عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينةصفحات 613-652
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 613-652
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن شاس
الكتاب
عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة
المؤلف
أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي (المتوفى: 616هـ)دراسة وتحقيق: أ. د. حميد بن محمد لحمر
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء
3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والنظر في حقيقته وأحكامه أما حقيقته فقال الإمام أبو عبد الله: هو نقل الملك بعوض.
قال: وهذا الرسم يشمل الصحيح والفاسد، إن قلنا: إنه ينقل الملك، فإن قلنا: إنه لا ينقله، لم يشمله من جهة المعنى، لكن العرب قد تكون التسمية عندهم حقيقة، لاعتقادهم أن الملك قد انقتل على حكمهم في الجاهلية، وإن كان لم ينتقل على حكم الإسلام.
وأما أحكامه فالنظر فيها يتعلق بخمسة أقسام: الأول: في صحته وفساده.
الثاني: في لزومه وجوازه.
الثالث: في حكمه قبل القبض وبعده.
الرابع: فيما يقتضيه مطلق ألفاظه في الثمار والأشجار، واستتباع الأصول، الفروع.
الخامس: في [مداينات] العبيد والتحالف.

القسم الأول: في صحته وفساده

، وفيه خمسة أبواب

الباب الأول: في أركانه

، وهي ثلاثة: الأول: ما ينعقد في البيع، وهي صيغة الإيجاب والقبول، أو ما (يشاركهما) في الدلالة على الرضى الباطن من قول أو فعل قصد به ذلك.
(فيكفي) المعاطاة والاستيجاب والإيجاب، وهو قوله، يعني يدل قوله: اشتريت، كما في النكاح.
فرع: فإن تنازعا وجود قصد الدلالة به عليه، فقد روى أشهب في العتبية فيمن قال لرجل: بعني سلعتك هذه، فيقول: (نعم) بكذا، فيقول: قد أخذتها، فيقول ربها: لم أرد بيعها، إنما أردت اختيار بيعها، أنه قال: أما من وقف سعلته بالسوق يتسوق بها فذلك يلزمه، وإن لم يفترقا، وأما الذي يعلم أنه لاعب لا يريد بيعها، فلا يلزمه.
وفي الكتاب من روياة ابن القاسم فيمن وقف بسلعته في السوق، فيقول له الرجل: بكم سلعتك هذه؟ فيقول: بمائة دينار فيقول: قد أخذتها، فيقول ربها: لا أبيعك وقد كان أوقفها للبيع إنه يحلف ما ساومه على إرادة البيع، وما مساومته إلا لأمر يذكره غير الإيجاب، ويكون القول قوله.
وإن لم يحلف لزمه البيع.
قال ابن القاسم: ((وكذلك إذا قال: بعني سلعتك بكذا، فيقول: قد بعتك فيقول الراغب: لا أرضى)).
الركن الثاني: العاقد.
وشرطه: التمييز، فلا ينعقد بيع غير المميز لصغر أو جنون أو إغماء، وكذلك السكران إذا كان سكره متحققاً.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويحلف بالله مع ذلك، ما عقل حين فعل، ثم لا يجوز عليه.
وقال ابن نافع: ينعقد بيع السكران.
والجمهور على خلافه.

قال الإمام أبو عبد الله: ((وهو بسكره يقصر ميزه في معرفة المصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه بيعه، وإن كان يقام الحد عليه كما يقام على السكران)).
ولا يشترط التكليف في الانعقاد، لكن يقف اللزوم عليه.
أما إسلام العاقد فلا يشترط في شراء غير العبد المسلم والمصحف.
ويشترط في جواز الإقدام على شرائهما.
واختلف في اشتراطه في صحته.
فروى ابن القاسم في الكتاب صحة شراء الذمي العبد المسلم والإجبار على بيعه، وإن لا ينفسخ.
ثم قال: ((وكذا يجبر النصر على بيع المصحف، ولا يرد شراؤه على قول مالك في العبد المسلم)).
قال الشيخ أبو محمد فيهما: ((وقال غيره: ينقض بيعه)).
وقاله سحنون: وهو قول أكثر أصحاب مالك.
وحكى الإمام أبو عبد الله رواية الفسخ أيضاً، وعزاها إلى مختصر ما ليس في المختصر للشيخ أبي إسحاق، وإلى كتاب ابن حبيب.
فروع: إذا اشترى المسلم عبداً نصرانياً من نصراني، فأسلم في يد المسلم ثم اطلع على عيب فيه يقتضي الرد فهل له رده، أو يتعين الرجوع إلى الأرش؟ قولان لابن القاسم وأشهب.
وخرج الإمام أبو عبد الله هذا الخلاف على الخلاف في الرد بالعيب: هل هو نقض للبيع من أصله، أو هو كابتداء بيع؟ ثم إذا رده على قول ابن القاسم أجبر النصراني على إزالة ملكه عنه، وطولب ببيعه من مسلم، كما إذا كان إسلامه في يد النصراني، فإنه يجبر على إزالة ملكه عنه، ويطالب ببيعه من مسلم، فإن أزال أحدهما الملك بالعتق كفى.
وكذلك إن تصدق به على مسلم، أو وهبه منه.
وحكى الإمام أبو عبد الله خلافاً بين المتأخرين في المرأة الذمية يسلم عبدها، فتهبه

لولدها الصغير من زوجها المسلم: هل يكتفي بذلك منها أم لا؟ ثم بنى اختلافهم في ذلك على الخلاف في من ملك أن يملك هل يعد مالكاً أم لا؟ ولا يكفي الرهن بل يباع بعد الرهن ويعجل الدين، إلا أن يأتي برهن ثقة.
وقال سحنون: يعجل ثمنه للمرتهن، وإن أتى برهن آخر.
قال أبو الحسن اللخمي: ((وقول ابن القاسم أحسن)) يعني الأول.
ثم حيث أمرناه بإزالة الملك، فمات قبل إزالته انتقل الحكم إلى الوارث، وأمر بإزالة ملكه عنه كموروثه، ولا يؤخر المأمور منهما إلا بحسب الإمكان.
قال الإمام أبو عبد الله: ((ويبقى النظر في أنه هل يجوز أن (يبيعه) على أن الخيار له أياماً أم لا؟)).
ثم قال: ((وهذا مما ينظر فيه)).
ولو باع النصراني عبده النصراني على الخيار أياماً، فأسلم العبد، فإنه إن كان الخيار للمشتري وهو نصراني استعجل استعلام ما عنده من رد أو إمضاء ولم (نمهله) إلى تمام مدة الخيار، لئلا يدوم ملك الكافر على المسلم.
وإن كان المشتري مسلماً فظاهر الكتاب أنه يمهل إلى أن تمضي أيام الخيار.
ولو كان العبد نصرانياً والمشتري كذلك، فأسلم العبد والخيار للبائع وهو مسلم فهل يجوز للبائع المسلم إمضاء البيع للنصراني أم لا؟ قال الإمام أبو عبد الله: ((هذا قد يجري على القولين في بيع الخيار إذا أمضي هل يقدر أنه إنما عقد من حين إمضائه فيقتضي هذا منع المسلم البالغ من إمضاء البيع، أو يقدر البيع كأنه لم يزل ماضياً من حين العقد، فيكون لهذا إمضاؤه، ولا يكون كمبتدأ بيع مسلم من كافر إذا عقد البيع في حال يجوز فيه العقد.
وزمن العقد هو المعتبر على هذا القول، لأنه من إمضاء الخيار)).
هذا حكم شراء الذمي للعبد المسلم وما اتصل به.
فأما شراؤه للعبد الذي ليس بمسلم، فيختلف حكمه باختلاف صوره، وهي ثلاث: الأولى: أن يشتري بالغاً على دينه، فلا يمنع من شرائه إذا كان يسكن به بلد المسلمين،

ولا يباع لمن يخرج به عن (بلاد) المسلمين، لما يخشى من إطلاعه أهل الحرب على عورة المسلمين.
الصورة الثانية: أن يكون هذا العبد صغيراً، ففي الكتاب وغيره: منعه لما يرجى من إسلامه، وسرعة إجابته إذا دعي إلى الإسلام، لكونه لم يرسخ في نفسه الكفر، بخلاف الكبير.
قال في العتبية: (فإن بيع منه فسخ البيع)).
وقال محمد: لا يمنع من شرائه، لأنا لسنا على يقين من إسلامه إذا اشتراه مسلم)).
الصورة الثالثة: أن يكون العبد بالغاً على غير دين مشتريه، وفيها مسألتان: الأولى: أن يكونا كتابين، كيهودي يباع من نصراني، أو نصراني بياع من يهودي، فقال (ابن وهب) وسحنون بالمنع من شرائه (له) لما بينهما من العداوة والبغضاء فيكون إضراراً بالمملوك وإيجاداً للسبيل على أذيته.
وقال محمد: لا يمنع لأنه ليس المنع لحق الله سبحانه، بل لمحض حق العبد، إذ لو رضي بذلك لجاز، ويمكن تدارك حقه بالمنع من أذيته دون فسخ البيع.
المسألة الثانية: أن يكون العبد من المجوس أو الصقالبة أو السودان فأراد الكتابي شراءه،

فحكى الإمام أبو عبد الله في ذلك ثلاثة مذاهب.
الأول: الجواز مطلقاً قال: ((وهو ظاهر الكتاب إذ قال فيه: ما علمته حراماً، وغيره أحسن منه)).
قال: ((وأطلق الجواب في الصغير منهم والكبير)).
الثاني: المنع مطلقاً في الصغير والكبير، وعزاه إلى ابن عبد الحكم.
الثالث: التفرقة بينهما، فيمنع في الصغير ويجوز في الكبير وأسنده إلى العتبية.
ثم قال: ((وقال فيها: فإن اشترى الصغير فسخ البيع))، قال: ((واشترط فيها في فسخ البيع أن لا يكون الصغير قد دان بدين)).
ثم خرج الإمام الخلاف في منع بيعهم من النصارى واليهود على الخلاف في إجبارهم على الإسلام إذا سبيناهم، (ثم) حكى أن ظاهر المذهب على ثلاثة أقوال، (يفرق) في الثالث، فيجبر الصغير دون الكبير.
الركن الثالث: المعقود عليه.
ويشترط فيه أن يكون طاهراً، منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، معلوماً، واختلف في اشتراط كونه مملوكاً للعاقد أو لمن عقد له.
الأول: الطهارة: والمذهب أن الأعيان النجسة لا يصح بيعها، إلا أن في بعضها خلافاً يتبين بذكر آحاد الصور: فمنها العذرة والزبل، وقد روى ابن القاسم في الكتاب المنع من بيع العذرة، وخرج (عليها) بيع زبل الدواب، ورأى هو في نفسه أن لا بأ بيع الزبل، فأخذ أبو الحسن

