينئذٍ يجب أن يعامل معاملة الفعل؛ لأنه رفع اسماً ظاهراً فإذا كان الاسم الظاهر مؤنثا واجب التأنيث - بشرطه - وجب تأنيث الوصف، وإذا كان الاسم الظاهر مثنى أو جمعاً وجب إفراد الوصف، لأن الفاعل لا يُلحَق بعامله علامة تدل على أن الفاعل مثنى أو جمع، تقول: مررت بامرأة قائمٍ أبوها، فامرأة هذا منعوت وهو مؤنث، وقائم نعت وهو مذكر، لأنك تقول: مررت بامرأةٍ قام أبوها ولا تقول: قامت أبوها، فذكر النعت مع كون المنعوت مؤنثًا باعتبار الاسم الظاهر، وتقول: مررت برجلين قائم أبواهما، برجلين هو الموصوف، وقائم رفع اسماً ظاهراً وهو فاعل مثنى، كما تقول: مررت برجلين قام أبواهما - أتيت بفعل ماض في مقام قائم - إذاً كذلك تقول: مررت برجلين قائمٍ بالإفراد؛ لأنه في معنى الفعل وقد رفع فاعلاً أبواهما وهو مثنى، والفعل إذا رفع فاعلا مثنى لا
تلحقه علامة تدل على أن الفاعل مثنى، كذلك الوصف الذي أُقيم
مُقام الفعل يجب تجريده من علامة تدل على أن الفاعل مثنى، ومثله قولك: مررت برجالٍ قائمٍ آباؤهم.
كأنك قلت: قام آباؤهم، فيلزم الإفراد لأنه نعت سببي.
ومن حيث التأنيث والتذكير يتبع ما بعده، جاء في القرآن: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) [النساء:75] الظالم نعت للقرية، وكل منهما معرفة ومجرور، وباعتبار التذكير والتأنيث قال: الظالم ولم يقل الظالمة، لأنه تَبَعٌ لما بعده وهو أهلها، وهو مذكر، أيضًا قال: الظالم ولم يقل: الظالمين لأنه واجب الإفراد، فالنعت السببي يلزم الإفراد مطلقاً سواء كان الاسم الظاهر مفرداً أو مثنى أو جمعاً.
[كَجَاءَ زَيدٌ صَاحِبُ الأَمِيرِ] هذا مثال للنعت الحقيقي، أي كقولك أو مثل جاء زيد صاحب الأمير، جاء فعل ماضٍ، وزيد فاعل، وصاحب نعت لزيد تبعه في الرفع، والعامل في النعت صاحب هو الفعل جاء، لأن العامل في النعت هو العامل في المنعوت على الصحيح، وتبعه في الإفراد، وفي التعريف، وفي التذكير، أيضاً زيد معرفة وصاحب الأمير معرفة، وزيد علَمٌ فهو أعرف من صاحب الأمير لأنه نكرة أضيفت إلى محلى بأل فهو في رتبة المعرَّف بأل، نأخذ من هذا أن الأصل في الصفة والنعت أن تكون أدنى من الموصوف في التعريف أو مساوية له، ولا يجوز أن تكون الصفة أعرف وأعلى درجة من الموصوف، ولذلك لم يجوزوا: مررت بزيد صاحبك على أنه نعت بل بدل، لأن المضاف إلى الضمير في رتبه العلم، والنعت إنما يؤتى به في الأصل للإيضاح، فإذا كان هو أعرف من المنعوت إذاً لا نحتاج إلى الصفة من أصلها، وإنما
يكون موضحا إذا كان مساوياً أو أدنى أما أعلى فلا، ولذلك مررت بزيد صاحبك، صاحب نكرة أضيفت إلى الضمير، وكل نكرة أضيفت إلى معرفة فهي في رتبة ما أضيفت إليه، إلا ما أضيف إلى الضمير فإنه في رتبة العلم، احترازًا مما لو نعت العلم بالنكرة المضافة إلى الضمير، فيكون النعت أرفع، ولذلك قالوا: لا يجوز أن تكون الصفة أرفع من الموصف، فإذا أضيفت النكرة إلى الضمير جعل في مرتبة العلم.
المَعْرِفَةُ وَالنَّكِرَةُ
لما ذكر التعريف والتنكير أراد أن يبين لك حقيقة التعريف وحقيقة التنكير، ومتى تحكم على الكلمة أنها معرفة أو نكرة، فقال:
المعرفة والنكرة
أي هذا باب بيان حقيقة المعرفة وحقيقة النكرة، والاسم ينقسم باعتبار التنكير والتعريف إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما على الأصح: إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة، ولا واسطة بينهما، وبعض النحاة أثبت الواسطة فقال: من الأسماء ما ليس معرفة ولا نكرة، وهو كل اسم لا يقبل التنوين ولا أل فهو واسطة، لا يوصف بكونه معرفة ولا نكرة، مثاله: من الشرطية وما الاستفهامية والموصولية فهذه لا تقبل التنوين، ولا أل فليست معرفة ولا نكرة، وهذا مردود، بدليل أن الضمير وهو من المعارف بل ومن أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة لا يقبل أل ولا التنوين، وهو بالإجماع معرفة، فالقول بالواسطة قول ضعيف، لذلك قلَّ من يذكره من النحاة، لشدة ضعفه.
