المقدمات الممهداتصفحات 49-88
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مقدمة

صفحات 49-88
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
المقدمات الممهدات
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)تحقيق: الدكتور محمد حجي
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

في سماع ابن القاسم من «رواية معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل فمنهم من القتال طبيعته ومنهم من يقاتل رياء ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة فقال يا معاذ بن جبل من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة».
وروي «أن رجلا قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيخفيه فيطلع عليه الناس فيسره فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له أجر السر وأجر العلانية.
»

فصل

ويجب على من تعلم العلم أن يعمل به، فإن لم يعمل به كان حجة عليه يوم القيامة وحسرة وندامة.
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وسيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر أو قال ليلته، ثم يقول يا ابن آدم ما غرك بي، ابن آدم ما غرك بي، ابن آدم ما عملت فيما علمت، ابن آدم ماذا أجبت المرسلين» وروي عن أبي الدرداء أنه قال: من شر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه.
وقال النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها»

فصل وكان العلم في الصدر الأول والثاني في صدور الرجال، ثم انتقل إلى جلود

الضأن وصارت مفاتحه في صدور الرجال، فلا بد لطالب العلم من معلم يفتح عليه ويطرق له.
وقد قال بعض الحكماء: العلم يفتقر إلى خمسة أشياء متى نقص منها شيء نقص من علمه بقدر ذلك، وهي ذهن ثاقب، وشهوة باعثة، وعمر طويل، وجدة، وأستاذ.
وله خمس مراتب، أولها أن تنصب وتسمع، ثم أن تسأل فتفهم ما تسمع، ثم أن تحفظ ما تفهم، ثم أن تعمل بما تعلم؟ ثم أن تعلم ما تعلم.

فصل

وطلب العلم إذا أريد به وجه الله تعالى وأخلصت النية فيه لله من أفضل أعمال البر وأجل نوافل الخير.
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]؛ جاء في التفسير أنه الفقه في دين الله.
وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
وقال: «من سلك طريقا يطلب فيها علما سهل الله له طريقا إلى الجنة».
وروي «أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع».
وقال أبو هريرة: من غدا أو

راح إلى المسجد لا يريد غيره ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما.
وروي عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أنه قال: «ما أعمال البر كلها في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر كلها والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر».
فنص في هذا الحديث على أن طلب العلم أفضل من الجهاد، ومعناه في الموضع الذي يكون الجهاد فيه فرضا على الكفاية إذا كان قد قيم به؛ لأنه يكون له نافلة.
وأما القيام بفرض الجهاد أو الجهاد في الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على الأعيان فلا شك أنه أفضل من طلب العلم والله أعلم.
وظاهر الحديث يدل على أن طلب العلم أفضل من الصلاة.
وما روي عن «النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال: الصلاة لأول ميقاتها» معناه في الفرائض، وأما في النوافل فطلب العلم أفضل منها على ظاهر الحديث المذكور والله أعلم.
وقد سئل مالك عن القوم يتذاكرون الفقه القعود معهم أحب إليك في ذلك أم الصلاة؟ فقال بل الصلاة.
وروي عنه أن العناية بالعلم أفضل، وليس ذلك عندي اختلافا من قوله.
ومعناه أن طلب العلم أفضل من الصلاة لمن ترجى إمامته، والصلاة أفضل من طلب العلم لمن لا ترجى إمامته إذا كان عنده منه ما يلزمه في خاصة نفسه من صفة وضوئه وصلاته وصيامه.
وقال سحنون يلزم أثقلهما عليه.

فصل

والأجر في العناية بالعلم على قدر النية فيه.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تعالى قد أوقع أجره على قدر نيته».
والله تبارك وتعالى قد قسم بين عباده الأعمال وتفضل عليهم بالثواب.
روي أن بعض العباد كتب إلى مالك يحضه

على الانفراد وترك مجالسة الناس، فكتب إليه مالك يقول: إن الله قد قسم بين عباده الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصيام، ورب رجل فتح له في الصيام ولم يفتح له في الصلاة، ورب رجل فتح له في كذا ولم يفتح له في كذا فعدد أشياء ثم قال وما أظن ما أنت فيه بأفضل مما أنا فيه، وكلانا على خير إن شاء الله والسلام.

فصل

في تحرير القول في الإيمان والإسلام

ولا يصح شيء من العبادات إلا بعد الإقرار بالمعبود والتصديق به.
فأول الواجبات الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته وبما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وكل ما جاءوا به من عنده.
والإيمان هو التصديق الحاصل في القلب قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: 17] أي بمصدق لنا ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: 17].
وأما الإسلام فهو إظهار الإيمان والإعلان به، مأخوذ من الاستسلام وهو الانقياد؛ لأن من أظهر الإيمان فقد انقاد واستسلم لجريان حكمه عليه.
فكل مؤمن مسلم؛ لأن من اعتقد الإيمان في الباطن فهو معلن به في الظاهر.
وليس كل مسلم مؤمنا؛ لأن المنافق والزنديق يظهران الإسلام ويعتقدان الكفر، فهما مسلمان في الظاهر كافران في الباطن.
فالإسلام أعم من الإيمان.
وهذا في بلد الإسلام وحيث يجب على المؤمن إظهار إيمانه ولا يحل له كتمه.
وأما في بلد الحرب إذا أكره على الكفر فواجب عليه إذا خاف على نفسه فأظهر الكفر أن يعتقد الإيمان بقلبه، فيكون إذا فعل ذلك مؤمنا غير مسلم؛ لأن الله تبارك وتعالى قد سماه مؤمنا في كتابه فقال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: 28]، وقال: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] وليس بمسلم

إذ لم يستسلم بإظهار الإيمان.
وقد قيل إن الإسلام والإيمان اسمان واقعان على معنى واحد، واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله عز وجل وقوله الحق: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 35] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 36]، وهذا لا حجة فيه؛ لأن المؤمنين إذا أظهروا الإيمان مسلمون بإظهار الإيمان كما بيناه والدليل على أن الإيمان غير الإسلام قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] أي انقدنا ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14] فنفى عنهم الإيمان الحاصل في القلب وأوجب لهم الإسلام الذي هو الانقياد بإظهار الإيمان دون اعتقاده.
وما روي أيضا «أن جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صورة أعرابي وقال: يا محمد ما الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره حلوه ومره.
قال فما الإسلام قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت.
قال صدقت.» ففرق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين الإيمان والإسلام بأن جعل الإيمان من أفعال القلوب الباطنة والإسلام من أفعال الجوارح الظاهرة.
فالإيمان خصلة من خصال الإسلام التي ينقاد بها المكلف لأمر الله تعالى كما ينقاد للصوم والصلاة والحج وسائر العبادات.

فصل

فهذا هو الإيمان في الشرع.
وأما في اللغة فكل من ظهر منه التصديق يسمى مؤمنا.
فالمسلم في اللغة مؤمن، ويصح أن يسمى في الشرع مؤمنا مجازا؛ لأن إظهار الشهادة يدل على الإيمان، فيحكم لمن أظهرها بحكمه في الدنيا لا أنه إيمان ينتفع به في الآخرة.
والعرب قد تسمي الشيء باسم ما قرب منه، ويصح على هذا أن يسمى ما يظهر من أعمال الطاعات كلها إيمانا لأنها دالة على الإيمان ومن أفعال المؤمنين وسجاياهم.
ووجه آخر أيضا صحيح جيد، وهو أن أعمال

الطاعات كلها لا تكون طاعة وقربة إلا مع مقارنة الإيمان لها، ومتى لم يقارنها لم تكن طاعة ولا قربة، فسميت الطاعات باسم الأصل الذي لا يثبت لها الحكم بأنها طاعة وقربة إلا به.
وهذا بين في المعنى وعليه يحمل قول من قال من أهل السنة إن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح.
وما روي أن معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت مقارنة للإيمان ولذلك حصل الانتفاع بها والجزاء عليها، فبان بما قلناه وأوردناه أن أنفس الطاعات من الأقوال والأفعال إذا لم يصح أن تسمى طاعات إلا بمقارنة الإيمان لها فلا يصح أن يقال إنها غير الإيمان، إذ لا يصح مفارقتها له، ولا أنها الإيمان كالصفة القديمة لا يصح أن يقال إنها هي الموصوف ولا أنها غيره.

