النحاة ومصادر الأفعال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- صلاح الدين الزعبلاوي
- الكتاب
- دراسات في النحو
- المؤلف
- صلاح الدين الزعبلاويمصدر
- الكتاب
- موقع اتحاد كتاب العرب [الكتاب مرقم آليا]
فإذا نحن لم نخلد إلى التعريف اللفظي للفرع والأصل، في مقالة البصريين، وفزعنا إلى تعريف حقيقي يكون للماهية فيه تحقق وثبوت، كأن تقول: "الأصل ما سبق تصوره وقيامه في الذهن" كان التعريف أليق بالواقع اللغوي.
وإذا كان المدرك الحسي أسبق إلى الذهن من المدرك المعنوي، وأجناس الأعيان أسبق من أجناس المعاني ومنها المصادر، كان المصدر الدال على العموم والجنس والمطلق متخلفاً عما يمكن تصوره من أسماء الأعيان وما انتزع منها من أفعال واشتق من هذه من صفات، وما صح أنه الأسبق هو الأصل.
قال ابن جني في الخصائص: "ورتبة المشتق منه أن يكون أسبق من المشتق نفسه".
وأشار الكوفيون إلى نحو من هذا فقالوا إن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل، والفعل وضع له، فعل يفعل، فينبغي أن يكون الفعل الذي يعرف به المصدر أصلاً للمصدر.
أما احتجاجهم بأن المصدر يعتل باعتلال الفعل، والاعتلال حكم تسبقه علته، فإذا كان الاعتلال في الفعل أولاً، وجب أن يكون أصلاً، وكذا قولهم بأن الفعل يعمل في المصدر كقولك ضربته ضرباً، والمؤثر أقوى من المؤثر فيه، والقوة تجعل القوي أصلاً لغيره.. أقول احتجاجهم بهذا وذاك احتجاج اعتباري لا يكاد يقف فيه الجدل على وجه يخلد إليه بيقين.
وقد بحث المسألة الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العلمي العراقي، رحمه الله، في كتابه (دراسات في فلسفة اللغة والنحو والصرف) فناقش ووازن وكايل وأدلى بحججه وانتهى من بحثه إلى الأخذ بمذهب الكوفيين، واستدل على صحة دعواه بثلاثة عشر دليلاً فقال: "هذه ثلاثة عشر دليلاً تنتقض دعوى سيبويه أن الفعل صادر عن المصدر، وهي أدلة نحن اهتدينا إليها ولم يقف عليها الكوفيون وغيرهم".
أقول إني لأستسرف دعوى جواد هذه، فإذا كان قد أصاب في ذهابه مذهب الكوفيين وقياسه قياسهم فإن جل ما جاء به من الأدلة على سداده واستقامته، اصطلاحي اعتباري.
ويكاد يكون أظهر هذه الأدلة أن الفعل تجسيد والمصدر تجريد والمجسد أسبق إلى الذهن من المجرد، وليس هذا جديداً كما أوضحناه، وكذلك قوله أنك تكتب ثم تسمي فعلك الكتابة وهو ما صرح به الكوفيون حين ذكروا أن المصدر لا يتصور معناه ما لم يكن فعل فاعل.
فليس صحيحاً أنه قد تفرد بما ساق من الأدلة فأتى مبتكراً، بما لم تفتح العين على مثله، أو نزع مقترحاً، إلى ما لم يسبق إليه سابق أو ينازعه فيه منازع.
وتابع السكاكي أبو يعقوب (ت 626هـ) في (مفتاح العلوم) الكوفيين فاقتاس بهم ووطئ مواقع أقدامهم واعتل لأصالة الفعل بأن المصدر يتبع الفعل في إعلاله وتصحيحه، ودليل السكاكي هذا اعتباري اصطلاحي.
على أن ثمة منحى يوضح الأمر ويجلوه ويكشف عن مكنونه، ذلك أن اللغات السامية قد اعتدّت الفعل أصلاً للاشتقاق دون المصدر، كما أوضح ذلك الدكتور اسرائيل ولفنسون في كتابه " تاريخ اللغات السامية"/14/ إذا قال تتميز اللغات السامية في بعض أحوالها عن أنواع اللغات الأخرى بمميزات وخصائص تجعل من كل من هذه اللغات كتلة واحدة.
وأهم تلك المميزات تنحصر: 1-في أن هذه اللغات تعتمد على الحروف الصامتة وحدها ولا تلتفت إلى الحروف الصوتية كما هي الحال في اللغات الآرية.. 2-وأن أغلب الكلمات يرجع في اشتقاقه إلى أصل ذي ثلاثة أحرف.. 3-واشتقاق الكلمات من أصل هو الفعل... " وأردف: "وقد رأى بعض علماء اللغة العربية أن المصدر الاسمي هو الأصل الذي يشتق منه أصل الكلمات والصيغ، لكن هذا الرأي خطأ في رأينا لأنه يجعل أصل الاشتقاق مخالفاً لأصله في جميع أخواتها السامية".