اللخمي من قوله هذا أنه يرى جواز بيع العذرة.
وقال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة، لأن ذلك من منافع الناس.
وقال أشهب في الزبل: ((المشتري أعذر فيه من البائع يقول في اشترائه)).
وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله سبحانه أحداً منهما وهما سيان في الإثم.
ومنها الزيت النجس.
فقال ابن حبيب: لا يباع الزيت النجس.
قال: وعلى ذلك مالك وأصحابه إلا ابن وهب فإنه أجاز بيعه إذا بين.
قال الإمام أبو عبد الله: وشرط غير ابن وهب أن لا يباع من مسلم.
واختلف في جواز الاستصباح به، فقال مالك: ((يجوز في غير المساجد للمتحفظ من نجاسته، ويعمل منه الصابون)).
وقال عبد الملك: لا ينتفع به في شيء أصلاً، ولو طرحه في الكرياس يريد الانتفاع به لكرهته.
ونحوه قال يحيى بن عمر.
واختلف أيضاً هل يطهر بالغسل أم لا؟.
فروى ابن نافع أنه يطهر.
وروى ابن القاسم في الواضحة والمستخرجة نحوه.
وروى أصبغ عن ابن القاسم فيمن فرغ عشر جرار سمن في زقاق ثم وجد في جرة منها فأرة ديابسة، ولا يدري في أي الزقاق فرغها: إنه يحرم أكل جميع الزقاق، وبيعها.
قال: الأستاذ

أبو بكر: وظاهر هذا يقتضي أن لا يغسل.
قال: فيصير في الغسل قولان، يعني لمالك وابن القاسم.
وعلى ذكره خلاف ابن القاسم لمالك مسألة وقعت في المستخرجة.
وروى عيسى عن ابن القاسم في اللحم يطبخ في الماء النجس قال: ((يغسل اللحم ويؤكل)).
وروى أشهب عن مالك: ((لا يؤكل)).
ومنها: عظام الميتة.
وفي الكتاب من رواية ابن القاسم: ((لا أرى أن تشتري عظام الميتة ولا تباع، ولا أنياب الفيل، ولا يتجر فيها، ولا يتمشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها))، وعلل بنجاستها.
فقال: ((وكيف يجعل الدهن في الميتة، ويمشط لحيته بعظام الميتة، وهي مبلولة؟)).
وأجاز مطرف وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقاً.
وأجازه ابن وهب وأصبغ، إذا أغليت.
ومنها بيع جلود الميتة.
وروى ابن القاسم في الكتاب أيضاً المنع من بيعه اوإن دبغت.
ورأى الإمام أبو عبد الله أن هذا القول هو مقتضى القول بأنها لا تطهر بالدباغ.
قال: وأما إذا فرعنا على أنها تطهر بالدباغ طهارة كاملة فإنا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها.
ولنقتصر على هذا القدر في هذا الشرط.
الشرط الثاني: أن يكون المبيع منتفعاً به فلا يصح بيع ما لا منفعة فيه، لأنه من أكل المال بالباطل، بل لا يصح تملكه.
وفي معناه ما كانت فيه منافع، إلا أنها كلها محرمة، إذ لا فرق بين المعدوم حساً والممنوع شرعاً.
فأما ما تنوعت منافعه إلى محلله ومحرمه، فإن كانت المنافع المقصودة من العين في أحد النوعين خاصة، كان الاعتبار بها (الحكم) تابعاً لها، فاعتبر نوعها وصار الآخر كالمعدوم.
وإن توزعت في النوعين لم يصح البيع، (لأن ما) يقابل ما حرم منها من أكل المال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولاً.
وهذا التعليل يطرد في كون

المحرم منفعة واحدة مقصودة، كما يطرد في كون المنافع بأسرها محرمة.
وهذا النوع وإن امتنع بيعه لما ذكرناه من الوجهين، فملكه صحيح لينتفع مالكه بما فيه من منفعة مباحة.
فرع: لو تحقق وجود منفعة محرمة، ووقع الالتباس في كونها مقصودة، فمن الأصحاب من يقف في حكم جواز البيع، ومنهم من يكره ولا يمنع ولا يحرم.
ويكفي من أمثلة هذا الأصل على اتساعها مسألة بيع كلب الصيد، فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل، قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعددت جملة منافعه، ثم نظر فيها.
فمن رأى أن جملتها محرمة، منع ومن رأى جميعها محللة أجاز.
ومن رآها متنوعة نظر: هل المقصود المحلل أو المحرم، ثم جعل الحكم للمقصود.
ومن رأى أن منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة منع أيضاً على ما تبين.
ومن التبس عليه كونها مقصودة وقف أو كره كما تقدم.
ثم إذا (تقرر) اشتراط المنفعة فيكفي مجرد وجودها وإن قلت، ولا يشترط كثرة القيمة فيها ولا عزة الوجود، بل يصح [بيع] الماء والتراب والحجارة لتحقق المنفعة وإن كثر وجودها وقلت قيمتها.
ويجوز بيع لبن الآدميات، لأنه طاهر منتفع به.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((وأجاز الأصحاب بيع السباع لأخذ جلودها)).
ثم قال: ((وهو إما بناء على القول بالكراهة فيها فتطهر جلودها بالذكاة، إما لأن الدباغ يبيح استعمالها)).
وقال ابن حبيب: بيع جلود السباع والصلاة عليها حرام.
الشرط الثالث: أن يكون مقدوراً على تسليمه فلا يصح بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والأجنة والآبق والشارد والمغضوب، إلا أن يباع الآبق والشارد ممن [قد] وجدهما وحصلا تحت قبضته، والمغضوب من غاصبه ولم تبعد غيبة هذه عن مالكها، أو ثبت عنده بقاؤها على صفاتها، أو عرف ما انتقلت إليه، فيصح حينئذ بيعه لها.
ولا يجوز شراء الإبل المهملة في الرعي وإن رآها المبتاع، لأنه لا يدري متى تؤخذ وهي تستصعب.
قال ابن القاسم: وأخذها خطر.
وكذلك المهاري والفلا الصعاب بالبراءة، وهي كبيع الآبق.
وفي العتبية من رواية أصبغ عن ابن القاسم: ((أنه لا يجوز بيع الصعاب من الإبل وما لا يؤخذ إلا (بالأوهاق) ولا يعرف ما فيها من العيوب، وربما عطبت في أخذها)).
قال ابن حبيب: بيعت بالبراءة أو بغير البراءة.
وفروع: هذا الشرط كثيرة، إلا أن الضابط لها أن كل ما عجز عن تسليمه حساً فلا يصح بيعه، فأما ما عجز عن تسليمه شرعاً لحق آدمي، فيصح البيع فيه، لكن يقف اللزوم على اختيار من تعلق حقه به، كالمرهون فإنه يصبح بيعه، ويقف اللزوم فيه على إجازة المرتهن إذ الحق له.
فيكون اشتراطه في اللزوم لا في الصحة، إذ هي حاصلة بدونه.
وكذلك العبد الجاني إذا تعلق برقبته أرش الجناية ثم باعه سيده بعد علمه صح البيع أيضاً، ووقف اللزوم، فإن دفع الأرش لأهل الجناية لزم البيع إن كان أعلم المبتاع بجنايته، وإن أبي أن يغرم الأرش أحلف ما أراد حمل الجناية، فإن حلف فالخيار لأهل الجناية في إمضاء البيع وأخذ الثمن أو في فسخه وأخذ العبد لهم.
قال غير ابن القاسم: إلا أن يشاء المبتاع دفع الأرش إليهم فذلك له، ويرجع بالأقل من الأرش أو الثمن.
قال ابن القاسم: ((ولو فداه البائع فللمبتاع رده بهذا العيب إلا أن يكون بينه له البائع)).
قال غيره: ((هذا في العمد، فأما الخطأ فلا، وهو كعيب ذهب)).
فروع جرى ذكرها في الكتاب تناسب ما نحن فيه فمنها أنه أجاز بيع عمود عليه بناء للبائع.
قال الإمام أبو عبد الله: والذي ذكره من جواز هذا يفتقر إلى شرطين: أحدهما: أن يكون هذا البيع لا يتضمن إضاعة مال وفساده، مثل أن يكون البناء الذي على العمود كبيراً مقداره كثيراً ثمنه، بحيث يعلم أن هدمه وإفساده لأخذ ما يتعوضه في العمود من ثمن نزر لا يفعله إلا السفهاء ومن لا ميز له ولا يحسن تدبير المال.
والشرط الثاني: أن يكون يؤمن على العمود إذا قلع ونقل من مكانه من فساده وكسره، فإنه إذا لم يؤمن ذلك عليه صارت المعاوضة على ذلك غرراً، إذ لا يعلم المشتري هل

يحصل له ذلك أم لا، وعلى أي صفة يحصل.
واعتبار هذا الشرط لإمكان التسليم حساً، واعتبار الشرط الأول يرجع إلى إمكان التسليم شرعاً لما فيه من إتلاف المال.
وأجاز أيضاً أن يشتري هواء فوق هواء، ويلزم (الأسفل) بالبناء ليتوصل صاحب الأعلى إلى بناء ملكه.
قال الإمام: ويحتاج إلى معرفة صفة هذا البناء في القوة والضعف لينتفي بذلك الغرر.
وأجاز أيضاً شراء غرر جذوع في حائط.
قال الإمام: وذلك ينقسم إلى ما تذكر فيه مدة فيكون حكمه حكم الإجارة فينفسخ العقد بانهدام الجدار، وإلى ما لا تعين فيه مدة.
بل يجعل على التأبيد، فيكون كالمضمون، فإن انهدم الحائط لزمه أن يعيده، ليغرز صاحب الخشب خشبه فيه.
كما أن على صاحب السفل إذا انهدم أن يبنيه ليحمل صاحب العلو عليه علوه، فبناء الحائط هو تمكينه من التسلم.
وكذلك بناء الهواء الأسفل.
الشرط الرابع: أن يكون البيع معلوماً للمتعاقدين، ثم يتعلق العلم بعين المبيع وقدره وصفته.
أما العين فالجهل بها مبطل، (ونعني) به: أنه، إذا قال: بعت منك عبداً من عبيدي أو شاة من هذا القطيع بطل.
وأما إذا قال: بعت منك صاعاً من هذه الصبرة، فإن البيع يصح إذ أجزأه الصبرة متساوية، وليس المقصود من الحبوب أعيان آحادها.
ويستوي في ذلك كون الصبرة معلومة الصيعان أو مجهولتها.
وأما القدر، فالجهل به فيما في الذمة ثمناً كان أو مثموناً مبطل إذا جهل جملة وتفصيلاً كقوله: بعت (بزنة) هذه الصنجة وهي مجهولة الوزن.

