السنة لابن أبي عاصمبَابٌ فِي فَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ

بَابٌ فِي فَضَائِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي عاصم
الكتاب
السنة
المؤلف
أبو بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني (المتوفى: 287هـ)
المحقق
محمد ناصر الدين الألباني
الناشر
المكتب الإسلامي - بيروت
الطبعة
الأولى، 1400
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

1546 - ثنا ابْنُ كَاسِبٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ يُثَبِّتَ قَائِمَكُمْ، وَيَهْدِيَ ضَالَّكُمْ، وَأَنْ يُعَلِّمَ جَاهِلَكُمْ، وَأَنْ يَجْعَلَكُمْ جُودًا رُحَمَاءَ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا صَفَّ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَصَلَّى وَقَامَ، ثُمَّ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يُنْقِصُ أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، دَخَلَ النَّارَ ".

1547 - ثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثنا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِلَّا فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ فِي الْعَرَبِ، وَأَقْرَبُ فِي الْعَرَبِ مِنَ الْعَرَبِ، أَلَا لَا تَقَدَّمُوا قُرَيْشًا» .

1548 - ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا شَرِيكٌ

، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، يَرْفَعُهُ، قَالَ: " إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الْخَلِيفَتَيْنِ بَعْدِي: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي، إِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ".

1549 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثنا أَبُو دَاوُدَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، ثنا شَرِيكٌ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِي: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلِيَّ الْحَوْضَ ".

1550 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَحُصَيْنُ بْنُ عُقْبَةَ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: يَا زَيْدُ، لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَمِعْتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوْتَ مَعَهُ.

1551 - حَدِّثْنَا يَا زَيْدُ مَا سَمِعْتَ مِنْهُ.
قَالَ: قَالَ زَيْدٌ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَطَبَنَا بِمَا يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَرَ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنْتَظِرُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولٌ مِنْ رَبِّي فَأُجِيبُ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَاسْتَمْسِكُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَخُذُوا بِهِ "، فَرَغَّبَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ثَلَاثًا

1552 - ثنا حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ» ، نَحْوَهُ

1553 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: الثَّقَلَيْنِ

، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابَ اللَّهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ".

1554 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، ثنا زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ ".

1555 - حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ بِغَدِيرِ خُمٍّ، قَالَ: " كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَإِنَّ اللَّهَ مَوْلَايَ، وَأَنَا وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ". ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْا، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ» . فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ فِي الرِّكَابِ إِلَّا قَدْ سَمِعَهُ بِأُذُنَيْهِ وَرَآهُ بِعَيْنَيْهِ.
قَالَ الْأَعْمَشُ: فَحَدَّثَنَا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، بِمِثْلِ ذَلِكَ.

1556 - ثنا أَبُو بَكْرٍ، ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ".

1557 - حَدَّثَنَا فَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، ثنا ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النضري، وَعَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَذَكَرَ الْحَدِيثَ

1558 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ

زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، سَبَبُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَسَبَبُهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَهْلَ بَيْتِي ".

1559 - قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلْت عَنِ السُّنَّةِ مَا هِيَ؟ وَالسُّنَّةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ فِي الْأَحْكَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ نَسَبُوهُ إِلَى السُّنَّةِ الْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْفِعْلِ لِلْفِعْلِ، وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ.
وَكُلُّ طَاعَةٍ مَعَ مُطِيعٍ فَبِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ مِنْ عَاصٍ فَبِخِذْلَانِ اللَّهِ السَّابِقِ مِنْهُ وَلَهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ، وَالشَّقِيُّ مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَّقَاوَةُ، وَالْأَشْيَاءُ غَيْرُ خَارِجَةٍ مِنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِعْلٌ لَهُمْ خَلْقٌ لِخَالِقِهِمْ.
وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ، مِمَّنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَكَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَمَنْ قَالَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَإِثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَرَاهُ أَوْلِيَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ نَظَرَ عَيَانٍ كَمَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ.
وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَفْضَلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ، وَهُوَ الْخَلِيفَةُ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ، بُويِعَ يَوْمَ بُويِعَ وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ وَهُوَ أَحَقُّهُمْ بِهَا، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْدَهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بَعْدَهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ عَلِيٌّ بَعْدَهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.
وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَعْلَمُهُمْ عِنْدِي بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَفْضَلُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ وَأَشْجَعُهُمْ وَأَسْخَاهُمْ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَقَدْ نَازَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ بَعْضًا فَأَبَى إِلَّا كُلَّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَوْ يُقَاتِلُهُمْ، وَرَأَى أَنَّ الْكُفْرَ بِبَعْضِ التَّنْزِيلِ يُحِلُّ دِمَاءَهُمْ فَعَزَمَ عَلَى قِتَالِهِمْ فَعَلِمَ أَنَّهُ الْحَقُّ.
وَمِنْ شَجَاعَتِهِ كَوْنُهُ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْغَارِ وَهِجْرَتُهُ مَعَهُ مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِقُرَيْشٍ وَسَائِرِ الْعَرَبِ مَعَ قَصْدِ الْمُشْرِكِينَ وَطَلَبِهِمْ لَهُ، وَمَا بَذَلُوا فِيهِ مِنَ الرَّغَائِبِ، ثُمَّ مَا ظَهَرَ فِي رَأْيهِ وَنُبْلِهِ وَسَخَائِهِ أَنْ كَانَ مَالُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ فَفُرِّقَ كُلُّهُ فِي الْإِسْلَامِ.
وَمِنْ زُهْدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ إِلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

" مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَقَالَ فِي قِصَّةِ الْكِتَابِ الَّذِي أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ: يَأْبَى اللَّهُ وَيُدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ.
وَسَمَّاهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ الصِّدِّيقَ، وَبُويِعَ وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى بَيْعَتِهِ، وَعَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاحَ فِيهَا فَسَمَّوْهُ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَخَاطَبُوهُ بِهَا.
ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى مِثْلِ سَبِيلِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَا وَصَفْنَا بِهِ مَعَ شِدَّتِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ وَسِيَاسَتِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ لِعُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ: إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّفُكُمَا وَالْإِسْلَامُ قَلِيلٌ، وَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ عَنْكُمَا.
وَذِكْرُ سِيَرِ عُمَرَ وَسِيَاسَتِهِ كُثْرٌ.
ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْ أَعْلَمِهِمْ وَأَشْجَعِهِمْ وَأَسْخَاهُمْ وَأَجْوَدِهِمْ جُودًا.
وَمِنْ عِلْمِهِ أَنَّ عَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، أَشَارَا فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى أَمَةِ حَاطِبٍ، فَرَأَى عُمَرُ ذَلِكَ مَعَهُمْ.
قَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، وَمَا تَقُولُ؟ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهَا حَدًّا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَهِلُّ بِهِ، وَإِنَّمَا الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ.
فَقَالَ عُمَرُ بَعْدَ أَنْ فَهِمَ ذَلِكَ عَنْهُ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ، إِنَّمَا الْحَدُّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ.
وَتَزَوَّجَ ابْنَتَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ قَطُّ.
ثُمَّ أَذْهَنُهُمْ ذِهْنًا، وَأَظْهَرُهُمْ عِبَادَةً، حَفِظَ الْقُرْآنَ عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ فِي قِلَّةِ مُدَّةٍ، فَكَانَ يَقُومُ بِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمِنْ سَخَائِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ إِلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَجَاءَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ أَلْفٍ، ثُمَّ أَلْفٍ، ثُمَّ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ بِأَجْمَعِ جِهَازِهِمْ.
ثُمَّ عَلِيٌّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِثْلُ ذَلِكَ فِي كَمَالِهِ وَزُهْدِهِ وَعِلْمِهِ وَسَخَائِهِ.
وَمِنْ زُهْدِهِ أَنَّهُ اشْتَغَلَ فِي سَنَةٍ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَفَرَّقَهَا، وَقَمِيصُهُ كَرَابِيسُ سُنْبُلَانِيٌّ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: بَلَغَتْ صَدَقَةُ مَالِي أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
وَمِنْ فَضَائِلِهِ الَّتِي أَبَانَهُ اللَّهُ بِهَا تَزْوِيجُهُ بِفَاطِمَةَ، وَوَلَدُهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَحَمْلُهُ بَابَ خَيْبَرٍ، وَقَتْلُهُ مَرْحَبًا، وَأَشْيَاءُ يَكْثُرُ ذِكْرُهَا.
ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى فَضَائِلُ يَكْثُرُ ذِكْرُهَا.
وَمِمَّا قَدْ يُنْسَبُ إِلَى السَّنَةِ، وَذَلِكَ عِنْدِي إِيمَانٌ، نَحْوَ عَذَابِ الْقَبْرِ.
وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٌ، وَالشَّفَاعَةُ، وَالْحَوْضُ، وَالْمِيزَانُ، وَحُبُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعْرِفَةُ فَضَائِلِهِمْ وَتَرْكُ سَبِّهِمْ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ وَوِلَايَتِهِمْ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَالتَّرَحُّمُ عَلَى مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا وَالرَّجَاءُ لِلْمُذْنِبِينَ، وَتَرْكُ الْوَعِيدِ

، وَرَدُّ الْعِبَادِ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَالْخُرُوجُ مِنَ النَّارِ يُخْرِجُ اللَّهُ مَنْ يشَاءُ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ، وَالصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ أَمِيرٍ جَائِرٍ، وَالصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْغَزْوُ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالتَّعَاونُ.

جارٍ التحميل