القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد...
وكتب ابن تيمية رحمه الله مملوءة بذم المشبهة الممثلة، ومع ذلك يأبى هذا المبطل إلا رميه بالتشبيه والتمثيل.
ورحم الله الإمام ابن القيم إذ يقول: "ونعلم قبل المطالبة أنَّ كلَّ الجهميين على وجه الأرض لو اجتمعوا لما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والسبِّ هذه وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله تعالى"1.
قلت: صدقت رحمك الله فلم نجدهم يفعلون غير هذا، وما هذا الكاتب إلا شاهد من مئات الشواهد على ما تقول.
15 قال الكاتب ص17: "وقد أثبت ابن القيم أيضاً جنباً لله تعالى عما يقول!! واستنبط ذلك من قوله تعالى ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾ 2 ففي الصواعق المرسلة (1/250) ومختصر الصواعق للموصلي (1/33) ما نصه: "هب أنَّ القرآن دلَّ على إثبات جنب هو صفة، فمن أين لك ظاهره أو باطنه على أنَّه جنب واحد وشقٌّ واحد؟ ومعلوم أنَّ إطلاق مثل هذا لا يدل على أنَّه شق واحد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب" وهذا لا يدل على أنَّه ليس للمرء إلا جنب واحد" ا. هـ. قلت: وهل يصح قياس الله سبحانه وتعالى بعمران بن حصين وتشبيهه به؟! وهل يقول أحد من الموحدين أنَّ لله جنباً؟!.
والله ما الإتيان بمثل هذا الكلام إلا رجوع للوثنية الأولى ف ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ !!!! ".
قلت: ما أعظم جرأتك على التدليس والتلبيس والكذب، فإنَّ ابن القيم رحمه الله أجل قدراً وأرفع مكانة وأنبل منزلة من هذا الذي بهته به.
قال رحمه الله: "السادس: أن يقال: من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة لله؟ ومن المعلوم أن هذا لا يثبته أحد من بني آدم، وأعظم الناس إثباتاً للصفات هم أهل السنة والحديث لايثبتون أنَّ لله تعالى جنباً واحداً ولا ساقاً واحداً.
قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي: وادعاء المعارض زوراً على قوم أنَّهم يقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾، أنَّهم يعنون بذلك الجنب هو العضو، وليس ذلك على ما يتوهمونه.
قال الدارمي: فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقاً في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلاَّ فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك، إنَّما تفسيرها عندهم: تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية، فمن أنبأك أنَّهم قالوا: جنب من الجنوب؟ فإنَّه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم.
وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "الكذب مجانب للإيمان"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "لا يجوز من الكذب جدٌّ ولا هزلٌ"، وقال الشعبي: "من كان كذَّاباً فهو منافق"، والتفريط فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائماً بذات الله لا بجنب ولا غيره بل يكون منفصلا1عن الله تعالى، وهو معلوم بالحس والمشاهدة".
ثم قال ابن القيم "السابع: أن يقال: هب أنَّ القرآن دلَّ على إثبات جنب هو صفة... " على وجه المجادلة للخصم والإلزام في مقام المناظرة.
والكاتب اكتفى بنقل كلام ابن القيم هذا وترك ما قبله مما يوضح مراده ويبيّن مقصوده.
قلت: فيالله ما أعظم تشابه قلوب القوم وتعانق أهوائهم فالدارمي رحمه الله يقول للجهمي المعارض الذي ادعى على قوم أنَّهم يفسرون ﴿فِي جَنبِ اللهِ﴾ بالجنب الذي هو العضو، يقول له: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن كنت صادقاً في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم، وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، ثم ينقل معنى الآية عند أهل العلم بأنَّ المراد: ما فرطوا في الإيمان والفضائل، ويقول: لايجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم، ثم يورد آثاراً عن السلف في التحذير من الكذب، وأنَّه مجانب للإيمان، وأنَّه صفة المنافقين، ولا يجوز منه جد ولا هزل، كل ذلك ذكره الدارمي ونقله ابن القيم بتمامه معتقداً له مستشهداً به وهو في نفس الصحيفة التي نقل منها الكاتب، فيتعامى عن ذلك كله، ويدعي أن ابن القيم يثبت الجنب صفة لله ويرجع بالأمة إلى الوثنية الأولى.
فنقول له مثل ما قاله الإمام الدارمي لسلفه: ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإنَّ معنى قوله: ﴿فِي جَنبِ اللهِ﴾، أي: في دين الله أو في حق الله، وهذا معنى لا يجهله كثير من عوام المسلمين فضلاً عن الإمام العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى.
ونقول للكاتب: ألم يردعك عن الكذب ما قرأته في الصحيفة نفسها: من قول أبي بكر رضي الله عنه: "الكذب مجانب للإيمان"، وقول ابن مسعود رضي الله عنه: "لا يجوز من الكذب جدٌّ ولا هزلٌ"، وقول الشعبي: "من كان كذَّاباً فهو منافق"، ألم يردعك ذلك كله عن الكذب فإنَّ فيه أعظم رادع، أم أنَّ الطبع غالب.
16 قال الكاتب ص18: "وإمام ابن تيمية وقدوته في هذه الطامات هو أبو يعلى الحنبلي الذي كان يقول:"ألزموني ما شئتم إلا اللحية والعورة" أي في صفات الله تعالى!! كما نقل ذلك ابن العربي المالكي في كتابه العواصم (2/283) وهذا هو توحيد الأسماء والصفات الذي يريدونه والذي يحاولون إثباته".
