فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - قسم العقيدةطريقة الرسل في إثبات وجود الله وتوحيده
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لقد سلكت الرسل في إثبات وجود الله وتوحيده وصدقهم في دعوى الرسالة وخبرهم عن اليوم الآخر مسلك الإقناع بالحجة والبرهان، وضرب الأمثال، وجمعت في ذلك بين مناجاة العقل والتأثير على العاطفة والتذكير بما

جبلت عليه النفوس، وفطر عليه الخلق من الإقرار بالحق، والميل إلى العدل والإنصاف، مع لين الجانب، والرفق في الخطاب، والصفح الجميل في غير ذلة ولا مواربة أو مداهنة في الحق، فلا عنت في القول ولا تعسف، ولا فرض لحكم على الأمة دون بينة من الله وسلطان.
ففي إثبات وجود الله: اكتفوا في الاستدلال عليه بالإشارة مع دقة المأخذ وسهولة العبارة، لقلة من أنكر وجوده تعالى ممن مسخت فطرهم، ووضح للعقلاء جهلهم ومجافاتهم الحق وتنكبهم طريق الصواب، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾، فأنكر تعالى أن يكونوا خلقوا بلا خالق؛ ضرورة أن الأثر يحتاج في حدوثه إلى مؤثر كما شهد بذلك العقل والفطرة والحس، وأنكر أن يكونوا خالقين لأنفسهم لما يلزمه من التناقض، وأنكر أن يكونوا خالقين للسماوات والأرض؛ لشهادة تاريخ وجود الأمم والكونيات الأخرى بأن خلق السماوات والأرض قد كان قبل خلق ما بينهما من الإنس والجن ونحوهم، فكيف يخلق المتأخر في الوجود شيئا قد سبقه وتقدم عليه.
وقد أخذ جماعة من العلماء هذا الدليل الخبري العقلي، وأدخلوا عليه شيئا من التكلف والصناعة الكلامية فقالوا: إن نسبة المكن إلى طرفيه الوجود والعدم على السواء، فلو وجد بدون سبب خارج عن ذاته وحقيقته لزم ترجيح أحد المتساوين على الآخر بلا مرجح، ولو أوجد نفسه لزم مع ذلك أن يكون متقدما على نفسه.. باعتباره خالقا لها، متأخرا عنها باعتباره مخلوقا لها، وتقدم الشيء على نفسه وتأخرها عنها باطل بالضرورة، لما فيه من التناقض، ولا بد أيضا أن يكون واجب الوجود لذاته، مختلفا عن العالم في خواصه وصفاته

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ذلك ليصح أن يستند إليه العالم في وجوده بدءا ودواما؛ إذ لو كان مستحيلا لما صح أن يكون منه خلق أو تقدير؛ لأن المستحيل عدم محض وفاقد الشيء لا يعطيه، ولو كان ممكنا لافتقر إلى من يرجح وجوده على عدمه كما سبق بيانه، فإن استمرت الحاجة فاستند كل في حدوثه إلى نظير له من الممكنات؛ لزم إما الدور القبلي وإما التسلسل في المؤثرات، وكلاهما باطل باتفاق العقلاء.
وإذا انتفى عنه الإمكان والاستحالة ثبت له وجوب الوجود لذاته ضرورة؛ لأن أقسام الحكم العقلي ثلاثة: الوجوب، والإمكان، والاستحالة، وقد انتفى اثنان فتعين الثالث: وهو وجوب الوجود، قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وفي الحديث: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء».
ومن نظر فيما ترشد إليه الآيات نظرا ثاقبا، وفكر فيما توحي به سنن الله في المخلوقات -من عجائب خلقها، وحسن تنسيقها، وشد أسرها- تفكيرا عميقا، وبحث في أحكامها وبديع صنعها بحثا بريئا من الهوى والحمية الجاهلية وأنصف مناظره من نفسه -فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق والإذعان له كبر يرديه، ولا عناد يطغيه- اتضح له الهدى، واضطره ذلك أن يؤمن من أعماق قلبه بأن للعالم ربا خلاقا فاعلا مختارا حكيما في تدبيره وتقديره أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير.
ومع قيام الدليل ووضوح السبيل تعامى بعض الناس عن الحق، ومن أولئك: فرعون موسى، فإنه أنكر بلسانه ما تيقنت به نفسه، فأقام موسى عليه

