الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةكتاب الزكاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء: 2 - الصفحة: 5

(مسألة)

إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استقر الواجب على الحقاق وبنات اللبون، واستقرت النصب على الخمسينات والأربعينات.

وهذا مذهب أكثر أهل العلم، غير أن الشافعي رضي الله عنه قال: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة تجب ثلاث بنات لبون ثم الأمر من بعد على ما بينا.

الجزء: 2 - الصفحة: 7

وعندهم: يستأنف الواجب بعد المائة والعشرين وتجب الأغنام وبنت المخاض.
لنا: الأخبار الثابتة برواية أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبرواية الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي عليه السلام ذكر في كتاب الصدقة الذي كتبه: ((فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل

الجزء: 2 - الصفحة: 8

خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون))، والكتاب يشتمل على أشياء كثيرة من باب الزكاة ذكره أبو داود وغيره، غير أن الاستدلال في هذه المسألة بهذ القدر وكان صلى الله عليه وسلم ختم عليه وقرنه بقراب سيفه.
وعمل بذلك بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 9

وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري أن سالم بن عبد الله بن عمر قرأ الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر في الصدقات وفيه: (فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون)).
ولا يتجه لهم تأويل لهذه الأخبار أصلاً.
وقد تكلفوا أشياء بعيدة أعرضنا عنها لبعدها، فإن صوروا في موضع يجب في كل خمسين حقة وفي الأربعين بنت لبون وذلك في مائة وتسعين.
قالوا: وقد قلنا بهذا الخبر في هذا الموضع.
يقال لهم: أنتم لا تقولون بهذا الخبر بحال، لأن عندكم لا تجب الحقة في الخمسين بحال، ولا بنت اللبون في الأربعين، فإنكم تقولون إن الحقة في ستة وأربعين وبنت لبون في ست وثلاثين على حسب ما كان في الابتداء، فقد تركوا القول بهذه الأخبار جملة من غير دليل.
وأما هم تعلقوا من جهة الخبر بما روى أنه كان في صحيفة عمرو بن حزم الذي كتبها له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فرائض الزكاة: ((وما زاد في الإبل على

الجزء: 2 - الصفحة: 10

مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون فما فضل بعد ذلك يعاد إلى أول فريضة الإبل فما كان/ أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس شاة)).
ورووا بطريق عاصم بن ضمرة عن علي عليه السلام: أنه قال ((إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة)).
وعن ابن مسعود كذلك، وهذا لا يقال قياساً، دل أنهما قالا ذلك عن النبي عليه السلام.
والجواب: أما الخبر الأول فقد رواه حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن صحيفة عند أبي بكر.

الجزء: 2 - الصفحة: 11

ابن عبد الله بن عمرو بن حزم فيكون مرسلاً، والمرسل ليس بحجة.
وعلى أن فيه ما يؤيد مذهبنا لأنه قال: ((فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون)).
وأما حديث عاصم بن ضمرة، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت حديث عاصم ابن ضمرة عن علي رضي الله عنه.
وقد روى عن علي رضي الله عنه مثل ما ذهبنا إليه.
وعلى الجملة .. لا يثبت ذكر الغنم وبنت المخاض بعد المائة والعشرين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة، وإنما الصحيح ما رويناه فلا يعدل عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 12

وإن التفتنا إلى المعنى بعد أن لا حاجة إليه، فهو أيضاً يؤيد ما قلنا.
وذلك لأن الأصل الموصل في الشرع أن الواجب في كل جنس من جنسه، لأن الواجب جزء من النصاب، لأن الزكاة واجبة للمواساة مع الفقراء بجزء من النصاب على مال نام، والجزء من الشيء جنسه، وهم يعترفون بهذا الأصل فلا يحتاج إلى كثير دليل، إلا أنه عدل عن هذا الأصل عند قلة الإبل لأنها لا تحتمل المواساة من جنسها، فإذا كثرت احتملت فعدنا إلى الأصل.
فإن قالوا: ((لم لا ينتظر إلى أن تبلغ حداً يحتمل الوجوب من جنسه مثل البقر))؟ قلنا: لأن الخمس من الإبل مال كثير القيمة كثير المنفعة قليل المؤونة فلم يستجز الشرع إخلاء مثل هذا عن حق الفقراء، وعلى أن هذا الذي قالوا اعتراض على الشرع، وعلينا أن نتلقى الشرع بالقبول ثم نطلب له معنى يخرج ذلك الشرع عليه، وقد فعلنا.
وأما البقر .. فقد كان غالب أموال العرب الإبل، وقد كانت الزكاة طهرة لمالهم فلم يرض بإخلائه عن الواجب بعد أن يبلغ الحد الذي قلناه من كثرة المنفعة والقيمة وقلة المؤنة، وأما البقر فقد كان قليلاً فيهم، فإبقاؤها على الأصل المعهود وهو ترك الإيجاب حتى يحتمل الواجب من جنسه هذا في الأغنام.
وأما سقوط بنت مخاض فهو يخرج على أصل آخر: وذلك لأن ما بعد المائة والعشرين حال تقرير النصب والواجبات وما قبل المائة والعشرين قد كان حال اضطرابها واختلافها، فمن الواجب أن يكون الاستقرار على النمط الأعدل، والنمط الأعدل في الأوقاص طرح

الجزء: 2 - الصفحة: 13

وقص الأربع، والأربعة عشر أعلى الذي ورد، الأغنام، وبنت المخاض والجذعة وبنتي اللبون والحقتين قبل المائة والعشرين، وتقرير الوقص على التسع لأنها الوسطى، وطريقة العدل في الوسط، وطرح ما يخرج عنه من الجانبين، كذلك في الواجبات اخترنا النمط الأعدل الأوسط وهو تقرير الواجب على الحقاق وبنات اللبون، وطرحنا ما خرج عنها من الجذعة وبنت المخاض ليكون ذلك لزوماً لجادة العدل، والطريقة الوسطى بين طرفي الترقي والنزول الذي أحدهما يؤدي إلى نوع إجحاف بأرباب الأموال والآخر يؤدي إلى ترك نظر الفقراء، ونزل القرآن على هذا واستمر عليه الشرع.
وأما الذي ذهبوا إليه من إيجاب الغنم والعود إليها مع كثرة الإبل وتقرير وجوب بنت المخاض مع خروجه عن النمط الأوسط ومع طرح قرينته من الجانب الآخر وهو الجذعة فلم يدل عليه نص ولا اهتدى إليه قياس، فكان متروكاً مطروحاً غير مأخوذ به بحال.
وفي المسألة وراء هذه إلزامات كثيرة عليهم في إبطال الاستئناف على مذهبهم: · من التزامهم القول بالموالاة بين الوقصين، وهذا لا يجوز في الشرع.
·

الجزء: 2 - الصفحة: 14

ومن عدولهم من بنت المخاض إلى الحقة في الخمسين الثالثة من غير إيحاب بنت لبون في الوسط.
· ومن ألزم جعل نصاب الحقة ثلاثين إذا قالوا بالاستئناف بعد المائة والعشرين وأوجبوا في مائة وخمسين ثلاث حقاق، وقد أعرضنا عن شرح هذا كله، لأن فيما قلناه غنية عن الكل، هذا كلامنا.
وأما حجتهم من حيث المعنى: فقد قال مشايخهم: إن إيجاب ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين يؤدي إلى مخالفة الرسول أو مخالفة الأصول وواحد منهما لا يجوز.
أما مخالفة الرسول إذا أوجبتم في كل أربعين وثلث، ومخالفة الأصول إذا أوجبتم في كل أربعين وذلك لأن الواحدة/ لم تجعلوا لها قسطاً من الواجب وغيرتم بها الواجب، وما لا يأخذ قسطاً من الواجب لا يغير الواجب هذا هو الأصل المعهود في الشرع، وقد خالفتم.
قالوا: وليس كما لو ماتت المرأة عن أبوين وأخوين حيث يغير الأخوان فريضة الأم، ولا يرثان، لأنهما بمحل الميراث، وإنما حجبا في هذه الصورة بالأب، وههنا ليست الواحدة بمحل الوجوب بحال، فنظير هذا في مسألة الميراث أن يكون الأخوان عبدين أو كافرين، وقالوا أيضاً: في إيجاب ثلاث بنات لبون إسقاط الحقتين، وقد أوجبنا بدليل مقطوع به فلا يسقط بخبر الواحد.
واستدلوا في تصحيح مذهبهم، والحكم بعود الغنم وبنت المخاض، أن الحقاق وبنت اللبون ينبني وجوبها على الغنم وبنت المخاض في قضية

الجزء: 2 - الصفحة: 15

وجوبها، وربما يقولون: الغنم وبنت المخاض أصل في واجبات الإبل فلابد من عودها، وقولهم: ((إن الغنم ليس من جنس الإبل)).
بلى، ولكن لما وجبت وبنى عليها سائر ما أوجب صار أصلاً، وخرج على هذا الجذعة، لأنها غير مبنية على الحقاق وبنات اللبون فلا يقتضي وجوب الحقاق وبنات اللبون وجوبها.
وأما الحقاق وبنات اللبون يبتنى وجوبها على الغنم وبنت المخاض فلابد من عودها إذا عادت.
قالوا: وأما قولكم: ((إن ما بعد المائة والعشرين زمان الاستقرار)).
قلنا: بلى، وقد استقر الواجب على الحقة وبنت اللبون، ولكن بشرط أن يعود ما هو الأصل مثل المسنة استقر عليها الواجب بشرط عود التبعية.
الجواب: إن كل ما قالوه ضعيف.
أما الأول فنحن نختار أنه يجب في كل أربعين وثلث أو يوجب في كل مائة وإحدى وعشرين من غير تعرض للتقسيم، وهذا بالخبر الذي رويناه في هذا نصاً.
ومثاله: إيجاب الحقتين في إحدى وتسعين في الابتداء، ويكون هذا إيجاب كل حقه في خمس وأربعين ونصف إلا أنه بالخبر، أو يوجب مطلقاً من غير تعرض للتقسيم، ويمكن أن يقال: قد وجد نصاب ثلاث بنات لبون إلا أن فيه أنه انتهاء وقص فلا يمكن إيجابها من غير وجود زيادة، فإذا

الجزء: 2 - الصفحة: 16

وجدت بزيادة ظهر الآن وجوب بنات لبون لوجود نصابها والترقي من انتهاء الوقص إلى زيادة، وهذا الكلام إذا قلنا إن الواجب في كل أربعين، والزيادة ليس لها عمل إلا في التغير فحسب.
وأما الكلام الثاني الذي قالوه .. قلنا: نعم، وجبت الحقتان في المائة والعشرين بدليل مقطوع به ولكن حين زادت واحدة فات محل وجوب الحقتين وانقطع الإجماع فصلح التعرض لما يدل عليه الخبر الواحد فنوجب ما أوجبه، ولهذا لم يجز الاجتهاد لإيجاب شيء آخر في المائة والعشرين، وصح الاجتهاد لإيجاب ثلاث بنات لبون عند وجود الزيادة.
وأما الكلام الثالث .. وهو الذي قالوا: إن وجوب الحقاق وبنات اللبون يبتنى على وجوب الغنم وبنت المخاض.
قلنا: إن زعمتم أن المراد بالإبتناء أنها وجبت بعد وجوبهما فهذا مسلم.
وإن زعمتم أن معناه أن ذلك يصير أصلاً وهذا يصير فرعاً له فلا نسلم.
والدليل عليه: أن في الخمسين الثانية للمائة الأولى قد عادت الحقة وثلاث بنات لبون، لم تعد الغنم ولا بنت المخاض، ولو صار ذلك أصلاً وهذا فرع له لم يجز إلا أن يعود الأصل ثم يعود الفرع، وعلى أنا قد دللنا أن وجوب الغنم ضرورة والضرورة تلزم موضعها.
وأما بنت المخاض فقد بينا أنها خارجة عن النمط الأعدل والطريقة الوسطى مثل الجذعة فلم يستقم عودها، والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 17

(مسألة)

الزكاة تتعلق بالنصاب والوقص

عندنا، وهو قول محمد بن الحسن من أصحابهم.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه وأبي يوسف تتعلق بالنصاب دون الوقص، وهو قول الشافعي رضي الله عنه.
لنا: إنه قد ثبت أن النبي عليه السلام قال: ((في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين)).