قلت: حسيبك الله على ما تقول، فشيخ الإسلام رحمه الله يقول في هذا الذي بهته به ورميته به ما نصه: "وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في إبطال التأويل ردّاً لكتاب ابن فورك، وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها ففيها عدة أحاديث موضوعة كحديث الرؤية عياناً ليلة المعراج ونحوه وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة، كحديث قعود الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة وهي كلها موضوعة، وإنَّما الثابت أنَّه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه، ويتلقونه بالقبول.
وقد يقال: إنَّ مثل هذا لا يقال إلا توقيفاً، لكن لا بد من الفرق بين ما ثبت من ألفاظ الرسول وما ثبت من كلام غيره، سواء كان من المقبول أو المردود.
ولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ وشنع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب.
وما نقله عنه أبو بكر ابن العربي في العواصم كذب عليه عن مجهول لم يذكره أبو بكر، وهو من الكذب عليه، مع أنَّ هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه ففي كلامه ما هو مردود نقلاً وتوجيهاً، وفي كلامه من
التناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي المعالي وأمثالهم ممن يوافق النفاة على نفيهم، ويشارك أهل الإثبات على وجه يقول الجمهور: إنَّه جمع بين النقيضين"1.
قلت: وبهذا النقل يتبين كذب الكاتب وبهته وافتراؤه على شيخ الإسلام رحمه الله، والأمر لا يحتاج إلى إيضاح فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يوافق أبا يعلى في كلِّ ما قال وبيَّن كذب ما نقله ابن العربي ولم يكن أبو يعلى إماماً لشيخ الإسلام كما قال الكاتب.
وأمَّا القاضي أبو يعلي رحمه الله فقد قال في آخر كتابه "إبطال التأويلات" في دفاعه عن نفسه ما رمي به من تجسيم وتشبيه وغير ذلك ما نصه: "... ثم لم يكفهم ما أضافوه إلينا من الكذب والبهتان، حتى رمونا بالتجسيم والتشبيه والكفر لأجل ما رويناه من الصفات التي جاء بها القرآن والأخبار، والله تعالى يقول: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَّعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَي صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ 2، فكيف يجوز أن نكفر ونحن نحتج بكتاب الله وسنة رسول الله، ولكن نعتصم بالله كما أمرنا الله تعالى لنهتدي إلى الصراط المستقيم، ومع هذا فلم يخل الله جل ثناؤه كل عالم في عصره من جاهل يبغي عليه بحسده وشره ليبلو بذلك شكره وصبره، ويعظم بذلك ثوابه وأجره.
وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ 3، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُوا أَذًي كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ 1، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ 2، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ 3، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أنَّ مؤمناً على قصبة في البحر لقيَّض الله له منافقاً يؤذيه"، وقال الشاعر: وإذا أتتك مذمَّتي من ناقص... فهي الشهادة لي بأنِّي فاضل وقال رجل لأحمد بن حنبل رحمه الله يا أبا عبد الله: قالوا: إنَّ عندك كتاب زندقة، فقال: لا يحرز المؤمنَ إلا قبرُه... ". وذكر القاضي كلاماً طويلاً ثم قال: "... فمن روى عنَّا خلاف ذلك أو أضاف إلينا سواه أو نحلنا في ذلك قولاً غيره فهو كاذب مفتري متخرص معتدي يبوء بسخط الله وعليه غضب الله ولعنته في الدارين... "4. 17 قال الكاتب ص 19: " (تنبيه مهم جداً) ومِمَّا يدل على أنَّ هؤلاء المتسلفين أتباع ابن تيمية وابن القيم مجسمة أيضاً يسيرون على نفس نهج شيخهما، مؤلفاتهم المطبوعة والتي تثبت ذلك، منها كتاب طبع حديثاً لمتسلف وهابي يدعى (عبد الله بن محمد الدويش) اسم الكتاب (المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال) يسفه فيه الشيخ (سيد قطب) ويصفه
بالابتداع وأنَّه جهمي أشعري معتزلي وإليك بعض ما يقول هذا المتمسلف: 1 يقول ص: 10 ما نصه: "فقد عاب سيد قطب قول أهل السنة والجماعة، وهذا هو مسلك أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وسيجيء من كلامه ما يبين أنَّه سلك مسلكهم" ا. هـ". قلت: نص كلام الشيخ العلامة عبد الله الدويش رحمه الله هو قوله بعد أن ذكر تفسير أهل السنة للاستواء بالعلو والارتفاع "... فمن ردَّ هذا أو عابه فقد عاب قول أهل السنة والجماعة وهذا هو دأب أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
وسيجيء من كلامه ما يبين أنَّه سلك مسلكهم".
فحذف الكاتب أول كلام الشيخ وهو عام كما ترى ثم أضاف إليه من كيسه بين شرطتين سيد قطب إمعاناً منه في التحريف، وهذا كذب فاضح، ففرق بين نص الشيخ الدويش رحمه الله، وبين النص الذي أورده هذا المزور.
وسيد قطب رحمه الله له في كتابه الظلال أمور عديدة متعلقة بالصفات وغيرها خالف فيها منهج أهل السنة والجماعة وسلك فيها طريقة المتكلِّمين، وقد نبَّه على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم العلامة الدويش رحمه الله في كتابه "المورد... " الذي شرق منه هذا الكاتب وغيره.