فصل

وأما قول من قال من أهل السنة إن الإيمان يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقص الأعمال ففيه تأويلان: أحدهما أن المعنى في ذلك أن ثواب الإيمان يزيد مع الطاعة وينقص مع تركها، بمعنى أنه يتجرد ثواب الإيمان عن ثواب الطاعة إذا تركها إلى مباح أو معصية، فلا يكون ثواب الإيمان في حال الصلاة كثوابه في حال الجلوس ولا كثوابه في حال المعصية.
يؤيد هذا التأويل ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»، أي ليس هو في تلك الحال مؤمنا يثاب على إيمانه فيها مثل ما كان يثاب عليه لو كان في عمل مباح أو مندوب إليه أو واجب على هذا يحمل الحديث إذ لا يصح أن يقال إن المؤمن في حال المعصية منسلخ عن الإيمان.
وقد قيل في معنى هذا الحديث إن الإيمان إيمانان، فإيمان يؤمن به من الخلود في

النار، وإيمان يؤمن به من دخول النار.
فالإيمان الذي يؤمن به من دخول النار هو الإيمان الذي لا معصية معه، والإيمان الذي يؤمن به من الخلود في النار هو الإيمان الذي معه المعاصي.
فالزاني والسارق في حال السرقة والزنا ليس بمؤمن الإيمان الذي يؤمن به من دخول النار؛ لأنه في تلك الحال مصر على المعصية غير تائب منها، فإنما نفي عنه على هذا التأويل الإيمان الممدوح.
وقد كان بعض الشيوخ يرويه لا يشرب بكسر الباء على معنى الأمر يقول إذا كان مؤمنا فلا يشرب الخمر ولا يسرق ولا يزن.
وقد قيل في معنى الحديث إن الإيمان لما كان مضمناته التصديق بالوعيد بالعقاب على هذه الكبائر صار كالمناقض للشهوة الباعثة عليها فأيهما غلب صاحبه نفاه.
فلما كان مرتكب الكبائر في حال ارتكابه إياها قد غلبت شهوته تصديقه وخوفه جاز أن يوصف بانتفاء الإيمان عنه على ضرب من التوسع والمجاز.
وقد قيل إن معنى الحديث إنما هو فيمن زنى أو سرق وهو مستحل لذلك.
والتأويل الثاني في معنى زيادة الإيمان بزيادة الأعمال ونقصانه بنقصان الأعمال أنه يزيد بتكراره بفعل الطاعة لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا مع مقارنة الإيمان لها، فإذا كثر عمله زادت أجزاء إيمانه بتكررها، وإذا نقص عمله نقصت أجزاء إيمانه على قدر ما كانت تكون لو كثر عمله.
وهذا كما يقال نقص ماء العين وزاد.
على هذا التأويل لا يخرج الكلام عن الحقيقة إلى المجاز بخلاف التأويل الأول؛ لأن حقيقة المراد بالزيادة في الشيء هو أن يضاف إليه غيره، وحقيقة المراد بالنقصان منه هو أن ينقص منه بعض أجزائه.
وأما الشيء الواحد فلا ينقص في نفسه ولا يزيد في نفسه لأن ذلك من المحال.

فصل

وقد نص الله تبارك وتعالى على زيادة الإيمان فقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124]. ومعنى ذلك زيادة اليقين في الإيمان والبعد من دخول الشك فيه عليه؛ لأن آيات الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأقواله وما ينزل عليه يصدق بعضه بعضا، وذلك يوجب زيادة اليقين في الإيمان والاستبصار في التمسك به والبعد من دخول الشك عليه فيه.

فصل فالإيمان يتفاضل في زيادة اليقين والقوة فيه والعلم به والبعد من دخول الشك عليه فيه، فكلما قوي اليقين بالله والعلم به لمن عرفه كان أبعد من طرو الشكوك عليه، فليس من آمن بالله ولم يعرفه بالاستدلال عليه كمن عرفه به، ولا من عرفه بوجه واحد من وجوه الأدلة كمن عرفه من وجوه كثيرة، ولا من عرفه بالأدلة دون معاينة الآيات كمن شاهدها وعاينها بحضرة النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - في قوة اليقين في القلب وبعده عن أن يفتن فيه أو يزيغه الشيطان عنه.
روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن من أصحابي من الإيمان في قلبه أثبت من الجبال الرواسي».
وقال في بعض أصحابه أراه أبا بكر: «لو رفع له الغطاء ما زاد يقينا».
ويروى أن عمر بن الخطاب أتاه منكر ونكير فقالا له: من ربك وما دينك، فقال لهما أما أنا فالله ربي والإسلام ديني ومحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نبيي، وأنتما فمن ربكما وما دينكما ومن نبيكما؟ فنظر بعضهما إلى بعض فقالا إنه عمر وانصرفا عنه.
فهل

يساويه أحد من أهل هذا الزمان في قوة اليقين هذا ما لا يكون والله سبحانه وتعالى أعلم.

فصل

في زيادة الإيمان ونقصانه يكون على هذه الوجوه الثلاثة زيادة في اليقين وزيادة في العدد وزيادة في الثواب، وهو أبعد التأويلات؛ لأن الكلام يحمل في هذا التأويل على المجاز، وحمله على الحقيقة أولى.
وقد روي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه كان يطلق القول بزيادة الإيمان ويكف عن إطلاق نقصانه، إذ لم ينص الله تعالى إلا على زيادته.
فروي عنه أنه قال عند موته لابن نافع وقد سأله عن ذلك: قد أبرمتموني، إني تدبرت هذا الأمر فما من شيء يزيد إلا وهو ينقص الإيمان يزيد وينقص.
وهو الصحيح.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

فصل فهذا هو حقيقة القول في الإيمان والإسلام على مذاهب أهل السنة.
وذهبت المعتزلة إلى أن الإيمان هو فعل الواجبات من العبادات وترك المحظورات، وأنه قد نقل هذا الاسم في الشرع على مقتضى اللغة وجعل اسما لجميع الواجبات وترك المحظورات، فكفروا المسلمين بالذنوب، وقال منهم قائلون إنه اسم في الدين لجميع الطاعات فرائضها ونوافلها، وقالت طائفة من المرجئة إن الإيمان هو الإقرار باللسان وإن وجد مع عدم المعرفة، وهذا كله باطل يرده القرآن.

فصل وهذا الذي قلناه من أن أول الواجبات الإيمان بالله تعالى هو على مذهب من

يرى أن الإيمان بالله هو التصديق الحاصل في القلب وليس من شروط صحته المعرفة هو الذي اختاره القاضي أبو الوليد الباجي واحتج له.
وأما على مذهب من رأى أن الإيمان بالله تعالى لا يصح إلا بعد المعرفة فيقول إن أول الواجبات النظر والاستدلال؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته.
وإلى هذا ذهب البخاري في كتابه فبوب باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: 19] فبدأ بالعلم، وهو الذي ركن إليه القاضي أبو بكر الباقلاني؛ لأنه قال: إن الإيمان هو العلم، وكل مؤمن بالله فهو عالم به.
والذي ذهب إليه أن من لم يكن عالما بالله تعالى فهو جاهل به، والجاهل بالله تعالى كافر به.
وليس ذلك ببين؛ لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله تعالى إلى الاعتبار به في غير ما آية من كتابه.
ومن قال إن الإيمان بالله هو العلم به، والعلم به لا يصح إلا بالنظر والاستدلال فأول الواجبات عنده النظر والاستدلال.
وقد قال القاضي أبو بكر المذكور في بعض كتبه إن الإيمان ليس هو العلم، وإنما سبيله أن يتضمن العلم، لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، والتصديق هو من قبيل الأقوال التي تكون في النفس ويعبر عنها تارة بالقول، وذلك القول الموجود بالقلب لا يصح وجوده مع الجهل ولا بد أن يكون متضمنا للعلم.
قال بعض من تكلم على قوله من الفقهاء: وهذا هو التحقيق الذي يمر مع النظر.
وقد حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن شيخه القاضي أبي جعفر السمناني أنه كان يقول: القول بأن النظر أول الواجبات مسألة من مسائل الاعتزال بقيت في المذهب عند من التزمها؛ لأن من جعله أول الواجبات أوجبه