وإن علمت جملة الثمن وجهل تفصيله، ففي الكتاب في صحة هذا البيع: قولان.
ومثاله أن يشتري عبدين لرجلين في صفقة واحدة بثمن واحد، ولم يعين ما لكل واحد منهما منه، فلا يصح في أشهر قولي ابن القاسم لجهالة الثمن المختص بعبد كل واحد منهما عنده.
ورأى في قوله الآخر، وهو قول أشهب وسحنون، صحة البيع فيهما لأن كل واحد منهما يحدس قدر ثمن سلعته، فلا يكون التفاوت إلا يسيراً مما لا يفسد البيع، بل يقع معفواً عنه.
أما إذا جهلت جملة الثمن وعلم تفصيله فلا يمنع ذلك صحة البيع كما لو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم، فإنه يصح وإن كانت مجهولة الصيعان، لأن تفصيل الثمن معلوم فينتفي الغرر عنه، وإن لم تعلم جملته.
وإذا تعين المعقود عليه لم يشترط فيه كيل ولا وزن، بل يكفي عيان صبرة الحنطة وسائر الحبوب، وكذلك كل ما المطلوب منه مبلغه وتتساوى الأغراض في آحاده.
قال الشيخ أبو الطاهر: ((وعلى هذا يجوز بيع المكيلات والموزونات جزافاً)).
قال: ((وأما المعدودات فإن قلت أثمانها جاز بيعها جزافاً، وإن كثرت أثمانها واختلفت آحادها اختلاف بينا كالثياب والجواهر وما في معنى ذلك لم يجز بيعها جزافاً)).
قال: ((لأنها إذا طلبت آحادها وجملتها كان الغرر فيها من وجهين، فيمنع البيع لكثرة الغرر، بخلاف ما إذا كان المطلوب الجملة دون الآحاد فإن الغرر من وجه واحد، فيكون قليلاً، فلا يمنع صحة البيع)).
قال: ((وأما العين فإن كان مكسوراً أو مصوعاً فهو بمنزلة العروض يرجع إلى الحصر قدمناه.
وينظر هل المطلوب آحاده أو مبلغه.
وإن كان مسكوكاً فها هنا جل أهل المذهب يرون أنه إذا كان التعامل فيه بالوزن جاز بيعه جزافاً، لأن المطلوب مبلغه، وإن كان التعامل فيه بالعدد لم يجز بيعه جزافاً، لأن المطلوب حينئذ آحاده ومبلغه)).
قال: ((وحكى القاضي أبو الحسن الكراهية.
قال: ((ولعل الغرر قل عنده لما تماثلت الآحاد)).
قال: وانفرد أبو الوليد الباجي، فرأى أنه إن كان التعامل به بالعدد لم يجز الجزاف قولاً واحداً، وإن كان التعامل به وزناً جرى على القولين، وهما على الخلاف في الدنانير والدراهم هل تتعين أو إنما تتعلق بالذمة؟ فإن قلنا: إنها تتعين، جاز بيعها جزافاً، وإن قلنا: لا تتعين، وإنما تتعلق بالذمة، فلا يجوز بيع ما يتعلق بالذمة جزافاً)).
فروع: إذا اشترى (صبرة)، وتحتها دكة تمنع من تخمين القدر، فإن تبايعا على ذلك لم يصح البيع للغرر، وإن اشترى فظهرت ثبت له الخيار.
ويستوي في صحة بيع المشتري جزافاً كونه ملقى بالأرض أو في ظروفه فيجوز شراء ما في الظروف جزافاً، وإن لم يعلم مبلغه إلا بالحدس.
قال محمد: ولا يجوز شراء ملء الظرف الفارغ، وإن عين ما يملأ منه أو وصفه فلا يجوز.
شراء ملء الغرارة الفارغة من قمح أو غيره مشاهداً كان أو موصوفاً، أو ملء قارورة من زيت أو غيره مشاهداً كان أو موصوفاً، بل لو اشترى ما في الظرف ففرغه له لم يصح أن يشتري منه ملته دفعة أخرى، وإنما يصح أن يشتري منه ما في الظرف بعد أن يملأ)).
ووجه هذا أن المقصود تغير العقود.
فإذا كان الظرف مملوءاً صار البيع جزافاً مرئياً (فالقصد) العقد على مرئي يحدس مبلغه.
وإذا كان الظرف فارغاً فالمبيع غير مرئي والقصد العقد على مكيل بمكيال غير معلوم النسبة من المكيال المعتاد.
واختلف الأصحاب إذا وقع التبايع بمكيال مجهول، هل يفسخ البيع أم لا؟.
فقال أشهب: لا يفسخ، وقال غيره: يفسخ.
ويشترط في بيع الجزاف مساواة المتابعين في عدم العلم، بمقدار المبيع جزافاً، فإن انفرد البائع بعلم المقدار عن المشتري فإن كان ذلك بعلم المشتري فسد العقد لأنه خطار وإن كان بغير علمه، لكن ظهر له بعد التبايع أنه كان يعلم كيل الصبرة، وكتمه عنه، ثبت للمشتري الخيار في التزام البيع ورده.
وأما الصفة فلا تشترط معرفتها بالعيان، بل يقوم استقصاء الوصف مقامه على تفصيل نبيه، وهو أن العين الغائبة إن كانت بعيدة جداً كإفريقية من خراسان شوبه ذلك، لم يصح بيعها على الصفة بوجه لكثرة الخطر والغرر فيه، كذلك إن كانت قريبة جداً مع إمكان الاطلاع عليها من غير مشقة، ولا فائدة في بيعها على الصفة، (فإن المعروف من المذهب أنه لا يجوز بيعها

على الصفة)، لأنه عدول عن المعاينة إلى الخبر من غير مقتض لذلك، فيلحق بالمخاطرة والتغرير.
فإن كان في رؤيتها كلفة ومشقة جاز بيعها على المشهور من المذهب.
ونزل الأصحاب ما وقع في الكتاب من تجويز العقد بالسوق على سلعة في البيت على ما إذا كان في رؤيتها مشقة وكلفة.
وأجازوا في المشهور أيضاً بيع ما كان على مسافة يوم، وبيع ما في الأعدال على البرنامج، وبيع الساج المدرج في جرابه لمشقة الحل والنشر.
وروي في كتاب محمد المنع من العقد بالسوق على سلعة في البيت.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا تباع سلعة حاضرة ولا غائبة على مسيرة يوم على الصفة، ولا على البرنامج.
وقال ابن حبيب: يجوز بيع الأعدال على البرنامج، ولا يجوز بيع الساج مدرجاً في جرابه.
وفي المبسوط قال مالك في الساج المدرج في جرابه والثوب القبطي المدرج في طيه: لا يجوز بيعهما حتى ينشرا، وينظر إلى ما في أجوافهما، وقال: إن بيعهما من الغرر، وهو من الملامسة.
قال مالك: ((بيع الأعدال على البرنامج مخالف لبيع الساج في جرابه، والثوب في طيه، وما أشبه ذلك.
فرق بين ذلك الأمر المعمول به، ومعرفة ذلك في صدور الناس، وما مضى من عمل الماضين فيه، وأنه لم يزل من بيوع الناس (الجائزة) بينهم التي لا يروزن بها بأساً بيع الأعدال على البرنامج ولا ينشرونها، لأن ذلك لا يراد به الغرر، وليس يشبه الملامسة)).
قال الشيخ أبو الطاهر: وسبب الخلاف النظر إلى (أن) اشتراط الرؤية في هذه المواضع المختلف فيها، هل فيه مشقة أم لا؟ قال: وهو خلاف في حال، فإن اقتضت ضرورة أو حاجة بيعه على الصفة جاز، وإلا لم يجز.
هذا حكم طرفي البعد والقرب.
فأما ما قصر على البعيد وارتفع عن القريب فكان بين ذلك، فجائز بيعه على الصفة أو الرؤية المتقدمة.

ووقع في الكتاب ما يقتضي جواز العقد على السلعة الغائبة من غير رؤية ولا صفة، ولكنه اشترط خيار الرؤية.
وذهب القاضيان أبو الحسن وأبو محمد إلى منع هذا العقد.
وأنكره أيضاً الشيخ أبو بكر، وقال: ((إنه خلاف الأصول)).
فأما البيع على الصفة فتشترط في صحته شروط تتبين برسم فروع متتالية، وهي: حيث قلنا بجواز البيع على الصفة فيجب أن نذكر الصفات المقصودة التي تختلف الأغراض بسببها والأثمان باختلافها.
إذ لا يرفع الغرر إلا ذكرها.
ثم إذا ذكرت ففي كتاب محمد والعتبية أن الشرط في الصفة أن يصف غير البائع لأنه قد لا يوثق بصفته إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته.
قال أبو الحسن اللخمي: ويكون المشتري ممن يعرف ما وصف له.
ثم إذا وافق المبيع الصفة فلا خيار لأحدهما، فإن اختلفا في الصفة التي وقع العقد عليها فالقول قول المشتري، وإن اتفقا في الصفة واختلفا في كون المبيع عليها رجع في ذلك إلى أهل المعرفة.
ويصح بيع الأعمى وشراؤه لضرورة التعامل، ويعتمد على الصفة سواء طرأ عليه العمى أو ولد أعمى.
وقال أبو جعفر الأبهري: لا يصح بيع من ولد أعمى ولا شراؤه، لأنه لا يقف على حقائق المدرك بمجرد الوصف.
وأما البيع على رؤية متقدمة فيشترط في صحته أن لا تطول مدة الرؤية طولاً يتوقع (فيه)؟ تغير المبيع عادة.
فرع: لو تبايعا على رؤية سابقة من مدة غير طويلة، ثم تنازعا في كون المبيع باقياً على الصورة المرئية، ففي الرجوع إلى قول البائع أو المبتاع قولان لابن القاسم وأشهب.
وخرج الشيخ أبو الطاهر خلافهما على الخلاف في تبعيض الدعوى.
ثم في معنى رؤية المبيع سابقة على عقد البيع أو مقارنة له رؤية بعضه إذا دل على الباقي لكونه من جنسه أو كان صواناً له خلقة كقشر الرمان والبيض وشبهه.

فروع: الأول: في ضمان الغائب.
والظاهر من المذهب (أن) ضمان المبيع الغائب من بائعه إلا أن يشترطه على المشتري.
وروي أنه من المشتري إذا أدركته الصفقة سالماً.
وروي أن الضمان من البائع إلا في الديار والعقار.
وقال ابن حبيب: الديار والعقار من المشتري، وما كان سوى ذلك قريب الغيبة يجوز اشتراط النقد فيه، فمصيبته من البائع.
وما كان بعيد الغيبة لا يجوز النقد فيه، فمصيبته من المشتري.
الفرع الثاني: وهو مرتب: حيث قلنا: إن الضمان من المشتري، فتلفت السلعة فتنازعا في سلامتها حين العقد ففي تعيين المدعي منهما قولان لتعارض [أصلي] السلامة والضمان.
الفرع الثالث: في النقد: ويجوز النقد في بيع الغائب من غير شرط، (فإذا) كان بشرط فسد العقد، لأنه (خطار)، ويؤدي إلى أن يكون المنقود تارة سلفاً وتارة ثمناً، إلا فيما قربت غيبته من غير الحيوان للأمن من ذلك فيه غالباً، وكذلك في المأمون كالعقار ونحوه، وإن بعدت غيبته عند ابن القاسم.
وسوى أشهب بين العقار وغيره، فمنع النقد في ما بعدت غيبته من جميع ذلك، وأما ما قربت غيبته من الحيوان فقيل: يجوز النقد فيه كغيره مما قربت فيبته، وقيل: لا يجوز ذلك فيه لسرعة تغيره بخلاف غيره.
فرع: حيث اعتبرنا: قرب المادة وبعدها، فاختلف في تحديد القرب فيها على خمسة أقوال: اليوم - واليومان - ونصف اليوم - والبريد - والبريدان.

الشرط الخامس: وهو المختلف في حكمه.
كون المبيع مملوكاً للعاقد أو لمن عقد له.
ومقتضى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق أنه من شروط الصحة أيضاً كالتي تقدمت عليه، إذ حكى رواية بأن من باع ملك الغير من غير إذن لم يصح بيعه، وإن أجازه المالك.
وأما على المشهور من المذهب أن البيع يصح ويقف اللزوم على إجازة المالك، فهو شرط في اللزوم والانبرام لا في الصحة والانعقاد.
فرع: إذا باع الغاصب المغصوب فلم يجز المالك، لكن باعه من الغاصب، لم يكن للغاصب نقض البيع الذي باعه أولاً لأنه كمن عمل في إمضاء ما عقد فليس له أن يتسبب في نقضه، بخلاف المودع يتعدى على الوديعة فيبيعها ثم يرثها، فإن له نقض البيع إذ لا تسبب له في الميراث.