عزا ولفنسون مذهب الأئمة في اعتداد المصدر أصلاً في الاشتقاق، إلى مجاراتهم الفرس فقال: "وقد تسرب هذا الرأي إلى هؤلاء العلماء من الفرس الذين بحثوا في اللغة العربية بعقليتهم الآرية، والأصل في الاشتقاق عند الآريين أن يكون من مصدر اسمي.
أما في اللغات السامية فالفعل هو كل شيء فمنه تتكون الجملة، ولم يخضع الفعل للاسم والضمير بل نجد الضمير مسنداً إلى الفعل ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً".
وقد عالج الأستاذ الأفغاني هذا الرأي فقال: "ثم ذكر هذا المستشرق اليهودي أن هذه نظريته الخاصة، إذ لم يشر إليها أحد من علماء الإفرنج.
ومع رغبته في أن يعم بنظريته هذه اللغة العربية ولغته العبرية، يجدر بالمتأمل الوقوف وعدم القطع، ما لم يقم عليه البرهان الساطع، فما أكثر الظواهر التي خالفت فيها العربية أخواتها الساميات".
أقول لا بد للغات عامة أن تتغاير فيعزى ما تقارب منها في أصوله إلى فصيلة واحدة، فالذي يقع فيه التغاير بين فصيلة وأخرى إنما هو القواعد والأصول الأخرى كالبنية اللغوية والاشتقاق، دون الأشكال والمفردات.
فالذي ذكروه أن العربية خالفت بعض أخواتها في أداة التعريف وعلامة الجمع، كما أورده الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه (فقه اللغة) والأستاذ محمد عطية الابراشي في كتابه (الآداب السامية)، ولكنها لم تخالفها في البنية اللغوية وطريقة الاشتقاق، كاعتمادها على الحروف الصامتة دون الصوتية، ورد الكلم إلى أصل ثلاثي، ووحدة الأصل في بنيتها وعدم تعدده كما يتعدد في اللغات الآرية.
قال الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه (علم اللغة/ 133): "وقد اعتمدنا في التفرقة بين هاتين الفصليتين- أي السامية والآرية- على أمور تتصل بالقواعد لا بالمفردات، وذلك لأن ناحية القواعد هي أهم ما تمتاز به الفصائل بعضها عن بعض، فمنها تتكون شخصية اللغات وإليها ترجع مقوماتها، وهي التي تمثل المظهر الثابت المستقر في اللغات، فهي لا تكاد تتغير.. فتشابه لغتين في القواعد يدل إذن على انتمائهما إلى فصيلة واحدة، واختلافهما فيها يدل على اختلاف فصيلتيهما..".
فإذا استقر الأمر على ما بيناه، صح معه أن مغايرة العربية لأخواتها السامية إنما كانت في الأشكال والفروع، لا في القواعد والأصول، واعتماد اللغات السامية في اشتقاقها على الفعل، إنما هو من هذه القواعد والأصول.
هذا ما رأينا أن نعرض له من مذاهب النحاة وآرائهم في مصادر الأفعال والكشف عن دلالاتها وطرائق جمعها وصوغها وقياسها واشتقاقها وأعمالها، فيما صدقت نيات الأوائل في تحري صوابه وابتغاء حقائقه بأفصح لسان وأبلغ بيان.
وقد استعنا في البحث بما استقر في هذا الباب من ضوابط وقواعد، ليقطع في الأمر برأي لا يعوزه تدبر، ويقين لا خفاء به ولا ارتياب، هذا وجه مطلبه والوقوع عليه.
ونحن نعتذر مما بسطنا القول فيه ليقف القارئ في كل مسألة على ما استبهم من وجوهها واستغلق من أحنائها، فتخف الكلفة عليه في تحصيلها، ويكون على ثقة من إصابة الرأي فيما تشعبت مذاهب القول في قبوله ورده، واشتدت الحاجة إليه في التعبير والاصطلاح ومسَّت في تحقيق المعاني وضبط دقائقها.
ولا بد في مسالك البحث هذه من إنعام الفكر وإنعام الروية ليخلص الرأي من كل شائبة ويصفو من كدر أو معابة، فليس القائل بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده لا يخالف في رأي أو ينازع في حكم وأرجو أن أكون قد أدركت من بحثي ما أردت فلم أخطئ القصد.