الفرج بعد الشدةصفحات 274-310
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثالث

صفحات 274-310

إلا بالله، فكشف الله الفيلة، وسلط عليها الحر، فأنضحها، ففزعت إلى الماء، فما استطاع سواسها، ولا أصحابها، حبسها، وحملت خيلنا، وكان الفتح بإذن الله تعالى

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: أن حبيب بن مسلمة كان يستحب إذا لقي العدو، أو ناهض حصنا، أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم إنه ناهض يوما حصنا، فانهزم الروم، وتحصنوا في حصن آخر لهم، أعجزه، فقالها، فانصدع الحصن.

الذي كفاك الأمس يكفيك غدك

حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: بلغني أن بعض الملوك، نفي وزيرا له، لموجدة وجدها عليه، فاغتم لذلك غما شديدا، فبينا هو يسير، إذ أنشده رجل هذين البيتين:

أحسن الظن برب عودك ... حسنا أمس وسوى أودك

إن ربا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك

فسري عن الوزير، وأمر له بعشرة آلاف درهم.

لا تيأسن كأن قد فرج الله

حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن السراج، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن أبي رجاء، مولى بني هاشم، قال: أصابني هم شديد، لأمر كنت فيه، فرفعت مقعدا لي، كنت جالسا عليه، فإذا برقعة مكتوبة فنظرت فيها، فإذا فيها مكتوب:

يا صاحب الهم إن الهم منقطع ... لا تيأسن كأن قد فرج الله

قال: فذهب عني ما كنت فيه من الغم، ولم ألبث أن فرج الله عني، فلله الحمد والشكر.

كن للمكاره بالعزاء مقطعا

حدثني أبو بكر الثقفي، قال: قال بعضهم: أصابني هم ضقت به ذرعا، فنمت، فرأيت كأن قائلا يقول:

كن للمكاره بالعزاء مقطعا ... فلعل يوما لا ترى ما تكره

ولربما ابتسم الوقور من الأذى ... وضميره من حره يتأوه

الوزير محمد بن القاسم يلاقي عاقبة ظلمه

حدثني أبو الحسن علي بن الحسن، الشاهد المعروف بالجراحي، من حفظه، قال: حدثني أبو الحسن بن أبي الطاهر محمد بن الحسن الكاتب، صاحب الجيش، قال: قبض علي أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، في أيام وزارته للقاهر بالله، وعلى أبي، فحبسنا في حجرة ضيقة، وأجلسنا على التراب، وشدد علينا، وكان يخرجنا في كل يوم، فيطالب أبي بمال المصادرة، وأضرب أنا بحضرة أبي، ولا يضرب هو، فلاقينا من ذلك أمرا شديدا صعبا.

فلما كان بعد أيام، قال: لي أبي: إن هؤلاء الموكلين، قد صارت لهم بنا حرمة، فتوصل إلى مكاتبة أبي بكر الصيرفي، وكان صديقا لأبي - حتى

ينفذ إلينا بثلاثة آلاف درهم، نفرقها فيهم، ففعلت ذلك، فأنفذ إلينا بالمال من يومه.

فقلت للموكلين، في عشي ذلك اليوم: قد وجبت لكم علينا حقوق، فخذوا هذه الدراهم، فانتفعوا بها، فامتنعوا.

فقلت: ما سبب امتناعكم؟ فوروا عن ذلك.

فقلت: إما قبلتم، وإما عرفتمونا السبب الذي لأجله امتناعكم.

فقالوا: نشفق عليكم، ونستحي من ذلك.

فقال لهم أبي: اذكروه على كل حال.

قالوا: قد عزم الوزير على قتلكما الليلة، ولا نستحسن أخذ شيء منكما مع هذا.

فقلقت، ودخلت إلى أبي بغير تلك الصورة، فقال: ما لك؟ فأخبرته بالخبر، وقلت لأبي: ما أصنع بالدراهم؟ فقال: ردها على أبي بكر، فرددتها عليه.

