اسم الفاعل والموازنة بينه وبين الصِّفة المشبّهة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صلاح الدين الزعبلاوي
- الكتاب
- دراسات في النحو
- المؤلف
- صلاح الدين الزعبلاويمصدر
- الكتاب
- موقع اتحاد كتاب العرب [الكتاب مرقم آليا]
أقول إن النص على استعمال (عطل) بحرف من حروف الجر لا يمنع من استعماله بحرف آخر إذا اتسع له معناه.
وقد عرضنا لذلك في كتابنا (مسالك القول في النقد اللغوي) فقلنا: "ليس شيء أولى بالتدبر وأحق بطول الدربة والدراية من استعمال حروف الجر.
إذ لا يكفيك للتثبت في صحة اختيار الحرف لتصريف الفعل في معنى من معانيه أن تعود إلى المعاجم وحدها، بل لا يجزيك حيناً أن تقف، في كتب النحو، على ما يطرد فيه استعمال كل حرف... أو تضرب بسهم من تصفح كتب الأدب نثره وشعره، ذلك أنه لا بد لإحكام استعمال هذه الحروف من أن تعلق من كل ذلك بسبب وتحظى بطائل... فيتحصل بمطالعتك هذه ومدارستك ما يبصرك بتصريف هذه الحروف وإجرائها في مجاريها.. ص 91".
وعندي أن قولك (عطل عن العمل) و (عاطل عن العمل) صحيح لا غبار عليه.
فانظر إلى قول الراغب صاحب المفردات: "العطل فقدان الزينة والشغل" وقد دلَّ بقوله هذا على أن (العطل) لا يقتصر على الخلو من (الزينة)، ولو كان هذا هو الأصل في استعماله كما ذكرنا من قبل.
وأردف فقال: "وعطلته من الحلي ومن العمل فتعطل" فدل بذلك على صحة ما انتهينا إليه من صحة قول القائل (عطل من العمل فهو عاطل ومتعطل) لثبوت (عطل) اللازم و (عطّلته) المتعدي فتعطل، خلافاً لما ذهب إليه الأستاذ عباس أبو السعود.
ثم قال: "وعطل الدار عن ساكنها والإبل عن راعيها" بتشديد الطاء، فاستعمل (عن) للتعبير عن تعطيل الدار عن ساكنها أي إخلائها، خلافاً للأصل، كما استعمل (عن) في تعطيل الإبل عن راعيها أي قطعها عنه بإخلاء زرعها منه.
قال صاحب المصباح: "وعطلت الإبل خلت من راع يرعاها، ويتعدى بالتضعيف فيقال: عطلت الأجير والإبل تعطيلاً".
ويتبين عند التحقيق أنك إذا قلت: (عطل الرجل من العمل فهو عاطل منه) فقد أخذت بالأصل الذي هو (عطلت المرأة من الحلي) واعتددت به.
وإذا قلت (عطل الرجل عن العمل فهو عاطل عنه) فقد أخذت بما انتهى إليه معناه وعوَّلت عليه.
ذلك أن (تعطيل الرجل) حجز له عن العمل الذي به قوامه، وحبس له عن السعي الذي به كيانه.
فتعطيل الرجل يعني تنحيته عما فطر عليه، لا مجرد إخلائه أو محض تعريته من صفة محمودة يحوزها كأدب أو مال أو سوى ذلك.
ولا يعد (عطل) فريداً في تعديته بمن وعن.
فأنت تقول بعد عنه ومنه وتباعد عنه ومنه.
كما تقول تحول عنه وهو المشهور، وتحول من حال إلى حال كما جاء في (لطائف اللطف/ 64) للنيسابوري.
وهكذا قيل (تنقل من موضع كذا) كما هو الشائع, وقيل (أصبح السلطان متنقلاً عن أهل الفضل إلى أهل النقص) كما جاء في كليلة ودمنة (باب برزويه) لابن المقفع.
ونحو ذلك (انصرف عنه) كما هو الجاري و (انصرف من بلاد الهند) كما في المصدر نفسه.
وتقول (تحرَّز منه) كما في الصحاح والقاموس والمصباح، وتقول (تحرَّز عنه)، كما جاء في الأدب الكبير لابن المقفع، إذ قال: (تحرزاً بذلك عن تقصير فعل/ 85).
وتقول (خرج منه) و (خرج عنه).
قال ابن المقفع في كتابه المذكور: (وكان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، وخارجاً من سلطان لسانه فلا يقول ما لا يعلم/ 133)، كما جاء في سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي: (وخرج عن حد الاستعمال) وفي مقدمة الكتاب (وخرج عن مقدور البشر)، أي تجاوز، ونحو ذلك ما جاء في المخصص لابن سيده (تخلَّيت منه وتخلَّيت عنه).
ولا شك أن لكل حرف من هذين معنى يقتضيه عند التحقيق.
فلا بد أن يفضي الفعل مع حرف بعينه إلى معنى لا يفضي إليه مع حرف آخر.
وقد بسطنا القول في ذلك بكتابنا (مع النحاة/ 111).
ويتصل بما نحن بصدده ما جاء في معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة.