المَعْرِفَةُ وَالنَّكِرَةُ قوله: المعرفة اختلف فيها هل هي مصدر أو اسم مصدر؟ ونقول: الأصح فيها التفصيل، فإن كانت مأخوذة من عرَّف بالتضعيف فهي اسم مصدر، لأن عرَّف يأتي المصدر منه على التفعيل نحو: كلَّم تكليماً، وخرَّج تخريجاً، فمصدر عرَّف التعريف لا المعرفة، وإن كانت مأخوذة من عرَف بالتخفيف فهي مصدر،
وكذلك النكرة هل هي مصدر أو اسم مصدر؟ نقول: الأصح فيها التفصيل كالمعرفة، فإن كانت مأخوذة من نكَّر بالتضعيف فهي اسم مصدر، لأن نكَّر يأتي المصدر منه على التفعيل كما سبق، فمصدره التنكير لا النكرة، فحينئذٍ تكون نكرة باعتبار نكَّر اسم مصدر، وإن كانت مأخوذة من نكِر فهي مصدر، إذاً هذان اللفظان المعرفة والنكرة مصدران إن أخذا من عرَف ونكِر، واسما مصدر إن أخذا من عرَّف ونكَّر.
المعرفة في اللغة: مطلق الإدراك، وفي الاصطلاح عند النحاة: هي ما وضع ليستعمل في معين، ما أي اسم ولا تقل كلمة، لأن الاسم أخص من الكلمة، ولأن بحث المعرفة والنكرة بحث داخل تحت الاسم، لأنك تحكم على الكلمة أولاً بأنها اسم وليست فعلا ولا حرفا، ثم تنظر في الأخص الذي يندرج تحت الاسم، فيكون الاسم أعم، وكونه معرفة، أو نكرة هذا أخص، فتثبت أولاً بالعلامات السابقة اسمية الكلمة، فتحكم بأنها اسم ثم تنظر نظراً آخر هل هي معرفة أو نكرة؟ لكن علامات الاسم السابقة التي ذكرناها في الخفض والتنوين وغيرها لا تصلح أن تميز المعرفة من النكرة، وإنما تُثبت تلك العلامات مطلق الاسم، ثم نحتاج إلى علامة أخرى تميز المعرفة عن النكرة، فتعرف بالحد وبالعلامات، فحد المعرفة: ما وضع ليستعمل في معين، فما اسم كما ذكرنا، وما جنس يصدق على المعرفة وعلى النكرة، أردنا أن نخرج النكرة فقال: وضع ليستعمل في معين ووضع من الوضع، والمراد بالوضع جعل اللفظ دليلا على المعنى، النكرة والمعرفة يشتركان في
أن كلا منهما موضوعان بالوضع العربي، وهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى، وضعوا اللفظ دالاً على معنى خاص فمتى ما أطلق هذا اللفظ انصرف إلى ذلك المعنى الخاص، ليستعمل الاستعمال هو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، إذاً قد يكون اللفظ موضوعاً ولا يكون مستعملا هكذا قال بعضهم، فإذا وضع أولاً جعل بإزاء معنى خاص ثم بعد ذلك يطلقه اللافظ ويريد به المعنى الذي وضع له في لغة العرب مطلقاً سواء كان حقيقة أو مجازًا.
ما وضع ليستعمل شمل المعرفة والنكرة، لأن المعرفة موضوعة بالوضع العربي كما أن النكرة موضوعة بالوضع العربي، فالمعرفة مستعملة فيما وضعت له كما أن النكرة مستعملة فيما وضعت له، لكن قوله: في معين احترزنا بهذا عن النكرة، فإنها اسم شائع في أفراد جنسه لا تخص واحداً دون آخر كما سيأتي بيانه، حينئذٍ اختص هذا التعريف بالمعرفة.
عرفنا معنى الوضع، ومعنى الاستعمال، وبقي الحمل وهو اعتقاد السامع مراد المتكلم بكلامه، فلذلك عندنا باعتبار المفردات والتراكيب ثلاثة أشياء: وضع واستعمال وحمل، وسبقت معانيها، والحمل صفة للسامع، والوضع صفة للواضع، والاستعمال صفة للمتكلم، فالوضع سابق والحمل لاحق والاستعمال متوسط هكذا قال الفتوحي، توضع الألفاظ ثم تستعمل ثم المخاطَب يحملها على ما أراده المتكلم من كلامه.
ما وضع ليستعمل في معين شمل أنواع المعارف الستة أو السبعة، والنكرة المقصودة في باب المنادى نحو: يا رجلُ لمعين هي محل
الخلاف هل هي معرفة أو لا؟ والأصح أنها من المعارف لكن نعدها في المعرف بأل، وقيل: في اسم الإشارة، وأعرف المعارف لفظ الجلالة بالإجماع، قيل: رئي سيبويه في المنام، فقيل ما فعل الله بك؟ فقال: خيراً كثيراً أو كلمة نحوها.
فقيل له: بماذا؟ فقال: بقولي بأن الله أعرف المعارف، هكذا قيل إذاً أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة الضمير ثم العلم ثم اسم الإشارة ثم الموصول ثم ذو الأداة ثم المضاف إلى واحد من هذه المعارف، وهكذا نظمها ابن مالك في الكافية:
فَمُضْمَرٌ أَعْرَفُهَا ثُمَّ العَلَمْ فَذُو إِشَارَةٍ فَمَوصُولٌ مُتَمْ
فَذُو أَدَاةٍ فَمُنَادَى عُيِّنَا... فَذُو إِضَافَةٍ بِهَا... تَبَيَّنَا
النكرة المقصودة في باب المنادى معرفة على الأصح، وتخصيص المنادى إنما جعل بالإقبال والقصد -كما سيأتي في مبحث المنادى- أن النكرة تكون مقصودة وتكون غير مقصودة، يا غافلاً أقبل على الله، فغافلا نكرة، فإن عيَّن الشخص فهي مقصودة وإلا فهي غير مقصودة، وهي من المعارف ولكن لم يذكرها الناظم لأنه أراد المعرفة من حيث ما يصح أن ينعت به، فيا رجل هذا لا يقع في باب النعت فلا ينعت ولا ينعت به، لأن المعارف من حيث ما ينعت به وما لا ينعت ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا يُنعت ولا يُنعت به، وهو النكرة المقصودة في باب المنادى، والضمير لا ينعت ولا ينعت به، يعني لا يقع موصوفاً ولا صفة.