الجزء: 2 - الصفحة: 18

وقوله: ((إلى الحد الواجب))، دل أنه متعلق بالنصاب والوقص، ولأن جميع المال محل للواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه، وليس تعليق الواجب ببعض المال أولى من البعض فتعلق بالكل الواجب، وهذا كما لو سرق مالاً بقدر نصب كثيرة فإنه يتعلقا القطع بالكل للمعنى الذي بينا كذلك ههننا، وكذلك إذا أوضح جميع رأسه فإنه يتعلق الأرش بجميع الموضحة، لأنه ليس إيجابه في البعض أولى من إيجابه في البعض فتعلق الواجب بالكل.
والحرف لنا: أن تقدير النصاب/ لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه مثل النصاب في السرقة، والقدر الذي ينطلق عليه اسم الموضحة فإنه لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه، وهذا لأن المال إذا كان محل الواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه فلا يمكن إخلاؤه من الوجوب.
وأما حجتهم: قالوا: الزيادة لها حكم نفسها بدليل أنها إذا بلغت قدراً معلوماً تعلق بها واجب جديد فتخلو من الواجب حتى تبلغ ذلك المقدار، وهذا كالنصاب الأول فإنه لا يتعلق به شيء حتى يبلغ الحد المعلوم، وبهذا فارق السرقة ومسألة الموضحة، لأن الزيادة ليس لها حكم نفسها بدليل أنها لو زادت زيادة كثيرة لا يتعلق بها واجب آخر بحال آخر بحال فكانت الزيادة بمنزلة الأصل في تعلق الواجب بالكل.

الجزء: 2 - الصفحة: 19

قالوا: ولأن الزيادة لو هلكت لم يسقط شيء من الواجب، وصوروا إذا هلك قبل التمكن من الأداء ليكون في محل الإجماع فلو كان تعلق بها شيء من الواجب لسقط من الزكاة بقدر الهالك، كما لو هلك النصاب.
الجواب: أما قولهم: ((إن الزيادة لها حكم نفسها)).
قلنا: ليس لهذا معنى سوى أنه إذا بلغ حداً معلوماً يتعلق به واجب آخر وهذا أولاً تدخل عليه الزيادة على إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فإنه لا يتعلق بهذه الزيادة واجب آخر، لأنه عندهم يستأنف الحكم بعده ومع ذلك لم يتعلق الواجب الأول بهذه الزيادة على أصلهم.
فإن قالوا: يتعلق، فقد التزموا المناقضة.
فإن قالوا: يتعلق واجب آخر إذا بلغت الإبل مائة وخمسين فإنه تجب حقة ثالثة في الخمسين الثالثة.
فقلنا: فإذا لا استئناف، وقد قلتم بالاستئناف، وعلى أن هذا إن استقام فيما بعد المائة فلا يستقيم في التسع الزائدة من إحدى وتسعين إلى تمام المائة فإنه لا يتعلق بها واجب آخر بحال، ومع هذا لا يتعلق بها الواجب الأول، ثم نقول: للزيادة حكم نفسها إذا بلغت قدراً معلوماً.
والكلام فيما إذا لم تبلغ ذلك القدر فهو وما زاد عليه واحدة والجميع بمنزلة شيء واحد ومال واحد، وقد بينا أنه ليس تعليق الزكاة ببعض المال أولى من بعض فتعلق بالكل، ثم إذا بلغت الزيادة نصاباً آخر حينئذ يتعلق به واجب آخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 20

فإن قالوا: إذا كان تعلق به الواجب الأول كيف يتعلق به واجب ثان؟ قلنا: هذا غلط، لأنه إن كانت الزيادة بعد حؤول الحول فالواجب الأول لا يسرى إليها، وإن كانت الزيادة قبل حؤول الحول فعندنا لا يضم النصاب بل يعتبر لها حول جديد من وقت الاستفادة فلم يتصور اشتغال الزيادة بالواجب ثم خلوها عن الواجب، واستقام ما قلنا إن الزيادة لها حكم نفسها إذا بلغت قدراً يتعلق بها واجب آخر، فأما إذا لم تبلغ من قبل فلا.
وأما قولهم: ((ينبغي أن ينتظر)).
قلنا: لا معنى للانتظار وقد وجدنا مال الزكاة وقد ملكه من هو من أهل الزكاة.
وأما في الابتداء فلأنه لم تبلغ نصاباً والزكاة لا تجب فيما دون النصاب وههنا قد بلغ نصاباً وقد زاد، وقد ذكرنا وجه تعلق الواجب بالكل.
وأما قولهم: ((إذا هلكت الزيادة قبل التمكن من أداء الزكاة)).
قلنا: قد قال بعض أصحابنا: إنه يسقط من الواجب بقدره وإن سلمنا أنه لا يسقط فلأن الزيادة جعلت وقاية لما هو الأصل فانصرف الهلاك إليها حكماً، وصار النصاب بمنزلة القائم جميعه من غير أن يهلك منه شيء.
وهذا مثل ما لو هلك بعض مال القراض وقد ظهر فيه الربح فإنه ينصرف الهلاك إلى الربح، وجعل الربح وقاية لرأس المال، وصار رأس المال كأنه لم يهلك منه شيء كذلك ههنا.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 21

(مسألة)

إذا هلك مال الزكاة بعد حؤول الحول ووجود التمكن من أداءها لم تسقط الزكاة عمن عليه بهلاكه

عندنا.
وعندهم: تسقط.
لنا: إن المال سبب الوجوب لأداء فعل الوجوب فإذا حصل الوجوب واستقر فقد عمل السبب عمله، والسبب إذا تم عمله فبعد ذلك شرط وجوده لغو لا معنى له كسائر الأسباب إذا تمت، وأقواها صدقة الفطر فإنها لم تسقط عنها بهلاك المال لما بينا.
وهذا لأن الوجوب محله الذمة فإذا وجب الشيء فقد حصل في محله الذي له فاستغنى عن تعلقه بمحل آخر، لأن الذمم مستقلة تحمل الواجبات مستغنية في وجوبها عن ضم محل آخر إليها بل لا يتصور الوجوب إلا في الذمة فإن معنى الوجوب في الذمة تكليف المكلف فعلاً على صفة مخصوصة فيقال وجب عليه كذا، وكلف/ كذا، ثم إنما يكون أداؤه بآلة:

الجزء: 2 - الصفحة: 22

فإما أن تكون الآلة هو البدن مثل العبادات البدنية، وإما المال مثل اللوازم المالية، فإن كان بدنياً فلا التفات فيه إلى المال، وإن كان مالياً فلا يتعين له مال دون مال، لأن جميع الأموال في تصور الأداء به واحد فلا معنى لتعين محل واحد له، اللهم إلا أن يكون التعيين لمعنى لغرض مطلوب يطلبه الشرع من توثقه مؤدية إلى اختصاص باستيفاء وخلاص من مزاحمة لولاها لم يحصل به ذلك مثل الرهن فتعين له ذلك المال من وجه لا من وجه على ما عرف في كتاب الرهن.
وإذا لم يتعين له محل فهلاك مال بعينه لا يوجب سقوطه بل يؤمر بالتوصل إلى الأداء بمال آخر، فإن وجد ولم يفعل لم يعذره الشرع، فإن لم يجد عذره الشرع رحمةً وتخفيفاً لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
فأما تعلق الوجوب بأعيان الأموال فلا مطمع لأحد في تحقيقه وتصويره، ولئن قاله قائل فهو مجازف مباهت ولا كلام مع مثل هذا.
واستدل الأصحاب في أن الوجوب لا يلاقي المال أنه لو أدى الزكاة من مال آخر يجوز ولو تعلق بالعين لم يجز، ولتعين هذا المال له على التحتم واللزوم، وما ذكرناه من القاعدة مستغنية عن هذا الحكم، وسنذكر كلامهم عليه.
وقد سلك كثير من مشايخنا طريقة أخرى وهي: أنه بالتأخير بعد التمكن آثم جان متعد فيضمن إذا هلك، كما لو منعه من الساعي ثم يهلك، والدليل على أنه جان وجوب إخراج الزكاة على الفور،

الجزء: 2 - الصفحة: 23

لأنها وظائف موظفة على السنين لدفع حوائج تتجدد للفقراء على مرور الأوقات والأزمان عليهم فإطلاق التأخير ليؤديها من عليه متى اختاره لا يجوز، لأن الحوائج إذا تعجلت والوظائف إذا تأخرت بطلت الإغراض ويموت المحاويج، وما أوجب لسد الحاجة فلا يوجب على وجه لا ينسد به الحاجة.
يبينه: أنه إذا جاز التأخير، والمنايا طوارق على الرجال، والنوائب على الأموال غوادي وروائح، وكل واحد منهم مسقط للزكاة لم يبق للوجوب أثر.
فدل على أن الوجوب على الفور، وأنه جان متعد بالتأخير فيلحقه وبال جنايته ليبقى الحق عليه وإن هلك محل أدائه ليؤديه من محل آخر، ويجعل المال في حقه كالقائم فيلزمه الغرامة، مثل ما لو استهلك المال، وهذه طريقة جيدة يمكن تمشيتها، غير أن الاعتماد على الطريقة الأولى، والتحقيق فيها، وسنذكر كلامهم على الطريقة الثانية، ووجه الجواب عنه.
وأما حجتهم: قالوا: الواجب جزء من المال فإذا هلك المال فلم يبق محل ليجب جزء منه فسقط الواجب لفوات المحل.
وربما يقولون: حق تعلق بعين المال فيسقط بهلاكه.
دليله: العبد الجاني إذا هلك، والدليل على أن الواجب جزء من المال النصوص من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {فِى أَمْوَالِهِمْ

الجزء: 2 - الصفحة: 24

حَقٌّ مَّعْلُومٌ} ونظائر ذلك، وكذلك: ((في خمس من الإبل شاة))، ((وفي أربعين من الغنم شاة)).
وكلمة ((في)) دليل على المحلية وأن الواجب جزء منه.
واستدل أبو زيد على هذا الأصل بمسائل منها: أنه لو باع المالك مال الزكاة لا يجوز، وأراد به مذهبنا.
قال: ((ولو تصدق بجميع النصاب على فقير نفلاً سقطت عنه الزكاة، ولو لم يتعلق بالمحل لم يسقط، ولأن تقدير الواجب بالعشر أو ربع العشر دليل على أن الواجب جزء منه)).
قال: ((والواجب عليه فعل في المحل بالإخراج، وشبه هذا بمن قال لغيره: ادفع وديعتي إلى فلان، فلم يدفع حتى هلك سقط الأمر منه، وكذلك المودع إذا قبل الحوالة ليقضي دين المودع من الوديعة فهلكت الوديعة بطلت الحوالة)).
وأمثال هذا ليس له كلام معنوي يدل على هذا الأصل الذي يدعيه بعد زعمه تدقيق النظر وإكثار الرواية، وادعى بعضهم على صحة هذا الأصل من أصل الشافعي أن الزكاة عنده تمنع الزكاة، مع قوله: ((إن الدين لا يمنع الزكاة))، وليس ذلك إلا لأن الواجب جزء من المال.

الجزء: 2 - الصفحة: 25

قالوا: وأما إذا أدى الزكاة من موضع آخر إنما جاز لأصل ذكره في مسألة القيم.
وحرفهم في هذا أنه إنما جاز ذلك بطريق أن حق الله في إخراج جزء من المال المعين، وحق الفقير في المال المطلق فملك أن يؤدي عين المستحق كأنه أداه برضا صاحب الحق وهو الله تعالى، ووجود رضاه بأمره يصرفه إلى الفقير الذي حقه في المال مطلق.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان بالتأخير حتى هلك المال فقد قال بعضهم: لا جناية أصلاً.
قال أبو زيد: لم يوجد منه من التعدي ما صلح علة لضمان لعين لأنه لا جناية على نفس الحق، لأن وقت الأداء قائم، ولئن عد جانباً على نفس الحق يكون بالتفويت ولا تفويت، لأنه وإن أخر مدة طويلة ثم أدى يكون مؤدياً وهو مثل تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان على محل الحق، لأن الجناية عليه تكون بالإتلاف أو الغصب الذي عندنا حده إزالة اليد ولم يوجد، لأن العين قائمة ولا يد لأحد حتى تزال وسلم الإثم إلا أنه قال: مجرد الإثم لا يدل على الضمان كالممسك وغيره.
وقالوا: والأصح أنه وإن طالبه الساعي بإخراج الزكاة فامتنع حتى هلك لا ضمان.

