(مسألة)
لا يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء
عندنا، وهذا قول محمد، وزفر من أصحابهم.
وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف يجوز.
لنا:
إن الماء طهور شرعاً لا لمعنى، فلو ألحق به غيره في الطهورية كان لمعنى، فإذا كان ثبوته لا لمعنى إلحاق غيره به.
والدليل على أن الماء طهور لا لمعنى، الحكم والحقيقة:
أما الحكم فلأن طهورية الماء في الحدث لا لمعنى كذلك في النجاسة، وهذا لأن عمل هذا الوصف بنفي محلين، فإذا لم يكن لمعنى في أحد الملحين فكذلك في الآخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 42
وأما الحقيقة فلأنه لو كان معلولاً كان معلولاً بعلة الإزالة، وهذا لا يجوز، لأن معنى الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وصفة تطهيره لغيره إنما توجد عند اتصاله بذلك الغير، كقولنا: ضارب للغير وشاتم للغير ومكلم للغير، إنما يوصف بهذا عند اتصاله شتمه وضربه بالغير، وإذا اتصل بالمحل النجس امتزج بالنجس، والماء الممتزج بالنجس نجس، وما لا يكون طاهراً في نفسه لا يكون مطهراً لغيره فدل تعليل الطهورية به بالإزالة باطل، فبقى أنه طهور شرعاً لا لمعنى، وبطل إلحاق سائر المائعات به.
فإن قالوا: إذا قلتم إن الماء بامتزاجه بالنجس يصير نجساً فكيف يزيل النجاسة؟ وبالإجماع إنه يزيل النجاسة عند استعماله في المحل غسلا.
قلنا: إنما يزيل النجاسة شرعاً لا لمعنى الإزالة، على هذا إن عندنا يبقى الماء طهوراً بعد وروده على النجاسة ثبوت صفة الطهورية له.
والحرف أن الطهورية منصوص عليها للماء، ووقت ظهور الطهورية عند غسل المحل النجس فبقيت هذه الصفة للماء وإن امتزج بالنجس ليحصل العمل بالنص ولا يتعطل، ولم يكن لمعنى حتى يلحق غيره به.
وهذا لأن الضرورة ارتفعت بالماء فبقى غيره على أصل ما عقلنا من المعنى وهو أن المائع الوارد امتزج بالنجس وتنجس وإزالة النجاسة بالنجس غير معقول، ولأن غير الماء ليس في معنى الماء حتى يلحق به، لأن الماء خلق ليكون طهوراً، وقد ورد الإنزال بمعنى الخلق في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ﴾.
ومثل قوله: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾.
الجزء: 1 - الصفحة: 43
وغير الماء من المائعات لم يخلق ليكون طهوراً.
ولهذا يكره استعمال ماء الورد والخل في إزالة النجاسة، ويعد سفهاً وتضيعاً للمال، ولأن الماء يسهل وجود ويعم إصابته وللناس بلوى في طهارة الأحداث والأنجاس فشرع إزالة ما يعم به البلوى بما يسهل وجوده تسهيلاً للأمر على الناس وتيسيراً، ومعنى سهولة الوجود وعموم الإصابة لا يوجد في سائر المائعات، وإذا كان غير الماء يخالف الماء في هذين المعنيين المؤثرين لم يجز إلحاقه به.
وأما حجتهم:
قالوا: أجمعنا على أن الماء طهور والطهور هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره، والتعليل واجب ما أمكن، لأن القياس دليل الله وأمر الله يتصل بإظهار دليل الله ليبني عليه حكم الله، ثم الدليل على أن التعليل في مسألتنا واجب ممكن أن إمكان التعليل بإظهار علة مؤثرة وهو موجود في مسألتنا، وذلك بالتعليل بالإزالة، والدليل على أن الطهورية معللة بالإزالة أن ما لم يوجد الإزالة لا يطهر بطهارة المحل، ولم لم يكن العلة هي الإزالة كان ينبغي أن يكفي مجرد استعمال الطهور.
يدل عليه أن استعمال الطهور غسلاً في هذا المحل مفيد طهارة المحل فلا يخلو إما أن يكون إفادته طهارة المحل بتبديله النجس طاهراً أو بإزالته النجاسة، ولا يجوز الأول، لأن استعمال الماء لا يتبدل النجس طاهراً فدل أن طاهرت المحل بإزالته النجاسة عن المحل.
الجزء: 1 - الصفحة: 44
والدليل على التأثير أن نجاسة المحل لما كانت هي النجس الذي حله فلابد أن يكون زواله مخيلاً في إفادة الطهارة.
وقالوا: ولا يجوز أن يقال إن النجاسة إن زالت حقيقة بقيت حكماً، لأن الحكم مع الحقيقة، فإذا زالت حقيقة زالت حكمها، فمن قال بزوالها حقيقة وبقائها حكماً فعليه/ إقامة دليل قادح في ذلك وإلا فسد مجرد الدعوى.
قالوا: وأما الذي قلتم إن الماء يتنجس بأول الملاقاة.
قال: ليس كذلك، لأن الطهورية صفة ثابتة للماء في الأصل بالنص.
ومعنى قولنا: إنها صفة ثابتة له في الأصل بالنص، أنها ثابتة قبل الاستعمال والدليل على ثبوتها له قبل الاستعمال أنه يوصف بها قبل الاستعمال، ولو كانت صفة ضرورية لا صفة أصلية لم يوصف بها قبل الاستعمال كالحلية للميتة لما كانت صفة ضرورية لم يوصف بها قبل الأكل.
وقولكم ((إن المطهر للغير إنما يكون عند اتصاله بالغير)).
قال: هذا في الحسيات فأما الطهورية صفة حكمية فيجوز أن يوصف بها وإن لم يتصل بالغير، وإذا ثبت أن الطهورية صفة أصلية، وهي معللة بالإزالة بقيت هذه الصفة للماء عند الإزالة ليظهر عمله، وأعرض عن الامتزاج الحاصل ثم إذا انفصل عن الثوب حكم بنجاسة الغسل مثل ما يحكم للماء بالاستعمال عند الانفصال عن العضو، ولا يحكم له بذلك قبل الانفصال، كذلك هاهنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 45
يدل عليه أنه لو كانت الطهورية بالضرورة وجب أن يكون بقدر الضرورة، والضرورة تزول بالماء الجاري، والماء العذب.
فينبغي ألا تثبت هذه الصفة للماء الراكد والماء الأجاج، وحين تثبت لجميع أنواع المياه عرفنا أنها غير ثابتة ضرورة.
قالوا: وأما طهارة الحدث فغير معللة بالإزالة، لأنه ليس هناك عين تزال إنما هي حكم بلا عين.
فإن قلتم: فيبطل إذا تعليلكم للطهورية بالإزالة.
قال: لا يبطل، لأن الحكم إذا ثبت في محل النص وعلل وعدى الحكم إلى فرع فالحكم في الفرع يثبت بالمعنى، وفي الأصل بالنص لا غير.
وهذا لأن النص مغنى عن طلب المعنى في محل النص، وإنما ظهور عمل المعنى في الفرع فحسب.
قالوا: وكذلك نقول في الأشياء الستة مع فروعها، وهذا لأن التعليل ليس إلا التعدية، وطلب الحكم في الفرع، ولهذا نقول: إن العلة التي لا تكون متعدية لا تكون علة، وإذا عرف هذا الأصل فالطهورية للماء ثابتة بالنص فحسب، والتعليل لإثبات هذا الحكم فيما وراءه فيكون ثبوته في الفرع أعني المائعات لعلة الإزالة وفي الأصل بالنص لا غير، وإذا كان ثباتاً في الأصل لا بعلة الإزالة ظهر عمله في موضع الإزالة وغير موضع الإزالة، وذلك في طهارة الحدث.
وأما الخل وماء الورد لما ثبتت الطهورية فيهما بعلة الإزالة عمل في موضع الإزالة ولم يعمل في غير موضع الإزالة.
الجزء: 1 - الصفحة: 46
قالوا: ولا يلزم المرق والدهن، لأن الإزالة لا توجد بهما فإذا لم يعتصر بالعصر بقي النجس في الثوب حتى لو كان بحيث يعتصر بالعصر يحصل به إزالة النجاسة.
قالوا: وأما قول مشايخكم إن غير الماء لا يطهر بالمكاثرة فلا يطهر غيره بالمباشرة بخلاف الماء فرق ممنوع، فإن عند جماعة من أصحابنا إذا كثر الخل أو ماء الورد وصار بحيث لا يخلص بعضه إلى البعض مثل الماء، ولئن سلما الفرق فإنما دفع الماء النجاسة عن نفسه عند الكثرة لبلوى الناس وحاجتهم، ولهم بلوى في الماء وذلك في الحياض والأدوية والغدرانات ولا بلوى فيما وراءه، لأنه لا يكون في الجوابي والأواني مصوناً في البيوت .. إلى هذا الموضع انتهت طريقة أبي زيد ذكرناها بزيادة شرح وبسط.
وقد تعلق مشائخهم بالاستنجاء حيث لا يختص بالحجر، وقالوا: جنس له أثر في إزالة النجاس فلا يختص بشيء منه دون شيء، دليله الجامد، والتعليل للماء، وتعلقوا أيضاً بالدن الذي فيه الخمر حيث يطهر
الجزء: 1 - الصفحة: 47
بانقلاب الخمر خلاً من غير استعمال لماء وكذلك دباغ الجلد يحصل به طهارته من غير ماء أصلاً.
الجواب:
أما قولهم: ((إن التعليل واجب ما أمكن)).
قلنا: لا إمكان في مسألتنا.
وقولهم: ((إنه معلل بالإزالة)).
قلنا: لو كان كذلك لم يكن طهوراً في الحدث، لأنه لا إزالة هناك، وتعليل الطهورية بالإزالة بلا وجود إزالة، محال.
وقد قال بعض مشايخهم: إنا نعلل الوضوء بالوضاءة والحسن.
قلنا: فعدوا ذلك إلى كل ما يحصل به هذا المعنى ما ماء الورد وغيره.
فأما قولكم في العذر عن طهارة الحدث إنها طهارة حكمية غير/ معلولة بالإزالة وهي حكم بلا عين.
قلنا: ففذا يبطل التعليل بالإزالة، لأن الماء طهور في الحدث نصاً ولا إزالة فيه، فبطل تعليلهم بالإزالة.
وأما قولهم: ((إن الحكم ثبت في الأصل بنص لا بعلبة)).
قلنا: التعليل لطلب علة الأصل، فأما إذا كان المعنى المستخرج من الأصل ساقطاً في تعليل الأصل به لم يتصور التعدية.
وقولهم: ((إن النص مغنى عن التعليل)).
قلنا: بلى في ثبوت الحكم لكن من ضرورة ثبوت الحكم في الفرع بالمعنى ثبوت الحكم في الأصل بذلك المعنى، ويجوز أن يكون الحكم ثابتاً
الجزء: 1 - الصفحة: 48
بالنص والمعنى جميعاً كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة: ((إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات)).
نص على نفي النجاسة ونص على التعليل فكان الحكم ثابتاً بالنص والمعنى، وعلى أن الحكم إن كان لا يثبت في الأصل بالمعنى فلابد من وجود المعنى في الأصل، كما في علة الأشياء الستة على المذهبين، وطهورية الماء في الحدث أصل، فإذا كانت الطهورية معللة بالإزالة، فلابد من وجودها في الأصل ليمكن التعليل.
وقد بينا إنه لا وجود، وفصل طهارة الحدث في نهاية الإشكال عليهم إذا قرر على هذا الوجه، وعلى أنا بينا بطريق التحقيق أن التعليل بالإزالة متعذر غير ممكن بحال.
وأما قولهم: ((إن الطهورية صفة أصلية ثابتة بالنص)).
قلنا: فإذا كانت صفة أصلية تكون ثابتة بذاتها لا بنص الشارع ثم قد بينا أن الطهورية صفة لا يمكن إثباتها حقيقة إلا عند اتصالها بالغير.
وقولهم: ((قد وصف من قبل)).
قلنا: هذا على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة.
وقولهم: ((إن الطهورية صفة حكمية)).
قلنا: وإن كانت حكمية لكنها صفة متعدية، لأنه لا يتصور وجودها إلا بعد اتصالها بالغير، وهذا موضع ضيق الخناق عليهم، لأن إثبات
الجزء: 1 - الصفحة: 49
الطهورية حقيقة في غير وقت الاستعمال لا مطمع فيه للخصوم وقد سموا هذا الموضع مزل القدم، وهو مزل قدمهم بلا إشكال.
وأما قولهم: ((إن الضرورة ترتفع بالماء الجاري أو بالماء العذب)).
قلنا: النص وارد في طهورية الماء المطلق وهو يشتمل على جميع أنواع المياه عذبها وملحها وراكدها وجاريها وصافيها وكدرها.
وأما تعلق مشايخهم بفصل الاستنجاء فيقال لهم: لا إزالة للنجاسة في الاستنجاء.
فإن قالوا: إن لم تكن إزالة فقد وجب التخفيف فتعتبر طهارة الإزالة بطهارة التخفيف.
قلنا: التخفيف رخصة، والرخص بابها على السهولة والسعة، والإزالة عزيمة، والعزائم بابها على الاستقصاء والمضايقة، وجواز استبدال الحجر بغيره من باب السعة والسهولة، ووجوب الاقتصار على شيء واحد مثل باب المضايقة واعتبار العزائم بالرخص فيما يرجع إلى السعة والمضايقة اعتبار باطل.
الجزء: 1 - الصفحة: 50
وأما تخريج فصل الاستنجاء على الطريقة التي اعتمدناها هو أن التخفيف أمر حسي لم يبن على استعمال طهور، فإذا وجد بأي آلة حصل التخفيف.
فأما الطهارة في مسألتنا مبنية على استعمال الطهور، وقد بينا أن الطهور هو الماء لا غير لأنه معنى ثابت شرعاً لا لمعنى، فاتبعانا موضع الشرع على ما سبق.
وقد أجاب المشايخ: وقالوا إنما جاز العدول من الحجر إلى غيره في الاستنجاء بالنص فإنه روى في بعض الروايات: ((ثلاث أعواد، وثلاث حثيات من تراب وثلاث مسحات)).
وعندي: إن الاعتماد على التخريج الذي قلنا، لأن هذا الخبر فيه نظر.
وأيضاً فإنه لا يشتمل على جميع ما يستنجى به.
وأما فصل الدن والدباغ فيخرج على ما قلنا، لأنه ليس طهارة الجلد والدن باستعمال طهور، إنما هو في الخمر بانقلابها خلاً، وفي الجلد بطيبه وزوال النجاسة عنه.
فلم يكن المثال نظير مسألتنا بوجه ما فسقط إلحاقه به.
الجزء: 1 - الصفحة: 51
(مسألة)
لا يجوز التوضئ بالماء الذي تغير أحد أوصافه بمخالطة شيء إياه، وإن كان المخالط طاهراً.
وعندهم يجوز إذا لم يكن غالباً عليه.
وموضع الخلاف إذا تغير بالزعفران أو العصفر وما يشبه ذلك.
وقد قال بعض أصحابنا: إنه إنما لا يجوز إذا تفاحش/ التغير، فأما إذا كان التغير يسيراً فإنه يجوز.
وقد قال بعض أصحابهم مثل ذلك.
فعلى هذا لا خلاف، وقد ذكر المتقدمون المسألة على الاختلاف الذي ذكرناه وأطلقوها إطلاقاً من غير تقييد وتفصيل فنتكلم عن ذلك فنقول:
الجزء: 1 - الصفحة: 52
الوضوء شرع ورد إقامته بالماء المطلق في الكتاب والسنة فإذا أقامه لا بالماء المطلق لم يجز.
لأن المقيد غير المطلق، وهذا لأنه إذا كان غيره فالدليل الوارد في أحدهما لا يكون وارداً في الآخر وإنما قلنا: إن هذا الماء ليس بماء مطلق الاسم والمعنى.
أما من حيث الاسم فلأنه يقال له ((ماء الزعفران)) فيقيد اسمه بالزعفران ولا يطلق إطلاقاً.
وأما من حيث المعنى فلأنه يقصد ويطلب لخلطه لا لعينه وهذا مخيل جداً لأنه إذا طلب ماء الزعفران فصار هو المقصود، وكان الماء الذي هو محله كالتابع له، وصار هذا كماء الورد والمرق، فإنه لما طلب لرائحته صار المقصود، والمرق لما طلب لدسمه كان هو المقصود أيضاً، كذلك هاهنا.
وأما حجتهم:
قالوا: لم يوجد إلا مجرد التغير، وتغير الماء لا يسلب وصف الطهورية منه- كما لو تغير بطول المكث، وكما لو تغير بالطين أو الطحالب أو الورق.
قالوا: وبهذا نعترض على قولكم: إنه ليس بماء مطلق، لأنه مجرد التغير لا يزيل اسم الماء على الإطلاق بدليل ما قدمنا.
وأما قولكم: ((إنه يقال ماء الزعفران)) فمعناه الماء الذي وقع فيه الزعفران وعلى أنه كما يقال: ماء الزعفران يقال: ماء الكبريت وماء البير وماء البحر فتقيد بهذه الأشياء ومع ذلك يجوز التوضئ به.
وقولكم: ((إنه يقصد لخلطه)) فيرد عليه ماء الكبريت، والماء المسخن فإنه يطلب لصفته لا لذاته ومع ذلك كان بمنزلة سائر المياه.
الجزء: 1 - الصفحة: 53
قالوا: وأما ماء الورد والمرق فليس بماء بل هو طيب، وطعام سنة أنه تعمل النار فيه استجد اسماً آخر.
فدل أن الاسم الأول فات منه بخلاف مسألتنا، فإنه مستبق على الاسم الأول غير أنه تقيد بالزعفران ليدل على الواقع فيه، والمخالط إياه مثل ما قدمنا.
وقال بعضهم: لو كان تغيره بالواقع فيه يمنع جواز الوضوء لكان نفس الوقوع مانعاً أيضاً، كالواقع النجس.
الجواب:
أما قولهم: ((لم يوجد إلا مجرد التغير)).
قلنا: عندنا نفس التغير غير مانع من التوضئ به إنما المانع زوال اسم الماء على الإطلاق، ويمكن أن يقال: إن السالب للطهورية تغير مزيل لإسم الماء المطلق.
وقولهم: ((إن هذا ماء مطلق)).
قلنا: كيف يصح هذا واسمه ماء الزعفران لا الماء المجرد، والمعنى المطلوب منه المقصود فيه الزعفران، لا أنه الماء لذاته وعينه على ما سبق.
وقولهم: ((إنه يقال ماء الزعفران أي الماء الذي وقع فيه الزعفران)).
قلنا: فقولوا مثل هذا في ماء الورد وهو أنه الماء الذي أغلى بالورد.
وأما قولهم: ((إن هناك تجدد له اسم آخر)).
قلنا: وهاهنا إذا تفاحش التغير فتجدد له اسم آخر فيسمى المتغير بالزعفران صبغاً وبالزاج حبراً، وعلى أن المانع هو التقييد الذي قلناه.
الجزء: 1 - الصفحة: 54
وقد ذهب الاسم المطلق منه وعرض التقييد، وأما ماء الكبريت وماء الآبار والبحار فهو إضافة له إلى مواضعه، وهذا لا يوجب زوال اسم الماء المطلق منه.
وأما المسخن والأجاج والكدر والعذب فهذه الأشياء صفات الماء المطلق مثل الحسن والقبح والبياض والسواد صفات الآدمي المطلق.
ألا ترى أن الماء في الأصل منوع إلى هذه الأنواع ويوجد على هذه الصفات بخلاف الصفة التي تنازعنا فيها.
وأما التراب والطحلب والورق فهذه الأشياء لا يمكن صون الماء منها على ما عرف فأعرض عن التغير الحاصل بها، أو يقال: يعفى عن التغير بها لعموم البلوى مثل ما يعفى عن دم البراغيث لعموم البلوى.