بل إنَّ سيد قطب رحمه الله قد أقرَّ على نفسه بأنَّه قد وقع في مثل هذه الأخطاء، وسلك مسالك المتكلِّمين في كتابه الظلال وغيره من كتبه، ووعد بإعادة النَّظر فيها وتدارك ذلك في الطبعات الأخرى، إلاَّ أنَّه رحمه الله مات ولَم يتيسَّر له ذلك.
ففي ظلال القرآن (6/3731) انتقد سيد قطب طريقة مَن يريدون فهم
القرآن على ضوء مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة كما هو الشأن عند أئمة الكلام الباطل ثم "يؤولون نصوصه هذه لتُوائم مقررات سابقة في عقولهم، وتصورات سابقة في أذهانهم لما ينبغي أن تكون عليه حقائق الوجود"، ثم علَّق على هذا في الهامش بقوله: "وما أبرئ نفسي أنَّني فيما سبق من مؤلفاتي وفي الأجزاء الأولى من هذه الظلال قد انسقت إلى شيء من هذا، وأرجو أن أتداركه في الطبعة الثانية إذا وفَّق الله، وما أقرره هنا هو ما أعتقده الحقَّ بهداية من الله".
اه.
فنسأل الله أن يغفر لسيد قطب أخطاءَه التي أقرَّ بها ووعد بتلافيها، وأن يهدي أتباعَه للبُعد عنها والحذر من الوقوع فيها، إنَّه سميعٌ مجيب.
وعلى كلٍّ فسيد قطب رحمه الله أقرَّ على نفسه بهذه الأخطاء ووعد خيراً، والعلماء الناصحون حذَّروا الناسَ من هذه الأخطاء وأرادوا بذلك خيراً، وأمَّا هذا الدَّعِي وأمثاله فلم ينصحوا لا لسيد قطب رحمه الله ولا لعموم المسلمين، والله وحده المستعان لا شريك له.
18 قال الكاتب ص 19،20: "2 - ويقول ص: (19) [أي الدويش] ما نصه: "وأقول: قوله سيد قطب في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان هذا قول أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وأما أهل السنة والجماعة فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه... ". ثم قال بعد ذلك بخمسة أسطر في نفس الصحيفة ذامّاً أهل البدع بنظره ما نصه: "ومقصودهم بها نفي الصفات كالجسم والتحيز... " ا. هـ فهو يرى تبعاً لابن تيمية وابن القيم أنَّ من صفات الله تعالى الجسم والتحيز، وأنَّ الشيخ سيد قطب والأشاعرة الذين ينزهون الله عن التحيز والمكان ويقولون ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ 1، مبتدعة جهميون، فالله حسيبه وحسيب هذه الطائفة".
قلت: لقد بتر الكاتب كلام الشيخ العلامة الدويش رحمه الله وهذا من عادة أهل البدع والأهواء ليتوصل من ذلك إلى تقرير أنَّ الشيخ يثبت الجسم والحيز لله ويعدها من صفاته، والشيخ رحمه الله لم يقل ذلك ولا يقصده بل ولا يقول به كما يعلم ذلك من قراءة كلامه بتمامه.
ونص كلامه رحمه الله هو: "أقول: قوله في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان هذا قول أهل البدع كالجهمية والمعتزلة وأما أهل السنة والجماعة فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه وبما وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزون القرآن والحديث فيثبون علو الرب عز وجل واستواءه على عرشه كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وأما أهل البدع فلا يثبتون ما ورد أو يثبتون بعض الصفات دون بعض، ويبتدعون ألفاظاً موهمة يظن الظانّ أنَّهم ينزهون الرب عز وجل بها عن النقائص والعيوب ومقصودهم بها نفي الصفات كالجسم والتحيز والجوهر والعرض، قال شيخ الإسلام تقي الدين بعد كلام له في الردِّ على من قال إنَّه ليس بجسم ولا بجوهر ولا عرض قال رحمه الله: فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها كلفظ الجوهر والجسم والحيز ونحو ذلك من الألفاظ... ". هذا نص كلام الشيخ رحمه الله، ومن يقرأ كلامه يعلم أنَّ مراده بذكر الجسم والحيز والعرض التمثيل للألفاظ الموهمة التي يظن الظانّ أنَّ أهل البدع يقصدون بنفيها تنزيه الله عن النقائص والعيوب، فجاء هذا المزور وبتر كلام
الشيخ وأخذ آخره ليوهم القارئ أنَّ الشيخ يمثل بالجسم والجوهر لصفات الله الثابتة له، ولهذا قال المزور بعد هذا النقل المبتور: "فهو يرى تبعاً لابن تيمية وابن القيم أنَّ من صفات الله تعالى الجسم والحيز".
مع أنَّ الشيخ الدويش رحمه الله كما تقدم نقل تلو النص الذي ذكره الكاتب عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنَّ هذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها على الله، وهذا هو معتقد شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أئمة أهل السنة في مثل هذه الألفاظ الموهمة، لا يرون إطلاق إثباتها ولا إطلاق نفيها لكونها لم ترد ولكونها محتملة.
ورغم وقوف الكاتب على ذلك إلا أنَّه لم يرض لنفسه غير الكذب والتزوير.
19 قال الكاتب ص 33: "… لذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ 1، معناه كما قال القرطبي في التفسير (13/161) : "أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي، معناه: أنَّهم يقولون ذلك بألسنتهم فقط عند إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك"... ". قلت: لما لم يجد الكاتب أحداً من أهل العلم يوافقه في قوله: إنَّ المشركين لا يؤمنون بوجود الله، وأنَّهم إنَّما قالوا ذلك عند إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك، لما لم يجد أحداً يوافقه في ذلك اضطر إلى التزوير.