الباب الثاني: في الفساد بجهة الربا

قال رسول الله: الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، والثمر بالثمر مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل، والملح بالملح مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى.
(بيعوا) الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد، (وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد).
ومقتضى هذا الحديث أن من باع شيئاً من هذه الأعيان الستة بجنسه، فليرع المماثلة فيه بالمعيار الشرعي أو العادي إن لم يكن، والحلول أعني ضد النسيئة، والتقابض، فلا يتأخر القبض عن العقد، ولا يقبل في ذلك حوالة ولا حمالة ولا نظرة، بل لو طال بينهما المجلس من غير قبض لبطل لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إلا هاء وهاء، يداً بيد)).
فإن باعه بغير جنسه سقطت رعاية المماثلة في القدر.
ثم في معنى الأعيان المنصوص عليها ما شاركها في المقتضى لحكمها.
وقد اتفق أهل المذهب على اتحاد المقتضى في النقدين دون تحقيقه، واختلفوا في اتحاده في الأعيان الأربعة وفي تعيينه على ما سنبينه إن شاء الله [تعالى].
وقد اشتمل الحديث على بيان جنسي الربا، أعني ربا النسيئة وربا التفاضل في الأعيان

الستة، واندرج تحتها ما في معناها.
ولنفرد كل جنس بالكلام عليه.
أما الجنس الأول: وهو ربا النساء فعلة تحريمه ووجوب التقابض الطعم، فتطلب المناجزة في كل ما ينطلق عليه إسم طعام، ربوياً كان أو غير ربوي.
ويدخل في ذلك رطب الفواكه والخضر والبقول.
وإذا تقرر تعلق الحكم بالطعام لم يعم سائر ما يتطعم غذاء كان أو دواء، بل يخص منه الغذاء دون الدواء.
وقد انقسم ما يتطعم بالإضافة إلى هذا الحكم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما اتفق على أنه طعام يجري فيه هذا الحكم كالذي ذكرناه من الفواكه والخضر والبقول والزرارع التي تؤكل غذاء، أو يعتصر منها ما يتغدى به من الزيت كحب القرطم وزريعة الفجل الحمراء، وما أشبه ذلك.
والثاني: ما اتفق على أنه ليس بغذاء، بل هو دواء وذلك كالصبر والزعفران والشاهترج وما (يشبهها).
والثالث: ما اختلف فيه للاختلاف في أحواله وعادات الناس فيه، فمنه الطلع والبلح الصغير، ومنه التوابل كالفلفل والكزبرة، وما في معناهما من الكمونين والرازيانج والأنيسون، ففي إلحاق كل واحد منهما بالطعام قولان، سببهما ما تقدم ذكره.
ومنها الحلبة، وفي إلحاقها بالطعام ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث فتلتحق به الخضراء دون اليابسة.
ورأى بعض المتأخرين هذا التفصيل تفسيراً، وأن المذهب على قول واحد في إلحاق الخضراء بالطعام واليابسة بالدواء.
ومنها الماء العذب، قيل بإلحاقه بالطعام لما كان مكما يتطعم وبه قوام الأجسام والحاجة إليه أشد من الحاجة إلى القوت.
وقيل بمنع إلحاقه به، لأنه مشروب وليس بمطعوم.
وأما الجنس الثاني، وهو ربا الفضل، فالكلام عليه يتنوع إلى الكلام في النقدين وفي الأطعمة.
النوع الأول: (في) بيان حكم الربا في النقدين، وهو: باب الصرف.
والعلة في تحريم الربا في النقدين الثمينة.

وهل المعتبر في ذلك كونهما ثمينين في كل الأمصار، أو جلها وفي كل الأعمار، فتكون العلة بحسب ذلك قاصرة عليهما، أو المعتبر (تطلق) الثمينة، فتكون متعدية إلى غيرهما؟ في ذلك خلاف ينبني عليه الخلاف في جريان الربا في الفلوس إذا بيع بعضها ببعض أو بذهب أو بورق.
ويعم جميع أنواع بيع النقد بالنقد طلب المناجزة ويخص بيع الصنف بعضه ببعض طلب المساواة والمماثلة.
ولهذا انحصر مقصودنا من هذا الباب في ثلاثة أركان: الأول: في تحصيل المناجزة وذكر ما ينافيها.
والثاني: في تحصيل المماثلة وما تصح به والاحتراز من فسادها.
والثالث: النظر في خواص كل واحد من المبادلة والمراطلة وما يتعلق بذلك من أحكام الاقتضاء.
الركن الأول: في أحكام المناجزة.
وتنحصر في ثلاثة فصول: الأول: فيما يجري مجرى المقدمات، وينحصر في ثلاثة مسائل: الأولى: حكم المواعدة.
وفيه ثلاثة أقوال: المنع والجواز والكراهة.
فالمنع لأصبغ في كتاب أبي زيد.
قال: ويفسخ إن وقع، وقاسه على المواعدة (في العدة).
والجواز لابن نافع في السليمانية قال: وما سمعت أن أحداً كرهه، وقطع افلحاق بأن المنع ثم خشية إتمام العقد وهو المطلوب ها هنا.
والكراهة لمالك وابن القاسم.
وهو قول من أجاز، وراعى الخلاف).
وحكى أبو محمد عبد الحق أن الكراهة للنهي عن اختلاف الوعد، فكأنها لهذا تشبه العقد، وأما (التعريض) فلا يمتنع.
(المسألة) الثانية: الخيار.
وفيه قولان: المشهور منعه.
وحكى القاضي أبو الوليد وغيره جوازه.

وحكى الشيخ أبو إسحاق في زاهيه روايتين، وهما على الخلاف في حقيقة بيع الخيار، وهل ملك مستثنيه حل العقد فيكون عقداً متراخياً، أو ملك إبرامه (فيكون منحلاً؟).
المسألة الثالثة: الوكالة على الصرف.
وهي جائزة إن تولى الوكيل العقد والقبض، وأما إن تولى أحدهما خاصة.
فأما القبض فإن غاب الموكل حين القبض فسد الصرف، وإن كان بحضرة الموكل صح.
وقد روي المنع مطلقاً.
وحمله القاضي أبو الوليد على إطلاقه وجعل المذهب على قولين في اشتراط قبض الموكل بنفسه في صحة الصرف.
وأما العقد فحكم الوكيل فيه حكم الموكل في المسألة الأولى.
الفصل الثاني: فيما يجري مجرى (الصورة) وله حالتان: حالة كمال، وحالة إجزاء.
فحالة الكمال أن يبرز النقدين ويتناجزا سريعاً.
وحالة الإجزاء أن يكون النقدان أو أحدهما في كم المصرف أو تابوته الحاضر ويتناجزا.
فإن كان النقدان أو أحدهما غائباً يؤتى به من موضعه بطل الإجزاء.
واختلف في ست مسائل: الأولى: صرف ما في الذمة.
فالمشهور صحته إن كان حالاً.
وحكى المتأخرون عن أشهب الإبطال، وأحالوه على المولدات.
ولو تصارفا على ما في ذمة كل واحد منهما وقد حلا، جرى على القولين أيضاً.
وإن كان مؤجلاً فالمشهور منعه، وأجازه القاضي أبو إسحاق.
قال بعض المتأخرين: وهذا هو الأقيس.
وإنما (قدر) في المشهور أن المعجل مسلف، (فإن) حل الأجل قبض من نفسه،

وهو بناء على تقدير الممنوع كوجوده.
قال: وعلى هذا الأصل بناء كثير من (بيوعات) الآجال.
الثانية: الصرف على الذمة.
ومثاله: أن يعقد صرفاً ثم يتسلف ما عقد عليه، ولا شك في منعه إن طال.
وإن قرب، فإن تسلفا جميعاً منع، وإن تسلف أحدهما فقولان، صحح ابن القاسم، وأبطل أشهب قياساً على تسلفهما، وفرق للتصحيح بأنه مبني على علم أحد المتبايعين بالفساد وفيه قولان.
فإذا عقد على ما ليس (عندهما)، فقد علما فيبطل، وباتهام المتسلف أن يظهر ذلك ليبطل العقد فصحح نقضاً لغرضه، وبأنه متى كان التسلف منهما طال، بخلاف ما إذا كان من أحدهما.
ويخرج على هذه التعاليل أن علمهما بتسلف أحدهما يبطل على التعليل الأول قولاً واحداً، وأن المتسلف إذا علم أنه محق أن لا شيء معه بطل على التعليل الثاني، وأنهما لو تسلفا معاً وكان كقدر تسلف أحدهما لصح على مقتضى التعليل الثالث.
وكذلك هو عند ابن القاسم، وهو رأي أبي الحسن اللخمي.
الثالثة: صرف المغصوب.
وله ثلاث صور: الأولى: أن يكون مصوغاً قائم العين.
فالمنصوص أنه لا يجوز صرفه حتى يحضر.
والصورة الثانية: أن يكون مصوغاً غير قائم العين.
فإن ذهبت عينه جملة فقد ضمن، وهل تضمن قيمته أو وزنه؟ قولان.
التفريع: إن قلنا بضمان القيمة صرفت قيمته، وهذا هو المشهور.
وإن قلنا بضمان الوزن صرف وزنه، وكان في القيمة أو في الوزن صرف ما في الذمة.
وإن لم تذهب عينه حتى يكون لصاحبه الخيار في الأخذ أو التضمين، فيجري صرف القيمة على الخلاف في من خير بين شيئين فاختار أحدهما، هل يعد منتقلاً من كل واحد منهما إلى الآخر فلا يجوز صرف أحدهما، أو يعد كأنه لم يستحق غير ما اختار، فيجوز له صرف القيمة، وإن أراد صرف العين فيجري على ما قدمناه إذا كانت العين قائمة.
الصورة الثالثة: المسكوك، والمنصوص جواز صرفه.
قال القاضي أبو الوليد: ((وهذا مبني على أن الدنانير والدراهم لا تتعين في الغصب)).

قال: ((وقد ذكر القاضي أبو الحسن أن هذه رواية عن مالك)).
قال الشيخ أبو الطاهر: وإشارته إلى أن من غصب مسكوكاً فطلب ربه أخذ عينه، فأراد الغاصب أن يعطيه غيره، قال: وهذا إن كان بينهما فرق في الحل والتحريم أو الشبهة، فلصاحبه أخذ العين بلا خلاف، وإن لم يكن بينهما فرق فقولان، والمشهور أن له أخذ عين شيئه.
قال: فيقال: كأن على هذا يكون المشهور منع صرف المغصوب، وإنما رأى أن ربه إذا رضي بالصرف، والأصل التعلق بالذمة، إذ لا يعرف المسكوك بعينه، فأشبه صرف ما في الذمة.
المسألة الرابعة: صرف المرهون.
فإن كان مصوغاً ففيه قولان: المنع حتى يحضر، والجواز نظراً إلى إمكان التعلق بالذمة.
وإن كان مسكوكاً فأجيز في رواية محمد، ومنعه ابن القاسم، والجواز لإحدى علتين حصول المناجزة بالقبول، والالتفات إلى إمكان التعلق بالذمة، فأشبه المغصوب إذ هو على الضمان إن لم تقم بينة بتلفه، وقولان إن قامت.
والمنع نظراً إلى الحال، وهو على ملك ربه، وإنما يقبضه لنفسه عند حضوره فأشبه صرف الغائب.
الخامسة: صرف الوديعة.
وفي الكتاب: ((المنع منه)).
((وروى أشهب الجواز في المسكوك منها، واختلف في تعليله على (طريقين): أحدهما أنه مبني على أن يعتقد المودع التسلف ثم يصارف، قاله القاضي أبو الوليد)).
قال: ((ويجب على هذا أن لا يجوز في الحلي قولاً واحداً)).
والطريق الثاني النظر إلى حصول المناجزة بكمال القول والشيء تحت يده، فعلى هذا يجري الخلاف في المصوغ.
وقد ظهر تعليل المنع مما قدمناه في المرهون.
فرعان: أحدهما: العارية، ((وحكمها حكم الرهن.
قاله القاضي أبو الوليد)).
قال بعض المتأخرين: وهو ظاهر.

