القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيدصفحات 16-55
أهل الأثرالأرشيف العلمي

القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد...

صفحات 16-55

1 قال الكاتب ص 3: "فهذا جزء لطيف ومنار منيف أثبت فيه إبطال التثليث في تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء وصفات …".
قلت: إنَّ التثليث عقيدة نصرانية خبيثة تقوم على أساس جعل الآلهة ثلاثة وهم: الأب والابن وروح القدس، وقد كفَّرهم الله بها في محكم تنزيله حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إَنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ 1.
أما تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد إرادة وطلب وهو توحيد الألوهية، فهذه عقيدة المسلمين قاطبة، المؤمنين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سوى المبتدعة الضُّلاَّل.
والمراد بتوحيد الربوبية: الاعتقاد الجازم بأنَّ الله وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لشئون خلقه كلها لا شريك له في ذلك.
والمراد بتوحيد الألوهية: إفراد الله وحده بالخضوع والذل والمحبة والخشوع وسائر أنواع العبادة لا شريك له.
والمراد بتوحيد الأسماء والصفات: الإيمان الجازم بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، وإثباتها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل.

ولكلِّ قسم من هذه الأقسام الثلاثة ضدٌّ؛ "فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور المتصرف في كل مخلوقاته لا شريك له في ملكه، فضد ذلك هو اعتقاد العبد وجود متصرف مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل.
وإذا عرفت أنَّ توحيد الأسماء والصفات هو أن يدعى الله تعالى بما سمى به نفسه ويوصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وينفى عنه التشبيه والتمثيل، فضد ذلك شيئان ويعمهما اسم الإلحاد: أحدهما: نفي ذلك عن الله عز وجل وتعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله الثابتة بالكتاب والسنة.
ثانيهما: تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه وقد قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ 1، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ 2، وإذا عرفت أن توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة ونفي العبادة عن كل ما سوى الله تبارك وتعالى فضد ذلك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، وهذا هو الغالب على عامة المشركين وفيه الخصومة بين جميع الرسل وأممها"3.
وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد لها دلائل كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم 1 فمن أدلة توحيد الربوبية قول الله تعالى: ﴿الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،

وقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ 1، وقوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ﴾ 2، وقوله: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ 3، وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ 4، وقوله: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَي كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ 5، وغيرها من الآيات.
2 ومن أدلة توحيد الألوهية قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ﴾؛ لأنَّ الله معناه المألوه المعبود، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ 6، وقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ 7، وقوله: ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِن دُونِهِ﴾ 8، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ

لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ 1، وغيرها من الآيات.
3 ومن أدلة توحيد الأسماء والصفات قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ 2، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ 3، وقوله: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ 4، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ 5، وآخر سورة الحشر، وغيرها من الآيات.
ومن الآيات التي جمعت أقسام التوحيد الثلاثة قول الله تبارك وتعالى في سورة مريم: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ 6.
يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله مبيناً دلالة الآية على ذلك: "… اشتملت [أي الآية] على أصول عظيمة على توحيد الربوبية وأنَّه تعالى ربُّ كلِّ شيء وخالقُهُ ورازقُهُ ومدبِّرُه، وعلى توحيد الألوهية والعبادة وأنَّه تعالى الإله المعبود وعلى أنَّ ربوبيته موجبة لعبادته وتوحيده ولهذا أتى فيه بالفاء في قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ الدالة على السبب أي فكما أنَّه ربُّ كلِّ شيء فليكن هو المعبود حقّاً فاعبده ومنه: الاصطبار لعبادته تعالى وهو جهاد النفس

وتمرينها وحملها على عبادة الله تعالى فيدخل في هذا أعلى أنواع الصبر وهو الصبر على الواجبات والمستحبات والصبر عن المحرمات والمكروهات، بل يدخل في ذلك الصبر على البليات فإنَّ الصبر عليها وعدم تسخطها والرضى عن الله بها من أعظم العبادات الداخلة في قوله: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾، واشتملت على أنَّ الله تعالى كامل الأسماء والصفات عظيم النعوت جليل القدر وليس له في ذلك شبيه ولا نظير ولا سمي، بل قد تفرَّد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات"1.
وفي بيان دلالة القرآن على أنواع التوحيد يقول العلاَّمة ابن القيم بعد أن ذكر أنَّ كلَّ طائفة تسمي باطلهم توحيداً: "وأمَّا التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله، وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في المطلب والقصد.
فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوّه فوق سمواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه.
وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جدّ الإفصاح.
كما في أول سورة الحديد وسورة طه وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها وغير ذلك.
النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ 2 الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة يونس ووسطها وآخرها، وأول سورة

الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولاً كليّاً: إنَّ كلَّ آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه؛ فإنَّ القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كلِّ ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمرٌ ونهيٌ وإلزامٌ بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد.1
فالقرآن كلُّه في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، ف ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ توحيد، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، الذين أنعم الله عليهم، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّين﴾ الذين فارقوا التوحيد... "2.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "وقد دلَّ استقراء القرآن العظيم على أنَّ توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فِطَرُ العقلاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ... ﴾ 1، وقال: ﴿قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ 2.
وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَونُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ 3 تجاهلٌ من عارفٍ أنَّه عبدٌ مربوبٌ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلآءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ... ﴾ 4 الآية، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ 5، وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ 6، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً.
الثاني: توحيده جلَّ وعلا في عبادته.
وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله" وهي متركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت.
ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جلَّ وعلا وحده بجميع أنواع

العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.
وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الأَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ 1.
ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ... ﴾ 2 الآية، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ 3 الآية، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّه لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ 4، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ 5، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ 6، فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنَّما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة "لا إله إلا الله" لجميع ما جاء في الكتب؛ لأنَّها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده.
فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة.