وقد قيل: إن التراب ليس له مع الماء مخالطة حقيقة، ألا ترى أنه بمضي الزمان ينزل إلى قراره ويصفو الماء الذي هو محله.
وقد قال الأصحاب: إن المخالط للماء على ثلاثة أصناف:
ما هو موافق له في صفتي الطهارة والطهورية كالتراب، ومخالف فيهما كالنجاسة، وموافق في الطهارة مخالف في الطهورية كمواضع الخلاف في مسألتنا، فالمخالف في صفتيه يسلبهما/ والموافق في صفتيه لا يسلبهما، والموافق في إحدى الصفتين دون الأخرى يسلب الصفة المخالفة دون الموافقة والاعتماد على ما سبق.
الجزء: 1 - الصفحة: 55
وقولهم: ((إن بنفس الوقوع لا يزول الطهورية)).
قلنا: لأنه لا يزيل اسم الماء المطلق بخلاف ما إذا تغير، وعلى أنه ينتقض بالماء الكثير والماء الجاري فإن تغيره بالنجاسة يسلب صفة الطهورية بخلاف نفس الوقوع.
والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 56
(مسألة)
لا يجوز التوضئ بنبيذ التمر
عندنا.
وعند أبي حنيفة يجوز التوضئ به على الرواية الظاهرة.
وروى عنه أنه رجع إلى ما قلناه.
وقول أبي يوسف مثل قولنا.
لنا:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
وهذا لم يجد الماء فتيمم، وموضع الاحتجاج إذا عدم الماء ومعه نبيذ التمر.
الجزء: 1 - الصفحة: 57
فإن قالوا: نحمل الآية على عدم الماء والنبيذ.
قلنا: نص الآية اقتضى شرط عدم الماء للنقل إلى التيمم ف حسب فمن ضم إليه عدم النبيذ فقد خالف النص، ولأن عندكم يتيمم لعدم النبيذ لا لعدم الماء.
ألا ترى أنه إذا وجد النبيذ وعدم الماء يتوضأ بالنبيذ، ولأن الطهارة لا تتأدى إلا بطهور والطهور هو الماء بنص الشارع، وقد عرف الشرع الماء، ولا غير فما لا شرع فيه لا طهورية له.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث ابن مسعود المعروف في الباب، قالوا: وأبو فزارة هو راشد بن كيسان العبسي الزاهد، وأبو زيد هو
الجزء: 1 - الصفحة: 58
مولى عمرو بن حريث المخزومي.
والخبر في جامع أبي عيسى، وسنن أبي داود، وغيره.
وقولكم: إن ابن مسعود لم يكن مع النبي عليه السلام ليلة الجن فقد نقل علي بن المديني باثني عشر طريقاً كون ابن مسعود مع النبي عليه السلام.
فقد ورد كونه معه ليلة الجن في خبر الاستنجاء على ما روى أنه قال له تلك الليلة: (ائتني بثلاثة أحجار فأتاه بحجرين وروثة ...)) الخبر.
وهو خبر مشهور معمول به عند الفقهاء، وعلى أنا نقول إنه كان معه ليلة الجن ولم يكن معه عند خطاب الجن فيكون جمعاً ما روينا وبين ما تروون إنه لم يكن معه.
الجزء: 1 - الصفحة: 59
قالوا: وأما الآية التي تعلقتم فنحن نقول: إن نبيذ التمر ماء شرعاً بدليل قوله عليه السلام: ((ثمرة طيبة وماء طهور)) فدخل في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ...﴾.
وقد ورد من طريق عكرمة عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لا يجد الماء)).
ورووا مثل مذهبهم عن علي، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم.
الجواب:
إن خبر ابن مسعود كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة، وقد تضمن نسخه لأنه لما نقل من الماء إلى التراب فقد رفع النقل إلى النبيذ، ولأنه نقل إلى التراب من غير واسطة فيكون رفعاً للواسطة.
فإن قالوا: عندكم لا تنسخ السنة بالكتاب.
قلنا: يجوز على أحد قولي الشافعي رضي الله عنه، وعلى أنه قد وردت أخبار كثيرة من السنة موافقة لما في الكتاب فيكون نسخ السنة بالسنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 60
وقد وافق المحققون من أصحابهم مذهب الشافعي في هذه المسألة، وتركوا قول أبي حنيفة، لأنهم رأوا خبر ابن مسعود زائداً على الكتاب، والزيادة عندهم نسخ، ولا يجوز النسخ عندهم بخبر الواحد.
وقد قال الأصحاب: إن الذي كان مع ابن مسعود لم يكن نبيذاً على الحقيقة، إنما كان ماء نبذ فيه التمر لتزول ملوحة الماء، ليمكن شربه، فإن عامة مياه العرب كان الغالب عليها الملوحة، فكانوا ينبذون فيها التمر لتزول ملوحتها بدليل قوله عليه السلام: ((ثمرة طيبة وماء طهور)).
الجزء: 1 - الصفحة: 61
وأما تسمية ابن مسعود إياه نبيذاً كان على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة.
وعن أبي العالية: ((أتظنونه نبيذكم؟ إنه كان معه ماء نبذ فيه تميرات)).
وهذا جواب حسن، لكن الجواب الأول أحسن.
وأما قولكم: إنه ماء شرعاً.
قلنا: هذا جدل.
وأما قوله عليه السلام ((وماء طهور))، فإن ثبت أن ابن مسعود كان معه النبيذ، فإنما سماه ماءً إخباراً عن أصله، لأنه ماء كما سماه تمراً إخباراً عن أصله لا أنه تمر.
وأما الخبر الثاني:
فهو عن عكرمة كذلك قاله الدارقطني، والإسناد إلى النبي عليه السلام وهم/ فيه المسيب بن واضح، والآثار لا يعرف صحة شيء منها، وعلى الجملة لا يجوز الاعتراض على الكتاب بمثل هذا.
الجزء: 1 - الصفحة: 62
وقد رووا عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا لم يجد أحدكم الماء ووجد نبيذاً فليتوضأ به)).
وعن ابن عباس قال: ((النبيذ وضوء من لم يجد ماء)).
وعن علي رضي الله عنه أنه كان لا يرى بأساً بالوضوء بالنبيذ.
قلنا: أما الخبر الأول رواه مجاعة عن أبان بن أبي عيش عن عكرمة عن ابن عباس، وأبان متروك، ومجاعة ضعيف.
وأما أثر ابن عباس رواه عبد الله بن محرر عن قتادة عن ابن عباس وعبد الله بن محرر متروك.
وأما أثر علي قال الشعبي: الحارث كذاب.
والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 63
(مسألة)
لا يجوز التوضئ والغسل من الجنابة والحيض إلا بالنية.
وعندهم يجوز من غير نية.
لنا:
إن الوضوء طهارة شرعية فيتبع فيها مورد الشرع، والشرع ورد بالوضوء للصلاة بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ الآية، والمعنى: فاغسلوا هذه الأعضاء للصلاة مثل قول القائل: ((إذا جاء الشتا فتأهب)) أي فتأهب للشتاء، و ((إذا لقيت الأسد فاحذر)) أي فاحذر من الأسد، والوضوء للصلاة هو النية التي وقع الخلاف فيها، فإذا توضأ لتعليم الغير أو للتنظيف أو اغتسل للتبرد فلم توجد الطهارة الشرعية، والطهارة بغير طهارة لا تجوز، ونظير
الجزء: 1 - الصفحة: 64
هذا التيمم، فإن التيمم لما كانت طهارة شرعية والشرع أمر به للصلاة لم يكن طهارة في غير مورد الشرع كذلك هاهنا.
فإن قالوا: عندكم لو توضأ لا للصلاة لكن لمس المصحف أو سجود التلاوة يجوز وضوءه.
قلنا: الأصل هو الوضوء للصلاة إلا أن النية ما لا يستباح شرعاً إلا بالوضوء ألحق بالصلاة من حيث المعنى وحصلت الطهارة الشرعية بها، وذلك لمعنى وهو إنه نوى بوضوءه ما لا يستباح شرعاً إلا به فصار كما لو نوى الصلاة، وإنما قلنا إن الوضوء طهارة شرعية لأنه لا تعرف طهارة الأعضاء الأربعة عن الحدث باستعمال الماء إلا شرعاً، يبينه أن عمل الحدث في الأعضاء لما كان محض شرع فكذلك رفعه، وتحصيل الطهارة في محله يكون محض شرع.
وقد قال الأصحاب في هذه المسألة: إن الوضوء عبادة فلا يتأدى إلا بالنية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
والإخلاص عمل القلب وذلك بالنية.
واستدلوا على أنه عبادة بقوله عليه السلام: ((الوضوء شطر الإيمان)).
الجزء: 1 - الصفحة: 65
فإذا كان الإيمان عبادة فشطره عبادة، لأن النبي عليه السلام قال: ((أمتي غر محجلون من آثار الوضوء))، وأثر العبادة يبقى إلى الآخرة، فأما أثر غيرها فلا، والخبران صحيحان، ولأن العبادة فعل يأتي به العبد على جهة التقرب إلى الله تعالى بأمره لثواب الآخرة، وهذا الحد موجود في الوضوء، وإذا ثبت أنه عبادة لم يتصور بغير نية، لأن النية شريطة العبادات فلا يحصل بدون شرطها، وهذه الطريقة وإن كانت حسنة لكن الأولى أحسن وأدل على حقيقة المسألة، وهي داخلة في الطريقة الأولى معنى على ما يتبين من الجواب عن كلامهم.
وأما حجتهم:
تعلقوا بالآية، وزعموا أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء الأربعة فلا يجب شيء سوى الغسل.
يدل عليه أن شرط النية زيادة على الغسل لا يدل عليه ذكر الغسل فيكونه زيادة على النص الوارد في الكتاب، والزيادة على النص نسخ، لأنه يتضمن تغيير حكمه وبيان التغيير في مسألتنا أن نص الآية اقتضى إطلاق الصلاة عند غسل الأعضاء الأربعة، فإن تقدير الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وصلوا، كما يقال: إذا دخلت على الأمر تلبس وتطيب، أي افعل ذلك وادخل عليه.
وعند شرط النية يتغير هذه الحكم لأنه لا يطلق له الصلاة لما لم ينو.
الجزء: 1 - الصفحة: 66
وهذا أمر وراء الغسل الذي ورد به نص الكتاب فيكون إثباتاً بتغير حكم الكتاب على ما سبق.
وأما من حيث المعنى قالوا: الطهارة شرط الصلاة، والوضوء وجب بحصول الطهارة وقد حصلت الطهارة/ وإن لم ينو فسقط عنه الأمر بالوضوء كما لو توضأ مرة سقط عنه فعله مرة أخرى.
والدليل على حصول الطهارة وإن لم ينو أن الله تعالى خلق الماء طهوراً كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أي خلقنا.
والطهور اسم لما يحصل به الطهارة كالقطوع اسم لم يحصل به القطع فإذا استعمله في الأعضاء طهرها، لأنه عمل له بذاته وعينه ولا يتبدل ذلك لقصد المستعمل وعدم قصده، وصار هذا نظير إزالة النجاسة فإن استعمال الماء في المحل النجس أوجب تطهير المحل سواء قصده أو لم يقصده.
ونظيره من الحسيات الماء المروي إذا شربه الإنسان روى بذاته لا بقصد الشارب والطعام المشبع إذا أكله حصل الشبع بذاته لا بقصده قالوا: فإن قلتم هذا الكلام صحيح في الحسيات، فأما في الحكميات فلا، والطهارة في مسألتنا طهارة حكمية لا حسية.
فنقول: إن طهارة المحل باستعمال الطهور في محل النجاسة أمر حقيقي بحصول الري بشرب الماء.
فإن قلتم: ((لا نجاسة في أعضاء الوضوء)).
الجزء: 1 - الصفحة: 67
نقول: هي في حكم النجس إلا أن النجاسة عرفت شرعاً، فإن النجاسة في حق الصلاة ما يمنع من الصلاة، وإذا كانت الأعضاء نجسة حكماً فما يرجع إلى الصلاة صار الزوال إلى الطهارة باستعمال الطهور عملاً لذات الماء وحكماً له خلقة وطبعاً.
قالوا: وإنما لم يجز الوضوء بغير الماء (لأن الخل طهور لا لعينه، فإن الله تعالى لم يخلقه طهوراً بل هو طهور لمعناه، وهو إزالة عين النجاسة ولم يثبت ذلك في أعضاء المحدث)، فلم يكن طهوراً في حقه لهذا المعنى.
قالوا: وعلى هذا نسلم أن الوضوء عبادة لكن ليست مقصودة لعينها بل المقصود منه التمكن من الصلاة لحصول الطهارة فإذا حصلت الطهارة بأي وجه كان سقط، كالسعي إلى الجمعة يسقط بسعي لا للجمعة، بأن يكون لطلب غريم أو لقاء إنسان، لأن المقصود منه التمكن من الجمعة بالحصول في المسجد فعلى أي وجه حصل سقط الأمر، كذلك هاهنا.
وحرفهم في هذا أن العبادة متى لم تكن مقصودة سقط بحصول المقصود دون العبادة كالسعي إلى الجمعة والجهاد وغير ذلك.
قالوا: ((وإذا عرفت هذا ظهر الفرق بين الوضوء والتيمم، فإن التراب ما خلق طهوراً ليطهر أعضاء المحدث بطبعه، وكان القياس أن لا يحصل بالتراب الطهارة وإن نوى إلا أن الشرع جعل التراب طهوراً للصلاة إذا عدم الماء فما لم يرد الصلاة عند المسح لا يكون التراب طهوراً، كما لم يعدم الماء، وإذا لم يصر طهوراً لم يفد استعماله طهارة، وإذا أراد الصلاة فالآن صار التراب طهوراً ثم الطهارة تحصل باستعماله بغير نية الطهارة،
الجزء: 1 - الصفحة: 68
فصارت الطهارتان غير معتبرتين في حق النية بل الماء والتراب افترقا في صفة الطهورية فالماء طهور بنفسه، والتراب طهور بشرط إرادة الصلاة)).
قالوا: وأما تعلقكم بالآية فلا معنى له، لأن الآية قوله تعالى: ﴿فاغْسِلُوا﴾ أي فاغسلوا لتحصل لكم الطهارة وتتمكنوا من أداء الصلاة وقد حصلت الطهارة الممكنة من أداء الصلاة وإن لم يتوضأ للصلاة فهذا مجموع كلامهم تحقيقاً ذكرناه على الاختصار.
الجواب:
أما التعلق بالآية فقد بينا أنها دليل عليهم.
وأما قولهم: ((إن الآية لا تقتضي إلا الغسل)).
قلنا: قد ذكرنا أن مقتضى الآية غسل الأعضاء للصلاة، وهذا هو معنى النية.
وأما قولهم: ((إن شرط النية زيادة على نص الكتاب، والزيادة نسخ)).
قلنا: قد ذكرنا أن بالكتاب عرفنا شرط النية، وعلى أن النسخ هو تغيير الحكم، وحكم الآية غسل الأعضاء الأربعة، وليس في الآية تعرض النية لا بنفي ولا بإيجاب، فإيجابها لا يكون تغييراً لحكم الآية، لأن حكم الآية على ما كان من قبل، وإنما القياس دليل آخر تعرض لشيء لم يتعرض له الكتاب أصلاً فلم يكن تغييراً لحكم الكتاب.
وقولهم: ((إن الآية اقتضت إطلاق الصلاة بغسل الأعضاء الأربعة)).
الجزء: 1 - الصفحة: 69
قلنا: ذلك عند عدم الدليل على وجوب شرط زائد من نية أو ترتيب أو غير ذلك، فأما مع قيام الدليل على النية أو الترتيب فلا، وقد قام الدليل لنا على/ النية وغير ذلك من الشرائط، وبهذا نقول: إن إيجاب طهارة البدن والثوب والغسل من الحيض وغير ذلك لا يكون نسخاً بل هو ضم شريطة إلى شريطة، كذلك هاهنا.
وأما المعنى الذي قالوه فضعيف جداً، لأن عمدتهم هو أن الطهارة قد حصلت بدون النية ولا نسلم ذلك وهل وقع النزاع إلا في هذا.
فأما قولهم: ((إن الماء طهور بذاته وعينه)).
قلنا: هذا الأصل لا يمكن القول به في الطهارة عن النجاسة، لأنها طهارة حسية والماء مطهر للمحال من حيث الحس.
فأما الطهارة عن الحدث فلا يمكن إثباتها بهذا الطريق بحال، لأنها طهارة حكمية، ومعنى قولنا: ((طهارة حكمية)) أنها إثبات طهارة في محل شرعاً لا يعقل له معنى سوى التعبد.
والحرف إن الماء طهور حساً، والواجب طهارة حكماً، فكونه طهوراً حساً لا يفيد الطهارة الحكمية، نعم يجوز أن يقال: يفيد الطهارة الحسية فلا جرم نقول لا تعتبر النية في الطهارة عن النجاسة للمعنى الذي قالوه.
فأما الطهارة الحكمية فلا تثبت إلا بالشرع، لأن الأحكام لا تثبت إلا شرعاً ولا تنفى إلا شرعاً، والشرع ورد بالوضوء للصلاة على ما سبق فلا تثبت الطهارة في غير هذا الموضع، ويمكن أن يقال: إن محز الكلام في المسألة هو (إن الطهارة باستعمال الماء يحكم إنه عبادة أم بنفس الماء، فعندنا باستعمال الماء يحكم إنه عبادة، وعندكم بنفس الماء وطبعه، فنقول ما قلناه أولاً، لأنه لا نجاسة بالأعضاء حتى يزيلها الماء بطبعه)
الجزء: 1 - الصفحة: 70
فكان ثبوت الطهارة لإقامته عبادة باستعمال الماء وإقامته العبادة باستعمال الماء هو نيته وإرادته فإذا لم توجد لم يكن عبادة، وإذا لم يكن عبادة لم تحصل الطهارة.
وقولهم: إن ((أعضاء المحدث نجسة حكماً)).
قلنا: ((إنه مانع من الصلاة)).
قلنا: بلى ولكن من حيث الحدث لا من حيث النجس، والمانع من الصلاة يكونه من وجهين: حدثاً تارة، ونجاسة أخرى، والطهارة من كل واحد غير الطهارة من الآخر، والدليل على المغاير بين الحدث وبين النجاسة أن قليل النجاسة معفو عنها ولا يعفى عن قليل الحدث، ولأن المسح يدخل في طهارة الحدث ولا مدخل له في طهارة النجاسة بحال.
وأما السعي إلى الجمعة فمعنى حسي فإذا حصل في مكان الجمعة سقط السعي عنه، لأنه لا معنى في إيجاب السعي إلى الجمعة عليه وهو حاضر في مكانها وعند إقامتها.
وأما في مسألتنا فقد بينا أن الطهارة حكمية فلا تثبت إلا بدليل الشرع وقد انتفى طريق الشرع عند عدم النية فانتفت الطهارة.
وفي المسألة كلام كثير للمشايخ تركناه واقتصرنا على هذا.
وخرج بعض أصحابنا إزالة النجاسة على قولنا: إن الوضوء عبادة.
وقال: إن إزالة النجاسة إنما هو تنزه وتنظف وذلك محض مرؤة.
وربما يقولون: طريقها طريق التروك، لا طريق العبادات، ويدخل عليه الصوم، والاعتماد على ما سبق من التخريج، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 71
(مسألة)
الترتيب واجب في الوضوء
عندنا.
وعندهم ليس بواجب.
لنا:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...﴾ ... الآية.
وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ شرط، وقوله: ﴿فاغْسِلُوا﴾ في موضع الجزاء ولا يجوز إدخال فاصل بين الشرط والجزاء، وعندكم إذا قدم غسل اليدين على الوجه يجوز، وفيه إدخال فاصل فيكون خلاف الآية، يدل عليه أنه تعالى أدخل المسموح- وهو الرأس- في خلال المغسولات، والعرب لا تخرج في الكلام من جنس إلى جنس حتى .... الجنس الأول لا تقول: اضرب زيداً وأكرم جعفراً واضرب عمراً، ولكن تقول: اضرب زيداً
الجزء: 1 - الصفحة: 72
وعمراً وأكرم جعفراً، فلما خرج من الغسل إلى المسح ثم عاد إلى ذكر الغسل في الرجل علمنا أن ذلك لوجوب الترتيب.
وأما حجتهم:
احتجوا من الآية قالوا: إن الواو للعطف وقد أمر الله تعالى بأفعال عند القيام للصلاة (وعطف بعضها على بعض بالواو العاطفة موجب الواو في اللغة شركة المعطوف عليه في خبره شركة مطلقة غير مقيدة بصفة الترتيب أو/ القرآن أو التفريق فإنك إذا قلت: جاء زيد وعمرو، كنت مخبراً عن مجيئهما مطلقاً) غير مقيد بصفة مما ذكرناه وصار حقيقة الكلام الخبر عن مجيئهما فحسب (بلا إخبار عن كيفيته، كذلك في مسألتنا كان مقتضى الآية وجوب غسل هذه الأعضاء بلا كيفية فالتقييد بوصف يكون زيادة على كتاب الله وذلك يجرى مجرى النسخ.
والدليل على أن الواو لا تقتضى) إلا ما ذكرنا أنك إذا قلت: جاء زيد وعمرو يحسن السؤال من السامع عن كيفية المجيء من ترتيب أو مقارنة، ولو كان يقتضى كيفية بلفظه لم يحسن السؤال عنهما، كما لا يحسن السؤال عن أصل المجيء بعد خبره عن المجيء، وهذا لأن (الحروف لم توضع في الأصل إلا لفائدة جديدة كالأساسي فللقرآن كلمة ((مع))، وللترتيب بلا فصل كلمة ((الفاء))، وللترتيب المتراخي كلمة ((ثم))، فلا تحمل الواو على فائدة من حروف آخر إذا أمكن حملها على فائدة جديدة، وقد أمكن، وهو إيجاب أصل الشركة بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر بلا صفة ليكون سائر الكلمات لبيان أوصاف الشركة فتجرى الواو منها مجرى اسم الذات من الأوصاف وإذا كان كذلك)، بطل قول من قال من أصحابهم:
الجزء: 1 - الصفحة: 73
إن الواو تحتمل الجمع والترتيب والقرآن، فيصير ذلك بمنزلة المجمل فيتعرف بيانه بالسنة وقد توضأ النبي عليه السلام مرتباً، لأن الواو إذا كان للفائدة التي قلناها وسائر الحروف للفوائد الآخر على ما سبق، لم يكن اللفظ مجملاً بل كان ظاهراً في معناه الموضوع له.
قالوا: وقولكم: (إن الله تعالى جعل غسل الوجه جزاء الشرط فليس كذلك، لأن الجمل إذا عطف بعضه على بعض تصير جملة واحدة ولا تحصل مفصلة لقرب بعضها من الشرط وبعد الآخر.
ألا ترى أن من قال لغلامه: إذا جاء الغد فاشتر لي بدرهم لحماً وبدرهم خبزاً وأعتق عبدي، فجاء الغد واشترى الخبر قبل اللحم أو أعتق العبد قبل كل شيء أجزأه، وإنما يتعلق إطلاق الفعل بمجيء الغد لا ما دخل تحت الإطلاق، فكذلك هاهنا يجب الوضوء بالقيام إلى الصلاة.
وأما الأعضاء المغسولة فلا تعلق لها بالقيام بحكم القرب فصار الجزاء هاهنا هو الوضوء لا ما دخل تحت الوضوء، وصار الجزاء هناك الوكالة لا ما دخل تحت الوكالة).
قالوا: وأما إدخال المسح بين المغسولات فليس يدل على الترتيب، بلى يقال قد أدخل لفائدة لولاها لكان ضم المغسول إلى المغسول أولى لاجتماعهما في الوظيفة وقد أدخل عندنا لفائدة وهي أن الترتيب سنة والكمال يتعلق بذلك ونحن نقول به.
الجزء: 1 - الصفحة: 74
قالوا: ولا وجه لاستعمال القياس في المسألة، لأن الوضوء عبادة وشروط العبادات وأركانها لا تثبت قياساً، ولا تنفي قياساً كأعداد الركعات ومقادير الزكوات والكفارات وغيرها، ولكننا نتكلم من حيث التأصيل، فإن الوضوء أصل ثابت بكتاب الله تعالى ومن طريق لا شبهه فيه، فلا يمكننا أن نزيد عليه شيئاً، ونجعله منه إلا من طريق يثبت أصله، وشرط العبادة بمنزلة ركنها فلا يثبت إلا بما يثبت به ركنها.
قالوا: وإنما تخريجاً لهذه المسالة على الطريقة التي ذكروها في المسألة أن الماء طهور بنفسه فإذا استعمل في الأعضاء حصلت الطهارة بنفس الاستعمال سواء رتب أو لم يرتب، وإذا حصلت الطهارة، والوضوء وجب لتحصيل الطهارة فلا يبقى إلا من بعد حصولها.
الجواب:
أما التعليق بالآية بالوجه الذي قلنا فصحيح، وذلك لأن الله تعالى علق غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة بكلمة ((الفاء)) فتمنع تخلل فاصل بينهما من غسل عضو آخر، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر.
وقولهم على هذا أن الجمع بمنزلة الجملة الواحدة، والتعليق بالقيام في أصل الوضوء لا فيما يشتمل عليه الوضوء، ولنا: جعل الجمل بمنزلة الجملة الواحدة لابد فيها من دليل قطعي.
وأما قولهم: إنما يتعلق بالقيام ما علقه الشرع بالقيام، وقد علق به غسل الوجه فيتعلق به تعلق الجزاء بالشرط/ فبطل إدخال الفاصل من غسل عضو آخر.
الجزء: 1 - الصفحة: 75
وأما الذي تعلقنا به من الاستدلال بإدخال الممسوح بين المغسولات فاستدلال صحيح على ما سبق بيانه.
وقولهم على ((هذا إنه لبيان فائدة السنة)).
قلنا: الآية في الوضوء وردت لبيان الواجب لا لبيان السنة فلا يجوز صرف ما دل عليه الآية ما لم يرد به الآية.
وأما الذي تكلموا على أن ((الواو)) ليس للترتيب.
فاعلم أن كثيرا من أصحابنا زعم أن الواو للترتيب، ونحن لا ندعي ذلك ولا دليل عليه من حيث اللغة، ولكن استدلالنا بالآية على الوجه الذي قلناه استدلال حسن.
وقد استدل الأصحاب في المسألة بقوله عليه السلام: ((نبدأ بما بدأ الله به))، وربما رووا قولاً عن النبي عليه السلام: ((ابدؤا بما بدأ الله به)).
وفي القول نظر، أما الأول فمشهور، وهو وإن ورد في البداية بالصفا على المروة لكن العبرة بعموم اللفظ.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
وقد قال المخالف: ((نحن نقول بالخبر فإنا نبدأ بما بدأ الله به سنة)).
ونحن نقول إن الأمر على الوجوب هذا في قوله: ((ابدؤا بما بدأ الله به)).
وأما الذي رووا: ((نبدأ بما بدأ الله)) فهو أيضاً في معنى الأمر، لأنه عليه السلام فعل ذلك ليقتدي به فكأنه قال: اقتدوا بي، فيكون ظاهره للإيجاب.
واستدل الأصحاب بالحديث المشهور وهو قوله عليه السلام: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه))، والخبر الذي يروون من رواية الربيع بنت معوذ أن النبي عليه السلام ((مسح برأسه بعد غسل رجليه)) فلا يثبتها أصحاب الحديث والرجوع إليهم في هذه الصيغة.
والأولى أن يعتمد في المسألة فيقال: الوضوء عبادة غير معقول المعنى وطريقها الإتباع المحض، وقد ورد الكتاب والسنة بالوضوء لنلتزمه حداً وفعلاً فوجب أن يلتزم على ما ورد، ولم يرد الشرع بالوضوء إلا مرتباً وهو المنقول عن صاحب الشرع فنلتزم على ما نقل، ولا نحكم عليه المعقول والقياس بوجه ما، وهو كالركعات في الصلاة وورودها على ترتيب مخصوص فإنه يلتزم على ما ورد من غير أن يحكم عليه قياس ومعقول كذلك هاهنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 77
وقد تعلق المخالف بتقديم الشمال على اليمين وبتقديم الرجل في غسل الجنابة على الرأس.
الجواب:
إن اليمين والشمال في الوضوء كعوض واحد.
ألا ترى أنهما في الكتاب بلفظ واحد، وكذا في الرجلين، ولأن الوضوء بالإجماع مشتمل على أربعة أعضاء لا على ستة.
فإن قالوا: أليس يجوز نقل الماء من أحد اليدين إلى الأخرى؟.
قلنا: إنما كان كذلك، لأنه إذا انفصل من إحدى اليدين فقد صار مستعملاً واستعمال الماء المستعمل لا يجوز.
وأما الغسل من الجنابة فإنما لم يجب فيه الترتيب، لأن جميع البدن فيه بمنزلة العضو الواحد.
فإن قالوا: ما تقولون فيما لو كان عليه الوضوء فاغتسل بدل الوضوء وبدأ بغسل الرجل.
قلنا: يجوز أن يقال لا يجوز، وإن قلنا بالجواز فلأنه إذا اغتسل بدل الوضوء صار الحكم للغسل.
فإن قالوا: ما قولكم فيما إذا انغمس المحدث في الماء غمسة؟.
قلنا: لا يجوز ما لم يمكث مكثة حتى تترتب الأعضاء والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 78
(مسألة)
الثلاث سنة في مسح الرأس
عندنا.
وعندهم السنة أن يمسح برأسه مرة واحدة بماء واحد.
لنا:
حديث أبي بن كعب أن النبي عليه السلام توضأ مرة مرة، وقال: ((هذا وضوء من يعطيه الله كفلين من الأجر))، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)).
الجزء: 1 - الصفحة: 79
وقوله: ((توضأ)) ينصرف إلى المسح والغسل فكذلك قوله: ((مرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً)) ينصرف إليهما.
وروى مثله ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من توضأ فمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً غفر الله له ما بين الوضوئين)).
وأما من قال: إنه يمسح مرة واحدة أفتوا بحديث عثمان رضي الله عنه أنه توضأ ومسح برأسه مرة، وقال: هكذا توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وكذلك توضأ علي رضي الله عنه ومسح برأسه مرة، وقال: ((من/ سره أن ينظر على وضوء رسول الله فهذا وضوءه)).
الجزء: 1 - الصفحة: 80
قالوا: وقد ثبت أن النبي عليه السلام توضأ ومسح برأسه مرة وهو مذكور في الصحيحين.
ورواه معاذ، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمرو، وجماعة.
فالرسول عليه السلام قدوة فيتبع في فعله ولا يعدل عنه.
الجواب:
إن الروايات عن عثمان وعلي متعارضة.
روى حمران وغيره عن عثمان أنه مسح ثلاثاً.
وكذلك رواه عبد خير عن علي، وعلى أن نهاية ما في الباب ثبوت ما قالوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أن الزائد من الروايات أولى.
الجزء: 1 - الصفحة: 81
وقد روي أنه عليه السلام: ((توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل اليدين مرتين مرتين)).
وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى، فالمعتمد هو التعليق بالمغسول من الأعضاء، وهو قياس صحيح شبهاً ومعنى.
أما الشبه: فلأن كل واحد أصل بنفسه في الوضوء، لأن المسح أحد قسمي الوضوء كالغسل أحد قسميه.
وأما المعنى: فلأن الوضوء طهارة حكمية، والغسل والمسح واحد في الطهارة الحكمية إلا أن الغسل له زيادة على المسح من حيث الحس، فأما من حيث الحكم فهما واحد، وقد شرع التكرار في أحدهما لتكميله، وليشرع في الآخر على ما شرع في قرينه، وذلك لتحصل زيادة في الطهارة بمثل فعل الأول في محل الأول، يبينه أن الطهارة تكون بمطهر فلابد من تجديد مطهر ليزداد الطهارة، وذلك يكون بماء جديد بفعل جديد مثل الغسل سواء.
وهذا معنى في غاية الوضوح فليعتمد عليه.
أما حجتهم:
من حيث المعنى قالوا: طهارة مسح فلا يسن فيها التكرار كالمسح على الخف والتيمم، وفقه ذلك وهو إنه لما كان طهارة مسح فقد بنى على الخفة فإذا خف ماء حتى اكتفى فيه بالبلل دون الماء السيال، وخف محلاً حتى اكتفى فيه ببعض المحل، فوجب أن يخف فعلاً حتى يكتفي فيه بالمرة الواحدة.
قالوا: وليس كالاستنجاء، لأنه في الأصل طهارة غسل، وإنما يجوز
الجزء: 1 - الصفحة: 82
فيه التمسح بالأحجار رخصة، ألا ترى أنه لو غسل بالماء يكون أفضل بخلاف مسألتنا.
ولهذا يكره العدول في الرأس من المسح إلى الغسل، وإذا كان الأصل هناك هو الغسل، والمبالغة بالتكرار في الغسل مشروع، لأنه مبني على الاستقصاء، والتكرار نوع مبالغة فيليق أن يكون مشروعاً معه إلا أن الرخصة وردت في استعمال الحجر مكان الماء لنوع ضرورة وحاجة فبقى التكرار المشروع في أصل الغسل مشروعاً فيه بخلاف مسألتنا.
فإن المسح أصل في الوضوء بني على الخفة فيوفر عليه مقتضى الخفة من كل وجه.
قالوا: وأما التكميل المشروع في الوضوء فقد حصل في المسح بالاستيعاب، لأن التكميل في الغسل باستعمال طهور في محل الفرض، وقد وجد هذا المعنى في مسألتنا بالاستيعاب، لأن البلة على اليد طهور.
ألا ترى كيف يستوعب به الرأس، ويجوز وقد استعمالها في محل الفرض.
لأن جميع الرأس محل الفرض فصار هذا مثل استعملها ماء جديد في الوضوء ثانياً وثالثاً إلا أن هناك لابد من ماء جديد ليكون طهوراً، لأن الماء المنفصل على العضو مستعمل، والبلة على اليد لا يحصل به الغسل فصارت البلة هاهنا كالماء الجديد هناك، وصار مسح باقي الرأس هنا بمنزلة تضعيف غسل الوجه، لأن الفرض يستوعب الوجه فلم يمكن تكميله بالاستيعاب فعدل إلى التضعيف.
قالوا: ومن تأمل في هذا فقد عرف أن الصورتين استويا معنى واختلفا اسماً ولقباً ولا عبرة بالأسامي والألقاب من ذكر تكرار وتثليث وإنما العبرة بالمعاني.
الجزء: 1 - الصفحة: 83
قالوا: ولأن الزيادة إنما تشرع إذا لم يعد بنقص على المزيد عليه، والزيادة في الغسل بالتكرار لا تعود بنقص في المزيد عليه، لأن الغسل والتكرار مرات فجميعه غسل، وأما في المسح فلاناً إذا شرعنا فيه التكرار عاد بنقص على أصله، لأن المسح إذا كرر يخرج عن كونه مسحاً ويلتحق بالغسل فيصير غيره، وإذا صار غيره عاد بالنقص على المزيد عليه فلم يشرع.
يبينه أن النقاوة مطلوبة/ في الغسل والتكرار يزيد في النقاوة، وأما في المسح فلا يطلب إلا مجرد إيصال البلة وبالتكرار لا يزداد هذا المعنى فكأن الثاني هو الأول فلا معنى لفعله واقتصر على مرة واحدة وهذا نهاية تحقيقهم.
الجواب:
أما قولهم: ((إن المسح مبني على الخفة)).
قلنا: هذا لمقابلته بالغسل، فقولوا على هذا أن الوضوء مبني على الخفة عند مقابلته بالغسل فوجب أن لا يشرع فيه التكرار، فيكون التكرار مشروعاً في الغسل خاصة، وعلى أنه إن بنى على الخفة فقد شرعنا تكميلاً لا نقاء به وهو تكراره مسحاً، وهذا مثل الاستيعاب عندهم، فإنه مشروع ولا يقال: إنه بنى على الخفة فلا يشرع فيه الاستيعاب، ولكن قيل: قد شرع فيه الاستيعاب بالمسح فلم يناف الخفة، كذلك نحن شرعنا التكرار بالمسح فلم يناف الخفة.
وأما كلامه الثاني:
قلنا: التكميل المطلوب لا يحصل بالاستيعاب، لأن التكميل المطلوب زيادة طهارة على الطهارة المفروضة وإذا استوعب فالكل فرض.
الجزء: 1 - الصفحة: 84
ولا نقول: إن بعضه فرض وبعضه نفل، وإن كان لو اقتصر على البعض جاز وهو مثل ما لو أطال القيام، فإن الكل فرض، ولا يقال: إن بعضه نفل وبعضه فرض وإن كان لو اقتصر على مقدار قراءة الفاتحة جاز، ويمكن أن يقال أيضاً على تسليمنا أن البعض فرض والبعض نفل: أن التكميل بزيادة طهارة في محل الفرض، وإذا مسح بعض رأسه فالباقي ليس بمحل الفرض في هذه الطهارة، بل إن كان محل الفرض فهو محل الفرض في طهارة أخرى فلم يحصل التكميل المطلوب على حد التكميل بالغسل إلا بالتكرار، ويقال أيضاً: إن تكميل الطهارة بزيادة الطهارة وزيادة الطهارة بطهور فأين الطهور؟
وقولهم: ((إن البلة التي على اليد طهور)).
قلنا: هو طهور في الأصل لا في التكميل.
ألا ترى أن إنساناً آخر لو أخذ من تلك البلة واستعمله في رأسه للمسح لا يجوز.
وأما الاستيعاب بالبلة فهو ملحق بالأصل، يبينه أن الاستيعاب تكميل محل المسح فكأن الشرع سن تكميل المحل بالاستيعاب وسن تكميل المسح بالتكرار ليلتحق بالغسل من كل وجه.
وأما قولهم: ((إن الزيادة على المسح بالتكرار يعود بالنقص على الأصل)).
فليس كذلك، لأن المسح وإن كرر مسحاً مثل الغسل سواء.
ولهذا لا ينوب عن غسل الوجه، ولهذا لو حلف أن لا يغسل وجهه فمسح مرات لا يحنث، وهذا لأنه تكرار شيء فلا يصير غير ذلك الشيء مثل التكرار في سائر الأشياء لا يصير غيره، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
(مسألة)
المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء ولا في الغسل
عندنا.
وعندهم يجبان في الغسل.
لنا:
إنهما عضوان باطنان فلا تتعلق بهما الجنابة.
دليلة سائر البواطن، وهذا لأن الغسل يتعلق بالظواهر لا بالبواطن ومعنى قولنا: إنه باطن ((أي باطن في أصل الخلقة))، فإن الإنسان يخلق منطبق الفم، وإنما يفتحه لحاجة الكلام، والأكل، وداخل الأنف باطن أيضاً، لأن قصبة الأنفة حائل بينه وبين الإبصار، ولهذا يقال: داخل الفم والأنف، والداخل والباطن في المعنى واحد.
يبينه أن الظاهر ما يظهر
الجزء: 1 - الصفحة: 86
للأبصار والباطن ما يبطن عن الأبصار، ومعلوم قطعاً أن داخل الفم والأنف غير ظاهرين للأبصار.
