عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينةصفحات 198-237
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 198-237
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن شاس
الكتاب
عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة
المؤلف
أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي (المتوفى: 616هـ)دراسة وتحقيق: أ. د. حميد بن محمد لحمر
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وهي بالإضافة إلى متعلقاتها سنة أنواع: زكاة النعم، والنقدين، والتجارة، والمعشرات، والمعادن، والفطر.

النوع الأول: زكاة النعم، والنظر في وجوبها وأدائها

. أما الوجوب فله ثلاثة أركان.
الأول: قدر الواجب، وسيأتي بيانه.
الثاني: ما تجب فيه، وهو المال، وله خمسة شروط: أن يكون نعما، نصابا، حال عليها الحول، لم يزل ملكه عنها في أضعافه، على خلاف وتفصيل في هذا الشرط، وأن يكون الملك كاملا غير ضعيف.
الشرط الأول: أن يكون نعما، فلا زكاة إلا في الإبل والبقر والغنم، ولا تجب في غيرها من الخيل والبغال والحمير والرقيق وغير ذلك، ولا في المتولد من الظباء والغنم.
وفرق القاضي أبو الحسن بين أن تكون الأمهات من الغنم فتجب، أو من غيرها فلا تجب.
وحكى الشيخ أبو الطاهر قولا بوجوب الزكاة مطلقا، وحكى الأستاذ أبو بكر اتفاق الأئمة الثلاثة على إسقاط الزكاة من (المتولد) [من] فحول الغنم وإناث الظباء.
الشرط الثاني: أن تكون النعم نصابا.
أما الإبل ففي أربع وعشرين فما دونها الغنم، ففي كل خمس شاة.

فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت محاض أنثى، فإن لم تكن في ماله، فالبن لبون ذكر.
فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون.
فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة.
فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة.
فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون.
فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان.
فما زاد ففي كل أربعين لبنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وكل ذلك لفظ أبي بكر رضي الله عنه في كتاب الصدقة.
ويتغير الفرض بزيادة عشر، وفي تغيره بزيادة دونها روايتان، وبعدم التغير قال أشهب.
وإذا فرعنا على الرواية الأخرى بوجود التغير، ففي كيفيته خلاف.
قال ابن القاسم: يتغير إلى ثلاث بنات لبون، وقال مالك: يتغير إلى التخيير بينها وبين الحقين، كان في الإبل أحد السنين أو لم يكن.
وروي في المجموعة: لا يتخير إلا إذا اجتمعا في المال.
وبنت مخاض: (هي التي دخلت) في السنة الثانية إلى استكمالها، وولد اللبون: هو الذي قد دخل في السنة الثالثة.
والحقة: هي التي قد دخلت في الرابعة.
والجذعة: هي التي دخلت في الخامسة.
وأما البقر، ففي ثلاثين منها تبيع جذع أو جذعة.
قال القاضي أبو محمد: " وهو الذي دخل في السنة الثانية ". وقال ابن حبيب: هو ابن ستين.
وقال ابن نافع في المجموعة: هو ما أو في سنتين، ودخل في الثالثة.
وفي أربعين مسنة لا تؤخذ إلا أنثى، وهي التي لها ثلاث سنين، قيل: ما أكملتها.
وقيل: ما دخلت في الرابعة.
وقال القاضي أبو محمد: " سنها أربع سنين ". ثم في ستين تبيعان.
ثم يستقر الحساب، ففي كل ثلاثين تبيع، و (في) كل أربعين مسنة إلى مائة وعشرين، فيكون حكمها حكم المائتين من الإبل، وسيأتي.
وأما الغنم ففي أربعين شاة شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وشاة.

ثلاث شياه، وفي أربع مائة أربع شياه، وما بينهما أو قاص، ثم استقر الحساب، ففي كل مائة شاة.
واختلف في صفة الشاة الواجبة في الغنم والإبل، فقال ابن القاسم وأشهب: يجزي الجذع والثني من المعز والضأن ذكرا كان أو أنثى.
وقال القاضي أبو الحسن: " لا يجزي إلا الأنثى، لكن تجزي جذعة كانت أو ثنية من المعز أو من الضأن ". وقال ابن حبيب: حكمها حكم الضحية، لا يجزي فيها إلا الجذع من الضأن ذكرا كان أو أنثى، والثني من المعز، إلا أن يكون تيسا.
قال الشيخ أبو محمد: " وليس بقول مالك وأصحابه فيما علمناه ". فرع: واختلف في سن الجذع، فقال أشهب وبان نافع وعلي بن زياد وابن حبيب: هو ما له سنة.
وقال ابن وهب: هو ابن عشرة أشهر.
وقيل: ابن ثمانية أشهر.
وروي عن سحنون عن علي: أنه ابن ستة أشهر.
والتحاكم في ذلك إلى أهل اللغة، والأول أشهر عندهم.
وأما الثني فما دخل في السنة الثانية.
ثم يتصدى النظر في زكاة الإبل في خمسة مواضع.
الأول: في إخراج الشاة عن الإبل.
والعبرة في تعيين الضأن أو المعز بحال غنم البلد، وقال في كتاب ابن سحنون: يعتبر بحال المالك إذا كان مخالفا غنم البلد.
ولو أخرج بعيرا عن خمسة أبعرة بدلا من الشاة الواجبة فيها، فأطلق القاضيان أبو الوليد وأبو بكر القول بأنه لا تجزيه.
وقال أبو الطيب عبد المنعم القروي: من أصحابنا من أباه، وليس بشيء لأنه مواساة من جنس المال فأكثر مما وجب عليه.
النظر الثاني: في العدول إلى ابن لبون.
فمن وجب عليه بنت مخاض، فلم تكن في ماله أخذ ابن لبون، فإن لم يكونا في ماله كلف ابنة مخاض.
فإن أراد رب المال أن يدفع ابن لبون ذكرا إذا لم توجد في المال بنت مخاض ولا ابن لبون ذكر، فقال ابن القاسم في الكتاب: " ذلك إلى الساعي إن أراد أخذه، وإلا لزمه بنت

مخاض.
ليس له أن يمتنع من ذلك ". ولو كان في ماله ابنة معيبة لا تجزئ، فهي كالمعدومة.
ولا يؤخذ الحق بدلا عن بنت لبون عند فقدها، كما يؤخذ ابن لبون بدلا عن بنت مخاض.
النظر الثالث: إذا ملك مائتين من الإبل، فإن كان في ماله أحد السنين أخذ منه الموجود، وإن وجدا أو فقدا تخير الساعي.
قال محمد: يتخير الساعي إذا وجد السنين، إلا أن تكون أربع الحقاق فيها قوام رب الإبل ومصلحته فيضر به.
وقد قال ابن وهب: الساعي بالخيار ما لم يضر برب الإبل، وقيل: يخير رب المال مطلقا، وذكر عن ابن القاسم: أنها إن خلت من السنين إن ما أتاه به ربها منها فليقبله.
قال أصبغ: وليس هذا بشيء، والساعي مخير.
النظر الرابع: في الجبران.
فإن أعظى سنا أعلى، وأخذ عوضا، أو أعطى سنا أدنى وعوضا، فقال أصبغ بعدم الجواز والإجزاء، إلا إذا رد ما أخذ مع الأعلى وأبقاه، فيجزيه.
قال الشيخ أبو الطاهر: " وهذا مع فوات المأخوذ، وأما إن كان قائما فليسترده على هذا القول، ويخرج القدر الواجب.
وروي في مختصر ما ليس في المختصر إثباتهما، وقال ابن القاسم وأشهب في المجموعة بنفي الجواز وإثبات الإجزاء ". فرع: حيث قلنا بالإجزاء، فلا يراعى في ذلك بدل معين في جنس أو مقدار، بل المقصود حفظ حق المساكين.
النظر الخامس: في صفة المخرج من حيث النقصان والكمال.
النقصان أربعة.
الأول: المرض أو العيب.
فإن كان المال كله مرضى أو ذات عوار، فلا يأخذ منها.
وقيل: يأخذ.
الثاني: الذكورة.
فلو كان ماله ذكورا، لم يؤخذ منه إلا الأنثى، ويستثنى من ذلك ابن اللبون في الإبل بدلا، كما تقدم، والتبيع في البقر، وما ذكر في الغنم على الخلاف.
الثالث: الصغر.

فلو كان في المال صغار وكبار، لم يؤخذ من الصغار.
ولو كان الكل صغارا، لم يؤخذ منها أيضا على المشهور.
وقال محمد بن عبد الحكم في جميع هذه الأصناف التي تقدم ذكرها، وفي السخال: لولا خلاف أصحابنا لكان بينا أن يؤخذ منها واحد من أوساطها، ولا يكون عليه ثنية ولا جذعة، واعتذر عن قول عمر رضي الله عنه بأنه خرج على الغالب.
الرابع: رداءة النوع.
فإن كان الكل معزا أخذ منها، وإن اجتمع الضأن والمعز، فإن كان الواجب شاة واحدة، فإن استوى النوعان تخير الساعي بينهما، وإن اختلفا أخذها من الأكثر.
وإن كان الواجب أكثر من شاة، وجبت شاة في الأكثر، ثم نظر فيما بقي منه مع جملة الأقل، فإن كان أكثر من الأقل، والأقل مقصر عن النصاب، مثل أن تكون له مائة وعشرون ضائنة وثلاثون معزة، أخذت الشاة الأخرى من الأكثر أيضا، وإن كان الأقل أكثر من الباقي، وكان نصابا، مثل أن يكون له تسعون ضائنة وسبعون معزة، أخذت الأخرى منه، وإن كان الباقي أقل من أو قل، والأقل مقصر عن النصاب، مثل أن يكون له أربعون من الجواميس، وعشرون من البقر، فعليه تبيع من الجواميس، وتبيع من البقر؛ لأن ما يجب فيه التبيع الثاني البقر فيه أكثر من الجواميس.
وإن كان الباقي أكثر من الأقل، وفي الأقل نصاب، مثل أن تكون له مائة وعشرون من الضأن، وأربعون من المعز، أخذت من الأقل عند ابن القاسم.
وقال سحنون: تؤخذ من الباقي.
فرع: كل ما قلناه فيه: لا يأخذ المصدق لنقصه، فله أخذه إذا رآه نظرا للمساكين.
وحكى القاضي أبو الوليد عن القاضي أبي الحسن: " إن ذات العيب لا تجزئ، وإن كانت قيمتها أكثر من قيمة السليمة.
قال: ومذهب مالك أنها تجزئ إذا كانت أفضل للمساكين من السليمة "، هذا بيان النصاب، ولا زكاة فيما دونه، ولو تم بالخلطة نصابا.
ولنذكر صدقة الخلطاء، والنظر فيها في أربعة فصول.

الفصل الأول: في حكم الخلطة وشرطها

. وحكم الخلطة: تنزيل المالين منزلة مال واحد بعد حصول النصاب في كل واحد منهما، أو في ملك مالكه.

فلو خلط أربعين بأربعين لغيره، ففي الكل شاة واحدة، ولو خلط عشرين بعشرين لغيره، فلا شيء فيها بمفردها.
ثم قد يفيد ذلك تقليلا كمن خلط أربعين بأربعين، فلا يلزمه إلا نصف شاة، وقد تفيد تثقيلا، كمن خلط مائة وشاة بمائة شاة، فيلزمه شاة ونصف.
وشروط الخلطة ثلاثة: الأول: اتحاد المراعى والفحل والدلو والمراح والمبيت، أو أكثرها.
وقيل: الراعي والمرعى، وقيل: اتحاذ اثنين منها، أي اثنين كانا، وهو وقل الشيخ أبي بكر، وعلل بأن اسم الخلطة يحصل بوصف واحد من هذه، إلا أنه قل ألا تختلط في صفة، وتجتمع في رعي أو سقي ونحوه، فعلمنا أنه لا بد من زيادة على وصف واحد، ولا دليل يوجب أكثر من ذلك.
وحكى الشيخ أبو بكر عن بعض شيوخه: أنه راعى في الخلطة وجها واحدا، وهو الراعي، قال: وأنزله منزلة الإمام الذي يتغير به حكم الجماعة عن حكم الانفراد.
قال عبد الحق: " وهذا القول نحو قول ابن حبيب: إن أصل الخلطة الراعي، فإذا جمعها الراعي، اجتمعت في أكثر ذلك، وإن فرقها الراعي، فليست بمختلطة وإن جمعها المرعى ". الشرط الثاني: كون الخليط أهلا للزكاة.
وقال ابن الماجشون: تحصل الخلطة ويزكي زكاة الخليط، وإن كان خليطه عبدا أو ذميا.
الشرط الثالث: اتفاق الأحوال.
فإذا حال الحول على أحدهما دون الآخر، زكى زكاة المنفرد.
قال أبو بكر: وعلى قول ابن الماجشون يزكي زكاة الخلطة، فيخرج ما ينوبه على حكمها، ويسقط عن خليطه ما ينوبه.