وكان أبي يصوم تلك الأيام كلها، فلما غابت الشمس، تطهر، وصلى المغرب، فصليت معه، ولم يفطر، ثم أقبل على الصلاة والدعاء، إلى أن صلى العشاء الآخرة، ثم دعاني.

فقال: اجلس يا بني إلى جانبي، جاثيا على ركبتك، ففعلت، وجلس هو كذلك.

ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: يا رب، محمد بن القاسم ظلمني وحبسني على ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم بيننا، لا يزيد عن ذلك.

ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته، ولم يزل يكررها بصياح ونداء واستغاثة، إلى أن ظننت أنه قد مضى ربع الليل.

فوالله ما قطعها حتى سمعت الباب يدق، فذهب علي أمري، ولم أشك في أنه القتل.

وفتحت الأبواب، فدخل قوم بشموع، فتأملت، وإذا فيهم سابور، خادم القاهر، فقال: أين أبو طاهر؟ فقام إليه أبي، فقال: ها أنذا.

فقال: أين ابنك؟ فقال: هوذا.

فقال: انصرفا إلى منزلكما، فخرجنا، فإذا هو قد قبض على محمد بن القاسم، وحدره إلى دار القاهر.

وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ومات.

طاهر بن الحسين يحمل الدراهم في كمه ويفرقها على الفقراء

لما خرج طاهر بن الحسين إلى محاربة علي بن عيسى بن ماهان، جعل ذات يوم في كمه دراهم، يفرقها في الفقراء، ثم سها عنها، فأرسلها، فتبددت، فتطير بذلك، واغتم غما شديدا، حتى تبين في وجهه، فأنشده شاعر كان في عسكره:

هذا تفرق جمعهم لا غيره ... وذهابه منكم ذهاب الهم

شيء يكون الهم بعض حروفه ... لا خير في إمساكه في الكم

قال: فسلا طاهر، وأمر له بثلاثين ألف درهم.

الهادي يتهدد يحيى البرمكي ويتوعده بكل عظيمة

انصرف يحيى بن خالد البرمكي، من عند الهادي، وقد ناظره في تسهيل خلع العهد على هارون، فحلف له يحيى أنه فعل، وجهد فيه، فامتنع عليه هارون.

فقال له الهادي: كذبت، ووالله لأفعلن بك وأصنعن، وتوعده بكل عظيمة، وصرفه.

فجاء إلى بيته، فكلم بعض غلمانه بشيء، فأجابه بما غاظه، فلطمه يحيى، فانقطعت حلقة خاتمه، وطاح الفص، فاشتد ذلك على يحيى، وتطير منه، واغتم، فدخل عليه السياري الشاعر، وقد أخبر بالقصة، فأنشده في الحال:

أخلاك من كل الهموم سقوطه ... وأتاك بالفرج انفراج الخاتم

قد كان ضاق ففك حلقة ضيقه ... فاصبر فما ضيق الزمان بدائم

قال: فما أمسى حتى ارتفعت الواعية بموت موسى الهادي، وصار الأمر إلى هارون الرشيد، فأعطاه مائة ألف درهم.

موسى بن عبد الملك، صاحب ديوان الخراج يموت وهو على صهوه جواده

قال أبو علي القنائي، قال لي جدي: بكرت يوما إلى موسى بن عبد الملك، وحضر داود بن الجراح، فوقف إلى جانبي، فقال لي: كان لي أمس خبر طريف، انصرفت من عند موسى بن عبد الملك، فوجدت في منزلي امرأة من شرائف النساء، فشكته إلي، وقالت: قد حاول أن يأخذ ضيعتي الفلانية، وأنت تعلم أنها عمدتي في معيشتي، وأن في عنقي صبية أيتاما، فأي شيء تدبر في أمري، أو تشير علي؟ .

فقلت: من معك وراء الستر؟ فقالت: ما معي أحد.

فقلت: أما التدبير في أمرك، فما لي فيه حيلة، وأما المشورة، فقد قال النبطي: لا تبع أرضك من إقدام الرجل السوء، فإن الرجل السوء يموت، والأرض تبقى، فدعت لي، وانصرفت.

