فتح رب البرية في شرح نظم الآجروميةصفحات 61-84

بَابُ الكَلاَمِ

صفحات 61-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد بن عمر الحازمي
الكتاب
فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية (نظم الآجرومية لمحمد بن أبَّ القلاوي الشنقيطي)المؤلف (مؤلف الشرح): أحمد بن عمر بن مساعد الحازمي
الناشر
مكتبة الأسدي، مكة المكرمة
الطبعة
الأولى، 1431 هـ - 2010 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

للفظ، ورب رجل كريمٌ بالرفع إتباعا للمحل.
يعني يجوز أن تراعي في الصفة المحل فترفع، ويجوز أن تراعي اللفظ فتجر.
وتقول: ربَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ.
رب: حرف جر شبيه بالزائد مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
رجل: مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد.
لماذا فرقنا هنا قلنا: مفعول به وفي الأول قلنا: مبتدأ، لأن الفعل لقيته قد استوفى مفعوله.
وهنا رب رجلٍ كريم لقيت لم يستوف مفعوله فنصب رجلا مفعولاً به.
وكريمٍ فيه وجهان: الجر إتباعا للفظ، والنصب إتباعا للمحل.
[وَالبَا] يعني الباء من حروف الجر.
قال: [مِنْ إِلَى وَعَنْ وَرُبَّ] بلفظها، ولما جاء عند الباء قال: [البَا] لأن ما كان على حرف واحد يحكى باسمه لا بمسماه، وما كان على حرفين فأكثر من الحروف يحكى باسمه، تقول: مِنْ صارت علمًا ومسماها مِنْ.
ولذلك نقول: أعربنا في البيت [مِنْ] خبرًا وهي حرف، والخبر مسند، والحرف لا يقع مسندًا ولا مسندًا إليه.
نقول: لما قصد لفظه صار علمًا.
ومثله الفعل قد يكون اسمًا كما إذا قلت: ضربَ فعلٌ ماض، ويضربُ فعلٌ مضارع، واضربْ فعلُ أمر.
في هذه التراكيب نقول: ليست بأفعال، وإنما يحكم على ضرب بأنه فعلٌ في التركيب في الجملة الفعلية نحو: ضربت زيدًا أو ضرب زيدٌ عمرًا.
في هذا التركيب ضرب فعل، فيما عداه إذا أُخبر عنه فحينئذٍ صار علمًا واسما ليس بفعل، ولذلك نقول: ضرب زيدٌ، زيدٌ فاعل مرفوع بضرب، دخل

عليه حرف الجر الباء، وحرف الجر لا يدخل إلا على الاسم، فكيف دخلت على ضرب وهو فعل؟ نقول: قصد لفظه، والفعل إذا قصد لفظه ولم يَرد في جملة بمعنى أنه مقصود المعنى حينئذٍ يعامل معاملة الأعلام فيكون اسمًا يدخل عليه التنوين وحرف الجر.
ولذلك تقول: ضرب فعل ماض، هذه جملة مركبة من مسند ومسند إليه، وهي كلام، فيصدق عليها حد الكلام، كأنك قلت: زيدٌ قائم، أخبرت عن زيد بالقيام فهي جملة اسمية.
مثلها ضرب فعل ماض أخبرت عن (ضرب) أنه فعل ماضٍ فضرب وقع مسندًا إليه، والمسند إليه لا يكون إلا اسمًا، فحينئذٍ نقول ضرب في هذا التركيب اسمٌ.
فنقول: [والبا] أي مسمى الباء، لابد من التقدير؛ لأنه على حرف واحد فيحكى باسمه لا بمسماه.
ومن أشهر معانيها التعدية نحو: ذهبت بزيد.
والإلصاق نحو: مررت بزيد.
وتأتي للقسم أي الحلف فتدخل على لفظ الجلالة-وهو الذي لا يجوز الحلف إلا به- فتعمل بلا شرط؛ لأن القاعدة أن ما جاء على الأصل في الاستعمال يعمل بلا شرط، ولذلك نقول: الأصل في العمل للأفعال، فلا يشترط في الفعل لإعماله شروط، لكن الاسم لا يعمل إلا بشروط وقيود لأنه فرعٌ، وكذلك الحروف لا تعمل إلا بشروط، فيشترط في الفروع ما لا يشترط في الأصول.
الباء أصل في القسم إذًا يعمل بلا شرط، ولذلك يذكر معه فعل القسم فتقول: أقسم بالله، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (فاطر:42) ويجوز حذف فعل القسم، وتستعمل مطلقا فتقول: بالله عليك إلا أخبرتني في

قسم الإخبار وغيره.
وتدخل على الظاهر والمضمر تقول: بالله وبه لأفعلن كذا.
[وَعَلَى] من حروف الجر أيضًا، ومن أشهر معانيها الاستعلاء، وهو لغة: العلو والارتفاع، والاستعلاء اصطلاحًا: تفوُّق الشيء على المجرور بها بواسطة إيجاد مصدر ذلك العامل.
تقول: زيد على السطح.
ومنه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:5) على معناه حقيقة يعني استوى استواءً يليق بجلاله، وهو علو خاص.
[وَالكَافُ] من حروف الجر أيضًا، أي مسمى الكاف، هنا حكاه بالاسم ولم يحكه بالمسمى؛ لأنه على حرف واحد.
والقاعدة عند أهل اللغة أن ما كان على حرف واحد حكي باسمه، وما كان على حرفين حكي بالمسمى.
ومن أشهر معانيها التشبيه، وهو مشاركة أمر لأمر آخر في المعنى.
نحو: ليلى كالبدر.
[والَّلاَمُ] أي مسمى اللام من حروف الجر.
وهي تكسر مع الظاهر نحو: لِزيد، وتفتح مع غير ياء الضمير نحو: لَه ولَك ولَنا.
واللام تأتي للملك، وللاختصاص، والاستحقاق، وضابط اللام التي تدل على الملك أنها تقع بين ذاتين، وتدخل على من يملك، نحو: المال لزيد، فالمال ذات وزيد ذات، ودخلت اللام على زيد وهو يملك يعني يصح منه الملك، فحينئذٍ نحكم على اللام بأنها للملك.
واللام التي للاختصاص أن تقع بين ذاتين، وتدخل على ما لا يملك، نحو: اللجام للفرس، والحصير للمسجد.
فالحصير ذات والمسجد ذات، إذًا وقعت بين ذاتين ودخلت على المسجد وهو لا يملك.
واللام التي للاستحقاق أن تقع بين ذات ومعنى، وتدخل