الحجة بدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع -فوجود الخلق وعظم شأنه دليل على وجود الخالق وعظم قدرته وقدره وسعة علمه وكمال حكمته- فألقمه الحجر.
وذلك بين فيما حكاه الله عنهما من الحوار والسؤال والجواب، قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.
فانظر كيف وقف موسى موقف من يصدع بالحق ويقيم عليه الحجة والبرهان، وكيف وقف فرعون من موسى موقف السفهاء لا يملك إلا الشتم والسباب، والسخرية، والاستهزاء، والتهديد بأليم العذاب، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ فبين تعالى أنه آتى موسى الآيات البينات التي تنير البصائر، وتجلو الشكوك، وأن موسى ثبت في ميدان الدعوة ثبات مؤمن بما جاء به موقن بنصر ربه، فلم يرهبه جبروت فرعون ولم يأخذ من نفسه مأخذا مع وحدته وضعف قومه.
أما فرعون فقد بهرته الآيات، وأخذت عليه صولة الحق الطريق فلم يجد لديه سلاحا يحفظ به ملكه في زعمه، ويدافع به عن باطله إلا الخداع والتمويه

على قومه، وإنذار موسى ومن آمن به أن يذيقهم أليم عذابه، وأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط، وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين، ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.. إلا أنه أجمل وأوجز في الاستدلال بهذه الآيات وفصل في تلك.
وقد ورث ذلك الزيغ والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة، فتارة يسمون بالدهريين، وأخرى برجال الحقيقة ووحدة الوجود، وأحيانا بالشيوعيين، وآونة بالبهائيين، إلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها والتقت مقاصدها ومعانيها، فكلها ترمي إلى غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، ولا له إله يقصد ويعبد، وقد تبين بما تقدم وأمثاله فساد مذهبهم وخروجه عن مقتضى العقل والفطرة وما أيد ذلك وصدقه بعد أدلة السمع.
الرد على من يزعم أن العالم وما فيه وليد الصدفة والاتفاق.
فإن زعم بعد ذلك أن وجود العالم وليد الصدفة والاتفاق، أو أنه نشأت أطواره عن تفاعل عناصر المادة فتفرقت إلى وحدات بعد اجتماع أو اجتمعت بعد تفرق واختلاف، وصار لتلك الوحدات أو المركبات من الخواص ما لم يكن لها قبل ذلك من التفاعل، وبذلك تجددت الظواهر، وحدث ما نشاهد من تغير وآثار مع جريانها على سنة لا تتبدل وناموس لا يختلف ولا يتغير.

قيل له: من الذي أودع تلك المادة طبيعتها وأكسبها؟ فإنها إن كانت لها من ذاتها ومقتضى حقيقتها لم تقبل التغير والزوال؛ لأن ما بالذات لا يتغير ولا يزول، وقد رأيناها يتغير، فلا بد لها إذن من واهب يهبها، وفاعل مختار حكيم يوجدها، ويدبرها ويضعها مواضعها، وليس ذلك المادة أو خواصها وطبيعتها؛ فإنها مع حدوثها وحاجتها ليس لها من سعة العلم وكمال الحكمة وشمول المشيئة وعظم القدرة ما ينتظم معه الكون، مع ما نشاهده من إحكام تبهر العقول دقته وجماله، ومن إبداع يأخذ بمجامع القلوب ما فيه من شدة الأسر وقوة الرباط بين وحداته وكمال التناسب بين أجزائه وقيام كل من الآخر مقام الخادم من سيده والراعي من رعيته.
ألا إن الطبيعة صماء لا تسمع، بكماء لا تنطق، عمياء لا تبصر، جاهلة لا تعلم، مسخرة لمن أودعها المادة، خاضعة لتصريفه وتقديره، سائرة على ما رسم لها من سنن لا تعدوها ونواميس لا تخرج عنها، فأنى يكون لها خلق وإبداع! أو إليها تنظيم وتدبير! أو منها وحي وتشريع! إنما ذلك إلى الله الذي شهد العقل والفطرة بوجوب وجوده، وكمال علمه وحكمته، وغناه وقدرته، إلى غير ذلك من صفات جلاله، تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.
ولا يعيب الحق بعد ذلك أن يقل من سلك طريقه، وأن يزيغ عنه من انتكست بصيرته، وفسدت فطرته، فاتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم،

وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، ولا يضير الدعاة إليه أن عدل عن الصراط المستقيم من انحرف مزاجه أو غلبته شهوته فخشي أن تحد الشريعة من نزعاته الخبيثة، وتحول دون نزواته الدنيئة، أو أطغاه كبره وسلطانه، وخاف أن تذهب الشريعة بزعامته الكاذبة، وسلطانه الجائر، فوقف في سبيلها، وصد عنها، ولج في خصامها بغيا وعدوانا، فإن الله ناصر دينه ومؤيد رسله وأولياءه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
يحكى عن أبي حنيفة رحمه الله أن جماعة من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير الربوبية، فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة، تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيرهما بنفسها، وتعود بنفسها فترسو بنفسها، وتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد؟ فقالوا: هذا محال لا يكون أبدا، فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ !! وقد قال مثل هذه المقالة جماعة من العلماء، وقولهم ليس حجة لصدوره عنهم، بل لصحته في ذاته، وشهادة الواقع له.
إقرار المكلفين حتى المشركين بتفرد الله بالخلق والملك والتدبير وشهادة الفطرة بذلك شهدت الفطرة بأن الله وحده خالق كل شيء ومليكه، وإليه يرجع الأمر كله من التصريف والتدبير، فهو الذي يحي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو الذي يرسل الرسل، ويشرع الشرائع ليحق الحق بكلماته ويقيم

العدل بين عباده شرعا وقدرا، إلى غير ذلك مما لا يحصيه العد، ولا تحيط به العبارة.
وقام على ذلك أيضا دليل السمع، وأقر به كل مكلف حتى المشركون قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فأنكر سبحانه أن يكون معه إله فعل شيئا من ذلك، وقررهم بتفرده بكل شيء من الخلق والتدبير والتصريف والتقدير؛ ليجعل من ذلك ونحوه دليلا على توحيد العبادة الذي هو المقصود الأول من بعثة الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع -كما سيجيء- ونظائر ما ذكر من الآيات كثير.
ولم يعرف عن طائفة بعينها القول بوجود خالقين متكافئين في الصفات والأفعال، ومن نقل عنهم من طوائف المشركين نسبة شيء من الآثار والحوادث إلى غير الله كقوم هود، حيث حكى الله عنهم ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾، فإنما نسبوه إلى آلهتهم لزعمهم أنها وثيقة الصلة بالله، وأنها تملك الشفاعة عنده سبحانه لمن عبدها وتقرب إليها بالقرابين، فهي في زعمهم تملك لهم جلب النفع ودفع الضرر، لكن عن طريق الشفاعة لهم عند الله، ومن أجل

هذه الشائبة من الشرك نبه الله سبحانه على بطلانه، وأنكر على من زعمه، فقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
استحالة أن يكون في الكون خالقان معبودان فبين سبحانه أنه لو كان معه إله يشركه في استحقاق العبادة لكان له خلق وتقدير وملك وقهر وتدبير، إذ لا يستحق العبادة إلا من كان كذلك، ليرجى خيره، ونفعه، فيطاع أمره ويقصد قصده، ويخشى بأسه، فلا يعتدى على حدوده ولا ينتهك حماه.
ولو كان له خلق وتقدير وملك وتدبير لعلا على شريكه وقهره إن قوي على ذلك ليكون له الأمر وحده، ولذهب كل بما خلق وتفرد بتدبير ما ملك إن لم يكن لديه من القوة ما يفرض بها سلطانه على الجميع، فإن من صفات الرب كمال العلو والكبرياء والقهر والجبروت.
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، على تقدير أن المراد: لاتخذوا سبيلا إلى مغالبته وقهره، أو الخروج عليه والتفرد عنه بما خلقوا وملكوا، أما إن كان المعنى المراد: لاتخذوا سبيلا إلى عبادته والقيام بواجب حقه رجاء رحمته وخوف عقابه، فالآية في توحيد الإلهية، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
وقد استخلص بعض العلماء من ذلك دليلا سموه دليل التمانع، وجعلوا جل همهم إثبات توحيد الربوبية به، قالوا: لو جاز أن يكون للعالم ربان يخلقان