فرع: ولا تشترط الخلطة في جميع الحول، بل يكفى اختلاطها في آخره.
واختلف في تقدير ذلك بمدة، وفي قدرها على القول بها، فقال القاضي أبو محمد: " إذا لم [يقصد] الفرار زكاها الساعي على ما يجدها عليه من اجتماع أو افتراق، ويقبل قول أربابها؛ لأن الظاهر أنهم يفعلون ذلك للارتفاق بالفرقة والاجتماع، فيجب إلا يخالف ما ظهر ويصار إلى خلفه إلا بأمارة تقوي التهمة ". وروى ابن القاسم في الكتاب: " إذا كان ذلك قبل الحول بشهرين وأقل، فهم خلطاء "، وذكر أنه لم يسأل عن أقل عن ذلك، ثم قال: " وأنا أرى أنهم خلطاء في أقل من الشهرين ما لم يتقارب الحول، ويهربان فيه إلى أن يكونا خليطين فرارا من الزكاة "، وما يرى أنه نهى عن مثله في حديث عمر بن الخطاب.
وقال ابن حبيب: أدنى ذلك الشهر، وما كان دون الشهر لم يجز لهما اجتماع ولا افتراق.
وقال محمد بن المواز: إن اجتمعا أو افترقا فيما دون الشهر فجائز ما لم يقرب جدا، ويكن الساعي قد أظلهما.
هذا كله إن كان ما وجدا عليه من اجتماع أو افتراق منقصا من الزكاة، فإن لم يكن منقصا، فلا يتهمان عليه، بل يزكي المال على ما يوجد عليه، ولا تأثير للخلطة في شيء من أموال الزكاة سوى النوع المتحد من الماشية.

الفصل الثاني: في التراجع

وإذا أخذ الساعي من المال ما يجب فيه، رجع المأخوذ منه بقيمة حصة شريكه، وهل تعتبر القيمة يوم الأخذ أو يوم الأربعاء؟ قولان لابن القاسم وأشهب، مأخذهما أنه كالمستهلك أو كالمتسلف.
وكذلك لو تأول الساعي، فأخذ بكون المجموع نصابا، وإن كان كل ملك ناقصا عنه لتراجعا أيضا، فلو كان أحد المالين نصابا والآخر دونه، فأخذ الساعي شاتين متأولا، فإن كان المال الناقص عن النصاب هو الموجب لأخذ الثانية بالتأويل، فإنها يتراجعان في الشاتين جميعا على قدر ماليهما.
وقيل: الواحدة على رب النصاب، ويتراجعان في الأخرى على قدر المالين.
وإن كان المال الناقص لم يضره في أخذها لم يكن على صاحبه شيء.
وما أخذه المصدق من المال مع علمه بأنه لا يجب ولم يتأول فيه فهو ممن أخذ من غنمه، لا يرجع على صاحبه منه بشيء.

الفصل الثالث: في اجتماع المختلط والمنفرد في ملك واحد

مثل أن تكون له ثمانون فيخلط أربعين منها بأربعين لغيره، والأربعون الأخرى ببلد آخر، فروى محمد: أنه يكون خليطا لصاحبه بما حضر وغاب، وليس عليهما إلا شاة على صاحب الأربعين ثلثها، قال القاضي أبو الوليد: " هذا من مالك بناء على أن الأوقاص مزكاة، وعلى القول الآخر يكون على كل واحد منهما نصف شاة ". . (قال أصبغ: وكذلك لو كانت الثمانون ببلد واحد.
وقال عبد الملك: يكون على رب الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين ثلثا شاة.
قال محمد: قول مالك أحب إلينا، وعليه جل أصحابه، وقال سحنون بقول عبد الملك.
وقال: هو أحب إلي من قول ابن القاسم وأشهب.
قال: وأما أشك أن يكون ابن وهب رواه عن مالك.
وقيل: على صاحب الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين شاة كاملة).
وحكاه الشيخ أبو الوليد عن عبد الملك وسحنون.
وسبب الخلاف: النظر إلى أثر الخلطة، ففي القول الأول اعتبره في جميع المال، وفي الثاني اعتبره في حق صاحب الثمانين في جملة ماله، واعتبر في حق صاحب الأربعين ما خالطه به صاحبه لا أكثر، وفي القول الثالث اعتبر القدر الذي وقعت الخلطة فيه من الجانبين إلا أكثر.
مثال آخر: لو خلط عشرة من الإبل بعشرة لغيره، وبقيت له عشرة أخرى بغير خليط، فعلى القول الأول يكون عليهما بنت مخاض، على صاحب العشرة ثلثها، وعلى صاحب العشرين ثلثاها.
وعلى القول الثاني: على صاحب العشرة شاتان، وعلى صاحب العشرين ثلثا بنت مخاض.
وعلى القول الثالث: على صاحب العشرة شاتان، وعلى صاحب العشرين أربع شياه.

الفصل الرابع: في تعدد الخليط

والحكم فيه قريب من الأول، فإذا خلط مع أكثر من واحد، وجب تعميم حكم الخلطة بين الجميع، فيتوزعون الواجب بينهم على نسبة أموالهم، وبه قال ابن القاسم وأشهب.
وقال محمد بن المواز: هو خليط لكل واد بجميع ماله، وليسوا خلطاء فيزكي كل واحد منهم بنسبة ما يخصه مع جملة ماشي خليطة.
وقيل: هو خليط لكل واد بالذي معه دون ما خرج عنه،

فيزكي كل واحد منهم بنسبة ما يخصه مع ما خالطه به خاصة.
ثم اختلف القائلون بذلك في حكمه هو، فقيل: يزكي على ضم ماله بعضه إلى بعض.
وقيل: يفرد كل مال بالزكاة مع خليطه كأنهما لمالكين.
وسبب الخلاف: أنه اجتمع ها هنا أمران كالمتناقضين، أحدهما أن الخليط الأوسط يجب ضم بعض ملكه إلى بعض مع عدم الخلطة، والثاني أن الطرفين ليس بينهما خلطة، فلا يجب ضم ملكها بعضه إلى بعض.
فمن غلب حكم الوسط، ورأى أن كل واحد منهما يجب ضمه إليه، وهو يجب ضم ملكه بعضه إلى بعض، قال: يكو الجميع كالخلطاء.
ومن غلب حكم الطرفين المنفردين أفرد ملك الوسط، فجعله كمالين لمالكين، ولم يضم بعضه إلى بعض، وهذا هو القول الرابع.
ومن رأى الوسط قد جعل كل واحد من الطرفين خليطه، والخليط يجب أن يضاف جميع ما يملكه إلى ما خالط به، جاء منه القول الثاني.
ومن وجب عنده ضم الملك الواحد بعضه إلى بعض، وأفرد حكم الخليط بما خالط به، جاء من القول الثالث.
وبيان ذلك بالمثال: أن من خلط عشرة من الإبل بعشرة مع خليط، وعشرة أخرى بعشرة مع آخر، فعلى القول الأول يجب في الجميع بنت لبون، على الأوسط نصفها، وعلى كل واحد من الطرفين ربعها.
وعلى القول الثاني: يجب على الوسط أيضا نصف ابنة لبون، وعلى كل واحد من الطرفين ثلث بنت مخاض.
وعلى القول: يجب على الوسط ثلثا بنت مخاض، وعلى كل واحد من الطرفين شاتان.
وعلى القول الرابع: يجب في الجميع ثمان شياه، على الوسط أربع، وعلى كل واحد من الطرفين شاتان.
فرع: حيث ثبت للساعي على أحد الخلطاء حصة من شاة أو غيرها من ماشية الزكاة، أخذ منه قيمة ذلك ذهبا أو ورقا.
وقيل: إنه يأتي بها، فيكون شريكا معه فيها.
الشرط الثالث: الحول.
فلا زكاة في النعم حتى يحول عليها الحول، إلا السخال الحاصلة في أضعاف حول أمهاتها إذا تمت بها نصابا، أو كانت نصابا دونها، فإن الزكاة تجب فيها بتمام حول الأمهات،

ولو ماتت الأمهات بقيت السخال لم تنقطع التبعية ووجب الزكاة فيها.
لو ملك مائة وعشرين فنتجت في آخر الحول سخلة، وجبت عليه شاتتان لحدوثها في أضعاف السنة.
الشرط الرابع: أن لا يزول الملك عن عين النصاب في الزكوات العينية، وفيه اختلاف وتفصيل.
فإن أبدل العين القاصرة عن النصاب بذهب أو ورق، وليست للتجارة، انقطع الحول واستأنفه.
فإن كانت نصابا، ففي الاستئناف أو البناء روايتان، وعلى البناء جل الأصحاب، إلا أشهب فإنه ثبت على الرواية الأولى بالاستئناف، وهذا إذا باع النصاب بما فيه الزكاة، ولم يبع فرارا.
وأن أبدلها بماشية من غير جنسها كإبل بغنم، أو بالعكس فلا يبني على حول الأولى في إحدى الروايتين، واختارها ابن القاسم وأشهب، وهي المشهورة.
ويبني في الرواية الأخرى إذا كانت نصابا (نصابا)، وهي اختيار ابن وهب وابن الماجشون.
ولو كانت الثانية نصابا دون الأولى لاختلف في البناء تفريعا على القول به.
وأن كانت الماشية الثانية من جنس الأولى، وكانتا نصابا نصابا، بنى حولها على حول الأولى.
وفي كتاب ابن سحنون عن مالك: لا يبنى.
فإن كانت الأولى قاصرة عن النصاب فقولان أيضا على القول بالبناء.
ولو تخلل بين الماشتين عين، ولم تكن الأولى للتجارة استقبل بالثانية حولا في رواية ابن القاسم وأشهب.
وروى مطرف وابن الماجشون أنها تبنى على حول الأولى.
هذا كله ما لم يكن فرارا من الزكاة، فيبنى على كل حال.
ولو استهلكت ماشيته، فأخذ بدلا عن القيمة الواجبة له ماشية، فهل يلتحق بصورة بدل الماشية بالماشية من غير تخلل عين أو بصورة تخلل العين؟ قولان، سببهما أن من خير بين شيئين فاختار أحدهما، هل يعد كأنه لم يأخذ إلا ما وجب له، فيكون هذا كالبدل، أو يعد (كالمنتقل) من شيء إلى شيء، فيكون هذا كالتارك للقيمة، والآخذ عنها ماشية؟ وفي هذا الأصل قولان (للأصحاب).
الشرط الخامس: كمال الملك.

