القيَاس في الجُموع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صلاح الدين الزعبلاوي
- الكتاب
- دراسات في النحو
- المؤلف
- صلاح الدين الزعبلاويمصدر
- الكتاب
- موقع اتحاد كتاب العرب [الكتاب مرقم آليا]
فقد جاء في أدب الكاتب لابن قتيبة (286): (الموسى قال الكسائي هي فعلى، وقال غيره هو مفعل من أوسيت رأسه أي حلقته، وهو مذكر إذا كان مفعلاً، ومؤنث إذا كان فُعلى).
وإذا أن (الموسى) على فعلى عند هؤلاء فهي كحبلى ممنوعة من الصرف، وجمعها على موسيات كحبليات.
قال صاحب المصباح (ويجمع على قول الصرف – أي قول من صرف الموسى لأنه على زنة مفعل – المواسي، وعلى قول المنع – أي قول من منع موسى من الصرف لأنه على زنة فعلى – الموسيات كالحبليات).
وقد جاء في معجم الصحاح، وفي المخصص لابن سيده (17/18) وفي النوادر لأبي مسحل الأعرابي (85/86) ما يؤيد ذلك.
أما قول العامة (أمواس) على تقدير أن واحدة (موس) فلا وجه له، وقد كان شائعاً عند عامة أهل الأندلس وصقلية، كما أشار إليه الدكتور عبد العزيز مطر في كتاب لحن العامة في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة (ص/272).
أما (المُطرف) على صيغة اسم المفعول، فهو اسم أيضاً، ولو رد إلى أصل مشتق.
فالمطرف رداء من خزله علمان، اشتق في الأصل، من أطرفه أطرافاً.
قال صاحب المصباح (وأطرفته أطرافاً جعلت في طرفيه علمين فهو مطرف).
وأردف: (وربما جعل اسماً برأسه غير جار على فعله، وكسرت الميم تشبيهاً بالآلة والجمع مطارف)، فدل هذا على انتقاله من الوصفية إلى الاسمية.
ولذا كان بابه في الجمع هو التكسير على مطارف.
وفصل صاحب التاج فقال (والمطرف كمكرم، هكذا في سائر النسخ، والصواب كمنبر ومكرم، كما في الصحاح والعباب واللسان.
فالاقتصار على الضم قصور ظاهر.
وهو رداء من خز مربع ذو أعلام، جمعه مطارف.
وقال الفراء: ثوب من الثياب جعل في طرفيه علمان.
والأصل مطرف بالضم، فكسروا الميم ليكون أخف، كما قالوا: مغزل وأصله: مغزل من أغزل أي أدير، وكذلك المصحف والمجسد.
ونقل الجوهري عن الفراء ما نصه: أصله الضم لأنه في المعنى مأخوذ من أطرف أي جعل في طرفيه العلمان، ولكنهم استثقلوا الضم فكسروه.
وقد ورد أيضاً بفتح الميم، نقله ابن الأثير في تفسير حديث: رأيت على أبي هريرة مطرف خز، فهو إذاً مثلث الميم).
أما (المجسد) بضم الميم وفتح السين فهو صفة غالبة فارقت موصوفها (وهو الثوب) فأغنت مغناه، وأنزلت منزلة الأسماء.
وقيل أجسد الثوب فهو مجسد: صبغ بالجساد.
قال صاحب المصباح (وأجسدت الثوب من باب أكرمت صبغته بالزعفران أو العصفر، قال ابن فارس: ثوب مجسد صبغ بالجساد) وأردف (وقد تكسر الميم).
وقيل: أجسد الثوب فهو مجسد: ولي الجسد.
قال صاحب الأساس (ولبس المجاسد وهي الشُعر جمع مجسد بالكسر ومجسد بالضم).
والشعر جمع شعار ككتب وكتاب.
ففي المصباح (والشعار بالكسر ما ولي الجسد من الثياب).
وفي الأساس (وعليهم شعار وعليهم شعر).
ومهما يكن من شيء فالأصل هو الضم على صيغة اسم المفعول، وأن كسر الميم تصرف اقتضاه الاستعمال، طلباً للخفة في اللفظة، كما جرى في المصحف والمطرف والمغزل ففي اللسان: (قال أبو زيد: تميم تقول المغزل والمطرف.. والمجسد، بكسر الميم، وقيس تقول المغزل والمطرف.. والمجسد، بضم الميم).
