كل من لم (^٣) يتبع الوحي فإنما اتبع (^٤) الباطل واتبع أولياء من دون الله،
وهذا بحمد الله ظاهر لا خفاء به.
وقال تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (٢٧) ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (٢٨) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (٢٩)﴾ ٥.
فكل من اتخذ خليلا ٦ غير الرسول، يترك لأقواله وآرائه ما جاء به الرسول؛ فإنه قائل هذه المقالة لا محالة.
ولهذا فإنه سبحانه
لم يعين ١ هذا الخليل، وكنى عنه باسم فلان، إذ لكل متبع أولياء ٢ من دون الله فلان وفلان.
فهذا حال هذين الخليلين المتخالين على خلاف طاعة الرسول، ومآل تلك الخلة إلى العداوة واللعنة؛ كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (٦٧)﴾ ٣.
وقد ذكر تعالى حال هؤلاء الأتباع وحال من اتبعوهم ٤ في غير موضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (٦٦) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (٦٧) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (٦٨)﴾ ٥.
تمنى القوم طاعة الله وطاعة ٦ رسوله حين لا ينفعهم ذلك، واعتذروا بأنهم أطاعوا كبراءهم ورؤساءهم، واعترفوا بأنهم لا عذر لهم في ذلك، وأنهم أطاعوا السادات والكبراء وعصوا الرسول، وآلت تلك الطاعة والموالاة إلى قولهم: ﴿ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (٦٨)﴾.
وفي بعض هذا عبرة للعاقل وموعظة شافية، وبالله التوفيق.
وقال تعالى: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (٣٧) قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (٣٨) وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (٣٩)﴾ ١.
فليتدبر العاقل هذه الآيات وما اشتملت عليه من العبر.
قوله تعالى: ﴿افترى على الله كذبا أو كذب بآياته﴾ ذكر الصنفين المبطلين:
أحدهما: منشىء الباطل والفرية، وواضعها، وداعي الناس إليها.
والثاني: المكذب ٢ بالحق.
فالأول كفره بالافتراء وإنشاء الباطل، والثاني كفره بجحود الحق.
وهذان النوعان يعرضان لكل مبطل؛ فإن انضاف إلى ذلك دعوته إلى باطله، وصد الناس عن الحق، استحق تضعيف العذاب؛ لتضاعف كفره ٣ وشره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الذين
كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (٨٨)﴾ ١، فلما كفروا وصدوا عباده عن سبيله عذبهم عذابين: عذابا بكفرهم، وعذابا بصدهم عن سبيله.
وحيث يذكر الكفر المجرد لا يعدد العذاب؛ كقوله: ﴿وللكافرين عذاب أليم (١٠٤)﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ يعني: ينالهم ما كتب لهم في الدنيا من الحياة والرزق وغير ذلك.
﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله﴾؛ أين من كنتم توالون فيه وتعادون فيه، وترجونه وتخافونه من دون الله؟ ٣ ﴿قالوا ضلوا عنا﴾.
زالوا وفارقوا، وبطلت تلك الدعوة.
﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (٣٧) قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار﴾، ادخلوا في جملة هذه الأمم.
﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم﴾ كل أمة متأخرة ضلت بأسلافها ٤.
﴿ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار﴾ ضاعف عليهم
العذاب ١ بما أضلونا وصدونا عن طاعة رسلك.
﴿قال﴾ الله تعالى: ﴿لكل ضعف﴾ من الاتباع والمتبوعين بحسب ضلاله وكفره.
﴿ولكن لا تعلمون (٣٨)﴾ لا تعلم كل طائفة بما في أختها من العذاب المضاعف.
﴿وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل﴾؛ فإنكم جئتم بعدنا فأرسلت فيكم الرسل، وبينوا لكم الحق، وحذروكم من ضلالنا، ونهوكم عن اتباعنا وتقليدنا؛ فأبيتم إلا اتباعنا وتقليدنا، وترك الحق الذي أتتكم به الرسل، فأي فضل كان لكم علينا، وقد ضللتم كما ضللنا، وتركتم الحق كما تركناه؛ فضللتم أنتم بنا كما ضللنا نحن بقوم آخرين، فأي فضل لكم علينا؟ ٢ ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون (٣٩)﴾.