بالعقل، إذ لا يصح أن يعلم أحد أن الله أوجب عليه النظر وهو لا يعلم الله إلا بعد النظر.
ومن أصول أهل السنة أن العمل لا حظر فيه ولا إباحة.
وليس قوله عندي بصحيح؛ لأن الشيء الواجب في ذاته لا يخرجه عن الوجوب في حق أحد جهله بمعرفة وجوبه عليه.
ألا ترى أن الإيمان واجب بالشرع على من لا يعلم الشرع عند من جعله أول الواجبات، [فكما يكون الإيمان واجبا بالشرع على من لا يعلم الشرع عند من جعله أول الواجبات]، فكذلك يكون النظر واجبا بالشرع على من لا يعلم الشرع عند من جعله أول الواجبات.
وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلدين مؤمنين.
قال فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال.
قال وأيضا لو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم لا يحل لكم قتلنا لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل، وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم وأن لا يقاتلوا حتى ينظروا ويستدلوا.
قال ولا خلاف في بطلان هذا.
وهذا لا يلزم لأن من جعل النظر والاستدلال أول الواجبات لا يقفهما على الحد الذي رتبه أهل الكلام من الاستدلال بالأعراض المتوالية على الأجسام على حدوث العالم وإثبات محدثه على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله، بل يقول إنه يعرف ذلك بأول بديهة العقل؛ لأن العاقل إذا نظر إلى السماء والأرض واختلاف الليل والنهار وإلى نفسه واختلاف أحواله وخروجه من العدم إلى الوجود علم أن لذلك كله خالقا ومدبرا ليس كمثله شيء.
والذي أقول به إن النظر والاستدلال على هذا الوجه هو أول الواجبات عند من جعل النظر أول الواجبات، ويصح به الإيمان لأن اليقين يحصل به وإن لم يقع به العلم، إذ لا يقع العلم إلا بعد إمعان النظر، وقد يصح تيقن المعتقد من غير علم.
فمن آمن بالله بتقليد أو نظر يحصل به اليقين أو يقع به العلم فهو مؤمن

حقيقة، وإن كانت مرتبة من آمن بالله وعلمه بالنظر والاستدلال أرفع من مرتبة من آمن به بيقين حصل عنده من غير علم.

فصل

فإذا قلنا إن أول الواجبات الإيمان بالله وهو التصديق به وبما أخبر به عن نفسه من صفات ذاته وأفعاله، فإن النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله تعالى واجب أيضا أوجبه الله على عباده وافترضه عليهم وتعبدهم به كسائر العبادات الواجبات.
والدليل على وجوبه قول الله عز وجل: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] الآية، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ [ق: 6] الآية، ومثل هذا في القرآن كثير.
ومن الدليل أيضا على وجوب النظر والاستدلال أن الله تعالى قد أوجب المعرفة به وبما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله في غير ما آية من كتابه فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 98]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: 17]، والعلم بشيء من ذلك لا يصح إلا من جهة

النظر والاستدلال، وما لا يصح الواجب إلا به فهو واجب مثله.
فمن عرف الله تعالى بالأدلة التي نصبها لمعرفته فهو مؤمن، ومرتبته في الإيمان أرفع من مرتبة من آمن به من غير علم.
قال الله عز وجل: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

فصل

فكل عالم بالله مؤمن وليس كل مؤمن بالله عالما به.

فصل وقولنا إن الإيمان شرط في جميع العبادات ليس على الإطلاق؛ لأن ما يصح فعله بغير نية من العبادات يصح مع عدم الإيمان إذا قلنا إن الكافر متعبد بشرائع الإسلام، وفي ذلك بين أهل العلم اختلاف.
وكذلك النظر الموجب إلى معرفة الله تعالى عند من جعله أول الواجبات ليس من شرطه الإيمان ولا النية، وقد دللنا على فساد هذا القول.

فصل والعبادات لا تفتقر إلى النية إلا بخمسة شروط: أحدها أن تكون فعلا أو تركا تختص بزمن معلوم مؤقت كالصيام، فإن كانت العبادة تركا لا تختص بزمن معلوم كترك الزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وما أشبه ذلك لم تفتقر إلى نية.
والثاني أن تكون العبادة مما يصح أن تفعل لله ويصح أن تفعل لغيره.
فإن كانت العبادة مما لا يصح أن تفعل إلا لله كإرادة التقرب إليه بالعبادة، أو كانت مما لا يصح أن يفعل إلا لغير الله كالنظر المؤدي إلى معرفة الله عند من جعله أول الواجبات لم يفتقر ذلك

إلى نية.
والثالث أن تكون العبادة واجبة لحق الله كالصلاة والزكاة والصيام، فإن كانت واجبة لحق مخلوق لم تفتقر إلى نية، كقضاء الديون وأداء الودائع والأمانات، وبر الآباء والأمهات، وما أشبه ذلك من العبادات.
والرابع أن لا تكون العبادة واجبة لعلة ترتفع بامتثال العبادة دون نية، فإن كانت واجبة لعلة ترتفع بامتثالها دون نية لم تفتقر إلى نية، كالاستنجاء وغسل النجاسات من الثياب والأبدان وما أشبه ذلك.
والخامس أن تكون العبادة يفعلها المتعبد بها في نفسه، فإن كانت مما يفعلها في غيره لم تفتقر إلى نية، كغسل الميت، وغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب فيه، ومن وضأ غيره؛ لأن النية إنما تجب على الموضأ لا على الموضئ، وهذا بين وبالله التوفيق.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصل

في أحكام الشريعة المتعلقة بالوضوء وغيره من العبادات

وأحكام الشريعة تنقسم على خمسة أقسام: واجب، ومستحب، ومباح، وحرام، ومكروه.
فالواجب حده ما حرم تركه، وقيل ما توعد الله على تركه وترك بدله إن كان له بدل بالعقاب، والأول أخصر وهذا أبين.
وفائدة هذا التقييد أن من العبادات ما لا بدل له كغسل الوجه فيستحق العقاب بتركه، ومنها ما له بدل كغسل الرجلين فلا يستحق العقاب إلا بترك الغسل والمسح على الخفين الذي هو بدل الغسل.
وله خمسة أسماء: واجب، وفرض، وحتم، ولازم، ومكتوب؛ وكلها قائمة من القرآن.
وهو ينقسم على ثلاثة أقسام واجب بالقرآن، وواجب بالسنة، وواجب بالإجماع، وهي كلها سواء في لحوق الإثم بترك الامتثال.
وإنما يفترق في قدر ما يتوعد به على الترك، فرب ذنب أعظم من ذنب وإن كان الأصغر إذا انفرد عظيما.
والواجب والفرض عندنا سواء خلاف ما ذهب إليه أهل العراق من أن الفرض آكد من الواجب، وأن الفرض ما وجب بالقرآن والواجب ما وجب بالسنة والإجماع.

والمستحب ما كان في فعله ثواب ولم يكن في تركه عقاب فبالوصف الأول بان من المكروه والمباح والمحظور، إذ ليس في شيء من ذلك كله ثواب، ووافق الواجب.
وبالوصف الثاني بان من الواجب ووافق المكروه والمباح والمحظور.
وهو ينقسم على ثلاثة أقسام: سنن، ورغائب، ونوافل.
فالسنن ما أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بفعله واقترن بأمره ما يدل على أن مراده به الندب أو لم تقترن به قرينة على مذهب من يحمل الأوامر على الندب ما لم يقترن بها ما يدل أن المراد بها الوجوب.
أو ما داوم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على فعله، بخلاف صفة النوافل.
والرغائب ما داوم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على فعله بصفة النوافل أو رغب فيه بقوله من فعل كذا فله كذا.
والنوافل ما قرر الشرع أن في فعله ثوابا من غير أن يأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به أو يرغب فيه أو يداوم على فعله.
والمباح ما لم يكن في فعله ثواب ولا في تركه عقاب، نحو القيام والجلوس والحركة والسكون والاستمتاع بالمباحات من المطعم والملبس والمركب وما أشبه ذلك.
والحرام ضد الواجب، وهو ما توعد الله على فعله بالعقاب.
والمكروه ضد المستحب وهو ما كان في تركه ثواب ولم يكن في فعله عقاب، وهو المتشابه.
قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات» الحديث.

فصل

والعبادات التي لها هذه الأحكام تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم منها يتوجه إلى القلوب.
وقسم منها يتوجه إلى الأبدان.
وقسم منها تشترك فيه القلوب والأبدان.
فالذي يتوجه منها إلى القلوب خمسة أجناس: نظر، واعتقاد، وعلم، وظن، وإرادة.
والذي يتوجه منها إلى الأبدان: ما لم يفتقر في امتثاله إلى نية.
والذي تشترك فيه القلوب والأبدان ما افتقر في أدائه إلى نية، وقد تقدم بيان ذلك.