فقال: كما قال القرطبي في التفسير (13/161) : "أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي، معناه: أنَّهم يقولون ذلك بألسنتهم فقط عند
إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك".
فجعل من قوله "أي كيف يكفرون... "، إلى قوله: "... لا يقولون بذلك" بين علامتي التنصيص ليوهم أنَّ الجميع من قول القرطبي، بينما كلام القرطبي في الحقيقة ينتهي عند قوله: "... عن عبادتي"، والباقي من كلام الكاتب، وزور مع هذا تزويراً آخر فحذف كلاماً للقرطبي قبل هذا فيه التنصيص على اعتراف المشركين بأنَّ الله تعالى "خالق هذه الأشياء".
بل إنَّ القرطبي يصرح بالفرق بين الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية فقد نقل عنه صاحب تيسير العزيز الحميد أنَّه قال: "أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إنَّ موجوداً ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهاً"1.
20 قال الكاتب ص 37: "اعلم يرحمك الله تعالى أنَّ أهل السنة والجماعة بما فيهم الأشاعرة والماتريدية يثبتون لله من الصفات ما أثبت لنفسه، وما يشوشه المجسمة عليهم من أنهم معطلة وجهمية تشويش فارغ لا قيمة له بعد التمحيص العلمي والتدقيق".
قلت: مراده بالمجسمة أهل السنة والجماعة، فهم الذين يرمون الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من أهل الكلام بأنهم معطلة فيما ينكرونه من صفات الله تعالى.
فالأشاعرة وكذا الماتريدية ينفون عن الله كثيراً من صفات كماله الثابتة في الكتاب والسنة مثل الاستواء والنزول والمجيء والغضب والرضا... وغيرها فهذه صفات أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، ونفاها هؤلاء عنه، خلافاً لما ادعاه الكاتب أنَّهم يثبتون لله من الصفات ما أثبت لنفسه.
وجَعْلُ الكاتبِ الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة، غلط ظاهر إذ هم من أهل البدع والأهواء، وأمَّا أهل السنة والجماعة فهم المتمسكون بها والدائرون معها نفياً وإثباتاً.
فإنَّ المراد بالسنة الطريقة المحمدية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وتابعوهم بإحسان قبل ظهور البدع وفشوها، فمن تأثر بشيء من الأهواء واستمسك بها لم يصح إطلاق هذا اللقب الجليل عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة، فإنَّ أئمة السنة تضاف السنة إليهم لأنَّهم مظاهر بهم ظهرت، وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنَّهم مصادر عنهم صدرت... "1. وبهذا يعلم من هم أهل السنة ومن أهل البدعة.
21 قال الكاتب ص 38: "والضحك كذلك لا يليق أن يطلق حقيقة على الله، وإنما يطلق على سبيل المجاز، وتأويله عند أهل العلم الرضا أو الرحمة، فإذا ورد في حديث أنَّ الله يضحك إلى فلان فالمراد به أنَّه يرضى عنه ويرحمه، وهكذا".
قلت: شيخ الكاتب في هذا التأويل الباطل هو بشر بن غياث المريسي،
وقد نقض أقواله الإمامُ الدارمي في رده الشهير عليه، ولهذا فإني أقتصر هنا على ذكر ردِّ الإمام الدارمي على بشر المريسي في هذه المسألة ليكون الرد على الشيخ ردّاً على التلميذ.
قال الدارمي رحمه الله: "فادعى المعارض في تفسيره أن ضحك الرب رضاه ورحمته … وذكر أموراً ثم قال: وأمَّا قولك إنَّ ضحكه رضاه ورحمته فقد صدقت في بعض، لأنَّه لا يضحك لأحد إلا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضا، ولا يصرفه إلا عن عدو، وأنت تنفي الضحك عن الله وتثبت له الرضا وحده... إلى أن قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو يعلى أخبرنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن أبي رزين العقيلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره.
قال أبو رزين: أيضحك الرب يا رسول الله؟ قال: نعم.
قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً".
فهذا حديثك أيها المعارض الذي رويته وثبتَّه وفسرته، وأقررت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله، ففي نفس حديثك هذا ما ينقض دعواك وهو قول أبي رزين للنبي صلى الله عليه وسلم "أيضحك الرب؟ " ولو كان تفسير الضحك الرضى والرحمة والصفح عن الذنوب فقط كان أبو رزين في دعواك إذن جاهلاً أن لا يعلم أنَّ ربه يرحم ويرضى ويغفر الذنوب؟ بل هو كافر في دعواك، إذ لم يعرف الله بالرضى والرحمة والمغفرة.
وقد قرأ القرآن وسمع ما ذكر الله فيه من رحمته ومغفرته وصفحه عن الذنوب ما كان له فيه مندوحة عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم: أيغفر ربنا ويرحم؟ إنَّما سأله عما لا يعلم لا عن علم ما علم وآمن به قبل.
وقرأ القرآن فوجد فيه ذكره ولم يجد فيه ذكر الضحك.
فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه يضحك قال: "لن نعدم من رب يضحك خيراً" ولو كان على تأويلك لاستحال أن
يقول أبو رزين للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نعدم من رب يرحم ويرضى ويغفر خيراً.
لما أنَّه قد آمن وقرأ قبل في كتابه: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فاعقله.
وما أراك تعقله"1.
قلت: ولست أدري أيضاً هل التلميذ يعقله أولا؟ وما أراه يعقله.