الثاني: ما ينعت ولا ينعت به، وهو العلم يقع موصوفاً لا صفة، نحو: جاء زيد العاقل، فالعاقل نعت لزيد، لكن لا ينعت به، وهذا هو مأخذ النحاة في كون الرحمن هل هو علم أو ليس بعلم؟ ففي قوله: بسم الله الرحمن، الرحمن هنا وقع صفة للفظ الجلالة، والرحمن علم والعلم لا ينعت به، فاختلف النحاة في هذا، فقيل علم وقيل ليس بعلم، والصواب أنه علم، والقول بأن الأعلام لا ينعت بها لأنها جامدة يعني لا تتضمن صفة، إذا قيل: جاء العاقل زيد، زيد علم جامد لا يدل على صفة فلا يصح أن يقع نعتا هنا.
لكن هذه القاعدة لا تطرد في أسماء الله تعالى وصفاته، لأن الرحمن دال على ذات وصفة، فهي أعلام وأوصاف، فمن حيث كونها أوصافاً صح النعت بها حينئذٍ لا تعارض فالرحمن علم، وهو نعت، كيف نقول: علم ونعت والعلم لا ينعت به؟ نقول القاعدة: أن العلم لا ينعت به لأنه جامد لا يتضمن صفة، كيف تصف به وهو جامد يدل على ذات مجردة وليس له معنى، حينئذٍ لا يصح أن تصف به لكن أعلام الرب جل وعلا دالة على الذات وهي أيضاً صفات، فمن حيث كونها صفة صح النعت بها فلا إشكال.
الثالث: ما ينعت وينعت به يعني يصح أن يقع موصوفا ويصح أن يقع صفة وهو سائر المعارف.
قال رحمه الله:
وَاعْلَمْ هُدِيْتَ الرُّشْدَ أَنَّ المَعْرِفَهْ... خَمْسَةُ أَشْيَا عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَهْ
[وَاعْلَمْ] هذا أمر من العلم، أي تعلم، وهي كلمة يؤتى بها للإشارة والتنبيه على أن ما بعدها أمر ينبغي العناية به، والواو للاستئناف البياني؛ لأنه لما ذكر في النعت التعريف والتنكير كأن سائلا سأل كيف تحكم على الكلمة بأنها نكرة أو معرفة؟ قال: واعلم إذاً وقع جواباً لسؤال معين فهو استئناف بياني، [هُدِيْتَ الرُّشْدَ] هديت مأخوذ من الهدى، وهو الدلالة والرشاد، تقول: هداه أي أرشده، ويقال: هداه الله الطريق، وهداه الله للطريق، وهداه الله إلى الطريق، فيتعدى بنفسه وباللام وبإلى، [هُدِيْتَ الرُّشْدَ] هُدِي فعل ماضٍ مغير الصيغة، والأصل هداه الله فحذف الفاعل وهو لفظ الجلالة للعلم به، لأن المراد بالهداية هنا هداية التوفيق وهذه خاصة بالله تعالى، وأقيم المفعول به وهو الضمير المتصل، ولما ارتفع جيء بالتاء لأنه يكون في محل رفع نائب فاعل، إذاً هديت هدي فعل ماض مغير الصيغة مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون دفع توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، والتاء ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل، والرشد ضد الغي، وهو منصوب على نزع الخافض، وأصل هديت الرشد أي للرشد، أو هديت إلى الرشد، والجملة دعائية معترضة لا محل لها من الإعراب، أراد بها التقرب والتودد إلى الطالب، اعلم [أَنَّ المَعْرِفَهْ خَمْسَةُ أَشْيَا عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَهْ] أنَّ للتوكيد، وسبق أن التوكيد يؤتى به عند الحاجة إليه بأن يكون السامع متردداً في الحكم، أو منكراً وهنا لا تردد ولا إنكار، [أَنَّ المَعْرِفَهْ] أي جنس
المعرفة، لأن المعرفة في اللفظ واحد، وأخبر عنها بخمسة أشياء، حينئذٍ لا بد من جعل أل معرفة مرادًا بها الجنس، وأل الجنسية يصدق مدخولها على الواحد والاثنين والخمسة والعشرة والمائة لا تختص بعدد معين، ولذلك يقولون: الإضافة الجنسية تبطل معنى الجمعية، وكذلك أل الجنسية، اعلم أن المعرفة [خَمْسَةُ أَشْيَا] يعني خمسة أمور، وسيأتي عدها [عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَهْ] أي عند النحاة، وعند هنا لا يمكن حملها على الظرفية لا الزمانية ولا المكانية، فحينئذٍ لا بد من التأويل عند أهل المعرفة أي في حكم أهل المعرفة، والمراد بالمعرفة هنا بقواعد العربية يعني أهل العربية، لأن كل أصول علم إنما تؤخذ من أصحابها والنحاة هم أهل هذه المعرفة.
