كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن شاس
- الكتاب
- عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة
- المؤلف
- أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي (المتوفى: 616هـ)دراسة وتحقيق: أ. د. حميد بن محمد لحمر
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1423 هـ - 2003 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بالولاء، ثم رجعا وأقرا بالزور، فلا شيء عليهما إلا أن يموت ويترك مالاً ولا يرثه غير ذلك المولي المحكوم له، فإنهما يغرمان لمن أتلفا ذلك عليه حتى صار لهذا إن أقرا أنهما انتزعا ولاءه من الذي نازع الآخر فلي الولاء إن كان أحد نازعه.
وأما إن لم يعرف فيه منازع فيوقف ما (يضمنانه) حتى يثبت مستحق وإنما يضمنان تركته التي مات عنها، كانت أكثر مما كان معه يوم الحكم أو أقل.
وأما إرقاق الحر: فقال محمد بن عبد الحكم: إذا شهدا على رجل أنه عبد لفلان وهو يدعي الحرية فقضي عليه بالرق، ثم رجعا، فلا قيمة عليهما في الرقبة، ولكنهما يلزمان للعبد كل ما استعمله سيد، وكل خراج أدى إليه من عمله وإن كان له مال فانتزعه، فهذا كله يلزم الشهود للعبد.
ثم ليس لمن قضى له (بملكه) أن يأخذ ذلك منه، لأنه إنما هو عوض مما أخذ منه.
ولو مات المشهود له وذلك في يده لم يأخذه السيد بل يوقف حتى يستحق ذلك مستحق يرثه بالحرية.
ولو أعتق منه العبد قبل موته عبدًا لجاز عتقه وكان ولاؤه بعد لمن كان يرث عنه الولاء لو كان حرًا، ويرث العبد إن مات ومعتقه حي.
وإن أوصى منه العبد كان ذلك في الثلث منه، وإن وهب منه أو تصدق جاز ذلك، ويرث باقيه ورثته وإن كان له من يرثه لو كان حرًا، وليس للعبد أن يتزوج منه لأن النكاح ينقص رقبته".
الطرف السادس: في المال.
وقد تقدم ما يعرف منه حكم الرجوع فيه على الجملة، غير أن المقصود ههنا ذكر فروع.
الفرع الأول: في رجوع الشهود عن بعض الشهادة.
"قال محمد بن عبد الحكم: وإذا شهد شاهدان لزيد وعمرو بمائة دينار فأخذاها كل واحد خمسين، ثم رجعا وقالا: المائة كلها لزيد، واعترفا بالكذب في اشتراك عمرو معه فيها، فإنهما يغرمان خمسين للمشهود عليه، لأنهما أقر أنهما أخرجاه من يده إلى ما لا حق له فيها، ولا تقبل شهادتهما للآخر أن المائة كلها له، ولا يغرمانها له، لا، هما إنما أخذا خمسين من مال المشهود عليه دفعاها لمن لا شيء له عليه، وإن (كان) لزيد عنده خمسون أخرى فقد بقيت على من هي عليه.
قال: ولو كان المشهود به ههنا عبدًا معيناً، شهدا بأنه لزيد وعمرو، ثم رجعا بعد أن قضي بذلك فقالا: إنما العبد كله لزيد، فإنهما يغرمان نصف قيمة العبد لزبد إن كان الذي أخرج العبد بالشهادة من يده يصدقهما في أن جميعه لزيد على حسب ما قالاه في
رجوعهما، وإن كان ينكر الشهادتين ويقول: كله لي، فغرامة النصف المذكور يقضي بها للمشهود عليه".
الفرع الثاني: في رجوع بعضهم عن الشهادة، أو عن بعضها.
"قال ابن القاسم وعبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ، في شاهدين قضي بشهادتهما في حق، ثم رجع أحدهما: فإنه يغرم نصف الحق.
قال محمد: ولو رجع أحدهما عن نصف ما شهد به لغرم ربع الحق، وإن رجع عن الثلث غرم لسدس.
ولو رجعا جميعًا كان الحق عليهما نصفين.
فإن اختلف رجوعهما لزم كل واحد غرم [نصف] ما رجع عنه، لأنه هو الذي أتلف".
الفرع الثالث: في رجوع بعضهم مع ثبات من يستقل بهم الحق.
وإذا كانت البينة ثلاثة فقضي بها ثم رجع أحدهم، فقال محمد: لا يغرم شيء الاستقلال الحق بمن بقي، فإن رجع ثان غرما نصف الحق.
"وقال محمد بن عبد الحكم: بل يغرم الراجع أولاً ثلث الحق.
ثم حكى عن أشهب أنه قال: لو شهد أربعة بدراهم، ثم رجع منهم ثلاثة لغرموا ثلاثة أرباع الدراهم.
وقال محمد في ثلاثة شهدوا بثلاثين دينار فقضي بها، ثم رجع أحدهم عن الثلثين، ورجع آخر عن عشرين منها، ورجع ثالث عن عشرة منها: فعشرة على الجميع غرمها أثلاثًا، وعشرة لا يغرم أحد منها شيء الاستقلال ثبوتها بشاهدين، وهذا على القول الأول بأن الراجح لا يغرم إذا بقي ممن شهد معه من يثبت معها لحق، وتبقى عشرة على الأولين منها خمسة بينهما نصفين، ولا شيء على الثالث منها.
الفرع الرابع: "في رجوع بعض البينة المشتملة على جنسي الرجال والنساء، وكيفية توزيع الغرامة.
وإذا حكم لرجل ونساء، ثم رجع الجميع، فعلى الرجل نصف الحق، وعلى جماعة النساء نصفه بينهن بالسوية، ولو رجعن وحدهن لكان عليهن النصف.