وأسباب الضعف ثلاثة: الأول: امتناع التصرف، فإذا كان المال متهيئا في نفسه للتصرف، لكن تعذر على مالكه التصرف فيه بالتنمية وغيرها، فإن كان للمنع منه كالغصب، فإن كان في الناض زكاة لعام واحد.
وقيل: يستقبل به حولا.
وكذلك إن كان لضياع وقد التقط، وقال المغيرة: بل [يزكي] اللقطة لكل عام.
وإن كان لعدم العلم بمكانه، بأن دفنه فضل عنه، فإنه يزكيه لكل عام لتفريطه.
وقيل: لعام واحد كالدين.
وقيل: إن دفنه في صحراء زكاه لما مضى من السنين لتعريضه له للتلف.
وإن دفنه في بيته، أو ما ف ي معناه، لم يزكه لماضي لعدم تعريضه.
وقال ابن المواز عكس هذا، وعده في الصحراء كالتالف، وجعله في البيت مقصرا في طلبه.
وإن كان للغصب في الماشية فعادت إلى ربها بعد أعوام، فقال ابن القاسم في الكتاب: " يزكيها لعام واحد "، وقال أيضا: " يزكيها للأعوام الماضية كلها "، وقاله أشهب، قال " لأنها لم تزل عن ملكه، وما أخذت السعاة منها أجزأ عنه، بخلاف العين تغصب ". وبنى أبو الحسن اللخمي هذا الخلاف على الخلاف في رد غلات المغصوب، ولو كان المغصوب شجرا، فالزكاة واجبة فيه على له الغلة من مالك أو غاصب.
ولو ردت الماشية بعيب، أو لفساد البيع، أو أخذها بائعها لفلس المشتري بعد أن أقامت بيد المشتري أعواما، ففي وجوب زكاتها على ملك المشتري أو البائع خلاف منشؤه التردد في رد المبيع في الصور الثلاث، هل هو نقض للبيع من أصله أو من حينه؟ وعليه أيضا ينبني الخلاف في استقبال البائع بها حولا، أو بناء حلولها على ما تقدم.
فأما ما اشتراه من الماشية، فحال عليه الحول قبل قبضه، فعليه زكاته.
السبب الثاني: تسلط الغير على ملكه، وهذا كالرقيق والملتقط والمديان.
فأما الرقيق فلا تجب الزكاة عليه في شيء من أمواله، ويستوي في ذلك يسير (الرق) وكثيره، وكماله وبقيته.
وأما الملك في السنة الثانية في اللقطة إذا نوى تملكها ولم يتصرف فيها، فقال مالك في كتاب محمد: تجب عليه الزكاة إذا تم حولها من يوم نوى.
وقال ابن القاسم في المجموعة: لا زكاة عليه إذا لم يحركها.

وأما المديان فتسقط عنه زكاة العين الحولي من الناض، وقيم عروض التجارة إذا استغرقه الدين، أو لم يبق منه نصابا، إلا أن يكون غنيا بما يجعله في مقابلة دينه على وجوه يأتي تفصيلها وبيان الخلاف فيها.
ويتنحصر الكلام في تفصيل زكاة المديان في فصلين: الفصل الأول: في بيان الدين المسقط للزكاة ويسقط كل دين وجب في معاوضة، وتدل فيه نفقة الزوجة إذا حلت، وإن لم يفرض ذلك لها حاكم، وتلحق بها نفقة الولد إذا قضى بها واستقر الطلب، فتسقط الزكاة، ولا تسقط نفقة للأبوين إذا لم يقض بها، فإن قضى بها، فروى ابن القاسم وأشهب: أنها تسقط، وفي الكتاب عن ابن القاسم: " لا تسقط ". وإن لم يقض بنفقة الولد، ففي إسقاطها للزكاة خلاف.
وروي عن ابن القاسم: أنها لا تسقط، وهي رواية ابن حبيب عن مالك، وقال أشهب: إنها تسقط.
ومهور النساء تسقط على المشهور، وقال ابن حبيب: لا تسقط لأن العادة بقاؤها في الذمم المدد البعيدة، ويسقط دين المساكين الواجب لهم، وقيل: لا يسقط.
الفصل الثاني: في بيان ما جعل في مقابلة الدين والمشهور أنه يجعل جميع الديون فيما يملكه من العروض التي تباع عليه فيما دون العين.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم استثناء الدين الواجب للمساكين من جملة ذلك، فرأى أن يجعله في العين.
وروى ابن المواز عنه موافقة المشهور.
وقيل: بل يجعل الدين كله في العين لقدرة الغرماء على جعل ديونهم في العين.
وإذا فرعنا على المشهور، ففي اشتراط ملك العرض الذي يجعل فيه الدين من أول الحول خلاف.
(روى محمد عن ابن القاسم: أنه لا يزكي حتى يكنون العرض عنده من أول الحول، وروى عيسى عنه أيضا: أنه لو أفاده عند الحول جعل دينه فيه وزكى.
وقال أشهب: يزكي سواء أفاد العرض عند الحول أو قبله بيسر.
وإن أفاده بعد الحول زكى حينئذ، قال محمد وبه وأقول، وبه قال أصحاب ابن القاسم).
وفي معنى العرض الدين الذي له، والمال المعدني والحرث والماشية، على خلاف في هذين.
وكذلك الخلاف في العين الحولي الذي قد أخرج زكاته، والخدمة، ومرجع الرقبة وغير ذلك، ولنفصل جمعيها بفروع متتالية، فنقول: من كان له مائتان لحولين كالحرم ورجب عليه مائة، فقال ابن القاسم: " يزكي ما حل حوله منهما أولا، ويجعل دينه في الأخرى، ولا يزكي الثانية ". قال الشيخ أبو محمد: " يريد لا يزكي الثانية عند حولها، (لأن دينه فيها) "، (وفي كتاب ابن حبيب: يزكي كل مائة لحولها، ويجعل دينه في الأخرى).
وإذا كان له دين جعل ما عليه فيه وقيل: بل يجعله فيما (بيده).
وإذا فرعنا على المشهور، فقال سحنون: يجعل عدد ما عليه في قيمة ما على من الدين إلى أجل.
وقال أشهب: فيمن بيده مائة دينار، وعليه دين مائة، وله دين على آخر مائة: إنه يجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له، ويزكي المائة التي في يده، فجعل الدين الذي عليه في عدد الدين الذي له.
وقال ابن القاسم: إن كان دينه على غير ملي فيحسب قيمته.
وحكى الشيخ أبو الطاهر قولا بأنه يجعل ما عليه من الدين في قيمة دينه إن كان مؤجلا، أو على غير ملي، وفي عدده إن كان حالا وعلى ملي، ويجعل دينه فيما لا يسقط الدين زكاته من ماله كالمعدني، وكذلك الحرث، والماشية على المشهور.
وقيل: لا يجعله في الحرث والماشية بل في العين.

وإن كان له مكاتب، (فقال أصبغ: يجعل دينه في قيمته عبدا، احتياطا للزكاة لإمكان عودة عبدا، ورواه ابن حبيب عن أشهب).
وقال ابن القاسم: يجعل في قيمة كتابته، لأنها المملوكة له فقط.
وقال أشهب أيضا: في قيمته مكاتبا لا بقيمة ما عليه، إذ يمكنه بيعه كذلك.
ويجعل الدين في المدبر إذا كان بعد التدبير، وقال سحنون: لا يجعل في رقبة المدبر ولا في خدمته، ألا ترى لو أن شريكا في بعد أعتق نصيبه منه، وليس له سوى مدبر، لم يقوم عليه نصيب شريكه.
ويطرد الخلاف في المعتق إلى أجل، وأولى بالمنع.
وإذا قلنا: يجعل في المدبر، فنقل ابن المواز عن جماعة [من] الأصحاب: أنه يجعل في قيمته، ونقل الشيخ أبو القاسم عن غير أبو القاسم: " أنه يجعل في خدمته ". واختاره القاضي أبو الوليد.
ولو كان تدبيره بعد الدين لجعل في رقبته بغير خلاف.
وإذا قلنا: يجعل في المعتق إلى أجل، ففي قيمة خدمته، ويجعل المخدم دينه في مرجع رقبة العبد على المنصوص، ويجعل المخدم دينه في الخدمة.
قال في الكتاب: " ولا يحسب دينه في قيمة عبده الآبق، إذ لا يجوز بيعه ". قال ابن المواز: وقال أشهب: إن كان إباقه قريبا (ترتجى) رجعته، قوم على غرره، وجعله في دينه، وإن طال أمره فلا يحسب.
ولو وهب له ما عليه من الدين عند الحول، فروى ابن القاسم: " أنه لا يزكيه حتى يحول عليه الحول بعد الهبة ". وقال أشهب: يزكيه حين وهب له، ولو لم يكن له مال غيره.
ولو وهبه لأجنبي، فقال أشهب: لا زكاة على الغريم، ولا على الواهب.
وقال محمد: يزكيه الواهب، لأن يد قابضه كيده، وقاله ابن القاسم.
وكذلك في وجوبها على الواهب لغريمه خلاف أيضا، وعليه تخرج مسألة نصاب تزكية ثلاثة في حول واحد، وذلك بأن يكون لرجل خلاف أيضا، وعليه تخرج مسألة نصاب تزكية ثلاثة في حول واحد، وذلك بأن يكون لرجل دين، وعليه مثله لثالث، والمديانان مليان، ولكل واحد منهما عروض تفي بما عليه، فأحال الوسط منهم مطالبته على مديانه فقبضه بعد حلول الحول عليه، فالزكاة واجبة على الطرفين، ويختلف في الوسط.

السبب الثالث: عدم قرار الملك.
فلا زكاة في الغنيمة قبل القسم على المشهور، ومن أكرى دارا أربع سنين بمائة دينار نقدا، فمر به حول، فقيل: يزكي الجميع، وقيل: لا يزكي غير ما حل حوله من السنة الأولى.
وقيل: يزكي ما قابل السنة الأولى.
وأشار بعض المتأخرين إلى بناء هذا الاختلاف على الخلاف في استقرار ملك عوض المنافع، هل يكون من يوم قبضه، أو من يوم استيفاء العوض عنه؟ قال: وفي ذلك قولان.
الركن الثالث: في من تجب عليه.
ويعتبر في توجه وجوبها الحرية، واختلف في عد الإسلام شرطا معتبرا في الوجوب، وإن لم يختلف المذهب في عدة من شروط الأداء، فالقاضي أبو بكر ومن وافقه من المتأخرين لم يعتبروه، وعده القاضي أبو محمد من شروط الوجوب.
وكذلك نص عليه الشيخ أبو الوليد، وأبو الحسن اللخمي وغيرهم.
فتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وتجب على المرأة ولا تجب على الرقيق، ولا على السيد فيما بيد رقيه، ولا على من فيه بقية رق، ولا على من يملك ذلك منه.
قال القاضي أبو بكر ومن وافقه: " ولم نشترط فيه الإسلام، إذ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة عندنا، لكن لا يؤخذ (أهل) الذمة بزكاة شيء من أموالهم، لأنا عاهدناهم على أنا لا نأخذهم بفروع الدين ما داموا على كفرهم، كما لا نأخذهم بالصلاة والصوم، هذا حكم الأموال المملوكة المطلقة.
فأما الأموال الموقوفة، فإن تكان نباتا، فالزكاة واجبة فيها على أصل ملك مالكها، ولا يراعى مقدار ما يصير لكل إنسان.
وقيل: إن كان المتولي لتفريقها على الموقوف عليهم غيره، وكانوا ممن يستحقون أخذ الزكاة، فلا تجب الزكاة فيها.
ثم إذا قلنا بوجوبها فيها على المشهور، أو لأن الموقوف عليهم غير مستحقين لأخذ الزكاة، فهل يعتبر كمال النصاب في حصة كل واحد منهم إذا كانوا معينين، أو إنما يراعى في

المجموع؟ قولان لمحمد وسحنون، سببهما: هل يملكون بالظهور أو بالوصول إليهم؟ قال الشيخ أبو عمران: قول خلاف لظاهر ما في المدونة وغيرها، فأما غير المعينين فيراعى في الجملة؛ إذ لا يملكون إلا بالوصول إليهم.
(وإن كانت مواشي، فإن وقفت لتفرق أعيانها في سبيل الله، أو على المساكين، فمر الحول قبل تفرقتها، فلا زكاة فيها).
وقال محمد: قال ابن القاسم مرة: هي مثل الدنانير، ولا أعلم إلا أن مالكا قاله.
وقال أيضا بأن القاسم رواه عن مالك.
(وقاله أشهب: إن كانت تفرق على مجهولين فلا زكاة فيها، وإن كانت تفرق على معينين، فالزكاة على من بلغت حصته ما فيه الزكاة).
قال محمد: هذا أحب إلينا.
وإن أن وقفها لتفرق أولادها، زكيت الأصول.
(قال سحنون: إذا كان في جملة الثمرة خمسة أوسق، ففيها الزكاة، كان على معينين أو مجهولين).
وكذلك في نسل الأنعام.
وقال ابن القاسم: إذا كانت على معينين، فلا زكاة على من ليس في حظه ما فيه الزكاة من ثمرة أو نسل.
وإن كانت على مجهولين، ففي جملة الثمرة والأولاد الزكاة إن بلغ ذلك ما فيه الزكاة إذا تم لأولاد حول من وقت الولادة في الوجهين جميعا، وإلا فلا.
(وإن وقفت الأنعام لتكون غلتها من لبن وصوف، تفرق على معينين، أو غير معينين، فالزكاة في الأمهات والأولاد جميعا، وحولهما واحد، لأن ذلك كله موقوف).
قال أبو محمد عبد الحق: " وأعرف في المال الموقوف لإصلاح المساجد، والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافا بين المتأخرين في زكاة ذلك "، قال: " والصواب عندي في ذلك، أن لا زكاة في شيء موقوف على من لا عبادة عليه من مسجد ونحوه، والله أعلم ". وإن كانت عينا، فإن كانت وقفت لتفرق، فلا زكاة فيها، لأنها خرجت من يد من كانت له، ولم يقبضها من صارت إليه، ولا تنمية فيها، وإن وقفت لتسلف من احتاج إليها زكيت بعد الحول.