وَهْيَ الضَّمِيرُ ثُمَّ الاِسْمُ العَلَمُ... فَذُو الأَدَاةِ ثُمَّ الاِسْمُ المُبْهَمُ
[وَهْيَ الضَّمِيرُ] الواو للاستئناف البياني، لأنه قال: خمسة أشياء، فكأن سائلا سأل ما هي هذه الأشياء الخمسة؟ إذًا وقع في جواب سؤال مقدر، [وَهْيَ الضَّمِيرُ] هي مبتدأ، والضمير وما عطف عليه في محل رفع خبر، [الضَّمِيرُ] هذا اسمه عند البصريين، وعند الكوفيين الكناية والمكنية، لأنه يكنى به عن الاسم الظاهر، والضمير فعيل بمعنى اسم المفعول، أي المضمر، والأصل فيه أنه مأخوذ من الاستتار والخفاء، إذا أضمرت الشيء أي أخفيته وسترته عن غيره، فحينئذٍ الأصل في إطلاق الضمير على الضمير المستتر، أما البارز فالأصل فيه أنه ليس بمستتر لأن الضمير معناه الخفاء والاستتار، فالتاء وأنا وهو ضمائر، فليست مستترة ولا مخفية،
فحينئذٍ يكون إطلاق لفظ الضمير على البارز من باب التوسع، فيسمى ضميراً توسعاً لأنه ليس فيه خفاء، فإطلاقه على المستتر حقيقي، وعلى البارز من باب التوسع فيكون مجازاً.
وحقيقة الضمير: ما دل على متكلم كأنا، أو مخاطب كأنت، أو غائب كهو.
والضمير له أقسام عدة تأتيكم في المطولات.
[ثُمَّ الاِسْمُ العَلَمُ] ثم للترتيب مع التراخي، لأنه أراد أن ينزل من الأعلى فيذكر أعلى المعارف إلى أن يصل أدناها، فبدأ بالضمير ثم العلم فرتبة العلم بعد رتبة الضمير، [ثُمَّ الاِسْمُ العَلَمُ] ثم يأتي من المعارف بعد الضمير الاسم العلم.
ولو قال العلم لكفى لأن العلم لا يكون إلا اسماً.
والعلم لغة: يطلق على معانٍ منها الجبل ومنها الراية ومنها العلامة
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
وأما في الاصطلاح: فهو ما دل على مسماه بلا قيد.
فما اسم موصول يصدق على المعرفة والنكرة، لكن نقول: هنا المراد به المعرفة لأنه أراد أن يعرف الأخص، وهو العلم فحينئذٍ لا بد من أخذ المعرفة جنساً في حد العلَم، فكل علَم معرفة وليس كل معرفة علما، على القاعدة المطردة التي نذكرها دائماً هنا، دل على مسماه هذا يشمل كل المعارف، وخرج بقوله: بلا قيد كل المعارف عدا العلم، لأن المعارف الستة التي ذكرناها: إما أن تدل على مسماها بقيد أو بلا قيد، وما دل على مسماه بقيد إما أن يكون القيد لفظياً أو حسياً أو معنوياً، لفظياً كرجل نكرة، والرجل معرفة، والذي دلك على أن الرجل
معرفة القيد اللفظي وهو أل، لأنك تلفظت بأل فهذا قيد لفظي دل على أن مدخوله معرفة، أو حسياً نحو: هذا زيد، هذا معرفة دل على مسماه بقيد حسي لأنه يشير إليه بيده، فإذا قيل: هذا زيد بدون إشارة، لم يحصل التعريف، إذاً لا بد في اسم الإشارة أن تصحبه إشارة حسية، فحينئذٍ نقول: اسم الإشارة معرفة دل على مسماه ولكن بقيد، وهذا القيد قيد حسي، أو معنوياً نحو: أنا زيد، فأنا معرفة دل على مسماه بقيد معنوي، وهو التكلم، أنت زيد، أنت معرفة دل على مسماه بقيد معنوي وهو الخطاب، هو زيد، دل على مسماه ولكن بقيد معنوي وهو الغَيبة، إذاً عرفنا أن المعارف قسمان: ما دل على مسماه بقيد، وما دل على مسماه بلا قيد، فإن دل على مسماه بقيد فلا يخلو عن ثلاثة أحوال: إما أن يكون القيد لفظياً مثل: الرجل، وإما أن يكون حسياً مثل: اسم الإشارة، وإما أن يكون معنوياً مثل التكلم والخطاب والغَيبة، هذه الثلاثة تشمل كل المعارف إلا العلَم فيدخل في القسم الثاني وهو ما دل على مسماه بلا قيد، فحينئذٍ تقول: العلَم ما دل على مسماه بلا قيد لفظي ولا حسي ولا معنوي؛ لأن الأقسام محصورة في ستة فقط، فإذا دل على مسماه وانتفى القيد الحسي واللفظي والمعنوي حكمت عليه بأنه علَم.
[فَذُو الأَدَاةِ] الفاء للترتيب، فهي تفيد أن ما بعد الفاء في الرتبة بعد ما قبلها، ذو الأداة يعني المحلى بأل رتبته بعد رتبة العلَم، ونقول: هذا ليس بصحيح، ليس ذو الأداة بعد العلَم، بل اسم الإشارة والموصول أعرف منه، حينئذٍ قد خالف الناظم الأصل
ولعله من أجل النظم، [فَذُو الأَدَاةِ] أي المحلى بأل، ولم يقل: المحلى بأل ليشمل أم الحميرية، وأيضاً قال ابن هشام: فذو الأداة معرف، لأن بعض النحاة لا يرى أن أل كلها معرفة، وإنما اللام فقط، فجمعاً بين هذه الأقوال عبر بقوله: فذو الأداة أي المعرف بأل، أو ما يقوم مقامها.