النوع الثالث: توحيده جلَّ وعلا في أسمائه وصفاته.
وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين: الأول: تنزيه الله جلَّ وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ 1.
والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ 2، مع قطع الطمع عن إدراك كيفيَّة الاتصاف، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ 3، وقد قدمنا هذا المبحث مستوفى موضحاً بالآيات القرآنية في سورة الأعراف.
ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جلَّ وعلا على وجوب توحيده في عبادته؛ ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبيَّة باستفهام التقرير.
فإذا أقرُّوا بربوبيته احتج بها عليهم على أنَّه هو المستحق لأنْ يعبد وحده.
ووبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنَّه هو الربّ وحده؛ لأنَّ من اعترف بأنَّه الرب وحده لزمه الاعتراف بأنَّه هو المستحق لأن يُعبد وحده.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ 4 إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ : فلما أقروا بربوبيته

وبخهم منكراً عليهم شركهم به غيره بقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ﴾، فلما اعترفوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾، ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ للهِ﴾، فلما أقرُّوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾، ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ﴾ فلما أقرُّوا وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ 1.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ﴾، فلما صح الاعتراف وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾ 2.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾، فلما صحَّ إقرارهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ 3.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾، فلما صحَّ اعترافهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾، فلما صحَّ إقرارهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ

يَعْقِلُونَ﴾ 1، وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾، فلما صح اعترافهم وبخهم الله منكراً عليهم بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿ءَآللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا﴾، ولا شك أنَّ الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره: هو أنَّ القادر على خلق السموات والأرض وما ذكر معها خير من جماد لا يقدر على شيء.
فلما تعيَّن اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾، ولا شك أنَّ الجواب الذي لا جواب غيره كما قبله.
فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، ثم قال جلَّ وعلا: ﴿أَمَّن يُّجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ﴾، ولا شك أنَّ الجواب كما قبله.
فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَمَّن يَّهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُّرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، ولا شك أنَّ الجواب كما قبله.
فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ثم قال جلَّ وعلا: ﴿أَمَّن يَّبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَّرْزُقُكُم مِّنَّ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾، ولا شك أنَّ الجواب كما قبله.
فلما تعين الاعتراف وبخهم منكراً عليهم بقوله:

﴿أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ 1، وقوله: ﴿اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَّفْعَلُ مِن ذَالِكُم مِّن شَيْءٍ﴾ 2، ولا شك أنَّ الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا، أي ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئاً من ذلك المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء.
فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
والآيات بنحو هذا كثيرة جداً.
ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع: أنَّ كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهاماتُ تقريرٍ، يراد منها أنَّهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأنَّ المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ 3، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ 4 وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأنَّ استقراء القرآن دلَّ على أنَّ الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس استفهام إنكار؛ لأنَّهم لا ينكرون الربوبية، كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه.
والكلام على أقسام التوحيد ستجده إن شاء الله في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك، بحسب المناسبات في الآيات التي نتكلم على بيانها بآيات أخر"5 اه كلامه رحمه الله.

وقد نقلت كلامه بطوله لأهميته، وقد نبَّه فيه رحمه الله إلى أنَّ أقسام التوحيد الثلاثة مأخوذة بالاستقراء لنصوص القرآن الكريم، وبهذا يعلم أن هذا التقسيم من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله تعالى، وليس أمراً اصطلاحياً أنشأه بعض العلماء.1

قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد حفظه الله: "هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن مندة وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين رحم الله الجميع، وهو استقراء تامٌّ لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كلِّ فنٍّ، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء"1.
وما يؤمن بالتوحيد من لم يؤمن بهذه الأقسام الثلاثة المستمدة من نصوص الشرع، إذ التوحيد المطلوب شرعاً هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ومن لم يأت بهذا جميعه فليس موحداً.
بل إنَّ كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" التي هي أصل الدين وأساسه قد دلت على أقسام التوحيد الثلاثة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطر".
وأما وجه دلالة هذه الكلمة العظيمة على أقسام التوحيد الثلاثة فظاهر تماماً لمن تأملها: فقد دلت على إثبات العبادة لله ونفيها عمن سواه، كما دلت أيضاً على توحيد الربوبية فإنَّ العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً، ودلت على توحيد

الأسماء والصفات فإنَّ مسلوب الأسماء والصفات ليس بشيء بل هو عدم محض، كما قال بعض العلماء: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إله الأرض والسماء.1
إذا تبين هذا وتقرر فليعلم أنَّ جعل الكاتب في كلامه المتقدم وفي طرَّة كتابه هذا من قبيل التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية قولٌ في غاية الخبث والضلال والانحراف، حيث جعل العقيدة المستمدة من الكتاب والسنة مثل عقيدة النصارى المنحرفة الضالة.
وقائل هذه المقالة الجائرة حقيق بأن يقطع لسانه ويكسر بنانه ويستتاب من مقالته هذه الشوهاء وضلالته العمياء.
ثم ماذا سيقول الكاتب عن الآيات التي دلت على تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أنواع وتحدثت عن كل نوع على حدة.
هل سيقول إنَّها دلت على التثليث.
أو سيضيف إليها قيودات واستدراكات من عنده.
ثم ماذا على من استدل بالقرآن في تقسيم التوحيد؟ لا ينكر هذا الأصل العظيم الثابت في القرآن والسنة إلا ضال منحرف.
2 قال الكاتب ص 3: "... وخصوصاً أنَّ هذا التقسيم لايعرف عند السلف البتة وإنما اخترع هذا التقسيم وانتشر بعد القرن السابع الهجري".
وقال ص 6: "ولم يذكر الله تعالى في كتابه ولا النبي صلى الله عليه وسلم في سنته1أنَّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء

وصفات، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحد من الصحابة بل ولا أحد من التابعين، بل ولا أحد من السلف الصالح رضي الله عن الجميع بل إنَّ هذا التقسيم بدعة خلفية مذمومة حدثت في القرن الثامن الهجري، أي بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ثمانمائة سنة ولم يقل بهذا التقسيم أحد من قبل... ". وقال ص 10: "ابن تيمية الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية..". قلت: أما الأدلة من الكتاب والسنة على هذا التقسيم فهي كثيرة لا تحصر يعرفها من لديه أدنى إلمام بنصوص الكتاب والسنة، بل إن من يحفظ فاتحة الكتاب1وسورة الناس يجد فيهما ما يشفي ويكفي من وضوح دلالة ونصوع برهان على هذا التقسيم، بل هو أكبر الحقائق الشرعية المقررة في الكتاب والسنة، وقد تقدم قريباً شيء من أدلة القرآن الكريم على هذا التقسيم، وهذا لا يكابر فيه إلا ضالٌّ منحرفٌ لوضوحه وجلائه.
وأما قول الكاتب إنَّ هذا التقسيم اخترعه ابن تيمية، ولم يقل به أحد من السلف الصالح، ولم يوجد إلا في القرن الثامن الهجري فهذا دليل على قصور علمه وقلة خبرته ومعرفته بكتب السلف الصالح إذ هي مليئة بالتصريح تارة والإشارة تارة إلى هذه الأقسام، ولو ذهبت أنقل كل ما أعلمه من أقوالهم في ذلك لطال المقام، لكن حسبي أن أورد هنا بعض النقول ونزراً يسيراً من النصوص المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة لبعض الأئمة الذين كانوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ليظهر كذب الكاتب وليبين جهله.