على الذات نحو: الحمد لله نقول: هذه للاستحقاق، وعند بعضهم يجوز أن تكون للملك والاختصاص.
فالحمد معنى ولله ذات دخلت عليها اللام.
[وَوَاوٌ] المراد بها واو القسم، فهي حرف جر إذا أراد بها القسم.
[وَوَاوٌ] هي حرف قسم لكنها فرعٌ وليست أصلا، وحينئذٍ لا يجوز إعمالها الجر إلا بشروط ثلاثة أولها: أنها تختص بالظاهر ولا تدخل على الضمير.
ثانيها: يجب حذف فعل القسم معها فيقال: والله، ولا يجوز أن يقال: أقسم والله.
ثالثها: أنها لا تستعمل في قسم الإخبار فلا يقال: والله أخبرني.
[وَالتَّا] أي مسمى التاء، وهي حرف قسم أيضا، وهي فرع عن الواو-كما أن الواو فرع عن الباء- فيشترط فيها ما اشترط في الواو، ويزاد عليها أنها تختص بلفظ الجلالة، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (الأنبياء:57) وقد سمع ترب الكعبة، وسمع تالرحمن لكنه قليل، والقياس المطرد (تالله).
[وَمُذْ وَمُنْذُ] هذان الحرفان يعتبران من حروف الجر، لكنهما لا يدخلان على كل اسم بل على اسم الزمان المعين فقط، ولذلك قال ابن مالك: وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقتًا....................... إذًا لا تدخل على كل اسم زمان، وإنما اسم الزمان المعين- المحدد - الذي له أول وآخر، نحو: ما رأيته مذ يومِ الجمعة فمذ حرف جر، ويومِ اسم مجرور بمذ وعلامة جره الكسرة.
إذًا دخلت مذ على يوم الجمعة وهو اسم زمان معين.
ومثله ما رأيته منذ يومنا.
ولا يصح أن يقال ما رأيته مذ زمانٍ أو مذ وقتٍ، لأنه زمن

غير معين مبهم.
[مُذْ وَمُنْذُ] قد يكونان بمعنى (من) الابتدائية، وقد يكونان بمعنى (في) الظرفية.
قال ابن مالك: وَإِنْ يَجُرَّا فِي مُضِيٍّ فَكَمِنْ... هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى فِي اسْتَبِنْ وإن يجرا: أي مذ ومنذ.
وإن يجرا في مضي فكمن هما: إذا كان ما بعدهما من الزمن المحدد ماضيا فهما في مقام (من) الابتدائية، فإذا قلت: ما رأيته مذ يوم الجمعة-وكان يوم الجمعة سابقا- كان تقديره ما رأيته من يوم الجمعة لأن مجرورها ماضٍ.
وإذا كان حاضرًا, قال: وفي الحضور معنى في استبن: في الحضور أي في يومنا، تقول: ما رأيته مذ يومنا، يعني في يومنا لأنه زمن حاضر.
وقد اختلف النحاة في مذ ومنذ، هل هما أصلان أم أحدهما أصل والآخر فرع؟ المشهور وعليه الجمهور أن منذ هي الأصل ومذ فرع، فمذ أصلها منذ وإنما حذفت منها النون تخفيفًا، وهذا قول الجمهور قالوا: والدليل أنك لو سميت رجلاً بمذ صار علمًا، فإذا أردت تصغيره تقول: مُنَيذٌ على وزن فُعَيل، من أين جاءت النون في المصغر؟ قالوا: القاعدة أن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، فلما قلت: منيذ رجعت النون المحذوفة، فدل على أن الأصل منذ، ومذ مقتطعة منها.
[وَلَعَلّ] قلَّ من ذكرها من حروف الجر وهي لغة عُقيل.
وبعضهم يحكم عليها بالشذوذ يعني يقول الجر بها شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
ومنه قول القائل: لَعَلَّ أَبِي المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ...................

وقول الآخر أيضًا: لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَينَا... بِشِيءٍ أَنَّ أُمَّكُمُ شَرِيمُ الشاهد قوله: لعل اللهِ.. وإعرابه: لعل حرف جر وترج شبيه بالزائد مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، فحينئذٍ ما بعده على أصله قبل دخول لعل.
الله: مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد.
[وَلَعَلّ] فيها أربع لغات لَعَلَّ بالفتح، ولعلِّ بالكسر مع إثبات اللام فيهما، وعَلَّ بحذف اللام وبالفتح، وعَلِّ بحذف اللام وبالكسر.
[حَتَّى] من حروف الجر أيضا، وهي من الحروف الدالة على الانتهاء مثل (إلى) وإن كانت إلى هي الأصل، ولذلك تجر الآخر وغيره، تقول: سرت إلى آخر الليل، فجرت الآخر، وتقول: سرت إلى نصف الليل، وهذا دون الآخر.
وأما (حتى) فتدل على الانتهاء لكنها لا يصح أن يجر بها ما دون الآخر.
وإنما يجر بها الآخر والمتصل بالآخر نحو: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر:5) فمَطْلَعِ مجرور حتى وهو هنا متصل بالآخر.
وتقول: أكلت السمكة حتى رأسِها.
الرأس هل هو مأكول أم لا؟ في مثل هذا التركيب يجوز ثلاثة أوجه: حتى رأسِها، وحتى رأسُها، وحتى رأسَها.
الأول: أكلت السمكة حتى رأسُها.
فحتى ابتدائية، ورأسُها مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: حتى رأسُها مأكول.
الثاني: أكلت السمكة حتى رأسَها.
معطوف على ما قبلها، وحتى عاطفة.
الثالث: أكلت السمكة حتى رأسِها يعني النهاية بلغت إلى الرأس، وحتى حرف جر.