الثاني: المستأجر، حكمه حكم الوديعة.
المسألة السادسة: الصرف على التصديق في الوزن أو الصفة أو فيهما.
والمشهور: أنه لا يجوز، وأجازه أشهب.
والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في مراعاة الطوارئ.
فمن راعاها لا سيما وهي قريبة هنا منع، ومن لم يراعها ونظر إلى أن القول قول الدافع في الوزن والعدد أجاز.
الفصل الثالث: فيما يجري مجرى الطوارئ وهي ثلاثة أقسام: مفارقة.
ووجود نقص - واستحقاق.
القسم الأول: المفارقة قبل التقابض، فإن بعدت اختياراً أبطلت، وهذا هو الحكم في طول المجلس وإن لم يفترقا كما تقدم.
وإن قربت فالمشهور الإبطال أيضاً، والتصحيح في كتاب محمد.
وإن كانت غلبة فقولان: الإبطال والتصحيح، وهما على الخلاف في التناجز، هل هو ركن في عقد الصرف فيبطل مع التراخي كيفما تصور، أو هو شرط فلا يبطل مع الغلبة؟.
التفريع: إن قلنا بالتصحيح في غلبتهما فأحرى به في غلبة أحدهما.
لأنه قد يقصد إبطال الصرف فيقابل بنقيض قصده وإن أبطلتا فقولان.
والتصحيح في الصورتين هو اختيار القاضي أبي بكر.
مسائل ثلاث: إحداهما: أن يعقد على جملة فيجد بعضها.
فإن كان الموجود الأكثر فظاهر الكتاب إبطال الجميع، وقاله محمد وأصبغ.
وحكى محمد عن ابن القاسم أنه قال: ينتقض ما يقابل المتأخر خاصة.
ونزل بعض المتأخرين الخلاف على أن التناجز شرط فيبطل ما فقد فيه خاصة، أو هو ركن فإذا فقد بطل العقد جملة.
وإن كان الموجود الأقل أو النصف، فقولان أيضاً: أحدهما: النقض للكل، وسواء رضي الثاني بما وجد وتأخر الباقي أو لم يرض.
وهو مذهب الكتاب.
وقاله محمد وأصبغ كما قدمنا.
والثاني: أن النقص بين المتعاقدين.
فإن رضي أحدهما بما أخرجه الثاني من البعض

وإتباع الباقي انتقض صرف المتأخر.
وإن لم يرض انتقض صرف الجميع.
المسألة الثانية: أن يدخلا من الأول على قبض البعض دون البعض.
فأما ما يقبض فلا شك في نقضه.
وأما المقبوض فيجري على القولين في الصفقة إذا جمعت حلالاً وحراماً، والمشهور نقضها، والشاذ إمضاء الحلال.
ومثار الخلاف: النظر إلى انحاد العقد أو إلى اختلاف حكم المعقود عليه.
المسألة الثالثة: أن يدخلا على قبض الجميع ثم يؤخران شيئاً.
فإن آخرا الجل أو ماله قدر بطل الجميع على المشهور.
وإن آخرا الأقل فقولان: الصحة والفساد.
وقال أصبغ: لو عجز الصرف حبة فأخره بها انتقض الصرف كله.
فرع: لو صارفه بشيء ثم أودعه عنده بعد القبض، فإن كان مما يعرف بعينه كالمصوغ، أو كان مطبوعاً عليه، ولو كان مما لا يعرف بعينه صح الصرف.
وإن كان مما لا يعرف بعينه غير مطبوع عليه فيفسد الصرف نظراً إلى حماية الذرائع.
القسم الثاني: في وجود النقص وهو نوعان: نقص في المقدار، ونقض في الصفة.
أما النوع الأول: وهو النقص في المقدار.
فإن قام به بطل الصرف على المنصوص.
وقد تقدم الخلاف إذا قبض البعض دون البعض، فيجري عليه.
وإن لم يقم به ورضيه، فإن كان كثيراً فقولان: النقض والصحة، ويتخرجان على ما تقدم.
وإن كان يسيراً فقولان مرويان.
والمنع مأخوذ مما تقدم.
والنظر إلى اليسارة إعطاء لها حكم التبعية.
والمشهور أن الأتباع لا تراعى.
وإن جمعت قلت: ثلاثة أقوال: الصحة مطلقاً.
والإبطال مطلقاً.
والتفرقة: فإن كان النقص يسيراً صح، وإن كان كثيراً بطل.
فرع: وكم مقدار اليسير؟ أما إن كان الصرف في دينار واحد فقولان: أحدهما أنه الدانق والثاني: أنه النقص الذي تختلف فيه الموازين.
وإن كان الصرف في أكثر من دينار (أو) النقص في (الدراهم)، فقالوا: هو أن

تنقص المائة درهماً، وهذه شهادة باليسارة ما هي.
فرع مرتب عليه: وهو: إذا قلنا بالنقض، فقال مالك وابن القاسم: ((ينتقض صرف دينار واحد)).
وقال ابن القاسم أيضاً في العتبية: ((ينتقض الجميع)).
وقيل: ينتقض ما قابل النقص خاصة.
وقال الشيخ أبو القاسم: ((إن كان سمى لكل دينار منها ثمناً انتقض صرف دينار واحد أو دينارين (إن زاد) النقص على دينار)).
وإن لم يسم لكل دينار منها ثمناً انتقض الصرف كله.
وبهذا قال القاضي أبو إسحاق وابن أبي زمنين، ومن المتأخرين القاضي أبو الوليد وأبو القاسم بن محرز.
قال بعض المتأخرين: فأعروا التسمية من الخلاف، وأجروه في الإجمال.
هذا إذا وجد النقص بعد المفارقة أو الطول، فإن وجد بالحضرة، فإن رضي بالنقص تم الصرف، وإن لم يرض ولكن أتم ناجزاً تم أيضاً.
وإن اتفقا على التمام وافترقا قبل قبضه فقال أصبغ: ينتقض الصرف كله.
وقال ابن القاسم: ينتقض صرف دينار خاصة.
وأما النوع الثاني، وهو النقص في الصفة، فهو أن يجد ما يرد لعينه، ولا يخلو من أن يكون مما ليس فيه من النقدين شيء كنحاس ورصاص وشبههما، أو يكون مغشوشاً.
فأما الأول فاختلف المتأخرون في إلحاقه بالمغشوش أو بالنقص في المقدار على قولين.
وأما المغشوش فإن رضي واحده به صح الصرف.
وإن رده فهل يجوز البدل أو ينتقض الصرف؟ قولان: المشهور: النقض.
وقال ابن وهب وجماعة من المتقدمين بجواز البدل.
ومثار الخلاف: الاختلاف في الرد بالعيب، هل هو نقض العقد من أصله فينتقض، أو نقض له عند القيام فيصح البدل؟ فروع: إذا قلنا بالنقض، فهل يختص بغير المعين؟ وأما المعين فيجوز فيه البدل بلا

خلاف، أو يجري في المعين وغيره؟ قولان.
(والأول): رأى أبي الحسن اللخمي، وأصله لأبي بكر بن عبد الرحمن، وهو مستند إلى رواية أشهب.
والثاني: رأى جل المتأخرين، وأصله لأبي القاسم بن الكاتب، وهو مستند إلى رواية ابن القاسم.
وقد اختلف في هذا الأصل، وهو تعين النقدين بالتعيين، وفيه ثلاثة أقوال: التعيين مطلقاً.
ونفيه.
والتفرقة: فيتعين إن شاء (دفعه)، ولا مشيئة لقابضه.
وخرجه المتأخرون على الخلاف في شرط ما لا يفيد.
قالوا: إلا أن يكون اختصاص العين بكونه حلالاً أو خاصة لا توجد في غيره، فيتعين بلا خلاف.
الفرع الثاني: إذا قلنا بالبدل، وأراد أن يعطيه به سلعة أو غيرها.
أو قلنا بالفسخ، وأراد تأخير ما دفع، فهل له ذلك؟ فيه خلاف جار على (احتياج) الفسخ إلى حكم أو ثبوته برد المتعاقدين.
الفرع الثالث: إذا قلنا بالنقض، فهل ينقض جميع الصرف، أو صرف ما يقابل الزائف إلى كمال ديناراً وأكثر منه، أو ما يقابله خاصة، أو يكون القول الأول إن كان لم يسم لكل دينار ثمناً، أو الثاني إن كان سمى لكل دينار ثمناً على ما تقدم.
فإن اختلف الدنانير نقض ما يقابل الزائف إلى كمال أقلها، فينتقض الجميع بناء على نقض العقد من أصله.
والاقتصار على دينار واحد التفات إلى القول بالبدل، ونظر إلى أن النقدين لا يراد بعضها لبعض بخلاف العروض.
والاقتصار على قدر الزائف بناء على القول بجواز الصرف في بعض دينار.
ووجه التفرقة ظاهر، والاقتصار على الأقل لأنا لا ننقض إلا ما تدعو الحاجة إلى نقضه، وذلك يحصل بنقض الأقل.
الفرع الرابع: وهو مرتب على هذا: لو كان في الدنانير كسور أنصاف، وما في معناها، فقال في الرواية: (ينقض) كسر منها إن كان الزائف يقابله فأقل.