النص الأول: للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري المتوفى سنة 387هـ. فقد قال رحمه الله في كتابه "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" ما نصه: "... وذلك أنَّ أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء: أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مبايناً لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعاً.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مبايناً بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أن يعتقده موصوفاً بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفاً بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه.
إذ قد علمنا أنَّ كثيراً ممن يقر به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحاً في توحيده.
ولأنَّا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها.
فأمَّا دعاؤه إياهم إلى الإقرار بربانيته ووحدانيته فلسنا نذكر هذا هاهنا لطوله وسعة الكلام فيه، ولأنَّ الجهمي يدعي لنفسه الإقرار بهما وإن كان جحده للصفات قد أبطل دعواه لهما... "1. ثم أخذ يورد ما يدل على بطلان قول الجهمية في نفي الصفات.
فهذا نص

في غاية الوضوح في ذكر أقسام التوحيد الثلاثة.
وتأمل قول ابن بطة: "لأنَّ الجهمي يدعي لنفسه الإقرار بهما... " أي الربوبية والألوهية وإنما جحد توحيد الأسماء والصفات خلاف هذا المبطل الذي جحد وأنكر تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وجعله من قبيل التثليث في العقيدة الإسلامية فكان بذلك الجهمية دونه في الضلال.
وتأمل قول ابن بطة: "ولأنَّا نجد الله قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاثة والإيمان بها" ففيه أبلغ رد على الكاتب في قوله: "ولم يذكر الله في كتابه ولا النبي صلى الله عليه وسلم في سنته أنَّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام... ". وتأمل قوله في بداية كلامه: "وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء... " فنص رحمه الله على أنَّ أقسام التوحيد الثلاثة هي أصل الإيمان الذي يجب على الخلق اعتقاده مع إثبات الإيمان بالله، ومعنى ذلك أنَّه لا إيمان لمن لم يأت بهذه الأمور الثلاثة ولا توحيد، إذ الإيمان والتوحيد هو إفراد الله وحده بهذه الأمور الثلاثة فمن لم يأت بتوحيد الربوبية فهو معطِّل للخالق مشرك في ربوبية الله، ومن لم يأت بتوحيد الألوهية فهو مشرك في ألوهية الله وعبادته كالمشركين عبدة الأصنام، ومن لم يأت بتوحيد الأسماء والصفات فهو كافر ملحد في أسماء الله وصفاته.
فكيف يقول مسلم عاقل إنَّ هذه الأمور لا أصل لها ولا أساس، ولا وجود لها في الكتاب والسنة، فاللهم غفراً.
النص الثاني: للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن مندة المتوفى سنة 395هـ. ففي كتابه "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجل وصفاته على

الاتفاق والتفرد" ذكر أقسام التوحيد واستعرض كثيراً من أدلتها في الكتاب والسنة بشرح وبسط لا مزيد عليه. فمن الأبواب التي عقدها وهي متعلقة بتوحيد الربوبية ما يلي: 1 ذِكْرُ ما وصف الله عز وجل به نفسه ودلَّ على وحدانيته عز وجل وأنَّه أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. 2 ذكر معرفة بدء الخلق. 3 ذكر ما يدل على أنَّ خلق العرش تقدم على خلق الأشياء. 4 ذكر ما يدل على أنَّ الله قدر مقادير كل شيء قبل خلق الخلق. 5 ذكر ما يستدل به أولو الألباب من الآيات الواضحة التي جعلها الله عز وجل دليلاً لعباده من خلقه على معرفته ووحدانيته من انتظام صنعته وبدائع حكمته في خلق السموات والأرض... 6 ذكر ما بدأ الله عز وجل من الآيات الواضحة الدالة على وحدانيته. 7 ذكر الآيات المتفقة المنتظمة الدالة على توحيد الله عز وجل في صفة خلق السموات التي ذكرها في كتابه وبينها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تنبيهاً لخلقه.1
ثم ذكر أبواباً أخرى.
ومن الأبواب التي عقدها وهي متعلقة بتوحيد الألوهية ما يلي: 1 ذكر معرفة أسماء الله عز وجل الحسنة التي تسمى بها وأظهرها لعباده للمعرفة والدعاء والذكر.

2 ذكر معرفة اسم الله الأكبر الذي تسمى به وشرفه على الأذكار كلها.
وذكر تحت هذا الباب ما يلي: أقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله".
ب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله".
ج قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت".
د قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: "قل ربي الله ثم استقم".
هـ قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: "الله يمنعني منك".
وقول النبي صلى الله عليه وسلم "من كان حالفاً فليحلف بالله عز وجل ومن حلف بغير الله فقد أشرك".
ز قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اذكروا الله على جميع الأمور"، قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ 1.
وذكر أموراً أخرى كثيرة متعلقة بتوحيد الألوهية.
ومن الأبواب التي عقدها وهي متعلقة بتوحيد الأسماء والصفات ما يلي: ذكر معرفة صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه وأنزل بها كتابه وأخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الوصف لربه عز وجل مبيناً ذلك لأمته.
وذكر أبواباً أخرى كثيرة في توحيد الأسماء والصفات2، وكان قبل هذا