الجزء: 2 - الصفحة: 26

وأما إذا استهلك المال فقد جنى على محل الحق بالإتلاف فضمن وصار كالمولى إذا قتل العبد الجاني يضمن، بخلاف ما لو هلك بنفسه.
قالوا: وأما صدقة الفطر فالواجب ليس بجزء من المال بل هو واجب في ذمته بسبب رقبته ورقبته شخص يلي عليه على صفة مخصوصة.
وأما ملك المال عندنا إنما اعتبر ليصير غنياً فيكون أهلاً لوجوب الصدقة عليه ونظير هلاك المال في الزكاة هلاك الرقبة في صدقة الفطر.
قالوا: وأما الحج فخارج على ما قدمنا، لأن الفوات يتحقق بتأخيره عن وقته فصار جانياً عليه بالتأخير، وأما إدراكه في السنة الثانية فهو على التوهم على ما يذكرونه في كتاب الحج، وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذه الطريقة إذا انتهت إلى هذا الوضع.
وقد ذكروا في الأمالي طريقة أخرى: وهو أن وجوب الزكاة كان بصفة فلا يبقى إلا على ذلك الوصف حتى لا يبقى غير ما وجب، والوصف المشار إليه وصف اليسر، وهذا لأن المكنة غير كافية لأنه يملك عشرة وعشرين توجد المكنة من إخراج خمسة دراهم لكن لا على سبيل اليسر، فإذا بلغ نصاباً تيسر، وصفة اليسر إنما تبقى ببقاء المال، فإذا هلك المال فات اليسر، لأن صفة اليسر بإخراجه من المال النامي ليكون النماء في مقابلة ما يخرجه فتيسر عليه فإذا هلك وألزمناه الأداء من كيسه كان غرامة وزال الوصف الذي ذكرناه.
قال: وليس كما لو كان عنده مائتا درهم وحال عليها الحول وهلكت مائة حيث يبقى على ردهمان ونصف، لأن إخراج هذا القدر من مائة درهم مثل إخراج خمسة من مائتين وكلاهما بوصف اليسر إلا أن اعتبار ملك المائتين في الابتداء شرط ليصير أهل وجوب الصدقة عليه ثم تلك الأهلية تعتبر

الجزء: 2 - الصفحة: 27

عند الوجوب فإذا تحقق فحينئذ تسقط بقدر الهالك وتبقى بقدر الباقي، وتعلقوا بهلاك المال قبل التمكن من الأداء.
وقالوا: شرط التمكن لتجب الزكاة بعيد جداً، ولو استهلك المال قبل التمكن من أداءه غرم الزكاة ولو لم تجب لم يغرم، كما لو استهلك قبل حؤول الحول، ولأن التمكن لا يعتبر في الواجب إنما يعتبر تحقق السبب بدليل النائم والمغمى عليه في جميع وقت الصلاة تجب عليهما الصلاة ولا تمكن.
وقد قال مشايخهم: إن قدر الزكاة في يده أمانة لحصوله بغير فعله مثل الثوب هب به الريح وألقته في حجره، فإذا كان أمانة وهلك من غير فعله فلا ضمان كما في الوديعة.
الجواب: أما الطريقة الأولى فلم أعثر فيها إلا على مجرد الدعوى.
ومسألة البيع ممنوعة، وعلى أحد القولين وإن أبطلنا البيع فهو كبيع المرهون فإن المال وثيقة به، ومسألة التصدق بجميع المال على أصلهم.
ومسألة منع الزكاة وجوب الزكاة في الحول الثاني على أصولهم أيضاً.
وإيجاب العشر في الزروع لتقدير الواجب بقدر معلوم لا لأن الواجب على ما زعموا، وقد طال تعجبي من هذه الدعوى العريضة التي بنى عليها مسائل كثيرة من غير أن يحكم هذا الأصل بمعنى وإن قل، وكيف يجوز أن يترك الأصل الذي يعرفه كل أهل العلم وهو أن الوجوب لا يتصور إلا في الذمة بمثل هذه الأشياء؟ وأما الكتاب والسنة اللذان وردا في كذا وكذا لتحقيق السنية وليس كما زعموا.

الجزء: 2 - الصفحة: 28

يبينه: أنه قال عليه السلام: ((في خمس من الإبل شاة))، والشاة لا تكون جزء من الإبل، ولهم على هذا حرف يذكرونه في مسألة القيم وسيرد.
وقولهم: ((إن الواجب فعل الإخراج)).
قلنا: فعل الإخراج أداء الواجب الذي استقر في الذمة مثل فعل الإخراج في سائر الواجبات.
وأما مسألة العبد الجاني، فنحن نقول: إن الرقبة للعبد بمنزلة الذمة للأحرار، ومعنى التعلق بالرقبة وجوب بيعه في الجناية.
وعلى أنا نقول: وإن هلك العبد الواجب باقي عليه في الآخرة غير أن السيد لا يؤاخذ بهذا الواجب، لأنه لا فعل منه/ يعني الجناية، والواجب واجب الفعل.
وأما ههنا فهذا واجب مبتدأ بسبب يكون في الذمة على ما سبق.
وأما الواجب عن هذه الطريقة على الطريقة الثانية فسهل، لأن نهاية ما في الباب أن يسلم لهم ما ادعوه لكن هو متعد بالتأخير فيضمن كما لو منع الوديعة من المودع.
وقولهم: ((لم توجد الجناية على نفس الحق)).
قلنا: ليس معنى هذا إلا أنه يكون مؤدياً متى أخرج الزكاة، ويبطل هذا بالمودع إذا منع الوديعة حتى هلكت ضمنها، ولو منع ثم أدى يكون مؤدياً على الحد الذي لو سلمها قبل المنع.
والحرف أن المضمن حظرية التأخير وإذا حرم التأخير وأخر وهو حق الآدمي على ما سنبين دخل في ضمانه، وعندي أن الاعتماد على الطريقة

الجزء: 2 - الصفحة: 29

الأولى لأنها محض التحقيق، وخلاصة الفقه، والتضمين مجرد التأثيم فيه خطر عظيم.
وأما طريقتهم الثانية قولهم: ((وجبت الزكاة بصفة اليسر)).
قلنا: بلى، الوجوب معلوم، فأما ضم هذا الوصف إليه فليس عليه دليل اللهم إلا أن يكون المراد به إيجاب قليل من كثير وغيض من فيض فهذا مسلم، وقد وفينا الواجب هذه الصفة حيث لم يوجب إلا على هذا الوجه.
وقولهم: ((وجب أن يبقى على وصف ما وجب)).
قلنا: هو ذلك الواجب لم يتغير وبقاؤه بعد هلاك المال من قضية كونه في الذمة وكون المال آلة الأداء، وهذه الآلة وإن هلكت لم يعوز آلة أخرى.
وهذا لأن بهلاك المال لا يصير وصفنا الواجب بكونه قليلاً من كثير فائتاً بل هو على ما كان.
الجواب على الطريقة الثانية ممكن أيضاً، لأنه وإن وجب على هذا الوصف لكن تعديه أدخله في ضمانه، كما لو استهلك المال.
وأما فصل هلاك المال قبل التمكن من الأداء فسقوط الزكاة إن سلمنا وجوبها كان لعدم استقرارها، ودليل عدم الاستقرار عجزه عن فعل الإخراج وسقوطه عنه مع تصوره منه محسوساً، بخلاف النائم والمغمى عليه وسقوط غير المستقر غير مستبعد، لأنه يكون واجباً من وجه لا من وجه وهذا الحرف إذا أصابه الفقيه مشى الكلام فليتأمل فيه.
وأما قولهم: ((إن قدر الزكاة أمانة)).
قلنا: ليس كأمانة أموال الناس عند الناس إنما معنى الأمانة أن الشرع جعل الإخراج إليه مثل الصلاة والصوم وغيره وفوض إليه، وجعل أميناً عليه، وهذا لا يمنع وجوب الضمان عند قيام الدليل عليه.
وقد قام الدليل عليه على ما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 30

(مسألة)

المستفاد في خلال الحول لا يضم إلى النصاب الذي عنده في الحول بل يستأنف له الحول

عندنا.
وعندهم: إذا كان من جنس النصاب يضم إليه ويزكى بحوله.
لنا: ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)).
ورواه أيضاً عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام، ذكر هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في

الجزء: 2 - الصفحة: 31

جامعه، وروى عن ابن عمر نفسه أيضاً أن المستفاد يستأنف له الحول.
قال: وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ثم حكى الضم عن سفيان الثوري وأهل الكوفة.
فإن قالوا: راوي خبركم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كثير الغلط، كذا ذكره أحمد وعلي بن المديني.
قلنا: قد قواه من روى عنه، وعلى أنا قد روينا بطريق آخر.
وأما الكلام من حيث القياس: نقول: المستفاد مال مملوك أصلاً بنفسه لا على طريق التبع لغيره فيعتبر له حول نفسه لوجوب الزكاة فيه، دليله: إذا كان من غير جنس النصاب.
ودليل قولنا: ((أنه ليس بتبع لما عنده من النصاب))، لأنه مملوك بسبب مثل السبب الذي ملك به النصاب فلم يصلح أن يكون تبعاً له، لأن مثل الشيء لا يكون تبعاً له بحال.

الجزء: 2 - الصفحة: 32

يدل عليه: أن تبع الشيء ما يكون قيامه به بوجه ما، ومن ملك خمساً من الإبل ثم ملك خمساً من الإبل فلا قيام للثاني بالأول بوجه ما، فكيف يتصور إثبات تبعية له؟ فدل أنه أصل بنفسه مثل الأول، والحول شرط الزكاة فما لم يوجد لم يجب، ولم يوجد فقات الوجوب مثل ما إذا لم يوجد في النصاب الذي عنده، فإنه يفوت الوجوب كذلك ههنا.
والحرف الوجيز لنا: هو فوات الحول في المستفاد حساً، وعدم قيام الدليل على كون الحول المنعقد للأصل حولاً له، لأنه لو كان هو التبعية، وقد ذكرنا أنه لا تبعية، وإذا ثبت فوات الحول لم يجز إيجاب الزكاة بلا حول.
وأما حجتهم: قالوا: مستفاد من جنس النصاب في حول لم يزك/ أصله فيضم إليه ويزكى بحوله.
دليله: الأولاد والأرباح.
وأما الفقه لهم: قالوا: أجمعنا على أن الضم في الحول مشروع في الجملة بدليل الأولاد والأرباح، ولابد له من علة وأصح علة له الجنسية حكماً وحقيقة.
أما الحكم فلأن الأولاد والأرباح يضم إلى النصاب في حكم الحول فليس هو بعلة التفرع والتولد، لأن التولد إن كان علة فهذا علة إسراء الحكم من الأصل إلى الفرع، ولو كان يوجب إسراء حكم الحول الذي هو شرط الوجوب لكان يوجب إسراء حقيقة الوجوب إذا حدثت الأولاد بعد حول الحول، وحين لا يكون علة الإسراء حقيقة الوجوب بعد الحول فلأن لا تكون علة إسراء شرط الوجوب أولى، ولأن الأولاد تأخذ محلية الزكاة بعد الانفصال وزالت التبعية بعد الانفصال بل صارت أصولاً مثل أصولها، ولأن الأولاد تغير حكم الأصل من الواجب فإنه ربما ينتقل الواجب من سن إلى سن بحدوث