فما انقضى كلامه، حتى خرج موسى، فقال لدواد: يا أبا سليمان، لا تبع أرضك من إقدام الرجل الرديء، فإنه يموت، والأرض تبقى.

فقال لي داود: أسمعت؟ هذا والله الموت، أين أهرب؟ أين أمضي؟ ما آمنه والله على نفسي، ولا على نعمتي، فأشر علي بما أصنع، قبل نفاذ طريقنا، ونزولنا معه إلى الديوان.

فقلت: والله، ما أدري.

فرفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم اكفني أمره، وشره، وضره، فإنك تعلم قصتي، وأني ما أردت بما قلت إلا الخير، واشتد قلقه وبكاؤه ودعاؤه.

وقربنا من الديوان، فقال موسى، وهو على دابته: متى حدث هذا الجبل الأسود في طريقنا؟ ومال على سرجه حتى سقط، وأسكت.

فحمل إلى منزله، وكان آخر العهد به.

يا ذا العرش اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك

ذكر المدائني في كتابه: قال: أبو سعيد، وأنا أحسبه يعني الأصمعي: نزلت بحي من كلب مجدبين، قد توالت عليهم السنون، فماتت المواشي، ومنعت الأرض من إخراج النبات، وأمسكت السماء قطرها، فجعلت أنظر إلى السحابة ترتفع من ناحية القبلة سوداء متقاربة، حتى تطبق الأرض، فيتشوف لها أهل الحي ويرفعون أصواتهم بالتكبير، ثم يعدلها الله عنهم مرارا.

فلما كثر ذلك، خرجت عجوز منهم، فعلت نشزا من الأرض، ثم نادت بأعلى صوتها: يا ذا العرش، اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك.

فما نزلت من وضعها، حتى تغيمت السماء غيما شديدا، وأمطروا مطرا كاد أن يغرقهم، وأنا حاضر.

يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج وخليفته في الظلم والبغي

وذكر المدائني في كتابه، قال: وجه سليمان بن عبد الملك، حين ولي الخلافة، محمد بن يزيد إلى العراق، فأطلق أهل السجون، وقسم الأموال، وضيق على يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فظفر به يزيد بأفريقية لما وليها في شهر رمضان عند المغرب، وفي يده عنقود عنب.

فجعل محمد يقول: اللهم احفظ لي إطلاقي الأسرى، وإعطائي الفقراء.

فقال له يزيد حين دنا منه: محمد بن يزيد؟ ما زلت أسأل الله أن يظفرني بك.

قال له: وما زلت أسأل الله، أن يجيرني منك.

قال: والله، ما أجارك، ولا أعاذك مني، ووالله لأقتلنك قبل أن آكل هذه الحبة العنب، ووالله لو رأيت ملك الموت يريد قبض روحك، لسبقته إليها.

فأقيمت الصلاة، فوضع يزيد الحبة العنب من يده، وتقدم، فصلي بهم.

وكان أهل أفريقية قد أجمعوا على قتله، فلما ركع، ضربه رجل منهم على رأسه بعمود حديد، فقتله.

وقيل لمحمد: اذهب حيث شئت، فمضى سالما.

ذكره القاضي أبو الحسين في كتابه بغير إسناد، ولم يعزه إلى المدائني، وجاء به على خلاف هذا اللفظ، والمعنى واحد، إلا أنه جعل بدل محمد بن يزيد، وضاحا، صاحب عمر بن عبد العزيز، وبدلا من سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، ولم يذكر الدعاء في خبره.
. ووقع إلي هذا الخبر، على غير هذا، حدثنيه علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن زياد، قال: حدثنا أبو همام الصلت بن محمد الخاركي، قال: حدثنا

مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، قال: حدثني محمد بن يزيد، قال: إن سليمان بن عبد الملك، أنفذ محمد بن يزيد إلى ديماس الحجاج، وفيه يزيد الرقاشي، ويزيد الضبي، وعابدة من أهل البصرة، فأنطلق كل من فيه، غير يزيد بن أبي مسلم.