ذكر جملة كبيرة من أسماء الله الحسنى.1
قال شيخنا الدكتور علي بن ناصر فقيهي في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن مندة المتقدم: "ومؤلف هذا الكتاب عاش في القرن الرابع الهجري (310-395هـ) وقد اشتمل كتابه على أقسام التوحيد التي ورد ذكرها في كتاب الله تعالى توحيد الربوبية توحيد الألوهية توحيد الأسماء والصفات فبدأ بقسم الوحدانية في الربوبية مستدلاً به على توحيد الله في الألوهية، ثم ذكر عنواناً لتوحيد الأسماء ومنه دخل في توحيد الألوهية وذلك من الفصل الثاني والأربعين إلى الفصل الخمسين، ثم عاد لتكميل أسماء الله تعالى، ثم اتبعه بتوحيد الصفات حيث بحثه مستقلاً عن أسماء الله عز وجل، ثم عاد إلى توحيد الربوبية بالتصريح بذلك في آخر الكتاب ولم يخرج في استدلاله على ذلك عن كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف كما يجد ذلك القارئ في الكتاب.
وهذا التقسيم الذي شمله هذا الكتاب، ردٌّ على أبي حامد بن مرزوق الذي يقول في كتابه المسمى "التوسل بالنبي وجهالة الوهابيين": إنَّ تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والقول بأنَّ المشركين كانوا مؤمنين بالأول دون الثاني ولم يدخلهم في الإسلام أنَّ ذلك بدعة ابتدعها ابن تيمية وقلده فيها محمد بن عبد الوهاب... "2. قلت: فلعل الكاتب تلقف فريته هذه من أبي حامد بن مرزوق، ونقلها عنه، فإنَّ أهل الأهواء يتوارثون بدعهم، كما يتوارث أهل السنة الحقَّ من

مشكاة النبوة، ولكن فرق بين الإرثين: شتان بين الوارثين وبين مو... رثيهما وسهام ذي سهمان 1 النص الثالث: لإمام قبل هذين الإمامين وهو الإمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة 182هـ. فقد قال ابن مندة في كتابه التوحيد: أخبرنا محمد بن أبي جعفر السرخسي ثنا محمد بن سلمة البلخي ثنا بشر بن الوليد القاضي عن أبي يوسف القاضي أنَّه قال: "ليس التوحيد بالقياس ألم تسمع إلى قول الله عز وجل في الآيات التي يصف بها نفسه أنَّه عالم قادر قوي مالك ولم يقل: إني عالم قادر لعلةِ كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ 2 الآية، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ 3، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التِّي تَجْرِي فِي البَحْرِ﴾ 4 الآية.
قال أبو يوسف: لم يقل الله: انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت ثم قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ

يَتَوَفَّاكُمْ﴾ 1، وقال: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ 2 أي: تعلم أن هذه الأشياء لها ربٌّ يقلبها ويبديها ويعيدها وأنك مكون ولك من كونك.
وإنما دل الله عز وجل خلقه بخلقه ليعرفوا أنَّ لهم رباً يعبدوه ويطيعوه ويوحدوه، ليعلموا أنه مكونهم، لا هم كانوا، ثم تسمى فقال: أنا الرحمن وأنا الرحيم وأنا الخالق وأنا القادر وأنا المالك، أي: هذا الذي كونكم يسمى المالك القادر الله الرحمن الرحيم بها يوصف.
ثم قال أبو يوسف: يُعرف الله بآياته وبخلقه ويوصف بصفاته ويسمَّى بأسمائه كما وصف في كتابه، وبما أدَّى إلى الخلق رسوله.
ثم قال أبو يوسف: إن الله عز وجل خلقك وجعل فيك آلات وجوارح عجز بعض جوارحك عن بعض وهو ينقلك من حال إلى حال لتعرف أنَّ لك رباً وجعل فيك نفسك عليك حجة بمعرفته تتعرف بخلقه، ثم وصف نفسه فقال: أنا الرب وأنا الرحمن وأنا الله وأنا القادر وأنا المالك فهو يوصف بصفاته ويسمى بأسمائه، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ 3، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ 4، وقال: ﴿لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 5، فقد أمرنا الله أن نوحده، وليس

التوحيد بالقياس؛ لأنَّ القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له تبارك الله أحسن الخالقين. ثم قال: وكيف يدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق ليس كمثله شيء تبارك وتعالى. وقد أمرك الله عز وجل أن تؤمن بكلِّ ما أتى به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ 1، فقد أمرك الله عز وجل بأن تكون تابعاً سامعاً مطيعاً ولو يوسّع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذاً لضلوا، ألم تسمع إلى قول الله عز وجلَّ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ 2، فافهم ما فسر به ذلك"3. ورواه أيضاً الإمام الحافظ قوام السنة أبو القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني المتوفى سنة 535هـ في كتابه "الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة" ولأهميته عنده خصه بفصل مستقل فقال: "فصل في النهي عن طلب كيفية صفات الله عز وجل" وذكره بإسناده من طريق السرخسي به.4
وأثر أبي يوسف هذا الذي رواه هذان الإمامان عظيم القدر مشتمل على أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.

قال شيخنا الدكتور علي فقيهي في التعليق على هذا الأثر: "... وقد ذكر أبو يوسف كلاماً نفيساً في باب التوحيد هو ظاهر في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.
فذكر أنَّ التوحيد لا يكون بالقياس، مبيناً أنَّ القياس لا يكون إلا إذا وجدت علة حيث قال: ألم تسمع إلى قول الله عز وجل في الآيات التي يصف بها نفسه أنَّه عالم قادر قوي ولم يقل إني قادر عالم لعلة كذا، أو أقدر بسبب كذا، قال: ولذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف الله إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته، ثم ذكر أدلة ذلك، ثم قال: لم يقل الله انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر، وإنما قال: انظر كيف خلقت... الخ إنما ذكره رحمه الله لا يحتاج لبيان فراجعه تجد فيه الردَّ على الملحدين في الربوبية وفي الأسماء والصفات مستدلاً بذلك على توحيد العبادة والطاعة لله وحده"1.
قلت: فهذه ثلاثة نصوص عن ثلاثة أئمة ماتوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله2، الأولان منهم ماتا في القرن الرابع الهجري والثالث وهو أبو يوسف مات في القرن الثاني الهجري، وروى أثره التيمي وقد مات في القرن السادس وهي مشتملة على أقسام التوحيد الثلاثة بغاية الجلاء والوضوح فعلى مرِّ القرون أهل السنة والجماعة متتابعون على هذا التقسيم ليس بينهم خلاف فيه، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع ضال منحرف.

