القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيدصفحات 56-95
أهل الأثرالأرشيف العلمي

القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد...

صفحات 56-95

قلت: بنى الكاتب إنكاره لتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام على أمور أربعة ذكرها في أوائل رسالته تلو كلامه المتقدم1، وكل أمر من هذه الأمور التي ذكر ينم عن جهل الكاتب وقلة علمه وقصور فهمه لنصوص الشرع في أعظم الأمور وأهمها وأجلِّها قدراً وهو توحيد الله.
ولئن كان الجهل قد بلغ بالكاتب هذا المبلغ في هذا الباب العظيم والركن المتين الذي لا يجهله صبية المسلمين فكيف الحال به إذن في أمور الدين الأخرى ومسائله العديدة؟! وقد قال أهل العلم: "إنَّما يؤتى الرجل من سوء فهمه أو من سوء قصده أو من كليهما، فإذا اجتمعا كمل نصيبه من الضلال"2.
وسوء فهم هذا الرجل ظاهر من كتابه بلا امتراء، وأما سوء قصده فإن ما اشتمل عليه كتابه من الكذب والغش والتدليس والتزوير على أهل العلم وغير ذلك أكبر مؤشرات إلى سوء القصد وأوضح دلالات عليه، والله من وراء كلِّ قائلٍ وقصده.
6 قال الكاتب ص 6: "أولاً: لا يعرف في الشرع إطلاق اسم موحد على من كفر ولو بجزء من العقيدة الإسلامية وذلك بنص الكتاب والسنة، بل لا يجوز أن نقوِّل الشرع ما لم يقل ولم يَرِد، فلا يحل لنا أن نطلق على من كان يقر بوجود الله ويدرك أنَّه هو الإله المستحق للعبادة دون أن يذعن ويدخل في هذا الدين بأنَّه موحد.
بل نطلق عليه أنَّه كافر، بدليل قول الله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ 3.

فقد وصفهم الله تعالى بالكذب والكفر، بل وصفهم بصيغة مبالغة وهي (كفَّار) كما تقول: ضارب وضرَّاب.
فكيف يقال إنَّهم موحدون توحيد ربوبية والله تعالى وصفهم بالكفر صراحة؟ ‍‍!! ". قلت: لم يصف أحد من أهل العلم من جاء بتوحيد الربوبية بأنَّه موحد هكذا على الإطلاق، وإنَّما يُوصف بالموحد عندهم من جاء بالتوحيد بأقسامه الثلاثة.
وإنَّما يأتي في كلام أهل العلم عمن أثبت ربوبية الله وأنَّه وحده الخالق الرازق المالك المدبر لا شريك له ثم لم يفرده بالعبادة بأنَّه مقر بتوحيد الربوبية أو معترف بتوحيد الربوبية أو نحو ذلك، ولا يرون أنَّ هذا ينجيه من عذاب الله أو يخرجه من وصف الكفر.
قال شيخ الإسلام: "فأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق وقرَّره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم"1.
وقال ابن القيم: "وأمَّا توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المسلم والكافر وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم كما بين ذلك سبحانه في كتابه في عدة مواضع …"2.
وقال الصنعاني في مقدمة كتابه تطهير الاعتقاد: "الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد، فلا يتخذون له ندّاً ولا يدعون معه أحداً ولا يتوكلون إلا عليه... ".

وقول أهل العلم هذا أعني وصفهم لمن أثبت ربوبية الله وأنَّه الخالق الرزاق... الخ بأنَّه مقر بتوحيد الربوبية وإن كان مشركاً في العبادة قولٌ مطابق لما جاء في القرآن الكريم.
قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 1.
قال ابن عباس: "أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنَّه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أنَّ الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه"2.
وقال قتادة: "أي تعلمون أنَّ الله خلقكم وخلق السموات والأرض ثم تجعلون له أنداداً3". وقال ابن جرير "... ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها4أنَّها كانت تقر بالوحدانية غير أنَّها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها فقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ 5، وقال: ﴿قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ 6"7.

وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ 1.
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف عز وجل صفتهم بقوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّنْءَآيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُم عَنْهَا مُّعْرِضُونَ﴾ 2 بالله أنَّه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام واتخاذهم من دونه أرباباً وزعمهم أنَّ له ولداً تعالى الله عما يقولون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل... ". فروى عن ابن عباس أنَّه قال: "من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء، ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله وهم مشركون".
وعن عكرمة أنَّه قال: "تسألهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض فيقولون الله فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره".
وعن مجاهد قال: "إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره".
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أنَّ الله ربه، وأنَّ الله خالقه ورازقه وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ 3، قد عرف أنَّهم يعبدون رب العالمين

مع ما يعبدون، قال: فليس أحد يشرك إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا"1.
ومِمَّا يدل على ما ذكره ابن زيد رحمه الله لفظةُ (شريك) في تلبيتهم فالشريك هو المساوي، والمشركون يؤمنون بأنَّ الله هو الخالق الرازق المالك ويعبدونه، ويعبدون معه غيره فهذا شركهم كما في تلبيتهم التي أورد نصها ابن زيد رحمه الله.
قال الصنعاني رحمه الله: "ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى"2.
قلت: هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ 3 عند أهل العلم من الصحابة والتابعين وأتباعهم، أما الكاتب فقد حرَّف هذه الآية تحريفاً مشيناً وغيَّر معناها المراد حسب هواه وبدعته.
فقال ص 35: "وأمَّا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، فمعناه: وما يؤمن أكثرهم بالله في إقرارهم بوجود الخالق عند إقامة الحجة والبرهان عليهم تكذبه قلوبهم ويكذبه واقعهم، فإيمانهم أمامكم عند إقامة الحجة والبرهان على وجود الله تعالى بألسنتهم غير معتبر ولا مقبول عند الله تعالى... ". قلت: فهذا تحريف سمج وتأويل باطل لهذه الآية الكريمة مخالف لما أجمع عليه المفسرون الذين نقلنا كلام بعضهم قريباً، ترده نصوص كثيرة في كتاب

الله فيها الإخبار عن اعتراف المشركين بوجود الله وأنَّه الخالق الرازق المدبر وقد تقدم شيء منها، ويرده تفسير الصحابة والتابعين لهذه الآية وقد تقدم.
والذي حمل الكاتب إلى تأويل هذه الآية هذا التأويل الباطل، هو اعتقاده أنَّ المشركين لم يكونوا يقرون بوجود الله أصلاً، وقد صرح الكاتب بذلك في مواضع من كتابه، ومن ذلك قوله ص 33: "لأنهم [أي المشركون] ما كانوا يقرون بوجود الخالق خلافاً لمن زعم أنَّهم كانوا موحدين توحيد ربوبية... ". وحسبك بمثل هذا الكلام دلالة على إغراق الرجل في العمى والجهل، إذ الكتاب العزيز مليء بالنصوص الدالة على اعتراف المشركين بربوبية الله وإيمانهم بها وأنَّه الخالق الرازق المدبر، فكيف بوجوده، ومع ذلك يقرر الكاتب هذا التقرير الفاسد.
وقد أورد ابن القيم رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ 1، أنَّه قال: "يريد عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام بعد أن أقرّوا بنعمتي وربوبيتي"2.
ومن أمثلة اعتراف المشركين بربوبية الله غير ما تقدم: قول زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة: فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكم... ليخفى فمهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر... ليوم حساب أو يعجل فينقم