دل أنهما باطنان، ونستدل بالوضوء فنقول: الفم والأنف عضوان مركبان في الوجه، وغسل الوجه واجب بنص القرآن فلو كانا محلى وجوب الطهارة بالحدث لكان أولى موضع بذلك ثم نبني عليه الغسل من الجنابة وغيره، فلما لم يجب غسلهما في الوضوء علمنا أن المعنى المسقط ما ذكرناه من بطونهما، وهذا المعنى موجود في الغسل فسقط فيه أيضاً.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾، ومعناه: طهروا أبدانكم، والبدن اسم لجملة صورة لإنسان ظاهراً وباطناً فكل ما هو من البدن طاهر أو نجس يجب تطهيره بإيصال الماء إليه بحاكم ظاهر الآية إلا أن يعجز عنه فيسقط حينئذ بالعجز، وداخل الفم والأنف يمكن الوصول إليهما فيجب تطهيرهما/ بظاهر الآية.
وقالوا على ذلك موضع من البدن يتيسر الوصول إلى تطهيره فيلحقه حكم الجنابة.
دليله سائر المواضع.
قالوا: وقولكم ((باطن)) هو باطن من وجه ظاهر من وجه.
ألا ترى أنه يفتح فمه فيظهر داخل فمه كأنه وجه ويطبق فمه فيسقط كأنه جوف.
ولأنه فيما بينه وبين الظاهر ظاهر.
ألا ترى أن الصائم لو وضع شيئاً في فمه لا يفطر، وفيما بينه وبين الباطن باطن، ألا ترى أن الصائم لو ازدرد ريقه لم يفطر فدل أنه ظاهر من وجه باطن من وجه، وأمر الطهارة يحتاط فيها فما بنى فيها على العموم
الجزء: 1 - الصفحة: 87
والشمول تعلق به، ووجب غسله احتياطاً له بخلاف الوضوء، فإنه لم يبن على العموم والشمول بل إنما يتعلق بمواضع مخصوصة من بدنه فإذا كان باطناً من وجه سقط عنه.
ولهذا يسقط إيصال الماء إلى باطن اللحية في الوضوء، لأنه باطن من وجه ووجب في الغسل لأنه ظاهر من وجه، وكذلك داخل الخف.
وأما الوضوء واجب خاص، فإذا كان باطناً من وجه خرج عن خصوصه ولم يتعلق إلا بما هو ظاهر من كل وجه.
وتعلقوا بالطهارة من النجاسة فإنها تتعلق بداخل الفم والأنف للمعنى الذي بينا من عموم محلها فكذلك في مسألتنا.
قالوا: ويتبين بهذا فساد تعلقكم بكونه باطناً، فإن الطهارة من الحدث كما لا تتعلق بالبواطن، كذلك الطهارة من النجاسة لا تتعلق بالبواطن، فدل أن المعتبر في الطهارة التي تعم محلها كون المحل ظاهراً من وجه فحسب قالوا: وأما غسل وجه الميت فإنما يسقط المضمضة والاستنشاق في حقه لعذر.
والواجبات تسقط بالأعذار، والعذر هو العجز الغالب، فإن الميت تنغلق مفاتحه بالموت فيشق عليه إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه وربما يؤدي التكلف لذلك إلى المثلة بالميت، ولهذا لا يسن أيضاً.
وأما هاهنا لا عذر في الترك، ولهذا يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين عندكم.
قالوا: وكذلك داخل العين يسن إيصال الماء إليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 88
وقيل: إن من دوام على ذلك يعمى، ونقل أن ابن عمر رضي الله عنه عمى من كثرة إدخال الماء في العين.
الجواب:
أما الآية قلنا: معنى الآية: فاطهروا أي فاغسلوا والاغتسال قد وجد، وإن ترك المضمضة والاستنشاق، لأن الاغتسال هو فعل يسمى اغتسالاً وقد فعله.
فإن قالوا: إذا ترك المضمضة يسمى مغتسلاً أيضاً، وإن كان لا يسقط الواجب عنه.
قلنا: كان ترك الاعتداد به لقيام الدليل، وعلى إنه كان المراد ما ذكروا فتقديره: طهروا أبدانكم ما ظهر منها، لأن هذا التطهير يكون بالاغتسال والاغتسال هو إفاضة الماء على ظاهر بدنه.
وقال النبي عليه السلام: ((أما إني أفيض على رأسي وجسدي فإذا أنا قد طهرت)) وهذا كلام معتمد.
فأما قولهم: ((إنه باطن من وجه ظاهر من وجه)).
قلنا: هو باطن في أصل الخلقة على ما سبق، والمعتبر أصل الخلقة.
ألا ترى أن داخل اللحية باطن بكل وجه لا يظهر بحال لكن لما كان ظاهراً في الخلقة تعلق به حكم الجنابة.
الجزء: 1 - الصفحة: 89
فأما في الوضوء إنما يسقط إيصال الماء إليه إذا كانت لحيته كثيفة لأن الوضوء واجب متكرر، وفي إيصال الماء إليه نوع عسر ومشقة فسقط لدفع الحرج.
وأما الجنابة تندر فلم يشق إيصال الماء إليه فاعتبر كونه ظاهراً في أصل الخلقة فوجب إيصال الماء إليه، وهاهنا لا ظهور في أصل الخلقة فالتحق بسائر البواطن ولم ينظر فيه إلى التيسر في الحدثين؟
قلنا: أليس يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين؟
قلنا: إنما يسقط الوجوب لأنهما باطنان في أصل الخلقة، ولما كانا يظهران للأبصار في بعض الأحوال يسن إيصال الماء إليهما فأخذ في صفة الواجبية بأغلب المعنيين وأرجحهما، وأخذ في صفة السنة التي أدنى الرتبتين بأدنى المعنيين وأضعفهما .... ولا انفصال لهم عن الوضوء بما ذكروه من خصوصه وعموم الغسل لأنه وإن كان خاصاً فهو عام في جميع الوجه وهذا من أجزاء الوجه ويدخل/ على العموم الذي اعتمدوا عليه، فصل غسل الميت والذي اعتذروا به ضعيف، لأنه ينافي أن يجب بقدر الممكن أو يجب في داخل الأنف، لأنه لا مشقة في إيصال الماء إليه، وأما فصل الطهارة من النجاسة وعلم أن الكلام إذا رجع إلى الاعتبار والتعلق بالمثال، وأولى المثالين الوضوء لتحلق به الجنابة لأنهما طهارتان عن حدث.
ولأن كل واحد طهارة حكمية غير معقول المعنى، والطهارة عن النجاسة طهارة حسية، والحكميات بعيد الشبه عن الحسيات، وإنما يعتبر في الحسي نفس الوصول إلى موضع تصل إليه اليد بدليل أصل الفم وداخل
الجزء: 1 - الصفحة: 90
العين فإنه إذا اكتحل بإثمد نجس يجب غسل عينه حتى لو كان بموضع آخر من بدنه نجاسة، فإذا ضم إليه زاد على قدر الدرهم لا تجوز صلاته.
وكذلك المبالغة تسقط في الوضوء والجنابة ويجب غسل أصل الفم وأعلى الحلق إذا أصابته نجاسة، فدل أنهما مختلفان في الاعتبار ووضع الشرع فسقط تمثيل أحدهما بالآخر والله تعالى أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 91
(مسألة)
يجب الوضوء من الملامسة الحاصلة بين الرجال والنساء
عندنا.
وعندهم لا يجب.
والمعتمد نص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللمس باليد حقيقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾، وأراد به اللمس باليد، ويدل عليه قول الشاعر:
الجزء: 1 - الصفحة: 92
لمست بكفي كفه أبتغى الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي
فنحن على الحقيقة حتى يقوم دليل قاطع على خلافه، وقد أيد هذا ما روى عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر إنهم ذهبوا إلى أن اللمس حدث تمسكاً بحقيقة الآية، وأما هم حملوا الآية على الوطء، قالوا: إن اللمس كناية عن الوطء، ويروون عن ابن عباس أنه قال: إن الله حيي كريم يكنى بالحسن عن القبيح فكني باللمس عن الوطء.
قالوا: وهو مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، و ((تماسوهن)) والمراد منه الوطء، وربما رووا عن علي رضي الله عنه على ما يوافق قول ابن عباس فلأنه قرئ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وذلك هو الجماع حقيقة، لأن الملامسة مفاعلة يكون بين اثنين، فلا يتناول اللمس الذي يقوم به واحد.
قال أبو زيد: لابد أن يحمل اللمس على الوطء لتكون الآية
الجزء: 1 - الصفحة: 93
مشتملة على ذكر الطهارتين أعني الغسل والوضوء في حالتي وجود الماء وعدمه، ولا يكون ذلك إلا إذا حمل اللمس على الوطء، وإما قلنا ذلك لأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾.
معناه: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ﴿فاغْسِلُوا﴾ إلى آخر الوضوء، ثم قال: ﴿{وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ....﴾ فصارت الجنابة على الإطلاق مذكورة كما صار الحدث مذكوراً على الإطلاق، وذلك في حال وجود الماء ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَي أَوْ عَلَي سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ ..﴾.
معناه: وجاء أحد منكم من الغائط وكنى به عن الحدث، لأنه سبب له.
﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي القراءة الأخرى: ﴿أو لمستم﴾، فكنى بذلك عن الجنابة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فصار الحدثان مذكورين في حالتي وجود الماء وعدمه.
ودلت الآية على جواز التيمم للجنب، كما يجوز للمحدث على ما هو المذهب.
وأما قولكم: إذا حملتم اللمس على اللمس باليد لم يكن الطهارة من الجنابة مذكورة في الآية حال عدم الماء، بل اقتضى أن لا يجوز التيمم
الجزء: 1 - الصفحة: 94
للجنب على ما قاله عمر وابن مسعود، لأنهما لم يجوزا التيمم للجنب حين حملوا اللمس على اللمس باليد.
وأما علي وابن عباس فإنهما جوزا التيمم للجنب، وحملا اللمس على الوطء.
فدل أن كل من جوز التيمم للجنب جوز أن يحمل اللمس على الوطء.
قالوا: وقد دلت السنة على ما بينا فإن الأعمش روى عن حبيب بن إبراهيم عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام
الجزء: 1 - الصفحة: 95
((قبَّل بعض نسائه وصلى ولم يتوضأ))، وكذلك روى إبراهيم التيمي عن عائشة.
روى الأول أبو عيسى في جامعه، والثاني أبو داود/ في سننه.
قالوا: والقياس الجلي معنا، لأن الأصل في وجوب الطهارة أن نسند وجوبها إلى نجاسة خارجة من البدن، أو سبب النجاسة في الغالب ليقام السبب مقام المسبب، ولا نجاسة يظهر باللمس ولا هو سبب في الغالب لانفصال النجاسة.
فإن اللمس يخلو في الغالب عن انفصال شيء منه حتى لو تفاحشت المباشرة نقضت الوضوء، لأنها في الغالب لا يخلو عن خروج المذي منه، وكذلك التقاء الختانين لا يخلو في الغالب عن انفصال المني منه، وكذلك النوم في الحدث الخارج عنه.
قالوا: ولأن المسبب إنما يقام المسبب إذا كان في اعتبار نفس الشيء حرج ظاهر مثل المشقة في السفر، واعتدال العقل عند بلوغه سن البلوغ، واعتبار وجود الماء حقيقة عند ملك اليمين، فأما إذا لم يكن في اعتبار نفس الشيء حرج، فإنه يعتبر نفسه ولا يقام السبب مقامه ومسألتنا من ذلك.
الجواب:
إن التمسك بحقيقة الكتاب واجب حتى يقوم دليل قاطع على الصرف عنه فنحن عليه إلى أن يوجد دليل قطعي على صرفنا عنه، ولم يوجد.
الجزء: 1 - الصفحة: 96
وقد أجمعوا على أن العدول عن حقيقة الكتاب لا يجوز بقول الواحد والاثنين من الصحابة، وكذلك بالقياس.
وأما قراءة الملامسة فهو لمعنى قوله: ﴿أو لمستم﴾ يقال: لامس، ولمس بمعنى واحد، وقد تأتي المفاعلة في الفعل من الواحد، كما يقال: سافر وسارع وطارق النعل.
وأما قوله: ((إن الحمل على الوطء يفيد جواز التيمم للجنب)).
قلنا: ومن أين قلتم إنه ينبغي أن يكون هذا الحكم مستفاداً من الكتاب بل نقول: هو مستفاد بالسنة وهو خبر عمار بن ياسر على ما عرف في المذهب.
وعلى أن في الآية تقديماً وتأخيراً إذا قدرناه اقتضت جواز التيمم للجنب أيضاً، مع تقرير اللمس على حقيقته، ويفيد أيضاً ذكر أسباب الحدث جملة بالنص ودلالته.
ووجه ذلك وهو أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾، معناه: إذا قمتم من النوم، وقد أفاد النوم وما في معناه من الجنون والإغماء وغير ذلك، ثم قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ مقدم في المعنى وإن كان مؤخراً في التلاوة، وتقديره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ يعني من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط، وقد يتناول ذلك الغائط وما في معناه من البول والمذي والريح وغيره ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ويتناول ذلك اللمس باليد وما في معناه ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ... إلى آخر المذكور ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾
الجزء: 1 - الصفحة: 97
فأفادت الآية ذكر الطهارتين عند وجود الماء مع ذكر أسباب الحدث والتنبيه عليها، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ينصرف هذا إلى الطهارتين جميعاً، وأفاد جواز التيمم عن الحدثين جميعاً وهذا أولى مما قاله لوجوه منها: إنا نقرأ اللمس على حقيقته.
ومنها: إنا نستفيد على هذا الوجه ذكر أسباب الحدث.
ومنها: أنه منقول عن زيد بن أسلم من التابعين، وابنه عبد الرحمن ابن زيد وما قالوه ليس بمنقول عن أحد من السلف وهو اختراع لتسوية القرآن على المذهب.
ويمكن أن يقال أيضاً: إنا نحمل قراءة اللمس على اللمس باليد، وقراءة الملامسة على الوطء لتكون الآية أكثر فائدة، ويحصل ما قالوه من التقرير على قراءة الملامسة وما قلناه على قراءة اللمس وهو جواب حسن إلا أن الأول أحسن.
وأما الحديث الذي رووه فقد قال محمد بن إسماعيل البخاري: إنه لا يصح لحبيب بن أبي ثابت سماع عن عروة، ولا لإبراهيم التيمي سماع عن عائشة.
الجزء: 1 - الصفحة: 98
وقد قال يحيى بن سعيد القطان: بلغوا عني أن هذا الحديث شبه لا شيء.
وقد أوله الأصحاب قالوا: يحتمل أنه كانت القبلة من وراء حجاب.
وأما دعواهم القياس الجلي في الباب:
فمعتمدنا نص الكتاب ولا ثبات للقياس معه جلياً كان أو خفياً وعلى أنا وجدنا هاهنا معنى مؤثراً، وذلك أن اللمس يجل الشهوة طبعاً وشرعاً سبب لخروج المذي، والطهارة عبادة مبنية على الاحتياط فأقيم سبب الخارج مقام الخارج في وجوبها، كما أقيم النوم مقام الحدث، لأنه ميسر لخروجه، وكذلك أقيم التقاء الختانين مقام خروج المني، لأنه جالب لخروجه، وكذلك اللمس/ جالب لخروج المذي.
ويقال: إن القبلة برق الجماع ويريده فتقوم مقام الخارج في نقض الطهارة.
وأما قولهم: ((إنما يقام إذا كان السبب يؤدي إليه في الغالب)).
قلنا: الغالب لا يعتبر فيما يبني على الاحتياط بل يعتبر أصل السبب فإن قليل النوم مضطجعاً ينقض الوضوء، وليس بسبب لخروج الحدث في الغالب وكذلك مجرد التقاء الختانين من غير معالجة من التحريك والإيلاج ليس بسبب لخروج المني في الغالب، ومع ذلك يقام مقام خروج المني.
وقولهم: ((إنه ليس في اعتبار نفس العلة حرج)).
الجزء: 1 - الصفحة: 99
قلنا: والحرج أيضاً غير معتبر بدليل التقاء الختانين، فإنه لا حرج في اعتبار نفس خروج المني فإنه يحس بخروجه، ومع ذلك قد نقل إلى سببه بل خرج المذي عند الملامسة أخفى من خروج المني عند التقاء الختانين فثبت أن المعتبر نفس وجود السبب.
قال أبو زيد: هذا غلو من الشافعي.
قلنا: ومنكم تقصير، والله الموفق والمستعان على إدراك الصواب ومنه العصمة من الزلل بمنه وفضله.
الجزء: 1 - الصفحة: 100
(مسألة)
مس الذكر بباطن الكف ينقض الوضوء
عندنا.
وعندهم: لا ينقض.
لنا: حديث يحيي بن سعيد القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عن
الجزء: 1 - الصفحة: 101
بسرة بنت صفوان أن النبي عليه السلام قال: ((من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ)).
وفي الباب عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة وأورى بنت أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله
الجزء: 1 - الصفحة: 102
ابن عمر، ذكره أبو عيسى على هذا الوجه في جامعه ثم قال: هو حديث حسن صحيح، وحكى عن أبي زرعة أنه قال: حديث أم حبيبة في الباب صحيح وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة.
وروى الدارقطني من طريق أبي هريرة: ((من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ وضوءه للصلاة)).
وفي رواية عائشة: ((ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤن)).
الجزء: 1 - الصفحة: 103
وفي رواية: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فلا يصلي حتى يتوضأ)).
وهذا اللفظ يقتضي أن يكون المس بباطن الكف، وليس لهم كلام يبالي به على هذا الخبر.
والذين يقولون إن هذا خبر واحد ورد فيما يعم به البلوي فلا يقبل حتى يشتهر في السلف العمل به، وليس هذا بشيء، لأن الخبر إذا ثبت فإنه يجب العمل به سواء كان فيما يعم به البلوى أو لا يعم به البلوى وسواء اشتهر في السلف العمل به أو لم يشتهر، وهذا لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أدى هذا الشرع إلى الواحد.
فالواحد من أصحابه فيؤديه إلى الناس فكل حكم أمكن التوصل إلى معرفته من جهة الراوي فقد وقع تمام بيانه من النبي عليه السلام، والحكم وإن كان مما يعم به البلوى، وقد رواه الواحد من أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، فالتوصل إلى معرفة ذلك من جهة ذلك الواحد ممكن فتم البيان من النبي عليه السلام ولم يوصف بتقصير فاستوى في ذلك ما يعم به البلوى وما لا يعم.
لأنه وإن كانت البلوى تعم به ويحتاج إليه كافة الناس، ولكن إذا أمكن الوصول إلى معرفته حصلت الكفاية، والإبلاغ التام من غير تفريط، وأم ضم اشتهار عمل السلف به إليه فهو شيء ضمه أبو زيد إلى هذا الأصل وليس تحته معنى، لأن العمل بخبر الواحد واجب على كل من وصل إليه الخبر فلم يعتبر عمل السلف به، وكذلك به، وكذلك قال: يعتبر أن يكون
الجزء: 1 - الصفحة: 104
الراوي فقيهاً.
وهذا أيضاً ليس بشيء، لأن الراوي إذا كان ثقة ونقل على ما سمع فسواء كان فقيهاً أو لم يكن فقيهاً فقد صحت الرواية والنقل وافترض العمل به.
يبينه أن لا يعتبر في الشهادة أن يكون الشاهد فقهياً مع مبالغة الشرع في شأنها وزيادة الاحتياط في بابها، فكيف يعتبر في الرواية أن يكون الراوي فقيها.
وقد حمل بعضهم الوضوء على غسل اليد، لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار ويعرقون فتبتل موضع الاستنجاء، وذلك البلل نجس فإذا مسه بيده فتصيب يده موضع الاستنجاء فتنجس فأمر بالغسل لهذا المعنى.
وهذا المعنى أيضاً باطل، لأن الوضوء المعهود، والمعروف في الشرع هو وضوء الصلاة، فلا يحمل الوارد في الشرع على غيره إلا بدليل.