-وأما (المسند) بضم الميم وفتح النون، على صيغة اسم المفعول، فهو صفة غالبة انقطعت عن موصوفها وهو (الحديث) وأغنت مغناه فأنزلت منزلة الأسماء أيضاً.
قال الحافظ بن حجر في شرح نخبة الفكر، على ما جاء في كتاب (توجيه النظر إلى أصول الأثر/ 65) للشيخ طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي: (والمسند في قول أهل الحديث – هذا حديث مسند – هو مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال).
فالأصل في (المسند) إذاً (الحديث المسند) كما ذكر الحافظ.
وقد جاء في تعريفه (هو مرفوع صحابي بسند) أي الحديث الذي يرفعه الصحابي (لا التابعي) بسند ظاهره الاتصال إلى رسول الله (. أي هو الحديث الذي اتصل إسناده إلى الرسول (كما جاء في تعريفات الجرجاني (144)، إذ قال (المسند من الحديث خلاف المرسل وهو الذي اتصل إسناده إلى الرسول.
وقد جمع على مساند مسانيد.
ففي التاج (المسند كمكرم.. جمعه مساند على القياس، ومسانيد بزيادة التحتية إشباعاً).
وهذا قياسه، ما دام قد أنزل منزلة الأسماء وتميز من الصفة بخصوصه في الدلالة واستغنائه عن موصوفه، فإذا أوردته مورد الصفة بأن تضيفه إلى موصوفه فتقول (هذه مسندات الأحاديث) أو ما يشبه الإضافة لأنه في معناها كقولك (هذه المسندات من الأحادث) جمعته جمع مؤنث سالماً، على الأصل.
وخلاف (المسند): المرسل.
قال الجرجاني في تعريفاته (المرسل من الحديث ما لم يتصل إسناده إلى الرسول الأعظم، بل إلى التابعي، وبسند التابعي إلى الرسول فلا يذكر من رواه عنه).
وقد جمع (المرسل) على (المراسل والمراسيل).
لكنه جمع على (المرسلات) حين أوقع موقع الصفة.
فقد جاء في المتن (والمرسلات من الأحاديث التي تصل بإسنادها إلى التابعي، ويقول التابعي: قال رسول الله (، ولا يذكر الصاحب الذي تلقاها عنه).
وإنما كشف المراد بـ (المسندات) و (المرسلات) بذكر (الأحاديث) لعموم معنى الوصف وشموله.
وأما (المصعب) فهو صفة على صيغة اسم المفعول، ويقع صفة غالبة في مثل قول الجوهري في الصحاح (والمصعب الفحل، وبه سمي الرجل مصعباً) وقول ابن دريد في الاشتقاق (واشتقاق مصعب من الفحل من الإبل، يترك للضراب ولا يستعمل..) أي اشتقاق (مصعب) اسم الرجل من (مصعب) اسم الفحل من الإبل، يترك للضراب ولا يركب.
ونحو ذلك ما جاء في التاج (المصعب كمكرم، قال ابن السكيت: الفحل الذي يودع ويعفى من الركوب).
فأنت ترى أنك متى قلت (المصعب) فهم أنه الفحل المودع للضراب، فالوصف قد فارق موصوفه وأغنى مغناه واختص بدلالة فأنزل منزلة الأسماء.
ومن ثم كان جمعه مصاعب ومصاعيب كما ذكره اللسان والتاج.
وأصله الصفة الخالصة، كما في قول الجوهري في الصحاح (وأُصعِب الجمل فهو مصعب إذا تركته فلم تركبه.. حتى صار صعباً).
فإذا أجريت الصفة على فعلها قلت في الجمع: وأصعبت الجمال فهي مصعبات، كما تقول هذه المصعبات من الإبل.
أما قولك (جمال مصاعب ومصاعيب) بذكر الموصوف قبل الصفة الغالبة، فمجيئه على حد قولك (هذه أراض صحراوات، وهؤلاء أسرى رهائن) والصحراوات والرهائن والمصاعب صفات غالبة.
ومن ذلك المُذهَب وجمعه المذاهب.
