كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن شاس
- الكتاب
- عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة
- المؤلف
- أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي (المتوفى: 616هـ)دراسة وتحقيق: أ. د. حميد بن محمد لحمر
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1423 هـ - 2003 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لعامة المسلمين، وخمسه في وجه الخمس.
الثالث: (أرض الصلح، قال ابن القاسم والمغيرة: ما وجد فيها فهو لأهل الصلح دون واجده.
قال القاضي أبو الوليد: " وهذا إذا كان واجده من غير أهل الصلح، فإن كان منهم، فقد قال ابن القاسم: هول له، وقال غيره: بل هو لجملة أهل الصلح، وقال أشهب: إن علم أنه من أموال أهل الصلح كان لهم، وكان حكمه حكم اللقطة تعرف، فمن ادعاها منهم أقسم على ذلك في كنسيته، وسلمت إليه اللقطة.
وإن علمت أنها ليست من أموالهم، ولا من أموال من ورثوه، فهو لمن وجده، يخرج خمسه).
الرابع: (فيافي المسلمين، وما وجد في فيافي العرب والصحاري التي لم تفتح عنوة، ولا أسلم أهلها عليها، فهو لمن وجده، ويخرج خمس.
وقال مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ: ما وجد من الركاز فهو لواجده، وعليه فيه الخمس، كان في أرض العرب أو أرض عنوة أو صلح).
فروع: (لو وجد الركاز في موضع جهل حكمنه، فقال سحنون في العتبية: " هو لمن أصابه ". يريد، ويخمسه، ولو وجده عبده أو ذمي).
فقال المغيرة: في كل ما وجد من الركاز من العين وغيره الخمس، وجده حر أو عبد أو ذمي، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، وقاله ابن نافع، وكذلك قال الشيخ أبو إسحاق.
ومصرف الخميس إلى الإمام العدل.
قال القاضي أبو الوليد: " وقد روى عيسى عن ابن القاسم عن مالك في مختصر ابن شعبان: إذا كان الإمام جائرا، يخرج الواجد له خمسه، فتصدق به، ولا يدفعه إلى من يعبث فيه، وكذلك ما فضل من المال عن أهل المواريث، ولا أعرف اليوم بيت مال، وإنما هو بيت ظلم، وكذلك العشر "، انتهى كلامه.
وما لفظه البحر ولم يتقدم عليه ملك لأحد، فهو لواجده، ولا خمس فيه.
وإن تقدم عليه مالك لمعصوم، فهل يكون لواجده، لأنه في حكم المستهلك، أم مالكه؟ فيه خلاف.
وكذلك ما ترك بمضعية في البر أو البحر، وعجز عنه ربه، ومر تاركات له.
وقال القاضي أبو بكر: " إذا ترك الحيوان أهله بمضعية فقام عليه إنسان حتى أحياه، ففيه روايتان، إحداهما: أنه له ".، قال: " وهو الصحيح، لأنه لم تركه لغيره بقوله بقبضه، كان له، فكذلك إذا تركه بفعله.
قال: أما لو كان بغير اختياره، كعطب البحر، والسلب، فهو لصاحبه، وعليه لجالبه كراء مؤنته ".
النوع السادس: زكاة الفطر.
وهي واجبة، واجبة، وحكى الشيخ أبو الطاهر قولان " بأنها سنة ". وقال القاضي أبو بكر: " عن مالك روايتان: إحداهما محتملة، والأخرى، قال: " زكاة الفطر فرض، وبذلك قال فقهاء الأمصار ".
وتجب بغروب الشمس ليلة العيد في رواية، وبطلوع الفجر يومه في أرى، وبها قال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون.
قال القاضي أبو بكر: " وهو الصحيح، بعد أن أشار إلى أن سبب الخلاف: أن الفطر الذي أضيفت إليه هل هو عند غروب الشمس من آخر رمضان، أو هو الفطر الذي يتعين بعد رمضان؟ وتجب بطلوع الشمس منه في قول جماعة من الأصحاب.
وفي آخر تجب بغروب الشمس ليلة الفطر وجوبا موسعا، آخره غروب الشمس من يوم الفطر ".
وسبب الخلاف: النظر إلى كونها طهرة الصائم من الرفث، أو إلى إضافتها إلى اليوم.
ويلتفت في هذا على الخلاف في الزمن الذي بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، أو النظر إلى مجموع ما ذكر؟ وفائدته: وجوب الزكاة وسقوطها في حق المولود والمشتري والميت في هذه
الأوقات، وكذلك المعتق والمطلقة ومن أسلم).