لأنا روينا في بعض الروايات: ((حتى يتوضأ وضوءه للصلاة))، وهذا يسقط التأويل، ولأن عندهم لا يجب الغسل بمس الذكر، والذي ذكروه من العلة فلا يصح، لأن إيجاب غسل اليد بالشك والتوهم لا يجوز إلا بخبر يقتضي الإيجاب.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث قيس/ بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على النبي
الجزء: 1 - الصفحة: 105
عليه السلام فجاء رجل كأنه بودي فقال: يا رسول الله، ما ترى ف مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ قال: ((وهل هو إلا مضغة منه- أو بضعة منه)) ذكره أبو داود في سننه على هذا الوجه.
قالوا: وهذا الخبر أولى، لأنه ذكر الحكم بعلته، وما رويتم حكم بلا علة.
قالوا: والقياس معنا، لأنه عضو منه كسائر أعضائه، ولأن مسه لفخذه لا ينقض الوضوء، وهو عورة فبغير العورة أولى، ولأنه لو مس الفرج بالفرج لم ينتقض وهو أفحش فباليد أحرى أن لا ينتقض.
وكذلك لو مس ذكر غيره لم ينتقض عندكم وهو الممسوس وهو أولى من نقض وضوء الماس لأن اللذة وهيجان الشهوة إنما يحصل للممسوس ذكره لا للماس
الجواب:
إن أئمة الحديث قد قالوا: إن أصح شيء في الباب حديث بسرة بنت
الجزء: 1 - الصفحة: 106
صفوان، قالوا: ذكره الساجي، والبخاري، وابن خزيمة وحكى ذلك عن أبي حاتم، وأبي زرعة، والأخذ بالأصح أولى، والأولى أن يقال إن خبرنا متأخر وخبرهم متقدم، لأن طلق بن علي قدم على النبي عليه السلام وهو إذ ذاك يبني مسجد المدينة في أول زمن الهجرة.
وأما خبرنا فقد رواه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام وأسلم سنة سبع من الهجرة.
وإنما يؤخذ بآخر الأمرين من النبي عليه السلام، وأول الأصحاب خبر طلق فقالوا: أراد به المس ودونه حائل.
واستدلوا على ذلك برواية الثوري، وشعبة، وابن عيينة
الجزء: 1 - الصفحة: 107
أنه سأل عن مسه في الصلاة، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه وهذا التأويل ضعيف بالتعليل الذي أشار غليه النبي عليه السلام، فالأولى ما سبق.
وأما القياس الذي قالوه فلا يقبل مع النص الوارد في الباب، وعلى أنا نقول إن مس الفرج بآلة المس سبب لخروج المذي فينقض الوضوء احتياطاً كما ينتقض الوضوء بالتقاء الختانين، وقد ذكرنا سؤالهم هذا، والجواب عنه في المسألة المتقدمة.
وأما إذا مس بالفخذ فلم يقع المس بآلة المس، وكذلك في مس الذكر بالذكر، والمعتمد السنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 108
(مسألة)
لا يجب الوضوء بالخارج من غير السبيلين
عندنا.
وعندهم: يجب.
لنا:
ما روى حميد الطويل عن أنس ((أن النبي عليه السلام احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه)) وهذا نص.
الجزء: 1 - الصفحة: 109
وأما المعنى نقول: إن الطهارة من الحدث محض تعبد، وقد علق بسبب فلا يجب تغير السبب كسائر العبادات لما علقت بأسبابها لا تجب بغير تلك الأسباب.
وإنما قلنا: محض تعبد، لأن الحدث الخارج من السبيلين يوجب الوضوء في الأعضاء الأربعة، والسبب إذا كان في موضع والواجب في موضع آخر لم يكن السبب سبباً معنوياً مؤثراً في إيجابها كزوال الشمس سبب لصلاة الظهر، وشهود الشهر سبب لوجوب الصوم، وليس هذا بسبب معنوي في إيجابه فكان الواجب محض تعبد، كذلك هاهنا لما لم يعرف معنى وجوب الوضوء في الأربعة مع وجود الحدث في غيرها لم يبق الوجوب إلا حكماً شرعياً بوصف التعبد المحض فلم يجب بغير السبب المعهد في الشرع ولم يقبل قياس غيره عليه، وللأصحاب مسائل إلزامية على أصوالهم تعلقوا بها ونذكرها في تخريجها على كلامهم، وعندي: أن الاعتماد على ما ذكرناه.
أما حجتهم:
قالوا: روت عائشة أن النبي عليه السلام قال: ((من قال أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم)).
وروى تميم الداري أن النبي عليه السلام قال: ((الوضوء من كل دم سائل)).
الجزء: 1 - الصفحة: 110
قالوا: وروى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي عليه السلام قال: ((القلس حدث)).
وروى ميمون بن مهران عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: ((ليس في القطرة والقطرتين وضوء حتى يكون دماً سائلاً)).
وعن سلمان أنه رعف فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أحدث لذلك وضوء)) واحتجوا بالخبر المعروف أن النبي عليه السلام قاء فأفطر قال ثوبان: ((أنا صببت له الوضوء)).
الجزء: 1 - الصفحة: 111
أما تعلقهم بالمعنى قالوا: الخارج نجس ينقض الوضوء، دليله كما إذا كان من السبيل.
قالوا: ووجه التأثير أن الواجب هو وجوب الطهارة، فتغيرها بخروج النجس المعنوي مؤثر، لأن الطهارة/ لا تجب إلا عن نجاسة في الأصل.
لأنها مشروعة لرفعها، والدليل عليه أن الله تعالى شرع الوضوء ثم قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يقل: ليتعبدكم، ولهذا تعلق في الأصل بالخارج من السبيل لأنه مسلك النجس.
وروى عن بعض الصحابة أنه قال في مس الذكر: ((إن كان منك شيء نجس فاقطعه)) أي هو طاهر، فلا يتعلق بمسه وجوب الطهارة.
وعن بعض الصحابة أيضا في رد خبر الاغتسال عن الميت: ((إن كان صاحبكم نجساً فاغتسلوا منه)).
فثبت أن الأصل هو وجوب الطهارة عن النجاسة قالوا: (وأما معنى العبادة التي تقولون فهو تبع، وكان القياس ألا يجب الغسل حيث
الجزء: 1 - الصفحة: 112
لا نجاسة إلا أنها وجبت شرعاً تعظيماً لأمر القيام إلى الله تعالى في الصلاة، وكان يجب أن يغتسل لكل حدث كما في المني.
لأن الشرط أن يقدم بنفسه طاهراً إلى الله تعالى وقد لزمه حكم النجاسة بخروج النجس إلا أن الله تعالى قصر على الظواهر بالخارج المعتاد تيسيراً علينا، لأنه مما يكثر فبقيت إضافة أصل الوجوب إلى أصل النجاسة على أصل القياس، والزيادة احتياط لأمر العبادة تعظيماً لأمر هذا القيام) وربما يقولون إن الأصل وجوب الطهارة في محل النجاسة إلا أن الشرع أقام توضئة الأعضاء الأربعة وتطهيرها مقام الطهارة في ذلك المحل، لأن ذلك المحل يخفي في الغالب والمطلوب تعظيم القيام بين يدي الرب وذلك يكون بفعل الطهارة في الأعضاء الظاهرة.
قالوا: ((وأما القهقهة فعندنا إنما نقضت الوضوء بخلاف القياس نصاً)) وعلى أن الإثم الذي يلحقه بالقهقهة بين يدي الله تعالى في أخص حالة وهو حالة الصلاة جعل في معنى النجاسة حكماً إلا أن قيام الإثم مقام النجاسة ما عرف إلا شرعاً فلم يقم إلا في عين ما ورد به النص.
فثبت أنه لابد من صفة النجاسة، ولابد من صفة الخروج أيضاً، لأنه لا يخلو عن نجاسات باطنة لو كانت حدثاً لم يطهر بحال، وأنه لا يمكنه تطهير الباطن عن النجاسات فلا يرد التكليف به، وإذا كان لابد من خروج فالخروج هو الانتقال من محل باطن إلى محل ظاهر فالخروج في غير
الجزء: 1 - الصفحة: 113
السبيلين بالسيلان عن رأس الجرح.
لأن تحت كل جلد رطوبة سيالة، وفي كل عرق دم يظهر ذلك لنا وهو في محله بزوال البشرة عن جلده فلم يمكن مجرد الظهور عن باطنه خروجاً فإذا زال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله الذي كان باطناً فيه وصار خارجاً).
فأما قبل السيلان فهو في محله على ما كان، وأما في السبيلين فإن الخارج قد انتقل عن معدنه، لأنه لا يظهر على المخرج إلا بالانتقال عن مضوعه، وحد الخروج هو الانتقال وقد حصل فتعلق الحكم الشرعي بالخروج وعدمه إلا أن الخروج من السبيلين يكون بنفس الظهور، وفي غير السبيلين يكون بالسيلان عن رأس الجرح.
قالوا: وأما الدودة والحصان والولد الجاف إنما نقض الطهارة، لأن هذه الأشياء لا تخلو عن قليل بلة نجسة، وقد بينا أن خروج القليل من السبيل ينقض الوضوء.
قالوا: وأما إذا قاء ما دون ملء الفم إنما لا ينقض الطهارة، لأن الفم فيما بينه وبين الباطن باطن على ما ذكرنا من قبل، وفيما بينه وبين الظاهر ظاهر وملء الفم ما لا يمكنه ضبطه، وما دون ملء الفم ما يمكنه ضبطه.
وللفم حكمان: فإذا لم يقو القيء على الخروج عن الفم بأن كان دون ملء الفم وأمكنه ضبطه لم يثبت له حكم الخروج، كما لم يثبت لبزاق يبتلعه حكم دخول من خارج، وأما إذا كان ملء الفم ولم يمكنه ضبطه ثبت له حكم الخروج، فتبين أنا إنما أدرنا الحكم على الخروج وعدم الخروج.
وأما الريح إنما انتفض الوضوء بخروجها لأنها انفصلت عن موضع النجاسة فلا يخلو من وجود أجزاء النجاسة فيها وإن كانت يسيرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 114
وقال أبو زيد: وعلى أنا عللنا النص الوارد في وجوب الوضوء بالخارج من السبيلين بعلة مؤثرة وهو بخروج النجاسة إلا أن الحكم في موضع النص يتعلق بعينه لا بالعة وفي غيره يتعلق بالعلة فلم يعتبر في النص ظهور حكم النجاسة وهو وجوب الغسل في موضع النجاسة، واعتبرناه في الفرع فلم نوجب الوضوء ما لم يجب غسل النجاسة عن موضع الخروج، وقد ذكروا مثل هذا في مسألة إزالة النجاسة.
الجواب:
أما تعلقهم بالأخبار.
قلنا: الخبر الأول رواه ابن جريج عن أبيه مرسلاً.
فإن قالوا: / أسنده ابن أبي مليكة عن عائشة.
الجزء: 1 - الصفحة: 115
قلنا: تفرد بإسناده إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.
وأما الخبر الثاني راه عمر بن عبد العزيز عن تميم الداري ولم يلقه، ورواه عن عمر يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد وهما مجهولان.
وأما الخبر الثالث: رواه عمرو القرشي الواطسي، قال أحمد ويحيي: هو كذاب.
وأما خبر زيد بن علي، رواه سوار بن مصعب، وهو متروك.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
وأما خبر ميمون بن مهران عن أبي هريرة رواه سفيان بن زياد عن حجاج بن نصير، وهما ضعيفان، وعلى أنا نحمل الجميع على الاستحباب.
أما قولهم: ((خارج نجس)).
قلنا: ((إن الواجب هو الطهارة والطهارة تجب عن النجاسة)).
قلنا: نعم هذا مسلم في الطهارة الحسية، وأما الطهارة الشرعية فلا يعرف لها إلا وصف الوجوب فحسب.
ومعنى قولنا: ((طهارة شرعية)) أنها محض تعبد لا يعقل لها معنى والدليل على إنها محض تعبد ما بينا في أول المسألة.
فإن قالوا: فلم سمي طهارة ولم يسم عبادة؟
قلنا: تسميته طهارة لا ينافي التعبد، فيجوز أن يكون طهارة بمحض تعبد، ويجوز أن يقال: سمي طهارة لأنها يقام بطهور.
يبين ما قلنا أن هذه الطهارة يجوز أن تجب بلا خروج نجاسة أصلاً بدليل الريح والحصاة.
وقولهم: ((إن في خلال الريح أجزاء النجاسة)).
الجزء: 1 - الصفحة: 117
قلنا: هذا خلاف المحسوس ولا تعرف أجزاء نجاسة لا ترى ولا تحس.
وأما فصل الحصاة فلازم، وقولهم: (إنه يكون على الحصاة بلة نجاسة)).
قلنا: تصور فيما إذا كانت الحصاة أنقى من الراحة، وعلى أنه إن ثبت لهم أن الطهارة تنتقض بخروج النجاسة فإيجاب الطهارة في غير موضع النجاسة لا يعقل ولا يعرف.
وقولهم: ((إنه أقيم طهارة الأعضاء الأربعة مقام تطهير موضع النجاسة لرفع الحرج)).
قلنا: وأي حرج في إيجاب الطهارة في موضع النجاسة؟
أليس أنه أمر باستعمال الحجر في موضع النجاسة فهلا أوجبتهم ذلك واقتصرتم عليه إن كنتم تعقلون معنى الطهارة؟
وأما قولهم: ((إن في الأصل وإن أوجبنا لا في موضع النجاسة ففي الفرع أوجبنا في موضع النجاسة وفي غير موضع النجاسة)).
قلنا: ولو كان الواجب طهارة عن نجاسة لم يجب إلا في موضع النجاسة وعلى أن أجبنا عن هذا الأصل الذي يدعونه في مسألة منع إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات.
فإن قالوا: سلمنا لكم هذا الأصل، وهو أن الطهارة عن الحدث طهارة شرعية غير معقول المعنى، لكن لا شك أنها وجبت بخروج النجس وهذا القدر معقول، وإن لم يكن الوجوب معلولاً به فوجب أن يلحق به أمثاله ونظائره وذلك في كل موضع وجد خروج النجاسة من الباطن إلى الظاهر.
قلنا: لابد أن يكون الإلحاق بمعنى فإذا لم يكن معقول المعنى بطل الإلحاق.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
وقولهم: ((إن خروج النجس معقول)).
قلنا: بلى ولكن غير معلول به، ولأنا بينا وجوب الطهارة بلا خروج النجاسة أصلاً، ثم نقول: إن خروج النجاسة من سائر المواضع لا يشبه خروج النجاسة من السبيلين، لأن السبيل المعتاد لخروج النجس موضع النجاسة ومسلكها.
وأما الفم والأنف وسائر المسالك ليس بموضع النجاسة ومسلكها فتغلظ هناك الخارج بالمخرج ومثل هذا لا يوجد في مسألتنا وهو أن يتغلظ شيء بانضمام شيء آخر إليه فيمتنع إلحاق غيره به.
ألا ترى أن الزنا جناية يتغلظ بالإحصان ثم امتنع إلحاق زنا غير المحصن به، لأنه لم ينضم إليه ما يوجب تغليظه كذلك هاهنا، وهذا كلام حسن غير أن الأول كاف، وهو حقيقة المسألة والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 119
(مسألة)
المني طاهر
عندنا.
وعندهم نجس.
لنا:
ما رواه شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: سئل النبي عليه السلام عن المني يصيب الثوب قا ل: ((إنما هو بمنزلة البزاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة)).
الجزء: 1 - الصفحة: 120
وعن ابن عباس نفسه كذلك.
قالوا: أليس يورى عن النبي عليه السلام أنه قال لعائشة: ((إذا رأيت المني رطبة فاغسليه، وإذا وجدته يابساً فافركيه)).
وأيضاً فإن النبي عليه السلام مر على عمار وهو يغسل ثوبه من النخامة فقال: ((إنما يغسل الثوب عن خمس: البول والغائط والقيء والدم والمني)).
الجواب:
أما الخبر الأول/ فلا يعرف على ما رووا، وإنما المعروف عن عائشة أنها قالت: ((كنت أفرك المني عن ثوب رسول الله إذا كان يابساً وأغسله إذا كان رطباً)) وهذا نقول به على الاستحباب.
وأما الخبر الثاني: لم يروه غير ثابت بن حماد، قال الدر قطني: هو ضعيف جداً.
الجزء: 1 - الصفحة: 121
ومن جهة المعنى نقول: المني متولد من أصل ليصير أصلاً مثله فلا يكون نجساً، دليله البيض، وتأثيره أن نجاسته إما أن يكون من أصله أو من عينه، فإذا كان من أصله فأصله طاهر فلا يوجب نجاسة متولدة منه، وإن كان من عينه فليس عينه إلا غذاء مستحيل، وهذه الاستحالة إلى صلاح وهو تكون الولد منه.
والاستحالة إلى صلاحية تكون الولد منه كالاستحالة إلى صلاحية تغذي الولد به وذلك اللبن، ثم تلك الاستحالة لا توجب النجاسة كذلك هاهنا.
فإن قالوا: إن الاستحالة إلى نتن وقذارة.
قلنا: أما النتن فلأن رائحته رائحة الطلع، وأما القذارة فقذارة يسيرة مثل قذارة المخاط، وذلك لا يعتبر.
واستدل الأصحاب بجواز الفرك في اليابس إذا أصاب الثوب.
قالوا: لو كان نجساً لم يجز الاقتناع بالفرك، لأنه يلين الموضع، وليس يستأصل أجزاء النجاسة، ولهذا المعنى لو أصاب الموضع بعد ذلك ماء فإنه ينجس، ثم ناقضوا الثوب بالبدن وقالوا: لو أصاب المني بدنه ويبس لم يطهر بالفرك وهذه مناقضة بينة ولا يتبين بينهما فرق، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم:
قالوا: خارج ينقض الوضوء فيكون نجساً، دليله البول، وتأثيره أن وجوب الطهارة إنما يكون عن نجاسة على ما سبق، فوجوب الطهارة دليل النجاسة قطعاً بل هذا أولى من البول، لأنه ينقض الطهارة الصغرى والمني ينقض الطهارة الكبرى.
الجزء: 1 - الصفحة: 122
واعترضوا بما قالوه على قولنا: ((إنه ليس في أصله ولا في عينه ما يدل على نجاسته))، لأنه إن لم يكن في أصله وفي عينه ما يدل على نجاسته ففي حكمه ما يدل على نجاسته.
قالوا: وأما الاكتفاء بالفرك عند يبسه فإنما كان لدفع الحرج، وذلك لأن المني يكون حصوله في الغالب بين بنات الإنسان ويكثر ويتردد على العادات فإنه يوجد بالغشيان وهو يكثر بين الرجال والنساء، فلو أوجبنا الغسل أدى إلى الحرج بخلاف البول، فإنه يكون في المواضع المعتاد من الكنيف والمستراحات (وعلى أن المني شيء غليظ لزج فإنما يخف على ظاهر الثوب، ولا يدخل أجزأه فإذا فرك يزول معظمه، وإنما تبقى أجزاء يسيرة لا يعتد بها.
وأما في البدن فقد قال بعضهم: يطهر بالحت أيضاً وعلى التسليم قالوا: إن حرارة البدن تتشربه فلا يزول إلا بالغسل.
وقد تعلق بعضهم في الحكم بنجاسة المني بجريانه في الموضع وهو داخل القضيب) وقالوا: ((مائع جاري في مجرى البول فيكون نجساً كالمذي)).
وتعلقوا من الحكمة بالعلقة، وزعموا أنها أخت النطفة وقرينتها.
قالوا: وبهذا نعترض على قول من قال من مشايخكم: إن النطفة أصل الآدمي فيكون طاهراً كالتراب، فإن العلقة أصله أيضاً ومع ذلك هي نجسة.
ثم قالوا: إن الأصل لنبي آدم ليس إلا التراب فإن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾.
الجزء: 1 - الصفحة: 123
وإنما النطفة عارض داخل في الوسط مثل العلقة، فالحكم بنجاستها لا يوجب إدخال نقيصة في كرامات الآدمي مثل العلقة سواء.