فقد ذهب الأستاذ محمد العدناني في معجمه هذا إلى تخطئة قول القائل (عاضه عن الشيء) وجعل صوابه (عاضه الشيء) و (عاضه منه)، مستشهداً بما جاء في الحديث عن أبي هريرة: "فلما أحلَّ الله ذلك للمسلمين، يعني الجزية، عرفوا أنه قد عاضهم أفضل مما خافوا"، على صحة (عاضه الشيء)، ومستشهداً بما جاء في الألفاظ الكتابية للهمذاني وفي أساس البلاغة للزمخشري وسواهما، على صحة (عاضه منه).
لكنه أقر بصحة قول القائل (اعتاض عنه)، كما جاء في المقامة الدمياطية لأبي القاسم الحريري ومحيط المحيط، إلى جانب قول القائل (اعتاض منه) !
والغريب أن يثبت العدناني (اعتاض عنه) ويمنع (عاضه عنه)، والأصل أن يتفق الحرف في (فعلته فافتعل) كجمعته إلى فلان فاجتمع إليه، ونسبته إلى فلان فانتسب إليه وخصصه بكذا فاختص به.
ونحو ذلك (أفعلته فافتعل) كأبعدته عنه فابتعد عنه وهكذا.. و (اعتاض) معناه أخذ العوض.
و (عاضه) أعطاه العوض.
فصواب المسألة أنك تقول (عضته من كذا) فاعتاض منه، كما تقول (عضته عن كذا) فاعتاض عنه.
وتقول إلى ذلك (هذا عوض من ذاك) و (هذا عوض عن ذاك) أيضاً.
ودليل ذلك ما جاء في كلام الفصحاء.
فإذا عدت إلى (خزانة الأدب) للإمام عبد القادر البغدادي (المطبوع بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد)، وتصفحته، لا سيما الجزء الثاني منه، ألفيت أن الفعل (عاض) ومشتقاته والاسم منه في الصفحات (94 و 113و 149) خاصة، قد عُديت بالحرفين جميعاً، كقوله (المعوض عنه ومنه، والعوض عنه ومنه) وقد تكرر ذلك.
وإذا تدبرنا الأمر وجدنا أنه كلما عُدّي (عاضه) بمن كان بمعنى (أبدله) وكان (العوض) بكسر ففتح، وهو الاسم، بمعنى (البدل).
والغالب فيما جاء من (عاضه منه) أن يشار فيه إلى أن العوض بمعنى البدل.
قال الإمام عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني في كتابه (الألفاظ الكتابية): "اعتاض هذا الأمر من ذاك اعتياضاً وأعاضه فلان وعوّضه عِوَضاً، وخذ هذا عوضاً من ذاك" وأردف "والعوض.. والبدل والبديل واحد".
على أن للعوض معنى آخر، يفارق به البدل، فقد ذكر ابن جني في الخصائص (1/265):
أن جماع ما في الأمر أن البدل أشبه بالمبدل منه، من العوض بالمعوض منه.
فالبدل يقع في موضع المبدل منه، ولا يلزم من العوض ذلك.
فالعوض لا يحل محل المعوض منه أما البدل فيحل محل المبدل منه فلا يجتمعان.
وهكذا لا يشترط في (العوض) إلا أن ينوب عن (المعوض عنه) ولا يشترط أن يشابهه أو يحل محله.
وبهذا المعنى أمكن أن تقول (هذا عوض عن هذا) أي ينوب منابه ويجزي عنه، أي يقضي، ومن ذلك قوله تعالى: ?ولا تجزي نفس عن نفس شيئاً –البقرة/ 47"، وبذلك يتجلى معنى (عن).
قال أبو البقاء الكفوي في الكليات: "والبدل لا يكون إلا في موضع المبدل منه، والعوض لا يكون في موضع المعوض عنه –1/399" فعدّى (عوض) بعن ليشير به إلى المعنى الذي يفارق به (بدّل) أو (أبدل)
وانظر إلى قول الإمام الشافعي:
وانصب فإن لذيذ العيش في النَصَب
سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقه
وتأمل قوله (عوضاً عمن تفارقه)، فلماذا اختار الشافعي ذلك عن أن يقول، بل على أن يقول: (بدلاً ممن تفارقه) أو (عوضاً ممن تفارقه) ؟ أقول قد آثر (عوضاً عمن تفارقه) لأن المسافر إنما يكفيه بل يجزيه أن يجد من يأنس به ويطمئن إليه، ويغنيه أن يظفر بمن يثق به ويسكن إليه، فيسلو به عمن يفارقه فتطيب نفسه عن ذكره.
وهو لا يطمع أن يلقى (البديل) ممن نزح عنهم (والشبيه) بمن ألف صحبتهم، فكان قوله (عوضاً عما تفارقه) واقعاً موقعه صائراً إلى مستقره.
وقد يدق هذا فيخفى على الناظر حتى يتلطف له فيظهر من أكمامه وينشر عن طيه.
هذا ما رأيت الكشف عنه، في موضوع دلالة (اسم الفاعل) والموازنة بينه وبين الصفة المشبهة، وما يعترض الكتَّاب فيه من لبس وأشكال أو يتصل باستعماله من خطأ واشتباه.
وأرجو أن أكون قد وفّقت، فيما أدليت به من وجوه الرأي، إلى ما يمكن الوثوق بصحته فلم أخطئ القصد فيما ابتغيت، ومن الله العون والتسديد.
الأدوات النحويّة وما يَعترضُ الكتّاب مِن اللُبس في استعمالها كثيراً ما يعترض الكتاب لبس في استعمال