ويدبران أمره لأمكن أن يختلفا، بأن يريد أحدهما وجود شيء، ويريد الآخر عدمه، أو يريد أحدهما حركة شيء ويريد سكونه، وعند ذلك إما أن ينفذ مرادهما، وذلك محال لما يلزمه من الجمع بين الضدين، وإما أن لا ينفذ مراد كل منهما، وذلك محال لما يلزمه من رفع النقيضين وعجز كل منهما، وإما أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، فيكون الذي نفذ مراده هو الرب دون الآخر لعجزه، والعاجز لا يصلح أن يكون ربا.
ولو أن هؤلاء عنوا بتوحيد الإلهية، وصرفوا همتهم إلى بيان تفاصيله، وأجملوا القول في توحيد الربوبية والاستدلال عليه اكتفاء بشهادة الفطرة وإقرار العبادة به، وعلمه بالضرورة، وجعلوا البحث فيه وسيلة إلى توحيد العبادة ودليلا عليه، لكانوا بذلك قد سلكوا طريقة القرآن ومنهج الرسل عليهم الصلاة والسلام.

فصول الكتاب · 44 فصل · 381 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - قسم العقيدة · 381 صفحة
مقدمة الكتابمباحث وفتاوى العقيدةالمسألة الأولىإثبات أن العالم ممكنالمسألة الثانيةالممكن محتاج إلى موجد ومؤثرالمسألة الثالثةإثبات وجوب الوجود لله سبحانه وتعالىتوحيد الربوبية.توحيد الأسماء والصفات. ويقال له أيضا: توحيد الخبر، وتوحيد المعرفة والإثبات.توحيد الأسماء والصفاتتوحيد الإلهيةبيان كفر من آمن ببعض الرسل وكفر ببعضقصة موسى عليه السلاموكيف أنها من معجزات النبي صلى الله عليه وسلممنهج الرسل في الدعوة إلى اللهحصول الثقة واليقين في نفوس المكلفين بمصدر الشريعة وتبلغهاطريقة الرسل في إثبات وجود الله وتوحيدهانتظام العالم علوه وسفله يثبت لله صفات الكمال التي تليق بهمبحث في أن الجنة والنار مخلوقتانموجودتان الآن، وأنهما باقيتان لا تفنيانمبحث في العرشوالكرسي وإثبات صفة العلومما يجب اعتقاده أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وأنه كلم موسى تكليمارسالة فيالحكم بغير ما أنزل اللهحالات الحاكمين بغير ما أنزل اللهرسالة في الدفاععن السنة ورد شبهات المغرضينالشبهة الأولىالاقتصار على القرآن وإنكار السنةالشبهة الثانيةرد بعض الأحاديث لمخالفتها للعقل أولمعارضتها المستقر في بعض الأذهانالرد على أهل المسلك الأولالقائلين برد السنة لمخالفتها العقلالرد على أهل المسلك الثانيالقائلين برد السنة بتأويلها على ظاهرهادندنة البعض بأن السنة لم تدون في عصر النبوةاستفسار وبيانالجمع بين حديث الذبابوحديث أنتم أعلم بأمور دنياكمحكم من رد السنة جملة وتفصيلاالتعامل مع من يرد سنة النبي صلى الله عليه وسلمحكم من خالف معلوما من الدين بالضرورةوجوب تقديم نصوصالكتاب والسنة على العقلمبدأ وميثاقووجوب التزام عقيدة السلفمبحث في وجوب محبة أصحابرسول الله صلى الله عليه وسلم وموالاتهم والرد على الروافض والنواصبالتعريف بأهل السنة والجماعةالتعريف بأهل السنة والجماعةكبار الفرق الإسلاميةالشيعة والفرق التي تشعبت منهامن فرق الشيعة الزيديةمن فرق الشيعة الإماميةمن فرق الشيعة الكيسانيةفتاوى في العقيدةالتوسل المشروع والتوسل الممنوعالكرامات
جارٍ التحميل