وقد جاء في شرح ديوان قيس بن الخطيم لابن السكيت أنها جلود فيها خطوط مذهبة بعضهاأثر بعض فكأنها متتابعة.. وهكذا جاء بالمذهب صفة غالبة تقع موقع الاسم.
وقال الزمخشري (ولوح مذهب ومذهَّب، واطلب لي المذاهب، وهي السيور المموهة بالذهب، فأتى به وصفاً جارياً على فعله حين قال (لوح مذهب ومذهَّب) فدل على الأصل ثم صفة غالبة حين قال (واطلب لي المذاهب وهي السيور) فأشار بذلك إلى انتقال الوصف إلى الاسم.
وكذلك (المرسلة).
قال الزمخشري في الأساس (وفي عنقها مرسلة، وفي أعناقهن مراسل: قلائد).
فالمرسلة القلادة والمراسل القلائد، هذا على الصفة الغالبة.
أما الصفة الأصلية فقد نبه عليها صاحب القاموس حين قال (المرسلة كمكرمة قلادة طويلة تقع على الصدر..) فأصل (المرسلة): القلادة المرسلة أي المطلقة أو (الطويلة) على حد قول الفيروز أبادي.
وقد أفرد الوصف أي (المرسلة) عن الموصوف (أي القلادة) واكتفي به اسماً للقلادة المطلقة.
أيصح فيما أنزل من الصفات منزلة الأسماء أن يجمع جمع الأسماء وجمع الصفات:
ويقول الدكتور ناصر الدين الأسد: (هل نستطيع أن نضيف إلى ذلك أن الصحيح في جمع الألفاظ الأخرى التي على هذا البناء، وهو مفاعل، حين تجري هذه الألفاظ مجرى الأسماء فنقول في جمع (ملحق) ملاحق، وليس ملحقات، كما أصبح حديثاً يحرص نفر من محققينا ومؤلفينا على استعماله) أقول لا يقتصر الأمر فيما أنزل من الصفات منزلة الأسماء على زنة مخصوصة كمفعل بكسر العين أو مفعل بفتحها أو مفعول أو فاعل، وإنما يجري الحكم في ذلك على إطلاقه.
فأنت إذا أفردت الصفة عن موصوفها وخصصتها بدلالة نأت بها عما تدل عليه الصفة الجارية على فعلها، عوملت في الجمع معاملة الأسماء.
وإذا بقيت، إلى ذلك، تمت بسبب إلى ما كانت تدل عليه هذه الصفة، صح أن تعامل في الجمع معاملة الصفات.
ولنأت بأمثلة تبين عما قصدنا إليه.
فـ (الملحق) إذا أردت به مسمى خاصاً بعدت به عن الأصل، فأطلقته على ما يعد ذيلاً (للمعاهدة) من شروح وشروط، قلت في جمعه (الملاحق) لأنه جرى على ما جرت عليه الأسماء من حيث انفرادها غالباً بمعنى يقصر عليها.
وإذا عنيت بـ (الملحق) ما يمكن أن يكون ذيلاً يتبع أصلاً من الأصول، جمعته على (الملحقات) كما اعتاد النحاة أن يجمعوه حين يقولون مثلاً (الملحقات بلا سيما) أو (الملحقات بأفعال القلوب) أو سوى ذلك.
وقد جاء في التنزيل (والمرسلات عرفاً ((المرسلات/1).
قال الزمخشري في الكشاف: (أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره..). وجاء في التاج (والمرسلات في التنزيل: الرياح أرسلت كعرف الفرس، أو الملائكة عن ثعلب، أو الخيل لأنها ترسل أي تطلق في الحلبة)، وما دام قد صح الاستغناء بـ (المرسلات) عن موصوفها المعين ملائكة كانت أو رياحاً أو خيلاً، فلا شك أنها صفة غالبة.
قال أبو حيان في البحر المحيط (8/403): (ولما كان المقسم به موصوفات قد حذفت وأقيمت صفاتها مقامها، وقع الخلاف في تعيين تلك الموصوفات).
على أنه بقي للصفة الغالبة من عموم الدلالة، ما كان للصفة الجارية على فعلها، أو كاد الأمر أن يكون كذلك، لتعدد ما يمكن أن يكون الموصوف المحذوف، وكان هذا مرجعها جمع الصفات.