فصل

فمن العبادات المتوجهة إلى الأبدان أو إلى القلوب والأبدان على ما بيناه طهارة الثياب والأجسام.
وأصل الطهارة في اللغة النظافة والنزاهة؛ ولذلك كانت العرب تستعملها في الطاهر دون النجس فيفترق بين الأمرين.
ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] أي قلبك فنق من الآثام والأدناس.
ومنه قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] أي ينزهكم عن الدناءة ويبعدكم عنها ويعلي درجاتكم.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: 42] معناه نزهك وأبعدك مما قذفت به ورفع درجتك.

فصل والطهارة في الشرع من هذا المعنى مأخوذة، وهي تنقسم على وجهين: طهارة لإزالة نجاسة، وطهارة لرفع حدث.
فأما الطهارة لإزالة النجاسة فحدها إزالة النجاسة، وهي من العبادات المتوجهة إلى الأبدان دون القلب، إذ لا تفتقر في أدائها إلى نية.
واختلف فيها فقيل إنها فرض، وقيل إنها سنة، وقيل إنها استحباب، وليس ذلك بصحيح على ما أصلناه.
وقيل إنها فرض مع القدرة والذكر تسقط مع النسيان، كالكلام في الصلاة، وستر العورة فيها.
وهذا غير صحيح على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما الطهارة لرفع الحدث فإنها من العبادات المتوجهة إلى الأبدان والقلوب لافتقارها إلى النية على مذهب مالك والشافعي.
وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: غسل، ووضوء، وبدل منهما عند عدم القدرة عليهما وهو التيمم.
ومن الناس من يذهب إلى أنه لا يصح أن يقال في التيمم على مذهب مالك إنه بدل من الوضوء

لأنه لا يرفع الحدث عنده على الإطلاق كما يرفعه الغسل والوضوء، وإن كان يستباح به عنده جميع ما يستباح بالوضوء من الفرائض والنوافل.
والأظهر أنه بدل منه على مذهبه لأنه يستباح به عنده جميع ما يستباح بالغسل والوضوء، وإنما لم يرفع الحدث عنده لأن الأصل كان إيجاب الوضوء.
والتيمم عند عدم الماء لكل صلاة بظاهر قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] فخرج من هذا الظاهر الوضوء بما ثبت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى صلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على الأصل فلم يقس على الوضوء لأن البدل لا يقوى قوة المبدل منه.
والله أعلم.
ولا اختلاف في أنه بدل من الوضوء عند من رأى أنه يرفع الحدث على الإطلاق أو إلى أن يجد الماء، ولا في أنه استباحة للصلاة عند من رأى أنه لا يصلى به سوى الفريضة خوف فوات وقتها.

فصل

فأما الغسل فإنه يتنوع: فمنه واجب، ومنه مسنون، ومنه مستحب.
فالواجب منه الغسل من الجنابة والحيضة والنفاس، والمسنون منه غسل الجمعة، والمستحب منه غسل العيدين، وغسل المستحاضة إذا ارتفع عنها دم الاستحاضة، والغسل للإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة.

فصل وكذلك الوضوء أيضا منه واجب ومنه مسنون ومنه مستحب.
فالواجب منه ما يفعل لما لا يصح فعله إلا بطهارة من الفرائض والسنن والنوافل، لا يتنوع تنوعها لأنه لا يراد لنفسه وإنما يجب لغيره، فلا يقال فيه إنه واجب على الإطلاق، وإنما يقال إنه واجب لكذا بمعنى أنه شرط في صحة ذلك الفعل، وغير واجب لكذا بمعنى أنه غير شرط في صحته.
والمسنون منه وضوء الجنب إذا أراد أن ينام.

والمستحب منه الوضوء للنوم، ووضوء المستحاضة والذي يسلس منه البول لكل صلاة.
وتجديد الوضوء أيضا لكل صلاة مستحب مرغب فيه.

فصل

في معرفة اشتقاق الوضوء

الوضوء مشتق من الوضاءة وهي النظافة أيضا والحسن.
ومنه قيل فلان وضيء الوجه أي نظيفه.
فكأن الغاسل لوجهه أو لشيء من أعضائه وضأه أي نظفه بالماء وحسنه.
والوضوء في اللغة يقع على غسل العضو الواحد فما فوقه، والدليل على ذلك ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مفصلا من أن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم ويصح البصر.
وسمى غسل اليد وضوءا.
وأما في الشرع إذا أطلق فلا ينطلق إلا على غسل جملة أعضاء على وجه مخصوص، وهو يشتمل على فروض وسنن ومستحبات على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.

فصل فيما يجب منه الوضوء

ويجب الوضوء من تسعة أشياء على اتفاق في المذهب، وهي المذي، والودي، والبول، والغائط، والريح إذا خرج ذلك كله على العادة، سواء خرج الريح بصوت أو بغير صوت.
والقبلة مع وجود اللذة أو القصد إليها، والمباشرة، واللمس مع وجود اللذة، وزوال العقل بنوم مستثقل أو إغماء أو سكر أو تخبط جنون.
وإنما شرطنا الاستثقال في النوم لأنه ليس بحدث في نفسه وإنما هو سبب للحدث.
والقدر الذي يحكم على النائم بانتقاض وضوئه من أجله يختلف باختلاف هيئته في نومه، وهي على أربع مراتب: أقربها إلى انتقاض وضوئه فيها

بالنوم الاضطجاع ثم السجود، ثم الجلوس والركوع، ثم القيام والاحتباء.
واختلف في الركوع فقيل إنه كالقيام وقيل إنه كالسجود.
واختلف في الاستناد فقيل إنه كالجلوس وقيل إنه كالاضطجاع.
فإذا نام الرجل مضطجعا وجب عليه الوضوء بالاستثقال وإن لم يطل.
وإذا نام ساجدا لم يجب عليه الوضوء إلا أن يطول، وقيل إنه يجب عليه بالاستثقال وإن لم يطل.
وإذا نام جالسا أو راكبا فلا وضوء عليه إلا أن يطول.
وإذا نام قائما أو محتبيا فلا وضوء عليه وإن طال لأنه يثبت.
ومن أهل العلم من زاد على هذه التسعة الأشياء الحقنة وليس بصحيح؛ لأن الحقنة ليست بحدث ينقض الطهارة، إذ لو ارتفعت بعد وجودها لما لزم الوضوء منها.
ويجب من تسعة أشياء أيضا على اختلاف في المذهب، وهي مس الرجل ذكره أو مس المرأة فرجها، والتذكر مع الاشتهاء، وخروج شيء من المعتادات من أحد المخرجين على غير العادة، والقبلة مع عدم اللذة وعدم القصد إليها ممن يشتهى؛ لأن من لا يشتهي لصغره أو لكونه من ذوات المحارم فلا وضوء في قبلته على الصفة المذكورة، والمباشرة والملامسة مع عدم اللذة ووجود القصد إليها، والارتداد، ورفض الوضوء، والشك في الحدث.
والأخصر من هذا أن تقول إن الوضوء يجب من وجهين: أحدهما ما يخرج من المخرجين من المعتادات على العادة باتفاق أو على غير العادة باختلاف.
والثاني ما هو سبب لما يخرج منهما قوي باتفاق أو ضعيف على اختلاف.
فيندرج تحت هذا الوجه زوال العقل بالنوم المستثقل وبالإغماء والسكر والجنون، ويندرج تحته أيضا القبلة والمباشرة واللمس

مع وجود اللذة أو القصد إليها على الاختلاف في ذلك، ويندرج تحته أيضا مس الرجل ذكره ومس المرأة فرجها والتذكر مع الاشتهاء على مذهب من يوجب الوضوء لذلك؛ لأن الأصل في وجوب الوضوء من ذلك كله هو ما يخشى أن تكون اللذة قد حركت المذي عن موضعه وأخرجته إلى قناة الذكر من غير أن يشعر بذلك.
فهذه الأقوال في الأحداث الموجبة للوضوء مجملة، وستأتي مفسرة في مواضعها إن شاء الله تعالى.

فصل

ولوجوب الوضوء من هذه التسعة الأشياء خمس شرائط: وهي الإسلام، والبلوغ، والعقل، وارتفاع "الحيض والنفاس، ودخول وقت الصلاة.

