دراسات في النحوصفحات 41-45

النحاة والقياس

صفحات 41-45
عن هذه الطبعة
عَلَم
صلاح الدين الزعبلاوي
الكتاب
دراسات في النحو
المؤلف
صلاح الدين الزعبلاويمصدر
الكتاب
موقع اتحاد كتاب العرب [الكتاب مرقم آليا]

وقد أخذ ابن بسام على جماعته هذه المحاكاة فقال: "إن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة رجوع الحديث إلى قتاده، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب أو طنّ بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنماً وتلوا ذلك كتاباً محكماً فغاظني منهم ذلك- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة 1 /2" وقد استمرت الحال على هذا المنوال حتى القرن الخامس الهجري، حين شاع في الأندلس مذهب الظاهرية في أصول الفقه، وكان قد نشأ في المشرق خلال القرن الثالث الهجري وإمامه أبو سليمان الأصفهاني.
قام المذهب على رفض القياس وإنكار التقليد، وتولى الدعوة إليه والاحتجاج له في الأندلس الإمام أبو محمد علي بن سعيد بن حزم الأندلسي (348-456). وكان ابن حزم هذا يتمنى لو كان مشرقياً حين يقول: أنا الشمس في جو العلوم منيرة ولكن عيبي أن مطلعي الغرب وتلا ذلك نبوغ ابن مضاء في القرن السادس الهجري، وقد اتخذ مذهبه في أصول النحو على مثال مذهبه الظاهري في أصول الفقه، فأنكر القياس وعوّل على النص في كتابه (الرد على النحاة) كما تقدم تفصيل ذلك، وكان عصره عصر الثورة على المشرق ومذاهبه.
ابن مالك:

ومن أشهر نحاة الأندلس المبتكرين في القرن السابع الهجري الإمام محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني ولد في بلدة جيان بالأندلس وقرأ العربية على ثابت بن محمد جيان الكلاعي، كما قرأها على ابن يعيش شارح (المفصل).
وقد انتقل إلى دمشق وتوفي فيها.
(601-672هـ) وابن مالك هذا هو صاحب الألفية المشهورة باسمه، وقد كثر شرّاحها وكان من أبرز هؤلاء ابنه بدر الدين محمد بن مالك (686هـ)، وقد عُرف بحذقه للمنطق فجاء شرحه مشوباً بالنهج المنطقي، فاختط ذلك لسائر شراح الألفية وحملهم على جادته.
وإذا كان نحاة الأندلس قد نادوا بصحة استنباط القواعد اعتماداً على الحديث النبوي منذ دعا إلى ذلك الإمام ابن حزم الأندلسي في القرن السادس وتبعه في ذلك السهيلي وابن خروف، فقد كان ابن مالك أكثرهم حماسة لهذا الرأي وأشدهم استمساكاً به، وقد جرى على الاستشهاد بالحديث في كثير من الأحكام التي خالف فيها الجمهور وقد كان من أنصار هذا المذهب الجوهري وابن جني وابن فارس وابن سيده وابن بري.
وهو لم يمل إلى بصرية أو كوفية وإنما اختار في كل مسألة ما هداه إليه اجتهاده بالحجة.
أبو حيان: وقد تألق بعد ذلك نجم أبي حيان الأندلسي الغرناطي المولد والمنشأ (654-754هـ) وله من الكتب سفره الضخم في التفسير وهو (البحر المحيط)، وله (شرح التسهيل) ومختصره (ارتشاف الضراب) وإذا كان أبو حيان قد بدا ذا أسلوب منطقي في تعريفه للحدود وتحليلها فقد ابتعد عن الغلو في التعليل.
وإذا كان قد استمسك بالنص وعاف من التأويل ما كان متكلفاً فإنه لم يدع القياس بل عول عليه في أحكامه.
وقد حمله استمساكه بالنص على اهتمامه بالقراءات القرآنية جميعاً واشتغاله بها، وعاب على النحاة ترددهم في التعويل عليها وقال: "ولسنا متعبدين بأقوال نحاة البصرة- البحر المحيط- 4/271"، كما عاب عليهم المفاضلة فيما بينها (2/265) وقال: "القراءات لا تجيء على ما علمه البصريون ونقلوه- 2/263".

ولا يمكن الحديث، على كل حال، عن نحو أندلسي بسمات خاصة ورواسم فريدة، على إحاطة النحاة الأندلسيين وجدوى ما رفدوا به النحو من جدة في البحث والاجتهاد فإنهم لم يتفردوا فيه بخط عام يميزه من نحو المشرق عامة بعد ابن مضاء.