فلما مات سليمان، قال محمد: كنت مستعملا على أفريقية، إذ قدم يزيد بن أبي مسلم، أميرا، في خلافة يزيد بن عبد الملك.

قال محمد: فعذبني عذابا شديدا، حتى كسر عظامي، فأتي بي يوما

في كساء، أحمل عند المغرب.

فقلت له: ارحمني.

فقال: التمس الرحمة من عند غيري، ولو رأيت ملك الموت عند رأسك، لبادرته إلى نفسك، اذهب حتى أصبح لك.

فدعوت الله، وقلت: اللهم اذكر ما كان مني في أهل الديماس، اذكر يزيد الرقاشي، وفلانا وفلانا، واكفني شر يزيد بن أبي مسلم، وسلط عليه من لا يرحمه، واجعل ذلك من قبل أن يرتد إلي طرفي، وجعلت أحبس طرفي رجاء الإجابة.

فدخل عليه ناس من البربر، فقتلوه، ثم أطلقوني، فقالوا لي: اذهب حيث شئت.

فقلت لهم: اذهبوا واتركوني، فإني أخاف إن انصرفت، أن يظن أن هذا من عملي.

فذهبوا، وتركوني.

حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني محدث

عن أمية بن خالد عن وضاح بن خيثمة، قال: أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، فإني لبإفريقية، إذ قيل لي: قد قدم يزيد بن أبي مسلم، فهربت منه، فأرسل في طلبي، فأخذت، وأتي بي إليه.

فقال: وضاح؟ قلت: وضاح.

فقال: أما والله، طالما سألت الله أن يمكنني منك.

فقلت: وأنا والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك.

فقال: والله، ما أعاذك مني، ووالله، لأقتلنك، ولو سابقني إليك ملك الموت، لسبقته.

ثم استدعى بالسيف والنطع، فجيء بهما، وكتفت، وأقعدت فيه، لتضرب عنقي، وقام قائم على رأسي بالسيف مشهورا، فأقيمت الصلاة فخرج يزيد وصلى بهم، فلما خر ساجدا، أخذته سيوف الجند، وأطلقت.

حدثني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني أحمد بن محمد السرخسي أبو بكر، قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: كان وضاح حاجبا لعمر بن عبد العزيز، فلما حضرت عمر الوفاة أمر بإخراج كل من في الحبس، إلا يزيد بن أبي مسلم.

وذكر الحديث.

عواقب مكروه الأمور خيار

حدثني أبو طالب عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن حماد دنقش، مولى المنصور وصاحب حرسه، وكان محمد بن حماد يحجب الرشيد والمعتصم، وأحمد بن محمد أحد القواد بسر من رأى مع صالح بن وصيف، وولي الشرطة بها للمهتدي، وأحمد بن محمد بن الفضل، يكني أبا عيسى، وكان أحد أمناء القضاة ببغداد، قال: قال: لي القاضي أبو القاسم علي بن الحسن بن محمد التنوخي، قال: حدثني القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي الأنباري، قال:

حدثني أبو عبد الله بن أبي عوف البزوري، قال: دخلت على أبي العباس بن ثوابة، وكان محبوسا، فقال لي: احفظ عني.

قلت: نعم.

فقال:

عواقب مكروه الأمور خيار ... وأيام سوء لا تدوم قصار

وليس بباق بؤسها ونعيمها ... إذا كر ليل ثم كر نهار

قال: فلم تمض إلا أيام يسيرة، حتى أطلق من حبسه.

وقد ذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، هذين البيتين، بغير إسناد، ولم يذكر القصة، ولا سبب الشعر.

لا تيأس فإن اليأس كفر

حدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله العلاف، المعروف بالمستعيني، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن الحسين الأنصاري، قال: حدثني إبراهيم بن مسعود، عن بعض تجار المدينة، قال: كنت أختلف إلى جعفر بن محمد، وكنت له خليطا، وكان يعرفني بحسن حال، فتغيرت حالي، فأتيته فجعلت أشكو إليه، فأنشأ يقول:

فلا تجزع وإن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل

قال: فخرجت من عنده، وأنا أغنى الناس.

حدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أبو الفضل أحمد بن سليمان القاضي، قال: حدثنا طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن جعفر بن محمد، قال:

جاء رجل إلى جعفر بن محمد، فشكا إليه الإضافة، فأنشده جعفر بن محمد:

فلا تجزع إذا أعسرت يوما ... فكم أرضاك باليسر الطويل

ولا تيأس فإن اليأس كفر ... لعل الله يغني عن قليل

ولا تظنن بربك غير خير ... فإن الله أولى بالجميل

قال الرجل: فذهب عني ما كنت أجد.

وروى القاضي أبو الحسين في كتابه «كتاب الفرج بعد الشدة» هذا الشعر بغير خبر، ولا إسناد، ونسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وروى البيت الأول كما رواه ابن الجراح أبي سعد في الخبر الذي رويت قبل هذا، وقال بعده:

فإن العسر يتبعه يسار ... وقيل الله أصدق كل قيل

ثم جاء بالبيتين الثاني والثالث، كما جاءا في هذين الخبرين، وزاد بعد ذلك بيتا خامسا، وهو:

ولو أن العقول تسوق رزقا ... لكان المال عند ذوي العقول

عبيد الله بن زياد يشتم رجلا من القراء ويتهدده

وذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه: أن المدائني روى عن محمد بن الزبير التميمي، أن عبيد الله بن زياد، أتي برجل من القراء فشتمه وقال له: أحروري أنت؟ .

فقال الرجل: لا والله، ما أنا بحروري.

فقال: والله، لأفعلن بك، ولأصنعن، انطلقوا به إلى السجن، فانطلقوا به.

فسمعه ابن زياد يهمهم، فرده، وقال له: ما قلت؟ فقال: غن لي بيتان من الشعر قلتهما.

فقال: إنك لفارغ القلب، أنت قلتهما، أم شيء سمعته؟ قال: بل قلتهما، وهما:

عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر

إذا اشتد عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه يسر

فسكت ابن زياد ساعة، ثم قال: قد أتاك الفرج، خلوا سبيله.

أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال:، أخبرني علي بن دبيس الكاتب، عن أحمد بن الحارث الخراز، عن علي بن محمد المدائني، عن محمد بن الزبير التميمي، فذكر نحوه.

علي بن الحسن بن يزيد كاتب العباس بن المأمون يتحدث عن أيام فاقته

وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه،

قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو يوسف يعقوب بن بيان، قال: حدثني علي بن الحسين بن محمد بن موسى بن الفرات، قال: كنت أتولى ماسبذان، وكان صاحب البريد بها علي بن يزيد، وكان قديما يكتب للعباس بن المأمون، فحدثني: أن العباس غضب عليه وأخذ جميع ما كان يملكه، حتى إنه بقي بسر من رأى لا يملك شيئا، إلا برذونه، بسرجه ولجامه، ومبطنة، وطيلسانا، وقميصا، وشاشية، وأنه كان يركب في أول النهار، فيلقى من يريد لقاءه، ثم ينصرف، فيبعث

ببرذونه إلي الكراء، فيكسب عليه ما يعلفه، وما ينفقه هو وغلامه.

فاتفق في بعض الأيام أن الدابة لم تكسب شيئا، فبات هو وغلامه طاويين، قال: ونالنا من الغد مثل ذلك.

فقال غلامي: يا مولاي، نحن نصبر، ولكن الشأن في الدابة، فإني أخاف أن تعطب.

قلت: فأي شيء أعمل؟ ليس إلا السرج، واللجام، وثيابي، وإن بعت من ذلك شيئا، تعطلت عن الحركة، وطلب التصرف.

قال: فانظر في أمرك.

فنظرت، فإذا بحصيري خلق، ومخدتي لبنة مغشاة بخرقة، أدعها تحت رأسي، ومطهرة خزف للطهور، فلم أجد غير منديل دبيقي خلق قد بقي منه الرسم.