فصل والأصل في وجوبه من هذه التسعة الأشياء بهذه الخمس الشرائط قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6].
والأمر على الوجوب.
ومن قال من أصحابنا إنه ليس على الوجوب فقد وافقنا في أمر الله تعالى بالوضوء أنه على الوجوب للآثار الواردة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما أبان ذلك ورفع الاحتمال منه.
من ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول»، وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا هو أحدث حتى يتوضأ»، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه»، وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله تبارك وتعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين»، «وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - للأعرابي لما علمه الوضوء: "توضأ كما أمرك الله».
ووجوب ذلك معلوم من دين الأمة ضرورة فلا معنى للإطالة في جلب النصوص في ذلك.

فصل

وآية الوضوء قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] الآية نزلت بالمدينة، وكان سبب نزولها التيمم، وقد كان الوضوء قبل ذلك واجبا بالسنة.
وفي قوله في حديث التيمم فأصبحوا على غير ماء فأنزل الله آية التيمم ولم يقل آية الوضوء دليل واضح على أنه إنما طرأ عليهم في ذلك الوقت العلم بالتيمم وأن الوضوء قد كان معلوما عندهم مشروعا لهم.
لا خلاف بين أحد من الأمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصل قط وهو جنب ولا هو على غير وضوء.
روى زيد بن حارثة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أول ما أوحي إليه، يريد في الصلاة، أتاه جبريل فعلمه الوضوء.» «وجاء في الخبر أن جبريل أتاه حين افترضت الصلاة فهمز بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء عذب فتوضأ جبريل ومحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينظر، فوضأ وجهه ومضمض واستنشق ومسح برأسه وغسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه ثم قام فركع ركعتين وأربع سجدات.
»

فصل

والوضوء مما خص الله به أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبه يعرف النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أمته يوم القيامة من بين سائر الأمم على ما جاء في الحديث: «قيل يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك، قال: أرأيت لو كانت لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله، قالوا بلى قال فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض» وقد روي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ مرة مرة فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين؛ ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» رواه المسيب بن واضح عن عمرو بن دينار عن ابن عمر، فقال أبو محمد أراه الأصيلي ليس هذا بثابت.
والمسيب بن واضح ضعيف وليس يصح عن ابن عمر حديث في الضوء.
وهذه الأمة مخصوصة بالوضوء والله سبحانه وتعالى أعلم.
قلت وإن صح الحديث فالمعنى فيما روى أن أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما خصت بالغرة والتحجيل.

فصل واختلف في تأويل الآية جملة وتفصيلا.
فأما الاختلاف في تأويلها جملة فهو ما قيل إن فيها تقديما وتأخيرا وإن تقديرها يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق

وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه.
وإنما قدر هذا التقدير من ذهب إلى هذا التأويل، وهو محمد بن مسلمة من أصحابنا؛ لأن ظاهرها أن السفر والمرض حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط سواء، وذلك لا يصح بإجماع.
وقيل إنها على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير.
واستدل من ذهب إلى ذلك بأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يتوضأ إلا على نسق الآية، فمسح رأسه قبل غسل رجليه على ما عليه العمل.
ولو كانت الآية مقدرة على غير تلاوتها من التقديم والتأخير لوجب أن تغسل الرجلان قبل مسح الرأس لأن التقدير بمنزلة التفسير، ولا يصح أن يكون العمل بخلاف التفسير، فيكون معنى قَوْله تَعَالَى وإن كنتم مرضى إذا حملت الآية على تلاوتها دون أن يقدر فيها تقديم وتأخير أي مرضى لا تقدرون على مس الماء أو على من يناولكم إياه لأن المرض يتعذر معه مس الماء أو الوصول إليه في أغلب الأحوال.
واكتفى الله تبارك وتعالى بذكر المرضى وفهم منه المراد كما فهم من قوله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] أن معناه فأفطر.
وكذلك قوله عز وجل: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: 43] يريد غير واجدين للماء، فاكتفى بذكر السفر وفهم منه المراد به؛ لأن السفر يعدم فيه الماء في أغلب الأحوال.
ولما كان الغالب في الحضر وجود الماء صرح بشرط عدمه فقال أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا.
وهذا أولى وأظهر عندي من حمل الآية على التقديم والتأخير لأن التقديم والتأخير مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز لا سيما ومن أهل العلم من نفى أن يكون في القرآن مجاز.

فصل

وعلى أن الآية على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير فيها ذهب مالك في

المدونة؛ لأنه قال فيها إن المريض الذي لا يقدر على مس الماء يتيمم وإن كان واجدا له، وإن الصحيح الحاضر غير المسافر يتيمم إذا عدم الماء على التأويل الذي ذكرناه.
وهو قول مجاهد في المدونة: للمجدور وأشباهه رخصة أن لا يتوضأ، ويتلو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6]، قال ذلك مما يخفى من تأويل القرآن.
ومن حمل الآية على التقديم والتأخير لا يجيز التيمم للمريض مع وجود الماء وإن لم يقدر على مسه، ولا للصحيح الحاضر وإن عدم الماء لأنه يعيد قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6] على السفر والمرض.

فصل

والذي أقول به في تأويل الآية أن أو في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] بمعنى الواو؛ لأن الآية على هذا تبقى على ظاهرها لا يحتاج فيها إلى تقديم وتأخير، ولا يفتقر فيها إلى إضمار، فتأتي بينة لا إشكال فيها لتبين معناها مع كونها على تلاوتها دون تقديم ولا تأخير ولا إضمار؛ لأنه إذا قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] إلى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6] فقد بين أن من جاء من المرضى والمسافرين من الغائط أو لامس النساء يتيمم إن لم يجد الماء.
وعلى هذا التأويل لا يكون أيضا المريض الواجد للماء إذا لم يقدر على مسه ولا الحاضر العادم للماء من أهل التيمم.

فصل وأما الاختلاف في تأويل بعض وجوهها تفصيلا.
فمن ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] فقيل معناه إذا قمتم محدثين، وقيل معناه إذا قمتم من المضاجع، وهو قول زيد بن أسلم، وهو أولى من التأويل الأول؛ لأن الأحداث

مذكورة في الآية، والنوم ليس بحدث وإنما هو مسبب للحدث، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار لغير فائدة.
وقيل إن الكلام على غير عمومه في الأمر بالوضوء لكل قائم إلى الصلاة وإن الوضوء كان واجبا لكل صلاة فنسخ الله ذلك بفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم فتح مكة تخفيفا عن عباده.
وهذا على مذهب من ذهب إلى جواز نسخ القرآن بالسنة، وقد اختلف في ذلك.
وحمل الحديث على البيان للقرآن على ما ذهب إليه زيد بن أسلم أولى من حمله على النسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في النصوص التي تتعارض والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد روي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه كان يتوضأ لكل صلاة ثم يتلو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] وكل قائم الصلاة يتوضأ على مذهبه على ظاهر الآية ولم يبلغه الحديث والله أعلم.
ويحتمل أن يكون إنما كان يتوضأ لكل صلاة لما اختص به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل بيته من إسباغ الوضوء.
روي عن «ابن عباس أنه قال ما اختصنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمر على الخيل».
وقد روي عن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أنه كان إذا أحدث لم يكلم أحدا حتى يتوضأ وضوءه للصلاة فنسخ الله هذا وأمر بالطهارة عند القيام للصلاة، ثم نسخ هذا بفعله يوم فتح مكة.
ومن العلماء من قال ينبغي لكل من قام إلى الصلاة أن يتوضأ طلبا للفضل فحمل الآية على الندب.

فصل

ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وفي الكلام دليل على هذا ومثله قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] أي إذا أردت أن تقرأ القرآن.
وليس المراد بذلك القيام الذي هو ضد الجلوس، وإنما المعنى بذلك إذا نهضتم إليها

وعمدتم لها وأردتم إصلاح أمرها من قولهم هو يقوم بأمر القوم، وفلان قائم بأمر فلان وبدولة السلطان، وقائم بشأنه وقائم على ماله، أي بالإصلاح والتعاهد.
وفي تعليق الله الأمر بالوضوء بإرادة الصلاة بيان ظاهر أن الوضوء يراد للصلاة ويفعل من أجلها وأنه فرض من فرائضها وشرط في قبولها وصحتها، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة امرئ أحدث حتى يتوضأ».
ودليل واضح على افتقاره إلى النية لأن الله تعالى قد شرط في صفة فعله إرادة الصلاة.
وفعله من أجلها وإذا فعله تبردا أو تنظفا فلم يفعله على الشرط الذي شرطه الله في فعله وذلك يوجب أن لا يجزئه.
وهذا أمر متفق عليه في المذهب، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه في قولهم إن الغسل والوضوء يجزئ بغير نية بخلاف التيمم، وخلافا للأوزاعي في قوله إن الغسل والوضوء والتيمم تجزئ بغير نية.
والدليل على صحة قول مالك قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 65] والوضوء من الدين فوجب أن لا يجزئ بغير نية وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنما الأعمال بالنيات»، والوضوء عمل من الأعمال فوجب أن لا يجزئ بغير نية.
ومن طريق القياس على من فرق في ذلك بين الوضوء والتيمم أن الوضوء طهارة تتعدى محل موجبها فافتقرت إلى النية كالتيمم.
وإنما الكلام في المذهب هل من شرط صحة النية في الوضوء والغسل من الجنابة أن تكون مقارنة لأول الفعل أم لا ويجزئ إذا تقدمتها بيسير.
وقد أشبعنا الكلام في هذا في كتاب ردنا على المرادي فمن أراد الوقوف على ذلك فليتأمله هناك.