وجاء في التنزيل (وأنزلنا من المُعصرات ماء ثجَّاجاً ((النبأ/ 4).
قال الجوهري في الصحاح (والمعصرات السحائب تعتصر بالمطر، وعُصر القومُ أُمطروا).
وقال الإمام البيضاوي (السحائب إذا أعصرت، أي شارفت أن تعصرها الرياح، كقولك: أحصد الزرع إذا حان أن يحصد.. أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب).
وقال أبو حيان في المحيط (.. وجاء هنا من أعصر، أي دخلت في حين العصر، فحان لها أن تعصر، فعل للدخول في الشيء).
فالمعصرات صفة غالبة أنزلت منزلة الأسماء، لكنها بقيت تدل على ما دلت عليه الصفة الجارية على فعلها، سواء أكان موصوفها المحذوف سحائب أو رياحاً.
ومن ثم جمعت جمع التصحيح.
وجاء في التنزيل (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشِّرات ((الروم/ 46) فجاء (مبشِّرات) صفة جارية على فعلها، في موضع الحال، لكنها استعملت صفة غالبة.
قال الجوهري (والمبشِّرات الرياح التي تبشر بالغيث).
ومثل ذلك ما جاء في الأساس (وهبَّت المبشرات، وهي الرياح التي تبشر بالغيث).
وجاء في فقه اللغة وسر العربية للثعالبي (المبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث، والسوافي التي تسفي التراب).
فانتقلت (المبشِّرات) بهذا من الصفة الجارية على موصوفها، إلى الصفة الغالبة المفردة عن موصوفها، فأنزلت منزلة الأسماء، وقد بقيت تدل على ما كانت تبين عنه الصفة الأصلية، فجمعت جمع التصحيح.
وكذا (المعجزة) واحدة المعجزة.
وهي صفة غالبة ما تزال تدل على ما هي عليه الصفة الأصلية، من قولك أعجزه الشيء إذا فاته فعجز عن الإتيان بمثله.
ففي الصحاح (والمعجزة واحدة معجزات الأنبياء).
ونحو من ذلك في اللسان والتاج.
وفي التعريفات (المعجزة كل أمر فارق للعادة)..
ولكن هل تقول في (المرسلات والمعصرات والمبشرات والمعجزات): مراسل ومعاصر ومباشر ومعاصر، كما تقوله في الصفات الغالبة عامة.
أقول الأصل جواز ذلك، ما لم يمنع منه ليس في المعنى، وما يشبه العموم في الدلالة.
فقد جاء المراسل والمعاصر صفتين غالبتين بمعنى آخر.
فالمراسل والمراسيل جمع للمرسلة وهي القلادة كما مر، والمعاصير جمع معصر من قولك أعصرت المرأة إذا أدركت فهي معصر.
أما المبشرات فلا تكاد تختص بدلالة، بل لها من شبه العموم ما قرب أن تتناول به كل ما يبشر.
فقد جاء في مفردات الراغب حول قوله تعالى (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات (: (أي تبشر بالمطر، وقال (وهكذا (المرسلات) التي قيل إنها الرياح والملائكة والخيل، ونحو من ذلك المعجزات التي تعني كل ما يعجز.
ويستبين بما تقدم أن الذي عليه مدار الكلام ومتصرفه أن الشاذ المتأول يثبت الأصل الذي انزوى عنه، وينبه على أن مفارقته لهذا الأصل وانفراده عنه بالحكم، إنما كان لعلة موجبة أو مجيزة.
وأنه لو أُحكمت القاعدة التي بني عليها الأصل وخصصت، ما اعتد الشاذ المتأول شاذاً.
أما أن يعتمد الشاذ المتأول فترسى فيه قدم قياس ويبطل به أصل ثابت، فلا يليق أن يتخذ مذهباً بوجه من الوجوه.
وإلا فهل تقول (أحداث مشاهيد وأيام معاديد وأشهر معاليم وأشياء مواضيع، وأرزاق مباسيط) أو تقول (وهؤلاء مسارير ومآسير ومشاكير ومناصير).
هذا مقتضى ما أخذ به مجمع اللغة العربية القاهري وجماعة من اللغويين المحدثين، في إطلاق جمع مفعول على مفاعيل، فكيف نسلم صحة هذا المذهب فننحو هذا النحو وننهج هذا السبيل؟