ثم لما أنهى علامات الاسم-وقد ذكر لك أربعا منها- انتقل بعد ذلك لذكر الجزء الثاني مما يتألف الكلام من مجموعه لا من جميعه وهو الفعل فقال: وَالفِعْلُ بِالسِّينِ وَسَوْفَ وَبِقَدْ... فَاعْلَمْ وَتَا التَّأْنِيثِ مَيْزُهُ وَرَدْ ذكر لك أربع علامات للفعل، كما ذكر للاسم أربع علامات.
[وَالفِعْلُ] أل للعهد الذكري- وهي التي عهد مصحوبها ذكرًا- يعني والفعل الذي ذُكر آنفًا في أقسام أجزاء الكلام؛ لأن النكرة -كما سبق- إذا أعيدت معرفة فهي عينها.
[وَالفِعْلُ] بكسر الفاء، ويقال: الفَعْل عند النحاة والمراد به المصدر.
الفِعل عند النحاة اسم، والفَعْل مصدر، هذا اصطلاح خاص عند النحاة، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وعند أهل اللغة الفِعْل والفَعْل مصدران لفعَل يفعَل، أما فَعْل فهو القياس، والفِعْل سماعي.
الفعل لغة: نفس الحدث الذي يحدثه الفاعل من قيام أو قعود أو ضرب أو نوم أو أكل أو شرب إلى آخره.
واصطلاحًا: كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بأحد الأزمنة الثلاثة.
قوله: (كلمة) جنس يشمل الاسم والفعل والحرف.
دلت على معنى في نفسها أخرج الحرف، لأن الحرف لا يدل على معنى في نفسه.
واقترن بمعنى اتصل، بأحد الأزمنة الثلاثة أخرج الاسم لأن الاسم يدل على معنى ولا يقترن بأحد الأزمنة الثلاثة.
بأحد الأزمنة الثلاثة ظاهره أنه لفظ مبهم، واللفظ المبهم لا يجوز إدخاله في الحدود عند المناطقة؛ لأنه مبهم، وإنما جيء بالحد للكشف والإيضاح عن حقيقة

المحدود؛ فإذا جعل اللفظ المبهم داخلاً في الحد فحينئذٍ زاده إبهامًا، والمقصود هو الإيضاح.
فأورد اعتراض على هذا التعريف بأن الأزمنة الثلاثة مجهولة المعنى.
نقول: ليست مجهولة المعنى، لأنه صار حقيقة عرفية عند النحاة.
إذا أُطلق هذا اللفظ (الأزمنة الثلاثة) انصرف إلى المعنى الخاص، وهو الحال والماضي والاستقبال.
فحينئذٍ ليس في التعريف إبهام.
[وَالفِعْلُ] مبتدأ أول [بِالسِّينِ] جار ومجرور متعلق بورد ومعنى أنه متعلق به أنه عامل فيه لا يتم معنى ورد إلا بالجار والمجرور.
[مَيْزُهُ] مبتدأ ثانٍ [وَرَدْ] بالسين وما عطف عليه، الجملة في محل رفع خبر المبتدأ الثاني.
والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
قوله: [مَيْزُهُ وَرَدْ] أي الفعل ميزه عن أخويه الاسم والحرف ورد بالسين وما عطف عليه.
[بِالسِّينِ] أي مسمى السين، والسين اسم، والذي يجعل علامة على الفعل هو المسمى.
[بِالسِّينِ] أل للعهد الذهني- وهي الذي عهد مصحوبها ذهنًا- فحينئذٍ ليس المراد [بِالسِّينِ] سين التهجي كسين سالم، وليس المراد بها سين الصيرورة كقولك: استحجر الطين أي صار حجرًا.
بل المراد بها السين التي تدخل على الفعل المضارع سين الاستقبال، لأنها هي المعهودة ذهنا، فإذا أطلق السين انصرف إلى سين الاستقبال فقط.
إذًا [وَالفِعْلُ بِالسِّينِ] أي سين الاستقبال، وتسمى بسين التنفيس، والتنفيس هو الاستقبال، وتسمى حرف التوسع أو التوسيع.
وهي تدل على تأخير زمن الفعل

المضارع عن الحال إلى الاستقبال.
الأفعال ثلاثة: ماضٍ ومضارع وأمر، فالفعل الماضي يدل على شيء وقع وانتهى في الزمن الماضي.
والفعل المضارع يدل على وقوع الحدث في زمن الحال، وجمهور النحاة على أن الفعل المضارع من حيث الزمن مشترك بين الحال والاستقبال، فإذا قيل: زيد يصلي، فإنه يحتمل أنه يصلي الآن أو سيصلي في المستقبل.
والأصح أن يقال: إن زمن فعل المضارع هو الحال فقط، ودلالته على الزمن المستقبل مجاز.
والدليل على هذا أن دلالة الفعل المضارع على الاستقبال تحصل بدخول السين ونحوها، فدلت السين على تأخير زمن الفعل المضارع عن الحال إلى الاستقبال.
فحينئذٍ ما احتاج إلى قرينة فرعٌ عما لا يحتاج إلى قرينة، فدلالة الفعل على الحال هي الحقيقة؛ لأنه يدل على الحال بلا حرف.
فإذا قيل: زيد يصلي فهو الآن، فإذا أردت به المستقبل فلابد من حرف تدخله ليدل على الاستقبال، وهذا ضابط المجاز عندهم.
فدلالة المضارع على الاستقبال مجازية لا حقيقية.
وهذا هو الأصح من حيث التحقيق، تقول: زيدٌ يصلي يعني الآن، زيدٌ سيصلي يعني سيوقع الحدث وهو الصلاة بعد زمن قريب.
إذًا عرفنا السين تدل على التنفيس والاستقبال وهو تأخير زمن الفعل عن الحال.
وبعضهم يقول: السين موضوعة للدلالة على الاستقبال للحدث القريب.
ومثال السين قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) [البقرة:142] وقوله: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ) [الفتح:11] [وَسَوْفَ] أي والفعل ميزه ورد بالسين، وبسوف، وسوف أخت