فصل

وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] والوجه مأخوذ من المواجهة.
وحد الوجه الذي يجب غسله في الوضوء من منابت شعر الرأس إلى اللحى الأسفل إلى الصدغ.
واختلف في البياض الذي بين الصدغ إلى الأذن على ثلاثة أقوال: أحدها أنه من الوجه يجب غسله.
والثاني أنه ليس من الوجه فلا يجب غسله.
والثالث أن الأمرد يغسله ولا يغسله الملتحي.
وقيل إن غسله سنة، ذكر ذلك عبد الوهاب.
واختلف فيما طال من شعر اللحية فقيل ليس عليه أن يغسله، وهو ظاهر ما في سماع موسى عن ابن القاسم.
وحكى سحنون في سماعه عن مالك أن اللحية من الوجه وعليه أن يمر الماء عليها ويغسلها، فإن لم يفعل أعاد، وقال به سحنون.
واختلف في تخليل اللحية في الوضوء فروى ابن وهب وابن نافع عن مالك إيجاب تخليلها في الوضوء، وروى أشهب عن مالك وابن القاسم عن مالك في العتبية أنها لا تخلل.
وقد قيل إن ذلك مستحب وليس بواجب.
والصواب أن تخليلها ليس بواجب في الوضوء لأن الفرض إنما هو في غسل ظواهر الأعضاء دون البواطن.
فإذا كان شعر اللحية الذي على الوجه كثيفا انتقل الفرض إلى الشعر ولم يجب عليه تخليل الشعر وإيصال الماء إلى البشرة لأن ذلك من البواطن.
وقد نص على ذلك عبد الوهاب في بعض تواليفه.

فصل وأما غسل الأيدي والأرجل في الوضوء فقد حدهما الله تبارك وتعالى في كتابه فقال في اليدين ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] وفي الأرجل ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] إلا أن أهل العلم اختلفوا في إيجاب غسل المرافق من اليدين والكعبين من الرجلين.
فظاهر ما في المدونة إيجاب غسل ذلك.
وروى ابن نافع عن مالك أنه ليس عليه أن يجاوز

بالغسل المرفقين والكعبين، وإنما عليه أن يبلغ إليهما لأن إلى غاية، وهو الأظهر، إلا أن إدخالهما في الغسل أحوط لزوال تكلف التحديد.
ومن قال بإيجاب غسلهما قال إلى بمعنى مع، وذلك موجود في اللسان، قال الله عز وجل: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] أي مع الله.
وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2]، أي مع أموالكم.
وقد قال المبرد: إن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه، فتقول بعت الثوب من الطرف إلى الطرف، فالطرفان داخلان في البيع.
ويلزم من قال في آية الوضوء إن إلى بمعنى مع أن يوجب غسل اليدين إلى المنكبين؛ لأن العرب تسمي ذلك يدا.
وأما قول الله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] فاختلف في هذه الباء فقيل إنها للتبعيض، وقيل إنها للإلزاق وليست للتبعيض.
فأما مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فذهب إلى أن الواجب مسح الرأس كله، وأن من قصر عن ذلك وجبت عليه الإعادة، كمن قصر عن غسل بعض وجهه خلافا لأبي حنيفة والشافعي، وقال محمد بن مسلمة إن مسح ثلثيه أجزأه، وقال أبو الفرج إن مسح ثلثه أجزأه.
وقال أشهب في بعض روايات العتبية إنه لا إعادة على من مسح مقدم رأسه.
والدليل على صحة قول مالك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] كما قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: 6] فلما لم يجز الاقتصار في التيمم على بعض الوجه دون بعض [كان الرأس كذلك.
وكذلك الطواف بالبيت لا يجوز أن يقتصر في الطواف على بعضه دون بعض]، وإن كان الله يقول في كتابه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] لأن الباء إنما دخلت للإلزاق لا للتبعيض.
ومن الدليل على صحته أيضا أن الاستثناء يصلح فيها لو قلت امسح برأسك إلا ثلثه جاز، كأنك قلت

امسح رأسك إلا ثلثه.
ولو صح أن الباء تصلح للمعنيين وأشكل الأمر لكان فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دافعا للإشكال لأنه مسح جميع رأسه وقال هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به.
وما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح بعض رأسه شاذ لا يعمل به.
ويحتمل أن يكون فعل ذلك لعذر أو مجددا من غير حدث.
ولا يجوز عند مالك أن يمسح رأسه على حائل إلا لعلة.
وقد رويت إجازة ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الثوري وأحمد بن حنبل والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام، وبه قال داود بن علي للآثار الواردة في ذلك وقياسا على الخفين.
والصحيح ما ذهب إليه مالك؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] فمن مسح على حائل لم يمسح على رأسه.
والآثار الواردة في ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مضطربة، فقد روي أنه مسح على عمامته فأدخل يده من تحتها، وإن صح أنه مسح عليها فلعله فعل ذلك لعذر أو لتجديد من غير حدث والله سبحانه وتعالى أعلم.

فصل

وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] فإن الناس اختلفوا في قراءتها فقرأها قوم وأرجلكم بالنصب عطفا على اليدين، وقرأها قوم وأرجلكم بالخفض.
فأما من قرأها وأرجلكم بالنصب عطفا على اليدين فهو الغسل لا كلام فيه؛ لأن الشيء يصح عطفه على ما يليه وعلى ما قبله، وهذا كثير موجود في القرآن ولسان العرب، من ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] وأما من قرأ وأرجلكم بالخفض ففي قراءتها لأهل العلم أربعة أوجه.
الأول أنها معطوفة على اليدين وإنما خفضت للجوار والإتباع كما قالوا جحر ضب خرب.
وقد قرئ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: 35] بالخفض.
والثاني أنها

معطوفة على مسح الرأس وأن الغسل إنما وجب بالسنة لقول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «ويل للأعقاب من النار» فتكون السنة على هذا ناسخة للقرآن.
والثالث أن المراد بذلك المسح على الخفين.
والرابع أن الغسل يسمى مسحا عند العرب لأنها تقول تمسحنا للصلاة أي اغتسلنا، فبين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن مراد الله تعالى بقوله فامسحوا برؤوسكم إمرار اليد على الرأس دون نقل الماء إليه وأن مراده بأمره بمسح الرجلين إمرار اليد عليهما مع نقل الماء إليهما.
وذهبت طائفة من الشيعة إلى إجازة مسح الرجلين في الوضوء، وروي ذلك عن بعض الصحابة وبعض التابعين، وتعلق به بعض المتأخرين، وهو شذوذ لا يعد به الخلاف، لما جاء من أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يغسل رجليه في وضوئه مرتين أو ثلاثا، وأنه قال «ويل للأعقاب من النار ويل للعراقيب من النار» والوعيد لا يكون إلا في ترك الواجب.

فصل

وقوله في الآية: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] اختلف في الملامسة التي عناها الله تعالى ما هي، فمذهب مالك ما قدمناه أنها ما دون الجماع وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنها كناية عن الجماع.
ومن ذهب إلى ذلك لم يوجب الوضوء في القبلة ولا في المباشرة ولا في اللمس إذا سلم في ذلك من المذي.