قالوا: وأما البيض فإنه يحتجب بقشرة عن الفضلات النجسة في البدن، وعلى أنه يخرج على الأصل الذي قلناه، فإنه لم يقم دليل حكمي على نجاسته بخلاف مسألتنا على ما سبق.
الجواب:
أما قولهم: ((إنه خارج ينقض الطهارة)).
قلنا: ولم إذا نقض الطهارة وجب أن يكون نجساً؟
قالوا: لأن الطهارة لا تجب عن نجاسة.
قلنا: ليس كذلك، وقد بينا أن الطهارة عن الأحداث محض تعبد ولا يدل الوجوب على النجاسة أصلاً، هذا وقد سبق بما فيه المقنع والكفاية.
يبينه أنه لو كان وجوب الطهارة دليل النجاسة في الخارج فيجب أن يقال: إن الواجب من الطهارة إذا كان أعظم تكون النجاسة أغلظ وإذا كان الواجب أخف تكون النجسة أخف كذلك فإن نجاسة البول أغلظ من نجاسة المني ومع ذلك خروج المني يوجب الطهارة الكبرى، وخروج البول يوجب الطهارة الصغرى.
وقد نقض الأصحاب ما قالوه/ بالولد الجفاف والحصا، والاعتماد على ما بينا.
وأما ما تعلق به مشايخهم من جريانه في مجرى البول فليس بشيء.
لأن هذا يقتضي أن يكون نجاسة المني نجاسة مجاورة لا نجاسة عينية.
وعندهم أن نجاسة المني نجاسة عينية، وعلى أنه لا ينكر أن يكون بين
الجزء: 1 - الصفحة: 124
مجرى المني ومجرى البول حاجز يمنع اختلاط البول به، ولهذا المعنى اجتزوا بالفرك من اليابس منه، وما تنجس بالبول فإنه لا يجتزئ بالفرك فيه.
وأما ما اعتذروا به من اعتبار الحرج فلا حرج، وعلى أنه موجود في المذي، ولعل ابتلاء الناس به بوجوده في ثيابهم أكثر منه في المني، ومع ذلك لا يكتفي فيه بالفرك فبطل ما قالوه.
وأما العلقة فقد منع بعض أصحابنا، وقال إنها طاهرة، ولئن سلمنا فلأنها دم، ولا يدل الحكم بنجاسة الدم على نجاسة المني.
فإن قالوا: إن المني أيضاً دم إلا أنه أبيض بنار الشهوة، كما يبيض ماء الورد الأحمر بتصعيد النار.
قلنا: هذا هوس من يدرس أنه دم، وإنما خلقه الله منياً كما هو في صلبه، كما خلق البيضة في جوف الطير كهيئته، وخلق اللبن في الضرع كهيئته، والرجوع إلى قول الطبيعيين باطل.
الجزء: 1 - الصفحة: 125
(مسألة)
جلد ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بذبحه
عندنا.
وعندهم يطهر.
لنا:
إن الموجود قتل وليس بذكاة فلا يعمل في تطهير الجلد.
دليله إذا كان الذابح مجوسياً، وإنما قلنا لأن الذكاة فعل شرعي لا يوجد إلا من أهله في محله، والمحل مفقود هاهنا، لأن الذكاة فعل مشروع لحل اللحم بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى أن قال: ﴿... إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
فعد ما حرم أكله ثم استثنى المذكاة في الحكم الذي وردت له الآية وهو الأكل.
والمعنى: لا تأكلوا هذه الأشياء إلا المذكاة ((فكلوا)) دل أن الذكاة مشروعة للأكل.
ولأن تحريم تعذيب الحيوانات أصل عظيم معقولاً ومشروعاً إلا أن بالناس حاجة إلى اللحوم لمعنى التغذية وهو حاجة عامة ولا يوجد شيء آخر يقوم مقامه في معناه والميتات خبيثة وكرامة بني آدم اقتضت تحريم الخبائث
الجزء: 1 - الصفحة: 126
عليهم، وتحليل الطيبات لهم، والذكاة معنى مطيب للحم من حيث إنه يسيل النجاسات من الحيوانات مزيل للخبائث بقدر الإمكان، فإن الله تعالى ببالغ حكمته وعميم كرامته ببني آدم أباح لهم لحوم بعض الحيوانات بطريق مخصوص شرعي وهو الذكاة.
وإنما قلنا إنه شرعي لأنه وضع بآلة مخصوصة في محل مخصوص من فاعل مخصوص، وشرع أيضاً على وجهة مخصوص على ما هو المعلوم فإذا وجد فيما عدا ذلك من المحال لم يكن ذكاة أصلاً، وإن وجدت بصورتها والتحق الفعل بالتخنيق والتوقيذ وغير ذلك، وإذا ثبت عدم الذكاة ثبتت نجاسة الجلد، لأنه لو طهر لكان يطهر بالذكاة فإذا لم تكن ذكاة لم يطهر.
وأما حجتهم:
قالوا: جلد يطهر بالدياغ فيطهر بالذكاة، دليله مأكول اللحم.
ثم استدلوا على وجود الذكاة بصدوره من أهله في محله.
أما قولنا: ((من أهله)) فهو المسلم أو الكتابي.
وأما قولنا: ((في محله)) لأنه حيوان طاهر عينه في حال حياته فيكون محل الذكاة، لأن الذكاة نوع معالجة لطلب منفعة، فإذا كان الحيوان طاهر العين في نفسه كان محل هذه المعالجة.
وقولنا: ((لطلب منفعة)) عنى بذلك منفعة الجلد، وهو معنى مطيب للجلد مثل الدباغ في جلد الميتة مطيب له.
الجزء: 1 - الصفحة: 127
ألا ترى أن في مأكول اللحم، فإن الجلد كما يطهر بالدباغ يطهر بالذكاة.
لأن كل واحد منهما يعمل عمل صاحبه في تطييب الجلد، كذلك هاهنا تعمل الذكاة عمل الدباغ، وجلد هذا الحيوان يطهر بالدباغ فيطهر بالذكاة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن منفعة الجلد تبع لمنفعة اللحم فإذا لم يفد الفعل حلاً في المتبوع لا يفيد طهراً في التبع، لأنا لا نسلم هذه التبعة بل لكل واحد منفعة أصلية، بدليل أن في الشاة الميتة لا يحل لحمه بحال ويحل جلده بالدباغ.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الفعل محظور في هذا المحل لأنا نسلم ذلك بل هو مطلق لطلب الجلد، كما هو مطلق لطلب اللحم في مأكول اللحم.
قالوا: وأما تعلقكم بحرمة تعذيب الحيوان، تعلق فاسد، لأنه لا يجوز ذلك إذا كان لا لمنفعة، فأما لمنفعة فيجوز، ورووا أن النبي عليه السلام نهى عن/ تعذيب الحيوان إلا لمنفعة.
الجواب:
أنا بينا انعدام الذكاة في مسألتنا، وكلامهم راجع إلى حرف واحد وهو شرع الذكاة لمنفعة الجلد، ونقول على هذا: إن الشرع قد شرع طريقاً للوصول إلى منفعة هذه الجلود وهو الدبغ بعد موت الحيوان، والذكاة فعل مشروع للحاجة فإذا عدمت الحاجة ارتفعت المشروعية، وخرج اللحم على هذا، لأنه لا طريق للوصول إليه سوى الذكاة.
فإن قالوا: ذاك طريق وهذا طريق.
الجزء: 1 - الصفحة: 128
قلنا: شرع الدباغ قد أغنى عن الذكاة المعذبة للحيوان.
قالوا: ما يغنى لأنه يتعجل إليه وصوله بالذكاة ولا يحتاج إلى تربص الموت.
قلنا: الحيوانات غايتها الموت وهو منتفع بها في الحال بوجه آخر، فلا ضرر عليه في التربص، وقد يصل إلى الجلد بوجه آخر إن احتاج إليه.
فإن قالوا: فإن كانت الذكاة لحلية اللحم خاصة فلم طهر الجلد في مأكول اللحم بالذكاة دون الدباغ؟
قلنا: لأنه تبع له، ولأنه يؤكل معه في كثير من البلدان، فإذا لم يطهر بطهارته أدى إلى حرج عظيم فحكمنا بطهارته دفعاً للحرج.
والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 129
(مسألة)
عظام الميتات وشعورها نجسة في الظاهر من مذهب الشافعي.
وعندهم: إنها طاهرة.
لنا:
إنه جزء من الميتة فيكون نجساً كسائر أجزاءها.
وفقه المسألة: وهو أن الأصل أن الميت نجس لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وتحريمها يدل على تنجيسها بدليل قرينتها من الدم والخنزير، ولأن معنى النجاسة في المحل وجوب التباعد منه وترك الانتفاع وتحريمه قد دل على هذين المعنيين فثبت أنه نجس.
وأما الآدمي الميت فلئن قلنا إنه طاهر فهو لاحترامه فيكون مستثنى من هذا الأصل إما بالنص، أو لمعنى الاحترام.
الجزء: 1 - الصفحة: 130
وإذا ثبت نجاسة الميت فنقول: إن الموت إذا حل بالحيوان يحله بجميع أجزائه فكما أنه حي بجميع أجزائه وأعضائه وأبعاضه فكذلك إذا مات فهو ميت بجميع أجزائه وأبعاضه وهذا لأن الحيوان ذات تركيب مخصوص يستمد بقاءه من معنى مخصوص فما دام على تركيبه باستمداده فهو حي، فإذا فنى الاستمداد مات وخرب التركيب، وكل جزء من الحيوان له قوة الاستمداد وصفة البقاء وفيه الصلاح صفة الحياة وعند انقطاع الاستمداد واتصافه إلى الفناء والفساد فله صفة الممات.
وهذا ثابت لجميع أجزائه لا يختص بجزء دون جزء، فثبت أن الحياة ثابتة لجميع أجزائه ما دام حياً فإذا مات بجميع أجزائه ولئن تكلمنا في العظام فالكلام فيه أظهر نصاً ومعنى.
أما النص قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ ....﴾.
وأما المعنى فلأن قوام التركيب بالعظام أكثر من قوامه باللحم والذات حي بتركيبه فإذا كان اللحم محلاً للحياة فلئن يكون العظام محل الحياة أولى.
ونستدل من حيث الحكم بالخنزير فإن الإجماع انعقد على نجاسته بعظامه وشعوره، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم:
قالوا: الشعور والعظام ليست بمحل الحياة فلا يكون محل الموت، ودليل أنها ليست بمحل الحياة أنها لا تحس بشيء ما، بدليل أن الشعر يقطع فلا يحس الحيوان والعظم يبرد بالمبرد من القرن والسن وغيره فلا يحس به، ويستحيل وجود الحياة في محل لا حاسة له.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
وحرفهم أن علامة الحياة الحس والتألم فلا يوجد مع فقد علامتها وصار الشعر كجزء من الجلد يموت ويذهب منه الحس والتألم، فإنه لا يكون محل الحياة، فكذلك الشعر في أصل خلقته.
قالوا: وأما النماء فلا يدل على الحياة بدليل النبات والأشجار، وعلى أنه إنما تنمو الحياة في محل نباته لا بحياة فيه بخلاف سائر الأعضاء، فإن النماء فيها بمعنى لا في المحل بل لمعنى في أعيانها.
قالوا: ولا جائز أن يقال إن للعظم حاسة بدليل وجع الضرس وذلك لأن الوجع وجع اللثة واللحم المتصل بالسن ويظن الإنسان أنه وجع الضرس، وكيف يتصور أن ذلك من وجع الضرس حقيقة، ولو قطع قطعاً أو برد بالمبرد لم يألم.
واستدلوا من حيث الحكم في أنه لا حياة في الشعر والعظم بأنه إذا أبين من الحيوان في حالة يجوز/ الانتفاع به ولو كان محل الحياة لمات بإبانته منه بدليل قوله عليه السلام: ((ما أبين من حي فهو ميت)).
وبدليل سائر الأجزاء.
وقد قال أبو زيد في هذه المسألة: إن الموت ليس بمنجس في نفسه وإنما
الجزء: 1 - الصفحة: 132
النجاسة بأحد شيئين إما بتحريم متعلق به وهو تحريم الأكل، وهذه الأشياء غير مأكولة فلا نجاسة بهذا المعنى أو باتصال من الرطوبات النجسة والدماء السيالة بالجامد منها.
والعظم والعصب شيء صقيل لا يتعلق به منها شيء فلم ينجس لعدم العلة وصار كالجلد بعد الدبغ بخلاف ما قبل الدبغ فإنه يتصل به الرطوبات النجسة.
قالوا: ولهذا تعاين الشعر والقرن لا يتعلق بهما شيء من الرطوبات، واستدل على أن الموت ليس بمنجس في نفسه، بما ذكرنا من مسألة موت الحيوان الذي ليس له دم سائل، وذلك مذكور في الأوساط وقد ذكرنا الطريقة الأولى أيضاً، ثم زعم أنها لا تأتي في العصب.
وذكر أن الطريقة الأولى أقرب إلى النفقة وأولى بالصواب.
الجواب:
إنا دللنا على وجود الحياة في الشعر والعظم، والحرف المعتمد للأصحاب أن النمو بحياة الحي دليل الحياة في الشعر والعظم، ويمكن أن يقال: جزء نامي بحياة الأصل فينجس بالموت.
دليله الأذن، وليس كالبيضة، لأنا قلنا: وجب أن ينجس بالموت وموت البيضة ليس بموت الأصل بل بأن لا ينمي فلا ينقلب فرخاً وذلك أن يصير مذرة فينجس حينئذ، وأما حياتها فبعاقبتها.
الجزء: 1 - الصفحة: 133
ألا ترى أن المحرم إذا أخذ بيض الصيد ضمن الجزاء لأنه في حكم الحي.
وعلى أن المذهب في البيض أنه إن كان غير متصلب فهو كاللبن ينجس وإن كان متصلباً فلا ينجس لأنه ليس بجزء متصل بالأصل بل هو شيء مخلوق في جوفه بمنزلة الولد فلم يعمل فيه موت الأصل، وليس كما لو جز الصوف أو قطع القرن حيث لا ينجس.
لأن الجز من الشعر بمنزلة الذكاة شرعاً كما جعل موت السمك ذكاة شرعياً، وإنما كان كذلك، لأن الناس بحاجة إلى الشعور والأوبار، وفي تركها ضرر بالحيوانات فجعل الشرع أخذها بالجز بمنزلة الذكاة من جملة الحيوان نفعاً للعباد، وهذا المعنى لا يوجد في سائر الأعضاء فصارت إبانتها إماتة لها.
وأما الذي اعتمدوا عليه في هذه الطريقة من التعلق بعدم الحس وفقد التألم فإن استقام لهم هذا في الشعر فلا يستقيم لهم في العصب والعظم.
وقولهم: ((إن وجع الضرس وجع اللثة)).
فليس بشيء بدليل أن الضرس إذا قلع يسكن الوجع، دل أن الوجع كان له، وعلى إنه لا ينكر أحد حياة العظام في داخل البدن ومنكر هذا مثل منكر وجود الحياة في اللحوم والأعصاب.
وقد قال الأصحاب: إنه إن فقد الحس للشعر فإنما فقد أحد علامات الحياة، وقد وجدت علامة أخرى، وهو ما ذكرنا من النمو بحياة الحي فإذا كان فوات علامة بإخلاء علامة أخرى لم يدل على فقد الحياة مثل البصر للعين والسمع للأذن والنطق للسان، فإنه إن فقد البصر للعين وهو علامة حياة العين، ولكن وجدت علامة أخرى وهو السمع، والكلام بدون هذا الاستشهاد صحيح مقنع، وهذا الاستشهاد ضعيف على الأصل الذي أصلوه.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
وأما الأشجار فقد قال بعضهم: إن لها حياة وهي المغذية والمنمية والمولدة.
وللحيوان هذه الحياة والحياة السياسية أيضاً، وللآدمي هذه الأنواع كلها من الحياة، والحياة الناطقة أيضاً اختص بها من بين سائر الحيوانات وهذا كلام الحكماء الأوائل، ولا ينبغي أن نشتغل به.
والجواب المعتمد بالتخريج وهو أنا استدللنا على حياة الشعر بنمه بحياة الشخص الحي مثل سائر الأجزاء، وهذا لا يوجد في النبات والأشجار.
وقولهم: ((إن نموه لمعنى في المحل)).
قلنا: لا، بل لمعنى في نفسه، ولمعنى في المحل من الاستمداد منه مثل سائر الأعضاء سواء.
وأما الطريقة الثانية التي اعتمدها أبو زيد، فقد ذكرنا أن الموت منجس بنفسه ودللنا عليه.
وقولهم: ((إن النجاسة تكون باتصال الرطوبات والأشياء السيالة إليه)).
فليس بشيء، لأن الجلد نجس بكل حال، ورب جلد لا يتلوث بشيء من الرطوبات بعد الموت ويكون في جفافه ونظافته مثل ما كان في حال الحياة.
فثبت أن الموت منجس بنفسه، وقد ذكرنا في تلك المسألة.
والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 135
(مسألة)
إذا كان معه آنيتا ماء إحداهما طاهرة والأخرى نجسة وليس معه غيرها فإنه يتحرى
عندنا، ولا يتيمم.
وعندهم: يتيمم ولا يتحرى.
لنا:
إن الاجتهاد له مدخل في هذا المحل، والدليل عليه أنه إذا كان معه ثلاثة أواني طاهرتان ونجسة فإنه يتحرى بالإجماع ولأن الاجتهاد طلب الشرع بدليل واستعمال دليل الشرع في طلب الشرع مطلق لا يحرم بحال بدليل سائر المواضع، وأقربها طلب القبلة عند الاشتباه والتحري في ثوبي نجس وطاهر.
ويمكن أن يحرر فيقال: شرط من شرائط الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فيجب ذلك.
دليله: ما بيناه من استقبال القبلة وستر العورة.
الجزء: 1 - الصفحة: 136
يتبين ما ذكرنا أن الصلاة بالتيمم لا تجوز إلا بشرط عدم الماء فلا يجوز ثبوت العدم باشتباه الطاهر بالنجس، وإن كانا على السواء كما لو كان عنده ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس وحضرت الصلاة فإنه يصلي في أحدهما بالتحري ولا تجوز الصلاة إلا بازار لأن الصلاة عرياناً لا تجوز إلا بشرط عدم الثوب الطاهر فلم يثبت العدم باشتباه الطاهرة بالنجس وإن كان على السواء كذلك هاهنا، والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم:
قالوا: التحري عمل بما يقع في القلب، والعمل بما يقع في القلب باطل لأنه قد يقع في القلب من قبل الله، وقد يقع من قبل الشيطان فلا يجوز الرجوع إليه وهذا حكمه.
قالوا: وأما القبلة فإما وجب الاجتهاد فيها، فإن للشرع دلائلاً منصوبة على القبلة فليس برجوع إلى مجرد ما يقع في القلب بل هو طلب القبلة بالدلائل المنصوبة عليها من قبل الله تعالى، وفي الثوبين إنما جاز التحري، لأن ستر العورة بالثوب النجس جائز في الجملة.
وعندنا: لو لم يجد إلا الثوب النجس وصلى فيه يجوز فلم يكن التحري رجوعاً إلى مجرد ما يقع في القلب بل استند الجواز إلى دليل شرعي، وهو جواز الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره.
وأما هاهنا فإن التحري عمل بمجرد القلب ولم يرجع جوازه إلى دليل، وأما إذا كانت الغلبة للماء الطاهر فإنما جاز التحري، لأنه وجد دليلاً شرعياً يستند إليه وهو اعتبار الغلبة واعتبار الغلبة أصل عظيم في الشرع خصوصاً في المأكولات، والمشروبات بدليل المعاملات، فإن من يكون
الجزء: 1 - الصفحة: 137
الغالب على ماله الحلال يجوز المعاملة معه، وكذلك يجوز التناول من ماله أكلاً وشرباً عند إذنه ومن كان الغالب على ماله الحرام يكره له ذلك.