[ثُمَّ الاِسْمُ المُبْهَمُ] ثم على بابها، والمبهم مأخوذ من الإبهام، وهو عدم الإيضاح، ويريد به الناظم هنا أسماء الإشارة والموصولات، وسميت أسماء الإشارة والموصولات مبهمات لأنها تحتاج إلى مفسِّر يفسر ويبين ويعين المراد بها، فاسم الإشارة لا بد له من إشارة حسية ولا يعرف المراد إلا بها، فلو قلت: هذا زيد، وعندك مائة لا تعرف من هو زيد حتى تشير إليه، حينئذٍ صار مبهمًا، حتى تقترن به الإشارة، ولو قلت: جاء الذي..
صار مبهمًا، فإن قلت: جاء الذي قام أبوه، عرفته إذاً يحتاج إلى جملة الصلة تبين المراد من الموصول، فالذي والتي واللذان واللتان والذين ومن وما وأل كلها مبهمات، لا يفهم المراد منها إلا بجملة الصلة وتكون مشتملة على عائد، [ثُمَّ الاِسْمُ المُبْهَمُ] وتحته نوعان: أسماء الإشارة، وأسماء الموصولات، واسم الإشارة هو ما وضع لمسمى وإشارة إليه، مسمى يعني ما دل على مسماه، وإشارة إليه لا بد من إشارة إليه وإلا لحصل الإبهام، كأنه قال: ما دل على مسماه بقيد الإشارة إليه، والمشار إليه قد يكون مفرداً، وقد يكون مثنى، وقد يكون جمعاً، وكل من الثلاثة قد يكون مذكراً، وقد يكون مؤنثاً، وهذه مبسوطة في المطولات، والمقصود هنا الذي نبحث عنه أن اسم الإشارة من
المعارف، فحينئذٍ ينعت به، وينعت.
والاسم الموصول وموصول اسم مفعول من وصل الشيء بغيره إذا أتمه، فالموصول هو ما افتقر إلى صلة، وعائد، ما أي اسم، افتقر والافتقار أشد الاحتياج، وهو علة بناء الموصولات، ما افتقر إلى صلة يقصدون بها الجملة أو شبهها، تقول: جاء الذي قام أبوه، جملة قام أبوه هي الصلة وهي جملة فعلية، وجاء الذي أبوه قائم، جملة أبوه قائم هي الصلة وهي جملية اسمية، وجاء الذي عندك، وجاء الذي في الدار، فعندك وفي الدار شبه الجملة وهو الصلة، فجملة الصلة هي التي عينت المراد ورفعت الإبهام عن الذي ونحوه، إذاً كل اسم موصول لا بد له من جملة تبين وتكشف المراد وإلا صار مبهماً، وعائد يقصد به الضمير، فنحو: جاء الذي قام أبوه، كما ذكرناه في الجملة الخبرية، لا بد لها من رابط يربطها بالموصول مطابقٍ له إفرادًا وتثنية وجمعًا، وتذكيرًا وتأنيثًا.
والاسم الموصول نوعان مشترك ومختص، وليس المراد هنا البحث في تلك التفصيلات.
وَمَا إِلَى أَحَدِ هَذِي الأَرْبَعَهْ... أُضِيفَ فَافْهَمِ المِثَالَ وَاتْبَعَهْ
نَحْوُ أَنَا وَهِنْدُ وَالغُلاَمُ... وَذَاكَ... وَابْنُ عَمِّنَا الهُمَامُ
[وَمَا إِلَى أَحَدِ هَذِي الأَرْبَعَهْ] أي هو في الأصل نكرة، ثم أضيف إلى الضمير فاكتسب التعريف، تقول: جاء غلامك، غلام هذا مفرد نكرة أضيف إلى الضمير، فصار معرفة، لأنه أضيف إلى المعرفة، وكل نكرة أضيفت إلى معرفة اكتسبت التعريف، وتكون في رتبة ما أضيف إليه، إلا المضاف إلى الضمير فهو في رتبة العلم،
وجاء غلام زيد، غلام نكرة أضيف إلى زيد وهو علم فاكتسب التعريف، فغلام زيد معرفة، لأن الاسم المفرد قبل التركيب ليس هو عينه بعد التركيب، وغلام زيد في رتبة العلَم، كذلك إذا أضيف إلى اسم الإشارة، نحو: جاء غلام هذا، فغلام هذا معرفة، لأنه أضيف إلى اسم الإشارة فاكتسب التعريف، وهو في رتبته، وتقول: جاء غلام الذي أبوه قائم، فغلام الذي أبوه قائم معرفة، لأنه أضيف إلى الموصول فاكتسب التعريف، وهو في رتبة الموصول، [وَمَا إِلَى أَحَدِ هَذِي الأَرْبَعَهْ] أي وما أضيف، وما اسم موصول بمعنى الذي معطوف على قوله الاسم المبهم؛ لأن