فصل وفي قوله عز وجل: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: 43] دليل على أن الوضوء لا يجوز إلا بالماء وقد اختلف أهل العلم في حد الماء الذي يجوز به الوضوء فحده عند مالك الماء المطلق الذي لم يتغير أحد أوصافه بشيء طاهر أو نجس حل فيه.
وحده عند أبي حنيفة ومن أجاز الوضوء بالنبيذ الماء الذي لم تحله نجاسة؛ لأن ما حلته

نجاسة فهو عنده نجس وإن لم يتغير بها شيء من أوصافه إلا أن يكون الماء الكثير المستبحر الذي لا يقدر آدمي أن يحرك طرفيه.
وحده عند الشافعي فيما دون القلتين ما لم تحله نجاسة، وفيما فوقهما ما لم يتغير أحد أوصافه من شيء طاهر أو نجس حل فيه.

فصل

في تبيين فرائض الوضوء من سننه ومستحباته

وقد ذكرنا فيما تقدم أن الوضوء الشرعي يشتمل على فرائض وسنن واستحبابات.
ففرائض الوضوء ثمانية، منها أربعة متفق عليها عند أهل العلم وهي التي نص الله تبارك وتعالى عليها: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين.
واثنان متفق عليهما في المذهب وهما: النية، والماء المطلق الذي لم يتغير أحد أوصافه بشيء طاهر حل فيه أو نجس.
واثنان مختلف فيهما في المذهب، وهما الفور، والترتيب.
فأما الفور ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه فرض على الإطلاق، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة.
والثاني أنه سنة على الإطلاق وهو المشهور في المذهب.
والثالث أنه فرض فيما يغسل وسنة فيما يمسح وهو قول مطرف وابن الماجشون عن مالك وهو أضعف الأقوال.
فعلى القول بأنه فرض تجب إعادة الوضوء والصلاة على من فرقه ناسيا أو متعمدا، وعلى القول بأنه سنة إن فرقه ناسيا فلا شيء عليه، وإن فرقه عامدا ففي ذلك قولان: أحدهما أنه لا شيء عليه وهو قول محمد بن عبد الحكم.
والثاني أنه يعيد الوضوء والصلاة لترك سنة من سننها عامدا لأنه كالمتلاعب المتهاون، وهذا مذهب ابن القاسم.
ومن أصحابنا من يعبر على مذهبه هذا في الفور أنه فرض بالذكر يسقط بالنسيان كالكلام في الصلاة.
فعلى التأويل الأول من أهريق ماؤه في أثناء الوضوء وابتدأ وضوءه بماء

يغلب على ظنه أنه يكفيه فعجزه أنه لا يضره القيام لأخذ الماء وإن بعد، وعلى التأويل الثاني إن بعد عنه الماء في الوجهين ابتدأ الوضوء لأنه ذاكر.

فصل

وأما الترتيب فالمشهور في المذهب أنه سنة، وهو المعلوم من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك.
وروى علي بن زياد عن مالك أن من نكس وضوءه أعاد الوضوء والصلاة فجعله فرضا.
وإلى هذا ذهب أبو المصعب وحكاه عن أهل المدينة، ومعلوم أن مالكا منهم وإمام فيهم.

فصل فإذا قلنا إنه سنة فإن كان بحضرة الوضوء أخر ما قدم ثم غسل ما بعده ناسيا كان أو عامدا، وإن كان قد تباعد وجف وضوؤه وكان متعمدا ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يعيد الوضوء والصلاة.
والثاني أنه يعيد الوضوء ولا يعيد الصلاة قاله ابن حبيب.
والثالث أنه لا إعادة عليه لا للصلاة ولا للوضوء وهو قوله في المدونة لا أدري ما وجوبه.
وإن كان ناسيا فقال ابن حبيب يؤخر ما قدم ويغسل ما بعده.
وفي قوله نظر لأنه إذا فعل ذلك ولم يعد الوضوء من أوله فقد حصل وضوؤه مفرقا، ومن قوله إن من فرق وضوءه ناسيا أو متعمدا أعاد الوضوء والصلاة في الوقت وبعده.
وقال ابن القاسم: يؤخر ما قدم ولا يغسل ما بعده، وهو بعيد؛ لأنه لا يخلص بذلك من التنكيس.
والذي يأتي على أصله في تفرقة الوضوء ناسيا أن لا شيء عليه في تنكيسه إذا فرق وضوءه.
ووجه قوله إن ما قدم فوضعه في غير موضعه بمنزلة ما نسيه فذكره وقد تباعد أنه يفعله وحده ولا يعيد ما بعده.
وإذا جعل ما قدم كان تركه فيلزمه على هذا إذا نكس وضوءه إعادة الوضوء والصلاة خلاف ما في المدونة.
وهذا في ترتيب المفروض مع المفروض.
وأما في ترتيب المفروض مع المسنون فظاهر ما في الموطأ أن الترتيب بين المفروض والمسنون مستحب لأنه قال فيمن

غسل وجهه قبل أن يمضمض إنه يمضمض ولا يعيد غسل وجهه، وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب هو سنة إلا أنه جعله أخف من ترتيب المفروض مع المفروض، فقال مرة يعيد الوضوء إذا نكس متعمدا كالمفروض مع المفروض، وله في موضع آخر ما يدل على أنه لا شيء عليه [إذا فارق وضوءه، وقال إن نكسه ساهيا إنه لا شيء عليه]، قال فضل: معناه إذا فارق وضوءه، وأما إذا لم يفارق وضوءه فإنه يؤخر ما قدم ويغسل ما بعده على أصله.
فمن نسي شيئا من مسنون الوضوء فذكره بحضرة وضوئه فإنه يفعل ما نسي وما بعده.
ويحتمل أن يكون ذلك اختلافا من قوله فيكون أحد قوليه مثل ما في الموطأ.

فصل

وأما سنن الوضوء فاثنتا عشرة، منها أربع متفق عليها في المذهب، وهي المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، ومسح الأذنين مع تجديد الماء لهما.
والمنصوص لمالك أنهما من الرأس وإنما السنة في تجديد الماء لهما.
وقد قيل في غير المذهب إنهما من الرأس يمسحان معه ولا يجدد لهما ماء.
وقيل إنهما من الوجه يغسلان معه.
وقيل إن باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس.
والصواب ما ذهب إليه مالك يشهد بصحته الحديث: «إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه إلى قوله فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه».
وثمان قيل فيها إنها سنة، وقيل إنها استحباب وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء إذا أيقن بطهارتهما، وما زاد على الواحدة بعد العموم، والابتداء

باليمين قبل الشمال، والابتداء بمقدم الرأس، ورد اليدين في مسحه، وغسل البياض الذي بين العارض والأذن على ما قال عبد الوهاب، واستيعاب مسح الأذنين، وترتيب المفروض مع المسنون.
وأما استحباباته فثمان، وهي التسمية، وجعل الإناء على اليمين، وأن لا يتوضأ في الخلاء، وتخليل أصابع اليدين، وتخليل أصابع الرجلين، وتخليل اللحية، وقد قيل إن ذلك واجب في الوضوء عن مالك وليس بصحيح، والسواك عند الوضوء، ويجزئ الأصبع منه إذا لم يجد سواكا قاله مالك، وذكر الله على الوضوء مستحب، وبالله التوفيق.

القول في توقيت الوضوء

هذا الباب يشتمل على سبع مسائل: إحداها أن الأعداد في الوضوء غير واجبة وأن الواجب الإسباغ، أسبغ في مرة واحدة أو مرات.
والثانية أن تكرار الغسل ثلاثا مستحب فيه إن أسبغ فيما دونها.
والثالثة أن ما فوق الثلاث مكروه إن أسبغ بها أو بما دونها.
والرابعة أن الثلاث أفضل من الاثنتين وأنه مخير بين الاثنتين والثلاث.
والخامسة أن الاقتصار على الواحدة مكروه، واختلف في وجه الكراهية في ذلك فقيل إنما كره لتركه الفضيلة جملة، وقيل إنما كره ذلك مخافة أن لا يعم فيها، وهو دليل ما روي عن مالك أنه قال لا أحب الواحدة إلا للعالم بالوضوء.
والسادسة أن استحباب التكرار مقصور على المغسول دون الممسوح.
والسابعة أن التكرار إنما يكون باستئناف أخذ الماء؛ ولذلك لا يقال في رد اليدين على الرأس في مسحه إنه تكرار لمسحه.
وقوله اختلفت الآثار في التوقيت يريد في الأعداد.
وروي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، ومرتين في بعض الأعضاء وثلاثا في بعضها.
وليس الاختلاف في هذا اختلاف تعارض، وإنما هو اختلاف تخيير وإعلام بالتوسعة، وبالله التوفيق.