وأما أبو زيد قال في هذه المسألة: ((إن التحري باطل متى أصاب ماءً طاهراً بالإجماع فكذلك وإن عدمه، لأن التراب جعل خلفاً عنه في إفادة طهارة الصلاة فإذا فات إلى خلف يعمل عمله عند عدمه فلا يثبت العدم حكماً بخلاف الثياب، فإن التحري باطل إذا استوى النجس والطاهر وأصاب ثوباً طاهراً ويجوز إذا عدم الطاهر، لأنه عدم بلا خلف يعمل عمله في الستر الذي هو شرط الصلاة، فثبت العدم وتبدل حال الاختيار بحال الضرورة فأبيح بالضرورة ما لا يباح بالاختيار.
قال: ولأن المعارضة وقعت بين التراب والماء تحراه فنحن نقول التراب أولى، لأن ذلك الماء على الحقيقة يحتمل النجاسة والطهارة، فلئن كان نجساً فالتيمم طهارة، وإن كان طاهراً فالتيمم لا ينجس أعضاءه وإن استعمل الماء فإن كان طاهراً فالصلاة تكون بطهارة وإن كان نجساً فالصلاة تكون بنجاسة العضو فيكون حال فساده شراً من التيمم، وقد استويا في حال الجواز فصار التيمم أولى هاهنا بخلاف الثوب فإن حال نجاسته مساوية بحال العري)) ويفضل حال اللبس بوجود الستر بالثوب وإن كان نجساً فصار أولى.
الجواب:
أما الطريقة الأولى فهو سعى لإبطال التحري وهو باطل، لأن التحري نوع اجتهاد واستدلال وهو دليل الله تعالى نصبه للعباد ليتوصلوا به إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 138
أحكامه في الشرعيات والرجوع إليه واجب في كل موضع فكان الرجوع بدليل ما ذكرناه من الاشتباه.
فأما قولهم: ((إنه عمل ما يقع في القلب)).
قلنا: والوقوع في العمل بما يقع في القلب جائز بدليل مسألة الثوبين وبدليل مسألة/ القبلة، وهذا لأن غالب الظن حجة شرعية عند عدم النصوص.
وقولهم: ((إن في القبلة دلائلاً منصوبة عليها)).
قلنا: إذا اشتبه عليه الدليل، فإنه بالاتفاق يرجع إلى ما يقع في قلبه، وكذلك في الثوبين وعذره عن الثوبين باطل، لأنه لو كان الأمر على ما ذكروا لجاز الصلاة في أيهما شاء من غير تحرى لحصول ستر العورة به وهذا لأنه يتحرى ويلزمه اللبس عند ما يقع في قلبه أنه طاهر، على اعتقاد أنه طاهر.
وقد قالوا: إنه لو اشتبه على الرجل إعداد ما صلى من الركعات أنه يرجع إلى غالب ظنه وهو حكم بمجرد ما يقع في القلب.
وقد قال أصحابنا في هذه المسألة: أن التحري رجوع في غالب الظن إلى علامات ودلالات مثل ما في القبلة سواء.
وكذلك في الثوبين إلا أن ما قلناه أولى، لأنه إذا لم يجد علامة ولا دليلاً ولم يتخيل له شيء في ذلك فإنه يتحرى أيضاً وليس إلا الرجوع إلى غالب الظن بما يقع في القلب.
وأما طريق أبي زيد ففي غاية الضعف، لأن المسألة التي جعلها عماد كلامه ممنوعة على أحد وجهي الأصحاب.
الجزء: 1 - الصفحة: 139
فإنهم قالوا: إنه يجوز التحري في الإنائين وإن كان عنده إناء طاهر بيقين، وعلى أنا سلمنا هذه المسألة، فنقول: إنما لم يجز التحرير في هذه الصورة، لأن وجود إناء طاهر عنده بيقين انتصب مانعاً من الاجتهاد مثل النص في الحادثة.
فأما قوله: ((إذا عدم ينعدم إلى خلف)).
قلنا: إنما يصار إلى الخلف إذا لم يمكن الوصول إلى الأصل وقد أمكن بالاجتهاد فصار كما لو أمكن بوجوه يقيناً، ويمكن أن يقال: إن الاجتهاد خلف عن النص في العمليات، فإذا كان عنده إناء بيقين قد بينا انه بمنزلة نص يوجد في الحادثة فإذا عدم فإنما عدم إلى خلف وهو الاجتهاد في الانائين فكما أن الأصل منع العدول إلى التيمم فخلفه يكون مانعاً أيضاً.
وأما الفصل الثاني: الذي ذكره من ترجيح جانب التيمم فليس بشيء، لأن اجتهاد لما أدى إلى أن هذا الماء طاهر وجب العمل به شرعاً صار جواز أنه نجس مطرحاً متروكاً، والتحق هذا الماء بسائر المياه الطاهرة فلا تثبت به نجاسة الأعضاء بوجه ما، وجواز أنه نجس لم يعتبر.
يبينه أن التحري دليل ظاهر، والماء الذي حكم بطهارته فظاهر فسقط جانب من التجوزات فيه أصلاً بدليل الماء يجده في الفلاة، والماء الذي بخبر الواحد أنه طاهر يجب استعماله، وسقط جواز أنه نجس، ثم يقال لهم: الترجيح لجانب التوضئ بالماء الذي يقع له أنه طاهر، لأنه إذا توضأ بالماء
الجزء: 1 - الصفحة: 140
الذي تحراه كانت صلاته بطهارة حقيقة من وجه ومتى تيمم كان صلاته بغير طهارة حقيقة من كل وجه فكان الترجيح لجانب الوضوء لا لجانب التيمم.
وعلى أنه يبطل جميع ما قالوه بما إذا كانت الغلبة للماء الطاهر، وعندهم الرجوع إلى مجرد الغلبة تمسك بمحض صورة، ويبطل بالقبلة.
وهذا لأن المجتهد قد تتكاثر عليه الأشباه في الحادثة الواحدة وإنما يأخذ بشبه واحد ويطرح سائرها، ولا فرق فيما يطرحه بين أن يكثر عدده وبين أن لا يكثر وقد تعلق مشايخهم بما لو كان عنده إناءان أحدهما بول والآخر ماء فإنه لا يتحرى.
وكذلك إذا اشتبهت الأجنبية بذات المحرم فإنه لا يتحرى في أمر النكاح.
وكذلك على أصلنا في المسلوختين أحدهما ذكية والأخرى ميتة.
ونحن نقول: الاجتهاد إنما يجوز في محل الاجتهاد، وهذه المواضع ليست بمحل الاجتهاد بدليل أنه لا يجتهد وإن كانت الغلبة للماء في المسألة الأولى، وكذلك إذا كانت الغلبة للأجنبيات في المسألة الثانية والمذكيات في المسألة الثالثة.
وهذا لأنه لابد من النظر إلى الأصل ليكون الاجتهاد راداً له إلى أصله ويصير اجتهاده وتحريه فيما أدى إليه معتضداً بأصله الذي خلق له، والبول خلق على النجاسة والأبضاع في الأصل على الحرمة.
وكذلك المساليخ في الأصل على الحرمة حتى يتحقق شرط الحل من الذكاة فلم يصادف الاجتهاد في هذه المواضع محاله، لأن رده فيما يجتهده إلى أصله يوجب الحرمة لا الحل، بخلاف مسألتنا، فإن الماء في الأصل خلق طهوراً والتحري/ رد له إلى أصله فقد صادف الاجتهاد محله.
الجزء: 1 - الصفحة: 141
وإنما اعتبر الأصحاب هذا، لأن دليل العمل غالب الظن، ولا يوجد غالب الظن إلا باعتضاد ما يقع في القلب من طهارة الإناء بأصله الذي خلق عليه، وهذا كما في سائر المجتهدات، فإنه ما من حادثة إلا ولله تعالى فيها حكم، وعلى ذلك الحكم شبه مغلب للظن فإذا اجتهد المجتهد يقوي اجتهاده فيما يؤدي إليه بأصله في الوضع الإلهي في الحوادث فيوجد قوة الظن من هذا الوجه فيفيد حكمه من العمل الواجب به.
والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 142
(مسألة)
المتيمم إذا رأى الماء في خلال صلاته فإنه لا يبطل صلاته ولا تيممه ويمضي فيها
عندنا.
وعندهم: يبطل تيممه وصلاته ويلزمه التوضئ والاستئناف، وهو اختيار المزني، وابن سريج.
الجزء: 1 - الصفحة: 143
لنا:
إن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
ومعناه: فلم تجدوا ماءً فيتمموا للقيام إلى الصلاة، فقد جعل عدم الماء شرط التيمم للقيام إلى الصلاة، وقد فعل التيمم مع وجود شرطه المشروط له، وهو عدم الماء، وإذا تم المأمور به بشرطه فلا يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كسائر الأفعال إذا تمت بشروطها لم يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كذلك هاهنا.
فإن قالوا: فلم يجب التوضئ لصلاة أخرى؟
قلنا: لأن الله تعالى جعل القيام إلى الصلاة بالتيمم مشروطاً بعدم الماء وقد قام إلى الصلاة الثانية بالتيمم، والشرط مفقود فلم يجز.
فأما الصلاة الأولى فقد قام إليها بالتيمم مع وجود شرطه والمأمور به إذا استوفى شرطه لم يعتبر بعد ذلك بقاء الشرط، وهذه طريقة في غاية المتانة، وسنذكر ما يتكلمون عليه في حجتهم.
وقد اعتمد في الفقه عامة الأصحاب طريقة أخرى، وهي أنه غير قادر على استعمال الماء لحرمة الصلاة، فإن الصلاة مانعة من كل ما ينافيها وهي منافية لفعل الوضوء.
ألا ترى أنه لو فعلها تبطل صلاته فتصير حرمة الصلاة مانعة منها وإذا كانت القدرة معدومة حكماً على هذا الوجه وجب المضي في صلاته كما لو وجد الماء وبينه وبين الماء حائل من سبع أو غيره.
والطريق الأولى أحسن واصبر على المحك وسيظهر من بعد.
الجزء: 1 - الصفحة: 144
وأما حجتهم:
قالوا: وجد الماء المقدور على استعماله فينتقض تيممه كما قبل الشروع في الصلاة.
أما الوجود فظاهر، وأما دليل القدرة هو أنه قادر على استعماله حساً وحقيقة فلو انعدم انعدم حكماً، ولابد من دليل على العدم حكماً، لأن نهاية ما في الباب أن ينسب هذا المعنى إلى حرمة الصلاة فيقال: إن استعمال الماء يؤدي إلى هتك حرمة الصلاة فينتصب الصلاة مانعة منه، وحرمة الصلاة غير مانعة من الاستعمال لأنه يستعمل الماء ليقيم حرمة الطهارة، فلا يؤدي إلى الهتك وهذا (لأن الصلاة ما شرعت إلا بالطهارة.
والأصل هو الطهارة بالماء وهو يحصل حقيقة به، وإنما نقل إلى التيمم بعذر فيكون إفساد الصلاة في هذه الصورة لأدائها بالماء أداء الصلاة بالطهارة الحقيقة على سبيل الكمال فيكون تحته إقامة لحرمة الصلاة على الحقيقة لا إفساداً).
(ألا ترى أنه إذا وجد الثوب وهو يصلي عارياً، والثوب بعيد منه تبطل صلاته ويستأنف بالثوب، لأن فيه أداء الصلاة بستر على الكما، ولا يجعل القدرة على لبس الثوب بمنزلة العدم لحرمة الصلاة، وكذلك لو خاف فوات وقت الصلاة لو توضأ لا يجوز له التيمم وإن انتقض بالقضاء، لأن فيه قضاء بوضوء والتفاوت الذي بين الأداء والقضاء فوق التفاوت الذي بين المضي في الصلاة والإفساد ثم الأداء في الوقت فلما لم يجعل ذلك التفاوت عذراً فهذا أولى، وكذلك من شرع في الفرض ثم أقيمت الصلاة يقطع الفرض ليؤديه بالجماعة وأصل الجماعة سنة والطهارة
الجزء: 1 - الصفحة: 145
بالماء في مسألتنا فريضة، فثبت أن وجود الماء قد حصل ولم يصر عادماً له حكماً من الوجه الذي قلتم فخرج التيمم من أن يكون طهارة لفوات شرطه فيبطل صلاته كما لو أحدث).
قالوا: وليس كما لو كان تيمم في صلاة الجنازة في فرأى الماء وهو يخاف فوتها لو اشتغل بالوضوء حيث يمضي فيها.
لأن عندنا صلاة الجنازة لا تقضى فلو أفسدناها فاتته الصلاة أصلاً، والماء يجب استعماله لا لعينه بل للصلاة، فإذا كان لا يفيد في حق الصلاة لفواتها أصلاً صار عادماً للماء في حق تلك الصلاة وإن وجد حساً بخلاف مسألتنا.
قالوا: وأما إذا كان يصلي بالتيمم فوجد سؤر الحمار، فإنه يمضي في صلاته ثم يتوضأ بسؤر الحمار ويعيد الصلاة، ويصير في المعنى كأنه جمع بين التيمم وسؤر الحمار في الابتداء، وإنما عمل كذلك لأن سؤر الحمار طهور بالشك، وقد شرع في صلاة بطهارة فلا يخرج بالشك كما في الابتداء لا يدخل بشك بل يجمع ليزول الشك، كذلك هاهنا لا يجبر بالشك بل يمضي ثم يتوضأ ويعيد الصلاة ليزول الشك هاهنا.
قالوا: وليس كما لو وجد الماء بزيادة على ثمن المثل حيث يجعل الوجود كالعدم (لأن قدر الزيادة يذهب بلا عوض، ولذا اعتبرت المحاباة بالهبات في باب التصرفات وللمال حرمة وإن قل فكان له ألا يبذله جزافاً بلا عوض، فإذا لم يصل إلى الماء إلا ببذله يصير عادماً للماء حكماً.
الجزء: 1 - الصفحة: 146
ألا ترى أنه إذا كان عرياناً ووجد الثوب بزيادة ثمن على ثمن المثل يصلي عرياناً وبمثله في مسألتنا لو كان يصلي عرياناً ووجد الثوب ولا يمكنه لبسه إلا بقطع الصلاة قطع الصلاة).
وحرفهم في هذه الطريقة أن أداء الصلاة لا يصح إلا بشرط الطهارة وقد فاتت الطهارة فلم يجز المضي فيه، لأنه بالمضي يؤدي الصلاة بلا طهارة فلا يجوز.
قالوا: فإن قلتم إذا رأى الماء في تضاعيف الصلاة فلم لا يبنى مثل ما إذا سبقه الحدث يبنى على صلاته؟
قال: لأن رؤية الماء ليست بحدث لعينه، ولكنه إذا رآه خرج الصعيد من أن يكون طهوراً فتبطل الطهارة بالصعيد مستنداً على أول الاستعمال حتى يكون جنباً إن كان تيمم من جنابة ومحدثاً إن كان تيمم من حدث وإذا استند إلى أول الصلاة امتنع البناء إلا أن الفساد يظهر في حق الصلاة القائمة دون الصلاة التي فرغ منها وسلمها إلى الله تعالى.
وأما إذا سبقه الحدث فإنه تنقطع الطهارة في الحال ولا يستند فلا يصير ما مضى من الأداء أداء بحدث بحال فأمكنه البناء على جزء مضى على الصحة بدليل شرعي يقوم عليه).
قالوا: ونظير رؤية الماء في خلال الصلاة انقضاء مدة المسح في خلال الصلاة فإنه تبطل الصلاة فلا يجوز له المضي، ويجب عليه الاستئناف، كذلك هاهنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 147
(قالوا: وأما قولكم في الابتداء أن البدل شرع لصحة الشروع في الصلاة وقد صح بشرطه فلا يعتبر دوام الشرط من بعد.
قال: التيمم ما شرع للشروع فحسب بل شرع للشروع والأداء جميعاً، ولو قيل الأداء فحسب فهو صحيح إلا أنه شرط للشروع، لأن الافتتاح لا يوجد إلا متصلاً بالأداء فشرط له شروط الأداء، وإذا كان البدل مشروعاً للأداء، ولم يتم الأداء بعد اعتبر قيام الشرط ليبقى البدل مشروعاً فإذا سقط وجود الأصل لم يصح الأداء بعده).
وحرف الاعتراض أن الأداء لا يصح إلا ببدل مشروط بقيام عدم الماء فإذا وجد الماء فات وبطل الأداء.
(قال: وليس كما لو وجد هدى التمتع بعد صوم الثلاثة قبل السبعة حيث لا يعود إليه، لأن الهدى ليس بنسك مقصود بل هو مشروع للتحلل وبصوم الثلاث قد حصل التحلل فسقط الرجوع على الهدى، لأنه لما تحلل وقد كان وجب التحلل عليه فسقط وجوبه كما لا تجب الطهارة إلا للصلاة، وهاهنا الطهارة مشروعة للحاجة إلى أداء الصلاة والحاجة باقية على ما مر).
الجواب:
أما الطريقة الأولى فهي أمتن الطريقتين ووجه تمشيها ودفع اعتراضهم عليها أن الصلاة مشروطة بالطهارة، والطهارة بالتراب مشروطة بعدم الماء وقد أتى بالتيمم مقارناً بشرطه المشروط فيه فلا يعتبر بعد ذلك قيام العدم، لأن الشرائط متى عملت عملها لم يعتبر وجودها من بعد.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
وعلى هذا نقول: إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه لا لأنا جعلنا قيام العدم شرطاً لازماً لبقاء التيمم بل إنما أبطلنا تيممه وأمرناه بالوضوء بدليل مستخرج من نص الكتاب وهو أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وقد بينا أن المعنى: فتيمموا للقيام إلى الصلاة، والمراد من القيام هو الشروع فقد جعل عدم الماء شرطاً للشروع في الصلاة بالتيمم فإذا كان الماء موجوداً فقد الشرط المشروع، وهذا لا يوجد في أثناء الصلاة فرجعنا إلى الأصل الممهد في الشرع وهو أن الشيء إذا تم بشرطه لا يعتبر قيام الشرط من بعد.
فأما قولهم: ((إن هذا الشرط للشروع والأداء جميعاً)).
قلنا: ظاهر النص لا يترك وقد جعله الله تعالى شرط الشروع ثم نقول: إن أداء الصلاة مشروطة بالطهارة وهو عند المضي في مسألتنا مؤدى للصلاة بطهارة وهو طهارة التيمم غير أن هذه الطهارة لها شرط وقد فعلها بشرطها، وقيام الدليل عند الشروع اعتبرناه بالدليل المستخرج من النص على ما سبق فلم يعتبر فيما وراء الشرع وصح الأداء لأنه أداء بطهارة وقد تمت بشرطها هذا هو نهاية هذه الطريقة.
وقد خرج على هذه الطريقة فصل العاري، لأن الستر شرط الصلاة ولا ستر مع القدرة، وهاهنا الطهارة شرط، والطهارة موجودة إلا أنها بالتراب، وكذلك إذا أحدث في خلال الصلاة فقد فاتت الطهارة، وكذلك إذا مضت مدة المسح فقد ظهر الحدث القائم في الرجل.
فإن قالوا: وهاهنا إذا رأى الماء فقد ظهر الحدث السابق الذي تيمم له.
الجزء: 1 - الصفحة: 149
قلنا: لا يظهر، لأنه لو ظهر يظهر باعتبار شرط قيام عدم الماء بجواز التيمم وقد بينا أنه غير معتبر.
وأما المسح فرخصة موقوتة بالنص فإنه ما ورد إلا كذلك.
فإن قالوا: وهذا أيضاً موقوت بوجود الماء.
قلنا: لا، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أطلق إطلاقاً فهو طهارة صحيحة مطلقة عند وجود شرطها وبطلانه عند رؤية الماء لصلاة أخرى بدليل آخر على ما سبق ولابد من تمشية هذه الطريقة من فضل قوة في الجدال والله الموفق بمنه.