قال ابن كثير وقد أورد هذين البيتين: "فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة"1.
قال ابن جرير: "وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء: ألا ضربت تلك الفتاة هجينها... ألا قضب الرحمن ربي يمينها وقال سلامة بن جندل الطهوي: عجلتم علينا عجلتينا عليكم... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق"2.
والشواهد على هذا كثيرة، ومع ذلك فهم مشركون لأنهم يعبدون مع الله غيره.
ويقول الكاتب ص 10 في إنكار اعتراف المشركين بوجود الله: "بل بلغ من كفرهم ما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز إذ قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ 3، فهل هؤلاء يقولون بوجود الرحمن الرحيم؟!! ". قلت: وهذا الكاتب يكتب حسب هواه دون رجوع إلى كلام أهل العلم أو استفادة من تفسيرهم وهذا من أسباب ضلاله وانحرافه.
يقول ابن جرير في تفسيره: "وقد زعم بعض أهل الغبا أنَّ العرب كانت لا تعرف الرحمن، ولم يكن ذلك في لغتها، ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم وما

الرحمن، أنسجد لما تأمرنا؟ إنكاراً منهم لهذا الاسم، كأنَّه كان محالاً عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته أو كأنَّه لم يتل من كتاب قول ﴿الذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني محمداً، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ 1، وهم مع ذلك به مكذبون ولنبوته جاحدون فيعلم بذلك أنَّهم قد كانوا يدافعون حقيقة ما قد ثبت عندهم صحته واستحكمت لديهم معرفته... "2، ثم أورد البيتين السابقين.
وقال ابن كثير: "وقد زعم بعضهم أنَّ العرب لا تعرف الرحمن حتى ردَّ الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ 3، ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ: اكتب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فقالوا: "لا نعرف الرحمن ولا الرحيم"، رواه البخاري، وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ 4.
والظاهر أنَّ إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم، فإنَّه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن…"5.
قلت: والكاتب ليس ينكر معرفة المشركين ب "الرحمن" فيكون من

أولئك الذين وصفهم ابن جرير بالغباء، وإنَّما ينكر ما هو أعظم من ذلك وهو اعترافهم بوجود الله أصلاً فكذب القرآن والواقع، ولست أدري إذاً بما يوصف.
7 قال الكاتب ص 7: "ثانياً: هؤلاء الكفار الذي كانوا يقولون فيما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ 1 والذين يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ 2، ما كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وما كانوا يقرون بوجود الله، ولذلك أدلة سأوردها الآن إن شاء الله تعالى، وإنما قالوا ذلك عند محاججة النبي صلى الله عليه وسلم ومجادلته إياهم التي تثبت وجود الله تعالى وتبطل إلهية ما يعبدون من دونه... ". قلت: هذه مكابرة من الكاتب، ودعوى لا خطام لها ولا زمام، وقد ذكرت فيما سبق من الأدلة وأقوال أهل العلم ما يكفي في بيان كذب دعواه، لكن أذكر هنا تفسير أهل العلم للآيتين اللتين ذكرهما الكاتب آنفاً، ثم تعسف في فهمهما فقال: "إنما قالوا ذلك عند محاججة النبي صلى الله عليه وسلم ومجادلته إياهم... "، أي: أنَّهم لا يعترفون بوجود الله وإنَّما قالوا ذلك محاججة ومجادلة!!.
يقول ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ 3 الآيات: "يقول تعالى مقرراً أنَّه لا إله إلا هو، لأنَّ المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون أنَّه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر وتسخير

الليل والنهار، وأنَّه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم واختلافها واختلاف أرزاقهم ففاوت بينهم فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر.
فذكر أنَّه المستبد بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها.
فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنَّه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيراً ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"1.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ 2، وقال: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ 3، وما اعتقد أحد منهم قط أنَّ الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره، وإنَّما كان شركهم كما ذكرنا اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله"4.
وقال المقريزي: "ولا ريب أنَّ توحيد الربوبية لم ينكره المشركون بل أقروا بأنَّه سبحانه وحده خالقهم وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنَّما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة"5.

وقال الإمام الصنعاني: "الأصل الرابع: أنَّ المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أنَّ الله خالقهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ 1، وأنَّه هو الذي خلق السموات والأرض ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ 2، وأنَّه الرزاق الذي يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميت من الحيّ، وأنَّه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنَّه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة ﴿قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ 3، ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ 4... "5. فهذا بعض كلام أهل العلم في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ونحوها من الآيات، وفيه أبلغ رد على الكاتب في دعواه أنَّهم إنَّما ذكروا ذلك على سبيل المحاججة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ

لِيُقَرِّبُونَا إِلَي اللهِ زُلْفَى﴾ 1، فيقول ابن كثير في معنى هذه الآية: "ثم أخبر تعالى عن عبَّاد الأصنام من المشركين أنَّهم يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، أي: إنَّما يحملهم على عبادتهم لهم أنَّهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأمَّا المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، قال قتادة والسديّ ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة.
ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك تملك وما ملك" 2.
قلت: ففي هذا أبلغ ردٍّ على الكاتب في دعواه أنَّ المشركين لم يكونوا مقرين بأنَّ الخالق الرازق هو الله.
ثم إنَّه لم يذكر دليلاً على دعواه هذه إلا قوله: "... ولو كانوا مقرين بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو خالق السموات والأرض وما فيهنَّ لما ذكر لهم تلك الآيات الآمرة بالتفكر في الإبل كيف خلقت وفي الجبال كيف نصبت وفي الأرض كيف سطحت وفي السماء كيف رفعت".
قلت: وجواب هذا أنَّ المقصود بذلك هو التفكر الحامل على إفراده بالعبادة لا على إثبات الخالق لأنَّ هذا معلوم لهم ولأنَّه لا يكفي، وقد تقدم في كلام ابن كثير رحمه الله قوله: "فإذا كان الأمر كذلك [أي: أن الله الخالق

الرازق المدبر] فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنَّه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيراً ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية" وهو كثير في القرآن كما ذكر ابن كثير رحمه الله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ 1، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 2، أي: فلا تجعلوا شركاء مع الله في العبادة وأنتم تعلمون أنَّه لا خالق لكم غير الله، وقد مضى تفسير ابن عباس وغيره للآية بهذا.
فتذكير الله في القرآن بآياته وأمره بتدبرها له دلالته، إذ هذا النظر والتدبر مستلزم إفراده بالعبادة وإخلاص الدين له لمن عقل، فكما أنَّه لا شريك له في الملك والخلق وهذا متقرر عند كل أحد إلا من شاء الله فكذلك لا شريك له في الطاعة والعبادة.
قال شيخ الإسلام: "... ولهذا إنما بُعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، الذي هو المقصود المستلزم للإقرار بالربوبية، وقد أخبر عنهم أنَّهم ﴿لَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ 3، وأنَّهم إذا مسَّهم الضر ضلَّ من يدعون إلا إيَّاه، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَل دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ 4، فأخبر أنَّهم مقرون بربوبيته وأنَّهم مخلصون له الدين