القول في المياه

الأصل في هذا الباب قول الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [الأنفال: 11]، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43]، «وقول النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لما سئل عن بئر بضاعة وما يلقى فيها من الأقذار والنجاسات: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته» يريد إلا ما غير أحد أوصافه على ما بين في الحديث المتقدم.

فصل

فالأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير، ماء السماء وماء البحر وماء الأنهار

وماء العيون وماء الآبار، عذبة كانت أو مالحة، كانت على أصل مياعتها أو ذابت بعد جمودها، إلا أن تكون مالحة فتذوب في غير موضعها بعد أن صارت ملحا فانتقلت عنه فإن لأصحابنا المتأخرين في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنها على الأصل لا يؤثر فيها جمودها.
والثاني أن حكمها حكم الطعام فلا يتطهر بها وينضاف بها ما غيرت من سائر المياه.
والثالث أن جمودها إن كان بعناية وعمل وصنعة كان له تأثير فلا يتطهر بها وإن لم يكن بعناية وعمل لم يكن له تأثير.

فصل

وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: ماء طاهر مطهر، وماء لا طاهر ولا مطهر، وماء طاهر لا مطهر.
فأما الماء الطاهر المطهر فهو الماء المطلق، وصفته أنه لم يتغير أحد أوصافه بما ينفك عنه.
وإنما سمي مطلقا لأنه إذا أطلق عليه مجرد الاسم وهو ماء كان كافيا في الإخبار عنه على ما هو عليه.
والماء الطاهر غير المطهر هو الماء الذي تغيرت أحد أوصافه بما ينفك عنه من الطاهرات.
ومعنى قولنا فيه إنه طاهر أنه غير نجس فلا يجب غسله من ثوب ولا بدن.
ومعنى قولنا فيه غير مطهر أنه لا يرفع الحدث ولا حكم النجاسة وإن أزال عينها.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يرفع الحدث على أصله في إجازة الوضوء بالنبيذ، ويرفع حكم النجاسة إذا أزال عينها على أصل مذهبه أن كل ما أزال العين رفع الحكم.
وأما الماء الذي ليس بطاهر ولا مطهر فهو الماء الذي تغيرت أحد أوصافه بنجاسة حلت فيه، وإن لم يتغير أحد أوصافه بما حل فيه من النجاسة فلا يؤثر ذلك في حكمه كان الماء قليلا أو كثيرا على أصل مذهب مالك، وهي رواية المدنيين عنه.
وروى المصريون عنه أن ذلك يؤثر فيه إذا كان قليلا، وقاله كثير من أصحابه.
فأما ابن القاسم فأطلق القول فيه، بأنه نجس على طريق التوسع في العبارة والتحرز من المتشابه لا على طريق الحقيقة.
يدل على ذلك من مذهبه أنه لم يأمر من توضأ به بإعادة الصلاة أبدا كما يأمر من توضأ بالمتغير.
ومن أصحابنا من عبر عنه بأنه مشكوك فيه، وهي عبارة

غير مرضية؛ لأن الشك في الحكم ليس بمذهب فيه، وإنما يكون الماء مشكوكا فيه إذا شك في تغيير أحد أوصافه بنجاسة حلت فيه أو في حلول النجاسة فيه على مذهب من يرى أن حلول النجاسة في الماء تنجسه وإن لم تغير له وصفا.
وأما إذا أوقن أن أوصافه لم يتغير منها شيء بما حل فيه من النجاسة فهو طاهر في قول ونجس في قول.

فصل

وقد اختلف أصحاب مالك الذين التقوه ولم يحققوا القول فيه بأنه نجس في الحكم فيه؛ فقال ابن القاسم يتيمم ويتركه، فإن لم يفعل وتوضأ به أعاد في الوقت ولم يفرق بين أن يكون جاهلا أو متعمدا أو ناسيا.
وقال ابن حبيب في الواضحة: إن كان جاهلا أو متعمدا أعاد في الوقت وبعده.
وقال ابن الماجشون: يتوضأ ويتيمم ويصلي.
وقال سحنون: يتيمم ويصلي ويتوضأ ويصلي.

فصل وحد هذا الماء الذي يتقى لحلول النجاسة فيه هو أن يكون قدر ما يتوضأ به فتقع فيه القطرة من البول أو الخمر، أو يكون قدر القصرية فيتطهر فيها الجنب ولا يغسل ما به من الأذى، فقس على هذا.
وكذلك إذا كان الماء قدر ما يتوضأ به فرأى الهر أو الكلب أو شيئا من السباع يلغ فيه وفي فيه نجاسة، أو شيئا من الطير التي تأكل الجيف والنجاسات وفي مناقرها نجاسة.
فإن لم تر في أفواهها ولا في مناقرها نجاسة في وقت شربها ففي ذلك تفصيل: أما الهر فهو عند مالك وأصحابه محمول على الطهارة للحديث الوارد فيه من الطوافين والطوافات عليكم.
وأما السباع والدجاج المخلاة فهي في مذهب ابن القاسم في روايته عن مالك محمولة

على النجاسة وتفسد ما ولغت فيه فلا يتوضأ بالماء ولا يؤكل الطعام إلا أن يكون الماء كثيرا لقول عمر بن الخطاب لا تخبرنا يا صاحب الحوض فإنا نرد على السباع وترد علينا.
غير أن ابن القاسم قال في الطعام إنه لا يطرح إلا بيقين لحرمتها وهو استحسان على غير قياس؛ لأن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لما أعلم بطهارة سؤر الهرة وبين أن العلة في ذلك طوافها علينا ومخالطتها لنا وجب باعتبار هذه العلة أن يكون ما عداها من السباع التي لا تخالطنا في بيوتنا محمولة على النجاسة، فلا يتوضأ بسؤرها ولا يؤكل بقيتها من الطعام وإن لم يوقن بنجاسة أفواهها في حين ولوغها.
وقال علي بن زياد: الطعام والماء سواء إن رئي في مناقرها أذى طرح وإلا لم يطرح.
وهو قول ابن وهب وأشهب إنها محمولة على الطهارة في الماء والطعام، فلا يطرح شيء من ذلك إذا ولغت فيه إلا أن يوقن بنجاسة أفواهها تعلقا بظاهر ما روي أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شرابا وطهورا».
وتعلقا أيضا بظاهر قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لصاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا لما سأله عمرو بن العاص هل ترد حوضك السباع؟ وهذا لا حجة فيه؛ لأن الحياض ماؤها كثير فهي تحمل هذا القدر من النجاسة.
وأما الكلب فاختلف فيه اختلافا كثيرا من أجل الحديث الوارد بغسل الإناء من ولوغه فيه سبع مرات، فروى ابن وهب عن مالك أنه يغسل الإناء من ولوغه فيه سبع مرات كان طعاما أو ماء.
فظاهر الرواية أن الطعام يطرح فحمله على النجاسة وجعله أشد من السباع.
وجعله ابن القاسم أخف من السباع لأنه حمله فيها على الطهارة في الماء واللبن جميعا فقال إنه يؤكل الطعام ولا يتوضأ بالماء إلا من ضرورة، ويغسل الإناء سبع مرات في الماء خاصة تعبدا.
وقال ابن الماجشون عن

فصول الكتاب · 81 فصل · 640 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المقدمات الممهدات · 640 صفحة
مقدمة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة الأول
كتاب الزكاة الثانيكتاب الجهادكتاب الحجكتاب النذور والأيمانكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب الأشربةكتاب العقيقةكتاب النكاحكتاب الرضاعكتاب طلاق السنةكتاب إرخاء الستوركتاب الحضانةكتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب الصرفكتاب السلمكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب الغرركتاب بيع الخياركتاب العيوبكتاب المرابحةكتاب الاستبراءكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب الجعل والإجارةكتاب الرواحل والدوابكتاب كراء الدوركتاب كراء الأرضينكتاب تضمين الصناعكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب حريم الآباركتاب المديانكتاب التفليسكتاب المأذون له في التجارةكتاب الرهونكتاب الكفالةكتاب الحوالةكتاب الحبس والصدقة والهبةكتاب الهباتكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب اللقطةكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب الصلحكتاب العراياكتاب الجوائحكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الشركةكتاب الوكالاتكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب الوصاياكتاب الولاء والمواريثكتاب العتقكتاب المكاتبكتاب التدبيركتاب أمهات الأولادكتاب السرقةكتاب المحاربين والمرتدينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجراحاتكتاب الجنايات
كتاب الجامع
جارٍ التحميل