الجزء: 2 - الصفحة: 33

الأولاد والتولد توجب أخذ الأولاد حكم الأصول، فأما أن يوجب تغيير حكم الأصل فلا.
فدل أنه لا يجوز أن يكون الضم معلولة بعلة التفرغ والتولد، فدل أنه بعلة الجنسية وقد وجدت في مسألتنا فثبت الضم.
وأما من حيث الحقيقة فلأن الجنس إذا اتحد صار الجميع في حكم الشيء الواحد لاتفاق الكل في المعنى، وإذا صار الجميع كالشيء الواحد يجوز أن يجعل كأنه ملك الكل في وقت واحد فيكون بعضه مضموماً إلى البعض ضرورة.
وقد قالوا: إن المستفاد تبع النصاب الذي عنده في الحكم، بدليل أن المالك لنصاب واحد لو أخرج زكاة أنصبة يجوز فصار النصاب الذي عنده سبباً لملك المستفاد فصح التعجيل بهذا الوجه.
ولأن المستفاد زيادة على الأصل، والزيادة على أصل تبع الأصل وهو في المعنى نظير شجرة تنمو وعبد يكبر وغيره هذا من الأمثلة، وإذا صار له تبعاً له من هذا الوجه وجب الضم مثل ما يجب الضم في الأولاد والأرباح لما كانت أتباعاً لما عنده.
فهذا معتمدهم وأحسن التمسك كلامهم بالأولاد على ما سبق تقريره.
وقد قال بعضهم: إن الحول صار ساقط العبرة في المستفاد لأجل الحرج وهذا لأن وجوه الفوائد كثيرة، وإذا كثرت وجوه الفوائد كثرت الفوائد، فيشق حفظ الحول لكل فائدة، ويلحق المالك إذا أوجبناه عليه حرج شديد فسقط عنه بعلة الحرج وهو مثل الأولاد والأرباح لا يعتبر حول جديد لكل ربح ولكل ولد، لأنه يكثر في العادة فتكليف المالك حفظ الحول لكل فائدة يؤدي إلى حرج شديد فسقط لعلة الحرج كذلك ههنا.
قالوا: وأما ثمن السائمة الزكاة وصورته إذا كان عنده نصاب من السائمة ونصاب من الدراهم فسبق مضى حول السائمة وأدى زكاتها ثم إنه باعها بنصاب

الجزء: 2 - الصفحة: 34

من الدراهم أو دونه لا يضم إلى حول الدراهم التي عنده لأنا احترزنا عن هذا في العبارة بقولنا: ((لم يزك أصله)).
وأما من حيث المعنى .. قالوا: الجنسية علة الضم على ما ذكرنا، وقد وجدت في هذه المسألة إلا أنا لم نضم لأنه قام دليل مانع من الضم وهو تحريم الثني في الصدقة والضم يؤدي إلى الثني في الصدقة.
وقد قال النبي عليه السلام: ((لا ثنا في الصدقة))، وإنما قلنا إنه يؤدي إلى الثني لأن الزكاة حق المال، والثمن بدل عن مبدل قد أدى زكاته والمالية في البدل والمبدل واحد، ولهذا لا ينقطع حول التجارة بالمبادلة فإذا أوجبنا الضم في هذه الصورة التي ذكرتم وزكيناه عند حول النصاب الذي عند بثني الصدقة فلأجل هذا امتنع الضم، ويجوز أن يمتنع عمل العلة بمانع من العمل، هذا من جملة ذلك، وليس كما لو أدى صدقة الفطر عن عبده ثم باعه حيث يضم ثمنه إلى النصاب الذي عنده، لأن صدقة الفطر ليس بحق المال إنما هو حق الرقبة، بدليل وجوبها في رقبة الحر.
وإنما ملك المال شرط الوجوب فلم يؤد الضم إلى الثني في الزكاة، وليس كما لو أدى عشر الزرع ثم باع الزرع بدراهم حيث يضمها إلى ما عنده من النصاب، لأن العشر ليس بحق الزرع، إنما هو حق الأرض النامية مثل الخراج على ما نذكر من بعد فلم يؤد الضم إلى الثني في

الجزء: 2 - الصفحة: 35

الصدقة بخلاف ما نحن فيه على ما سبق بيانه، وقد احتج بعضهم بفصل القدرة.
وقالوا: المستفاد يضم إلى ما عنده في القدر فيضم إلى ما عنده في الحول/ بل الحول أولى بالضم، لأن القدر أصل والحول وصف فإذا ضم المستفاد إلى ما عنده فيما هو الأصل فلأن يضم في الوصف أولى.
وبيان الضم في القدر عدم اعتبار القدر في المستفاد لا تفسير له سوى هذا وذلك إذا كان عنده مائتا درهم فملك زيادة عليها لم يعتبر النصاب فيها أصلاً.
أما عندكم يجب في الزيادة بحساب ما سبق قل أو كثر.
وعندنا يجب إذا ملك أربعين درهماً، ولم يعتبر ملك المائتين، وكذلك من عنده ثلاثون من البقر ثم ملك عشرة وحال عليها الحول يجب فيها ربع مسنة.
وكذلك قلتم من كان عنده خمس وثلاثون من الإبل ثم ملك بعيراً وحال عليه الحول يجب عليه جزء من ستة وثلاثين جزء من بنت لبون وأمثال هذا يكثر وأصل الإيجاب في هذه المواضع ليس إلا باعتبار الضم في القدر.
قال أبو زيد في آخر المسألة: (ووجه آخر عن الاستدلال بالنص الحديث المشهور في باب الزكاة في حديث ابن عمر وعمرو بن حزم: ((ليس في أقل من خمس من الإبل السائمة

الجزء: 2 - الصفحة: 36

الصدقة فإذا كانت خمساً ففيها شاة ثم ليس في الزيادة شيء حتى يكون عشراً فإذا كانت عشراً ففيها شاتان ...)) إلى آخره.
ونحن نعلم قطعاً أن الزيادة خمساً على خمس لا يكون كما حال الحول على الأصل ولا تقع جملة فلما أوجب الشرع شاتين بوجود الحول علم أن الضم واجب وكذلك بنت مخاض بزيادة خمس بعد العشرين).
الجواب: أما التحرير فليس في صورته دليل على الحكم، لأن الخلاف في مستفاد بهذه الصورة وقع فلابد من بيان المعنى.
وأما قولهم: ((إن الجنسية علة الضم)).
قلنا: التعليل بالجنسية فاسد، لأن الضم في الحول إثبات تبعية المستفاد للنصاب الذي عنده، لأنه إذا لم يكن تبعاً لم يتصور القول بالضم، لأنه لا يكون ضم المستفاد إلى النصاب أولى من ضمه إلى المستفاد، فدل أن القول بالضم مبني على إثبات التبعية ولا دليل على التبعية، لأن المجانسة لا تدل على التبعية، ويجوز أن يوجد أصلان من جنس واحد والدنيا ملاآء من هذا.
وإنما حد التبع ما ذكرناه، وهو أن يكون قيامه به بوجه، ولا يوجد هذا في مسألتنا على ما سبق.
ويخرج فصل الأولاد على هذا، لأن قيامها كان بالأمهات والآن صار أصلاً بذواتها فيجوز أن يقال إنها أتباع، وكذلك الأرباح والذي ذكر من الكلام على علة التفرع فلا يسمع لا ادعينا التبعية محسوساً وعيناً فبل الانفصال.
وقولهم: إنها صارت أصولاً)).

الجزء: 2 - الصفحة: 37

قلنا: انفصلت على التبعية إلى أن صارت أصولاً بعد تمام الانفصال وإنما لم يسر الوجوب بعد الحول، لأن الوجوب يكون في الذمة فيكف يسرى معنى الذمة في الأولاد؟ وأما تغير حكم النصاب كان لأن الأولاد قد صارت أصولاً بعد الانفصال، والحروف أنها انفصلت حين انفصلت إتباعاً فسرى إليها حكم الحول المنعقد على الأصول ولما صارت أصولاً بعد الانفصال جاز تغير حكمها على ما نص عليه الشارع هذا تمشية مع جواب الأصحاب، وقد استدل الأصحاب على تصحيح علة التفرع بمسألة نصوا عليها في الجامع الكبير وهي أنه إذا كان عنده نصابان مختلفان في الحول من جنس واحد فاستفاد مالاً يضم إلى أقربهما إلى الحول، ولو كان من ربح أحدهما أو نتاجه يضم إلى أصله وإن كان أبعدهما من الحول بعلة التفرع، ولهم على هذا عذر ذكرته في التعليق، والجواب سهل.
ويمكن أن يجاب بجواب أولى من هذا، وهو أن اعتبار الحول في الأولاد سقط بالحرج، لأن الأولاد يكثر حصولها، وتتفاوت أوقاتها وأزمانها تفاوتاً فاحشاً، وإذا أوجبنا اعتبار حول كل ولد يحصل من زمان الحصول وكذا كل ربح يحصل من زمان التجارة، وزمان الحصول مع كثرة البياعات واشتغال التجار بها في جميع أوقاتهم، وكثرة الأولاد لكثرة السوائم أدى إلى حرج في نهاية العظم فقسط لاعتبار هذا الحرج.
وهذا لا يوجد في الفوائد من وجوه الإرث والهبات والشراء وغير ذلك لأنه لا يكثر، واستفاد صاحب السائمة زيادة على السائمة بهذه الوجوه يندر ويقل فلا يؤدي على الحرج، وإن ادعوا وجود الحرج على ما ذكروا يكون مجرد دعوى زيادة بلا برهان وهذا الجواب أولى من الأول، وعليه الاعتماد.

الجزء: 2 - الصفحة: 38

وأما سائر ما قالوه في إثبات التبعية فليس بشيء، ومسالة التعجيل على أصولهم، وقولهم: ((إن الزيادة على أصل يكون وصفاً له ويكون كشجرة تطول، وصغير يكبر)).
فهوس، ومن ملك/ خمساً من الإبل ثم بعد شهرين يملك خمساً من الإبل، كيف تكون الخمسة الثانية وصفاً للخمسة الأولى؟ وأما قولهم: ((إن الكل في المعنى واحد)).
قلنا: ولا يجوز أن يكون الغرض والمطلوب من شيئين معنى واحدا ولا يكون أحدهما تبعاً للآخر، أليس في المرأتين والهدين، والجاريتين والدابتين يتفق الغرض في كل شيئين من هذه الأشياء ومع ذلك لا يكون أحدهما تبعاً للآخر؟ وأما تعلقهم بضم القدر فهو مندفع بجدال جيد قريب المأخذ سهل المتناول، وذلك لأن الواجب في الصورة التي قالوها يبتني على قدر المستفاد حتى وجب فيه بقدره، ولم يجب بقدر الأصل، فكذلك الواجب في مسألتنا وجب أن يبتنى على حول المستفاد حتى يجب فيه بحوله ولا يجب بحول الأصل.
يبينه: أن القدر الذي عنده لم يجعل كأن المستفاد مشتمل عليه بالحول المنعقد على ما عنده وجب أن يجعل كأنه حائل على المستفاد.
ثم الجواب معنى: إن المال قد كثر بالمستفاد فإذا كثر قدراً يكثر الواجب ثم يكون الواجب في الأصل بقدره وفي الزيادة بقدرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 39

فإن قالوا: ((لم لا يعتبر وجود قدر كأصل في المستفاد يعني النصاب)).
قلنا: أما في الدراهم والدنانير سقط بالنص فإن النبي عليه السلام قال: ((وفيما زاد فبحسابه)).
وأما السوائم فلأن النصاب المعهود اعتبر في السوائم ليصير غنياً بالغنى الشرعي ويصير محلاً لوجوب الزكاة عليه ثم توجب الزكاة عليه إذا كما نصاب بالزيادة مثل الصورتين اللتين قالوهما في أمثال ذلك.
لأن إخلأهما عن الواجب لا يمكن وقد كمل بها نصاب شرعاً غير أنا أوجبنا بقدرها، ولم يثبت الضم الذي ظنوه، ولم يوجب في الزيادة إذا لم يكمل بها النصاب، لأنها في الشرع وقص، والوقص حقيقة ما خلا من الوجوب الزائدة، فهذا وجه الجواب معنى.
وقد أعيا كثيراً من الفحول فليتمسك به وليقارع عليه.
وقد أورد بعضهم على الضم قدراً فصل الجمعة، ولست أرى الاعتماد عليها لوجوه ذكرتها في التعليق.
وأما الخبر الذي تعلقوا به فالخبر صحيح.
ووجه تعلقهم في هذه المسألة ضعيف، لأن الخبر وارد لبيان مقادير الواجبات في مقادر النصب على الإطلاق من غير تعرض لمحال التفاصيل، فإذا جاءت التفاصيل فيطلب الدليل من موضع آخر وقد ذكرنا.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 40

(مسألة)

صغار الغنم تجب فيها الزكاة

عندنا.
وعندهم: لا تجب.
وقول أبي يوسف مثل قولنا.
لنا: إن الزكاة على التوقيف ولم يرد التوقيف فيها إلا بذكر عدد من جنس مخصوص مثل خمس من الإبل، وأربعين من الغنم، وثلاثين من البقر، ثم ورد بناء الواجب عليه، واسم الجنس يشتمل على الصغار والكبار والعدد المسمى يؤخذ في الكل فوجب إثبات الواجب على كل حال.
يبينه: أن السن صفة مثل صفة المرض والصحة والهزال والسمن ثم رأينا أن هذه الصفات غير معتبرة بل إذا وجد العدد المذكور من الجنس المذكور وجبت الزكاة على أي صفة كان الجنس، كذلك صفة السن تلحق بسائر الصفات، ولا ينظر إلى أي سن كان الجنس الموجود.