إذا مسَّهم الضر، في دعائهم واستعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم... "1. ثم قال الكاتب بعد كلامه المتقدم: "فقولهم عند سؤال النبي لهم وقت إلزامهم الحجة في المناظرة: من خلق السموات والأرض؟! فيقولن الله، وقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ما هو إلا كذبٌ وكفرٌ بنص القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في آخر الآية ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ 2 كما قال سبحانه: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ 3... ". قلت: وهذا خلط عجيب وجهل مركَّب؛ إذ عدَّ اعتراف المشركين بوجود الله نوعاً من الكفر بينما هو من التوحيد الواجب، وقد سَمَّاه الله إيماناً فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ باللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 4، لكن لم يك ينفعهم ولم يخرجهم من وصف الكفر لكونهم عبدوا مع الله غيره لهذا يقول شيخ الإسلام: "... فلا ريب أنَّه [أي: اعتراف المشركين بأنَّ الخالق الله] من التوحيد الواجب، وهو الإقرار بأنَّ خالق العالم واحد، لكنه هو بعض الواجب، وليس هو الواجب الذي به يخرج الإنسان من الإشراك إلى التوحيد، بل المشركون الذين سماهم الله ورسوله مشركين، وأخبرت الرسل أنَّ الله لا يغفر لهم، كانوا مقرين بأنَّ الله خالق كلِّ شيء فهذا أصل عظيم يجب على كل أحد أن يعرفه، فإنَّه يُعرف به التوحيد الذي هو رأس الدين وأصله"5.

فاعتراف المشركين بأنَّ الله الخالق الرازق المدبر كلّ ذلك من الإيمان المأمور به شرعاً إلا أنَّه لا ينفعهم ما لم يأتوا معه بلازمه توحيد الإلهية، ولذا وصفوا في القرآن والسنة بأنَّهم كفَّار مشركون فوصفهم بالكفر في القرآن ليس لإقرارهم بربوبية الله كما فهم الكاتب وإنَّما هو لشركهم في عبادة الله وعدم إخلاصهم الدين له، "مع أنَّ الشرك في الربوبية لازم لهم في جهة إشراكهم في الإلهية وكذا في الأسماء والصفات، إذ أنواع التوحيد متلازمة لا ينفك نوع منها عن الآخر، وهكذا أضدادها فمن ضاد نوعاً من أنواع التوحيد بشيء من الشرك فقد أشرك في الباقي، مثال ذلك في هذا الزمن عبَّاد القبور إذا قال أحدهم: يا شيخ فلان لذلك المقبور أغثني أو افعل لي كذا ونحو ذلك يناديه من مسافة بعيدة وهو مع ذلك تحت التراب وقد صار تراباً.
فدعاؤه إيَّاه عبادة صرفها له من دون الله لأنَّ الدعاء مخ العبادة، فهذا شرك في الإلهية، وسؤاله إياه تلك الحاجة من جلب خير أو دفع ضر أو رد غائب أو شفاء مريض أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله معتقداً أنَّه قادر على ذلك هذا شرك في الربوبية حيث اعتقد أنَّه متصرف مع الله تعالى في ملكوته.
ثم إنَّه لم يدعه هذا الدعاء إلا مع اعتقاده أنَّه يسمعه على البعد والقرب في أيّ وقت كان وفي أيّ مكان ويصرحون بذلك، وهذا شرك في الأسماء والصفات حيث أثبت له سمعاً محيطاً بجميع المسموعات لا يحجبه قرب ولا بعد، فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات"1.
ثمَّ إنَّ الكاتب بل والمتكلمين عموماً لا يولون توحيد الإلهية الذي أنكره المشركون أيّ اهتمام، وإن تكلموا فيه تكلموا بجهل، وأدخلوا فيه ما هو نقيضه وضده.

وعلى سبيل المثال يقول الكاتب ص25: "وأمَّا الدعاء فليس جميعه عبادة إلا إذا دعونا من نعتقد فيه صفات الربوبية أو صفة واحد منها".
ويقول ص 26: "وإنما يكون الدعاء عبادة إذا كان لله أو لمن يعتقد الداعي أن للمدعوّ صفة من صفات الربوبية".
ويقول ص 27: "فاتضح أنَّ مجرد النداء أو الاستغاثة أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء أو التوسل أو التذلل لا يسمى عبادة".
ويقول ص 28: "وملخص ما مرَّ أنَّ العبادة في اللغة هي مطلق الطاعة والخضوع لأيّ أحد كان بخلاف العبادة في اصطلاح الشرع فهي غاية التذلل والخضوع لمن يعتقد الخاضع له بعض صفات الربوبية، فإذا فهمت ذلك علمت يقيناً أنَّ من أطاع أحداً وخضع له لا لاعتقاده أنَّ له بعض صفات الربوبية لا يسمى عابداً له شرعاً... ". وعلى هذا النهج ذكر أموراً كثيرة.
ومن يوازن بين أقوال الكاتب هذه وبين قول الخميني داعية الرفض في كتابه "كشف الأسرار" (ص:49) حيث قال: "وبعد أن تبين أنَّ الشرك هو طلب الشيء من غير رب العالمين على أساس كونه إلهاً فإنَّ ما دون ذلك ليس بالشرك، ولا فرق في ذلك بين حيٍّ وميِّت، فطلب الحاجة من الحجر أو الصخر ليس شركاً... " يجد أنَّ القولين كما قال الشاعر: رضيعي لبان ثدي أمٍّ تقاسما... بأسحم داج عوض لا نتفرق وأقول: يالله للعجب لا يكون صرف العبادة لغير الله شركاً حتى يعتقد العابد فيمن عبده أنَّ له شيئاً من صفات الربوبية، وأمَّا من دعا غير الله أو استغاث بغير الله أو استعان بغير الله أو رجا غير الله أو خاف غير الله من قبر أو

شجر أو حجر فإنَّ ذلك لا يكون شركاً ما لم يعتقد العابد فيها أنَّ لها شيئاً من صفات الربوبية، وعلى هذا فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وهو يدعو من دون الله ندّاً دخل النَّار" ينقصه هذا القيد "وهو أن يعتقد في المدعو شيئاً من صفات الربوبية"!!.
وهل أهل العلم من الصحابة والتابعين وأتباعهم لم يفطنوا لهذا القيد ولا عرفوه حتى جاء هذا الكاتب وأمثاله في القرن الرابع عشر فنبهوا عليه "لقد جئتم ببدعة ظلماً، أو فقتم أصحاب محمد علماً"! فسبحان الله هدى من شاء إلى الحق بفضله وخذل من شاء من الخلق بعدله، له الحكمة البالغة.
وعلى كلٍّ فهذه الدعوى التي ادَّعاها الكاتب وانتصر لها هي دعوى كاذبة مناقضة لأصول الدين ومخالفة لأسسه وقواعده، ومضادة لأدلة الكتاب والسنَّة؛ فإنَّ نصوص القرآن الكريم المشتملة على الدعوة إلى إخلاص الدين لله وإفراده وحده بجميع أنواع العبادة وهي كثيرة جداً فيها أبلغ رد على الكاتب في دعواه المتقدمة.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُّحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالذِينَءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ 1.
ففي هذه الآية "يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا أنداداً، أي: أمثالاً ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضدَّ له ولا ندَّ له، ولا شريك معه، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أيّ الذنب

أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك ". وقوله: ﴿وَالذِينَءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئاً، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه"1.
فالعبادة بأنواعها حقٌّ خالصٌ لله لا يجوز صرفها لغيره سواء اعتقد العابدُ في معبوده أنَّه ربٌّ أو لم يعتقد، وهذا أمرٌ معلومٌ من الدين بالضرورة.
قال شيخ الإسلام: "فإنَّ المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ العبد لا يجوز أن يعبد ولا يدعو ولايستغيث ولا يتوكل إلا على الله، وأنَّ من عبد ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو دعاه أو استغاث به فهو مشرك، فلا يجوز عند أحد من المسلمين أن يقول القائل يا جبرائيل أو يا ميكائيل أو يا إبراهيم أو يا موسى أو يا رسول الله اغفر لي أو ارحمني أو ارزقني أو انصرني أو أغثني أو أجرني من عدوي أو نحو ذلك، بل هذا كله من خصائص الإلهية وهذه مسألة شريفة معروفة قد بينها العلماء... "2. وأمَّا القيد الذي وضعه الكاتب فلا أصل له ولا أساس، فإنَّ المشركين زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعتقدون في آلهتهم أنَّها تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت أو تدبر الأمر، بل كانوا يعتقدون أنَّ ذلك من خصائص الله كما سبق إيراد النصوص بذلك، وإنَّما كان شركهم في دعوتها وعبادتها من دون الله بحجة أنَّها تقربهم إلى الله زلفى.
قال شيخ الإسلام: "وكانوا [أي: المشركون] معترفين بأنَّ آلهتهم لم

تشارك الله في خلق السماوات والأرض، ولا خلق شيء، بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط.
كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ 1... "2، وذكر نصوصاً أخرى.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمهم الله في إبطال هذه الشبهة: "والشرك جعل شريكٍ لله تعالى فيما يستحقه، ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب، والخضوع، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والنسك، والطاعة، ونحو ذلك من العبادات.
فمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربه قد عدل به سواه وجعل له ندّاً من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية، أو استقلالاً بشيء منها.
والعجب كل العجب أنَّ مثل هؤلاء يقرؤون كتاب الله، ويتعبدون بتلاوته، وربما عرفوا شيئاً من قواعد العربية، وهم في هذا الباب من أضلِّ خلق الله وأبعدهم عن فهم وحيه وتنزيله"3.
وبهذا يعلم فساد قول الكاتب، وأنَّه فتحٌ لباب الشرك على مصراعيه عياذاً بالله من سخطه وأليم عقابه.
ولست هنا بصدد جمع النصوص الواردة في الكتاب والسنة، المبطلة للشرك بجميع أنواعه، سواءً في الدعاء أو في غيره، وليس في شيء منها ذكرٌ لهذا القيد الذي أورده الكاتب، لكن لا بأس من إيراد دليل واحد منها وصفه بعض

محققي أهل العلم بأنَّ فيه قطعاً لشجرة الشرك من عروقها، ألا وهو قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ 1، ففي هذا النص الكريم اجتثاث لشجرة الشرك، وقطع لها من أصولها، وإبطال لكل أساس يتعلق به من يدعون غير الله، إذ من يدعو غير الله أياً كان هذا الغير سواء كان ملَكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً، أو وليّاً، أو شجراً، أو حجراً، أو غير ذلك مطالَبٌ أن يثبت فيمن يدعوه أحد أمور أربعة فإن أثبتها أو شيئاً منها وهيهات حُقَّ له دعاؤه، وإلا فدعاؤه باطل وضلال، وهي شروط مهمة لا بدَّ من توفرها في المدعو حتى يقدر على إجابة من دعاه: الأول: الملك، فنفاه الله بقوله: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾.
الثاني: إذا لم يكن مالكاً فيكون شريكاً للمالك، فنفاه بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾.
الثالث: إذا لم يكن مالكاً ولا شريكاً للمالك، فيكون عوناً ووزيراً له، فنفاه بقوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾.
الرابع: إذا لم يكن مالكاً ولا شريكاً للمالك ولا عوناً، فيكون شفيعاً، فنفى سبحانه وتعالى الشفاعة عنده إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع ابتداء فيشفع.2

فبِنَفْيِ هذه الأمور بطلت دعوة غير الله، وقد نفيت نفياً مرتباً من الأعلى إلى ما دونه، وهي عامة في كلّ المدعوين من دون الله كما هو ظاهر من السياق الكريم، والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولكن يأبى دعاة الباطل وأنصار الضلال إلا الصدود عن الحق المبين إلى شبهات ما أنزل الله بها من سلطان، لا ينشأ عنها إلا الهضم لحق الربوبية، والتنقص لعظمة الألوهية، وسوء الظنّ بخالق هذه الأكوان.
8 قال الكاتب ص9: "ثالثاً: أنَّ أولئك الكفار اشتهر عنهم أنَّهم كانوا يعبدون الأصنام ويحجون لها ويتقربون إليها ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِءَالِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾﴿أَفَرَءَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ 2، بل واشتهر عنهم أنَّهم كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر، قال الله تعالى مخبراً لنا عنهم ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ 3.
بل قال للنبي صلى الله عليه وسلم أحدهم ﴿مَن يُّحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ 4، فردَّ الله عليه: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ 5، فهل يجوز لنا بعد هذا أن نصف من لا يقر بأنَّ الله خالق ومحيي بأنَّه موحد توحيد ربوبية، والله تعالى يقول عنه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ 6!... ".

قلت: واشتهر عنهم أيضاً أنَّهم يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، وقد سبق بيان تفسير هذه الآية بنقل كلام أهل العلم فيها حيث قال ابن كثير: "فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأمَّا المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به".
وسبق ذكر نصوص كثيرة من القرآن فيها دلالة على اعترافهم بأنَّ الخالق الرازق المدبر هو الله، وسبق ذكر تلبيتهم في الحج، وشيء من أشعارهم الدالة على اعترافهم بوجود الله.
وأمَّا البعث والمعاد فكان أكثرهم منكرين له غير مؤمنين به، وذِكْرُ هذا والرد عليهم فيه جاء في مواطن كثيرة من القرآن الكريم، لكنْ فرقٌ بين إنكارهم البعث والمعاد وبين إنكار وجود الله وأنَّه الخالق الرازق، فالأول ينكره المشركون، ولا يؤمنون به كما هو صريح نص القرآن الكريم، والثاني يؤمن به المشركون ولا ينكرونه كما هو صريح نص القرآن الكريم، والأدلة على هذا كثيرة وقد تقدم شيء منها، وقد تقدم في كلام ابن كثير رحمه الله جمعه بين الأمرين: إثبات أنَّ المشركين يعترفون بوجود الله وأنَّه الخالق الرازق مع إثبات إنكارهم البعث والمعاد.
وعلى هذا فالاستدلال بالنصوص المثبتة لإنكار المشركين للبعث والمعاد على أنَّهم ينكرون وجود الخالق الرازق خلطٌ بيِّنٌ، وغلطٌ ظاهرٌ، إذ لا تلازم بين إنكار البعث وإنكار الربوبية.
ثم هنا أمر لا بد من تقريره وإيضاحه وهو أنَّ قول أهل العلم عن المشركين بأنَّهم يعترفون بتوحيد الربوبية ليس المراد به أنَّهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنَّما

مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشئون الخلق، فهذا من صفات الربوبية وخصائصها وقد آمن واعترف به المشركون، ثم هذا أيضاً ليس حكماً عاماً مطرداً على جميع المشركين إذ منهم من وجد عنده حتى الشرك في الربوبية، ومنهم من آمن ببعض خصائص الربوبية دون بعض، ومنهم من كان يؤمن إضافة إلى إيمانه بوجود الله الخالق الرازق بالمعاد وبعث الأبدان والحساب، كما قال زهير: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر... ليوم حساب أو يعجل فينقم وبعضهم يؤمن إضافة إلى إيمانه بوجود الله الخالق الرازق بالقدر كما قال عنترة: يا عبل أين من المنية مهرب... إن كان ربي في السماء قضاها ولهذا يقول المقريزي: "... فأبان سبحانه بذلك أنَّ المشركين إنَّما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية لا توحيد الربوبية، على أنَّ منهم من أشرك في الربوبية كما يأتي بعد ذلك إن شاء الله"1.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود أنَّ كثيراً من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض الممكنات أو حدوث بعض الحوادث إلى غير الله، وكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب، وهم مع شركهم وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية لا يثبتون مع الله شريكاً مساوياً له في أفعاله ولا في صفاته"2.

ثم أيضاً فإنَّ إيمان المشركين بربوبية الله لو كان كاملاً تامّاً فإنَّه لا ينفعهم ما لم يفردوا الله بالعبادة ويخلصوا الدين له ويذروا ما هم عليه من عبادة الأوثان، ولهذا فهم لا يخرجون بهذا الإيمان [أعني: الإيمان بربوبية الله] عن وصف الكفر والشرك ما لم يوحدوا الله بالعبادة.
قال شيخ الإسلام: "ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولاً لم يكونوا يخالفونه في هذا [أي: توحيد الربوبية]، بل كانوا يقرون بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون"1.
وقال أيضاً: "ومعلوم أن هذا2هو تحقيق ما أقرَّ به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد [أي: توحيد الربوبية] مسلماً فضلاً عن أن يكون وليّاً لله، أو من سادات الأولياء"3.
ثم قال الكاتب ص10: "ولو كانوا يقرون أن الله الخالق لما قال الله لهم ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَي بَعْضٍ﴾ 4، وعبَّر بالإله أيضاً ولم يعبِّر بالرب إشارة إلى أنَّهم لا يوحدون لا الرب ولا الإله، ولأنَّ الرب هو الإله، والإله هو الرب".
وكرر هذا ص 31 فقال: "فاتضح أنَّ الإله هو الرب، والرب هو الإله، ولا فرق".
وقد عمد إلى هذا ليثبت أنَّه لا فرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.

وقبل الرد عليه في هذا لا بد من تقرير قاعدة لإزالة لبس قد يقع وهي: أنَّ أسماء الله أعلامٌ وأوصافٌ1، فهي باعتبار دلالتها على الذات أعلامٌ، وباعتبار دلالتها على المعاني أوصافٌ، وهي بالاعتبار الأول مترادفةٌ؛ لدلالتها على مسمّى واحد وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني متباينةٌ؛ لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فالرب الخالق العليم السميع البصير الأحد الصمد كلها أسماءٌ لمسمّى واحدٍ وهو الله سبحانه وتعالى، لكن معنى الرب غير معنى السميع، ومعنى السميع غير معنى البصير، ومعنى البصير غير معنى الأحد، وهذا أمرٌ ظاهرٌ لا خفاء فيه، وهو خلاف قول المعتزلة القائلين بأنَّ أسماء الله أعلامٌ محضةٌ لا تدل على معانٍ.
والكاتب حيث قال: "الإله هو الرب، والرب هو الإله" لم يقصد بهذا الترادف من حيث دلالةُ الاسمين على مسمّى واحدٍ وهو الله، وإنَّما قصد بقوله: "الإله هو الرب" أي: بمعنى الربّ، "والرب هو الإله" أي: بمعنى الإله كما هو ظاهر من سياقه.
ولا ريب أنَّ هذا جهلٌ مركبٌ إذ لم يميز بين معنى الإله ومعنى الرب، ولم يعنِّ نفسه بمطالعة كتب اللغة وكلام أهل العلم ليظهر له الفرق، وإنَّما كتب ما كتب من بنات رأسه ونسج خياله، وإلا فكُتب اللغة مطبقةٌ على أنَّ الرب بمعنى المالك الذي له الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وأمَّا الإله فهو المعبود، من التأله وهو التعبد.
فالرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها.

والإله هو الذي يؤله فيعبد محبةً وإنابةً وإجلالاً وإكراماً، والرب إذا ذكر وحده دخل فيه الإله، والإله إذا أفرد دخل فيه الرب، وإذا اجتمعا افترقا فصار لكل منهما معنى خاصٌ، وإذا افترقا اجتمعا.
قال شيخ الإسلام: "المقصود هنا بيان حال العبد المحض لله الذي يعبده ويستعينه فيعمل له ويستعينه ويحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية، وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الإلهية، فإنَّ أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران كما في قوله ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾، وفي قوله: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالِمِينَ﴾، فجمع بين الاسمين اسم الإله واسم الرب فإنَّ الإله هو المعبود الذي يستحق أن يعبد، والرب هو الذي يربي عبده فيدبره.
ولهذا كانت العبادة متعلقةً باسمه الله، والسؤال متعلقاً باسمه الرب، فإنَّ العبادة هي الغاية التي لها خلق الخلق، والإلهية هي الغاية، والربوبية تتضمن خلق الخلق وإنشاءهم فهو متضمن ابتداء حالهم، والمصلي إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فبدأ بالمقصود الذي هو الغاية على الوسيلة التي هي البداية، فالعبادة غاية مقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، تلك حكمة وهذا سبب"1.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "فاعلم أنَّ الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان؛ كما في قوله: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾، وكما يقال رب العالمين، وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان،

كما في قول القائل: من ربك.
مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ 1، ونوع واحد في قوله: "افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم"، إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلهك؛ لأنَّ الربوبية التي أقرَّ بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: ﴿الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَّقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ 2، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ 3، وقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ 4 فالربوبية في هذا هي الألوهية، ليست قسيمةً لها كما تكون قسيمةً لها عند الاقتران، فينبغي التفطن لهذه المسألة"5.
ثم قال الكاتب ص31 عقب كلامه السابق: "وبالجملة فقد أومأ القرآن الكريم والسنة المستفيضة إلى تلازم توحيد الربوبية والألوهية، وإنَّ ذلك مما قرره رب العالمين، واكتفى سبحانه من عباده بأحدهما عن صاحبه لوجود هذا التلازم، وكذلك اكتفى به الملائكة المقربون عند السؤال، وفهم الناس هذا التلازم حتى الفراعنة الكافرون بداهة، ولم يقل أحد من السلف ولا من الصحابة ولا من التابعين بالفرق وأنَّ هناك توحيد ألوهية يغاير توحيد الربوبية ولم ينقل ذلك التفريق عن واحد منهم فضلاً عن نقله من الكتاب