السين، كل منهما يدل على التنفيس والاستقبال، إلا أن السين أقل استقبالا من سوف، يعني دلالة السين على الاستقبال إنما هو استقبال قريب، ودلالة سوف على الاستقبال إنما هو استقبال بعيد.
إذا قيل: زيد سيصلي.
يعني بعد وقت قريب، زيدٌ سوف يصلي إذًا تأخير الفعل عن الحال إلى زمن أبعد من دلالة السين على التأخير.
وقوله: [وَسَوْفَ] حكاها كما هي لأنها على ثلاثة أحرف، فحكاها بمسماها لا كالسين حكاها باسمها لأنها على حرف واحد.
هذا الذي ذكرنا من أن دلالة السين على التنفيس أقل من دلالة سوف عليه، على مذهب البصريين، خلافا للكوفيين بناءًا على خلاف عندهم= هل السين مقتطعة من سوف أم مستقلة؟ يعني هل هما كلمتان كلٌّ منهما وُضع وضعا خاصا أم الوضع واحد لسوف والسين مقتطعة منها؟ مذهب الكوفيين أن السين مقتطعة من سوف، يعني هي جزء من سوف، وحينئذٍ فهي فرع، وإذا كانت فرعا فجزءُ الشيء لا يمكن أن يدل على معنى مغاير لمعنى الأصل، فحينئذٍ عند الكوفيين= السين وسوف مترادفان، ليس أحدهما أقل ولا أكثر بل متساويان في المعنى، فدلالة السين على الاستقبال كدلالة سوف على الاستقبال.
والذي اشتهر على الألسنة-كما هو معلوم- أن دلالة السين على الاستقبال أقل من دلالة سوف على الاستقبال، وهذا على مذهب البصريين= أن السين لها وضع خاص مستقل، وسوف لها وضع خاص مستقل.
إذًا السين لها معناها الخاص كوضعها الخاص، وسوف لها معناها الخاص كوضعها

الخاص.
فإذا استقل وضع كل منهما تعين أن يكون لكل حرف منهما معنى مغاير للآخر، إذًا وَضْعُ كل منهما بوضع خاص يستلزم أن يكون لكل منهما معنى مغاير للآخر؛ فحملت السين على الأقل، وحملت سوف على الأكثر، ولم يعكس لسببين: أولاً: أن سوف أكثر حروفا من السين، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
إذًا حَمْل سوف على معنى أكثر من السين أولى من العكس.
الثاني: كثرة اللغات في سوف؛ لأنه قيل: سَوْفَ وسَفْ وسيف وسَي وسَوْ، وهذه اللغات تدل على كثرة المعاني.
ومثال سوف قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى:5] وقوله: (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا) [النساء:56] [وَالفِعْلُ بِالسِّينِ وَسَوْفَ] إذًا هاتان العلامتان تدل على فعلية الكلمة، تحكم أوَّلا على الكلمة بأنها فعل بدخول السين أو سوف.
ثم بعد ذلك ننظر في الفعل فإذا به فعل مضارع؛ لأن السين وسوف لا يدخلان إلا على الفعل المضارع.
ولا تدخل على الفعل الماضي ولا على فعل الأمر؛ لا تدخل على الماضي؛ لأنها تدل على تأخير الزمن من الحال إلى الاستقبال، وهذا المعنى لا يمكن أن يكون في الفعل الماضي، لأن الماضي قد وقع وانتهى.
فإذا قيل: قام زيد.
هذا في الزمن الماضي فليس عندنا حال حتى يؤخر إلى المستقبل.
إذًا لا يصح دخول السين وسوف على الفعل الماضي.
ولا تدخل على فعل الأمر لأنه هو نفسه دالٌ على الاستقبال لا يدل على الحال، فحينئذٍ كيف تدخل السين لتنقل

الزمن من الحال إلى الاستقبال، وهو أصلاً لا يدل على الحال، لذلك اختصت بالفعل المضارع.
[وَبِقَدْ] أي والفعل ميزه ورد بقد.
وهنا دخلت الباء على قَدْ والباء حرف جر، ولا تدخل إلا على الأسماء.
فنقول: قد هنا ليست بحرف، وإنما هي اسم بدليل دخول حرف الجر عليها، وإنما تكون حرفًا في التركيب نحو: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون:1) قد في هذا التركيب حرف، لأنه أفاد معنى التحقيق، فاستعمل مرادًا به اللفظ والمعنى.
أما إذا قيل: قد حرف.
أخبرت عنها بأنها حرف، فاستعمل مرادًا به اللفظ فقط دون المعنى.
فحينئذٍ هي علم في هذا التركيب، لذلك يجوز إعرابها وتنوينها-كما سيأتي-[وَبِقَدْ] أي الحرفية، لأن قد تأتي اسمية، وتأتي حرفية.
وقد التي تكون علامة الفعلية هي قدُ الحرفية، ولكنها لا تدخل على أيِّ فعل، وإنما تدخل على الماضي والمضارع، ولا تدخل على فعل الأمر.
ولا يصح دخولها على كل فعل ماضٍ أو مضارع، وإنما تدخل بشروط أربعة: الأول: أن يكون الفعل مثبتًا لا منفيًا.
فنحو: قد ما قام لا يصح؛ لأنه منفي، وقد تفيد التحقيق، والتحقيق إنما يكون لشيء موجود، والمنفي معدوم؛ فكيف يحقق المعدوم؟!.
الثاني: أن يكون الفعل متصرفًا لا جامدًا، بمعنى أنه يأتي منه المضارع والأمر والمصدر واسم فاعل إلى آخره.
فقد يكون التصرف تامًا، وقد يكون التصرف ناقصًا.
فالجامد نحو: نِعْمَ وبِئْسَ، لا يصح دخول قد عليه -على الصحيح-،فلا يقال: قد نِعْمَ زيدٌ الرجل.