وليت شعري ماذا سيقول الكاتب وأسلافه أمام هذه النصوص الواضحة الجلية عن أهل السنة والجماعة في تقسيم التوحيد؟ هل سيقول عن هؤلاء الأئمة "إنهم تبعوا ابن تيمية في مذهبه الباطل"؟! كما قد قال مثل ذلك بعض الجهلة مثله وقد أورد عليه نص من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: "ابن تيمية وهابي"!! وما ولد ابن عبد الوهاب إلا من بعده بقرون، فالله المستعان.
3 قال الكاتب ص 3: "فاعلم أنَّ تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاث تقسيم غير صحيح تكلم به بعض متأخري المصنفين منهم صاحب شرح العقيدة الطحاوية ابن أبي العزِّ المنسوب للحنفية خطأ الذي ردَّ على صاحب الكتاب الأصلي الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى أثناء شرحه على كتابه متن الطحاوية في التوحيد فزيف ابن أبي العزِّ بعض كلام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله، وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح فخالف حقيقة صريح الكتاب والسنة والإجماع وعقيدة أهل السنة والجماعة الواردة في كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي... ". وكرر مثل هذا الكلام ص: 6، وص: 12، وص: 45، وص: 60، وكثيراً ما يكرر ما يذكره لأغراض لعل منها تسمين الكتاب ونفخه كيفما اتفق.
وأقول: أولاً: أمَّا قول الكاتب عن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام بأنَّه تقسيم غير صحيح، فهذا كلام من يهرف بما لا يعرف، ويتكلم بما لا يعلم وهو من القول على الله بلا علم في أصلِ الأصول وأعظم الأركان توحيد الله، وصغار تلاميذ أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان يعلمون صحة هذا التقسيم وأدلته من الكتاب والسنة، وقد سبق أن أوردت شيئاً منها فيما تقدم، والكاتب فيما ذكر

يكشف عن قلة علمه وقصور فهمه في أظهر الأمور وأبينها.
ثانياً: أما قوله: "تكلم به بعض متأخري المصنفين" فقد سبق نقض ذلك وبيان عدم صحته فيما تقدم، لكن أضيف هنا نصين آخرين لإمامين مشهورين الأول للإمام أبي حنيفة والثاني للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمهما الله، وفيهما ذكر أقسام التوحيد الثلاثة كقول أهل السنة والجماعة سواء.
1 قال الإمام أبو حنيفة (ت150هـ) في كتابه الفقه الأبسط (ص51) : "والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأنَّ الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء".
فقوله: "يدعى من أعلى لا من أسفل …" فيه إثبات العلو لله، وهو من توحيد الأسماء والصفات، وفيه رد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم من نفاة العلو.
وقوله: "من وصف الربوبية" فيه إثبات توحيد الربوبية.
وقوله: "والألوهية" فيه إثبات توحيد الألوهية.
2 وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت321هـ) في مقدمة متنه في العقيدة المشهور بالطحاوية: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره …".
فقوله: "إن الله واحد لا شريك له" شامل لأقسام التوحيد الثلاثة، فهو سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته، وواحد لا شريك له في ألوهيته، وواحد لا شريك له في أسمائه وصفاته.
وقوله: "ولا شي مثله" هذا من توحيد الأسماء والصفات.
وقوله: "ولا شيء يعجزه" هذا من توحيد الربوبية.

وقوله: "ولا إله غيره" هذا من توحيد الألوهية.
فهذه أقسام التوحيد الثلاثة صريحة واضحة في نصي هذين الإمامين رحمهما الله.
وذكر الطحاوي في مقدمة متنه المذكور أنَّه مشتمل على: "بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصل الدين، ويدينون به رب العالمين".
وقد قال الكاتب ص 12: "اعلم أنَّ متن الطحاوية وهو الكتاب الذي صنفه أبو جعفر الطحاوي رحمه الله كتاب صحيح مستقيم من أحسن كتب العقيدة التي تمثل اعتقاد السلف الصالح، ولأنَّه أعني الطحاوي ذكر في مقدمة ذلك الكتاب أنَّه عقيدة الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه وصاحبيه محمد بن الحسن والقاضي أبي يوسف رحمهما الله تعالى …".
فنقول له: إنَّ جميع هؤلاء الأئمة المذكورين قائلون بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، موافقون لأهل السنة والجماعة فيه، فابن أبي العز رحمه الله تبعٌ للجميع في ذلك، ولم يأت ببدع من الأمر كما زعمت وادَّعيت.
فهؤلاء هم سلف ابن أبي العزِّ وأئمته في هذا التقسيم، فمن من السلف قال بإنكاره، سمهم لنا، ولن تجد أحداً من السلف ينكر هذا التقسيم ولو بحثت في كتب أهل العلم ما حييت، بل ستجد النصوص الكثيرة عنهم في ذكر هذا التقسيم اتباعاً للكتاب والسنة ولزوماً لما جاء فيهما، فهم يتبعون ولا يبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون، ومخالفوهم هم أهل البدع والأهواء، المشاقون لله ولرسوله، المتبعون غير سبيل المؤمنين.

وأيضاً من العلماء الذين جاء عنهم ذكر هذه الأقسام الإمام ابن جرير الطبري (ت310هـ) في تفسيره في مواطن عديدة1، والقرطبي في تفسيره في مواطن عديدة2، وابن حبان البستي (ت354هـ) في مقدمة كتابه "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" حيث يقول: "الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المانِّ عليهم بتواتر آلائه، المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بعزته إرادته... ". فذكر الأقسام الثلاثة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
وابن أبي زيد القيرواني المالكي (ت386هـ) في مقدمة عقيدته حيث قال: "من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان بأن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له ولا نظير ولا ولد له ولا والد له، ولا صاحبة له ولا شريك له، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون … إلى أن قال: … تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يكون لأحد عنه غناً، خالقاً لكل شيء، ألا هو رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم …".
فذكر الأقسام الثلاثة.
وأبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي في مقدمة كتابه "سراج الملوك"