أو السنة، حتى ابتدع وتكلم بذلك بعض أهل القرن الثامن الهجري، ولا عبرة بذلك قطعاً فما هذا الهذيان بهذا التقسيم الذي يفتريه أولئك المبتدعة الخراصون!!... ". قلت: قوله بالتلازم بين الاسمين معناه اعترافه أنَّهما ليسا شيئاً واحداً فقد تناقض في كلامه؛ لأنَّه يقرر كما سبق أنَّ توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية، وفي الوقت نفسه يقرر أنَّهما متلازمان، والتلازم لا يقال بين الشيء ونفسه، وإنَّما يقال بين الشيء وغيره، وعلى كلٍّ فقد سبق أن رددت عليه في غلطه وجهله هذا بما يكفي من الأدلة وأقوال أهل العلم أهل السنة والجماعة، لكن أسأل الكاتب هنا من هم المبتدعة الخراصون الذين يهذون بهذا التقسيم؟ أهم الإمامُ أبو حنيفة، والقاضي أبو يوسف، والطحاوي، وابن جرير الطبري، وابن بطة، وابن مندة، وأبو إسماعيل التيمي، وابن حبان، وابن أبي زيد القيرواني، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والذهبي، والصنعاني، والشوكاني، والمقريزي، وابن أبي العز، ومحمد بن عبد الوهاب، وجميع تلاميذهم، وملا علي القاري؟! فجميع هؤلاء وغيرهم من أهل العلم قائلون بهذا التقسيم، وهو صريح كتاب الله كما أسلفنا، وهو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، فمن أهل الهذيان الذين يهرفون بما لا يعرفون المبتدعة الخراصون؟! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
9 قال الكاتب ص10: "رابعاً: ابن تيمية الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية يقول: إنَّ المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية وأنَّ المسلمين الذين يخالفونه في آرائه كذلك وحدوا ربوبية ولم يوحدوا ألوهية، فهو يكفرهم بذلك، وهذا مراده من التقسيم".

وقال قبل هذا ص 6: "والهدف من هذا التقسيم عند من قال به هو تشبيه المؤمنين الذين لا يسيرون على منهج المتمسلفين بالكفار، بل تكفيرهم بدعوى أنَّهم وحدوا توحيد ربوبية كسائر الكفار، ولم يوحّدوا توحيد ألوهية، وهو توحيد العبادة بزعمهم، وبذلك كفَّروا المتوسلين بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو بالأولياء وكفَّروا أيضاً كثيراً ممن يخالفهم في أمور كثيرة يرون الصواب أو الحق على خلافها، وكل ذلك سببه ذلك الحراني".
قلت: قد ذكرت فيما سبق ما يدل على كذب الكاتب في دعواه أنَّ هذا التقسيم من اختراع شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقلت بعض النقول عن أهل العلم من أهل السنة والجماعة الدالة على أنَّ هذا القول هو قول أهل السنة والجماعة قبل ابن تيمية وبعده وفي زمانه، وذكرت من الأدلة على صحة هذا التقسيم ما يكفي ولله الحمد.
وأمَّا رمي الكاتب لشيخ الإسلام ابن تيمية بأنَّه يكفِّر المسلمين فهذا ناتج عن حقده على شيخ الإسلام ابن تيمية، ولهذا تجده يتباكى لتسميته بشيخ الإسلام، ويظهر الضجر من ذلك، بل ويدعو النائم ليستيقظ وأولي البصر أن يتدبر في هذه "العظيمة"!!.
فيقول ص 20: "حيثما ذكر [أي: الشيخ الدويش] ابن تيمية وصفه بشيخ الإسلام دون باقي العلماء، فليتدبر أولو الأبصار وليستيقظ النائمون"!! مع أنَّ هذا كذب على الشيخ الدويش رحمه الله، ففي كتابه المورد الزلال الذي يعنيه الكاتب قد ذكر غير ابن تيمية بوصف شيخ الإسلام وبوصف الإمام، وبوصف إمام الأئمة، في مواضع عديدة كما يعلم ذلك من قرأ كتابه كاملاً.
وعلى كلٍّ فابن تيمية رحمه الله كان من أورع الناس في مسألة التكفير

وأكثرهم نهياً عنه، وله فيها ضوابط وقواعد مستمدة من كتاب الله تعالى، ولم يكن يكفِّر أحداً بهواه كما هو شأن المبتدعة الضلال، بل يكفِّر من كفَّره الكتاب والسنة.
قال رحمه الله: "هذا مع أنِّي دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني أنِّي من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معيَّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنَّه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى، وإنِّي أقرر أنَّ الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية.
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية.. وكنت أبين لهم أنَّما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حقٌّ، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة الوعيد فإنَّ نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ 1 الآية وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله كذا فإنَّ هذه مطلقة عامة.
وهي بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا فهو كذا.
ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة.

والتكفير هو من الوعيد.
فإنَّه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.
وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: "إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم، فو الله لإن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين.
ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له".
فهذا رجل شكَّ في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنَّه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا"1.
فانظر إلى شدة تحريه ودقة كلامه في هذه المسألة، وشدة ورعه وعدله فيها، والنقول عنه في مثل ما تقدم كثيرة جداً يعلمها من يطالع كتبه ومؤلفاته، ولولا خشية الإطالة لنقلت منها الكثير.
ومع ذلك لم يسلم رحمه الله من هذا الكاتب وأمثاله ممن يلمزونه بأنَّه يكفِّر المسلمين، وأحسب أنَّ الأمر من قبيل ما قيل: "رمتني بدائها وانسلت" إذ أهل البدع هم المتسرعون في التكفير، وهم

الذين يكفرون بأهوائهم، وما كلام الكوثري شيخ هذا الكاتب في تكفير شيخ الإسلام وغيره من أهل السنة عنك ببعيد.
فالكوثري الذي يطيب للكاتب وصفه ب (الإمام المحدث عليه الرحمة والرضوان) بينما هو في الواقع المبتدع الضال عليه من الله ما يستحق، يقول في ابن تيمية رحمه الله: "صار كفره مجمعاً عليه" ويقول: "وقع الاتفاق على تضليله وتبديعه وزندقته" ويقول: "ليس من الفرق الثلاث والسبعين"1.
ويقول في ابن القيم: "كافر أو حمار"، "حمار أو تيس" "الملحد" "الخبيث" "الملعون" "بلغ في كفره مبلغاً لا يجوز السكوت عليه"2.
ولو أخذت أنقل أقوال الكوثري وطعونه ولعنه وتكفيره لهذين الإمامين وغيرهما من أئمة المسلمين لاستغرق النقل عشرات الصفحات، وحسبك أنَّك لا تكاد تقرأ صفحة من كتابه تبديد الظلام إلا وجدتَها منتنةً من كثرة ما فيها من سبٍّ ولعنٍ وتكفيرٍ لأئمة الهدى وأعلام السلف وعلماء السنة.
فمن الذي يكفِّر المسلمين وعلماءهم أيها الكاتب المفتون ﴿نَبِّئونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ 3، وأمَّا تكفير من جحد توحيد الإلهية فليس محل نزاع، لأنَّه دين المشركين كما ذكره الله عنهم في القرآن: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُواءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ 4 وغير ذلك من الآيات.