الثالث: أن يكون خبريًا لا إنشائيًا.
وهذان قسمان للكلام لا ثالث لهما على الأصح كما قال السيوطي: مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالكِذْبِ الخَبَرْ... وَغَيرُهُ الإنْشَا وَلاَ ثَالِثَ قَرْ الكلام إما أن يكون خبرًا -وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته-.وإما أن يكون إنشاءا - وهو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته - فإذا كان الفعل خبريًا صح دخول قد عليه.
وإذا كان الفعل إنشائيًا لا يصح دخول قد عليه.
والعلة هي العلة في عدم صحة دخولها على فعل الأمر.
فقد تدخل على الجملة الخبرية، نحو: قد بعت السيارة، وهذه من ألفاظ العقود فإن كان قد وقع البيع في الزمن الماضي صح دخول قد على بعت.
وإن كان المقصود بها إنشاء البيع الآن يقول: تبيع السيارة.
فيجيب: قد بعتك.
فهذا لا يصح، لأن بعت ليس بفعل ماض من حيث المعنى، يعني لا يدل على شيء وقع وانتهى، إنما المراد إنشاء البيع الآن فدلالته على الحال.
فحينئذٍ لا يصح دخول قد عليه.
الرابع: أن لا يفصل بين قد والفعل فاصل، فلا يصح: قد هو قال.
وقد استثنى ابن هشام: القسم نحو: قد والله قام زيدٌ، لوروده في الشعر.
قد تأتي لمعانٍ، فإذا دخلت على الفعل الماضي أفادت التحقيق أو التقريب، يعني تدل من جهة المعنى على التحقيق أو التقريب.

فالتحقيق نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون:1) وقولك: قد قام زيد.- وقد وقع القيام- يفيد التحقيق.
والتقريب نحو قولك: قد قام زيد.-ولمَّا يقم- ومثله قول مقيم الصلاة: قد قامت الصلاة.
وإذا دخلت على الفعل المضارع أفادت التقليل أوالتكثير.
فالتقليل كقولك: قد يصدق الكذوب.
والتكثير كقولك: قد يجود الكريم.
هذا ما يذكره النحاة أن قد إذا دخلت على الفعل الماضي أفادت التحقيق أو التقريب، وإذا دخلت على الفعل المضارع أفادت التكثير أو التقليل، هذا هو المشهور لكن الأصح أن يقال أن قد تدخل على الفعل المضارع وتفيد التحقيق، وبعضهم ينفي إفادتها للتحقيق عند دخولها على الفعل المضارع، وليس بصواب، بل تدخل على الفعل المضارع وتفيد التحقيق بدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (الأحزاب:18) فقد هنا أفادت التحقيق.
[فَاعْلَمْ] الفاء عاطفة، وفعل الأمر وفاعله جملة معترضة لا محل لها من الإعراب.
[وَتَا التَّأْنِيثِ] أي والفعل ميزه ورد بتاء التأنيث أي بقبوله تاء التأنيث، فإذا قبلت الكلمة تاء التأنيث دلت على أن مدخولها فعلٌ.
وتاء التأنيث مركب إضافي، والمركب الإضافي لابد أن يكون للمضاف مع المضاف إليه معنى ودلالة وهي أنواع.
وهنا الإضافة من إضافة الدال إلى المدلول، بمعنى أن هذه التاء تدل على التأنيث، تأنيث المسند إليه، وهي من علامات الفعل فاتصالها يكون بالفعل، وتدل على أن المسند إليه مؤنث، نحو: قامت

هندٌ.
نقول: التاء تاء التأنيث اتصلت بالفعل الماضي ودلت على تأنيث المسند إليه وهو الفاعل.
ومثله: ضُربت هندٌ ضُرِب فعل ماض مغير الصيغة، اتصلت به تاء التأنيث الساكنة، ودلت على تأنيث المسند إليه وهو نائب الفاعل.
ومثله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم:12) كان فعل ماض ناقص، اتصلت به تاء التأنيث، ودلت على تأنيث المسند إليه وهو اسم كان.
وحينئذٍ قول بعضهم: إن تاء التأنيث تدل على تأنيث الفاعل، فيه قصور.
وإنما التعبير الأعم والأصح: أن تاء التأنيث تدل على تأنيث المسند إليه.
والمسند إليه قد يكون فاعلاً أو نائب فاعل أو اسم كان.
[وَتَا التَّأْنِيثِ] أي التأنيث المعنوي.
وأما التأنيث اللفظي= فهذا تفيده تاء تأنيث ساكنة، تدخل على الحرف مثل ربتْ وثمتْ.
فرُبَّ حرف جر شبيه بالزائد، يجوز في لغة العرب أن يتصل به تاء التأنيث الساكنة، فتقول: ربتْ.
وثم حرف عطف، يجوز أن يتصل به تاء التأنيث الساكنة.
فحينئذٍ كيف نقول: تاء التأنيث الساكنة علامة فعلية الكلمة، ثم نجد تاء التأنيث الساكنة قد اتصلت برب وثم وهما حرفان؟ تقول: تاء التأنيث المراد بالتأنيث التأنيث المعنوي.
والتاء في ربت وثمت هي تاء تأنيث؛ لكنه تأنيث لفظي لا معنوي، فلا نقض ولا اعتراض.
[وَتَا التَّأْنِيثِ] أي الساكنة أصالة، احترازًا من تاء التأنيث المتحركة؛ فإنها من خواص الأسماء إن كانت حركتها حركة إعراب كقائمة ومسلمة، نقول: هذه التاء تاء التأنيث، وهي متحركة وحركتها حركة الإعراب؛ نحو: جاءت فاطمةُ، ورأيت فاطمةَ،