خاتمة

: اختلف في محل اشتراط مجيء الساعي، والمشهور اشتراطه في الوجوب، والشاذ أنه شرط في الأداء لا في الوجوب.
وأما التمكن من الأداء، فقال الأستاذ أبو بكر في تفسيره، هو مطالبة الساعي دون قدرة رب الماشية على إيصالها إليه.
الطرف الثاني للزكاة: طرف الأداء.
وله ثلاثة أحوال: الأداء في الوقت، وقبله تعجيلا، وبعده تأخيرا، فهذه ثلاثة أقسام.
الأول: الأداء في الوقت.
وهو واجب على الفور، تؤدي إلى الإمام إذا كان (عدلا)، وكان يصرفها في وجوهها.
وقيل: لأربابها أن يتلوا تفرقة الناض، وهو المال الباطن مستحقيه، وإن كان الإمام عدلا.
وتجب نية الزكاة، فينوي الزكاة المفروضة، وينوي ولي الصبي والمجنون.
قال القاضي أبو الحسن: " ورأيت بعض أصحابنا ذهب إلى أنها لا تفتقر إلى نية "، قال: " وأظنه إنما هب إلى ذلك لما رآها تجزئ يأخذ الإمام قهرا ". ثم قال القاضي أبو الحسن: " ولا يحتاج الإمام إلى نية، لأن الفعل منه يقوم مقام النية، لأنه يأخذ ما وجب أخذه من المأخوذ منه وإن أن كارها، فإنه يعلم أن أخذها واجب عليه ". وينبغي للساعي أن يعلم من السنة بشهر لأخذ الزكاة، ويستحب أن يكون في الصيف حين تطلع الثريا مع الفجر.
ولا يجب على الإمام ولا على نائبه أن يدعو لصاحب الصدقة إذا أخذها منه، ولكن يندب إلى ذلك.
القسم الثاني: في التعجيل.
ولا (يجزئ) في المدة [الكثيرة] لغلبة شائبة العبادة على الزكاة، وإن اشتملت

على قصد سد الخلة، وفي إجزائه في اليسيرة خلاف.
روى أشهب أنه لا يجزئ، وقيل: يجزئ.
(ثم اختلف القائلون بالإجزاء في تقدير اليسيرة، فقال ابن المواز والقاضي أبو الفرج: مثل اليوم واليومين، قال محمد: على تكره، وحكى ابن حبيب عمن لقي من أصحاب مالك: الخمسة إلى العشرة، وقيل: نصف الشهر.
وروى عيسى عن ابن القاسم تحديدها " بالشهر ونحوه على تكره منه لذلك ". فرعان: الأول: قال القاضي أبو بكر: " هذا الخلاف مقصور على زكاة الحيوان والعين وأما زكاة الزرع فلا يجوز تقديمها فيه لأنه لم يملك بعد ". الفرع الثاني: (لو عجل الزكاة بل الحول بالمدة الجائزة على الخلاف فيها، ثم هلك النصاب قبل تمام الحول، أخذها إن كانت قائمة بعينها، وعلم أو تبين أنها زكاة معجلة وقت الدفع، وإن لم يتبين ذلك لم ي قبل قوله.
وأما لو دفع الزكاة معجلة، ثم ذبح شاة من الأربعين، فجاء الحول ولم ينجبر النصاب، ولم يكن له الرجوع، لأنه يتهم أن يكون ذبح ندما ليرع فيما عجل).
القسم الثالث: في تأخير الزكاة.
وهو سبب للضمان والعصيان عند التمكن، فإن تلف النصاب بعد الحول وقبل التمكن نفلا زكاة عليه على المشهور.
وقيل: تجب عليه زكاة ما بقي، وإن كان دون النصاب.
فلو ملك خمسا من الإبل، فتلف قبل التمكن أحدها، سقطت الزكاة عن الكل، كما لو تلف قبل الحول؛ لأن الإمكان شرط في الوجوب، وعلى الشاذ لا يسقط عنه إلا خمس شاة، لأن الإمكان عنده شرط في الأداء لا في الوجوب.
ولو اشترى بالنصاب بعد الحول سلعة، ثم باعها بعد حول آخر، فربح فيها، فإنه يؤدي عن النصاب للعام الأول، ثم يؤدي عن المجموع للعام الثاني إن كان له عرض يجعله في مقابلة

قدر زكاة النصاب الأول، وإن لم يكن له عرض زكى ما بقي بعده على المعروف من المذهب.
قال الشيخ أبو الطاهر: " ويتخرج على القول بأن دين المساكين في الزكاة لا يسقطها أن يزكي عن الجميع.
قال ابن عبد الحكم في هذه المسألة: يستقبل بالربح حولا.
قال الشيخ أبو الطاهر: " ومنها أخذ القول بأن الربح كالفائدة ". وإمكان الأداء يفوت بغيبة المال وبغية المستحق، وهو المسكين أو السلطان فيما يتولى قبضه على أحد القولين.
فإن قيل: هل تتعلق الزكاة بالعين؟ قلنا: فيه خلاف، قيل: تتعلق؛ إذ هي مواساة.
وقيل: بل تتعلق، وهم كالشركاء، وعليه تخرج زكاة ما بقي وإن أن دون النصاب للشركة فيه كالشركة في التالف.
وإذا ملك عدة من الماشية، فتكرر الحول قبل أخراج الزكاة، ثم قدم الساعي فوجدها زائدة، فلتأخره سببان.
السبب الأول: تأخر الساعي عنه.
فيزكي ما وجد بيده عن ماضي السنين، على أن الجميع على ما بيده الآن من غير اعتبار بما كان بيده في السنين الماضية، ويبدأ بالسنة الأولى، ثم ما يليها، ما لم ينقص جزء الزكاة عدتها في بعض السنين، فينقص الواجب أو يسقط.
وقال أشهب: بل يخرج عن كل سنة زكاة ما كان يده فيها.
ومن الأصحاب من نزل بالقول الأول على ما إذا لم يدع أن ماشيته كانت في ماضي السنين دون ذلك.
قال غيره: وهو بعيد عن مقتضى لفظ الكتاب.
واستدل في الكتاب للمشهور بأن السعاة تخلفوا في الفتنة ست سنين، ثم بعثوا، فأخذوا من الناس عما تقدم على ما في أيديهم، ولم يسألوهم عما كان في أيديهم قبل ذلك مما مات في أيديهم، ولا مما أفادوا، قال: وهو الشأن.
ورأى أنه كان كالمتفق عليه من السلف.
قال بعض الأصحاب: ولأنهم جعلوا الأعوام كالعام الواحد، وعدلوا بين أرباب الأموال والمساكين، فأخذوا بالزيادة ما لم يضمنوا النقص، مثال ذلك: أن تتخلف الساعة عمن يملك ألفا من الغنم مثلا عشرة أعوام، ثم تأتي وليس في يده إلا أربعون، فلا يؤخذ منه إلا شاة واحدة، فإن كان بالعكس، فكانت أولا أربعين، ثم كملت في العام الآخر، فالقولان كما تقدم.
المشهور أنه يؤخذ منه زكاة الألف عن الأعوام المتقدمة.
والشاذ أنه إنما تؤخذ منه

شاة واحدة عن كل عام من الأعوام المتقدمة، وعن العام الآخر تسع شياه.
قال الشيخ أبو الطاهر: " وهذا هو القياس "، وقد تقدم بيان مستند المشهور.
هذا إذا تخلفت عنه السعاة وعنده نصاب، فإن كان عنده دونه، ثم أتت السعاة وقد كمل نصابه وزاد بالولادة أو بالبدل، فإنه يزكي للأعوام التي كانت فيها نصابا دون سائر الأعوام، وهو مصدق في ذلك، وبه قال ابن القاسم، وقال أشهب: يزكي لجميع الأعمام؛ إذ العبرة (بالعام) [الآخر]، كما في الكثرة والقلة.
ولو كمل النصاب فائدة لم يزك إلا من يوم كماله.
السبب الثاني لتأخر الإخراج: هربه عن السعادة.
فيزكي لكل عام على ما كانت عليه، زادت عن عدة العام الحاضر، أو نقصت عنه.
وقال أشهب: إذا زادت في هربه، فهو كمن تخلفت عنه الساعة، ولا يكون أحسن حالا منه،.
قال: وهو في نقصانها ضمن بهربه في كل عام لزكاة ما كانت عليه.
قال سحنون: إذا هرب بأربعين عامين، فعليه شاتان، لأنه ضامن، فلا ينقص ما في ذمته.
فأما لو قدم الساعي، فوجدها ناقصة، وكان عدم الإخراج لغيبته، فلا ضمان على المالك، ويزكي لماضي السنين على ما بيده الآن ما لم ينقصها جزء الزكاة.

النوع الثاني: زكاة المعشرات

. والنظر في الموجب، والواجب، ووقت الوجوب، وكيفية الإخراج.
الطرف الأول: الموجب والنظر في جنسه وقدره.
أما جنسه فكل مقتات متخذ للعيش غالبا، أنبتته أرض مملوكة أو مستأجرة، خراجية أو غير خراجية، إذا كان مالكه حرا مسلما، على ما تقدم من الخلاف في اشتراط الإسلام في الوجوب.
فتجب الزكاة في الحنطة والشعير والسلت والعلس، وهو الإشقالية، والذرة والدخن، والأرز، والقطاني وهي: الحمص واللوبيا، والعدس والفول المدمس والجلبان

والبسيلة والجلجلان وحب الفجل.
واختلف في الكرسنة، هل تعد من القطاني أم لا؟ فروى أشهب أنها منها.
وقال ابن حبيب: بل هي صنف على حدة، وتجب في التمر والزبيب.
وفي وجوبها في التين خلاف نزله القاضي أبو الوليد على النظر إلى المقتات في زمن نزول الأحكام وبلد أهلها، أو النظر إلى كل قطر وعادته.
وتجب في كل ما فيه زيت كما ذكرنا في الزيتون والجلجلان، وتجب أيضا في الترمس في رواية ابن وهب.
وأما حب الفجل الأحمر وزريعة الكتان والقرطم وهو ذريعة العصفر، ففي المذهب في كل واحد منها ثلاثة أقوال: الوجوب، والإسقاط، والتفرقة بين أن يكثر زيتها، فتجب فيها الزكاة، أو يقل فتسقط، وهي رواية ابن وهب.
وقال ابن القاسم: " لا زكاة في بزر الكتان، ولا زيته، إذ ليس بعيش ". وقاله المغيرة وسحنون: وتجب فيما لا يتزبب من العنب، وما لا يخرج زيتا من الزيتون، وما لا يتمر من النخل.
وقيل: لا تجب في شيء من ذلك.
وأما قدر الموجب، فهو قدر خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي.
وقد قدر المتأخرون " الوسق فقيزا وربعا بالقروي، فيكون النصاب ستة أقفزة وربع قفيزة بالقروي ".