والكاتب بقوله فيما سبق "والهدف من هذا التقسيم … الخ" كشف عن مقصوده ومراده بإنكار تقسيم التوحيد، وهو الدفاع عن الذين يتعلقون بالأنبياء والأولياء بدعائهم وطلبهم باسم التوسل، وقد مرَّ معنا قوله: "إنَّ مجرد النداء أو الاستغاثة أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء أو التوسل أو التذلل لا يسمَّى عبادة" وقوله: "وإنَّما يكون الدعاء عبادة إذا كان لله أو لمن يعتقد الداعي أنَّ للمدعو صفة من صفات الربوبية"، وانظر بسط الأجوبة في ردِّ شُبَهِ هؤلاء وكشف ضلالهم في كتاب "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" لشيخ الإسلام ابن تيمية وكتاب "كشف الشبهات" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيرهما من كتب أهل العلم.
10 قال الكاتب ص 14: "وابن تيمية يقول كما هو ثابت عنه في كتبه وكما هو مشهور: "لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه" فنقول له: إذا كنت لا تصف الله إلا بما وصف به نفسه فلماذا تثبت استقرار الله تعالى عمَّا تقول على ظهر بعوضة وتُجوِّزه، هل هذا هو توحيد الأسماء والصفات أيها الشيخ الحراني؟! وهل هذا مما وصف الله به نفسه؟!.
قال ابن تيمية في كتابه "التأسيس في رد أساس التقديس" (1/568) : "ولو قد شاء الله لاستقر على ظهر بعوضةٍ فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم" ا. هـ. فهل من التوحيد الخالص أيها الشيخ الحراني ويا من تتعصبون لآرائه الشاذة أن تجوزوا استقرار رب العالمين سبحانه وتعالى عما تصفون على ظهر ذبابة أو بعوضة؟! ولقد استحيى عُباد الأوثان والمشركون أن يصفوا آلهتهم بذلك!! ". وأعاد مثل هذا الكلام ص: 43.

قلت: هذا الذي ذكره الكاتب ونسبه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد نسبه من قبله لشيخ الإسلام شيخُه الأول الكوثري1فأخذه هذا التلميذ عنه وورثه منه، وهو في الحقيقة توارث للكذب والإفك على أئمة المسلمين وعلماء السنة إذ لم يقل شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك، وإنَّما وردت هذه العبارة ضمن كلام طويل نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام الحافظ أبي سعيد الدارمي في مناقشته وردوده على بشر المريسيّ العنيد الذي زعم أنَّ الله ليس فوق العرش بقياس فاسد ذكره حيث قاس الله بالعرش ومقداره ووزنه.
وأنا أنقل هنا كلام الدارمي بطوله ليعلم تمويه الكاتب وشيخه وكذبهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسيّ وصاحبه: وأعجب من هذا قياسك الله بقياس العرش ومقداره ووزنه من صغير أو كبير، وزعمت كالصبيان العميان إنَّ الله أكبر من العرش أو أصغر منه أو مثله، فإن كان الله أصغر فقد صيَّرتم العرش أعظم منه، وإن كان أكبر من العرش فقد ادعيتم فيه فضلاً عن العرش، وإن كان مثله فإنَّه إذا ضمَّ إلى العرش السماوات والأرض كانت أكبر، مع خرافات تكلم بها، وترهات يلعب بها، وضلالات يضل بها، ولو كان من يعلم لله لقطع قشرة لسانه، والخيبة لقومٍ هذا فقيههم والمنظور إليه مع التميز كله وهذا النظر، وكل هذه الجهالات والضلالات.
فيقال لهذا البقباق النفاج: إنَّ الله أعظم من كلِّ شيء وأكبر من كلِّ خلق، ولم يحمله العرش عظماً ولا قوة، ولا حملة العرش

حملوه بقوتهم ولا استقلوا بعرشه ولكنهم حملوه بقدرته1.
وقد بلغنا أنَّهم حين حملوا العرش وفوقه الجبَّار في عزته وبهائه ضعفوا عن حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم حتى لقنوا: "لا حول ولا قوة إلا بالله" فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته ولولا ذلك ما استقل به العرش ولا الحملة ولا السموات والأرض ولا من فيهنَّ، ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، وكيف تنكر أيها النفاج أنَّ عرشه يقله والعرش أكبر من السموات السبع والأرضين السبع، ولو كان العرش في السماوات والأرضين ما وسعته، ولكنه فوق السماء السابعة.
فكيف تنكر هذا وأنت تزعم أنَّ الله في الأرض في جميع أمكنتها والأرض دون العرش في العظمة والسعة، فكيف تقله الأرض في دعواك ولا يقله العرش الذي هو أعظم منها وأوسع، وأدخل هذا القياس الذي أدخلت علينا في عظم العرش وصغره وكبره على نفسك وعلى أصحابك في الأرض وصغرها حتى تستدل على جهلك وتفطن لما يورد عليك حصائد لسانك، فإنَّك لا تحتج بشيء إلا هو راجع عليك وآخذ بحلقك".
وهذا النص موجود بتمامه في ردّ الإمام الدارمي على بشر المريسي صفحة (85، 86)، وقد أشار محقق كتاب نقض التأسيس في الهامش إلى مكان النص من كتاب الدارمي.
ومع هذا لم يتورع هذا الكاتب ومن قبله شيخه الكوثري 1 فهو سبحانه يمسك السموات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، وهو الغني عما سواه، وما سواه مفتقر إليه من كافة الوجوه، فهو غني عن العرش وما دونه، والخلق كلهم محتاجون إليه تبارك وتعالى.

من نسبة هذا الكلام لشيخ الإسلام على وجه مبتور مختزل مظهرين الشناعة عليه، فجمعا بين الكذب والتزوير.
وقد علم مما تقدم ما يلي: 1 أن النصَّ المذكور ليس من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كما زعمه الكاتب ومن قبله شيخه الكوثري، وظهر كذبهما عليه رحمه الله.
2 أنَّ الكاتب وشيخه ذكرا النص مختزلاً، ولم يذكراه بتمامه ليتبين مراد الإمام الدارمي رحمه الله منه.
3 تبيَّن أنَّ الكلام جاء في مقام مناظرة وإلزام للخصم، وليس في مقام تقرير وتأصيل عقيدة، ومن المعلوم المتقرر أنَّ عقيدة العالم لا تؤخذ من مناظرته، إذ يذكر العالم في مناظرته أموراً لا يقصد منها إلا قطع المخاصم وإفساد حجته.
وبهذا تعلم أنَّ قول الكاتب " فهل من التوحيد الخالص أيها الشيخ الحراني ويا من تتعصبون لآرائه الشاذة أن تجوزوا استقرار رب العالمين سبحانه وتعالى عما تصفون على ظهر ذبابة أو بعوضة" ما هو إلا تهويش من غشوم جهول، لا مستند له إلا الكذب والتزوير وسوء الظنِّ، فالله حسيبه وحسيب شيخه من قبله، ولهما من الله ما يستحقان.
11 قال الكاتب ص15: "وهل من توحيد الأسماء والصفات إثبات الحركة لله تعالى كما يقول ابن تيمية في كتابه "موافقة صريح المعقول" (2/4) على هامش منهاج السنة وقد نسب ذلك لأهل الحديث والسلف زوراً؟!! وأين وصف الله تعالى نفسه في كتابه بلفظ الحركة؟! ".