ومررت بفاطمةَ.
صارت هذه التاء محلا لظهور حركة الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًا.
هذه التاء تاء التأنيث المتحركة بحركة الإعراب من خواص الأسماء.
[وَتَا التَّأْنِيثِ] الساكنة أصالة، فلا يضر تحريكها لعارض كالتخلص من التقاء الساكنين نحو: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ (يوسف:51) قال: فعل ماض مبني على الفتح الظاهر.
وتاء التأنيث الساكنة أصالة المتحركة عرضًا حرف دال على تأنيث المسند إليه، مبني على سكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، إذًا [وَتَا التَّأْنِيثِ] الساكنة أصالة قد تحرك بالكسر على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين.
وقد تحرك بالفتح نحو: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت:11) وقد تحرك بالضم نحو قوله تعالى: ((وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ)) [يوسف:31] فيمن ضَمَّ التاء.
[مَيْزُهُ] وتمييز الفعل عن قسيميه الحرف والاسم [وَرَدْ] بواحدة من هذه العلامات الأربع.
ولكنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم مشترك بين الفعل الماضي والمضارع وهو قد.
وقسم مختص بالفعل الماضي وهو تاء التأنيث الساكنة.
وقسم مختص بالفعل المضارع وهو السين وسوف.
ولم يذكر الناظم علامة فعل أمر قيل: تبع ابن آجروم، وهو كوفي، والكوفيون عندهم القسمة ثنائية لا ثلاثية ماض ومضارع، والأمر عندهم معرب مقتطعٌ من المضارع فلذلك لا يحتاج أن يميز عن قسيميه وإنما هو جزء من الفعل المضارع.
والأصح أنه قسم مستقل برأسه، والأصل في الأفعال أنها مبنية، فالفعل الماضي مبني بالاتفاق.
والفعل المضارع له حالتان: قد

يكون مبنيا إذا اتصلت به نون الإناث أو إحدى نوني التوكيد، وقد يكون معربًا إذا لم يتصل بآخره شيء، وفعل الأمر مبني على الراجح.
وأما علامة فعل الأمر فهي مركبة من شيئين: إحداهما: لفظية، والأخرى: معنوية.
أما المعنوية فهي دلالته على الطلب بصيغته، كون اللفظ يُفهِم طلبًا، وهذا معنى الأمر اللغوي، لكن بشرط أن تكون دلالة الفعل على الطلب بالصيغة، يعني بذاته بدون واسطة تدخل عليه.
وأما اللفظية فهي أن يكون قابلا لياء الفاعلة أو إحدى نوني التوكيد.
فحينئذٍ إذا دلت الكلمة على طلب بالصيغة لا بواسطة.
والمراد بالصيغة أي بوزنه بحروفه وحركاته وسكناته، بأن لا يزاد عليه حرف أو لفظ يدل على الأمر.
فنحو: ينفق فعل مضارع لا يدل على الطلب، وإنما يدل على وقوع حدث في الزمن الحال أو الاستقبال وهو الإنفاق.
لكن قوله:.
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ (الطلاق:7) ومثله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج:29) ﴿لِيُنْفِقْ﴾ دل على الطلب.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ دل على الطلب.
لكن من أين فُهم الطلب منهما؟ هل دلا على الطلب بمفهومهما الخاص أي بذاتهما وبصيغتهما دون ضميمة أُخرى؟ الجواب: لا، وإنما فهم الطلب بواسطة اللام لام الأمر نقول: هذا الفعل دالٌ على الطلب ولكن بواسطة اللام، فهل هو فعل أمر؟ نقول: لا، ليس فعل أمر، وإن دل على الطلب؛ لأن فعل الأمر إنما يدل على الطلب ويحكم عليه بكونه دالاً

على الطلب إذا دل على الطلب بالصيغة بنفسه بدون واسطة، احترازًا مما دل على الطلب بواسطة كالفعل المضارع إذا دخل عليه لام الأمر.
وقبوله ياء الفاعلة أو نوني التوكيد يعني إحدى نوني التوكيد أن يكون قابلاً لها بمعنى أنه يقبل أن تدخل عليه ياء الفاعلة مثاله: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ (مريم:26) هذه ثلاثة أفعال، فكلي دل على الطلب، وهو طلب إيجاد الأكل بالصيغة، ثم قَبِلَ ياء الفاعلة، فهو فعل أمر.
واشربي أيضًا هو فعل أمر لوجود العلامتين دلالته على الطلب بدون واسطة مع قبوله ياء الفاعلة.
وقري أيضًا يقال فيها ما قيل في كلي واشربي.
إذا دل على الطلب بالصيغة فهو فعل أمر.
إذا دل على الطلب لا بصيغته فهو إما أن يكون فعلاً مضارعًا كقوله: ﴿لِيُنْفِقْ﴾ وإما أن يكون مصدرًا كقوله: ضربًا زيدًا.
فضربًا هذا ليس بفعل أمر وإن دل على الطلب؛ لأنه ناب مناب الأمر أي اضرب زيدًا.
وخرج كذلك الحرف فقد يدل على الطلب ولا يكون قابلاً لياء الفاعلة ولا نوني التوكيد مثل كلا بمعنى انتهِ.
وإذا قبل ياء الفاعلة ولم يدل على الطلب فهو فعل مضارع نحو: تقومين، هذه الياء ياء الفاعلة، فالفعل قبل ياء الفاعلة ولم يكن فعل أمر؛ لعدم دلالته على الطلب.
ثم شرع في بيان علامة الجزء الثالث من أجزاء الكلام وهو الحرف.
وإن كان عَدُّ الحرف جزءًا من أجزاء الكلام من باب التسامح والتوسع.
فقال:

وَالحَرْفُ يُعْرَفُ بِأَلاَّ يَقْبَلاَ... لاِسْمٍ وَلاَ فِعْلٍ دَلِيلاً كَبَلَى [وَالحَرْفُ] أي الذي تقدم لنا ذكره عند قوله: اسم وفعل وحرف معنى.
أي الحرف الذي جاء لمعنى، فـ (أل) للعهد الذكري، لأنه أعاد النكرة معرفة فهي عين الأولى.
الحرف لغة: طرف الشيء كحرف الجبل، قيل: مشتق من التحرف.
وأما اصطلاحا: فهو كلمة دلت على معنى في غيرها.
فالحرف ليس له معنى في ذاته، أي لا يدل على معنى في نفسه دون ضميمة كلمة أخرى.
وليس المراد أنه مجرد عن المعنى مطلقا، وإلا لصار مهملاً كديز لا معنى له، لأنه لم تضعه العرب.
فمثلا الحرف (في) وضعته العرب، فكيف يقال: لا معنى له وقد وضعته العرب.! هل تضع العرب حرفًا وليس له معنى؟ الجواب: لا، بل وضعته وله معنى يدل عليه، وهو الظرفية، لكن متى يظهر؟ إذا ضم إليه كلمة أخرى.
ولذلك حروف الجر سميت بذلك لأنها تجر معانِ الأفعال إلى الأسماء إذًا فيها معنى الجر والبسط والتعدية لأن حروف الجر فيها معنى التعدية، لذلك عندهم التعدية قسمان: تعدية عامة، وتعدية خاصة.
فأما التعدية العامة فكل حرف من حروف الجر هو معدٍّ.
وأما التعدية الخاصة فهي التي تتعلق بحرف الباء نحو: ذهبت بزيدٍ.
والحرف كلمة: هذا جنس يشمل الاسم والفعل والحرف.
دلت على معنى في غيرها يعني لا في ذاتها لا في نفسها، والمراد أنها دلت على معنى لكن ينكشف هذا المعنى إذا ضم الحرف إلى غيره، وأما استقلالا فلا.
وإلا لا معنى أن يقال: الحرف (في)

للظرفية، والباء للتعدية... إلخ هذه كلها معاني للحروف، تظهر وتنكشف إذا ضمت هذه الكلمة إلى غيرها.
وبعضهم يزيد قيدا في الحد، فيقول: كلمة دلت على معنى في غيرها فقط.
قوله: (فقط) للاحتراز، لأن الفعل يدل على معنى في غيره.
فإذا قيل: قام زيدٌ فالفعل- قام- دل على ثبوت القيام لزيد، إذًا (قام) دل على معنى في غيره فيصدق عليه الحد.
لأن القيام بل كل الأفعال الماضي والمضارع والأمر هي في المعنى صفات، فحينئذٍ تستلزم موصوفًا، لأنها عرض لا تقوم بنفسها، فلا يمكن أن يوجد قيام هكذا لا في محل، لا في زيد ولا في عمرو، فإذا قيل: قام زيد فـ (زيد) موصوف بما دل عليه لفظ (قام).
وهو ثبوت القيام، لكنه مقيد في الزمن الماضي.
فقد دل الفعل على معنى في غيره، فحينئذٍ يصدق عليه أنه كلمة دلت على معنى في غيرها، وهذا هو حد الحرف.
كذلك نحو: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ (الطلاق:2) (من) اسم، دلت على معنى في نفسها، ودلت على معنى في غيرها، وهو التعليق ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ جعل المخرج مرتبا على حصول التقوى؛ فقد دلت على ترتب الجواب على الشرط؟ فحينئذٍ يصدق عليها أنها كلمة دلت على معنى في غيرها، وهذا هو حد الحرف.
فإذا قلنا: في حد الحرف فقط أخرجنا الفعل وأسماء الشرط، لأن الحرف دل على معنى في غيره فقط دون دلالته على معنى في نفسه.
أما الفعل ومن الشرطية ونحوها؛ فقد دلت على معنى في غيرها، وهو القدر المشترك مع الحرف؛ إلا أنها قد دلت على معنى في نفسها.
فدلالة الفعل ومن

الشرطية ونحوها على معنى في نفسها صيرها أفعالا وأسماءا، ومع ذلك فقد دلت على معنى في غيرها أيضا.
وهذا لا ينقلها عن أصلها من الفعلية والاسمية.
إذًا شارك الفعل وأسماء الشرط الحرف في كونه دل على معنى في غيره، لكن نقيد الحرف بأنه كلمة دلت على معنى في غيرها فقط.
أما إذا دلت على معنى في نفسها ومع ذلك فقد زادت على هذا المعنى ودلت على معنى في غيرها فليست بحرف بل هي اسم أو فعلٌ.
[وَالحَرْفُ] عرفنا حقيقته [يُعْرَفُ] ويميز عن قسيميه الفعل والاسم [بِأَلاَّ يَقْبَلاَ لاِسْمٍ وَلاَ فِعْلٍ دَلِيلاً] أي دليلاً لاسم ولا فعل.
والدليل هنا العلامة، ودليل فعيل بمعنى فاعل، مأخوذ من الدلالة وهي الإرشاد، والمراد به علامة الاسم وعلامة الفعل، إذًا يميز الحرف عن قسيميه بأن لا يقبل علامة لاسم ولا علامة لفعلٍ.
[بِأَلاَّ يَقْبَلاَ] دليلاً لاسم ولا لفعل فحينئذٍ نقول: دليلا نكرة في سياق النفي فيعم.
فنقول: علامة الحرف أن لا يقبل أيَّ علامةٍ لاسم، ولا يقبل أيَّ علامةٍ لفعل.
فعلامة الحرف عدم قبول علامة الاسم ولا علامة الفعل.
قال في الملحة: وَالحَرْفُ مَا لَيْسَتْ لَهُ عَلامَهْ... فَقِسْ عَلَى قَوْلِي تَكُنْ عَلاَّمَهْ والحرف ما ليست له علامة: ليست له علامة وجودية، وليس المراد نفي العلامة مطلقًا لا وجودية ولا عدمية نقول: ليس هذا المراد بل المراد ليست له علامة وجودية، وإنما علامته عدمية، وهي عدم قبول علامة الأسماء، وعدم قبول علامة الأفعال.
قال الفاكهي في كشف النقاب: فإذا مرت بك كلمة ولا

