كتاب العرايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن شاس
- الكتاب
- عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة
- المؤلف
- أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي (المتوفى: 616هـ)دراسة وتحقيق: أ. د. حميد بن محمد لحمر
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1423 هـ - 2003 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقد استثنى عنها العرايا.
ووجه استثنائها وبيان محل الرخصة يتضح بالنظر في حقيقتها وقدرها ومحلها وكيفية بيعها وعلتها.
فأما حقيقتها، فقال القاضي أبو محمد: ((هي أن يهب الرجل ثمرة (نخلة) أو نخلات من حائطه)).
قال القاضي أبو الوليد: ((وهذا الحد إنما يجري على مذهب أشهب وابن حبيب، دون مذهب ابن القاسم)).
وسنبين وجه ما ذكره عند الكلام على الزكاة والسقي:
وأما قدرها، فلا يزاد على خمسة أوسق.
وفي الخمسة روايتان:
رواية المصريين: الجواز.
وروى القاضي أبو الفرج تخصيص بما دون خمسة أوسق.
وسبب الخلاف: شك الراوي.
ففي المشهور: جعل الخرص أصلاً إلا في محل تيقناً فيه المنع.
وفي رواية أبي الفرج: بقاء على أصل المنع، حتى يتيقن النقل عنه.
وإذا تقرر المنع فيما زاد عليها، فلو تعدد المشتري أو البائع لجاز، وإن اتحد الشق الآخر، فإن اتحدا وتعددت الحوائط وقد أعراه من كل حائط قدر العرية، فقال الشيخ أبو محمد: ((هي كالحائط الواحد لا يشتري من جميعها أكثر من خمسة أوسق)).
وتابعه على ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن.
وقال الشيخ أبو الحسن: يجوز أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق.
وقال أبو القاسم بن الكاتب: إن كانت العرايا بلفظ واحد فهي كالحائط الواحد، وإن كانت بألفاظ في أزمان متغايرة، فيجوز أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق.
وأما محلها من الثمار فالنخل والعنب محل ورودها.
واختلفت الرواية في القصر عليها أو التعدية.
والرواية المشهورة تعديتها إلى ما ييبس ويدخر من الثمار.
وجعلوا ذلك علة الحكم في محل النص، وناطوا الحكم به وجوداً وعدماً، حتى قالوا: لو كان البسر مما لا يتمر و (العنب) مما لا يصير زبيباً لم يجز (اشتراء) العرية منه بخرصها، بل تخرج عن محل الرخصة لعدم العلة.
وأما كيفية بيعها، فبيعها جائز بالدنانير و (الدراهم) والعروض ونحو ذلك من المعري وغيره، كانت قليلة أو كثيرة، مما ييبس ويدخر، أو مما لا ييبس ولا يدخر.
وإنما محل الرخصة في بيعها مما يختص به المعري أو من ينزل منزلته في ملك بقية ثمن الحائط، ببيع أو هبة أو ميراث من شرائها ممن أعراها أو ممن انتقلت إليه عنه بأحد الأوجه المذكورة بخرصها من جنسها (يقبضها) عند الجداد، فهذا محل الرخصة في بيعها.
وأما علة الرخصة، فقال ابن الماجشون: هي رفع الضرر عن المعري بدخول المعري الحائط وتكراره إليه لأجلها.
وقال غيره: العلة قصد المعروف والإحسان.
وعلل مالك وابن القاسم بهما جميعاً.
ويتخرج على تحقيق العلة فروع:
الأول: شراء المعري بعض العرية.
الثاني: شراء العرية وإن كانت جملة الحائط، إذا لم تتجاوز جملته خمسة أوسق.
الثالث: إذا أعرى جماعة شركاء في حائط عرية؛ فهل يجوز لأحدهم أن يشتري من المعري ما يخصه من العرية أم لا؟
فابن الماجشون يمنع في هذه الفروع أن يشتري العرية بخرصها، ويراها خارجة عن محل الرهصة.
وغيره يجيز ذلك.
فرعان: الأول: في حوز العرية.
ولما كانت عطية تبطل بموت المعطي قبل حوزها، افتقر إلى بيان الحوز فيها.
(وقد روى ابن حبيب: ((أن الحوز فيها إنما يتم باجتماع أمرين: أن يكون فيها ثمرة، وأن يقبضها، لا يتم الحوز إلا بمجموعها)).
وقال أشهب في كتاب محمد: ((إن الحوز يتم بأحد أمرين: الإبار أو تسليم الرقبة)).
الفرع الثاني: في الزكاة والسقي.
وقد اختلف فيهما، (فقال ابن حبيب: زكاة العرية والهبة وسقيهما على المعطي.
وقال غيره: بل على المعطى.
وقال سحنون: بل على من كانت الأصول بيده.
وفرق ابن القاسم بين العرية والهبة، فجعلها في العرية على المعري، وفي الهبة على الموهوب له).
وإلى هذا أشار القاضي أبو الوليد عند ذكره لحد العرية.
قال: ((ومعنى العرية عنده أن يعطيه الثمرة على وجه مخصوص، وهي أن يكون على المعري ما يلزمها إلى وقت بدو صلاحها، وهو وقت يمكن الانتفاع بها.
وإطلاق الهبة عنده لا يقتضي هذا وإنما يقتضي أن ذلك يلزم الموهوب له من يوم الهبة، ففرق في ذلك بين الهبة والعرية.
ولذلك قال عن مالك: إن زكاة العرية على المعري، وزكاة الثمار الموهوبة على الموهوب له.
(وقال: فرق) مالك بينهما في الزكاة والسقي.
وقال أشهب: زكاة العرية على المعري كالهبة، إلا أن يعريه بعد الزهو)).
قال القاضي أبو الوليد: ((ويلزمه مثل ذلك في السقي، قال: وقد قال محمد: إنه لا خلاف بينهم أن السقي على المعري.
ولعله أراد أنه لم ير لهم خلافاً ولا رأى فيها وفاقاً)).
وسبب الخلاف: النظر إلى هاتين العبارتين: هل هما مشعرتان عرفا بالتزام ذلك.
فيلزمان المعطي كما قال ابن حبيب، أو هما غير مشعرتين بذلك، فيرجع إلى الأصل في عدم الالتزام كما قال الثاني، أو يختص لفظ العرية بالإشعار بذلك دون لفظ الهبة، فيفترق الحكم فيهما كما قال ابن القاسم؟.
وأما سحنون فرأى أن متولي القيام هو المخاطب بالزكاة لأنه لما وليها مع علمه بوجوب الزكاة فيها، فكأنه التزمها، ويخرج على هذا الخلاف حكم ما إذا كانت العرية جملة ثمر حائط.
فإن قلنا: إنها على المعري، أخرج من الحائط.
وإن قلنا: إنها على المعري، أخرج من غيره، لأن ثمرته استحقت بالعطية.
وكذلك لو كانت العرية دون خمسة أوسق، فإنه يراعى في وجوب الزكاة فيها كمال النصاب من غيرها في ملك من أوجبنا الزكاة عليه منهما.
هذا تمام الكلام على جواز بيع الثمار.