قلت: ليس في الصفحة المشار إليها شيء مما ذكره الكاتب، ولم يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتبه إثبات الحركة لله، ولم ينسب ذلك لأهل الحديث والسلف كما ادعى ذلك الكاتب كذباً وزوراً، فحار الكذب عليه ورجع إليه.
أمَّا شيخ الإسلام ابن تيمية فقوله في هذه الألفاظ التي لم ترد في الكتاب أو السنة معلوم ظاهر، وقد أوضحه رحمه الله في مواطن عديدة من مؤلفاته.
ومن ذلك قوله رحمه الله: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته وينفى ما نفاه الله ورسوله كما نفاه... "1. 12 قال الكاتب ص15: "وابن تيمية يقول في كتاب التأسيس (1/101) : "وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنَّه ليس بجسم وأنَّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً" ا. هـ". قلت: ليس هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإنَّما هو قول متكلمة أهل الإثبات القائلين بأنَّ الله جسم لا كالأجسام حكاه عنهم شيخ الإسلام في معرض ذكره الأقوال في لفظ الجسم وغيره من الألفاظ الاصطلاحية، قال رحمه الله: "ثم المتكلمون من أهل الإثبات لما ناظروا المعتزلة تنازعوا في الألفاظ الاصطلاحية فقال قوم:... إلى أن قال: قالوا: وهذا مِمَّا لا يمكن النزاع فيه إذا فهم المعنى المراد بذلك، لكن أي محذور في ذلك، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنَّه ليس

بجسم وأنَّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً؟! فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهلٌ وضلالٌ، قال: وكذلك فالعقل... ". فهو هنا رحمه الله يحكي قول هؤلاء، فجاء هذا الكاتب واقتطع من هذا النص بعضه ونسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية كذباً وزوراً، فنعوذ بالله من هذه الصفاقة في الكذب والوقاحة في الغش والتزوير، ونسأله العفو والعافية.
أمَّا معتقد شيخ الإسلام في لفظ الجسم فقد أوضحه رحمه الله قبل الكلام الذي نقله الكاتب بخمسة عشر سطراً فقط!! قال رحمه الله (1/100) : "وتحرير الأمر أن يقال: الوجه السابع والسبعون: أنَّ لفظ الجسم والعرض والمتحيز ونحو ذلك ألفاظ اصطلاحية، وقد قدمنا غير مرَّة أنَّ السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك في حق الله لا بنفي ولا بإثبات، بل بدَّعوا أهل الكلام بذلك وذموهم غاية الذم... ". فهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وقوله في هذه المسألة، ومع هذا أهمله الكاتب وتركه، وتجاوزه إلى كلام في الموضع نفسه ليس له ونسبه إليه، وحقّاً لا ينقضي العجب من هذه الجرأة السافرة على الكذب والخيانة والغش والتدليس والتزوير، ثم مع احتراف الكاتب لهذه الأمور يرمي بكل وقاحة في كتابه السلفيين بأنَّهم محرفون محترفون1!!.
فمن المحرف المحترف إن كنت ذا عقل؟!

13 قال الكاتب ص 16،17: عن ابن القيم: "ويثبت في كتابه الصواعق المرسلة أنَّ لله ساقين، وأنَّه إذا لم يذكر الله في كتابه إلا ساقاً واحدة فهذا لا ينفي أنَّه ليس له ساق أخرى فيقول ما نصه: "هب أنَّه سبحانه أخبر أنَّه يكشف عن ساق واحدة هي صفة، فمن أين في ظاهر القرآن أنَّه ليس له سبحانه إلا تلك الصفة الواحدة؟ وأنت لو سمعت قائلاً يقول: كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي هل يفهم منه أنَّه ليس إلا ذلك الواحد فقط" ا. هـ. فانظر إلى هذا التجسيم الصريح وإلى هذا الهراء والهذيان... إلى أن قال: فخذ مجدك في التجسيم يا ابن القيم!! ولا يهمنك المعارضون من أهل السنة الذين تلقبهم بالجهمية والمعطلة!! ". قلت: أولاً: لكلام ابن القيّم تتمة مهمة أهملها الكاتب لحاجة في نفسه، يقول ابن القيم تلو ما وقف عنده الكاتب في النقل عنه "… فلو قال ذلك أحد لم يكن هذا ظاهر كلامه، فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك" وهذه التتمة موضحة لمراد ابن القيم من قوله، وقد حذفها الكاتب ليوهم القارئَ أنَّ ابن القيم مجسِّم وحاشاه.
ومراد ابن القيّم من كلامه ظاهر، حيث يقصد أن الله خاطبنا في كتابه بكلام عربيٍّ بيِّن يفهم حسبما تقتضيه لغة العرب التي خوطبنا في القرآن بها.
ثانياً: ذكر ابن القيم رحمه الله هذا الكلام ضمن أحد عشر وجهاً ردَّ بها على الجهميّ القائل: "ورد في القرآن ذكر الوجه والأعين والعين الواحدة وذكر الجنب الواحد وذكر الساق الواحد وذكر الأيدي وذكر اليدين واليد

الواحدة، فلو أخذنا بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه، وعلى ذلك الوجه أعين وله جنب واحد، وعليه أيد كثيرة، وله ساق واحد ولا نرى في الدنيا شخصاً أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة.
قال السنيّ المعظم حرمات الله تعالى: قد ادعيت أيها الجهمي أنَّ ظاهر القرآن الذي هو حجة الله على عباده، والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه، وهو الذي هدى الله به عباده وجعله شفاء لما في الصدور وهدىً ورحمة للمؤمنين، ولم ينزل كتاباً من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل، فانتهكت حرمته وعظمته ونسبته إلى أقبح النقص والعيب... ". ثم ذكر رحمه الله أحد عشر وجهاً عظيمة في الرد على هذا الجهميّ الخبيث، فجاء هذا الكاتب إلى أحد هذه الأوجه وأخذ بعضه وشنع على ابن القيم به منحازاً إلى صف الجهمية منتصراً لهم.
وأقول له: لو أكملت نصرتك لهم بذكر بقية الوجوه التي أوردها ابن القيم وناقشتها وجهاً وجهاً إن كنت تقدر.
14 قال الكاتب ص17: "وابن القيم متعصب لذلك وسائر على قاعدة شيخه الحراني التي أسسها له في كتابه التأسيس (1/109) حيث قال هناك: "وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين".ا. هـ". قلت: لم ينته كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كما زعمت أيُّها الملبس بل قال بعده مباشرة "... ولكن تكلم طائفة من السلف مثل عبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ونعيم بن حماد وغيرهم بذم المشبهة، وبينوا المشبهة الذين ذموهم أنَّهم يمثلون صفات الله بصفات خلقه".

فصول الكتاب · 2 فصل · 124 صفحة
جارٍ التحميل