ثم النظر في أظراف:
الطرف الأول: في المؤدى عنه.
وكل من وجبت نفقته بسبب ملك أو قرابة أو زوجية، وجبت على المنفق زكاة الفطر عنه، ويستثني عن ذلك الكافر والباين الحامل.
وقال ابن أشرس: لا تجب عن الزوجة، واختلف في مسائل.
الأولى: من بعضه رقيق وباقيه، حر، (فروى ابن القاسم: إن على المالك بقدر نصيبه، ولا شيء على العبد).
(وروى مطرف وابن الماجشون: أن جميع زكاة الفطر على المالك).
وروى ابن حبيب عن أشهب: أنها عليهما.
وأما المشترك بين اثنين، فقيل: يخرج كل واحد عنه نصف صاع.
وروى ابن الماجشون: إن كل واد منها يخرج صاعا كاملا، وروى ابن القاسم: أن على كل واحد بقدر نصيبه فيه من الأرض رق، ولو كان بين حر وعبد، فعلى الحر نصف زكاته فقط، وقال مطرف وابن الماجشون: عليه الزكاة تامة.
الثانية: أن يكون في العبد عقد حرية، فإن الزكاة واجبة على من هو محبوس بسببه، إلا المكاتب ففيه روايتان، سببهما: اعتبار النفقة، وهي عليه، أو النظر إلى مرجع الرقبة، وهو للسيد.
الثالثة: العبيد تشتري للقراض، فالزكاة عنهم على رب المال، ولا يخرج ذلك من مال القراض، بل من غيره، وقال أشهب: إذا بيعوا نظر إلى الفضل، فإن كان ربع المال أو ثلثه، فقد صار للعامل ثمن المال أو سدسه إذا كان قراضهم على النصف، فعليه من الزكاة بقدر ما صار له من العبيد؛ لأنه قد كان له شريكا يؤمئذ.
قال ابن حبيب: فعلى قول أشهب: تؤخذ الزكاة مما بيد المقارض، فإذا تفاصلا نظر إلى الربح، ثم تكون الزكاة على ما ذكر.
قال ابن المواز: قول ابن القاسم في ذلك هو الصواب، لأن الزكاة ها هنا على الأبدان، لا على المال، والزكاة تجب قبل تمييز العامل حقه، ولا يصير له حتى يقبضه.
ومنشأ الخلاف، النظر إلى العامل هل مالك قبل انضاض المال أم لا؟ وقد أشار إلى ذلك أشهب وابن المواز.
الرابعة: الموصي برقبته لرجل، وبخدمته لآخر.
قال ابن القاسم في الكتاب: " الزكاة على الموصى له بالرقبة إذا قبل ذلك، كما لو أخدمه سيده رجلا، فإن الزكاة على السيد ".
وقال ابن المواز عنه: هي على المخدم، لأنه المنتفع ناجزا، لا على من أوصى له بمرجع الرقبة كالنفقة.
وقيل: إن طال زمان الخدمة، فالزكاة على المخدم، وإن قصر، فهي على مالك الرقبة.
وتجب في كل واحد من المغضوب والآبق الزكاة، إذا كانت غيبته قريبة.
وهو ترجى حياته ورجعته، فإن بعدت غيبيته ويئس منه، سقطت الزكاة عن سيده فيه.
الطرف الثاني: في صفة المؤدي:
وهي: الإسلام، الحرية، واليسار، فلا زكاة على كافر ولا رقيق ولا معسر، وهو الذي لا يفضل له عن قوت يومه صاع، ولا وجد من يسلفه إياه.
وقيل: هو الذي يجحف به في معاشه إخراجها، وقيل: من يحل له أخذها.
ثم قيل فيمن يحل له أخذها: إنه الذي يحل له أخذ الزكاة، وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها في يومه ذلك.
وعلى الأول يجوز أو يعطى لإنسان واد أكثر من صدقة إنسان واد، هو المشهور.
وعلى الثاني لا يعطى أكثر من ذلك.
وروى مطرف: أنه استحب لمن تولى تفرقة زكاته أن يعطي كل مسكين ما أخرج عن إنسان من أهله من غير إيجاب، وله إخراج ذلك على ما يحضره بالاجتهاد.
قال في كتاب ابن المواز: ولو أعطى زكاة نفسه وحده مساكين لم يكن به بأس.
وفي وجوبها على من له عبد لا يملك غيره، وعلى من عليه دين، خلاف.