مراده الترتيب، وأضيف جملة الصلة، [أُضِيفَ] هو أي الاسم النكرة إلى أحد هذه الأربعة المذكورة سابقاً، [فَافْهَمِ المِثَالَ وَاتْبَعَهْ] الفهم إدراك معنى الكلام، والمراد بالكلام هنا المثال، والمثال جزئيٌّ يذكر لإيضاح القاعدة، لإيضاح القاعدة أي لشرحها تقول: الفاعل مرفوع، مثاله: جاء زيد، فجاء زيد هذا مثال، والشاهد جزئيٌّ يذكر لإثبات القاعدة، لكن إذا أردت أن تثبت قاعدة الفاعل مرفوع لا بد أن يكون الشاهد مما يعتمد عليه في نقل اللغة العربية، ويحتج بأهله في إثبات الأحكام، فلذلك لا يشترط في المثال النقل بخلاف الشاهد، [وَاتْبَعَهْ] لأن الأصل في الحكم أن هذا موصول إنما هو الاتباع للعرب في أحكام المفردات، [نَحْوُ أَنَا] وهو ضمير للمتكلم، [وَهِنْدُ] للعلَم وهو مؤنث، وزيد مذكر، [وَالغُلاَمُ] مثال لذي الأداة، [وَذَاكَ] اسم الإشارة، [وَابْنُ عَمِّنَا الهُمَامُ] وابن عمنا أضيف إلى واحد منها، وعمنا
هذا معرفة مضاف إلى معرفة، فابن نكرة، وعم نكرة، ونا معرفة، إذاً الأصل عمنا، وهو معرفة أصله نكرة ثم أضيف إلى الضمير نا فاكتسب التعريف، ثم أضيف إليه ابن، فاكتسب ابن التعريف لأنه أضيف إلى معرفة، وما أضيف إلى معرفة ليس المراد المضاف إليه، ولو أرادوا المضاف إليه لما صح المثال السابق، فعمنا ليس المراد نا الدالة على الفاعلين، وإلا لما احتيج إلى قسم مستقل لأن نا داخلة في قسم الضمير.
وغلام زيد، ليس المراد زيد لأنه علم داخل في قسم العلَم، وغلام هذا، وغلام الذي.. ليس المراد المضاف إليه إنما الحكم لكونه معرفة، للمضاف وهو غلام نكرة، متى نحكم عليه بأنه معرفة؟ إذا دخلت عليه أل أو أضيف إلى معرفة فتقول: غلام زيد، وغلامي فهو معرفة لأنه أضيف إلى معرفة، وابن معرفة لأنه أضيف إلى معرفة، وابن عمنا معرفة لأنه أضيف إلى معرفة، و [الهُمَامُ] المراد به في الأصل الملك العظيم الهمة.
هذا ما يتعلق بالمعرفة، وقدَّمها على النكرة وإن كانت النكرة هي الأصل لأن الأصل في الاسم أن يكون نكرة والمعرفة فرع عنها، وإنما كانت النكرة أصلا لسببين:
الأول: لاندراج كل معرفة تحتها ولا عكس، فرجل والرجل، رجل نكرة، والرجل معرفة وأيهما أخص؟ نقول: رجل أعم، والرجل أخص، وأيهما يدخل تحت الآخر؟ الرجل يدخل تحت الأعم وهو رجل، إذًا صارت النكرة أصلا لدخول كل معرفة تحتها، فالرجل هذا معين، وما وضع ليستعمل في معين هو المعرفة،
ورجل هذا شائع لا يختص بواحد دون آخر.
والثاني: أن المعرفة لا يحكم عليها بكونها معرفة إلا لسبب، فتحتاج إلى سبب، لا بد أن ننظر فيه هل هو ضمير أو لا، علم أو لا، اسم إشارة أو لا، إذاً لا بد له من سبب، بخلاف النكرة فلا تحتاج إلى سبب في الحكم عليها بكونها نكرة، فحينئذٍ لعدم احتياجها إلى سبب في الحكم عليها في كونها نكرة جعلت أصلاً، لأن ما احتاج فرعٌ لما لا يحتاج إلى سبب، إذًا صارت النكرة أصلا، والأصل هنا أن تقدم المعارف ثم يقال: وما عدا ذلك فهو نكرة، تعد المعارف أوَّلا، فيقال المعرفة ستة أو سبعة، وهي الضمير والعلم.. إلى آخره، وما عدا ذلك فهو نكرة، ومن عكس عيب عليه، كما عيب على ابن مالك رحمه الله حيث قال:
نَكِرَةٌ قَابِلُ أَلْ مُؤَثِّرَا... أَوْ وَاقِعٌ مَوْقِعَ مَا قَدْ ذُكِرَا
وَغَيْرُهُ مَعْرِفَةٌ.................................
قالوا: لو قدم المعرفة وقال: وغيرها نكرة لكان أصوب وأدق؛ لأنها تنضبط بالعدد فنقول: هذا معرفة وما عدا ذلك فهو نكرة.