الجزء: 2 - الصفحة: 41

وقد استدل الأصحاب بالكبار والصغار والمختلط بعضها ببعض فإنه تجب فيها الزكاة بالإجماع، وقالوا: كل نوعين يجب الزكاة فيهما عند اختلاط أحدهما بالآخر يجب في كل واحد منهما على الانفراد وتمام العدد منه.
دليله: الضاينة والمعز والجواميس والبقر.
وأما حجتهم: قالوا: نقصان السن نقص يمنع وجوب السن المنصوص عليه فيمنع وجوب الزكاة أصلاً.
دليله: نقصان العدد.
يبينه: أن الفرض تارة يتغير بالسن وتارة يتغير بالعدد بدليل فرائص الإبل والبقر لما كان النقصان من حيث العدد مانعاً من وجوب الزكاة في الجملة فيكون النقصان من حيث السن كذلك أيضاً.
ومعتمدهم: هو أن الزكاة على التوقيف وقد ورد التوقيف بوجوبه على ترتيب مخصوص، ومعنى هذا أن في الإبل يبتدؤن بالغنم ثم تجب بنت مخاض ثم ينتقل من بنت المخاض إلى بنت اللبون ثم إلى الحقة ثم إلى الجذعة على ما عرف.
وأما البقر فيجب التبيع ثم المسنة ثم تستقر الأوقاص على عدد

الجزء: 2 - الصفحة: 42

معلوم، والواجب على ......... سن معلوم ففي كل موضع أمكن الإيجاب على هذا الوجه أوجبنا وإلا لم نوجب أصلاً، لأن الأصل عدم الوجوب.
يدل عليه: أن عندكم يجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيل ثم بعد/ ذلك لا يجب حتى يبلغ العدد ستاً وثلاثين فيجب حينئذ فصيلان ثم بعد ذلك إلى مائة وعشرين فتجب ثلاث من الفصلان.
فنقول: الشرع ورد بزيادة واجب على واجب إذا وجد زيادة نصاب على نصاب ونعني بذلك وجوب بنت لبون وحقة وجذعة عند وجود ستة وثلاثين، وستة وأربعين، وإحدى وستين، ففي الفصلان زيادة النصاب لا عمل لها في زيادة الواجب حتى إنه يجب في ستة وثلاثين من الفصلان مثل ما يجب في خمس وعشرين، وكذلك في ستة وأربعين وإحدى وستين، فنقول: كل ما لا تعمل زيادة النصاب فيه في زيادة الواجب لا يعمل النصاب فيه في أصل الواجب، وإن شئت استدللت عكساً فقلت: لو كان أصل النصاب يؤثر في أصل الواجب لكان زيادة النصاب يؤثر في زيادة الواجب كالكبار، وعلى العكس منه كل جنس لا زكاة فيه.
وقالوا: وخرج على ما قلنا المرضى والهزال، وخرج أيضاً إذا اجتمع الصغار مع الكبار فإن في هذه الصورة إنما يجب في الكبار على الترتيب الوارد من غير تغيير بخلاف مسألتنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 43

الجواب: إن قولهم: ((هذا النقصان يمنع وجوب السن المنصوص عليه))، فقد منع بعضهم على الإطلاق هذا وقال: يجب في الصغار ما يجب في الكبار وهو قول زفر من أصحابهم وهو القول الأول لأبي حنيفة رحمة الله عليه وإن كان قد رجع عنه.
ثم وإن سلمنا أنه لا يجب في الصغار ما يجب في الكبار فنقول: إنما كان كذلك لأنا إن أوجبنا ما أوجبنا في الكبار أدى إلى ضرر عظيم بأرباب الأموال وإجحاف بهم، والشرع ورد بإيجاب الزكاة على نظر يشتمل من الجانبين فلا يجوز تركه في أحد الجانبين، والحمل عليه بالكلية فعلى هذا نقول: وجد سبب الوجوب بوجود العدد من الجنس المخصوص فلا يمكن الإسقاط لما بينا من الدليل.
وحرفنا فيه: وهو أن الشرع ذكر العدد والجنس ولم يتعرض للوصف فالتعرض له في أصل الإيجاب اعتراض على الشرع، ثم قام دليل آخر وهو منع الشرع من الإجحاف بأرباب الأموال بدليل أنه أمر بالوسط، ونهى عن أخذ كرائم أموال الناس فقام الدليل على أصل الوجوب فقلناه به واعتقدناه، وقام الدليل على المنع من الإجحاف بأرباب الأموال يمكننا أن نوجب الأسنان المنصوص عليها فأوجبنا فيها من جنسها فعملنا بالدليل في الطرفين، فعملنا بالدليل القائم على أصل الوجوب، وعملنا بالدليل المانع من الإيجاب على وجه يضر بأرباب الأموال، والعمل بالدليل بقدر الممكن واجب فعلى هذا نوجب في السخال سخلة ولا نغير هنالك في الفرض إلا بالعدد فلم تغير إلا بالعدد.

الجزء: 2 - الصفحة: 44

وأما في الإبل والبقر فيعتبر قدر الإمكان فنوجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيلاً لقرب قيمته من بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين فصيلاً يقرب قيمته من بنت لبون، وكذلك في ستة وثلاثين، وفي ستة وأربعين أو يعتبر أربعاً متقارباً في القيمة للفصلان التي توجبها في هذه المواضع.
وعلى أنا إن قلنا إنه يجب شيء واحد في خمس وعشرين، وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين على معنى أنه يجب في الكل فصيل فصيل، فلأنه لا يمكن إيجاب غير ذلك، ولو أمكن لفعلنا.
وأما إخلا المال من أصل الواجب مع كونه على الوصف الذي بينا فمحال.
فهذا هو الجواب عن معتمدهم وهو جواب حسن جيد خارج على المذاهب فليعتمد عليه.
وأما تعلقهم بنقصان العدد، فليس بشيء، لأنه دخل الجواب عنه فيما قلناه، ويمكن التعلق في الجواب الذي ذكرناه عن معتمدهم بالمرضى والهرمي، فإنه يجب واحد منهما، ولا يجب الوسط المعهود، لأن في إيجاب الوسط المعهود إجحافاً وإضراراً برب المال فأوجب الواحد من النصاب وإن لم يكن وسط بل كان من رذال المال، وكان المعنى أن الكل رذال فلم يمكن إخلاؤه من الواجب مع وجود النصاب المعروف، ولم يمكن إيجاب الوسط المعهود لتضمنه الإجحاف برب المال، فعملنا بالدليل بقدر الممكن، وهو العمل بأصل الإيجاب والرضا بالواحد من الموجود، كذلك ههنا، والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 45

(مسألة)

الخلطة الصحيحة بشرائطها مؤثرة في الزكاة

عندنا.
وبيان التأثير أن الخليطين يصدقان ماليهما صدقة المال الواحد للمالك الواحد وإن كان نصب كل واحد من الخليطين ناقصاً عن النصاب وذلك بعد أن صحت الخلطة واتصل بها شرائطها ........ المعهودة في الشرع على ما عرف في المذهب.
وعنده: لا تأثير للخلطة أصلاً، وحكم كل واحد من الخليطين عند الاختلاط مثل حكمة عند الانفراد بلا فرقان، حتى لو كان/ ملك كل واحد منهما قاصراً على النصاب لم يجب شيء أصلاً، وإن كان ملك

الجزء: 2 - الصفحة: 46

أحدهما قاصراً والآخر كاملاً يعتبر حالهما بحاليهما عند الانفراد فيعمل على ذلك.
لنا: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا نفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعا بينهما بالسوية)).
الاستدلال: أن الاجتماع والتفرق حقيقة في المكان مجاز في غيره يقال: جمع كذا وكذا إذا قارب بينهما مكاناً، وفرق بين كذا وكذا إذا باعد بينهما مكاناً.
وإذا ثبت أنه حقيقة في المكان فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التفريق بين المجتمع في المكان مخافة الصدقة، وذلك لا يكون إلا على أصلنا حيث نقول: إن المجتمع في المكان تجب فيه الزكاة وإذا تفرق سقطت فيكون النهى منصرفاً إلى المالكين مخافة أخذ الساعي على الصدقة.

الجزء: 2 - الصفحة: 47

وأما قوله: ((لا يجمع بين متفرق)) فهو محمول على المتفرق عنه في المكان أيضاً، وقد ورد النهي عن جميعه فيكون النهي عن جميعه منصرفاً إلى الساعي، وكذا نقول: إذا كان متفرقاً في المكان لا يجمع ليأخذ، ويجوز أن يكون قوله: ((لا يفرق بين مجتمع)) منصرفاً إلى الساعي أيضاً، وذلك في ثمانين من الغنم بين رجلين في مكان واحد لا يفرق ليأخذ من كل واحد شاة ثم قال صلي الله عليه وسلم: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)).
وهذا أيضاً دليل على تأثير الخلطة أخذاً على معنى أن للساعي أن يأخذ الواجب من المال الذي بين الخليطين، ويجعل الجميع بمنزلة الواحد ثم يثبت منهما التراجع على ما يوجبه أصل ملك كل واحد منهما، هذا بيان تأثير الخلطة أخذاً، والأول دل على تأثير الخلطة وجوباً وسقوطاً.
وقد روى الأصحاب في آخر الخبر زيادة وهو أنهم رووا أن النبي عليه السلام قال: ((والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والمرعى)).
ولئن ثبت هذا فهو لبيان شرائط الخلطة، وعندكم الخلطة وشرائطها ساقط لغو، وليس لهم للخبر تأويل متضح يستقيم على أصولهم غير أن بعض أصحابهم قال: المراد من التفريق والاجتماع هو في الملك لا في المكان.

