حكم من خالف معلوما من الدين بالضرورة
: أما أن يأتي بأمر يخالف صريح السنة التي لا تحتمل تأويلا مثل صلاة أربع ركعات، يقول هذه تصلى ركعتين، نقول له: لا، أنت خالفت معلوما من الدين بالضرورة، فأنت كافر، وكذلك من يقول: إن الصلوات في اليوم والليلة صلاتان فقط، صلاة في النهار، وصلاة في الليل، ويذكر القرآن؛ لأن فيه الصلاة أول النهار وآخر النهار، وصلاة من الليل ففيه ثلاث صلوات، واحدة في الليل بنص القرآن، وواحدة في الغدو، وواحدة في الآصال، فيصلي ثلاث صلوات بنص القرآن، ويضيع صلاة الظهر لأنها ليست في الغدو، ويضيع واحدة من الصلاتين بالليل، فهذا نقول له أنت أنكرت معلوما من الدين بالضرورة، وإن لم يكن في القرآن لكنه ثابت متواتر تواترا عمليا وتواترا قوليا، فإنكارك إياه مثل إنكارك للقرآن، فهذا نقول له: إنه كافر؛ لأنه خالف معلوما من الدين بالضرورة.
وأما إن أنكر شيئا واحدا؛ أنكر حديثا واحدا، أو عملا واحدا، مثل من ينكر صلاة الوتر -ولا أقول هذا في الفرائض- سواء قلنا: إن الوتر واجب، والواجب أقل من الفرض، أو قلنا: الوتر سنة مؤكدة، من ينكر صلاة الوتر فهو كافر، أنكر سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم معلومة من الدين بالضرورة، وأنا ما أخص هذا بالفرائض
الخمس، يعني الكلام ليس على درجة أهو فرض أو سنة، فمن ينكر أن هناك رواتب للفرائض، ركعتان قبل، وركعتان بعد، من ينكر أن هناك تهجد الليل هذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة، بعضه في القرآن وبعضه في السنة، فيقال: كافر.
فما كان فيه مجال للاجتهاد، يقال فيه أخطأ وأصاب ولا يقال فيه آمن وكفر، وما لم يكن فيه مجال للاجتهاد وهو ثابت ثبوتا قطعيا أو معلوما من الدين بالضرورة فهو كافر، وإن كان الذي أنكره شيئا واحدا وإن لم يكن أصله في القرآن، هذا هو حكم الصنفين من أنكر الجملة ومن أنكر البعض هذا هو التفصيل.
س7: هل يجوز للمسلم أن يتمسك برأيه إذا كان مخطئا ولكنه مجتهد في ذلك؟ وهل يقبل منه ذلك شرعا بحجة أنه مجتهد؟ الجواب: المجتهد إذا رأى رأيا ولو خطأ وله وجهة من جهة اللغة، ومن جهة مقاصد الشرع - فله أن يتمسك برأيه، ولو كان خطأ في الواقع لكنه لم يتبين له خطؤه، وما قامت عليه الحجة، أما إذا تبينت له الحجة، فيجب عليه أن يرجع عن رأيه ولو كان مجتهدا، والحق أحق أن يتبع، أما الذي لا دراية له ولا قدرة له على الاجتهاد إنما هو يعتمد في تفكيره في دنياه وآخرته على غيره، فهذا ليس له أن يتعصب لمذهب، أو أن يتعصب لرأي، بل عليه أن يضع يده كالأعمى على كتف غيره ممن يثق بهم، يعني يجتهد في اختيار الشخصيات المأمونة المعروفة بالاجتهاد والإصابة في الجملة، عليه أن يجتهد في اختيار الأفراد أن يجتهد في النصوص؛ لأنه ليست عنده تلك القوة التي تؤهله للاستنباط من كتاب الله أو سنة رسوله الصحيحة.
الشبهة الرابعة شبهة أخرى والجواب عليها س8: ما حكم من يقول إن بعض الأحاديث تنكر بعضها؟ الجواب: الرسول عليه الصلاة والسلام ليس برجل بدوي يخبط خبطا عشوائيا وهو أمي وأمته أمية فلا يمكن أن يتكلم بتخمين؛ فكونه يخبر بأن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، لا يمكن أن يتكلم به عن طريق اجتهاد في أمر لا يعنيه وليس من شأنه، إنما يتكلم فيه عن وحي، ولذلك علل وقال: «في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» فالمسألة ليست مسألة اجتهاد، إنما هو وحي من الله، فمثله لا يمكن أن يدخل فيه باجتهاده، وهو أمي في أمة أمية يقول في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر دواء، وليس هناك من أمة العرب من يدري عن خواص الذباب ولا خواص ما في أجنحته، هذا لا يمكن أن يقوله رسول من عند نفسه في شأن من شئونه، إنما هو وحي من الله أوحى به إلى رسوله فتكلم به.