وقال الشيخ أبو إسحاق: يكون الوسق أردبين بالقفيز الفسطاطي، وتكون الخمسة الأوسق عشرة أرادب، وقاله ابن القاسم في المجموعة.
ثم تعتبر هذه الأوسق تمرا وزبيبا، لا رطبا وعنبا، وما لا يتمر يوسق على تقدير التتمير على المشهور، ولا يكمل نصاب جنس بجنس آخر.
ويعرف افتراق الجنسين بالتباين في المنفعة، ويكمل النصاب بأنواع الجنس الواحد المشترك فيها، فلا يضاف الزبيب إلى التين، ولا يضافان إلى الزيتون، ولا جميعها إلى التمر، ولا الزيتون إلى الجلجلان، ولا جميع ذلك إلى ذريعة الكتان إن قلنا: إن فيها الزكاة، وتضاف الحنطة إلى الشعير، ويضاف السلت إليهما، والزبيب والتمر والزيتون تضاف أنوع كل جنس منها بعضها إلى بعض.
واختلف في إضافة العلس وهو الإشقالية إلى الحنطة، وما يضاف إليها، أو كونه منفردا بنفسه.
واختلف أيضا في الأرز والذرة والدخن، هل يضاف بعضها إلى بعض أم لا؟ والنص ها هنا على أن القطاني صنف واحد، يضم بعضه إلى بعض.
وأما في حم الربا فعلى روايتين، واختلف متأخرو الأصحاب في [جريانها] في حكم الزكاة أو [تخصيصها] بملحها].
قال (القاضي أبو الويد): " وهذا الظاهر من الموطإ ". قال: " والأظهر عندي أن يكون كل صنف منها صنفا منفردا لا يضاف إلى غيره من الزكاة والبيوع، ولا يكمل ملك رجل بملك غيره، ولا يضم حمل نخلة إلى ملها الثاني ". وما اتفق في الزرع والنبات والحصاد من الجنس الواحد أضيف بعضه إلى بعض، وكمل منه النصاب.
وما كان له بطنان أو بطون، فقيل: يعتبر بالفصول، فيضاف ما نبت منه في زمن واحد بعضه إلى بعض، كالصيفي والربيعي والخريفي، لاجتماعه في السقي والمنفعة.
وقيل: ينظر إلى ما اتفق في زمن النبات، كالاتفاق في الحول والملك في الفوائد، فيضاف منه ما زرع ونبت قبل حصاد ما قبله إليه.

وإذا فرعنا على هذا القول الثاني، فكان الزرع في ثلاثة أزمان، فإن زرع الثالث قبل حصاد الأول ضم الكلم بعضه إلى بعض، وإن زرعه بعد حصاه وقبل حصاد الثاني وجبت الزكاة إن كانت إضافة كل واحد من الطرفين منفردا إلى الوسط تكمل النصاب، ولم تجب إن كان لا يجتمع من مجموعهما معه نصاب.
وفي الوجوب إذا (كمل) النصاب من اجتماع الوسط مع الطرفين جميعا، ولم يكمل بضم أحدهما منفردا إلى الوسط، خلاف.
وقد أجراه الشيخ أبو الطاهر على الخلاف في مسألة خليطي شخص واحد، هل يعدان خليطين أم لا؟.
الطرف الثاني: في الواجب.
وهو العشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقي بنضح أو دالية، وما شرب سيحا أو بعروقه، فهو كما سقت السماء.
ولو كان يشرب بالسيح لكن رب الأصول لا يملك ماء، وإنما يكتريه له، فهو كالسماء على المشهور.
ورأى أبو الحسن اللخمي أنه كالنضح.
ولو اجتمع السقيان على تساو وجب أداء ثلاثة أرباع العشر، وقيل: ينظر إلى ما حيي به الزرع، فيعلق الحكم عليه.
وإن كان أحدهما أكثر واعتبر في المشهور.
وقال القاضي أبو محمد: " يتخرج فيها قول آخر: أنه يوزع عليهما ". قال: وقال ابن القاسم: يعتبر ما حيي به الزرع، ويجب أن يخرج العشر من جنس المعشر ونوعه.
ثم إن كان حبا أخذ من عينه صنفا واحدا كان أو أصنافا.
وأما التمر، فإن كان صنفا واحدا (من وسط) التمر أخذ منه، وإن كان من أعلاه أو أدناه كالبرني أو الجعرور وما أشبههما، فمذهب الكتاب أنه يأخذ من أيهما كان، ولا يكلف المالك الوسط في الأدنى، ولا يقبل منه في الأعلى، بخلاف الغنم.
وقال عبد الملك: إذا كان رديا كله لم يؤخذ منه، وكلف صاحبه أن يخرج من غيره، واعتبره بالماشية إذا كانت سخالا كلها.
وكذلك أن كان جيدا كله قبل منه الوسط.
وروى مثله ابن نافع.

فإن اختلف النوع على صنفين، أخذ من كل واحد بقسطه، ولا ينظر إلى الأكثر.
وقال عيسى بن دينار: إن كان فيها أكثر، أخذ منه، فإن كانت ثلاثة أصناف، فروى ابن القاسم (أنه) يأخذ من الوسط منها.
وروى أشهب أنه يأخذ من كل واحد بقسطه.
الطرف الثالث: في وقت الوجوب.
وهو الطيب من الثمار، واليبس في الحب، فينعقد بذلك سبب وجوب إخراج التمر والحب عند الجفاف (والتنقية).
فإذا أزهى النخل، وطاب الكرم، وأفرك الزرع أو استغنى عن الماء، واسود الزيتونة أو قارب الاسوداد وجبت الزكاة.
وقال المغيرة: تجب بالخرص، ورأى المصدق كالساعي في الماشية.
وقال محمد بن مسلمة: وقت انعقد سبب الوجوب الجداد، فلا يحصل قبله.
وفائدة الخلاف تظهر إذا مات المالك أو باع أو أخرج الزكاة، فعلى المشهور إذا مات بعد الطيب زكيت على ملكه، وإن كان جميعها خمسة أوسق.
وقال المغيرة: بل إذا خرص عليه قبل موته، فذلك ثابت على ورثته يخرجون ذلك، ثم يرثون ما بعده، وإن مات قبل الخرص، فإنما يخرص على ورثته، فمن صار له خمسة أوسق زكى.
وكذلك لو باع بعد الطيب وقبل الخرص أو بعدهما وقبل الجداد لجرى الخلاف في وجوب الزكاة على البائع أو المشتري على ما قدمناه.
وقال محمد بن مسلمة: إنما قدم الخرص توسعة على أرباب الثمار، ولو قدم رجل زكاته عبد الخرص وقبل الجداد لم تجزئه لأنه أخرجها قبل وجوبها.
ويدخل الخرص في التمر والعنب بعد بدو صلاحهما وطيبهما، ولا يدخل في الزيتون، وقيل: في الفرق وجهان: أحدهما: ظهور النبات في التمر والعنب، وتمييزهما عن الأوراق.
والثاني: (وهو المشهور): وجود حاجة أهلهما إلى أكلهما من حين يبتدئ الطيب فيهما، وما كان على ساق فهو بمنزلة الزيتون.
ولو احتيج فيما قلنا: إنه لا يخرص إلى الأكل منه قبل كماله، ففي خرصه قولان، سببهما الاختلاف المتقدم في الفرق بين ما يخرص وما لا يخرص.
فرع: وصفة الخرص أن يقدر ما على نخلة نخلة رطبا، ويقدر ما ينقص لو تتمر، ثم يعتد بما يتبقى بعد النقص، ويضيف بعض ذلك إلى بعض، حتى يكمل الحائط، وكذلك في

العنب، وسواء في ذلك ما يتمر أو يتزبب، وما لا يبلغ إلى ذلك.
وقال ابن الماجشون: يخرص ما لا يتمر ولا يتزبب على حاله، حكاه أبو الحسن اللخمي عنه.
ويكفي في الخرص الواحد كالحاكم، بخلاف حكمي الصيد، لأنهما كالمقومين.
ولو خرص جماعة فاختلفوا، أخذ بقول أعلمهم، فإن استووا، أخذ من قول كل واحد منهم جزء سمي لعددهم، كثلث إن كانوا ثلاثة، أو ربع إن كانوا أربع، وشبه ذلك.
ولا يترك الخارص شيئا.
وروى بعض المدنيين، أنه يخفف في الخرص، ويترك العرايا [والصلات]، ونحوهما.
وأجرى أبو الحسن اللخمي الخلاف في ذلك على الاختلاف في وقت انعقاد سبب الوجوب.
ومهما تلف بجائحة فلا ضمان على المالك لفوات الإمكان، فإن أن بإتلافه ضمن قدر الزكاة.
ثم إذا ضمناه نفذ تصرفه في الجميع، فلو باع الجميع غرم مكيلة الزكاة، وقيل: [تؤخذ] من ثمنه.
فلو فلس البائع والثمرة بيدة المشتري، أخذ منه حق المساكين، ويرجع هو على البائع بما ي خص ذلك من الثمن.
وقيل: لا يؤخذ من المشتري شيء.
ومنشأ الخلاف: هل المساكين كالشركاء، فيرجعون إلى عين شيئهم أم لا؟.
وإذا تبين خطأ الخارص، ورجع إلى ما تبين إذا كان غير عارف، وإن كان عارفا أخذ بقوله، ولم ينظر إلى ما حصل عند الجداد.
وقال ابن نافع: بل يرجع إلى ما تبين.
وقيل: يلزمه إخراج الزيادة، ولا يصدق في النقص.
فرع: قد بينا أن مشروعية الخرص في النخل والكرم على المشهور لحاجة أهلهما إلى أكلهما حال رطوبتهما، فإذا خرص ذلك خلى بينه وبين أهله، فإن شاؤوا أكلوا أو باعوا، وضمنوا حصة الفقراء من حين الخرص، ولا يطرح لهم ما يخرجونه من الأجر؛ إذ يلزمهم تخليص حصة الفقراء، وإن شاؤوا تركوه، ولم يضمنه، ثم تؤخذ الزكاة مما وجد، وافق قول الخارص أو خالفه، فإن نقص عن مقدار النصاب فلا زكاة فيه.
الطرف الرابع: في كيفية الإخراج.
ويؤخذ عن الحب الذي لا يعصر منه، وكذلك التمر والزبيب.

فأما ما لا يتمر من الرطب، ولا يتزبب من العنب، ولا يجف من التين، فقال في الكتاب: " يؤخذ من ثمنه، وإن بيع بأقل مما تجب فيه الزكاة بشيء كثير إذا كان خرصه خمسة أوسق، وإن نقص عنها لم ي جب فيه شيء وإن بيع بأكثر مما تجب فيه الزكاة بأضعاف ". وقيل يخرج من كامله، ويجزي من ثمنه، وقيل: لا يخرج من ثمنه مع القدرة على الكامل، وقال ابن المواز: لا يخرج إلا ثمنا، وأما الزيتون، فمن زيته.
واختلف فيما يعصر من الحب، فقيل: من دهنه كالزيتون، وقيل: كالذي لا يعصر، وقيل: بإجزاء الأمرين.

النوع الثالث: زكاة النقدين، والنظر في قدر الموجب وجنسه

. أما القدر فنصاب الورق مائتا درهم، ونصاب الذهب عشرون مثقالا، وفيهما ربع العشر، وما زاد فبحسابه، ولا وقص فيهما.
وأن نقص عن النصاب نقصانا بينا لم تجب الزكاة، وتفسير البين باتفاق الموازين عله في قول، وبأنه لا يجوز به بجواز الوازنة في آخر.
وبالتفسير الثاني فسره في المختصر.
وقيل: بنفي وجوبها مع النقص، وإن كان غير بين، وحكى رواية.
ويعتبر النصاب في جميع الحول إلا في نماء المال، فالاعتبار بحول أصله وإن كمل النصاب به في آخر الحول.
ويكمل نصاب أحد النقدين بالآخر، وجيد الصنف برديئه، بالوزن في الجميع، لا بالقيمة كما ظنه بعض الناس.
فحكى عن مالك أنه إن كان نقد البلد قراضة ومعه مائة وخمسون تروج بمائتين مكسرة وجبت الزكاة، وليس هذا بقول لمالك، ولا نقله أحد من أصحابه عنه، بل صرح المتأخرون منهم بنفيه، وقالوا: " إنما رأوا في الموطإ أنها إذا نقصت وكانت تجوز بجواز الوازنة وجبت الزكاة، فظنوا النقص في المقدار، والجواز في الصفة، لأنها بارتفاع ثمنها تلقح بالوازنة.