الجزء: 2 - الصفحة: 48

وقالوا: وعندنا المجتمع في المكان لا يفرق، والمتفرق في الملك لا يجمع وليس هذا التأويل بشيء لأنه ترك الحقيقة على ما سبق.
ولأن تفريق المجتمع ملكاًن وجمع المتفرق ملكاً من الساعي وصاحب الزكاة لا يتصور، اللهم إلا بالبيع أو الشراء، وهذا لا ينهي عنه المالك ولا يتصور من الساعي.
فإن قالوا: لا يفرق مكاناً بين المجتمع ملكاً ولا يجمع مكاناً بين المتفرق ملكاً فقد عادوا إلى ما ذكرناه من التفرق والاجتماع في المكان، وإذا حمل عليه بعض الخبر لابد أن يحمل عليه جميع الخبر فصار التعلق بالخبر في هذه المسألة في نهاية الوضوح.
وإن ذكروا خبراً من المنع من إيجاب الزكاة فيما دون النصاب فهو محمول على حال الانفراد وبه نقول.
وإنما الكلام في حكم الخلطة وقد ورد فيه لفظ خاص من صاحب الشرع يدل على تأثيرها على ما سبق.
وأما الكلام من حيث المعنى: فالكلام فيه عسر جداً، والذي يمكن أن يعتمد عليه هو أن السائمة بين الخليطين سائمة واحدة وقد بلغت عدد النصاب، والمالكان من أهل الوجوب عليهما فصارت كما لو كانت لمالك واحد.
وإنما قلنا: ((إن السائمة واحدة))، لأن السائمة إنما صارت سائمة بمعاني من المراح والمرعي والمسرح والبئر والفحل والراعي وغير ذلك، فإذا اجتمعت هذه المعاني صارت السائمة مجتمعة وجعلت كسائمة واحدة لمالك واحد.
يدل عليه: أن الشرع لم يعتبر إلا بلوغ السائمة عدداً معلوماً فإذا وجد

الجزء: 2 - الصفحة: 49

ذلك العدد، ووجد وصف السوم فقد تم السبب فلم ينظر إلى اتحاد الملك أو تعدده.
يبينه: أن القياس الكلي أن الواجب إذا تعلق بعدد يتعلق أبعاض ذلك الواجب بأبعاض ذلك العدد، ونعني بهذا أنه إذا وجب في أربعين شاة واحدة منها يتعلق بعشرين نصف شاة إلا أن الشرع لم يوجب عند التفرد يملك نصف النصاب نظراً لأرباب الأموال، فإن السائمة إذا قل عددها كثرت مؤنتها وقل رفقها فيكون في إيجاب الزكاة فيها إضراراً وإجحاف برب المال فسقط الواجب بنوع نظر، فإذا بلغ العدد المسمى في النصاب وإن كان لجماعة واتفقت الخلط بشرائطها خفت المؤنة خفة بينة وكثر الرفق فزال المعنى الذي كنا نعتبره في إسقاط الواجب فقلنا بالوجوب ورجعنا إلى الأصل الكلي، الذي قدمناه، ولم ننظر إلى اتحاد المالك أو تعدده، لأنه ليس في اتحاده أو في تعدده معنى يؤثر/ في الوجوب أو السقوط فهذا المعنى الذي قلناه نهاية ما يمكن التعلق به من حيث المعنى وهو وجه حسن يمكن تمشيته فليعتمد عليه.
وأما حجتهم: قالوا: ملك كل واحد منهما قاصر على النصاب فلا تجب عليه الزكاة.
دليله: إذا كان منفرداً، وهذا لأن كمال النصاب جزء ابتداء الوجوب فلا يتصور وجوب قبل ملكه نصاباً كاملاً.
يبينه: أنه ولو وجب الزكاة قبل تمام ملك النصاب سقط اعتبار النصاب، وحين اتفقنا على اعتبار النصاب دلنا ذلك أن الملك قبل تمامه بمنزلة العدم.
قالوا: وأما قولكم: ((إن المؤنة قد خفت بالخلطة)).
قال: ((خفة المؤونة بناء على وجود النصاب أولاً فما لم يوجد النصاب أولاً فما لم يوجد النصاب

الجزء: 2 - الصفحة: 50

لا تعتبر خفة المؤنة، فإن الواجب بالشرع عرف، والشرع اعتبر عدد النصاب ووصف السوم فما لم يوجد كل واحد منهما لا يوجد الوجوب.
وحرفهم أنهم يقولون: نحن لا ننكر أن الخلطة تفيد خفة المؤنة من وجه لكن زيادة خفة المؤنة بالخلطة كأصل خفة المؤنة بالسوم، ثم أصل خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل، كذلك زيادة خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل.
وقالوا أيضاً: إنكم جعلتم خفة المؤنة سبباً لنقصان الواجب فإنكم قلتم: لو ملك رجلان ثمانين من الغنم وحصلت بينهما خلطة تجب عليهما شاة واحدة، ولو لم تكن هذه الخلطة لوجبت على كل واحد منهما شاة كاملة.
قالوا: وأما تعلق مشايخكم من جواز أخذ الساعي حقه من عرض الغنم وإن كان قد وجب على أحدهما ولم يجب على الآخر.
وذلك في صورة ستين من الغنم بين رجلين لأحدهما أربعون وللأخر عشرون، وإنما جوزنا ذلك، لأن الساعي يلحقه الحرج في طلب القسمة بينهما ثم بناء الأخذ عليه فلأجل دفع الحرج أطلقنا له الأخذ من عرض الغنم ثم يثب بينهما التراجع عند قسمة المأخوذ على النصبين.
وربما يقولون: أطلقنا الأخذ لأجل النص وهو قوله عليه السلام: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية)).
وهذا مطلق الأخذ مثبت للتراجع.
وأما أبو زيد فقد قال في هذه المسألة: ((إن كل واحد منهما فقير فلا تجب عليه الزكاة، والدليل على الفقر حل الصدقة، وزعم أن الفقير

الجزء: 2 - الصفحة: 51

لا يكون محل وجوب زكاة بحال، والغنى لا يكون محل حل الزكاة بحال، وهذه طريقة يأتي شرحها في مسألة زكاة المديون.
الجواب: أما قولهم: ((إن ملك كل واحد منهما قاصر عن النصاب)).
قلنا: ولم قلت لا تجب الزكاة إذا كان ملك كل واحد منهما قاصراً عن النصاب فإن تعلق بحال الانفراد فقد ذكرنا أن سقوط الزكاة في حال الانفراد كان على جهة النظر لرب المال ولدفع الضرر عنه، وهذا المعنى معدوم في حال الاختلاط، وإن تعلق بالمعنى وقال: لما كان ملك كل واحد منهما قاصراً عن النصاب فهو فقير فلا تجب عليه الزكاة، فهذه طريقة يأتي الجواب عنها في مسألة المديون، وعلى الفور تبطل بابن السبيل فإنه فقير بدليل حل الصدقة له ومع ذلك تجب عليه الصدقة، ثم نقول: ملك كل واحد من الشريكين وإن كان قاصراً عن النصاب لكن النصاب في نفسه كامل، والسائمة واحدة، والعبرة بوجوب نصاب كامل من السائمة سواء أكان لواحد أو لاثنين.
يبينه: أنه لما كانت السائمة واحدة بإجماع شرائط الخلطة واتحادها وجب الإعراض عن اتحاد المالك وتعدده لمعنيين: أحدهما: فلأن الشرع لم يعتبر إلا وجود السائمة بعدد معلوم وقد وجد فما وراء ذلك فهو ساقط العبرة.
وأما الثانية: فلأنه ليس في تعدد المالك معنى يمنع الوجوب سوى النظر له وحين صارت السائمة واحدة، واتحدت شرائطه الخلطة، وخفة المؤنة على ما سبق وجب النظر لجانب الفقراء، ومن النظر لهذا الجانب هو الإعراض عن اقتران المالكين لاعتبار اتحاد السائمة وجعلها كأنها لمالك واحد.

الجزء: 2 - الصفحة: 52

وقولهم: ((إن خفة المؤنة بعد وجود نصاب كامل في نفسه)).
قلنا: قد ذكرنا أن اعتبار نصاب كامل عند الانفراد كان لمعنى لا يوجد ذلك المعنى عند الخلطة.
وقولهم: ((إن أصل خفة المؤنة بالسوم لم يعتبر إلا في نصاب كامل)).
قلنا: قد كثرت المؤنة في تلك الصورة لاحتياج كل واحد إلى مسرح ومراح وبئر وراع وغير ذلك على الانفراد، وهذه الأشياء لابد فيها من تحمل مؤن بخلاف حال الخلطة فإنه يوجد الاكتفاء بواحد من هذه الأشياء فتخف المؤنة)).
وقولهم: ((إن عندكم خفة المؤنة عملت في الإسقاط لا في الإيجاب)).
قلنا: قد صارت السائمة واحدة وجعل كأنها لمالك واحد، ثم إذا ثبت هذا فحينئذ يكون حكمها ما يكون/ حكمها حال الانفراد فيجب في موضع الوجوب ويسقط في موضع السقوط.
والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 53

(مسألة)

تجب الزكاة في مال الصبيان والمجانين

عندنا.
وعندهم: لا تجب.
إن الزكاة حق الفقير يجب بسبب ملك المال، وملك الصبي والمجنون مثل ملك البالغ فتجب عليه، كما تجب على البالغ.
يبينه: أن السبب إذا تحقق للواجب، وكانت الذمة محتملة لوجوبه لم يمتنع الوجوب بحال فقد تحقق في مسألتنا، وهو ملك المال على ما سبق.
وذمة الصبي محتملة للوجوب بدليل الغرامات والنفقة، وسائر مؤن المال تجب عليه كما تجب على البالغ، فأشبه الصبي البالغ في هذا الباب ولم يقع بينهما الفرق بوجه ما، فإذا وجب على أحدهما وجب على الآخر.
والدليل على أن الزكاة حق الفقراء قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ

الجزء: 2 - الصفحة: 54

لِلْفُقَرَاءِ}، ولا كلمة أبلغ من هذا في إثبات حق الفقراء، وهو مثل قول القائل: ((ثلث مالي بعد موتي للفقراء)).
وقال تعالى: ﴿أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
ولأن الواجب هو التمليك، والحق في التمليكات لمن يقع له الملك.
دليله: سائر التمليكات.
يبينه: أن التمليك من الله تعالى لا يتصور، لأن الأشياء لله تعالى قبل التمليك وبعد التمليك على وجه واحد، وأيضاً فإن التمليك هو نقل الملك الذي للعبد في شيء إلى غيره، والملك الذي يكون للعبد لا يكون العبد من أهله بحال، وقد وجب التمليك في مسألتنا، وهو نقل الملك الذي للعبد، فإذا لم يتصور أن يكون من الله تعالى علمنا قطعاً أنه حق العباد وهم الفقراء.
يدل عليه: أن الأملاك ثابتة للعباد لنفع العباد، والنفع للفقراء في الصدقات فيكون الحق لهم، والله تعالى يجل عن الانتفاع بشيء أو التضرر بشيء، فإذا وجب المال الذي يتطلب به النفع كان حقاً لمن له النفع، فهذه كلمات في نهاية الوضوح، وتبين أن الزكاة حق الفقراء فصارت مؤنة مالية وجبت بملك المال ومؤن المال يتبع وجوبها المال كسائر المؤن، وأحسن ما يتعلق به العشر وصدقة الفطر، فإنهما لما كانا من المؤن المالية تبعاً المال، فسواء وجد ذلك للبالغ أو للصبي أو المجنون اتصل به الوجوب، كذلك ههنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 55

وقد تعلق الأصحاب بالعشر وصدقة الفطر ابتداء، وقاسوا الزكاة عليهما بطرديات ذكروها، ووجه التعلق بهما بطريق التحقيق هو ما قدمنا.
وأما حجتهم: قالوا: عبادة محضة فلا تجب على الصبي والمجنون.
دليله: الصلاة والصوم والحج، وهذا لأن الصبي ليس من أهل وجوب العبادات عليه، والشيء لا يجب إلا على أهله، والدليل على أنه ليس بأهل لوجوب العبادة عليه، أن العبادة ابتلاء من الله تعالى لعبده ليظهر من يطيعه ممن يعصيه، ولا يتصور ابتلاء العبد إلا في فعل العبد، فأما الذي لا فعل للعبد فيه فلا يتصور ابتلاءه به، لأن الابتلاء اختبار وامتحان، والإنسان يمتحن بما فعله، ولا يمتحن بما يفعله غيره.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: ابتلاء الصبي بالعبادة لا يجوز، لأنه إن ابتلى بفعله ففعله غير معتبر، وإن ابتلى بفعل الولي فلا يجوز أن يبتلى الإنسان بفعل غيره، اللهم إلا أن يكون ذلك الغير يفعله بأمره فيقوم فعله مقام فعله لأمره إياه، فأما إذا كان فعله الغير عليه قهراً وجبراً فلا يتصور ابتلاؤه وامتحانه بذلك.
قالوا: وعلى هذا خرج البالغ إذا أمر غيره بأداء الزكاة عنه، لأنه إن كان يؤدى عنه بأمره تحقق معنى الابتلاء والامتحان، وقد حد بعضهم العبادة فقال: هو فعل يفعله العبد على وجه التعظيم لمعبوده باختياره وإرادته ويشتمل الأجرية على ابتلائه وامتحانه.
ثم استدلوا على أن الزكاة