أما موضوع التلقيح فهم رجال نخل في بلاد العرب - وهم رجال التمور، وقد يدخل في مثل هذا باجتهاده، كما دخل في مسألة النزول في ميدان القتال واجتهد، ولما أراد أن يصطلح مع قريش والأحزاب لما جاءت إلى المدينة في غزوة الأحزاب، وأن يبرم معهم صلحا، وأن ينزل لهم عن بعض الشيء من ثمار المدينة فأبى الأنصار فرجع إلى رأي الأنصار الذي أشاروا به وكانت الحرب، هذا فيه مجال للاجتهاد فيمكن أن يقول فيه برأيه، ويمكن أن يظهر له خطؤه وأن يرجع عنه.
أما الذي لا يحق لمثله الدخول فيه أصلا هي الأمور الغيبية التي لا تدرك بالنظر والخبرة والاجتهاد وذلك مثل قوله: «في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء».
هذا لا يمكن أن يكون مما يدرك ويقال بالظن والاجتهاد، ولا يجترئ عليه وهو أمي، بل لا بد أن يكون بوحي من الله.
فالذين يقولون: هذا الكلام ينظرون إلى كلمات المشوشين في الموضوع.
الذين يقولون: إنما بعث للتشريع وهذا صحيح، ولكنه أيضا أحيانا يخبر بأمور غيبية فيها مصلحة المسلمين وفيها علاج مثل علاج بالرقية، وهذا لا يقول به الأطباء، فالأطباء لا يقولون بالكي وهم يكوون، أي يعالجون بالكي وهم ينكرون الكي ويسجنون من كوى وسلم نفسه للكي، فهم يعالجون بعض الأدواء بالكي لكنه لا يسلخ الجلد وذلك بالكهرباء، والعرب يعالجون بالكي، فهم يعالجون بالكي وهو أسرع -من جهة السبب- في العلاج، والعلاج بالكهرباء بطيء، وذلك مثل الشلل فهو يعالج بالكي وهم يعالجونه بالكهرباء، فهذا فقط نوع من العلاج لا يسلخ الجلد ولا يوجد جرح، وذلك نوع من العلاج البدائي أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول: «إن كان الشفاء في شيء ففي ثلاث وذكر منها الكي» هل أتبع أولئك وأقول هذا ليس من فنه؟ أم أن التجربة أيضا
أثبتت أن هذا يعالج به، فأتخير الشخص الذي يكوى.
كذلك الرقية هل يؤمن بها الأطباء؟ ! هم يتبعون الفرنجة الكفرة فلا يعملون بالرقية، والرقية ثابتة شرعا، وهي نوع من العلاج، نوع من التشريع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء للتشريع.
ولا يقال: ما الذي أدخله في الرقية والعلاج؟ وما الذي يدخله في حل السحر؟ وما الذي يدخله في الإثمد وأنه خير أنواع العلاج للعين؟ فهذه الأمور دخل فيها بحالتين: أ - منها ما يرجع إلى التجربة في قومه.
ب - ومنها ما يرجع إلى الوحي.
فالأحاديث التي قامت القرائن على أنها من الوحي نؤمن به ونكذب الأطباء؛ لأن الأطباء يجهلون سبب وعلاج كثير من الأمراض الموجودة ولم يصلوا إلى شيء يشفي منها كالسرطان وغيره، ويوجد كثير من الأشياء ما وصلوا إليها في الوقت الحاضر، وآفات كثيرة ما وصلوا إلى علاجها، وقد يكشف طبيب أو
جملة من الأطباء ويشخصون مرضا ويتبين أن المرض على خلاف ما شخصوا، وهم جملة، فهم يخطئون.
القصد أنني أتهم الأطباء، ولا أتهم الله، ولا أتهم رسوله، ولا أتهم علماء المسلمين العدول، الذين ضبطوا ما نقلوا بسند متصل، ولم ينقض كلام بعضهم بعضا، وليس هناك تعارض بينهم، وبين القرآن، فأنا أثق بهم أكثر من ثقتي بالأطباء مهما كانوا أقوياء ونابهين.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
9 -