قالوا: وهذا الذي ظنوه باطل قطعا، وليس هو مراد أهل المذهب، وإنما مرادهم أنها ناقصة نقصانا لا يتشاح في مثله في العادة.
ثم يخرج من كل من الذهب والورق بقدره ". ونص في المختصر على " جواز الإخراج من أيهما كان عنهما ". وقال ابن كنانة: يخرج الورق عنهما دون الذهب، وقال سحنون: إخراج الفضة عن الذهب أجوز من إخراج الذهب عن الفضة.
ثم في الاحتساب به على الصرف الأول أو الحاضر أو الأكثر منهما خلاف، والأول اختيار الشيخ أبي بكر، والثاني قول ابن المواز، وهو رأي ابن القاسم وابن نافع، والثالث قول ابن حبيب.
ولا زكاة في الدراهم المغشوشة، ما لم يكن قدر نقرتها نصابا، كان الغش قليلا أو كثيرا.
قال القاضي أبو محمد: " إلا أن يكون مما لا حكم له، كما يقول أهل الصنعة: إنه لا يأتي الضرب إلا به، كالدانق في العشرة وما أشبهه ". النظر الثاني: في جنسه.
ولا زكاة في شيء من نفائس الأموال سوى النقدين، وهو منوط بكونهما متهيأين للنماء، فلو اتخذ منهما حلي، فجوهرهما يقتضي وجوب الزكاة، وصورتهما تقتضي إسقاطها، إذ [صار] بالصياغة كالعروض.
لكن غلب مالك في الحلي المتخذ على قصد استعمال مباح حكم الصورة، فأسقط الزكاة عنه بشرطين، وهما: الصياغة المباحة، ونية اللبس المباح، فلو كان على قصد استعمال محظور، كما لو قصد الرجل بالسوار أو الخلخال أن يلبسه، أو قصدت المرأة ذلك في السيف، لم تسقط الزكاة؛ لأن المحظور شرعا كالمعدوم حسا، بل لا تسقط إذا قصد أن يكنزهما حليا؛ لأن الاستعمال المحتاج إليه لم يقصده.
ولو قصد إجازتهما ففي سقوط الزكاة بذلك روايتان، ينظر فيهما بقاء العين، وهو يلحقه بالمقتني، أو النماء، وهو يلحق بما اتخذ للتجارة.
وخصص ابن حبيب سقوط الزكاة بأن يصدر الكراء عمن أبيح له الانتفاع بما أكرى دون غيره.
فقال: لو اتخذ الرجل حلي النساء للكراء، لم تسقط عنه الزكاة.
ولو اشترى الرجل حلي النساء ليلبسه امرأة (له) أو ابنة غيرها، لا زكاة فيه، إذا كان

اللبس ناجزا، وإن أعده لامرأة إن تزوجها، أو لأمة يشتريها، أو لولد يستحدثه، فلا تجب الزكاة فيه عند أشهب وأصبغ.
وقال ابن القاسم وابن عبد الحكم والمدنيون من الأصحاب: يزكيه، قال ابن حبيب:: وبه قول لأنه ليس من لباسه، ولا صار إلى ما أمل منه.
وفي كون القصد الطارئ بعد (الصياغة) في هذه الأمور كالمقارن خلاف، ولو اتخذته عدة للدهر، لا ليبلسنه، ففيه الزكاة.
ولو انكسر الحلي، واحتاج إلى إصلاح، فحبس له لم يجز في الحول، لأنه حلي بعد.
ولو تهشم واحتاج إلى السبك وابتدأ العمل، فحال عليه الحول في أضعاف ذلك، ففيه الزكاة عند بعض الأصحاب، تشبيها له بالتبر.
فرع: حيث أوجبنا في الحلي الزكاة، وكان منظوما بشيء من الجواهر، فإن كان مما يمكن نزعه من غير فساد، زكى ما فيه من الذهب أو الفضة زكاة العين وما فيه من الأحجار زكاة العروض، وإن يمكن نزعه إلا بفساد، فهل يغلب حكم الجواهر التي فيه، فيزكى زكاة العروض، أو يراعى الأكثر، فيعطى الحكم له، أو يعطى لكل نوع حكمه، فيتحرى ما فيه من العين فيزكى، وما فيه من الحجارة يجري على حكم العروض؟ ثلاثة أقوال.
فإن قيل: ما الانتفاع المحرم في عين الذهب والفضة؟ قلنا: أما الذهب فأصله على التحريم في حق الرجال، وعلى التحليل في حق النساء، أعني فيما يستعملنه الناس، أو ما في معنى اللباس، ما يتخذنه لشعورهن وأزرار جيوبهن، وأقفال ثيابهن، ونحو ذلك مما ي جري مجرى لباسهن.
ويستثنى للرجل منه اتخاذ أنف إن جدع أنفه، وربط أسنانه (به) إن احتاج إليه، وتحلية المصحف، وفي تحلية السيف به خلاف.
وأما الفضة، فحلال للنساء أيضا في اللباس وما في معناه كالذهب، ولا يحل للرجال إلا التختم بها، أو تحلية المصحف، وتحلية السيف خاصة من آلات الحرب، قاله ابن القاسم، ورواه.
وقيل بالجواز في جميع آلات الحرب: السرج واللجام وغيره، وقال ابن حبيب: لا بأس باتخاذ المنطقة المفضضة والأسلحة كلها، ومنع ذلك في السرج واللجام والمهاميز والسكاكين، وما يتقى به ويتخذ للتحرز.
فرع: قال أبو الحسن اللخمي: " ويختلف في زكاة حلي الصبيان، فقال ابن شعبان:

فيه للزكاة، قال: " والظاهر من قول مالك لا زكاة فيه لأنه قال: لا بأس أن يحرموا وعليهم الأسورة "، قال: " وإذا جاز لهم لباسه لم تكن فيه زكاة ". أما في غير الحلي وما في معناه كالأواني، فقد حرم الشرع اتخاذها من الذهب والفضة على الرجال والنساء، وكذلك المكاحل والمرايا المحلاة وأقفال الصناديق والأسرة والمذاب والمقدمات وشبه ذلك، لا يجوز اتخاذ شيء من ذلك من ذهب أو فضة، ولا تحليته بشيء منهما، لا للرجال ولا للنساء.
قال الشيخ أبو إسحاق: وما جعل في ثياب الرجال أو في الجدر من تنبيت الورق، فإن كان يمكن أن ي خرج عنه منه ماله قدر يفضل على أجرة عامله زكى إن كان فيه نصاب، أو كمل به النصاب، ذهبا كان أو ورقا.
وتحلية غير المصحف من الكتب لا تجوز أصلا، وكذلك تحلية الدواة والمقلمة.

أما تحلية الكعبة والمساجد بالقناديل وعلائقها، والصفائح على الأبواب والجدر وما أشبه ذلك بالذهب والورق، فقال الشيخ أبو إسحاق: يزكيه الإمام لكل عام، كالمحبس الموقوف من الأنعام، وكالموقوف رمن المال العين للقرض على سائر الأيام.
وقد تقدم اختيار عبد الحق لخلاف هذا القول.

النوع الرابع: زكاة التجارة والفوائد والديون

. وفيه ثلاثة أبواب:

الأول: في زكاة التجارة

. وهي تتعلق بعروض التجارة على وجهين: أحدهما: ترصد الأسواق وزيادتها من غير إدارة، فلا تجب فيها الزكاة حتى تباع، فيزكى ثمنها بعد حول على أصلها أو أحوال، ولا تقوم على ربها وإن أقامت أحوالا، ولو أطاع بالإخراج قبل البيع لم يجزئه، وقيل: يجزيه.
وكذلك الخلاف في إخراج زكاة الدين قبل حلوله.
. الوجه الثاني: اكتساب العروض ليديرها، ويبيع بالسعر الحاضر ويخلفها، ولا ينتظر سوق نفاق يبيع فيه، ولا سوق كساد يشتري فيه، كفعل أرباب الحوانيت المديرين.
فهذا يجعل لنفسه شهرا من السنة يكون حوله، فيقوم فيه ما عنده من العروض، ويضيفه إلى ما معه من عين، ويزكي الجميع، وكذلك بعد كل عام.

وهذا الشهر هو رأس الحول من يوم زكاة المال قبل الإدارة به، أو من يوم استفادته إن كان حول ذلك كله واحدا.
وقال أشهب: ابتداؤه من يوم أخذ في الإدارة، فإن اختلفت أحواله، فعلى حسب اختلاف أصحابنا في ضم أحوال الفوائد بعضها إلى بعض كما سيأتي.
ثم هل تزكى العروض لاختلاط أحوال أثمانها وهو المشهور؟ أو لأنه لما أكثر الإدارة بها صارت في حقه كالعين وهو الشاذ؟ ويتفرع على تعيين العلة ما لو باع العروض بعضها ببعض ولم تنض له عين أصلا، فعلى المشهور لا يجب عليه التقويم، والشاذ: وجوبه، ثم هل خير عوضا بقيمته إذ جعل العرض في حقه كالعين، أو يبيعه ويخرج عينا؟ قولان.
(وإذا فرعنا على المشهور، فلا ينتقل بذلك (عن) حكم الإدارة، ورأى أشهب وابن نافع: أنه خرج ببيعه بالعروض عن حكم عن الإدارة).
وإذا فرعنا على الأول فمتى نص له ولو درهم واحد قوم عند رأس الحول وزكى، قاله، ابن القاسم.
وقال القاضي أبو محمد: " إنما يراعى حصول العين في آخر الحول ". قال القاضي أبو الوليد: " وهو الأولى ". وقيل: لا يزكى حتى ينض له مقدار النصاب فيزكيه، ثم كلما نض له سيء زكاة، نصابا كان أو دونه، وهو مقتضى قول أشهب وابن نافع؛ إذ هو إخراج له عن حكم الإدارة.
(ولو بار عرض المدير، فالنص أنه يقوم عرضه الباير ودينه المحتبس.
وقال ابن الماجشون: لا يقوم شيئا من ذلك، ويبطل فيه حكم الإدارة، وتابعه عليه سحنون).
وإذا فرعنا على قولهما، فلم يحد ابن الماجشون لذلك حدا.
(وقال سحنون: إذا برا عامين بطل فيه حكم الإدارة، وروى مثله ابن مزين عن ابن نافع).
ولو كان بعض المال مدارا وبعضه غير مجار، وكانا مستويين، أعطي كل نوع حكمه، وإن اختلفا، فقيل: حكمه كالأول، وقيل: الأقل تبع للأكثر.
وقيل: المدار متبوع إن كان أكثر، ولا يكون تابعا وإن كان أقل، احتياطا للزكاة.

ويزكي المدير ما قصد به النماء من الدين، كدينه من بيع إن كان يرجوه.
وقال المغيرة: " لا يزكيه حتى يقبضه ". والمعتبر في زكاة الحال منه العدد إن كان عينا، وإن كان عرضا فالقيمة، وفي زكاة المؤجل القيمة.
وفي إيجاب زكاة ما كان لغير النماء طريقتان للمتأخرين إحداهما: أنه لا خلاف في المذهب أنه لا يزكي؛ وقال بها القاضي أبو الوليد، والثاني: أن المذهب على قولين.
وسبب الخلاف: إطلاق القول في الكتاب بزكاة المدير دينه، وتقييده في غيره بما كان من بيع.
واختلف المتأخرون أيضا في تقويمه ماله من طعام دينا من بيع.
وسبب الخلاف: هل يلتحق ببيع الطعام قبل قبضه أم لا؟ قال الشيخ أبو الطاهر: " ويحتمل أن يكون الخلاف في هذا على الخلاف في القسمة، هل هي بيع أم لا "؟.
واختلفوا أيضا في تقويم آلاته ومواعينه، كأنوال الحائك وآلات العطار، وما أشبه ذلك.
وسبب الخلاف: النظر إلى دوام أعيانها، وكونها غير متجر بها، أو إلى كونها معينة على السلع المدارة؟ قال الشيخ أبو الطاهر: " وهذا يجري على الخلاف فيما اشترى من السلع للكراء "، قال: " وفي ذلك قولان ". والمعروف من المذهب أن الأرباح تزكى على حول الأصول، كالأولاد مع الأمهات، وتقدر عند ابن القاسم كالموجودة يوم الشراء بالمال حتى يضاف إليها ما في يده، وقال أشهب: يوم حصولها، وقال المغيرة: يوم ملك أصل المال.
وعلى هذا الخلاف تخرج مسألة الكتاب فيمن ملك عشرة دنانير، فخال عليها الحول فأنفق فيها خمسة، واشترى بخمسة سلعة فباعها بخمسة عشر، فابن القاسم يوجب الزكاة إن تقدم الشراء على الإنفاق، ويسقطها إن تقدم الإنفاق.
وأشهب يسقط الزكاة مطلقا، والمغيرة يوجبها مطلقا.
ومنشأ الخلاف ما تقدم.