22 قال الكاتب ص 38: "روى الإمام البيهقي في كتاب الأسماء والصفات (ص: 298) أنَّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى أوَّل الضحك بالرحمة، وهذا نهج السلف والمحدثين، والبخاري بلا شك من أئمة المحدثين، ومن أهل القرون الثلاث، قرون السلف المشهود لها بالخيرية".
قلت: حاشاهم، فتأويل النصوص وصرفها عن ظواهرها ليس من نهجهم، بل هم يمرون النصوص كما جاءت ولا يحرفون ولا يمثلون ولا يعطلون ولا يكيفون.
وهذا الذي ذكره البيهقي أنَّ البخاري أوَّل الضحك بالرحمة، لا وجود له في نسخ صحيح البخاري الموجودة بين أيدينا، والحديث الذي ذكر البيهقي أنَّ البخاري أوَّل عنده الضحك بالرحمة مُخرج في صحيح البخاري في موضعين منه، ولم يذكر عند شيء منهما هذا التأويل الباطل، وقد نص الحافظ في الفتح (8/632) على عدم وجود هذا التأويل في النسخ التي اطلع عليها من صحيح البخاري وهو من هو في العناية بالصحيح وسعة الاطلاع على نسخه، فقال رحمه الله: "ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري".
وعليه فلا عبرة بذكر بعض المؤولة هذا القول منسوباً للبخاري رحمه الله، ولا عبرة بالدعاوى إذا لم يقم عليها بينات.
23 قال الكاتب ص 40: "والصواب أنَّ السلف بما فيهم الصحابة والتابعون كانوا يؤولون كثيراً من الألفاظ التي لا يراد منها إثبات صفات لله تعالى، وتفسير الإمام الحافظ ابن جرير السلفي (توفي 310هـ) أكبر برهان على ذلك فقد أورد الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره وروى بأسانيده عن سيدنا ابن عباس تأويل (الساق) الواردة في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ 1 بالشدة؛ لأنَّ العرب تقول: كشفت الحرب عن ساقها أي اشتدت".
قلت: قول الكاتب عن الصحابة والتابعين أنَّهم يؤولون كذبٌ عليهم، وتقوُّلٌ عليهم بلا علم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأمَّا الذي أقوله الآن وأكتبه وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي وإنما أقوله في كثير من المجالس إنَّ جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها.
وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنَّه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أنَّ ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.
وتمام هذا أنِّي لم أجدهم تنازعوا إلاَّ في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن
سَاقٍ﴾، فروي عن ابن عباس وطائفة أنَّ المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنَّهم عدوها في الصفات للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.
ولا ريب أنَّ ظاهر القرآن [لا] يدل على أنَّ هذه من الصفات فإنَّه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنَّه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنَّما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف، ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولاً له، ثم يريدون صرفه عنه، ويجعلون هذا تأويلاً، وهذا خطأ من وجهين كما قدمناه غير مرة"1.
24 قال الكاتب ص 41: "أوَّل الإمام أحمد قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾، أنه جاء ثوابه كما ثبت عنه بإسناد صحيح، انظر البداية والنهاية لابن كثير (10/327").
قلت: هذا التأويل الذي ذكره الكاتب ثبوته عن الإمام أحمد محل بحث ونظر "بل الذي يعلم من حيث الجملة أنَّ الإمام أحمد والأئمة الكبار الذين لهم في الأمة لسان صدق عام لم يتنازعوا في شيء من هذا الباب"2، وهو مخالف للنصوص الكثيرة المنقولة عنه رحمه الله في منع التأويل ورده، ويكفيك في هذا كتابه "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله".
وهذا القول المنقول عن الإمام أحمد رواه عنه حنبل في كتاب المحنة، وفي الإجابة عن هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الذي ذكره القاضي وغيره أنَّ حنبلاً نقله عن أحمد في كتاب المحنة أنَّه قال ذلك في المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله "تجيء البقرة وآل عمران" قالوا: والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، وقال: المراد بقوله "تجيء البقرة وآل عمران" ثوابهما، كما في قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ أمره وقدرته.
وقد اختلف أصحاب أحمد فيما نقله حنبل، فإنَّه لا ريب خلاف النصوص المتواترة عن أحمد في منعه من تأويل هذا، وتأويل النزول، والاستواء ونحو ذلك من الأفعال.
ولهم ثلاثة أقوال: قيل: إنَّ هذا غلط من حنبل، انفرد به دون الذين ذكروا عنه المناظرة مثل صالح وعبد الله والمروذي وغيرهم، فإنَّهم لم يذكروا هذا، وحنبل ينفرد بروايات يغلطه فيها طائفة كالخلال وصاحبه، قال أبو إسحاق بن شاقلا: هذا غلط من حنبل ولا شك فيه.
وكذلك نقل عن مالك رواية أنَّه تأول "ينزل إلى السماء الدنيا" أنه ينزل أمره، لكن هذا من رواية حبيب كاتبه وهو كذَّاب باتفاقهم، وقد رويت من وجه آخر لكن الإسناد مجهول.
والقول الثاني: قال طائفة من أصحاب أحمد: هذا قاله إلزاماً للخصم على مذهبه لأنَّهم في يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله "تأتي البقرة وآل عمران" أجابهم بأن معناه: يأتي ثواب البقرة وآل عمران كقوله: ﴿أَن يَّأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ 1،
أي أمره وقدرته على تأويلهم، لا أنَّه يقول بذلك، فإنَّ مذهبه ترك التأويل.