الطرف الثالث: في الواجب.
والنظر في جنسه وصفته وقدره.
فجنسه القوت، قال في الكتاب: " تؤدى من القمح والشعير والسلت والذرة والأرز والدخن والزبيب والتمر والأقط ". وكذلك في كتاب محمد من رواية ابن القاسم وزاد ابن حبيب العلس، واختلف فيما عدا ذلك.
فأما القطنية إذا كانت عيش أهل الموضع، ففي إجزائها روايتان: الإجزاء في مختصر ابن عبد الحكم، ونفيه في الكتاب.
وإما التين، فقال مالك في الكتاب: " لا يجزيه "، وكذلك في المختصر، وترجح فيه في المستخرجة ".
وأما الدقيق، فقال مالك: " لا يجزي إخراجه ". وقال ابن حبيب: إنما ذلك للربع، فإذا أخرج منه بمقدار ما يريع القمح أجزأه، وقاله أصبغ.
وأما السويق، فقال محمد: لا يخرج من السويق، وإن كان عيش قوم.
وقال ابن القاسم: " يخرج منه ".
وقال أشهب: لا يتعدى بها الأربعة التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، إلا أن الشعير يدخل معه القمح والسلت، لأنهما من جنس واحد.
ورأى القاضي أبو بكر " أن تخرج من عيش كل أمة، من اللبن لبنا، ومن اللحم لحما، ولو أكلوا ما أكلوا، فمساكينهم أشراكهم، لا يتكلفون لهم ما ليس عندهم، ولا يحرمونهم ما بأيديهم "، قال: " وغير ذلك فلا أدري ما هو "، والله أعلم.
وصفته: غالب عيش البلد من ذلك، وقال أشهب: يراعى عيشه وعش عياله، إذا لم يشح على نفسه وعليهم.
واختاره القاضي أبو بكر.
وقدره: صاع من كل صنف من هذه الأصناف، وقيل: يجزيه في البر خاصة نصف صاع، وروى أشهب: قيل لمالك: أيؤدي الرجل الفطر بالمد الأكبر؟ قال: لا، بل بمد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن أراد أن يفعل خيرا، فليفعله على حدته.
خاتمة في قسم الصدقات
، وفيه بابان:
الأول: في بيان الأصناف الثمانية
.
الصنف الأول: الفقير: الذي يملك الشيء اليسير الذي لا يكفيه لعيشه، واختلف إذا كان بيده نصاب لا يقوم به وبعياله لكثرتهم، هل له أخذ الزكاة مع ملكه له أم لا؟ فروى ابن المواز: أن له ذلك.
وروى المغيرة ما ي دل على مرعاة النصاب، فلا تدفع الزكاة لمالكه، ولا يشترط فيه عدم القدرة على الكسب.
وقيل: يشترط، ولا يشترط الزمانة ولا التعفف عن السؤال في استحقاق هذا السهم.
المكفي بنقية أبيه لا يعطى، ولا يجوز للأب إعطاؤه، لأنه يدفع النفقة عن نفسه، والمكفية بنفقة زوجها لا تعطى، لأن نفقتها كالعوض، ولا تعطي هي زوجها عند ابن القاسم.
وقال أشهب: أكره ذلك، فإن فعلته ولم يرد ذلك عليها فيما يلزمه من مؤونتها أجزأها، وإن رده إليها فيما يلزمه لم يجزئها.
الثاني: المسكين، وهو أحوج من الفقير، وهو الذي لا شيء له جملة.
وحكى عبد الجليل الصابوني عن على بن زياد رواية، أنهما سواء، ثم قال: فعلى هذا تكون الأصناف التي توضع فيها الزكاة سبعة.
الثالث: العامل على الزكاة، كالساعي والكاتب والقسام والحاشر، وغيرهم.
أما الإمام والقاضي والفقيه والقارئ فرزقهم في مال بيت المال، من خراج وخمس وعشر، وغير ذلك.
الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام، فكانوا يتألفون بدفع سهم من الصدقة إليهم، لينكف غيرهم بانكفافهم وإسلامهم، وقد أغنى الله تعالى في هذا الوقت عنهم، فلا سهم لهم.
قال القاضي أبو محمد: " وإن دعت الحاجة إليهم في بعض الأوقات، جاز أن يرد سهمهم ".
وقال القاضي أبو بكر: " الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم، كما قال يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
قال بعض المتأخرين: " اختلف في صفتهم، فقيل: هم صنف من الكفار، يعطون ليتألفوا على الإسلام، وكانوا لا يسلمون بالقهر والسيف، لكن يسلمون بالعطاء والإحسان.
وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن قلوبهم فيعطون ليتمكن الإسلام في صدورهم، وقيل: هم قوم من عظماء المشركين أسلموا، ولهم أتباع يعطون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام.
قال: " وهذه الأقوال متقاربة المعنى، والقصد بجميعها الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء، فكأنه ضرب من الجهاد ".
فالمشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع بإقامة البرهان، وصنف بالقهر، وصنف بالإحسان.
والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببا لنجاته وتخليصه من الكفر).
الخامس: الرقاب، وهو فك الرقاب، بأن يبتاعها الإمام من مال الصدقات، فيعتقها عن المسلمين، ويكون الولاء لجميعهم.
قال محمد عن ابن القاسم: ولا يجزي إلا ما يجري في الرقاب الواجبة.
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يعتق أعمى أو أعرج أو مقعد.
وقال ابن وهب: وفي الرقاب، قال: المكاتبين.
وقال مطرف: لا بأس أن يعطي من زكاته المكاتب ما يتم به عتقه، أو في قطاعه مدبر ما يعتق به، وهما لا يعتقان في الرقاب الواجبة.
فرع: لو اشترى من زكاته رقبة (أعتقها) ليكون الولاء له، فهل تجزيه عن زكاته؛ لأنه بمنزلة من أمر غيره بعتق رقبة، أو ذبح أضحية له، فأنفذ ذلك عن نفسه، أو لا يجزيه لأنه استمسك بها حين أبقى الولاء له؟ قولان أشهب وابن القاسم.
ولا يفك الأسير من زكاة ماله، فإن فعل لم تجزئه، قاله ابن القاسم.
وقال ابن حبيب: بل تجزيه، لأنها رقبة قد ملكت بملك الرق، فهي تخرج من رق إلى عتق، فكان ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب التي بأيدينا.
السادس: الغرام وهو من أدان في غير سفه ولا فساد، ولا يجدون وفاء، أو تكون معهم أموال (هي) بإزاء ديونهم، فيعطون ما يقضون به ديونهم وإن كانت لهم أموال، لأن أموالهم ديون عليهم، فإن لم تكن لهم أموال وكانت عليهم ديون، فهم فقراء وغارمون،
فيعطون بالوصفين، الفقر إذ لا مال لهم، وبالغرم لأن عليهم ديونا، في غير سفه.
وفي الصرف إلى أن من أدان في سفه، ثم نزع عنه، وإلى من دينه لله كالكفارات والزكوات التي فرط فيها، خلاف.
فرع: قال القاضي أبو الوليد: " ويجب أن يكون هذا الغارم ممن ينجبر حاله بأخذ الزكاة، ويتغير بتركها، وذلك بأن تكون له أصول يستغلها ويعتمد عليها، (فيركبه (دين) يلجئه) إلى بيعها، ويعلم أنه إذا باعها خرج عن حاله، فهذا يؤدي دينه من الزكاة ". قال: " وأما من كان على حالة من الابتذال والسعي، فأراد أن يتدين بأموال الناس ليكون منها دين في ذمته، فيكون غارما ما يؤدي عنه من الزكاة، فلا يجوز ذلك.
ولأن الغرم عن هذا لا يغير حاله ولا يضطره منعه إلى الخروج عن عادته، قال: وللخروج عن الهادات تأثير في إسقاط العبادات، كالاستطاعة في الحج ".
السابع: سبيل الله، والمراد به الجهاد دون الحج، يدفع من الصدقة إلى المجاهدين ما ينفقونه في غزوهم، أغنياء كانوا أو فقراء، ويشتري الإمام من بعض الصدقة خيلا وسلاحا، وينفذه لمن يغزو به.
الثامن: ابن السبيل، وهو الغيب المنقطع به عن الوصول إلى بلده، أو استدامة سفره، وإن كان غنيا ببلده، ولا يلزمه أن يشغل ذمته بالسلف،؛ إذ لعله لا يقدر على إبرائها، وقيل: إذا قدر على التسلف، فلا يعطى.
وفي جواز الأخذ وإن كان معه ما يغنيه لكونه ابن سبيل روايتان: المشهورة أنه لا يعطى، ثم ما أخذ فلا يلزمه رده إلى معطيه إذا صار إلى بلده، ولا إخراجه في وجوه الصدقة.