فلله ما أشفاها من موعظة، وما أبلغها من نصيحة، لو صادفت من القلوب حياة، فإن هذه الآيات ٣ وأمثالها مما تذكر ٤ قلوب السائرين إلى الله، وأما أهل البطالة الثكلة ٥ فليس عندهم من ذلك خبر ٦.
فصل
فهذا حكم الأتباع والمتبوعين المشتركين في الضلالة، وأما الأتباع المخالفون لمتبوعيهم، العادلون عن طريقتهم، الذين يزعمون أنهم تبع لهم ١، وليسوا متبعين لطريقتهم، فهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (١٦٦) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (١٦٧)﴾ ٢.
فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى ٣، وأتباعهم ادعوا أنهم على طريقتهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقهم ٤، يزعمون أنهم يحبونهم، وأن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم لهم ٥، فيتبرءون منهم يوم القيامة، فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله، وظنوا أن هذا الاتخاذ ينفعهم.
وهذه حال كل من اتخذ من دون الله ورسوله وليجة وأولياء، يوالي لهم ويعادي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم، فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه
فيها ونصبه، إذ لم يجرد موالاته ومعاداته، ومحبته وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله؛ فأبطل الله عز وجل ذلك العمل كله، وقطع تلك الأسباب، وهي: الوصل والموالاة التي كانت بينهم في الدنيا لغيره كما قال: ﴿وتقطعت بهم الأسباب (١٦٦)﴾ ١؛ فينقطع يوم القيامة كل سبب ووصلة ووسيلة ومودة [وموالاة] ٢ كانت لغير الله، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وبين ربه، وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريد عبادته وحده، ولوازمها من الحب والبغض، والعطاء والمنع، والموالاة والمعاداة، والتقريب والإبعاد، وتجريد متابعة رسوله وترك أقوال غيره لقوله ٣، وترك كل ٤ ما خالف ما جاء به، والإعراض عنه، وعدم الاعتداد ٥ به، وتجريد متابعته تجريدا محضا بريئا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلا عن تقديم قول غيره عليه.
فهذا السبب هو ٦ الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهي آخيته التي يجول ما يجول ٧، ثم إليها مرجعه.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدا لأول منزل ١
وهذه النسبة هي ٢ التي تنفع العبد، فلا ينفعه غيرها في الدور الثلاثة؛ أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار؛ فلا قوام له ولا عيش ولا نعيم ولا فلاح إلا بهذه النسبة، وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله، ولقد أحسن القائل حيث قال ٣:
إذا تقطع حبل الوصل بينهم … فللمحبين حبل غير منقطع
وإن تصدع شمل الوصل بينهم … فللمحبين شمل غير منصدع ٤
والمقصود أن الله سبحانه يقطع يوم القيامة الأسباب والعلق والوصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا كلها، ولا يبقى إلا السبب والوصلة التي بين العبد وبين ربه فقط، وهو سبب العبودية
المحضة التي لا وجود لها ولا تحقق ١ إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم، وما عرفت إلا بهم، ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وقد قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (٢٣)﴾ ٢.
فهذه الأعمال ٣ التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه، يجعلها الله هباء منثورا، لا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلا؛ وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة أن يرى سعيه كله ضائعا لم ينتفع منه بشيء، وهو أحوج ما كان العامل إلى عمله، وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم.
فصل
فهذا حكم الأتباع ٤ الأشقياء، فأما الأتباع ٥ السعداء فنوعان:
أتباع لهم حكم الاستقلال، وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ ٦.
فهؤلاء هم السعداء الذين ثبت لهم رضي الله عنهم، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل من تبعهم بإحسان، وهذا يعم كل من اتبعهم بإحسان ١ إلى يوم القيامة، ولا يختص ذلك بالقرن الذين رأوهم فقط، وإنما خص التابعون ٢ بمن رأى ٣ الصحابة تخصيصا عرفيا؛ ليتميزوا به عمن بعدهم فقيل: التابعون مطلقا لذلك القرن فقط، وإلا فكل من سلك سبيلهم فهو من التابعين لهم بإحسان، وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه ٤.