(1/7) حيث قال: "وأشهد له بالربوبيَّة والوحدانية، وبما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والنعوت الأوفى".
فذكر الأقسام الثلاثة، والنقول في هذا كثيرة.
ثالثاً: وأمَّا قول الكاتب عن ابن أبي العزِّ إنَّه منسوب للحنفية خطأ فقد قاله جزافاً دون بحث أو تحقيق كما هي عادته، إذ لو طالع كتب التراجم في ترجمة ابن أبي العز لوجدها مليئة بما يبين كذبه وجهله، ومما جاء في كتب التراجم ويدل على حنفية ابن أبي العز ما يلي: 1 كونه ينتمي لأسرة تتزعم المذهب الحنفي في دمشق فأبوه هو القاضي علاء الدين علي بن أبي العز الحنفي المتوفى سنة 746هـ خطيب جامع الأمزم ونائب الحكم القاضي عماد الدين الطرسوسي، وجده هو القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي العز أحد مشايخ الحنفية حكم نيابة نحواً من عشرين سنة وهو أول من خطب بجامع الأمزم ودرَّس بالمعظمية واليغمورية والقليجية، وأبو جده هو محمد بن أبي العز صالح بن أبي العز الأوزعي، وكان المدرس الرابع بالمرشدية، ومن أولاد عمومته القاضي صدر الدين سليمان بن أبي العز أحد من انتهت إليه رياسة المذهب الحنفي في زمانه، والمفتي محمد بن سليمان بن أبي العز كان من كبار الحنفية، وعلى بن يوسف بن محمد بن سليمان بن أبي العز كان فقيهاً حنفياً، فهو نشأ في كنف أسرة جميع أفرادها ينتحلون مذهب أبي حنيفة.
2 كونه ولي التدريس بالمدارس الخاصة بالحنفيَّة، فقد درَّس بالقيمازية سنة (748هـ) ودرَّس بالمدرسة الركنية سنة (777هـ) ودرَّس بالعزية البرانية سنة (784هـ) ودرَّس بالجوهرية، وجميع هذه من مدارس الحنفية.

3 كونه ولي قضاء الحنفية، وذلك آخر سنة (776هـ) نيابة عن ابن عمه نجم الدين الذي نقل إلى قضاء مصر في شهر محرم سنة (777هـ) ثم إنَّ نجم الدين استعفى من القضاء بعد مائة يوم، فنقل إلى دمشق، وولى مكانه ابن أبي العز شارح الطحاوية قضاء الحنفية بمصر في جمادى الآخرة من هذه السنة فباشر القضاء نحو شهرين ثم استعفى فأعفي وعاد إلى دمشق على وظائفه في القيمازية والجوهرية والخطابة.
4 من مؤلفاته "التنبيه على مشكلات الهداية" ذكره السخاوي وغيره، وكتاب الهداية من الكتب المعتمدة عند الحنفيَّة لمؤلفه علي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني الحنفي المتوفى سنة 593هـ.1 إلا أنه لم يكن متعصباً للمذهب، ومن مؤلفاته القيمة في ذلك كتابه "الاتباع" "وهو رد على الرسالة التي ألَّفها معاصره أكمل الدين محمد بن محمود بن أحمد الحنفي المتوفى سنة 786هـ، ورجح فيه تقليد مذهب أبي حنيفة رحمه الله وحض على ذلك وقد وجد فيها ابن أبي العز مواضع مشكلة فأحب أن ينبه عليها خوفاً من التفرق المنهي عنه واتباع الهوى المردي، وقد كان موفقاً كل التوفيق في هذا الرد، فإنه رحمه الله نهج نهجاً علمياً ينبئ عن أدب جم، وقوة حجة، واتساع دائرة، وبراءة من التعصب المذموم، ورغبة ملحة في جمع القلوب، وإزالة العوائق"2.
والمقصود مما تقدم التنبيه على كذب الكاتب في دعواه أن ابن أبي العز منسوب إلى الحنفية خطأً.

رابعاً: وأما قول الكاتب عن ابن أبي العز إنه زيَّف كلام الإمام الطحاوي وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب أهل السنة والجماعة.
فهذا من البهت والكذب، يُقصد من ورائه تزهيد الناس في هذا الكتاب العظيم والمؤلف القيم الذي لا نظير له في بابه، والذي هو بحق يدل على غزارة علم مصنفه، وسعة اطلاعه وحسن وصفاء عقيدته، وسلامة سلوكه ومنهجه، وقد عمَّ بحمد الله نفعه، وذاع صيته، وعظمت فائدته، وانتفع به خلق لا يحصون، ولعل ذلك يرجع إلى نصح مؤلفه وحسن قصده والله أعلم.
وقد سار في كتابه على نهج أهل السنة والجماعة ومشى على منوالهم، وأهل السنة والجماعة يعظمون الحق ويقدمونه على أقوال الرجال، ولا يقبلون من القول إلا ما وافق الكتاب والسنة وما سوى ذلك ردُّوه أيّاً كان قائله فالحق هو المعظَّم والمقدَّم عندهم "وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وعليه فابن أبي العز لم يخطئ الطحاوي ولم يزيف كلامه كما زعم الكاتب، وإنما ذكر الحق والصواب في أمور قليلة يرى أنَّ الطحاوي أخطأ فيها، وليس هو بالمعصوم فهو بشر يخطئ ويصيب، ومن ذلك تنبيهه على الحق والصواب في تعريف الإيمان، وكذلك تنبيهه على قول الطحاوي: "وأهله في أصله سواء" وغير ذلك في مسائل يسيرة، وهذا عند المصنفين من أهل العلم يعد منقبة لابن أبي العز حيث لم يتعصب لقول إمامه بل تحرَّى الحق وقرر الصواب وإن كان مخالفاً لقول إمامه، وهذا عين العدل والإنصاف.
4 نقل الكاتب ص: 6 عن ملا علي القاري في كتابه شرح الفقه الأكبر (ص172) أنه قال في شارح الطحاوية ابن أبي العز بأنه: "صاحب مذهب باطل، تابع لطائفة من المبتدعة".