والقول الثالث: أنَّهم جعلوا هذا رواية عن أحمد، وقد يختلف كلام الأئمة في مسائل مثل هذه، لكن الصحيح المشهور عنه ردّ التأويل.
وقد ذكر الروايتين ابن الزاغوني وغيره، وذكر أن ترك التأويل هي الرواية المشهورة المعمول عليها عند عامة المشايخ من أصحابنا"1.
25 قال الكاتب ص 42: "… يثبت [أي: ابن تيمية] لله سبحانه صفات بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات من ذلك أنَّه أثبت أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد"، وأحال في الهامش إلى كتاب موافقة صريح المعقول المطبوع على هامش منهاج السنة (2/151). قلت: حاشا ابن تيمية وغيره من أهل السنة والجماعة أن يثبتوا شيئاً من العقيدة بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات، بل هذا من دأب أهل البدع المخلطين المموهين.
يقول إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله في كتابه العظيم التوحيد: "وقد أعلمت ما لا أحصي من مرة أني لا أستحل أن أمَوِّه على طلاب العلم بالاحتجاج بالخبر الواهي، وإني خائف من خالقي جل وعلا إذا موهت على طلاب العلم بالاحتجاج بالأخبار الواهية وإن كانت الأخبار حجة لمذهبي"2.
ويقول ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه من حديث عبد السلام بن صالح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان معرفة
بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان"، وفيه حجة لقول أهل السنة في الإيمان وردٌّ على المرجئة، يقول ابن القيم عند هذا الحديث: "في الحق ما يغني عن الباطل، ولو كنا ممن يحتج بالباطل ويستحله لروجنا هذا الحديث وذكرنا بعض من أثنى على عبد السلام، ولكن نعوذ بالله من هذه الطريقة، كما نعوذ به من طريقة تضعيف الحديث الثابت وتعليله إذا خالف قول إمام معين، وبالله التوفيق"1.
وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا يرى جواز الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة فضلاً عن الأحاديث الموضوعة التي بهته الكاتب بالاحتجاج بها، يقول رحمه الله: "ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة"2، ويقول: "والأحاديث التي تروى في هذا الباب وهو السؤال بنفس المخلوقين هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة، ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها"3، وفي شأن الإسرائيليات يقول: "... فأمَّا أن يثبت شرعاً لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم"4.
وأعود لكلام الكاتب السابق وهو قوله في شيخ الإسلام رحمه الله -: "ويثبت لله سبحانه صفات بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات من ذلك أنَّه أثبت أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد".
فأقول: لقد اشتمل قول الكاتب هذا الذي لا يتجاوز سطرين على عدة كذبات على شيخ الإسلام وهذا بيانها: الأولى: قوله عن شيخ الإسلام إنَّه يثبت الصفات بالأحاديث الموضوعة والإسرائيليات، وهذا كذب ظاهر على شيخ الإسلام لا يخفى على كل طالب علم قرأ كتبه، وتحذيرُه رحمه الله من الاستشهاد والاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والإسرائيليات أشهر من أن يذكر، وقد قدمنا شيئاً من ذلك.
فهاتان كذبتان على شيخ الإسلام: الأولى: زعمه أنَّ شيخ الإسلام يحتج في الصفات بالأحاديث الموضوعة.
الثانية: زعمه أنَّه يحتج فيها بالإسرائيليات.
الكذبة الثالثة: تمثيله لإثبات شيخ الإسلام الصفات بالأحاديث الموضوعة بما ذكره عنه "أنَّ الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد" فهذه الكلمة لم ترد في حديث وإنَّما وردت في أثر، وقد نصَّ شيخ الإسلام في الصفحة نفسها على أنَّه أثر، فهذه كذبة ثالثة على شيخ الإسلام.
الرابعة: أنَّ الأثر المشار إليه ضعيف وليس موضوعاً كما يوهمه سياق الكاتب.
الخامسة: أنَّ النص بتمامه الذي ورد فيه هذا الأثر ليس لشيخ الإسلام، بل جاء عنده ضمن نقل طويل عن كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد، وهو في الكتاب المذكور (ص: 45)، وهذا أمر أخفاه الكاتب، لأنَّه قصد بذلك التشنيع على شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذه كذبة خامسة.
السادسة: قوله عن شيخ الإسلام أنه أثبت من هذا النص أن الله يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد، فهذا كذب عليه؛ لأنه إنما أورد النص بتمامه للرد
على من ينكر أنَّ الله يتكلم كيف شاء، وهذا الأمر قد دلت عليه نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، ولهذا قال شيخ الإسلام عقبه: "فقد ذكر أحمد في هذا الكلام أنَّ الله يتكلم كيف شاء، وذكر ما استشهد به من الأثر أن الله كلم موسى عيه السلام … الخ".
قلت: فهذه ست كذبات وقع فيها الكاتب في هذا الكلام الذي لا يتجاوز سطرين، ولو محص هذا الكلام أكثر قد يتبين فيه كذبات أخر؟ ! وإذا كان في هذين السطرين بلغ به الكذب هذا المبلغ فما بالك إذاً بكتابه كاملاً الذي يحوي ستين صفحة في كل صفحة عشرون سطراً تقريباً؟!! وأقول للكاتب: حسيبك الله ترمي غيرك بالكذب وأنت فارس ميدانه، وابن بجدته؟!! 26 قال الكاتب ص 44: "وتتميماً للبحث لا بد من أن نتكلم عن أصل أكبر فرقة قديمة من فرق المجسمة هي الكرامية وبيان بعض آرائها في الصفات التي توافق ما يدعو إليه ابن تيمية وأتباعه، وخصوصاً أنَّ ابن تيمية يثني عليها في منهاج السنة (1/181) ويعتبرها من أكابر نظار المسلمين".