وقال القاضي أبو الوليد: ((إن كان أقل منه فيجري على القولين في جواز كسر القطع، فمن منع جاء منه ما في الرواية، ومن أجاز قطع بقدر الزائف)).
الفرع الخامس: أن يكون المختلف حلياً ويكون الزائف فيما يقابله، فإن قلنا بنقض الجميع في المسكوك فأحرى ها هنا، وإن قلنا بنقض البعض فها هنا قولان، لابن القاسم: نقض الجميع، لأن هذا مما يقصد بعضه لبعض، ونقض الواحد إلا أن يكون معه أخوة فيتبعه.
وسبب القولين: النظر إلى اتحاد العقد أو إلى تعدد المبيع.
الفرع السادس: إذا تساوت الدنانير وسموا لكل دينار منها مقداره من الدراهم، فرأى العراقيون أن هذه الصورة لا يختلف فيها أنه لا ينتقض الكل (بوجود) التسمية وتساوي الأغراض، فيكون بخلاف التسمية في السلع.
ورأى المتأخرون من المغاربة تساوي التسمية وعدمها.
قال بعضهم: وهو مقتضى الروايات.
وعلله بأن المعتبر إما بالتسمية بانفرادها، وأما تساوي الأغراض، والأول باطل بالتسمية في السلع فيتعين اعتبار الثاني، ثم يلزم عليه إن يكون وجود التسمية كعدمها.
الفرع السابع: إذا قام بالرد فأرضاه عنه، فقال سحنون: القيام كالرد.
والمشهور: التصحيح، بخلاف الرد.
والقولان على الخلاف في الملحق بالعقود هل يعد كالمقارن فيجوز، أو لا يعد كذلك فيمنع، ويصير كتأخير بعض العوض؟ الفرع الثامن: مرتبع عليه، وهو: بأي شيء تجوز المصالحة؟ وقد أجازها أشهب مطلقاً، نقداً وإلى أجل، ورأى ذلك شراء نزاع.
وخص ابن القاسم الجواز بما إذا أعطاه من جنس ما دفع أولاً وعجله، وهو حكم الإلحاق بالعقد الأول.
الفرع التاسع: لو قال له بعد الصرف: استرخصت فزدني، فزاده، فهل تعد الزيادة هبة محضة، أو تعد ملحقة بالأصل، فيعتبر فيها ما يجوز في الصرف؟ قولان، وهما على ما تقدم من إلحاق ما بعد العقود بها أو قطعه عنها.
الفرع العاشر: وهو مرتب عليه: لو وجد في هذا المزيد زائفاً، فهل يده أم لا؟ قولان منزلان على إعطائه حكم العوض أو حكم الموهوب؟

قال بعض المتأخرين: وقد يقال: إذا أعطيناه حكم العوض فيختلف في جواز البدل أو النقض به، وهو تركيب خلاف على خلاف.
قال: وهذا كله إذا وجد (الزيف) بعد المفارقة أو التراخي، فإن وجد بالحضرة صح الرضى باطراحه، وصح البدل إن تراضيا عليه، فإن لم يتراضيا وكان الصرف على غير معين أجبر من امتنع إن لم يطل.
وإن كان على معين فقولان: إجبار من أبى، وهو بناء على نفي التعيين.
ونفي الإجبار، وهو بناء على التعيين.
القسم الثالث: في الاستحقاق.
ويقع في المسكوك والمصوغ: فأما المسكوك فإن استحق بعد العقد، وكان بالحضرة لم ينتقض الصرف إلا أن يعين، فيجري على ما تقدم.
وإن كان بعد المفارقة أو التراخي، فإن كان الصرف على غير معين فسخ، قاله في الكتاب.
وهو بناء على أن ما بعد العقود ملحق بها.
والاستحقاق يقتضي كون الصرف لم تكمل مناجزته.
وقال أشهب: يأتي بالمثل، ويصح الصرف.
وهو بناء على إلحاق ذلك بالمقارن، أو على أنهما كالمغلوبين على التراخي، وقد تقدم الخلاف في انتهاض الغلبة عذراً.
قال أشهب: وإن كان معيناً انتقض الصرف، وهذا على أصلخ في (التعيين).
وأما المصوغ فإذا استحق انتقض الصرف مع عدم التراضي وطلب المستحق أخذ عين شبيه.
فإن رضي بالتمام.
فإن كان المصوغ حاضراً والمتعاقدان لم يفترقا، ففيه قولان: تصحيح الرضى، قاله في الكتاب.
وإبطاله.
قال أشهب: هو القياس.
والذي في الكتاب: استحسان عنده.
وهذا الخلاف جار على تنزيل الخيار الحكمي منزلة الشرطي.
فروع: أحدها: لو غاب أحد المصطرفين والمصوغ حاضر، لجرى فيه قولان: الإجازة والمنع.
وعد في الأول كالمبتدي صرفاً من الحاضر، وألحق في الثاني بالموكل يغيب.
الفرع الثاني: لو فات المصوغ حتى يتعلق بذمة من كان في يده، فقد قالوا: له أن يأخذ ما صرف به، لأنه يكون كالمصرف لما في ذمته.
قال بعض المتأخرين: هذا ظاهر إذا قلنا بضمان المثل، قال: وإن قلنا بضمان القيمة فإن جعل ما أخذ قيمة صح.

[الفرع]: الثالث: أنه لو صرف مسكوكاً تعدياً كالغاصب والمودع، فإن صرف لنفسه فإنما عليه مثل ما تعدى فيه، (فلصاحب) الشيء تغريمه المثل.
فإن تراضيا على أخذ ما صرف به صح، ويكون صرف ما في الذمة، وكأنه إنما صرف من المتعدي.
وصرف لربه فإن أخبر من صرف منه بذلك، فهذا صرف فيه خيار فيجري على حكمه.
وإن لم يخبره فللمستحق إجازة الصرف.
هذا مقتضى الكتاب.
وقال محمد: ليس له ذلك.
وسبب الخلاف: هل الخيار الحكمي كالشرطي أم لا؟ وأيضاً، فمن خير بين شيئين هل يعد منتقلاً أو آخذاً ما وجب له.
تكملة: إذا تقرر اشتراط المناجزة (وحكمها)، فلنكمل المقصود منها بذكر فصلين: أحدهما: في بيان ما ذكره بعض المتأخرين، في ترتيب ما تطلب فيه المناجزة.
قال: أضيق العقود فيها الصرف، وفي معناه بيع أحد النقدين بمثله، ثم يليه بيع الطعام بالطعام، لأنه في الحديث مقرون بالصرف.
ثم تليه الإقالة من الطعام، إذ يحذر فيها من شيئين: بيع الطعام قبل قبضه، وفسخ الدين في الدين.
ثم يليها فسخ الدين في الدين، أعني المحاذرة منه، وفي معناه الإقالة من السلم في العروض.
ثم يليه بيع الدين إذا كان غير طعام من أجنبي، وفيه قولان: أحدهما: أنه كابتداء الدين بالدين فيجوز فيه من التراخي ما يجوز في رأس مال السلم.
والثاني: أنه كالبيع ممن هو عليه، فيكون كفسخ الدين في الدين لا يجوز فيه تراخ.
ثم يليه ابتداء الدين وهو عقد السلم، وفيه قولان: المشهور جواز تأخير رأس ماله بشرط ثلاثة أيام.
والشاذ منع التأخير.
فإن تأخر بغير شرط ففيه تفصيل يأتي بيانه.
وتوجيه القولين في موضعه من السلم.
الفصل الثاني: في توقع عدم المناجزة هل يكون كتحققه أم لا؟ وهو كإضافة البيع إلى الصرف، وفيه خلاف وتفصيل يتبين برسم الفروع.
وقد اختلف في ضم ستة عقود إلى البيع، وهي: الصرف، والنكاح، والجعل، والقراض، والمساقاة، والشركة.
فالمشهور: منع الضم.

والشاذ جوازه، وهو قول أشهب: واستقرأه أبو الحسن اللخمي من كتاب محمد.
وقد اختلف في تعليل منع ضم العقود الستة إلى البيع على طريقين: أحدهما: أن البيع يختص بأحكام تخالف ما تختص به فتنافيا.
والطريق الثاني: النظر إلى كل عقد هلى انفراده، فيعلل منع الجمع بين الصرف والبيع بمحاذرة الاستحقاق، وهو ينقض الصرف كما تقدم، ولا ينقض البيع مطلقاً.
وأما النكاح والبيع، فلأن البيع مبني على المشاحة ولهذا يتقدر فيه العوضان، ويمنع من الجهالة فيهما، والنكاح بخلاف ذلك، فإن الاستمتاع بالبضع غير محدود بإجماع.
وأما الجعل وما ذكر بعده ففيه من الإغرار والخطار ما لا يجوز في البيع لمصالح اقتضته.
وإذا فرعنا على المشهور فليس ذلك مطلقاً، بل يجوز إذا كان أحدهما يسيراً.
وتفصيل ذلك يعلم من فروع: أحدها: أن يكون ذلك في دينار واحد.
واختل فيه: هل يطلب أن يكون أحدهما تبعاً للآخر: الصرف أو البيع؟ (و) المشهور أن ذلك لا يعتبر ليساره الدينار، وهو اعتبار لليساره في نفسها، وقيل: يعتبر، وهو اعتبار لليسارة بالنسبة.
الثاني: مرتب عليه: وهو أن اليسارة متى اعتبرت، فكم مقدارها؟ قال في كتاب محمد: الثالث فما دونه، (وهو) اعتبار اليسارة بالنسبة.
وقال القاضي أبو محمد: ((الدرهم فما دونه يعجز فيدفع إليه عوضاً بقدره أو يزيد الدينار أو الدرهم، وكسرة غير جائز، فيجوز دفع قدر ذلك للضرورة)).
وهذا منع الصرف والبيع إلا عند الضرورة إلى جمعها في القدر اليسير جداً.
قال المتأخرون: وكذلك يجري الحكم في بلد يتعامل فيه بالرباعية كصقلية ونحوها.
وكذلك حكاه القاضي أبو الوليد عن بعض فقهاء الصقليين.

الثالث: أن يكون الصرف في أكثر من دينار، فيجوز إذا كان البيع يسيراً .. وكم مقداره؟.
حكى أبو القاسم بن محرز عن بعض الأشياخ أنه يعتبر الثلث فدون.
وقال أبو موسى بن مناس: يعتبر في العرض أن تكون قيمته أقل من صرف دينار، كما يعتبر في الدراهم قدر ذلك).
فالنظر إلى الثلث قياس على قولهم في مراعاة الثلث في الأتباع، واعتبار بعض الدينار قياس على ما لو كان البيع الأكثر والصرف الأقل، فلا خلاف ها هنا أنه لا يجوز أن يكون الصرف إلا فيما دون دينار.
وينخرط في سلك البيع والصرف أن يتعاقدا على سلطة بدينار إلا درهماً أو درهمين، فإن كان الجميع نقداً، فإنه جائز إلا على ما قاله القاضي أبو محمد، فإن لم يكن ذلك نقداً، فله أربع صور: إحداها: أن يتأجل الجميع وهو ممنوع لأنه الدين بالدين.
الثانية: أن تتعجل السلعة ويتأجل الدينار والدرهم.
فالجمهور على جوازه، اطراحاً لحكم الصرف، فإن الدينار والدرهم لما تأجلا ظهر أنهما غير مقصودين.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز.
قال بعض المتأخرين: وهو القياس، لا سيما إن راعينا الأتباع في أنفسها.
فرع: إذا صححنا فما الذي يقضي به عند الأجل؟ قولان للمتأخرين: أحدهما: أنه يقضي على كل واجد بإخراج ما سمى، وهو ظاهر الكتاب.
والثاني: أنه يقضي على من في ذمته الدينار بدراهم، ويتقاضان.
ويتخرج الخلاف على حكم جزء الدينار: هل هو ذهب أو ورق.
الثالثة: أن يتعجل الدينار والدرهم وتتأجل السلعة.
فالمنع في الكتاب.
والجواز لأشهب.
فالمنع لأن التعجيل يشعر بالقصد إلى الصرف، فإذا قصد إليه وجب إلحاق ما معه (به) في التناجز.
والإجازة قياس على ما لو تأجل الدينار والدرهم ونظر إلى اليسارة، فكان الورق كالعدم.
الرابعة: أن تختلف حال الدينار والدرهم بالتعجيل والتأجيل.
فالمشهور: المنع.