قلت: أولاً: لم يقل شارح الفقه الأكبر ملا علي القاري هذا الذي ذكره الكاتب، بل إنني وجدته في شرحه للفقه الأكبر ينقل في مواطن كثيرة عنه، وانظر على سبيل المثال الصفحات التالية (30، 32، 39، 57، 69، 130، 136، 140، 152، 157) من شرح الفقه الأكبر.
لكن نظراً لكون ملا علي القاري سار في عقيدته على طريقة الماتريدية في نفي العلو لعلوق شبههم به، فخالف بذلك أهل السنة والجماعة المثبتين لعلو الله على خلقه، ولهم على ذلك مئات الأدلة من الكتاب والسنة والعقل والنظر السليم1وليس هذا موضع بسطها، أقول: لما خالف القاري أهل السنة في ذلك قال معترضاً على شارح الطحاوية ابن أبي العز ما نصه "والحاصل أنَّ الشارح يقول بعلو المكان مع نفي التشبيه وتبع فيه طائفة من أهل البدعة".
قلت: بل تبع في ذلك أهل السنة والجماعة قاطبة.
ثم قال القاري بعد هذا بأسطر "… ومن الغريب أنَّه استدل على مذهبه الباطل (أي: في العلو) برفع الأيدي في الدعاء وهو مردود".
قلت: بل هو عين الصواب كما لا يخفى على كل صاحب سنة، والباطلُ ما سوى ذلك وهو قول أهل البدع.
وعلى كلٍّ فالكاتب لفقَّ من النصين المتقدمين كلاماً نسبه للقاري وهو أنَّه قال عن شارح الطحاوية بأنَّه "صاحب مذهب باطل، تابع لطائفة من

المبتدعة" وجعل الكلام بين قوسين مؤكداً أنَّ الكلام منقول من مصدره بالنص.
وبالمقارنة بين ما نقله الكاتب هنا وبين ما ذكر القاري في كتابه شرح الفقه الأكبر يتبين أنَّ الكاتب ملفِّقٌ مزوِّرٌ إذ كلام القاري خاص بمسألة العلو وهو مخطئ في ذلك، والكلام الذي أورده الكاتب عام مطلق، وفرق بين الأمرين كما لا يخفى.
ثانياً: ومِمَّا يدلك أنَّ الكاتب محرِّف مزوِّر أنَّه لما احتاج إلى كلام القاري في الرد على ابن أبي العز في مسألة العلو نقل كلام القاري المتقدم نصًّا دون تحريف، وذلك في صفحة 60 من كتابه حيث قال: "وقال الإمام المحدث ملا على القاري في شرح الفقه الأكبر مشنِّعاً على ابن أبي العز هذا شارح الطحاوية ومشوِّهها ما نصه (ص:172) : "والحاصل أنَّ الشارح يقول بعلو المكان مع نفي التشبيه وتبع فيه طائفة من أهل البدع" … الخ اه.
فانظره.
وقال العلامة القاري أيضاً صحيفة 172: "ومن الغريب أنه استدل على مذهبه الباطل برفع الأيدي في الدعاء إلى السماء" ا. هـ كلام الكاتب.
فقارن بين نقل الكاتب هنا، وبين نقله المتقدم، والإحالة في النقلين إلى صفحة واحدة يظهر لك كذب الكاتب وتلفيقه وغشه وتزويره، وقد قيل: "إن كنت كذوباً فكن ذكوراً".
ثالثاً: نقول للكاتب إنَّ ملا علي القاري الذي نقلت قدحه في ابن أبي العز هو نفسه يقول بتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام في كتابه الذي نقلت منه نفسه، ففي شرح الفقه الأكبر ص: (9، 10) يقول ملا علي القاري ما نصه: "أقول: فابتداء كلامه سبحانه وتعالى في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية، وهو ما يجب على العبد أولاً من معرفة الله سبحانه وتعالى، والحاصل

أنَّه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ 1، وقوله سبحانه وتعالى حكاية عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ 2، بل غالب سور القرآن وآياته متضمنة لنوعي التوحيد، بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما وتحقيق شأنهما، فإن القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوته إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في العقبى، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كلّه في التوحيد وحقوق أهله وثنائهم، وفي شأن ذمِّ الشرك وعقوق أهله وجزائهم، ف ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، ﴿صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّين﴾ الذين فارقوا التوحيد عناداً وجهلاً وإفساداً، وكذا السنة تأتي مبينة ومقررة لما دلَّ عليه القرآن، فلم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأي فلان وذوق فلان ووجد فلان في أصول ديننا، ولذا نجد من خالف الكتاب والسنة

مختلفين مضطربين بل قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ 1، فلا نحتاج في تكمليه إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة... " ا. هـ. وقول القاري: "بل غالب سور القرآن... " إلى قوله: "... الذين فارقوا التوحيد" منقول نصّاً من كتاب مدارج السالكين للإمام العلامة ابن القيم (3/450) وسبق أن نقلت نص كلام ابن القيم بتمامه من المدارج فيما تقدم.
وعليه فنقول للكاتب هل ترى أيضاً أن ملا علي القاري "صاحب مذهب باطل تابع لطائفة من المبتدعة"؟! وهل يشمله تنديدك لأنَّه سار على نهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم في هذا التقسيم؟!.
رابعاً: ولئن قلت جدلاً إنَّ الجميع قد تأثروا بهذه المدرسة (وأنعم بها من مدرسة) فما أنت قائل في الإمام أبي حنيفة وصاحبه القاضي أبي يوسف والإمام أبي جعفر الطحاوي رحمهم الله.
وقد نقلت نصوصهم فيما تقدم، وفيها ذكر أقسام التوحيد الثلاثة؟! وجميع هؤلاء من أئمة الحنفيَّة وقد قالوا بالحق ونطقوا بالصواب واعتمدوا في ذلك على الكتاب والسنة ولم يلتفتوا إلى "رأي فلان وذوق فلان ووجد فلان في أصول الدين".
فما أنت قائل؟ خامساً: ونقول للكاتب أيضاً إنَّ المتكلمين الذين تعتزي إليهم وتنافح عنهم هم أنفسهم يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام.
قال شيخ الإسلام: "فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته

لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له"1.
وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام عنهم موجود في كتبهم، يقول الشهرستاني: "وأمَّا التوحيد فقد قال أهل السنة وجميع الصفاتية: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له"2.
وتأمل كيف جعل هذه الأمور هي غاية التوحيد، وهذا من طريقة المتكلمين فهم يقررون العقائد الفاسدة والآراء الكاسدة ثم ينسبون ذلك إلى الحق والسنة، فمراده بأهل السنة الأشاعرة، إذ أهل السنة الذين هم أهلها وأحق بها لم يفه أحد منهم بهذا الكلام المذكور.
وقال البيجوري وهو من المتكلمين: "ويجب في حقه تعالى الوحدانية في الذات وفي الصفات وفي الأفعال؛ ومعنى الوحدانية في الذات أنها ليست مركبة من أجزاء متعددة، ومعنى الوحدانية في الصفات أنه تعالى ليس له صفتان فأكثر من جنس واحد كقدرتين وهكذا، وليس لغيره صفة تشابه صفته تعالى، ومعنى الوحدانية في الأفعال أنَّه ليس لغيره فعل من الأفعال، وضدها التعدد"3.
ثم إنَّ تقسيم هؤلاء المذكور ينطوي على أمور باطلة كثيرة ليس هذا موضع بيانها، لكن منها على سبيل المثال:

1 إدخالهم نفي الصفات تحت قولهم "ولا شبيه له في صفاته" فصار عندهم مَن يقول: إنَّ لله علماً وقدرة، أو أنَّه يُرى في الآخرة، أو أنَّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، أو أنَّ له وجهاً وسمعاً وبصراً وغير ذلك من الصفات، مشبِّهاً ليس بِموحِّد!!.
قال ابن عبد البَّر: "ويزعمون أنَّ من أقرَّ بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود"1.
2 إدخالهم تحت قولهم: "هو واحد في ذاته لا قسيم له" نفي علو الله على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد، وغاية هذا التوحيد أنَّه ليس فوق العرش إلهٌ يُعبد ولا ربٌ يُصلى له ويسجد!! 3 إهمالهم في هذا التقسيم لذكر توحيد الألوهية والدعوة إلى إخلاص الدين لله وإفراده وحده بجميع أنواع العبادة، الذي هو زبدة دعوة الرسل وروحها، فهذا النوع من التوحيد لا ذكر له عندهم البتة.
4 أشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو توحيد الأفعال، وهو أنَّ خالق العالم واحد، ويظنون أنَّ هذا التوحيد المطلوب، ومن المعلوم أنَّ المشركين لو أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن وقاتلهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يأتوا بتوحيد الألوهية هذا مع ما في تقسيمهم من أمور باطلة وعقائد منحرفة فاسدة سبق الإشارة إلى بعضها.2

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أنَّ "التوحيد" الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله وهو المذكور في الكتاب والسنة وهو المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام ليس هو هذه الأمور الثلاثة التي ذكرها هؤلاء المتكلمون، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول، فهم مع زعمهم أنهم "الموحدون" ليس توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله؛ بل التوحيد الذي يدعون الاختصاص به باطل في الشرع والعقل واللغة؛ وذلك أنَّ توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئاً فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئاً من الأشياء فهو مشرك به ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلاً بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد …"1.
فنقول للكاتب: هؤلاء من تدافع عنهم قد قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام بلا مستند من الشرع مع ما اشتمل عليه تقسيمهم من أمور باطلة سبق التنبيه على بعضها، فهل تعد تقسيمهم هذا تثليثاً في التوحيد كما عددت تقسيم أهل السنة والجماعة للتوحيد تثليثاً مع أنَّ أهل السنة والجماعة مستندهم في ذلك الشرع، وهؤلاء لا مستند لهم سوى الهوى والعقل؟ وهل يشملهم تنديدك؟ أم أنَّك تنطلق في أحكامك من الهوى المجرد والشنآن والجور.
سادساً: نقول لهذا الكاتب إنَّ أساس شبهة منكري تقسيم التوحيد ومنهم هذا الكاتب هي عين شبهة منكري أسماء الله وصفاته كالجهمية وغيرهم، حيث يدَّعون أنَّه يلزم من إثبات الأسماء والصفات تعدد القدماء2،

حتى إن جهماً شيخ القوم نقل عنه أنَّه قال: "لو قلت إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً لعبدت تسعة وتسعين إلهاً"1.
قال ابن القيم رحمه الله في الجواب على هذه الشبهة: "فانظر إلى هذا التدليس والتلبيس الذي يُوهم السامع أنَّهم أثبتوا قدماء مع الله تعالى، إنَّما أثبتوا قديماً واحداً بصفاته، وصفاتُه داخلةٌ في مسمى اسمه، كما أنَّهم إنَّما أثبتوا إلهاً واحداً ولَم يجعلوا كلَّ صفةٍ من صفاته إلهاً، بل هو الإله الواحد بجميع أسمائه وصفاته، وهذا بعينه متلقى من عُبَّاد الأصنام المشركين بالله تعالى المُكذِّبين لرسوله حيث قالوا: يدعو محمدٌ إلى إله واحد، ثم يقول: يا الله يا سميع يا بصير، فيدعو آلهةً متعدِّدة، فأنزل الله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى﴾ 2، فأيُّ اسمٍ دعوتموه به فإنَّما دَعَوْتُم المُسمَّى بذلك الاسم، فأخبر سبحانه أنَّه إله واحدٌ وإن تعدَّدت أسماؤه الحُسنى المشتقَّة من صفاته، ولهذا كانت حسنى... "3. وعلى كلٍّ فلا نعلم فرقاً بين قول جهم هذا، وبين قول تلاميذه من الجهمية المعاصرين الذين يزعمون أنَّه يلزم من إثبات الألوهية والربوبية والأسماء والصفات التعدد في التوحيد، فالشبهة واحدة، والتآخي ظاهر.
5 قال الكاتب ص 6: "ولا بد أن نبطل هذا التقسيم للتوحيد في هذه المقدمة الصغيرة المتواضعة باختصار تلخيصاً للبحث الذي تحويه هذه الرسالة التي سنسلك فيها طريقة خير الكلام ما قلَّ ودلَّ فنقول وبالله تعالى التوفيق".

فصول الكتاب · 2 فصل · 124 صفحة
جارٍ التحميل