قلت: عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية التي يشير إليها الكاتب، هي قول ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة (1/181) : "ومنهم من قال بل لا يزال قابلاً للانقسام [أي: الجوهر الفرد] إلى أن يصغر فيستحيل مع تمييز بعضه عن بعض كما قال ذلك من قال من الكرامية وغيرهم من نظار المسلمين، وهو قول من قاله من أساطين الفلاسفة مع قول بعضهم إنَّه مركب من المادة والصورة، وبعض المصنفين في الكلام يجعل إثبات الجوهر الفرد هو قول المسلمين وأنَّ نفيه هو قول الملحدين، وهذا لأنَّ هؤلاء لم يعرفوا من الأقوال المنسوبة إلى المسلمين إلا ما وجدوه في كتب شيوخهم أهل الكلام المحدث في الدين الذي ذمَّه
السلف والأئمة، كقول أبي يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق.
وقول الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.
وكقول أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة.
وقوله: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.
وأمثال ذلك.
وإلا فالقول بأنَّ الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة قول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين".
قلت: فتأمل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بتمامه، ثم انظر ما فهمه هذا الكاتب منه، تجد أنَّه اجتمع له في ذلك سوء الفهم مع سوء القصد، فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يثن في هذا النص على الكرامية بل قرن قولهم بقول الفلاسفة، ونقل آثاراً في ذم الكلام وأهله، وبيَّن أنَّ القول الذي قالوه لا يعرف عند أحد من أئمة المسلمين لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين.
وعلى العموم فموقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الكرامية معروف قد بينه في غير موضع من كتبه، فيذكر عنهم أنَّهم وافقوا أهل الحديث في أمور وخالفوهم في أمور أخرى، فهم يحمدون فيما وافقوا فيه الحق ويذمون فيما فارقوا فيه الحق.
27 قال الكاتب في هامش ص 51: "بل صرح بذلك أي بصفة السكوت ابن تيمية إمامه" انظر الموافقة على هامش منهاجه (2/38). وكان الكاتب قبل ذلك ذكر في المتن أنَّ ابن أبي العز يفهم من كلامه
ذلك!! حيث قال: "وهو المفهوم من كلام فضيلة الشارح! ومن اللازم القريب لكلامه"!!.
قلت: لم يصرح شيخ الإسلام ابن تيمية بذلك كما ادعى الكاتب، والموضع المشار إليه جاء ضمن نقل مطول أورده شيخ الإسلام وهو لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام في كتابه مناقب أحمد بن حنبل.
فقول الكاتب "بل صرح بذلك... الخ" كذب صراح على شيخ الإسلام وقد نقل شيخ الإسلام في كتابه المذكور بعد صفحات قليلة من هذا الموضع عن أبي النصر السجزي أنَّه قال: "ومنع كثير من أهل العلم إطلاق السكوت عليه، ومن أهل الأثر من جوز إطلاق السكوت عليه لوروده في الحديث وقال معناه: تركه التوبيخ والتقرير والمحاسبة اليوم، وسيأتي يوم يقرر فيه ويحاسب ويوبخ فذلك الترك معنى السكوت، قال والأصل الذي يجب أن يعلم أنَّ اتفاق جميع التسميات لا يوجب اتفاق المسمين بها"1.
28 قال الكاتب في هامش ص 52: "... فشرح العقيدة الطحاوية هي تلخيص ل "منهاج السنة" ول "موافقة صريح المعقول" للشيخ الحراني!! ولذلك يركزون عليها ويحرصون على نشرها".
قلت: يقول الكاتب ذلك لامتلائه غلاًّ وحقداً وغيظاً على هذين الإمامين اللذين أحيا الله بهما الدين ونصر بهما السنة وقمع بهما دابر المفسدين.
وقول الكاتب عن شرح العقيدة الطحاوية بأنَّه تلخيص لمنهاج السنة ولموافقة صريح المعقول جهل من الكاتب وكذب يعلمه كل من يقرأ الكتب الثلاثة المذكورة.
وابن أبي العز ينقل في كتابه عن كتب كثيرة عن الصحيحين والسنن والمسانيد وعن غيرها من كتب أهل السنة والجماعة مرتباً شرحه حسب ترتيب المتن المشروح.
29 قال الكاتب ص 58: "... ولذلك صرح أهل السنة والجماعة بأن الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله... ". قلت: حاشا أهل السنة والجماعة من ذلك، وحاشاهم أن يكون الباطل معتقدهم والضلال قولهم.
وهذه دعوى يدعيها أهل البدع عامة في القديم والحديث، يقررون العقائد المنحرفة والآراء الزائفة والنحل الباطلة ثم ينسبون ذلك كذباً وزوراً إلى أهل السنة والجماعة.