يتبين بهذا كله أنه لا بد من التعويل على القياس، والأخذ بالعلة والاقتصار منها على ما دعوه بالعلة التعليمية والعلة القياسية، فلا نغلو في التعليل ونمضي فيه حتى نخضع اللغة لأصول المنطق والفلسفة ونهج الجدل والحجاج، فننأى بها عن خصوصها وطبيعتها.
قال الزجاجي في (إيضاح علل النحو): "قد عرّفناك أن الأشياء تستحق المرتبة والتقديم والتأخير على ضروب فنحكم لكل واحد بما يستحقه، وإن كانت لم توجد إلا مجتمعة.
فنقول ان الجسم الأسود قبل السواد، ونحن لم نر الجسم خالياً من السواد الذي هو فيه، ولا رأينا السواد قط عارياً عن الجسم، بل لا يجوز رؤيته لأن المرئيات إنما هي الأجسام الملونة، ولا ندرك الألوان خالية من الأجسام..". فما حاجة النحو إلى جدل لفظي لا درك فيه، وبحث فلسفي لا غناء له في صنعة نحو أو بيان.
وقال نحوي في تعليل أن (هل) إما أن تباشر الفعل كقولك: (هل قدم زيد) أو تباشر اسماً لا يقع في تعليل حيِّزه فعل.
تقول: (هل زيد قادم) ولا تقول: (هل زيد قدم)، قال: (إن هل إذا لم تر الفعل في حيِّزها حنت إليه لسابق الألفة فلم ترض حينئذ إلا بمعانقته) فما حاجة النحو إلى مثل هذا العبث والتخييل وهل يجديه ذلك نفعاً أو يسوق إليه بياناً أو يوجب له حسناً؟ ولا مناص من أن يفسح للسماع ويوسع له، ولو خالف القياس، فقد يستدعيه الاستعمال وتقتضيه حاجة التعبير.
ذلك أن كثيراً من الشاذ المتأول إنما يثبت الأصل الذي انزوى عنه وينبه على أن مجانبته لهذا الأصل وانفراده عنه بالحكم، إنما كان لداع في التعبير أوجبه الاستعمال، على ألا يعتمد هذا الشاذ لترسى فيه قدم قياس يبطل الأصل الثابت.

مثال ذلك مجيء السماع بجمع المصيبة على المصائب والقياس المصيبات، فقد كان ذلك لعلة رعوها.
ذلك أنهم أنزلوا (المصيبة) وهي صفة في الأصل منزلة الأسماء، فحملهم ذلك أن يجمعوها جمع الأسماء على (مصائب).
وهكذا جاء السماع بجمع (المسن) على صيغة اسم الفاعل، من الآدميين أو غيرهم، على (المسان) بفتح الميم وتشديد النون.
وذلك لعلة موجبة، فقد اشتهر استعمال (المُسِن) منقطعاً عن موصوفه فأنزل منزلة الأسماء فكان من شأن ذلك تكسيره تكسيرها.
ونحو ذلك جمعهم مخزية على مخاز ومدينة على مداين ومدائن ومطيحة على مطاوح والمصحف على المصاحف والموسى على المواسي.
وهكذا (الخضراء) فهي في الأصل صفة للبقلة لكنها استعملت استعمال الأسماء، فقيل (ليس في الخضراوات صدقة) أي في البقول فجمعت جمع الأسماء دون الصفات.
وكذلك القول في (نكباء ونكباوات) وهي الريح التي تنكبت عن الرياح الأربع، وفي (دكاء ودكاوات) للأرض إذا انبسطت فأشبهت الرابية.
والقياس في استفعل) إذا اعتلت عينه أن يُعل أي يقلب حرف علته (واواً أو ياء) ألفاً.
نقول استجاب واستمات واستكان، وشذ قولهم: (استجوب) لأنهم أرادوا أن ينبهوا على اشتقاقه من (الجواب) كما اشتق (استتيس واستفيل) من التيس والفيل.
وقالوا: (أغيم) من الغيم و (أعوه) من العاهة.
وقالوا في (مفعلة) المشتقة من الاسم: شراب مطيبة بفتح الياء ودواء مبولة بفتح الواو، أي يدعو إلى الطيب والبول، وأرض مفيأة ومثورة يكثر بها الثور والفيء.
ولو اشتقت (مفعلة) من الفعل لجاءت بالإعلال أي قلب حرف علتها (الواو أو الياء) ألفاً كالمقالة والمقامة والمنامة والمنارة والمثابة، وهو الأصل والقياس، ذلك فرقاً بين مفعلة الاسمية ومفعلة الفعلية.

ولا معدل عن أن ننأى بالنحو أن يكون علماً يعرف به أحوال الكلم أعراباً وبناء فيقتصر البحث فيه على أواخر الكلمات ويشوبه من جفاف القواعد ما لا يترقرق فيه ماء بيان أو تشرق به ديباجة كلام.
فالقريب المختار أن يكون علم النحو قسم علم المعاني فيغدو كل تتمة الآخر.
قال ابن كمال باشا في رسالته: (ويشارك النحوي صاحب المعاني في البحث عن المركبات إلا أن النحوي يبحث عنها من جهة هيئتها التركيبية صحة وفساداً، ودلالة تلك الهيئات على معانيها الوضعية على وجه السداد، وصاحب المعاني يبحث عنها من جهة حسن النظم المعبر عنه بالفصاحة في التركيب وقبحه.. فما يبحث عنه في علم النحو من جهة الصحة والفساد، يبحث عنه في علم المعاني من جهة الحسن والقبح، وهذا معنى كون علم المعاني تمام علم النحو).
ونختتم فصلنا هذا بما جاء به الإمام السيد في شرح المفتاح، إذ قال: "البحث في اللغة اما عن المفردات من حيث جواهرها وموادها وهيأتها، فعلم اللغة، أو من حيث صورها وهيأتها فقط فعلم الصرف، أو من حيث انتساب بعضها إلى بعض بالأصالة والفرعية فعلم الاشتقاق، وأما عن المركبات فباعتبار هيأتها التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية فعلم النحو، وأما باعتبار تأديتها لمعان مغايرة لأصل المعنى فعلم المعاني، وأما باعتبار كيفية تلك الإفادة في مراتب الوضوح فعلم البيان".

جارٍ التحميل