فهؤلاء المستحقون بشرط أن لا يكون الموصوف بصفة من هذه الصفات كافرا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ذكر في قسم المؤلفة قلوبهم، ولا يكون من أقارب المزكي الذي تجب عليه نفقتهم.
وإن كانوا من لا تلزمه نفقتهم، لكنهم في عياله، قد روى مطرف: لا ينبغي أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد أساء، ولا يضمن إن لم يقطع عن نفسه بذلك الإنفاق عليهم.
وقال ابن حبيب: فإن قطع بذلك الإنفاق عليهم عن نفسه فلا تجزيه، لأنه انتفع بزكاة ماله، حيث قطع بها عن نفسه نفقة من كان التزم الإنفاق عليه والقيام به وظهور الإحسان إليه، ثم استعان على ذلك
ويشترط خروجهم عن آل الرسول صلى الله عليه وسلم، قال القاضي أبو الوليد: " وذكر القاضي أبو الحسن: إن من أصحابنا من قال: تحل لهم الصدقات الواجبة، ولا يحل لهم التطوع؛ لأن المنة قد تقع فيها.
ومنهم من قال: يحل لهم التطوع دون الفرض ". قال: " وكان شيخا رحمه الله، يريد الشيخ أبا بكر الأبهري، يقول: قد حلت لهم الصدقات كلها، فرضها ونفلها ". قال القاضي أبو الوليد: " وما ذكره من إباحة صدقة التطوع لهم دون الفرض، هو (رواية أصبغ عن ابن القاسم في العتبية) ".
وإذا قلنا بأنهم لا يعطون، فمن هم؟ لا خلاف في عد بني هاشم، وعدم عد من فوق غالب، وفي عد من بينهما خلاف، عدهم أشهب، واقتصر ابن القاسم على بنى هاشم.
واختلف أيضا في إعطاء مواليهم منها، فأجازه ابن القاسم، ومنعه مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ وابن حبيب.
" قال اصبغ: احتججت على ابن القاسم بالحديث: " مولى القوم منهم "، فقال: قد جاء حديث: " ابن أخت القوم منهم ". وإنما تفسير مولى القوم منهم، في الحرمة والبر منهم به، كما يفسر الحديث: " أنت ومالك لأبيك "، يريد في البر والطواعية، لا في القضاء واللزوم ".
الباب
الثاني: في كيفية الصرف إليهم
: وفيه مسائل: الأولى: فيما نعرف به هذه الصفات: أما الخفي، كالفقر والمسكنة، فمن ادعاه صدق، ما لم يشهد ظاهره بخلاف ذلك، أو (يكون) من أهل الموضع، ويمكن الكشف عنه، فيكشف عنه، وإلا صدق، وكذلك إن كان طارئا.
وأما الجلي، فالغازي معلوم بفعله وكونه فيه، ولو أعطي بقوله، فلم يحقق الموعود، استرد.
وأما الغارم، فيطالب بالبينة على الدين، وعلى العسر إن كان عن مبايعة، إلا إذا كان عن طعام أكله.
والمؤلف قبله ظاهر.
والمدعي أنه ابن سبيل يعطى إذا كان على هيئة الفقراء، ويكتفى بقرينة حاله.
الثانية: في قدر المعطى.
فالغارم يعطى على قدر دينه، والفقير والمسكين يعيطان كفايتهما وكفاية عيالهما.
وفي جواز إعطاء النصاب، وإعطاء من يملكه خلاف.
وروى علي وابن نافع: ليس في ذلك حد، وإنما هو على اجتهاد المتولي، وقد تقل المساكين وتكثر الصدقة، فيعطى الفقير قوت سنة، وروى المغيرة: يعطى دون النصاب ولا يبلغه.
والمسافر يعطى قدر ما ي بلغه إلى المقصد، أو إلى الموضع ماله.
والغازي يعطى ما يقوم به في حال الغزو.
والمؤلفة قلوبهم يعطون ما يراه الإمام والعامل يعطى أجر مثله.
ولا يعتبر الثمن في العامل ولا ف غيره من الأصناف، بل قسمتها على الاجتهاد من الإمام، وعلى قدر ما يراه من الحاجة، زاد على الثمن أو نقص عنه، استغرق جميع الأصناف أو بعضها أو صنفا واحدا أو بعضه، اعتبارا لجملة الأصناف بواحدها، إذ اللام لبيان المصرف لا للتمليك.
فرعان:
الأول: من اجتمعت فيه صفتان استحق سهمين، وقال القاضي أبو الحسن: " لا يعطى سهمين، بل يعطيه الإمام على الاجتهاد، وكذلك المتولي زكاة ماله ".