وروى ابن عبد الحكم الجواز.
(فالمنع) نظر إلى تأخير عوض الصرف.
والجواز اطراح لحكمه لليسارة.
فروع: أحدها: في مقدار اليسير.
وقد اختلف فيه، فروى الدرهمان، وروي الثلاثة.
وقال الشيخ أبو بكر: مقدار ثلث دينار.
(الفرع) الثاني: أن تكون دنانير، فيستثني من كل دينار منها مقدار اليسير من الدراهم، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: منعه، ولو كان الكل نقداً، وهذا بناء على اعتبار جملة الدراهم، وهي كثيرة.
والمشهور: منع الصرف، والبيع مع الكثرة.
والثاني: الجواز مطلقاً، وهو إما بناءً على جواز الصرف والبيع، وإما على اعتبار كل دينار في نفسه والدرهم بالنسبة إليه يسير.
والثالث: جوازه في النقد خاصة، وهو بناء على ما تقدم في القول الثاني.
ثم يحاذر من التأخير تردد الأمر: هل يعتبر صرف يوم القضاء، فيؤدي إلى الجهالة بما ينوب كل درهم، وذلك كثير لكثرة الدراهم إذا جمعت، أو يعتبر صرف يوم العقد، فيستعجل تحويل الدراهم في ذهب، فيكون صرفاً مستأخراً وصرف ما في الذمة قبل حلوله؟ الفرع الثالث: أن يستثني جزء من الدينار كالسدس وما في معناه، ففيه قولان: أحدهما: أنه كاستثناء الدراهم.
والثاني: الجواز مطلقاً.
وهما على (خلاف) في جزء الدينار، هل يحكم له بحكم الدراهم إذ بها يقضي عند المشاحة، أو بحكم المسمى وهو ذهب، حتى يقع القضاء.
الفرع الرابع: أن يجد بالدرهم المدفوع زيفاً، فهل يتفق ها هنا على البدل لليسارة، أم

يكون حكم الصرف؟ قولان: وهما على الخلاف في الأتباع: هل هي مقصودة أم لا؟ فرع: يعم حكم البيع والصرف: وهو أن تستحق السلعة أو يوجد بها عيب يقتضي الرد، فإنه ينتقض الجميع.
ولهذا منع في المشهور الاجتماع كما تقدم، هذا حكم ما يمكن فيه الإفراد.
فأما ما لا يمكن ذلك فيه إلا بفساده، كالمحلى المباح للاتخاذ فينظر: هل العين تبع للمضاف إليه أم لا؟.
ثم هو يقع على وجهين: أحدهما: البيع بالصنف، وهو ملحق بالركن الثاني إذ المحاذرة فيه من عدم المساواة.
والوجه الثاني: البيع بغير الصنف، وهو ملحق بما نحن فيه، وله صورتان: إحداهما: أن يقع نقداً فلا خلاف عندنا في جوازه، كان تبعاً أو غير تبع.
والصورة الثاني: أن يكون تبعاً، فيباع إلى أجل، وفيه قولان: المنع وهو المشهور، والجواز وهو لسحنون وغيره.
وهما على الخلاف في الأتباع: هل لها قسط من الثمن أم لا؟ فروع أحدها: ما هو التبع؟.
ثلاثة أقوال: أحدها: الثلث.
والثاني: أنه دون الثلث.
وهما على ما تقدم في عد الثلث كثيراً أو يسيراً.
وحكى القاضي أبو الوليد عن بعض أصحابنا العراقيين أن النصف تبع، وبالزيادة عليه يخرج عن حد التبع.
الفرع الثاني: اختلف المتأخرون في اعتبار التبعية، وهي ها هنا القيمة، وقد قال المتأخرون: فيه قولان: أحدهما: اعتبار القيمة.
والثاني: اعتبار الوزن.
وهذا إنما يصح بالنسبة إلى قيمة المحلى، لا إلى جوهره.
الفرع الثالث: إذا منعنا التأخير فوقع.
فهل يفوت بالعقد أو بما يفوت به البيع الفاسد؟ قولان: وتفويته بالعقد هو قول محمد، وهو مراعاة للخلاف.
وإلحاقه بالبيوع الفاسدة نفي للمراعاة.
الفرع الرابع: إذا فات، فهل (يقضى) متى وجب الرد، بالقيمة أو بالمثل؟ قولان، وقد تقدما.

تنبيه: أفات في الرواية بانكسار الجفن، والجفن تبع، وأصلهم أن فوات التبغ لا يؤثر، لكن اعتذر أبو القاسم بن محرز عن ذلك بأن مراد ابن القاسم أن الجفن ملتصق بالنصل، والنصل محتاج إليه، فكان الكل في حكم الشيء الواحد.
الركن الثاني: في تحصيل المماثلة، وما تصح به، والاحتراز من فسادها.
ولا خلاف في اعتبارها، وقد بالغ في مراعاتها في الحديث.
حتى قال صلى الله عليه وسلم: ((مثلاً بمثل ووزناً بوزن ولا تشفوا بعضها على بعض)).
ولهذا نجعل توهم الربا كتحققه، فلا نجيز أن يكون مع أحد النقدين أو مع كل واحد منهما غير نوعه، أو سلعة، لأن ذلك يوهم القصد إلى التفاضل، ولهذا منع الدينار والدرهم بالدينار والدرهم.
فرع: فإن كان المبيع حلياً مختلطاً فله حالتان: إحداهما: أن يكون الاختلاط من النقدين، كالمختلط من ذهب وورق.
إما على مذهب من أجاز ذلك في السيف والمصحف، وإما أن يكون من حلي النساء فله صورتان: إحداهما أن لا يكون أحد الصنفين تبعاً، فلا يجوز بيعه بالعين.
حكى بعض المتأخرين: أنه لا يختلف المذهب في ذلك.
الصورة الثانية: أن يكون أحدهما تبعاً، فلا يجوز البيع بنصف الأكثر، وهل يجوز بنصف التبع؟ في الكتاب قولان: المنع، لأن التساوي لم يحصل وإلحاقاً له بحكم المتميز.
والجواز نظراً إلى أن الأتباع تعطى حكم المتبوعات.
فرع ثان مرتب على ما قبله، وهو: هل تعتبر اليسارة في القيمة أو في الوزن؟ قولان: والنظر إلى القيمة لأنها المقصودة.
وإلى الوزن لأنه المعتبر في جوهر النقدين.
قال بعض المتأخرين: والصحيح الأول.
الحالة الثانية: أن يكون الاختلاط بين أحد النقدين وبين غيرهما من السلع، كالسيف المحلى بفضة يباع بفضة.
ولا يخلو أن تكون فضته تبعاً أو نصله.
فإن كانت فضته تبعاً

فالمشهور أنه جائز.
ومنعه محمد بن عبد الحكم.
والقولان على (الخلاف) في الأتباع: هل تعطى حكم متبوعاتها أم لا؟ فروع أربعة: أحدها: إنا إذا أجزنا البيع، فهل يجوز التأجيل؟ قولان: المنع، وهو المشهور، وهو على إعطاء التبع قسطاً من الثمن.
والجواز، وهو رأي سحنون، فلم يعطه قسطاً من الثمن.
ثم إذا منعنا، فهل منع تحريم أو كراهة؟ قولان: وفي الكتاب: ((التحريم)).
وعند محمد: الكراهة، وهو حكم بالجواز لكن راعى الخلاف.
الفرع الثاني: أن يكون النصل تبعاً للحلية، فهذا لا يجوز أن يباع بنصف ما فيه.
فإن بيع: فهل يفوت بما يفوت به البيع الفاسد؟ قولان: والمشهور فواته بذلك.
ورأى سحنون: أنه لا يفوت بشيء، وتنقض فيه البياعات، وترد مع فوات عينه قيمة عروضه ووزن فضته.
وهذا أصله في البيع الحرام المتفق على تحريمه (لأنه) لا يفوت بشيء وتنقض فيه البياعات.
الفرع الثالث: أن تكون الحلية مختلطة من الذهب والفضة على الوجه المتقدم، فهذا يجري على ما تقدم في المختلط، ولا سلعة معه، وأحرى ها هنا بالمنع لزيادة السلعة إلا أن يكون جميع ذلك تبعاً للعروض، فأحرى بالجواز.
الفرع الرابع: حكم الثياب تكون فيها الأعلام، وهي على قسمين: أحدهما: ما تخرج منه عين عند السبك، وهذا بمنزلة المحلى، فيجري على حكمه.
والقسم الثاني: ما لا يخرج منه شيء.
قال بعض المتأخرين: وهذا هو المنطار.
وقد تردد أبو الحسن اللخمي في حكمه: هل يلغى لأنه لا تحصل منه عين، أو يلتفت إليه لأن المقصود الذهب.
ذكر غير أبي الحسن اللخمي عن المتأخرين قولين، وسببهما ما تقدم.
قال بعض المتأخرين عقيب الكلام في هذه المسألة: وقد كنت سألت بعض أشياخي عن

حكم السكة الجارية ببعض مدن إفريقية: هل تكون بمنزلة المختلط، فيختلف: هل تباع بالأقل؟ وهل ينظر إلى الوزن أو القيمة؟ قال: فكان جوابه عن هذا أنها بخلاف المختلط، لأن ذلك يقصد ذهبه وفضته جميعاً، والمسكوك إنما يقصد ذهبه لا غير.
ثم قال: وهذه شهادة وأظنها لا تطرد فإن هناك ذهباً يسمى اللواتية يقصد ذهبه وفضته.
قال: وأما ما لا يخرج منه شيء، فلا شك أنه كالمنطار.
ولنختم هذا الركن بذكر خمس مسائل: إحداهما: هل يمنع الاختلاط بالغش من جواز بيع الشيء بصنفه؟ وفيه قولان: حكى الشيخ أبو إسحاق: المنع.
قال بعض المتأخرين: ومقتضى الروايات الجواز.
وسبب الخلاف: النظر إلى صورة المماثلة، والحكم للغش بأنه تبع، فيطرح، أو ينظر إلى الحاصل من المغشوش، وهو دون ما في مقابلته، فيقع التفاضل.
ولا يمكن أن يقال: ينظر إلى قدر الخالص فتقع المعاملة بمثله، إذ الغش سلعة وقد لا تتحصل حقيقة الخارج، فيبطل التماثل من كل وجه.
فرع: وحكم المغشوش أن يكسر متى خيف المعاملة به.
وإن لم يذهب الخوف كسره، فيبالغ في إذهاب ذلك.
وإن لم يحصل إلا بالسبك سبك وأخرج خالصه.
المسألة الثانية: حكم المسافر يأتي إلى دار الضرب بتبر وهو مضطر إلى الرحيل وخائف من المطل.
فهل يجوز أن يدفع فضة أو ذهباً ويأخذ وزن ذلك من صنفه مسكوكاً، ويدفع الأجرة؟ قولان: الجواز والمنع.
وقال أشهب في كتاب محمد: قال مالك: وهذا إنما كان حين كانت الذهب لا تنقش والسكة واحدة.
وأما اليوم فلا، قد صار في كل بلد سكة يضربون فيها فليعطه جعله، وليضرب له ذهبه.
وقال محمد: لما اتسع الناس بالضرب وزالت الضرورة لم تجز.
وينخرط في هذا السلك مسألة دار الإسقالة وهي المعاصر: يأتيها من معه زيتون، فيقدر قدر ما يخرج فيأخذه زيتاً ويعيطهم الأجرة.
ومسألة السفاتج وهي سلف الخائف من غرر الطريق، يعطى بموضع ويأخذ حيث يكون متاع الآخذ، فينتفع الدافع والقابض.