الجزء: 2 - الصفحة: 56

عبادة محضة بقوله عليه السلام: ((بني الإسلام على خمس ...))، وذكر فيه ((الزكاة)).
وبالحديث الثاني: وهو سؤال جبريل صلوات الله عليه النبي عليه السلام: ((ما الإسلام؟ فقال: أنتشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة ....)) الخبر.
وإذا كان الإسلام عبادة محضة كان ما يبتني عليه عبادة محضة).
وقال أيضاً لما فسر الإسلام بالأوامر التي اشتملت على الزكاة وغيرها فالمفسر والمفسر به يكون كله عبادة.
يبينه: أنه لما كانت هذه الأشياء تفسير الإسلام، أو ما بنى عليه الإسلام يكون مشروعاً لما شرع له الإسلام، وإنما شرع ليكون حقاً لله تعالى على الخلوص، كذلك هذه الأشياء تكون كذلك.
قالوا: ولأن النعمة/ نعمتان: نعمة بدنية، ونعمة مالية، والشكر لله تعالى فيهما واجب فوجبت الصلاة لتكون شكراً لنعمة البدن، ووجبت الزكاة لتكون شكر نعمة المال، وشكر المنعم حق المنعم فإذا كان أحدهما لله تعالى بوصف العبادة فكذلك الآخر، وأيضاً فإنه يتحقق معنى الابتلاء في كل واحد منهما.
أما الابتلاء في الصلاة والصوم بتعب البدن، والابتلاء في الزكاة

الجزء: 2 - الصفحة: 57

بنقصان المال، وكل واحد منهما بخلاف هوى النفس فحينئذ يظهر من يطيع ربه ممن يعصيه.
قالوا: وإنما افتراق الصلاة والزكاة بجواز أحدهما بالنائب وعدم جواز الآخر، فإنما كان كذلك، لأن الابتلاء في الصلاة والصوم لا يكون بفعل غيره، لأنه يتعب البدن ولا يتعب بدنه ببدن غيره.
وأما الابتلاء في الزكاة يوجد بفعل غيره، لأنه بنقصان المال ونقصان المال بفعله وفعل غيره واحد إلا أنه مع هذا لابد من فعل منه حتى لو أدى زكاته بغيره أمره لا يجوز بخلاف الديون والغرامات، وإذا لم يكن بد من فعل تحقق معنى العبادة فيه.
وقولكم: ((إن الواجب حق الفقراء)).
لا يصح، لأن الفقر لا يكون علة في استحقاق حق على الغير إنما النعمة من قبل الله تعالى تكون سبباً في إيجاب الشكر على العبد، ولأنه لو كانت الزكاة حق الفقراء لكانت حقاً خالصاً لهم ولم يكن فيه معنى العبادة أصلاً.
وقد سلمتم أن فيها معنى العبادة حتى لا يجوز أداؤها إلا بأمر من قبله ليوجد معنى العبادة بوجود فعله.
وقولهم: ((إن الواجب هو التمليك، والتملك حق المتملك)).
قال: (الواجب هو الإخراج إلى الله تعالى وهو يتولى قبض الزكاة بدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 58

وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ والقرض حق المستقرض واقع في قبضه وملكه وملك المستقرض.
وقال عليه السلام: ((إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير)).
فثبت بهذه الدلائل أن الزكاة حق الله تعالى وهو القابض لها بواسطة يد الفقير فكأن الفقير يأخذ لله تعالى ثم يقبض منه لنفسه صلة أو عوضاً عن الرزق الموعود، ونظيره ما لو قال: ((اقض بوديعتي التي لي عندك ما على لفلان من الدين)) فإنه يصير صاحب الدين قابضاً له أولاً ثم يصير قابضاً منه لنفسه، وكذلك لو قال: ((اقض بما لي عليك من الدين ما لفلان على من الدين)).
قالوا: وقولكم: ((إن التمليك من الله لا يتصور)).
قلنا: يتصور، فإن إخراج الملك إلى الله تعالى متصور بدليل الوقف والعتق.
وأما فصل النفع التي قلتم، فنحن حققنا نفع العبد بالوجه الذي قلنا إلا أنه بواسطة قام الدليل على إثباتها.
قالوا: ((وأما صدقة الفطر والعشر)).

الجزء: 2 - الصفحة: 59

أما صدقة الفطر فعندنا لا تجب على الصبي إنما تجب على الولي بسببه وهو مما يجب على الغير بسبب الغير.
أما ههنا لو وجبت الزكاة وجبت على الصبي، لأنها لا تجب على الغير بسبب الغير، ولأن الوجوب بسبب الملك، والملك للصبي فيكون الوجوب على الصبي، وصدقة الفطر تجب إذا كان يمون رأساً عن ولاية وقد وجد هذا المعنى في حق الابن الصغير، كما يوجد في حق السيد مع العبد.
فإن قلتم: إن صدقة الفطر تجب على الصبي بدليل أنه يخرج عن ماله.
قلنا: يخرج من مال نفسه على قول محمد وزفر، ولا يخرج من مال الصبي بحال، ولو أخرج ضمن، وهو القياس، وإن سلمنا استحساناً، فإنما أخرج من ماله، لأنه وجب بسببه.
وقد قال بعضهم: إن صدقة الفطر ليست بعبادة محضة، لأنها تشبه النفقات بدليل وجوبها على الغير بسبب الغير فيجب على الصبي لا على وجه العبادة بل على أنها مؤنة ويصير معنى العبادة تبعاً ووجوب تبعية في معنى العبادة لا يمنع وجوبها على الصبي، لأنه في الجملة من أهل العبادة بخلاف

الجزء: 2 - الصفحة: 60

الكافر، إلا أنها لما وجبت على جهة المؤنة وصار معنى العبادة تبعاً جاز أن يؤدي بولاية تثبت جبراً لا باختيار من عليه.
وأما الزكاة عبادة محضة على ما سبق فلم يمكن إيجابها على الصبي لتأدى عنه بولاية لا على وجه الاختيار.
وأما العشر فليس أيضاً عبادة محضة بل مؤنة الأرض مثل الخراج على ما سيأتي من بعد هذا إلا أن الخراج ليس فيه معنى العبادة، وأما العشر ففيه معنى العبادة فافترقا حتى يجب الخراج على الكافر ولا يجب العشر إلا على المسلم، وإذا وجب على أنه مؤنة الأرض فيجب على الصبي كما تجب سائر المؤن.
قالوا: ولهذا أوجبنا العشر والخراج في أرض المكاتب والأرض الموقوفة.
وهذا لأن الأراضي لا تكون محفوظة على ملاكها إلا بحفظ الإمام وحمايته فكأن الله تعالى جعلها للعبادة كمؤنة أوجبها عليهم للمقاتلة تارة وللفقراء تارة لتصير محفوظة بالإمام على صاحبها وتسلم له منافعها ولم يمكن إيجابها على طريق التعبد المحض ابتلاء واختياراً، وأما سائر الأموال فمحفوظة بأيدي أربابها/ فلا يحتاج إلى مؤنة يلتزمها ليحفظها الإمام عليه فكان إيجاب الزكاة محض تعبد على وصف الابتلاء كما سبق بيانه فلم يستقم إيجابها على الصبي على ما ذكرنا.
الجواب: أما قولهم: ((الزكاة عبادة محضة)).

الجزء: 2 - الصفحة: 61

يقال لهم أولاً بطريق الجدل: لم لا يجوز إيجاب العبادة المحضة على الصبي؟ فإن تمسكوا بالصوم والصلاة فسنجيب عنه، وإن تعلقوا بقولهم: ((إن العبادة لا تحقق من الإنسان إلا بفعل يوجد منه)).
قلنا: نعم، ولكن يجوز أن يقام فعل غيره مقام فعله فيها ويجعل كأنه الفاعل لها.
ألا ترى أنه لو أمر البالغ غيره بأداء الزكاة جاز وقام فعل النائب مقام فعله، وليس لهم على هذا إلا قولهم إن الاستنابة هناك كان باختيار من العبد.
لذلك نقول: العباد في فعل الشيء لا في الأمر به، ولكن قام فعل النائب مقام فعله فتحقق معنى العبادة، كذلك ههنا يقوم فعل الولي مقام فعل الصبي فيتحقق معنى العبادة، وهذا لأن المقصود من الأمر في كل موضع نفس وجود المأمور به، والمأمور به إخراج مال عن مال من عليه فإذا أطلقنا إخراج الزكاة من ماله سواء أكان بأمره أو بأمر الشرع أفاد الأمر، وإذا أفاد الأمر صح ونفذ.
وأما الابتلاء لحكمة الأمر وصحة الأمر لا يكون به بل بإمكان المأمور فحسب، فإذا أمكن المأمور صح الأمر، فهذا جواب من حيث المجادلة في نهاية الحسن.
وأما الجواب من حيث الفقه بالمنع على ما سبق: وحقيقته أن الزكاة حق الفقراء، ومعنى العبادة تبع مثل العشر وصدقة الفطر على ما سلموا، وإنما جعلنا حق الفقراء الزكاة حق الفقراء وأثبتنا فيها معنى العبادة بحسب قيام الدليل، لأن الدليل قد قام بكونها حقاً للفقراء على ما سبق، وقام الدليل أيضاً بثبوت معنى العبادة فيها، لأنها لما وجبت ابتداء، وقد اشتملت على شكر نعمة المال وفعلها بطلب التقرب إلى الله تعالى وتحصل رضاه كانت قربة، والعبادات قرب فتضمنت معنى العبادة من هذا الوجه ونظيره العشر.

الجزء: 2 - الصفحة: 62

وأما دلائلهم على أنها عباده محضة: أما الخبران الأولان فنقول: هذه الأشياء مباني الإسلام اعتقاد وجوب، وكذلك هي الإسلام باعتقاد الوجوب إلا أن تخصص هذه الأشياء كانت تشريفا لهاً، لأنها وجبت ابتداء من قبل الله تعالى من غير فعل سبق من العبد، وليس في جملة الأوامر من البدنية والمالية ما وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد إلا هذه الأشياء، وهي مثل الإسلام وجب ابتداء من قبل الله تعالى على العبد ثم كون بعضها عبادة محضة أو حقاً للآدمي يكون بدليل يقوم عليه.
وأما قولهم: ((إن الزكاة شكر نعمة المال)).
قلنا: وكونه للفقراء لا ينفي شكر نعمة المال، لأن شكر نعمة العبد لربه في امتثال أمره، وذلك يوجد سواء أكان الحق لله أو للفقير وعلى أنا جعلنا فيها معنى العبادة بهذا السبب على ما سبق.
وأما الصلاة والصوم لم يكن عبادة، لأنها شكر نعمة بل بدليل آخر: وهو أن الصلاة محض تقرب إلى الله تعالى بالتخشع والتذلل، ومحض تعظيم له، ومثل هذا لا يستحقه سوى الله تعالى بل لا يجوز لغيره بحال.
أما في مسألتنا فالزكاة محض تمليك، وقد بينا أنه لا يصلح أن يكون حقاً لله تعالى على الخلوص.
يبينه: أن الصلاة لما كانت عبادة محضة لله تعالى لم يتصور أن يكون جنسها ومثلها للعبد، وفي مسألتنا قد تصور جنس الزكاة حقاً للعبد بدليل العشر وصدقة الفطر، دل على انقطاع المشابهة.
وكذلك الحج خارج على هذا.
وقد أجاب المشايخ عن الصلاة والصوم بالتفريق بالبدلية والمالية.
وقالوا: بدن الصبي ناقص ويكمل بالبلوغ وماله كامل من غير نقصان