الفرع الثاني: في صفة الإعطاء.
وهي أن يخرج المتصدق الصدقة من يده، ولا يحبسها عنده، ويجريها على من تصدق بها عليه، رواه المغيرة.
المسألة الثالثة: نقل الصدقة عن موضع وجوبها غير جائز، وهو البلد الذي فليه المال
المالك والمستحقون للزكاة، فإن نقلها أو دفعها إلى فقراء غير بلده، كره ذلك له وأجزأ عنه.
وقال سحنون: " لا يجزيه ".
ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة، جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة بغيره إليه.
وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول، فتفرق الصدقة عنده؛ إذ هو سبب الوجوب، أو مكان المالك، إذ هو المخاطب بها فيخرجها حيث هو؟ في ذلك قولان.
وأما صدقة الفطر، فإنما ينظر فيها إلى موضع المالك فقط.
فرع: حيث قلنا: تنقل الزكاة، فروى ابن القاسم: " أن الإمام يتكارى عليها من الفيء ". وقال ابن القاسم: " لا يتكارى عليها، ولكن يبيع ذلك، ثم يشتري مثله (بالموضع) ". وفي " العتبية عن مالك فيمن وجبت عليه صدقة ماله وهو بموضع ليس فيه مساكين: أنه يحمله إلى المساكين، ويكري من عنده حتى يبلغه ".
الرابعة: إذا كان الوالي يعدل في الأخذ والصرف، لم يسع المالك أن يتولى الصرف بنفسه في الناض ولا في غير ذلك، بل يرفع زكاة الناض إلى الإمام.
وأما زكاة الحرث والماشية، فيبعث الإمام في ذلك.
وقيل: زكاة الناض إلى أربابه.
وقال ابن الماجشون: ذلك إذا كان المصرف الفقراء والمساكين خاصة، فإن احتيج إلى صرفها لغيرهما من الأصناف لأداء الاجتهاد إلى ذلك، فلا يفرق عليهم إلا الإمام.
ثم حيث قلنا: للمالك أن يفرقها، فالأفضل له أن يوليها غيره ليسلم من الحمد، إلا أن لا يكون عارفا بمصارفها، فيتعين عليه رد أمرها إلى غيره.
ولو كان الإمام جائرا لم يجز دفعها إليه، لا عن الظاهر ولا عن الباطن، فإن دفعها إليه اختيارا لم تجزئ عنه إذا كان يجوز في صرفها.
وإن أخذها جبرا، فإن عدل في صرفها أجزأت عنه، وإن لم يعدل فيه، ففي إجزائها عنه قولان، منشؤهما: الخلاف في نفوذ قسمة الغاصب.
ثم الإمام إذا نصب ساعيا فليكن جامعا لشرائط الولاية، ومن شرائطها أن يكون عارفا بأبواب الزكوات، ففيها فيها، وينبغي له أن يسم الصدقات.
الخامسة: صدقة التطوع.
وفي تحريمها على آل الرسول صلى الله عليه وسلم قولان كما تقدم، وصرفها سرا، وإلى الأقارب والجيران أفصل، والاستحباب في شهر رمضان آكد.
هذا آخر كتاب الزكاة، وقد رأيت أن أضيف إليه فصلا يتعلق به.
فصل:
قد تقدم في هذا الكتاب ذكر اعتبار المقادير بالكيل والوزن، ووقفت من تحريرهما على ما رأيت أن أثبته ها هنا رجاء النفع، وهو ما خرج النسائي بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المكيال على مكيال أهل المدينة، والوزن على وزن أهل مكة».
وخرج أبو داود عن أحمد بن حنبل قال: «صاع ابن أبي طيب خمسة أرطال وثلث»، قال أبو داود: وهو صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأسند عبد الحق (البجائي) إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ذكر لي أبي أنه عبر مد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدها رطلا و (ثلثا) في المد، قال: ولا تبلغ في التمر هذا المقدار، قال: وبحثت أنا غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه، فكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بالحب من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون حبة وستة أعشرا حبة وعشر عشر حبة، فالرطل مائة درهم واحدة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور، قال: ووجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أن مد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي به تؤدى الصدقات ليس أكثر من رطل ونصف، ولا أقل من رطل وربع، وقال بعضهم: رطل وثلث: وليس هذا اختلافا، ولكنه على حسب رزانة المكيل من التمر والبر والشعير.
انتهى كلامه، وانتهى بانتهائه كتاب الزكاة ما يتعلق به.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