تدري هل هي اسم أو فعل أو حرف فاعرض عليها علامة الأسماء، فإن لم تقبل فاعرض عليها علامة الأفعال، فإن لم تقبل فاحكم عليها بأنها حرف؛ لأن هذا شأن الحرف، وهو عدم قبول علامة الاسم ولا علامة الفعل.
فحينئذٍ يرد الإشكال وهو: أن العدم جُعل علامة لوجود الحرف، فكيف يكون العدم دليلاً على الوجود، والحرف موجود؟ قالوا: العدم نوعان: عدم مطلق، وعدم مقيد.
وهنا الذي جعل علامة على الحرفية-وهو موجود- العدم المقيد، فلم يُقل: الحرف هو ما لا يقبل شيئًا.
لا بل ما لا يقبل علامة الاسم ولا علامة الفعل.
فالعدم هنا مقيد، وإذا كان العدم مقيدًا صح جعله علامة على الموجود.
[كَبَلَى] أي مثل بلى، وبلى حرف جواب مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
يستعمل بعد النفي فيجعله إثباتًا كقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (التغابن:7) والفرق بين بلى ونَعَمْ: أن بلى لا تأتي إلا بعد نفي، أما نعم فتأتي بعد النفي، وبعد الإثبات.
فإذا قيل: أما نجح زيدٌ؟ فتصديقه نعم أي لم ينجح.
وتكذيبه بلى أي نجح.
الحرف على ثلاثة أقسام: حرف مشترك بين الأسماء والأفعال، نحو: هل وبل، تقول: هل زيدٌ قائم.
هل قام زيدٌ.
وحرف مختص، وهذا نوعان: مختص بالأسماء، ومختص بالأفعال.
فالمختص بالأسماء مثل: (أل) المعرفة، والتنوين، وحروف الجر.
والمختص بالأفعال مثل: السين، وسوف، وتاء التأنيث الساكنة.
هذه ثلاثة أقسام ثم كل

منها إما عاملٌ أو ليس بعامل، فهي ستة أنواع حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة.
الأول: مشترك بين الأسماء والأفعال ولا يعمل، كهل وبل.
والثاني: مشترك بين الأسماء والأفعال ويعمل كـ (ما) النافية، نحو: ما قام زيد،,ما زيدٌ قائمًا.
قال في الملحة: وَمَا الَّتِي تَنْفِي كَلَيْسَ النَّاصِبَهْ... فِي قَوْلِ سُكَّانِ الحِجَازِ قَاطِبَهْ إذًا تعمل وهي مشتركة ومنه: ﴿مَا هَذَا بَشَراً﴾ (يوسف:31).الثالث: مختص بالأسماء ويعمل.
مثل إنَّ زيدًا قائمٌ فـ (إن) خاصة بالدخول على الأسماء وعملت النصب.
الرابع: مختص بالأسماء ولا يعمل.
مثل (أل) المعرفة.
قالوا: لا يعمل لتنزيله منزلة الجزء من الكلمة، وجزء الشيء لا يعمل فيه، فـ (الرجل) مؤلف من كلمتين، (أل) حرف معنى وهي كلمة، و (رجل) كلمة.
إذًا كلمتان، ما الدليل على أن (أل) لا تعمل؟ قالوا: لكونها نزلت منزلة الجزء من الكلمة، فصارت (أل) مثل الراء أو الجيم أو اللام من رجل، والدليل على هذا قالوا: تخطي العامل إلى ما بعدها.
إذا قلت مررت بالرجل.
الباء: حرف جر.
وهل دخلت على (أل) أو على الرجل؟ لو جعلت (أل) مستقلة ولم تنزل منزلة الجزء من الكلمة؛ لدخل الحرف على الحرف، وهذا ممتنع.
ولكن لما دخل حرف الجر على (أل) مع مدخولها، تخطى العامل (أل) يعني تجاوزها فأثر في رجل.
ولذلك نقول: الرجل: اسم مجرور بالباء.
و (أل) هذه كأنها غير موجودة.
فلتنزيل (أل) من (الرجل) منزلة الجزء منه قالوا: تخطاها العامل فلم يؤثر فيها لأنها تعتبر كحرف من حروف كلمة رجل؛ لذلك

لا تعمل.
الخامس: مختص بالأفعال لا يعمل، مثل: السين، وسوف، أيضًا لتنزيلها منزلة الجزء من الكلمة، لأن ارتباط السين وسوف بالمعنى متعلق بالفعل المضارع.
فحينئذٍ لو قيل: سوف يصلي زيد.
سوف دلت على تأخير زمن الفعل من الحال إلى المستقبل البعيد.
إذًا لها أثر في المعنى فنزلت منزلة الجزء من الفعل.
السادس: مختص بالأفعال ويعمل مثل أدوات الجزم، والنواصب نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ (الإخلاص:3).

بَابُ الإِعْرَابِ الاِعْرَابُ تَغْييرُ أَوَاخِرِ الكَلِمْ... تَقْدِيرًا اوْ لَفْظًا فَذَا الحَدَّ اغْتَنِم وَذَلِكَ التَّغْيِيرُ لاِضْطِرَابِ... عَوَامِلٍ تَدْخُلُ لِلإِعْرَابِ أقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ تُؤَمُّ... رَفْعٌ وَنَصْبٌ ثُمَّ خَفْضٌ جَزْمُ فَالأَوَّلاَنِ دُونَ رَيْبٍ وَقَعَا... فِي الاِسْمِ وَالفِعْلِ المُضَارِعِ مَعَا فَالاِسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالجَرِّ كَمَا... قَدْ خُصِّصَ الفِعْلُ بِجَزْمٍ فَاعْلَمَا قال رحمه الله تعالى: [بَابُ الإِعْرَابِ] أي هذا باب بيان حقيقة الإعراب المصطلح عليه عند النحاة.
فأل للعهد الذهني، لأن الإعراب له معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي والمراد به هنا المعنى الاصطلاحي؛ لا المعنى اللغوي.
[بَابُ الإِعْرَابِ] كما ذكرنا سابقًا أنها ترجمة مؤلفة من كلمتين ولذلك نقول: إِنَّمَا النَّحْوُ قِيَاسٌ يُتَّبَعْ... وَبِهِ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُنْتَفَعْ

فما قيل هناك يقال هنا، فلا عود ولا إعادة.
وثنى ب

جارٍ التحميل