ولو كان الربح عن مال استسلفه فبقي في يديه إلى آخر الحول، ثم اشترى به سلعة، ولا عوض له عنده، فقال ابن القاسم: يزكي الربح، ورواه ابن نافع وعلي.
وقال المغيرة: يأتنف به حولا.
ولو اشترى بمائة دينار بيده قد حال عليها الحول، ثم باع قبل أن ينفد فربح، فروى ابن القاسم أنه يزكي الربح مع ماله الذي كان بيده.
وروى أشهب أنه يأتنف بالربح حولا، فقال محمد: هذا أحب إلينا، ولكن يكون حول الربح من يوم أدان واشترى.
قال ابن القاسم: وإلى هذا رجع مالك: أن حول الربح من يوم أدان الأصل، لأن ثمنها في ذمته، والمائة التي بيده لم تصل إلى البائع ولا ضمنها، ونيته أن ينقدها في غد أو إلى شهر سواء.
ولو اشترى على ذمته، وليس عنده ما ينقده فربح فيها بعد أن قامت بيده حولان فليزك الربح مكانه، رواه أشهب، قال: ولو كان عنده عرض لزكى قدر ما يفي به، قال: ولم يراع مالك متى ملك العرض.
ولا زكاة في عروض القنية، ولو نوى بها التجارة لم تنتقل بمجرد النية، وقيل: تنتقل بمجرد النية.
ولو اشتراها بنية التجارة، كانت للتجارة.
وقيل: ما لم يكن المبدول فيها عرض قنية.
ثم لو نوى بها القنية انتقلت بمجرد النية لعودها إلى الأصل، فلو عاد ونوى بها التجارة، ففي انتقالها بمجرد النية إلى حكم التجارة أو بقائها على حكم القنية روايتان، ينظر في الأولى إلى ما كنت عليه قبل النية، وفي الثانية إلى الأصل.
فرع: لو نوى في العروض وجهين كقنية وإجارة، أو تجارة وإجارة، أو تجارة واستمتاع بالاستخدام والوطء، أو إجارة واستمتاع بالاستخدام والوطء، فحكى أبو الحسن اللخمي في الاستئناف بالثمن حولا، أو بنائه على حول الأصل الذي اشترى به، قولين.
وما اكتري ليكرى زكيت أجرته لحول أصله.
وغلة ما اشترى للكراء أو للقنية فائدة يستقبل بها الحول، وكذلك غلة ما اشترى للتجارة، وروى أنها تزكى لحول أصلها.
وأما غلة الأراضي، فإن كانت الأرض مكتراة للتجارة، والزرع للتجارة، زكي ما يخرج منها إن كان نصابا، وإن كان دونه زكى ثمنه، ثم يستقبل بالثمن حولا من يوم زكاة عينه أو ثمنه.
وإن كانا للقنية استقبل بالثمن حولا، كان المبيع نصابا أو دونه.
وإن كان أحدهما للتجارة والآخر للقنية، فما أعطي له حكم الزرع نظر إلى كونه للتجارة

أو للقنية، فاتبعه الزرع.
وقيل في حكم الزرع: إنه للأرض، وقيل: للبذر وللعمل.
وحكي عن أبي محمد عبد الحميد: " أنه يفض على الثلاثة، فعلى هذا من ما ناب ما هو للتجارة اعتبر حكمه فيه ". ولو اشترى أصولا للتجارة فأثمرت، فإن قلنا بأن الغلات فوائد، استقبل بالثمن حولا، كانت مما تجب الزكاة في عينها أم لا.
وإن أوجبنا الزكاة على حكم الأصول بنهى أثمانها إذا باعها على حول الأصول، إن لم تجب الزكاة في عينها لقدرها أو لجنسها، وإن وجبت الزكاة في عينها عد ابتداء حول ثمنها يوم زكاها.
وإن كان مال التجارة عبدا، وجب إخراج زكاة الفطر عنه مع زكاة التجارة.
فإما لو كان مال التجارة نصابا من الماشية، لوجبت زكاة العين دون زكاة التجارة.
ولا تمتنع على التاجر التجارة لعدم إخراج الزكاة.
فصل به اختتام الباب: إذا كان واحد من العامل ورب المال مخاطبا على انفراده بالزكاة فيما يخصه، وجبت الزكاة عليهما.
وإن لم يكن فيهما من يخاطب بها لكونها عبديين أو ذميين، أو لقصر المال وربحه عن النصاب، ولا يملك ربه غيره، فلا زكاة على واحد منهما.
وإن كان أحدهما ممن يخاطب بها دون صاحبه، فروى أشهب أن المعتبر حال رب المال، لأنه يزكي على ملكه، فإن خوطب بها وجبت في ربح العامل من غير اعتبار بحاله.
وفي كتاب ابن المواز: يعتبر حال العامل في نفسه، فإن كمل له النصاب، وكان ممن يخاطب بالزكاة، وجبت عليه، وإلا فلا.
وقال ابن القاسم: " يراعى أمرهما جمعيا "، فمتى توجه سقوطها عن أحدهما سقطت عن العامل في الربح.
ولا يجوز اشتراط زكاة المال على العامل، ويجوز اشتراط زكاة الربح على كل واحد منهما، لأنه يرجع إلى جزء مسمى.
وقيل: لا يجوز اشتراط حصة العامل على رب المال لاختلاف الحال؛ إذ قد تتوجه الزكاة على العامل، وقد لا تتوجه.
وإذا فرعنا على المشهور فتفاصلا قبل حول، أو كان ذلك لا زكاة فيه، فلمشترط الزكاة على صاحبه أن يؤخذ ربع عشر الربح لنفسه، ثم يقتسمان ما بقي، كما لو شرط لأجنبي ثلث

الربح، فيأبى من أخذه، فهو لمشترطه منهما.
قال سحنون: وقد روي أيضا أنه لا يجوز اشتراط زكاة الربح على واحد منهما.
ولا يخرج العامل الزكاة إلا بعد الانفصال، ولو أقام أحوالا، وإن كان المال في يده عينا عند حلول الحول إذا كان غير مدير، وهو مخالف لحال رب المال.
(قال الشيخ أبو الطاهر: " وهذا لأنهم حكموا في المذهب، بأن ما في يد العامل حكمه حكم الدين، لا يزكى قبل القبض ". وإذا كان العامل مديرا، وهو موافق لحال رب المال، ففي تقويمه لما في يده عند حلول الحول خلاف.
وهل (يخرج) الزكاة بعد التقويم من المال، أو من مال رب المال؟ فأحرى ذلك أبو الحسن اللخمي على قولين.
وإن كان حال العامل في الإدارة وغيرها مخالفا لحال رب المال، فأشار أبو القاسم بن محرز إلى إجرائه على الخلاف في الرجل إذا كان له مالان، أحدهما مدار، والآخر غير مدار).
وإذا لم يزك حتى مرت أحوال لأنه غير مدير أو حيث قلنا: إن المدير لا يقوم، ففي قصر الزكاة على سنة واحدة، أو إيجابها لما تقدم من السنين خلاف، سببه: تشبيهه بالدين أو التفرقة بأن الدين لا نماء فيه، وهذا المال ينمى لربه.
التفريع: إن قلنا: إنه يزكي لعام واحد، فالمعتبر (حالة) الانفصال، فيزكي الحاصل فيها.
وإن قلنا: يزكي لكل عام، فإنه يزكي في كل سنة عن الحاصل عند انفصال إن استوى مقداره في جميعها، أو كان في ماضيها أكثر منه، فإن كان فيها أنقص منه زكى في كل سنة عما كان فيها.
فإن اختلفت بالزيادة والنقصان بعضها مع بعض زكى الناقصة، وما قبلها على حكمها، وزكى الزائدة على حكمها، والناقصة قبلها على حكمها.
مثال زيادة الحاصل أن يكون في أول سنة مائة، ثم في الثانية مائتين، ثم في الثالثة ثلاث

مائة، فإنه يزكي في عام عن الحاصل فيه، إلا ما نقصه جزء الزكاة.
ومثال نقصان الحاصل: أن يكون ثلاثة مائة، ثم مائتين، ثم مائة، فإنه يزكي عن المائة للأعوام الثلاثة.
ومثال الاختلاف: أن يكون في الأول مائتين، وفي الثاني مائة، وفي الثالث ثلاث مائة، فإنه يزكي عن مائة مائة في العامين الأولين، وعن ثلاث مائة للعام الثالث.
ولا يستبد العامل بإخراج الزكاة إذا كان ربه غائبا، إذ يمكن موته أو تحمله لدين يسقط الزكاة عنه.

الباب

الثاني: في زكاة الفائدة

والفائدة نوعان: الأول: نماء المال كالربح والولادة، وقد تقدم أن الزكاة تجب في هذا النوع تبعا لأصله في الحول، ولا يعتبر الحول في حقه بمفرده.
النوع الثاني: ما خرج عن ذلك، وهو عبارة عن كل مال لم يتقدم ملك، ولا على أصله، ويستثنى من ذلك غلات السلع المقتناة؛ إذ لا شك في كونها فوائد وإن تقدم الملك على أصلها.
وكذلك حكم غلات سلع التجارة على الخلاف المتقدم.
ويندرج تحت ما ذكرناه جميع أنواع الفوائد من العطايا والمواريث، وما وجب في الذمم من أروش الجنايات، وأثمان السلع المقتناة، وأنواع الغلات.
وفي كتابة المكاتب خلاف ينبني على أنها ثمن لرقبته، فينظر هل هو للتجارة أو للقنية؟ ويجري على حكم ما تقدم، أو هي كالغلات، [فتجري] على أحكام الغلات، وقد تقدمت أيضا.
وهذا النوع يعتبر الحول في حقه، ولا يبنى على حول غيره، فيستقبل بهذه الفائدة الحول بعد قبضها، فلو ملكها بميراث مثلا استقبل بها الحول من يوم قبضه لها أو قبض وكيله إذا أتاه بها.
وفي حبس الوكيل لها أعواما خلاف، هل تزكى لعام واحد، أو لأعوام؟.
والمشهور أن قبض وكيله كقبضه، وإن لم يقبضها هو ولا وكيله، ولا وقفت له ولم يعلم بها استقبل بها حولا من يوم قبضها على المنصوص.
وفي إقامة إيقاف الحاكم لها أو علم صاحبها بها مقام قبضه أو قبض وكيله، قولان.

ثم إذا أقيم مقام ذلك، فهل يؤدي زكاتها لعام أو لأعوام؟ فيه قولان أيضا.
وكذلك الوصي للصغار إذا قبض لهم، وللكبار مها هو مشاع بينهم، يجري فيه الخلاف أيضا.
وإذا قبضها المالك، أو من قبضه كقبضه، فإن كان فيها نصاب، أو كان عند الملك ما تكمل به نصابا، زكاها عند انقضاء الحول، فإن لم تكمل بنفسها ولا بغيرها، ولم يزكها.
ولو ملك فائدتين مجموعهما نصاب، ضم الأولى إلى الثانية، واستمر الحول من حينئذ.
وقيل: يزكيها لحول الثانية أول عام، ثم يبقي كطل فائدة على حولاه.
وأما لو أفاد نصابا ثم أفاد بعده دونه، فزكى النصاب لحوله والناقص لحوله ثم دابر الحول، فلا يضمه إلى الفائدة الثانية لنقصه بجزء الزكاة، بل يزكيه على حوله، والثانية على حولها إلى أن يصيرا جميعا دون النصاب، وقيل: يضمه إلى الثانية.
ولو اعتبر الأولى عند حولها فوجدها مع الثانية دون الناصب، ثم اعتبرها عند حول الثانية فألفها كذلك، ثم تجر (فيهما) بعد ذلك) رجعا إلى حول واحد، وهو يوم كمال النصاب فيهما، فزكيتا فيه، وصار حولهما منه.
ولو أفاد عشرة دناني، فأقامت في يده ستة أشهر، ثم استفاد عشرة أخرى، فأقمت بيده ستة أشهر أيضا، ثم أنفق الأولى أو ضاعت، وبقيت الثانية إلى تمام الحول، لم تجب الزكاة عند ابن القاسم؛ إذ لم يكمل عنده نصاب حال عليه الحول.
وأشهب يوجبها، هذا حكم فائدتي العين.
فأما فائدتا الماشية، فإن كانت الأولى دون النصاب، أضافها إلى الثانية كالعين، وإن كانت نصابا، ضم الثانية إليها، وزكاهما لحولهما، بخلاف العين، ومذهب ابن عبد الحكم: أنه يستقبل بها حولا كالعين.
واختلف في الفرق على المشهور، فقيل: لأجل السعاة، وقيل: لأجل الأوقاص، وعلى تحقيق الفرق يخرج حكم من لا سعاة لهم.