قال أبو المظفر السمعاني فيما نقله عنه التيمي في الحجة (2/223-225) : "إنَّ كل فريق من المبتدعة إنَّما يدعي أنَّ الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّهم كلهم مدعون شريعة الإسلام ملتزمون في الظاهر شعائرها، يرون أنَّ ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم [هو الحق] غير أنَّ الطرق تفرقت بهم بعد ذلك، وأحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فزعم كل فريق أنَّه هو المتمسك بشريعة الإسلام، وأنَّ الحق الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي
يعتقده وينتحله، غير أنَّ الله أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار؛ لأنَّهم أخذوا دينهم، وعقائدهم خلفاً عن سلف وقرناً عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من الدين المستقيم، والصراط القويم، إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث، وأما سائر الفرق فطلبوا الدين لا بطريقه؛ لأنَّهم رجعوا إلى معقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قبله، فإذا سمعوا شيئاً من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم فإن استقام قبلوه، وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرَّفوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق وزاغوا عنه ونبذوا الدين وراء ظهورهم وجعلوا السنة تحت أقدامهم تعالى الله عما يصفون.
وأمَّا أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهما من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفاً لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإنَّ الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني وهو واحد زمانه في المعرفة: ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت منها شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتى بهما وإلا رددته في نحره، أو كلام هذا معناه.
ومما يدل على أنَّ أهل الحديث هم على الحق أنَّك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار، وجدتهم
في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد ونقلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافاً ولا تفرقاً في شيء ما وإن قلَّ، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنَّه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ 1، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ 2.
وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين أو شيعاً وأحزاباً لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدِّع بعضهم بعضاً، بل يرتقون إلى التكفير يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره، تراهم أبداً في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتهم ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ 3... ". قلت: وقد نقلت هذا النص على طوله ليعلم طالب الحق من هم أهل السنة والجماعة وما هو نعتهم وما حليتهم، وليعلم من هم أهل البدعة وما هو نعتهم وصفتهم ليميز الخبيث من الطيب، والباطل من الحق، والغث من السمين فإنَّ الأدعياء كثيرون.
وليس أحد من أهل الأهواء والبدع يقول قولاً أو يرى رأياً إلا ويدعي أنَّه هو الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قول الكاتب المتقدم:
"... ولذلك صرح أهل السنة والجماعة بأنَّ الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله... " 1. فنقول له: سمِّ لنا مَن صرح بذلك من أهل السنة والجماعة فكتبهم موجودة وأقوالهم محفوظة وآثارهم منشورة، إذ لم يصرح بما ذكرت إلا الجهمية المعطلة أتباع الجهم بن صفوان الذين تتابعت أقوال أهل السنة والجماعة في تبديعهم وتضليلهم.
أمَّا أهل السنة والجماعة فقد صرحوا بما ثبت في الكتاب والسنة من علو الله على خلقه، وفوقيته، واستوائه على عرشه، وأنَّه في السماء ونحو ذلك مما ورد في الكتاب والسنة.
والذي ذكره الكاتب ومن قبله جهم ومن تبعه أمرٌ لا يجوز وصف الله به، إذ من قال إنَّ ربه ليس فوق ولا تحت ولا عن يمين العالم ولا عن شماله ولا داخله ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه فقد وصفه بالعدم بل ليس هناك وصف للعدم أبلغ من هذا الوصف الذي وصف به هؤلاء الجهمية ربهم، ومن هنا قال من قال من أهل السنة "والمعطل يعبد عدماً".
قال الذهبي رحمه الله: "... إنَّ من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم،
كما نقل عن حماد بن زيد أنَّه قال: "مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة، قيل: لها سعف؟ قالوا: لا، قيل: فلها كرب؟ قالوا: لا، قيل: لها رطب وقنو؟ قالوا: لا، قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا، قيل: فما في داركم نخلة".
قلت: القائل الذهبي كذلك هؤلاء النفاة قالوا: إلهنا الله تعالى، هو لا في زمان ولا في مكان، ولا يُرى ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يريد، ولا , ولا... وقالوا: سبحان المنزه عن الصفات! بل نقول: سبحان الله العلي العظيم السميع البصير المريد، الذي كلَّم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، ويُرى في الآخرة، المتصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، المنزَّه عن سمات المخلوقين، وعن جحد الجاحدين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ 1"2 ا. هـ 30 ذكر الكاتب في نهاية كتابه: مؤلفاته المطبوعة والمخطوطة فبلغ عدَّة ما ذكره "ثلاثة وخمسين كتاباً" ثم قال بعد سردها: "وهناك مؤلفات ورسائل لم تكمل بعد نذكر أسماءها في المطبوعات الجديدة إن شاء الله تعالى".
قلت: لئن كانت هذه الكتب المذكورة منسوجة على منوال هذا الكتاب مبنية على ما بني عليه من الكذب والغش والتدليس والتزوير والقول بلا علم والظلم والجور وغمط الحقوق والتعالم، وأحسبها كذلك ف"كل إناء بالذي فيه ينضح" "وكل ينفق مما عنده" فيا هول مصيبة الكاتب ويا عظم محنته.
والله يقول: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ 1.
هذا إن كان هو مؤلف هذه الكتب؛ إذ يذكر بعض طلبة العلم الثقات أنه لا يحسن التأليف والكتابة ولا يصمد عند البحث والمناقشة لقصور علمه وقلة فهمه، فإن كان الأمر كذلك فإنَّ المصيبة عليه أعظم إذ كيف رضي بأن يجعل اسمه مطيةً لتلك النفايات.
نسأل الله السلامة والعافية في الدين والدنيا، وأن يعيذنا والمسلمين من غوائل البدع وشرور أهلها بمنه وكرمه.
وكان الفراغ من كتابة هذا الردّ صبيحة يوم الخميس الموافق للرابع والعشرين من شهر صفر سنة أربع عشرة وأربعمائة وألف للهجرة.
والحمد لله وحده لا شريك له، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.