ولو كن عشرًا فرجع منهن واحدة إلى ثمان فلا شيء عليهن، فإن رجع منهن تسع، أو رجع ثمان ثم رجعت واحدة بعدهن، فعلى التسع ربع المال بينهم بالسوية، لانه بقي من أحيى ثلاثة أرباع الحق، وذلك في كل ما تجوز فيه شهادتهن مع الرجال".
فأما ما ينفردن به ويقبلن فيه منفردات عن الرجال، فكل امرأة منهن كرجل، فلو شهد
رجل وعشر نسوة على رضاع، ثم رجع الكل بعد الحكم، فعلى الرجل سدس ما يجب من الغرامة عما أتلفت الشهادة، وعلى كل امرأة نصف سدس إذ لا يتوقف الشرط على الرجل.
لو رجع الكل إلا امرأتين لم يجب غرم على القول باعتبار ثبات من يستقل به الحق.
ولو رجع الكل إلا واحدة وزع نصف الحق على جميع من رجع.
الفرع الخامس: في طلب المشهود عليه من الشهود ألزم غرمه بشهادتهما قبل أن يغرمه.
"قال في كتاب محمد: إذا حكم بشهادتهما ثم رجعا، فهرب المقضي عليه قبل الأداء، فطلب المقضي له أن يأخذ الشاهدين بما كانت يغرمان لغريمه لو غرم له، قال: لا يلزمهما غرم حتى يغرم المقضي عليه فيغرمان له حينئذ، وإن أقر بتعمد الزور.
وقال محمد بن عبد الحكم: للمقضي عليه أن يطلب الشاهدين بالمال حتى يدفعاه عنه إلى المقضي له، ثم قال: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: لا يحكم على الشاهدين حتى يؤدي المقضي عليه، وفي هذا تعرض لبيع داره وإتلاف ماله واللذان أوجبا عليه ذلك قيام، أرأيت لو حبسه القاضي في ذلك أيترك محبوسًا ولا يغرم الشاهدان بل يؤخذان بذلك حتى يخلصاه، فإن لم يفعلا حبسا معه، ولو شهد عليه بمائة دينار فحكم عليه بها وضرب له الإمام فيها أجلا عشرة أيام أو أكثر أو أقل، ثم رجعا قبل تمام الأجل، فإنهما يغرمان ذلك الآن للمقتضي له ويبرئ المطلوب".
خاتمة الكتاب: يذكر اطلاع القاضي بعد الحكم على خلل في الشهود.
وإذا حكم بشهادة اثنين ثم ظهر أن أحدهما عبد أو ذمي أو مولى عليه، فعلى المقضي له بالمال رده على المحكوم عليه، إلا أن يحلف مع الشاهد الباقي فيتم له ما أخذ، فإن نكل حلف المحكوم علين، إن شاء، وأخذ ماله، فإن نكل فلا شيء له.
قال سحنون: والحكم ههنا ينتقض، بخلاف رجوع البينة، وبخلاف أن يظهر أن أحدهخم مسخوط، وبهذا قال أشهب.
قال محمد: ولا أعلم إلا وقد قاله لي عبد الملك.
وقال ابن القاسم: ينقض الحكم كما لو كان عبدًا أو ذميًا.
وذكر الشيخ أبو محمد اختلافاً في قبول شهادة المولى عليه لسوء نظره في المال لا لجرحة فيه.
"قال سحنون: وإن كان الحكم في قصاص في قتل أو قطع يد، فإن حلف المقضي له بالقصاص في اليد مع (شاهده الباقي)، أو حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يمينًا قسامة تم له الحكم الأول، وإن نكل عن القصا في اليد، ولم يعلم بأن شاهده
عبد لظاهر حريته، فليحلف المقتص منه في اليد أن ما شهد عليه به باطل.
وإذا (نكل) المقضي له بالقتل عن القسامة، فالنكول في مثل هذا ترد به الشهادة وينقض به الحكم.
ثم قال بعض أصحابنا: لا ضمان على الحاكم وهو لم يخطئ، وقد اجتهد وفعل ما عليه من العمل على ما ظهر إليه ولا ضمان على المحكوم له بالقصاص لأنه لم يأخذ ثمنًا فيرده، وغرم ذلك على الشاهدين إن كانا جهلاً رد شهادتهما عنه بأن أحدهما عبد أو ذمي.
وقال بعضهم: إن ذلك على عاقلة الإمام.
وقيل: إن ذلك هدر، لا على الإمام ولا على البينة ولا على المحكوم له، وإنما خطأ الإمام الذي يكون على عاقلته ما جاوز ثلث الدية منه ما يخطئ به في نفس الحكم، مثل أن يقتل أو يقص من لا يجب ذلك عليه، أو يجيز شهادة العبد والذمي والمولى عليه، وهو يرى أن ذلك يجوز، أو يقطع من سرق من غير حرز، أو من سرق ثمرًا أو كثرًا.
وأما يظهر له ما لم يعلمه، وما بالغ فيه في الإعذار والاجتهاد، فهذا الذي عليه.
وكذلك لو حكم بالرجم في الزنى، ثم ظهر أن أحد الشهود عبد أو ذمي أو مولى عليه، فالحكم زائل، كأنه لم يكن، ويجلدون للقذف.
وقال بعض أصحابنا: الغرم على الحاكم إن كان الشهود لم يعلموا أن الذين شهدوا معهم كما ظهر من أمرهم، وإن كانوا يعلمون ذلك فعليهم الغرم.
وقال بعضهم: لا شيء عليهم ولا على الحاكم، جهلوا من معهم، أو كانوا عرفوا بهم وجهلوا أن شهادتهم لا تجوز، فأما لو علموا بهم وعلموا أنهم لا تجوز شهادتهم فهم ضامنون للدية".