الباب

الثالث: في زكاة الدين

كل دين ثبت في ذمة ولم يخرج إليها إليها من يد من هو له ولا بدل عنه، فلا زكاة فيه على الإطلاق، حتى يحول عليه الحول بعد قبضه.
وإن كان خرج هو أو بدل عنه ليس بعرض قنية عن يد المالك إلى ذمة، فلا يزكيه ما دام في تلك الذمة، حتى قبضه بعد عام أو أعوام ما لم يكن مديرا، فقد تقدم حكمه، فإن قبضه

وكان نصابا أو مضافا إلى مال عنده جمعهما الحول، وكمل بهما النصاب، زكاة زكاة واحدة، ثم يزكي ما يقبض بعد من قليل أو كثير.
وحول كل مال منه يوم يزكيهن فلو قبض منه عشرة لا يملك غيرها، ثم قبض عشرة أخرى لكان حول الجميع من يوم قبض الأخيرة؛ إذ لا تجب فيه الزكاة إلا بعد القبض.
وقيل: إن حول كل واحدة من يوم قبضها، تفريعا على أن الزكاة واجبة قبل القبض، إنما أخرت خشية ألا يقبض.
ولو اقتضى عشرة فضاعت، ثم اقتضى عشرة أخرى، ففي وجوب الزكاة خلاف.
وأما لو أنفق العشرة، فالزكاة واجبة على المعروف من المذهب بغير خلاف منصوص؛ لأنه نصاب جمعه ملك وحول أنفق بعضه مختارا، فيكون كالمفرط في إخراج الزكاة بعد الحول، فتجب في ذمته، ورأى بعض المتأخرين جريان الخلاف فيها كالأولى.
ولو كان الدين من ثمن سلعة للقنية استقبل به حولا بعد قبضه إن بيعت بنقد، وإن بيعت بنسيئة في ابتدءا الحول من يوم القبض أو يوم البيع؟ خلاف.
ولو اختلطت (عليه) أحوال الاقتضاءات أضاف الآخر منها إلى الأول، لأن أكثر العلماء يوجبون الزكاة في الدين وإن لم يقبض.
ولو اختلطت أحوال الفرائد رد الأولى منها إلى الثانية، وقيل: برد الثانية إلى الأولى.
ولو لم يكن لرب الدين غيره، فاقتضى منه دينارا ثم آخر، فاشترى بالأول سلعة، ثم بالثاني كذلك، فباع السلعة الأولى بعشرين دينارا، والثانية كذلك مثلا، زكى عن أحد وعشرين دينارا إن أن شراؤه بالدينار الثاني بعد أن باع السلعة الأولى، وإن كان شراؤه بالثاني قبل أن يبيع، زكى الأربعين لحصول سبب الربح قبل وجوب الزكاة، ولو كان شراؤه بالثاني ثم بالأول قبل أن يبيع، زكى الأربعين على المشهور.
قال الشيخ أبو الطاهر: " وأما على قول أشهب الذي يرى النصاب إذا كمل بالثاني بقي الأول على حوله وإن كان دون النصاب، فينبغي أن لا يزكي إلا أحدا وعشرين لأن الغيب كشف أنه إنما اشترى بالأول بعد أن وجبت فيه الزكاة ". وأما إن كان شراؤه بالأول بعد بيعه لما اشتراه بالثاني، فليزك عن أحد وعشرين.
ولنتم المقصود من البابين الأخيرين بذكر فروع ممتزجة منها، فنقول: (إذا اجتمعت اقتضاءات وفوائد، وقد اجتمعت الفوائد وأصل الديون في ملك وحول، فإن استقل كل نوع بتمام النصاب فيه لم يضف حول أحد النوعين إلى الآخر، إلا أن يتفق حلول حول الفائدة ووقت الاقتضاء.
وإن قصرت عنه منفردة، وأكملته مجموعة، أضيفت الفوائد إلى ما بعدها من الاقتضاءات، والاقتضاءات إلى ما قبلها، لأن الدين حال الحول على أصله.
وإنما أخر زكاة ما اقتضى منه وإن كان دون الناصب إما خوفا أن لا يقتضى ما بعده، وإما لأنه لا يعد متقررا في ملكه إلا بعد اقتضائه، فإذا اقتضاه تبين وجوب الزكاة فرده إلى ما قبله، والفوائد لم يحل علها حول فيضيفها إلى ما (بعدها) مما حال عليه الحول.
مثال ذلك: أن يقتضي عشرة ثم عشرة، فإنه يزكي الثانية، أنفق الأولى أو أبقاها، وإن استفاد عشرة ثم اقتضى عشرة، فلا يضيف الفائدة إلى الدين إلا أن تبقي في يده حتى يحول عليها الحول عند أشهب، أو حتى يقتضي عند ابن القاسم على اختلافهما في المال إذا جمعه ملك، ولم يجمعه حول.
وإن اجتمعت فوائد وديون، ولو أضاف الفوائد منفردة إلى ما بعدها لم يحصل منها نصاب.
وكذلك لو أضاف الدين إلى ما قبله، لكن يكمل النصاب بإضافة الجميع بعضه إلى بعض، ففي إيجاب الزكاة قولان للمتأخرين).
مثاله: لو اقتضى عشرة، ثم استفاد عشرة، ثم اقتضى خمسة بعد أن أنفق العشرة التي اقتضى أولا، فمن اعتبر إضافة الخمسة إلى العشرة الأولى أسقط الزكاة، وكذلك إن أضيفت الفائدة إليها، ومن اعتبر إضافة الخمسة إلى ما قبلها من الاقتضاء، وإضافة ما قبلها من الفائدة إليها، وعدها كالوسط بينهما أوجب الزكاة، ثم ذلك في الخمسة خاصة لأنها تزكى بالمالين.
قال الشيخ أبو الطاهر: " إنما اختلفوا في إيجاب الزكاة فيها خاصة "، قال: " وسمعنا في المذكرات وجوب الزكاة في الجميع عند بعض الأشياخ، قال: وهو مقتضى ما عللناه ". وكذلك لو اقتضى عشرة ثم أفاد عشرة ثم اقتضى دينارا، فيجري الخلاف في الدينار أو في الجميع على ما تقدم.
ولو كان الاقتضاء عشرة وجبت الزكاة، في الجميع لأنك كيفما أضفت على الانفراد أو على الاجتماع وجبت الزكاة، وهذا الخلاف يشبه ما تقدم في خليط الخليط، هل هو خليط أم لا؟ النوع الخامس: زكاة المعادن، وخمس الركاز.

وفيه فصلان:

الفصل الأول: في زكاة المعادن

وكل حر مسلم نال من المعدن نصابا من النقدين، ففيه ربع العشر، إلا أن توجد فيه ندرة، وهي التي لا يتكلف فيها علم، ففيها الخمس.
وروى ابن نافع أنها كغيرها، وقيل: وإن كانت يسيرة، فهي كغيرها، وإن كانت (كثيرة)، ففيها الخمس.
فرع: (إذا قلنا برواية ابن القاسم، فإن العمل المعتبر في تمييز الندرة من غيرها هو التصفية للذهب، والتخليص لها دون الحفر والطلب، فإذا كانت القطعة خالصة لا تحتاج إلى تخليص، فهي الندرة المشبهة بالركاز، وفيها الخمس، وأما إن كانت ممازجة للتراب، وتحتاج إلى تخليص فهي كالمعدن، وتجب فيها الزكاة، حكاه القاضي أبو الوليد عن الشيخ أبي الحسن.
ثم ما يمد شيئا فشيئا، يجب ضم بعضه إلى بعض، كالذي يتلاحق من الثمار، ولكن الجامع ها هنا اتصال العمل، ولا يعتبر فيه الحول، ويكمل النيل بما يملكه من النقدين من الفوائد اوأموال التجارة، ويعتبر فيها الحول دونه.
قال سحنون: ولا يكمل النصاب بضم ما يخرج من معدن إلى ما يخرج من معدن آخر، وكل واحد منهما كسنة مؤتنقة في الزرع.
وقال محمد بن مسلمة: يضم بعض المعادن إلى بعض، ويزكى الجميع كالزرع لسنة واحدة، فلو كان معه تسعة عشرة دينارا حال عليها حلو، ثم أصاب في معدن دينارا، زكى العشرين على المنصوص.
قال أبو الحسن اللخمي: " وعلى قول سحنون، لا زكاة عليه قياسا على قوله في المعدنيين ". وهل يضم الذهب والورق كما في غير المعادن؟ قال الشيخ أبو القاسم: " يضاف أحد الصنفين إلى الآخر ". قال القاضي أبو الوليد: " أما على قول محمد بن مسلمة، يضم ما ي خرجد من أحد المعدنين إلى ما يؤخذ من الآخر، فبين أنه يضم الذهب من أحدهما إلى الورق من الآخر.
وأما على قول سحنون، فبعيد أن يكون معدن واحد يخرج منه ذهب وورق ".

وإذا عمل جماعة في معدن لرجل بنصيب مما يخرج، وأجزنا ذلك على أحد القولين، فهل يكونون كالشركاء في الزرع، يعتبر النصاب في حق كل واحد على انفراده، أو تجب الزكاة بدون ذلك؟ فيه خلاف.
وكذلك لو كان العامل عبدا أو ذميا، ففي وجوب الزكاة في الخارج خلاف منشؤه أنهم كالأجراء أو كالشركاء.

الفصل الثاني: في الركاز

وهو [دفن] أهل الجاهلية، وفيه الخمس.
والنظر في جنسه وقدره، ثم في موضعه.
النظر الأول: في جنسه وقدره.
أما جنسه فروي تخصيصه بجنس النقدين، وقال بها ابن القاسم وابن المواز.
وروي تعميم الحكم في جميع ما يوجد من النحاس والخرثى واللؤلؤ والطيب وغير ذلك.
واختاره أيضا ابن القاسم، وبه قال مطرف وابن الماجشون وابن نافع.
وأما قدره، فقال في الكتاب: " في العين يخمس وإن كان يسيرا ". وفي كتاب ابن سحنون: لا خمس فيه.
ومواضعه أربعة: الأول: أرض الحرب، وما وجد فيها فهو للجيش الذين وصل واجده إليه بهم.
الثاني: أرض العنوة، وما وجد فيها فهو للجيش وانقطع نسلهم، وكان كاللقطة "، ويفرق في المساكين.
وقال أشهب: إن عرف أنه لأهل العنوة، فهو لمن افتتح البلاد إن عرفوا، وإلا فهو

فصول الكتاب · 74 فصل · 1313 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة · 1313 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصومكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهادكتاب عقد الذمة والمهادنةكتاب قسم الفيء والغنائمكتاب السبق والرميكتاب الإيمانكتاب النذوركتاب الضحايا والعقيقةكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الأشربة
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقات
كتاب البيع
كتاب العراياكتاب الجوائحكتاب السلم والقرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والتزاحم على الحقوق والتنازعكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاة والمزارعةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب إحياء المواتكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات ومجامع الخصوماتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب كفارة القتلكتاب دعوى الدم
كتاب الجنايات الموجبة للعقوبات
كتاب موجبات الضمانكتاب العتقكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب أمهات الأولادكتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الجامع
جارٍ التحميل