ومسألة السلف طعاماً مسوساً في الشدة يأخذ جديداً عند الرخص.
وفي معناه مسف الأخضر يأخذ يابساً.
والكل بشرط، وفي (كل) ذلك قولان.
ولا يخفى ما فيها من مخالفة الأصول وحصول الربا، ومنفعة الدافع، لكنها ضرورات.
وسبب الخلاف: في جميعها القياس على الرخص، فمن قاس أجاز، لأنها بمنزلة العرايا، ومن منع لم يجز.
المسألة الثالثة: هل يطلب حكم المناجزة والمماثلة بين السيد وعبده، حتى لا يجوز له أن يرابيه؟ قولان.
والمشهور: المنع.
وأجازه ابن وهب.
وسبب الخلاف، النظر إلى الصورة، وهي معاملة، والربا محرم، أو النظر إلى قدرته على الانتزاع، فلا يعطى حكم المعاوضة.
وهذا يلتفت أيضاً على من ملك أن يملك هل يعد مالكاً حقيقة أم لا؟ قال الأصحاب: إلا أن يكون على العبد دين فلا تجوز مراباته بلا خلاف، لتعلق حق من له الدين، فلا يقدر على الانتزاع.
المسألة الرابعة: قال مالك في الواضحة: نهى عمر الأعاجم أن يبيعوا في أسواقنا، حتى يتفقهوا في الدين.
قال مطرف وابن الماجشون: يعني من لا يعرف تحريم الربا وكراهة الصرف من غير مناجزة، والدرهم بالدرهم بالدرهم، وبيع الطعام قبل استيفائه.
وشبه ذلك من كبيرات الأمور وظاهر الفقه.
فأما خفيات الفقه فلم يرده.
وقال ابن القاسم في الكتاب: ((إن مالكاً كره أن تكون النصارى في أسواق المسلمين لعملهم بالربا واستحلالهم له)).
قال: ((وأرى أن يقاموا من الأسواق)).
وقال أبو الحسن اللخمي (عقب) هذا الكلام: ((قد تغير أمر الناس اليوم، وكثر العمل بالربا من غير النصارى، وإذا كان ذلك كذلك، وكان رجلان يعملان بالربا أحدهما مسلم والآخر نصراني كان الصرف من النصراني أخف، لأنه لو أسلم لحل له ما في يديه كان ذلك عن ربا أو عن ثمن خمر ولو تاب المسلم لم يحل له إمساك ما في يديه من ذلك)).
المسألة الخامسة: النظر في اختصاص المناجزة والمماثلة بالعين، وجواز التفاضل والنساء في الفلوس، أو جريان ذلك في الفلوس وتحريم التفاضل والنساء فيها أو الكراهة

للمعاملة بها دون رعاية المناجزة والمماثلة.
وفي المذهب ثلاث روايات: فأما الأوليان في الجريان ونفيه، فقد تقدم ذكر سببهما في أول باب الصرف.
وأما الكراهة فسببها القول بالجواز مع مراعاة الخلاف.
فرع: لو كان التعامل بالفلوس ثم قطعت، فهل يقضي فيها بالمثل، أو بالقيمة؟ المشهور المعروف من المذهب: القضاء بالمثل، وإن فسدت إذا وجدت.
وحكى بعض المتأخرين عن كتاب ابن سحنون القضاء بالقيمة.
ورآه أبو إسحاق التونسي وغيره قياساً.
وهو نظر إلى كونها عادت إلى ما لا ينتفع به إلا منفعة لا كبير فائدة فيها، وقد دخلا على المنفعة، فالعدل القضاء بالقيمة، واختلاف الأحوال كاختلاف الأعيان في هذا.
ونظر في المشهور إلى الأصول، وهي تقتضي القضاء بالمثل فيما يوجد مثله.
فرع مرتب عليه: قال الأصحاب: فلو انقطعت فلم توجد، فله قيمتها يوم انقطعت إذا كان الدين حالاً.
وإن كان إلى أجل، فيوم حلوله أن انقطعت قبله إذا لم يتوجه قبل الحلول طلب، ولو آخره بعد الحلول كانت القيمة يوم الحلول.
ورأى بعض المتأخرين أنه إنما ينبغي أن تجب القيمة ها هنا يوم القضاء لا يوم توجه الطلب.
الركن الثالث: فيما يخص المراطلة والمبادلة وحكم الاقتضاء فأما المراطلة فتجوز في سائر الأصناف، وإن اختلفت أشخاصها، كما إذا كان المسكوك في مقابلة المصوغ، وأو أحدهما في مقابلة المكسور أو التبر.
وهل تعتبر فيها السكة والصياغة؟ ثلاثة أقوال:

  • الاعتبار كما في الاقتضاء، لأنهما مقصودتان.
  • ونفيه، لأن المقصود تساوي الوزن، إذ هو المعتبر في الحديث.
    ولا تعتبر السكة ولا الصياغة، ولو اعتبرنا لكانتا كسلعتين ضمتا إلى العين فيجب المنع.
    وهذا لم يقله أحد.
    والتفرقة، فتعتبر الصياغة لأنها صناعة مقصودة، ولا تعتبر السكة لأنها علامة، وهي كالختم في العين.
    ثم المراطلة لا تخلو من حالتين.

إحداهما: أن تتحد أشخاصها، مثل أن يكون كل واحد من العوضين ذهباً واحداً، فهذا تجوز فيه المراطلة مطلقاً، إلا أن يكون مسكوكاً في مقابلة مصوغ، فيجري على ما تقدم من النظر إلى مراعاة السكة والصياغة أو أطراحهما، فإن راعيناهما امتنع التساوي إلا أن يكون الفضل في طرف واحد وتتساوى الكفتان، وإن لم نراع ذلك نظرنا إلى عدم الغش فأجزنا على ما تقدم.
الحالة الثانية: أن تختلف أشخاص العين، فذلك في مقصودنا ثلاث صور: إحداها: أن يكون الجيد كله في جهة، فهذا تجوز فيه المراطلة قولاً واحداً.
والثانية: أن يكون أحد الذهبين مثلاً أفضل من المنفرد والثاني أدنى، فهذا يمنع المراطلة قولاً واحداً، لأنه قد اغتفرت رداءة الرديء لجودة الجيد، فخرج عن باب المساواة، وقدر ذلك بأن أحدهما زاد في مراطلة الجيد ونقص من مراطلة الرديء.
والصورة الثالثة: (أن يكون المنفرد مساوياً لأحد المختلطين والآخر أدون منه أو أجود، ففيه خلاف: الجواز لابن القاسم لأن الفضل في جهة واحدة.
والمنع لسحنون حماية للذريعة، وتوهما لقصد الزيادة للجيد، أو النقص للرديء، ولولا قصد ذلك لم يخلط بل يراطل المخالط ويبقى المساوي لنفسه.
فروع ثلاثة: أحدها: أن ما تقدم من الخلاف في مراعاة السكة والصياغة، هل يختص باتحاد العوضين أو يجري مع الاختلاط؟ قولان للمتأخرين.
قال بعضهم: ((والظاهر أنه لا يجري لوجود القصد إليه، فيتفق على اعتبارهما مع الاختلاط، ويختص الخلاف بالانفراد)).
الفرع الثاني: المراطلة بالمسكوك قبل أن يعلم وزنه.
وللمتأخرين في ذلك قولان: المنع لأنه من باب الجزاف.
والجواز لأن التساوي حاصل.
وأجرى القاضي أبو الوليد هذا على الخلاف في جواز بيعها جزافاً.
قال بعض المتأخرين: وقد يكون اختلاف المتأخرين في هذا مبنياً على حالين.
فإن كان التعامل بها عدداً لم يجز، وإن كان وزناً جاز.

الفرع الثالث: أن يكون المتراطلان شريكين في حلي أو نقره، فيبيع أحدهما حصته بمثل وزنها من صنفها، فقولان: الجواز والمنع، وعلل المنع بأن الكسر يقتضي تحيفاً، وإن قل فلا تقع المساواة.
وعلل أيضاً بأن المراطلة يطلب فيها أن يكون كل واحد من العوضين في كفه.
(قال بعض المتأخرين: وعلى هذا لا يجوز أن يتراطلا بصنجة يوزن بها كل واحد من العوضين ويلزم عليه أن لا تجوز مراطلة ما في الذمة إلا أن تجعل قضاء.
قال: وهذا هو مقتضى لفظ المراطلة.
وهذه الصورة التي ذكرها في المراطلة بصنجة يوزن بها كل واحد من العوضين قد ذكر الإمام أبو عبد الله أنها اختيار بعض المتأخرين من شيوخه، قال الإمام: ((وهو احتياط منه على التحفظ من الربا، وحسم مادة الشكوك في التفاضل لأن الميزان قد (يكون) لا يتساوى الوزن في كفتيه جميعاً (كما يشاهد) في بعض الموازين، فبين الإمام أن اختيار هذه الصورة احتياط للتساوي، كما أن اختيار الصفة الأخرى احتياط للتناجز)).
وأما المبادلة فتختص بالمسكوكين، ويطلب أيضاً فيهما التساوي، إلا أنهم أجازوا أن يبدل اليسير بأوزان منه إذا كان القصد المعروف والتعامل بالعدد.
ولذلك ثلاث صور: إحداهما: أن يكون الأنقص أجود، فهذا لا يجوز قولاً واحداً لخروجه عن باب المعروف.
والثانية: أن تتساوى السكتان، فيجوز قولاً واحداً أيضاً لأن الفضل في أحد الطرفين.
والثالثة: أن يكون الأرجح أفضل، فقولان: الجواز لابن القاسم، وهو الأصل لأنه أبلغ في المعروف.
والمنع لمالك، وعلل بوجهين: أحدهما ما قاله الشيخ أبو الحسن من أن الشرع منع جواز التفاضل بين الذهبين، فحصل الاتفاق على جواز بدل الناقص بالوازن من سكة واحدة، وبقي ما سواه على أصله.
قال الإمام أبو عبد الله: وهذا يقوى على القول بمنع القياس على الرخص.
الثاني ما قاله (أبو الطيب بن خلدون من أن السكك يختلف نفاتها عند الناس، فتنفق مرة سكة ومرة غيرها.
فمن التفت إلى الحال أجاز، ومن التفت إلى المآل منع).

فصول الكتاب · 74 فصل · 1313 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة · 1313 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصومكتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب الجهادكتاب عقد الذمة والمهادنةكتاب قسم الفيء والغنائمكتاب السبق والرميكتاب الإيمانكتاب النذوركتاب الضحايا والعقيقةكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأطعمةكتاب الأشربة
كتاب النكاح
كتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب العدةكتاب الرضاعكتاب النفقات
كتاب البيع
كتاب العراياكتاب الجوائحكتاب السلم والقرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلح والتزاحم على الحقوق والتنازعكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاة والمزارعةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب إحياء المواتكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الدعوى والبينات ومجامع الخصوماتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب كفارة القتلكتاب دعوى الدم
كتاب الجنايات الموجبة للعقوبات
كتاب موجبات الضمانكتاب العتقكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب أمهات الأولادكتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الجامع
جارٍ التحميل