فقلت للغلام: خذ هذا المنديل، فبعه، واشتر علفا للدابة، ولحما بدرهم، واشوه، وجئ به، فقد قرمت إلى أكل اللحم.

فأخذ المنديل، ومضى، وبقيت في الدار وحدي، وفيها شاهمرج قد جاع لجوعنا، فلم أشعر إلا بعصفور قد سقط في المطهرة التي فيها الماء للطهور، عطشا، فشرب، فنهض إليه الشاهمرج، فناهضه، فلضعفه ما قصر عنه،

وطار العصفور، ووقف الشاهمرج، فعاد العصفور إلى المطهرة، فبادره الشاهمرج فأخذه بحمية، فابتلعه.

فلما صار في حوصلته، عاد إلى المطهرة، فتغسل، ونشر جناحيه وصاح، فبكيت، ورفعت رأسي إلى السماء، وقلت: اللهم، كما فرجت عن هذا الشاهمرج، فرج عنا، وارزقنا من حيث لا نحتسب.

فما رددت طرفي، حتى دق بابي، فقلت: من أنت؟ قال: أنا إبراهيم بن يوحنا، وكيل العباس بن المأمون.

فقلت: ادخل، فدخل، فلما نظر إلى صورتي، قال: ما لي أراك على هذه الصورة، فكتمته خبري.

فقال لي: الأمير يقرأ عليك السلام، وقد اصطبح اليوم، وذكرك وقد أمر لك بخمس مائة دينار، وأخرج الكيس فوضعه بين يدي.

فحمدت الله تعالى، ودعوت للعباس، ثم شرحت له قصتي، وأطفته في داري وبيوتي، وحدثته بحديث الدابة، وما تقاسيه من الضر، والمنديل، والشاهمرج، والدعاء، فتوجع لي، وانصرف.

ولم يلبث أن عاد، فقال لي: صرت إلى الأمير، وحدثته بحديثك كله، فاغتم بذلك، وأمر لك بخمس مائة دينار أخرى، قال: تأثث بتلك، وأنفق هذه، إلى أن يفرج الله.

وعاد غلامي، وقد باع المنديل، واشتري منه ما أردته، فأريته الدنانير، وحدثته الحديث، ففرح حتى كاد أن تنشق مرارته.

وما زال صنع الله يتعاهدنا.

ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا

قال: المدائني في كتابه، وجاء به القاضي أبو الحسين في كتابه عن المدائني بغير إسناد، واللفظان متقاربان: إن أعرابية كانت تخدم نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت كثيرا ما تتمثل:

ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ألا أنه من ظلمة الكفر نجاني

فقيل لها: إنك تكثرين من التمثل بهذا البيت، وإنا نظنه لأمر، فما هو؟ قالت: أجل، كنت عسيفة على قوم بالبادية.

قال: مؤلف هذا الكتاب: العسيف: الأجير.

فوضعت جارية منهم وشاحا، فمرت عقاب، فاختطفته ونحن لا ندري، ففقدنه، وقلن أين هو؟ أنت صاحبته، فحلفت، واعتذرت، فأبين قبول قولي وعذري، واستعدين بالرجال، فجاءوا ففتشوني، فلم يجدوا شيئا.

فقال بعضهم: احتملته في فرجها.

فأرادوا أن يفتشوا فرجي، فما ظنكم بامرأة تخاف ذلك.

فلما خفت الشر، رفعت رأسي إلى السماء فقلت: يا رباه، أغثني، فمرت العقاب فطرحته بيننا، فندموا، وقالوا: ظلمنا المسكينة، وجعلوا يعتذرون إلى، فما وقعت في كربة إلا ذكرت ذلك، وهو يوم الوشاح، فرجوت الفرج.