وقيد سبحانه هذه التبعية بأنها تبعية [بإحسان، ليست مطلقة فتحصل بمجرد النسبة والاتباع في شيء والمخالفة في غيره، ولكن تبعية] ٥ مصاحبة للإحسان؛ فإن الباء هنا ٦ للمصاحبة.
والإحسان في المتابعة شرط في حصول رضي الله عنهم وجناته.
وقال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (٢) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (٣) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٤)﴾ ٧.
فالأولون هم الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبوه.
والآخرون الذين لم يلحقوا بهم هم كل من بعدهم على منهاجهم إلى يوم القيامة، فيكون التأخر وعدم اللحاق بهم في الزمان.
وفي الآية قول آخر: إن المعنى لم يلحقوا بهم ١ في الفضل والمرتبة ٢، بل هم دونهم فيكون عدم اللحاق في الرتبة.
والقولان كالمتلازمين؛ فإن من بعدهم لا يلحقون بهم لا في الفضل ولا في الزمان، فهؤلاء الصنفان هم السعداء.
وأما من لم يقبل هدى الله الذي بعث به رسوله، ولم يرفع به رأسا، فهو من الصنف الثالث، وهم ﴿الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها﴾ ٣.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقسام الخلائق بالنسبة إلى دعوته وما بعثه الله به [من الهدى] ٤ في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم: كمثل غيث أصاب أرضا؛ فكانت منها طائفة طببة قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان ٥ منها أجادب أمسكت الماء؛ فسقى الناس وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله،
ونفعه ١ ما بعثني الله به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ٢.
فشبه صلى الله عليه وآله وسلم العلم الذي جاء به بالغيث؛ لأن كلا منهما سبب الحياة، فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.
وشبه القلوب القابلة للعلم بالأرض القابلة للغيث؛ كما شبه سبحانه القلوب ٣ بالأودية في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها﴾ ٤.
وكما أن الأرضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث:
إحداها: أرض زكية قابلة للشرب ٥ والنبات؛ فإذا أصابها الغيث ارتوت منه، ثم أنبتت ٦ من كل زوج بهيج.
فهذا ٧ مثل القلب الزكي الذكي؛ فهو يقبل العلم بذكائه، ويثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه؛ فهو قابل للعلم، مثمر لموجبه وفقهه وأسرار معادنه.
والثانية: أرض صلبة قابلة لثبوت الماء ١ فيها وحفظه، فهذه ينتفع الناس بورودها ٢ والسقي منها والازدراع.
وهذا ٣ مثل القلب الحافظ للعلم، الذي يحفظه كما سمعه، ولا تصرف له فيه ولا استنباط ٤، بل له الحفظ المجرد، فهو يؤدي كما سمع، وهو من القسم الذين ٥ قال فيهم ٦ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه" ٧.
فالأول مثل ٨ الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات؛ فهو يكسب بماله ما شاء.
والثاني مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والكسب ٩، ولكنه حافظ لماله، لا يحسن التصرف والتقلب فيه.
والأرض الثالثة أرض قاع؛ وهو المستوي الذي لا يقبل النبات، ولا يمسك ماء، فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تنتفع بشيء منه.
فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم ولا ١ الفقه والدراية فيه ٢، وإنما هو بمنزلة الأرض البوار التي لا تنبت ولا تحفظ الماء، وهو مثل الفقير الذي لا مال له، ولا يحسن يمسك مالا.
فالأول عالم معلم، داع إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرسل.
والثاني حافظ مؤد لما سمعه، فهذا يحمل إلى غيره ٣ ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر.
والثالث لا هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هدى الله، ولا رفع ٤ به رأسا.
فاستوعب ٥ هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم، منها قسمان سعيدان، وقسم شقي ٦.
فصل
وأما