وَإِنْ تَرَى اسْمًا شَائِعًا فِي جِنْسِهِ... وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا فِي نَفْسِهِ
فَهْوَ المُنَكَّرُ وَمَهْمَا تُرِدِ... تَقْرِيبَ حَدِّهِ لِفَهْمِ المُبْتَدِي
فَكُلُّ مَا ِلأَلِفٍ وَاللاَّمِ... يَصْلُحُ كَالفَرَسِ... وَالغُلاَمِ
حد النكرة: ما شاع في جنس موجود أو مقدر، ما شاع أي انتشر وذاع، وليس له حدود، مأخوذ من الشيوع وهو الانتشار، شاع في جنس يعني في أفراد جنس، والمراد بالجنس هنا المعنى الكلي، والمعنى الكلي له وجود ذهني، ولا وجود له في الخارج، إلا في ضمن أفراده، وإذا كان الجنس معنى في الذهن حينئذٍ قالوا: هذا شاع وله أفراد، وُجد هذا المعنى في الذهن، وأما في الخارج فلا وجود له استقلالا بل وجوده في ضمن أفراده وآحاده، لكن دلالة الحقيقة الذهنية على الفرد الخارجي بدلالة اللزوم، لأن اللفظ وضع للمعنى الذهني مع مراعاة فرد خارجيٍّ، فلا بد حينئذٍ أن يجعل الفرد الخارجي قيداً في المعنى الذهني، هذا هو حقيقة النكرة، أن يكون اللفظ له حقيقة ذهنية أي في الذهن، لكن مع مراعاة الفرد الخارجي، لأن الحقيقة الذهنية قد توجد في الذهن وهي حقيقة ذهنية، من غير اعتبار شيء في الخارج أبداً، بل لا يمكن أن يوجد لها فرد في الخارج، مثل بحر من زئبق، المعنى الكلي وجد في الذهن، وليس له أفراد في الخارج بل يمتنع أن يوجد له أفراد في الخارج، وهنا في النكرة المعنى الكلي له وجود ذهني، وفي الخارج في ضمن أفراده، فمثلا رجل المراد به البالغ من بني آدم، وبعضهم يقول: حيوان ناطق بالغ من بني آدم، وهذا معنى ذهني، وضع له لفظ رجل، ر ج ل هذا لفظ مركب من ثلاثة أحرف، له معنى، هذا المعنى موجود في الذهن، حيوان ناطق بالغ من بني آدم، وليس بزيد ولا عمرو ولا خالد.
لكن لا يوجد في خارج الذهن مستقلاً عن الأفراد بل لا بد أن يوجد في ضمن فرد
من أفراده، فزيد رجل بالغ من بني آدم، إذًا وجد المعنى في ضمن أفراده، والمعنى الموجود في ضمن الفرد يكون معنى جزئيا وليس كل المعنى الكلي لأن المعنى قدر مشترك، والقدر المشترك بين زيد وعمرو وخالد وبدر ومحمد ولا ينحصر فيهم، بل كلما وجد فرد صالح للدخول تحت اللفظ شمله اللفظ، وهنا قال: النكرة ما شاع في جنسه، والمراد بالجنس هنا ليس المعنى الكلي، لأن الجنس الذي هو المعنى الكلي لا يتبعض، بل هو شيء واحد، إذا قيل: الإنسان معناه حيوان ناطق، لكنه في الذهن فقط فلا يتعدد، وإنما التعدد يكون في الخارج فقط.
فالمعنى الذهني لا يتعدد وإنما الذي يتعدد هو الأفراد، فقوله: ما شاع في جنس يعني في أفراد جنس يعني انتشر في الأفراد، كالرجولة فكونه ذكراً من بني آدم هذا موجود وشائع ومنتشر وذائع في الأفراد، وأما نفس المعنى الذي وجد في عمرو وفي زيد وفي خالد فهذا معنى الجنس، ووجوده في الذهن، لذلك لا بد من التقدير تقول: ما شاع في جنس أي في أفراد جنس، موجود أو مقدر، إذًا الأفراد قد تكون موجودة بالفعل، وقد تكون مقدرة لأن الأصل في المعنى الشائع أن يكون له أفراد إذ لا يكون شائعًا منتشرًا وهو لم يوجد منه إلا فرد واحد، إذًا لابد من جعله مقدرًا فنقول مثلا: رجل هذا له أفراد كثيرة كما سبق، وشمس له معنى ذهني وهو أنه كوكب نهاري ينسخ ظهوره وجود الليل، كلما وجد هذا الشيء في الخارج سمي شمسًا، لكن بالفعل لم توجد إلا شمس واحدة، ولو وجد كوكب نهاري ينسخ ظهوره وجود الليل لسُمِّي شمسًا كذلك، كما
يقال في رجل بالمعنى الذهني كلما وجد ذكر من بني آدم بالغ أطلق عليه أنه رجل، فأفراده لا تنتهي، لذلك قال: في جنس يعنى في أفرادٍ موجودة بالفعل متعددة، أوله فرد واحد، ولكن الثاني مقدر يعني فرد بالقوة لو وجد لكان ذاك الوصف مستحقًا له.
وأما جمع شمس على شموس فالجمع باعتبار المطالع، يعني إذا قيل: هذه شموس فهل يصح الجمع أولا؟ نقول: نعم يصح ولكن هل هو كرجال؟ فرجال جمع رجل، وأفراده متعددة ولها وجود، وأما شمس فليس إلا شمس واحدة، وإنما الجمع باعتبار المطالع، فشمس السبت غير شمس الأحد غير شمس الاثنين وهكذا، إذًا جمعت هذه المطالع فقيل شموس، لذلك يصح أن يقال: شمسُ يومنا أحرُّ من شمس أمس، إذًا فوضل بين شمس واحدة لكن باعتبارين، [وَإِنْ تَرَى اسْمًا] من حيث المعنى [شَائِعًا] بمعنى أنه منتشر وذائع [فِي جِنْسِهِ] يعني في أفراد جنسه الموجودة أو المقدرة، والجنس المنطقي الاصطلاحي هو ما لا يمنع تعقله من وقوع الشركة فيه أي في مدلوله، فالشيوع يكون في الأفراد لا في الحقائق، لأن الجنس معنىً كلي قائم بالذهن، فهو لا يتعدد، فالجنس من حيث هو لا يقبل التعدد، لأنه حقيقة واحدة، لا يتفاوت فيها الشيء في نفسه، وإن حصل تفاوت فهو باعتبار الأفراد، إذًا له معنى ذهني والمراد بالمعنى الذهني هو ما يتصوره العقل سواءٌ طابق ما في الخارج أم لا.
[وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا فِي نَفْسِهِ] أي لم يختصَّ به واحد من أفراد جنسه دون الآخر، لا يمكن أن يأتي زيد فيقول: رجل هذا خاصٌّ بي ولا
يشاركني فيه أحد، فلا يختص به واحد من أفراد جنسه بل يشاركه غيره، لأن لفظ رجل وضع للقدر المشترك فهو صالح للكل.
[فَهْوَ المُنَكَّرُ] الفاء واقعة في جواب الشرط، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، والحاصل أن النكرة هي المعنى الذهني المشترك بين الأفراد بدون قطع النظر عن وجود بعض أفراده الخارجية فيه التي هي محل التعدد.
[وَمَهْمَا تُرِدِ تَقْرِيبَ حَدِّهِ لِفَهْمِ المُبْتَدِي] لو قدَّم هذا الضابط لكان أحسن، [وَمَهْمَا] اسم شرط جازم، [تُرِدِ] فعل مضارع فعل الشرط مجزوم وجزمه سكون مقدر على آخر منع من ظهوره اشتغال المحل بكسرة الروي، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، [تَقْرِيبَ] مفعول به أي تسهيل، وتقريب تفعيل بمعنى اسم الفاعل أي مقرِّب أي ومهما ترد مقربَ [حَدِّهِ] يعني ما يقرب لك حد النكرة، وتقريب مضاف وحده مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، وتقريب حده يعني حد النكرة، والحد المراد به هنا الرسم، وكثيرًا ما يطلق الحد مرادًا به الرسم لأن الرسم والحد كلاهما معرِّف، [لِفَهْمِ المُبْتَدِي] لفهم جار ومجرور متعلق بقوله تقريب، فالتقريب حاصل لفهم المبتدي في هذا الفن الذي هو النحو، والمبتدي هو من أخذ في أوائل العلم، فحينئذ أراد أن يقرب ذلك الحد السابق إلى فهم المبتدى من أجل أن يدركه على وجهه يعني فإذا أردت تقريب النكرة والتفريق بينها وبين المعرفة، [فَكُلُّ مَا ِلأَلِفٍ وَاللاَّمِ... يَصْلُحُ كَالفَرَسِ وَالغُلاَمِ] فما كان قابلاً أل نكرة، كما قال ابن مالك نكرة قابل أل...
فكل ما
صلح لغة لا عقلاً وقبل أل بالفعل أو بالقوة فهو نكرة، [فَـ] هو [كُلُّ] خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، والفاء واقعة في جواب الشرط مهما، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، [فَكُلُّ مَا] كل هذا خبر وهو مضاف وما اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه يصدق على الاسم [ِلأَلفٍ وَاللاَّمِ يَصْلُحُ] أي كل ما يصلح لأل، فجملة يصلح لا محل لها صلة الموصول، لألف جار ومجرور ولام معطوف عليه والجار والمجرور متعلق بقوله يصلح، والمراد بالصلاحية هنا القبول، إذًا كل ما يصلح ويقبل الألف واللام لغة لا عقلاً فيصح اللفظ فهو نكرة، [كَالفَرَسِ وَالغُلاَمِ] الأجود أن يقول: "كفرس وغلام" لأنه يقبل أل، وإنما أتى به معرفًا لضيق النظم، كالفرس هذا مثال لما لا يعقل، والغلام هذا مثال لما يعقل، إذًا كل اسم صلح أن يقبل أل بالفعل أو بالقوة فنحكم عليه أنه نكرة، فتقول: غلام، هذا نكرة، لا يشترط أن تقول الغلام تُدخل أل بالفعل حتى نحكم عليه أنه نكرة، بل مجرد القبول يكفي في الحكم عليه أنه نكرة.
وهذه قاعدة في كل العلامات، فالمراد بها مجرد القبول، والمراد بالقبول لغةً لا عقلاً، لأن العقل يُجوِّز ما لا تأتي به اللغة، إذًا علامات النكرة التي تميز بها عن المعرفة كثيرة لكن أشهرها ما ذكره الناظم هو دخول أل، ومنها دخول رُبَّ قال في الملحة:
فَكُلُّ مَا رُبَّ عَلَيهِ تَدْخُلُ... فَإِنَّهُ مُنَكَّرٌ يَا رَجُلُ
فرُبَّ من علامات النكرة، ولا نقول من علامات الاسم فحسب، ومنها نصب الاسم على أنه تمييز أو حال دليل على أنه نكرة على مذهب البصريين، لأنه لا يكون التمييز إلا نكرة ولا تكون الحال إلا نكرة، ومنها دخول مِن الاستغراقية دليل على أن مدخولها نكرة"كقوله تعالى: (مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ) (المائدة: من الآية19).
لأن من الاستغراقية خاصة بالنكرات، ومنها دخول لا النافية للجنس لأنها تختص بالنكرات لذلك قال ابن مالك:
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ... مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ
ومنها تنوين التنكير وسبق أنه اللاحق للأسماء المبنية فرقًا بين معرفتها ونكرتها فما دخل عليه تنوين التنكير حكمنا عليه بأنه نكرة كصهٍ، فهذه العلامات إذا وجدت دلت على أن الاسم نكرة.