أما الطريقة الثانية: فغاية ما يمكن الجواب عن اعتراضهم أن ندعي أن الطهارة بالتيمم والوضوء واحد والصلاة بهما على صفة الكمال ولا تفاوت بين الصلاة بالوضوء والصلاة بالتيمم بوجه ما إلا أن الماء طهور في حال والتراب طهور في حال، وإذا كان الأمر هكذا فيصير إفساد هذه الصلاة للوصول إلى صلاة أخرى لا زيادة ولا تفاوت فتصير حرمة الصلاة مانعة منه، وعلى هذا ينبغي أن ندعي التيمم يرفع الحدث في حق الصلاة المؤداة مثل الوضوء سواء.
وأما فصل العاري إذا وجد الثوب وبينهما مسافة فقد منع في وجه بعيد وعلى أن اللبس غير مناف للصلاة بدليل أنه لو كان قريباً منه يلبس ويمضي في صلاته فتتحقق القدرة بخلاف مسألتنا، فإن نفس الوضوء مناف للصلاة فتصير الصلاة مانعة منه.
وأما الحدث المعترض في خلال الصلاة، فإنما أفسد الصلاة لأنه مبطل للصلاة لعينه، فإذا وجد عينه فلابد من إبطاله الصلاة، وأما رؤية الماء يبطل الصلاة بواسطة القدرة على استعماله ولم يوجد، وكذلك مسألة
الجزء: 1 - الصفحة: 150
انقضاء مدة المسح يخرج على هذا الأصل، فإنه إذا انقضت المدة وطهر الرجل فثم حدث قائم في الرجل فصارت كنفس الحدث وهم يدعون هكذا في مسألتنا.
والجواب: لا يمكن إلا بدعوى رفع الحدث بالتيمم على الإطلاق في حق الصلاة بخلاف مسح الخف وهو في نهاية الصعوبة.
وقد تمسك المزني أيضاً بفصل العدة وهو إذا قدرت على الأقراء في خلال الشهور، وليس يرد هذا على الطريقة الأولى، وعلى الطريقة الثانية مانع من المصير إلى الأقراء بخلاف مسألتنا على ما سبق بيانه.
والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 151
(مسألة)
إذا كان عند المسافر من الماء ما يكفي لبعض أعضائه لزمه استعماله ثم يتيمم للباقي على أحد قولي الشافعي.
وعندهم: يتيمم، ولا يلزمه استعماله وهو القول الثاني واختيار المزني.
لنا:
إنه مأمور بتحصيل الطهارة في الأعضاء الأربعة، وقد قدر على تحصيل بعضها فتجب عليه، كما لو كان عليه نجاسة في أعضائه فوجد من الماء ما يغسل به بعض النجاسة لزمه بقدره، وكذلك لو كانت عورته مكشوفة فوجد من الساتر ما يستر به بعض العورة.
ومن غير هذا الباب إذا وجد المضطر من الطعام بعض ما يسد به/ رمقه لزمه تناوله ثم يعدل إلى الميتة، وهذا لأن من لزمه فعل شيء فإذا قدر على البعض وعجز عن البعض يلزمه بقدر المقدور عليه وسقط بقدر المعجوز عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 152
والحرف أن عمل العلة لا يتعدى من محل العلة إلى غير محل العلة فكذلك عمل العجز لا يتعدى عن محله إلى غير محله، وهذا ظاهر.
وإنما الشأن في إثبات قولنا أنه قدر على تحصيل بعض الطهارة، وإنما قلنا ذلك، لأن الطهارة عن الحدث بغسل الأعضاء الأربعة فكلما غسل عضواً زال الحدث عنه وحكم بطهارته، وهذا لأن الغسل المعقول أمر حسي وله عمل شرعي من زوال الحدث فإذا وجد الفعل الحسي يتبعه الحكم الشرعي ولم يتخلف عنه مثل ما لو كان التابع حسياً أيضاً، فإنه يتبع ولا يتخلف عنه، وذلك في مسألة إزالة النجاسة وستر العورة التي قدمناها فثبت ما ادعيناه من قدرته على تحصيل الطهارة في بعض الأعضاء فإذا ثبت القدرة ثبت الأمر فوجب ألا يعدل إلى التيمم إلا بعد العجز.
وأما حجتهم:
قالوا: ((عدم الطهور في طهارة الصلاة فوجب أن يعدل إلى التيمم.
دليله إذا لم يكن عنده شيء من الماء وإنما قلنا ذلك لأن طهارة الصلاة طهارة حكمية.
ومعنى قولنا: ((حكمية)) هو أنها لا تعرف إلا بالحكم وهو تحليل الصلاة، فإذا لم تكن محللة للصلاة لا تكون طهارة وغسل بعض الأعضاء لا تكون محللة للصلاة فلا يكون طهارة، فثبت أنه عدم الطهور لطهارة الصلاة يبينه أن غسل الأعضاء الأربعة علة واحدة لإفادة الصلاة، وبعض العلة لا عمل له بدليل علة الربا)).
دليله إذا وجد بعض الرقبة يلزمه فعل الصوم ولا يجب عليه إعتاق هذا البعض والمسألة مشكلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
قالوا: ولا يلزم مسألة إزالة النجاسة وستر العورة، لأنه أمر حسي فلابد من وجود ما باشره حساً بقدرة من زوال النجاسة وستر العورة لأنه أمر حسي وفي مسألتنا حصول الطهارة حكم فلابد من وجود تمام العلة ليحصل الحكم المبني عليه.
قالوا: والدليل على أنه لم يحصل شيء من الطهارة أنه لا يفيد حكماً ما، وكيف يتصور وجوب طهارة حكمية خالية من كل حكم؟
قالوا: ولا يلزم إذا كان عنده سؤر الحمار حيث يلزمه التوضئ به عندنا، لأنه لم يعدم الطهور بيقين لأنه يجوز أنه طهور وفي مسألتنا عدم الطهور بيقين.
الجواب:
إنه قولهم: ((عدم الطهور)) في طهارة الصلاة ممنوع على الإطلاق بل نقول: وجد الطهور في بعض الطهارة على ما سبق بيانه.
وقولهم: ((إن هذه الطهارة حكمية)).
قلنا: حكم مبني على فعل محسوس وهو غسل الأعضاء.
وقولهم: ((محللة للصلاة)).
قلنا: نعم، ولكن عند تمامها وكمالها، فأما قبل التمام والكمال فيوجد بقدر ما حصله ولا يفيد حل الصلاة ألا بعد تمامها وكمالها مثل ما لو شهد شاهد عند الحاكم فهو شهادة لكن لا يفيد حكماً إلا بعد تمامها وكمالها فإن أمكنه أن يتمها بالماء فعل وإلا فعدل إلى التيمم فيها ونزل إتمام الطهارة منزلة أصل الطهارة في الماء والتراب عند وجوده وعدمه.
الجزء: 1 - الصفحة: 154
وأما مسألة الرقبة فقد فرق بعض أصحابنا بصورة النص فإن الله تعالى قال في شأن الكفار: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ يعني رقبة، وبعض الرقبة لا يكون رقة.
وأما في مسألتنا فالنص قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ والموجود ماء.
قالوا: المراد منه الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة، لأن هذا اللفظ مسنون على ما سبق والمراد من السابق هذا.
قلنا: المراد من أول الخطاب الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة عند القدرة عليها وما يغسل به البعض أيضاً إذا لم يقدر إلا على ذلك لما بينا أن الأمر إذا تناول مجموع أشياء ما يقدر عليه من ذلك يلزمه الإتيان به والعجز عن الباقي لا يسقطه، وأيضاً فإن العتق عن الكفارة محض حكم.
لأنه تكفير فلا يحصل شيء منه إلا بظهور حكمه.
وأما الوضوء حكم مبني على فعل محسوس فبقدر ما يوجد من الفعل المحسوس يبتنى عليه المحكوم كما نقول في إزالة النجاسة وستر العورة.
ولهذا لو أعتق نصفي رقبة لا يجوز، ولو غسل/ هاهنا بعض الأعضاء وأعوز الماء الباقي ثم وجده من بعد بنى على ما فعله مثل قبل ولا يستأنف الوضوء ويمكن أن يقال في الجواب عن أصل الطريقة: أن الطهارة معنى يحتاط فيها شرعاً فإذا قدر منها على بعض ما لو تم يفيد الحكم الشرعي من الطهارة المحلة للصلاة ويلحق بالكل في تناول الأمر إياه في لزوم الفعل ليظهر الاحتياط المشروع فيها فعلاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 155
ونظيره القدح الواحد الذي لا يسكر من الخمر ملحق بالعدد منه احتياطاً للتحريم المشروع فيه، لأنه في الشرع مبني على الاحتياط وعلى هذا خرج فصل الرقبة، لأن التكفير لم يبن على الاحتياط في تحصيله ليلحق البعض منه عند القدرة عليه بكله في لزوم فعله هذا غاية الإمكان في الجواب عن فصل الرقبة.
ولم نستعن في هذه المسألة بما أورده الأصحاب من المجروح في بعض أعضائه لأن مذهبهم في ذلك أن الواجب هو التيمم إذا كان الجرح بأكثر أعضائه، والواجب هو التطهير بالماء إذا كان الجرح بأقل أعضائه، ولا يثبتون الجمع بين التيمم والوضوء بحال.
وأما قولهم: ((إن ما قلتم يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل)).
قلنا: لا، لأنا نثبت التيمم في محل الغسل ولا نثبت الغسل في محل التيمم فلا جمع، وإذا لم يحد المحل لم يقع المنع، كما توضأ وسبقه الحدث في خلال الصلاة فلم يجد الماء يتيمم عندهم، وقد جمع بين الأصل والمبدل ولكن لا في محل واحد فلم يمنع منه كذلك هاهنا.
والله تعالى أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 156
(مسألة)
إذا نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم ذكره أعاد
عندنا.
وعندهم: لا يعيد، إلا أبا يوسف فإنه وافقنا فيما قلناه.
لنا:
إن التيمم أخطأ محله فلم يصح، وإنما قلنا إنه أخطأ محله، لأن محل التيمم حال عدم الماء بنص الكتاب، وهذا واحد للماء حقيقة وحكماً.
أما الحقيقة فلأنه واجد قبل النسيان فإذا نسى لا يصير عادماً، لأن النسيان لا ينافي الوجود، وإنما ينافي الذكر فيكون واجداً ناسياً.
يبينه أن رحله في يده والماء في رحله فيكون الماء في يده فكيف يتصور أن يقال هو عادم لشيء في يده وقبضه؟
الجزء: 1 - الصفحة: 157
أما الحكم: فلأنه وجد على الماء علم ظاهر وهو عمله برحله، ورحل المسافر قلماً يخلو عن الماء وإن خلا فهو نادر، وكما لو نزل المسافر بجنب قرية عامرة لا يجوز له التيمم، لأن القرية قلما تخلو عن الماء فلا يجوز أن يجعل عادماً للماء والحالة هذه، كذلك هاهنا.
وإذا ثبت ما قلناه من وجود الماء فنقول: التيمم صح في الظاهر، لأنه ظن أنه عادم للماء، ولم يصح حقيقة، لأنه غير عادم له حقيقة وقد تبين ذلك فيلزمه الإعادة، كما لو كان عنده رقبة وهو ناس لها فصام ثم ذكر الرقبة يلزمه إعتاقها، وكذلك إذا كان ثوباً وهو ناس له فصلى عارياً ثم ذكر يجب عليه الإعادة.
وكذلك إذا ظن أنه على الوضوء فصلى ثم تبين أنه ليس على الوضوء والأمثلة تكثر.
وأما حجتهم:
قالوا: عاجز عن استعمال الماء فيجوز له التيمم، كما لو كان يخاف العطش.
والدليل على أنه عاجز أن القدرة لا تكون إلا بالوصول إلى الماء ولا يتصور الوصول إلا بالذكر، فدل أنه عاجز، وربما يقولون: النسيان حائل بينه وبين الماء، فصار كما لو كان حائل من سبع أو غيره.
قالوا: وأما ((قولكم إنه واجد للماء))، نسلم الوجود إنما ندعى العجز عن الاستعمال مع الوجود، كما يعجز عند خوف العطش بل العجز في مسألتنا فوق العجز بالعطش.
وأما قولكم: ((إنه وجد علم ظاهر على الماء)).
قلنا: ذلك الظاهر قابله ظاهر آخر، وهو أن ما يكون في رحله يكون بعلمه ووضعه فلو كان فيه ماء لم يخف عليه، وإذا تقابل الظاهران سقطا وبقى ما قلنا إنه عاجز عن استعمال الماء.
الجزء: 1 - الصفحة: 158
وأما فصل نسيان الرقبة ونسيان الرقبة ونسيان الثوب فقد منعوا المسألتين.
واعتذر أبو زيد عن فصل الرقبة وقال: تفسير الوجود في الرقبة هو الملك.
ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده الذي عليه كفارة الظهار أو القتل: اعتق هذا العبد عن كفارتك لا يجوز، وإن وجد الرقبة لأنه لا ملك له.
وأما تفسير الوجود في الماء هو القدر بدليل أنه لا يعتبر ملكه، ولو بذل له الغير ماء من غير تملك لم يجز له التيمم.
قال: وأما إذا نسى الطهارة أصلاً فلأن الطهارة شرط الصلاة ولا .... / في إسقاط أصلاً.
وأما في مسألتنا جواز التيمم لا يؤدي إلى أصل الطهارة، لأنه إن لم يوجد الوضوء فقد وجد التيمم.
الجواب:
أما قولهم: ((إنه عاجز عن استعمال الماء)).
قلنا: أيش تعنون بهذا إن عنيتم به من حيث الظاهر، فمسلم، وإن عنيتم من حيث الحقيقة فليس كذلك، لأنه قادر على الماء حقيقة، لأن القدرة هو التمكن وإذا كان الماء في رحله فهو متمكن منه لأنه متمكن من رحله فيكون متمكناً من الذي يشتمل عليه رحله وإذا كان قادراً حقيقة عاجزاً من حيث الظاهر، والعجز الظاهر من غير حقيقة لا ينتصب علة من جواز الانتقال إلى التيمم، وعلى أنا قد بينا أنه وجد علم ظاهر على الوجود، وذلك علم على الوجود والقدرة جميعاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 159
وقولهم: ((إنه قد قابله ظاهر آخر)).
قلنا: والظاهر الذي قلتم قابله ظاهر آخر، وهو أن الماء الذي في رحله وإن كان الظاهر أنه يكون بوضعه وعمله، ولكن الإنسان تعتريه الغفلة والنسيان فيغفل عن الشيء، ثم ينتبه، وينسى الشيء ثم يذكره فينبغي أن يحمل أمره على هذا، ويطلب الماء في رحله ويفتشه حتى يعثر عليه وخرج على ما قلناه إذا كان على رأس بئر مطموم وليس عليه أثر، تيمم ثم إنه وجد، وكذلك إذا ضل رحله بين الرحال يخرج على ما قدمنا إن سلمنا، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 160
(مسألة)
لا يحل وطء الحائض بمجرد انقطاع الدم، وإذا كان لأكثر مدة الحيض حتى تغتسل
عندنا.
وعندهم: يحل وطئها بدون الاغتسال في هذه الصورة.
قالوا: ولو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض لم يحل الوطء قبل الاغتسال أو مضى وقت الصلاة)).
لنا:
قوله تعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ ...﴾
وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ معناه فاغتسلن، وقد قرئ ((حتى تطهرن))
الجزء: 1 - الصفحة: 161
بالتشديد.
وهو صريح في الاغتسال بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ أي اغتسلوا.
فعدمه التحريم إلى حالة الاغتسال فلا يحل قبله، والاعتماد على الآية، ولا تأويل لهم لقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، لأنه لا يحتمل سوى الاغتسال إلا أنهم ربما يقولون: يحتمل أن يكون المراد به حال انقطاع الدم لأقل من أكثر الحيض وهو تأويل ضعيف.
لأن الآية لم تتعرض بحالة دون حالة فيجب إجراؤها على ما يقتضيه إطلاقها حتى يقوم دليل قطعي يوجب خلافه، وعلى أنهم لا يقولون بهذا التأويل فإن عندهم: لا يقف حل الوطء على الاغتسال وإن كان الانقطاع لأقل من أكثر الحيض فإنهم قالوا: لو مضى عليها وقت الصلاة حل وطئها ولا اغتسال في هذه الصورة، ولا مجال للمعنى في المسألة سوى أن يقال: إن حدث الحيض قائم بعد الانقطاع إلى أن تغتسل وهو أثر من آثاره فيعمل أثر الحيض عمل نفسه فيما بنى أمره على الاحتياط كالعدة تعمل عمل النكاح في تحريم العقد، والاعتماد على الآية.
وأما حجتهم:
قالوا: انقطع الحيض عنها بيقين فحل للزوج وطئها.
دليله: إذا اغتسلت ولا إشكال في انقطاع الحيض بيقين، بدليل أنه لو عادوها الدم يكون استحاضة ولا يكون حيضاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 162
وأما وجه التأثير فهو في غاية الظهور، لأن المحرم نفس الحيض، وهو آيل إلى الارتفاع والزوال فإذا زال المحرم وجب أن يزول التحريم، لأن زوال العلة يوجب زوال المعلول، كما لو اغتسل مع الانقطاع فإنه ليس لزوال التحريم هاهنا سبب سوى زوال الحيض.
وربما عبروا عن هذا، وقالوا: إن التحريم بالأذى، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وقد زال الأذى بالانقطاع وإنما بقى مجرد الحدث وهو غير مانع من الوطء بدليل حدث الجنابة وخرج على هذا استباحة الصلاة ومس المصحف وغيره، لأن الحدث مانع منه بدليل حدث الجنابة.
أما الوطء فنفس الحيض مانع منه لأن الجنابة ونفس الحيض قد زالا.
قالوا: وأما قولكم: ((انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض)) فلم يزل الحيض بيقين لجواز أن يعود الدم فضعف الطهر عن الحيض فوقعت حقيقة الوطء على ثبوت حكم من أحكام/ الطاهرات لها وذلك إما بوجود اغتسال صحيح منها أو وجوب صلاة في ذمتها حتى يقوى الطهر عن الحيض بانضمام هذا المعنى الحكمي إليه.
وأما في مسألتنا فقد قوى الطهر عن الحيض بنفس الانقطاع، لأنه لا يتوهم العود فاستغنى عن معنى ينضم إليه فيقويه.
وقد تعلق بعض مشايخهم بالصوم، وقالوا: طهر يفيد إباحة الصوم فيفيد إباحة الوطء.
دليله ما بينا.
وقالوا: وكما أن حرمة الوطء معنى يختص بالحيض فكذلك المنع من الصوم معنى يختص بالحيض فكل واحد قرينة صاحبه فاستويا.
الجزء: 1 - الصفحة: 163
الجواب:
إنا اعتمدنا على نص الكتاب، ولا نسمع القياس المعنوي في مقابلته، ويمكن أن يقال إن الحيض وإن انقطع بيقين، ولكن أثره قائم فيعمل عمله كما بينا، ويدخل على ما قالوه إذا انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض.
وقولهم: ((إنه يتوهم عود الدم))، يبطل بما بعد الاغتسال.
وقولهم: إنه يقوى الطهر عن الدم بالاغتسال.
قلنا: ولم قالوا: لأن صحة الاغتسال حكم الطاهرات؟
قلنا: فقولوا إنه يقوى بنفس وجوب الاغتسال، لأنه من حكم الطاهرات أيضاً وعلى هذا انقطع لهم الكلام.
والجواب عن فصل الأذى بما قلنا أن الأذى وإن زال فأثره قائم.
وأما من تعلق منهم بصحة الصوم فيبطل بما لو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض، ويقال أيضاً من حيث المعنى: إنه لا يحتاط في المنع من الصوم حتى يقوم أثر الحيض فيه مقام نفسه بخلاف المنع من الوطء.
والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 1 - الصفحة: 164