١: ٣٠٤ حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن

أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحجاج الضبي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت امرأة تغشانا تتمثل بهذا البيت:

ويوم السخاب من تعاجيب ربنا ... على أنه من ظلمة الكفر نجاني

فقالت لها أم سلمة: وذكر نحو ذلك.
. إلا أنه قال فيه: قالت عجوز منهن لا رعة لها: فتشوا مالها، أي: فرجها، فأشرفت على الفضيحة، فرفعت رأسي إلى السماء، فقلت: يا غياث المستغيثين، فما أتممتها، حتى جاء غراب

فرمى السخاب بيننا، فلو رأيتهم يا أم المؤمنين وهم حوالي، يقولون: اجعلينا في حل، فنظمت ذلك في بيت، فأنا أنشده لئلا أنسى النعمة، فأترك شكرها

بين يحيى البرمكي والفضل بن الربيع

ذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال:

حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الله بن الحسين بن سعد، عن أبيه عبد الله بن الحسين، قال: حدثني الحسين بن نمير الخزاعي، قال: صار الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي في حاجة

له، فلم يرفع له رأسا، ولا قضى حاجته، فقام مغضبا، فلم يدع بدابته، ولا اكترث له، ثم أتبعه رجلا، فقال: انظر ما يقول، فإن الرجل ينبئ عما في نفسه في ثلاثة مواضع إذا اضطجع على فراشه، وإذا خلا بعرسه، وإذا استوى على سرجه، قال: الرجل: فاتبعته، فلما استوى على سرجه، عض على شفتيه، وقال:

عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بدور زمان والزمان يدور

فيعقب روعات سرورا وغبطة ... وتحدث من بعد الأمور أمور

فلم يكن بين ذلك، وبين أن سخط الرشيد على البرامكة، واستورز الفضل بن الربيع، إلا أياما يسيرة.

وحدثني بهذا الخبر، أبي، على مثل هذا الإسناد، ولم أحفظه، لأني لم أكتبه عنه في الحال، فقال في البيت الأول:

عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بعثرة دهر والزمان عثور

وقال في البيت الثاني:

فتدرك حاجات وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور

وزاد فيه أن الفضل بن يحيى بن خالد رده فقضى حوائجه.

أخبرنيه محمد بن الحسن بن المظفر، قال: حدثني أبو بكر الصولي، عن ميمون بن هارون، قال: حدثني الحسين بن نمير الخزاعي، وذكره، وقد دخل فيما أجازه لي الصولي.

وقرئ على أبي بكر الصولي بالبصرة، في كتابه «كتاب الوزراء» سنة خمس

وثلاثين وثلاث مائة، وأنا حاضر أسمع، قال: حدثنا أحمد بن يزيد بن محمد، يعني: المهلبي، قال: حدثني أبي، عن إسحاق، قال: دخل الفضل بن الربيع على يحيى بن خالد، فلم يوسع له، ولا هش به، ثم قال: ما جاء بك يا أبا العباس؟ قال: رقاع معي.

فرده عن جميعها، فوثب الفضل وهو يقول:

عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بعثرة دهر والزمان عثور

فتدرك آمال وتحوى رغائب ... وتحدث من بعد الأمور أمور

فرده يحيى، ووقع له بجميع ما أراد.

دعاء للشفاء من العلل

وأخبرني علي بن عبد الله الوارق، المعروف بابن أبي لؤلؤ، قال: حدثنا محمد بن جرير الطبري، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن علي، عن عبد الله بن جعفر: أن رجلا أصابه مرض شديد، منعه من الطعام والشراب والنوم، فبينا هو ذات ليلة ساهرا، إذ سمع وجبة شديدة في حجرته، فإذا هو كلام، فوعاه، فتكلم به، فبرأ مكانه، وهو اللهم أنا عبدك، وبك أملي، فاجعل الشفاء في جسدي، واليقين في قلبي، والنور في بصري، والشكر في صدري، وذكرك بالليل والنهار، ما بقيت، على لساني، وارزقني منك، رزقا غير محظور ولا ممنوع.

فصول الكتاب · 6 فصل · 404 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفرج بعد الشدة · 404 صفحة
المقدمة
الباب الأول
الباب الثاني
الباب الثالث
الباب الرابع
الباب الذي بين الله والناس لا يغلق
جارٍ التحميل