الجزء: 2 - الصفحة: 63

ولهذا أثر السفر الذي يشعر بالمشقة بدناً في الصلاة والصوم ولم يؤثر في المال وهذا أحسن، إلا أنه على تسليم أن الزكاة عبادة محضة، فأما على الطريقة التي اخترناها بالتخريج بما قلنا، والحج قد خرج أيضاً على ما ذكرناه، وعلى طريقة المشايخ هو عبادة بدنية ويؤدي بالبدن وإنما انقلب في حق المغصوب إلى المال لعارض عجز فلا يعتبر ذلك مثل ما لا يعتبر انتقال الصوم إلى المال بعارض العجز، ولأنه يؤدي بدناً بكل حال، فإن النائب يؤديه بالبدن، لكنه استوجب عليه المال، وأما الزكاة تؤدي بالمال فانقطعت الشبهية بكل وجه، والمعتمد ما سبق.
وأما قولهم: ((لا سبب ليجب الحق على الفقراء)).
قلنا: وجب ابتداء من قبل الله تعالى لا يطلب له سبب مؤثر، وعلى أن المواصلة ديناً سبب لهذه الصلة، والمواصلات تصلح سبباً لإيجاب الصلات.
وأما ما ذكروا من الاعتراض على قولنا: ((إن التمليك من/ الفقير من أنه مخرجها الزكاة مخرجها إلى الله تعالى ثم إلى الفقير)).
فنقول: هذا إثبات ترتيب لا يدل عليه نص ولا معنى، بل النص والمعنى دليلان على أنها حق العباد ابتداء على ما ذكرناه، وما ذكر من الكتاب والخبر، فالمراد من ذلك تحقيق القبول من الله تعالى، فأما أن تملك من الله تعالى ثم الفقير يملكه من قبل الله تعالى بالرزق الموعود، فهذا شيء لا يعرف.
وأما قولهم: ((إنه إخراج إلى الله تعالى)).
قلنا: ليس الواجب إلا التمليك ولا يعرف للإخراج معنًى سوى هذا،

الجزء: 2 - الصفحة: 64

وقد بيَّنا أن التمليك لا يتصور إلا من العبد، وعلى أن الرزق الموعود الذي قالوه يوجد إيصاله إلى العباد بإيجاب الحق للفقراء ابتداء فلا حاجة إلى أن يجعل لله ثم يجعل للعبد على الوجه الذي قالوه.
وأما العشر وصدقة الفطر ففي نهاية اللزوم، والعذر في نهاية الضعف وقد جعلا عبادة في اعتبار فعل العبد حتى لو أدى الأجنبي عن الأجنبي ذلك لا يجوز إلا بأمره، ومع ذلك قد تأديا بولاية تثبت قهراً وجبراً على الصبي والمجنون.
فهذا حرف الإلزام ولا كلام لهم على هذا.
وعلى إنا حققنا في جانب الزكاة ما حققوه في جانب العشر وصدقة الفطر وهو كونه حق الفقراء وإدراج معنى العبادة تبعاً فاستوى الكل، وصارت في رتبة واحدة على ما سبق.
والله أعلم.
وأما الكلام في المسألة من حيث الخبر: فقد روى الوليد بن مسلم عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس وقال: ((ألا من ولى يتيماً وله مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)).

الجزء: 2 - الصفحة: 65

وذكره أبو عيسى في جامعه قال: (عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد سمع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قال: ((وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في حديث عمرو بن شعيب وقال: هو واهي، وإنما ضعفه لأنه كان يروي عن صحيفة جده عبد الله بن عمرو، وأما سائر أئمة الحديث فإنهم يحتجون بحديثه ويثبتونه منهم أحمد بن حنبل)، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم.
قالوا: روى وجوب الزكاة في مال اليتيم عن عمر وعلي وعائشة وابن عمر وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 66

(مسألة)

الدين لا يمنع وجوب الزكاة على الأصح من قولي الشافعي رضي الله عنه.

وعندهم: يمنع.
لنا: إن الزكاة حق مالي لا يمنع الدين من وجوبه.
دليله: سائر الحقوق، وكالعشر إن أسلموا.

الجزء: 2 - الصفحة: 67

وفقه المسألة: أن سبب وجوب الزكاة مال بصفة لمالك مخصوص وقد وجد بعد وجود الدين حسب وجوده قبل وجود الدين، ونعني بالمال بصفة هو النصاب النامي، إما بالسوم أو بالتجارة، ونعني بالمالك المخصوص هو الحر المسلم وهذا قبل وجوب الدين وبعد وجوبه واحد لا يختلف، وهذا لأن الدين وجب في الذمة ولا اتصال له بالمال إلا عند قضائه وأدائه فقبل أن يتصل به فعل القضاء يكون المال وصفة الملك فيه على ما كان من قبل وهو كالشقص المشفوع، فإن الملك فيه للمشتري قبل اتصال أخذ الشفيع به على ما كن من قبل للبائع، وكذلك في القصاص فإن عصمة دم من عليه القصاص اتصال الاستيفاء به يكون على ما كان من قبل وجوب القود.
يبينه: أن الوجوب في الذمة ولا تضايق ولا تمانع الذمة فيجوز أن يجب فيها الحقوق الكثيرة وتجتمع فيها من غير تزاحم وتضايق، فإذا جاز أن تجتمع الديون للناس والزكوات لله تعالى، كذلك حقوق الله تعالى من الكفارات وغيرها والديون، جاز أن تجتمع أيضاً الزكوات والديون، لأنه لا تزاحم في المحل ولا تنافي في الأهلية فاستوى الكل في الوجوب.
وأما حجتهم: قالوا: ((المديون فقير فلا تجب عليه الزكاة كسائر الفقراء)).
والدليل على أنه فقير أنه يحل له الصدقة مع تمكنه من ماله وحل الصدقة دليل الفقر بدليل قوله عليه السلام: ((لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى ولا مكتسب)).

الجزء: 2 - الصفحة: 68

ولقول معاذ حين صار إلى اليمن: ((أمرت أن آخذ الصدقات من أغنيائكم وأردها في فقرائكم)).
ولأن علة استحقاق الصدقة هو الفقر بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ....﴾، هذا هو أصل العلة، وسائر الأسباب المذكورة لبيان جهات الفقر أو أسباب الحاجة.
فثبت أن حل الصدقة دليل الفقر.
يبينه: أن ماله بمنزلة المعدوم لاستحقاقه بالدين، ألا ترى أنه يحبس ويطالب لاستحقاق الغرماء لذلك، وعندكم يباع ماله ويقضي منه دينه ويحكم بإفلاسه وإذا مات يموت بمنزلة الفقراء/ المعدومين لا تقسم ورثته درهماً ولا دونه، فدل أنه فقير حقيقة وحكماً، والفقير لا زكاة عليه، لأنه لا يليق بحكمة الشرع أن يلزمه إغناء الغير بإحواج نفسه، ولأن نفسه أهم إليه من غيره فإذا كان هو نفسه تصرف إليه الزكاة فكيف تجب عليه الزكاة؟ وترك ما في يده عليه أولى من أخذه ورد مال غيره إليه.
وربما يقولون بوجه آخر: وهو أن مال المديون مشغول بحاجته فلا تجب عليه فيه الزكاة.
دليله: عبيد الخدمة وثياب المهنة، ونعني بالحاجة حاجة قضاء الدين بل

الجزء: 2 - الصفحة: 69

حاجة قضاء الدين أهم من حاجة اللبس والركوب، لأن تلك الحاجة يجوز التجاوز عنها وتزحية الوقت بما يدفعه، وهذه الحاجة لا يجوز التجاوز عنها بحال بل يجب تقديمها ويحرم التغاضي عنها، فإن قلتم: ((إن إعداد ماله للسوم والتجارة دليل عدم الحاجة)).
فنقول: اشتغال ذمته بالدين دليل الحاجة فتعارض ظاهران، والأصل عدم الوجوب فلم يجب.
قالوا: ولا يلزم على الطريق الأول مسألة ابن السبيل والعامل حيث يحل لهما الصدقة وتجب عليهما الزكاة.
أما ابن السبيل فهو فقير يداً غنى ملكاً فصار كشخصين غنى وفقير فتجب عليه الزكاة لغناء بملكه، وتحل له الصدقة لفقره بيده، أما ههنا فملكه في يده فإذا كان غنياً فلا يتصور أن يكون فقيراً، لأن الغنى والفقر وصفان متضادان لا يجتمعان بحال، لأن أحدهما وصف وجودي والآخر وصف عدمي، فكما لا يجتمع العدم والوجود في شيء واحد لا يجتمع الفقر والغنى أيضاً، اللهم إلا أن يتفرق الوجود والعدم في مجلس، كما كان في ابن السبيل.
يبينه: أن عندكم في مسألتنا تحل له الصدقة في حال وجوب إعطاء الزكاة عليه ولا يتصور هذا في ابن السبيل، لأن حال ما يأخذ لا إعطاء عليه.
وأما العامل فمنع بعضهم فقال: لا يجوز إلا أن يكون فقيراً، وليس بشيء، والمذهب التسليم، والأول خرق الإجماع.

الجزء: 2 - الصفحة: 70

وقالوا على التسليم: أن الذي يأخذه العامل أجرة عمل لا صدقة بدليل أنه يستحق بالعمل إلا أنه لما دخل في سهام الصدقات أشبه الصدقة من وجه فلم يحل للهاشمي ونزه عنه، لأن حرمة الصدقة عليه على سبيل التنزيه له عن غسالة أوساخ الناس ومن تمام التنزيه أن ينزه عن ما يشبه الصدقة.
وأما الغني فلم تحرم عليه الصدقة على طريق التنزيه له إنما حرم لعدم الحاجة وبالعمل ظهر نوع حاجة إلا أنه لما شغل نفسه وأعوانه بجمع الصدقات فلابد من جامع لها ولابد من كفاية رزق مثل أرزاق القضاة، والأئمة والمحتسبين والمؤذنين وغيرهم الذين يشغلون أنفسهم بأعمال المصالح فحل له أجرة عمل بعمله ولم ينظر في جريانه في سهام الصدقات وكونه غنياً في نفسه، لأن حدوث نوع حاجة له بالعمل قد منع النظر إلى غناء وجريانه في سهام الصدقة.
قالوا: وأما إذا كان له خمس من الإبل مهازيل فإذا أوجبنا عليه الزكاة حرمنا عليه الصدقة.
وأما إذا كان عنده من الفاضل عن ثياب المهنة وأقمشة البذلة ما يبلغ قيمته نصاباً لم يحل له الصدقة لغناه، ولم تجب عليه الزكاة لفقد شرط شرعي اعتبر مع الغنا وهو كون النصاب بوصف النما ليندفع الحرج بإيجاب الزكاة ويصير الوجوب بوصف اليسر، فهذه مسائل تمسكتم بصورها وهي خارجة عن المعاني القادمة المؤثرة، وأما القاعدة فهي على حقيقتها في نهاية الوضوح على ما سبق.

الجزء: 2 - الصفحة: 71

وقد تعلق مشايخهم في هذه المسألة بالحج قالوا: لما منع الدين وجوب الحج فيمنع وجوب الزكاة.
يبينه: أن كل واحد متعلق بالملك، فإذا جعل الملك كالعدم في الحج فكذلك في الزكاة.
قالوا: وأما الدين المظنون فلا يمنع وجوب واحد منهما.
وأما نفقة الأهل للذهاب والرجوع فمتحقق وجوبها حال اشتغاله بالحج فكيف يكون مظنوناً؟ وهذا لأن فعل الحج لابد له من مدة ولابد للمدة من نفقة وهذا لا يوجد في الزكاة.
ومنعوا الدين الطارئ في الحكمين.
وأما الدين المؤجل فقد اضطربوا فيه فبعضهم اعتبر نفس وجوب الدين ومنع به الحج والزكاة.
وبعضهم نظر إلى وجود المهلة والفسحة في الحال وسقوط المطالبة.
قالوا: وأما ديون الله تعالى مثل الكفارات وغيرها فلا تمنع الحج ولا الزكاة، والسبب فيه عدم وجود المطالبة في الدنيا، وإنما نهاية أمرها التأثيم في الآخرة فكأنها واجبة في أمر الآخرة لا في أمر الدنيا، ويقال: وجود الحاجة إلى فعلها للآخرة لا للدنيا فلم يصر المال مشغولاً بتلك الحاجة حتى/ يكون اشتغاله بحاجته مانعاً من وجوب زكاته بخلاف مسألتنا على ما سبق.
قالوا: وأما العشر فيمنعه الدين في إحدى الروايتين، وإن سلمنا فهو مؤنة من مؤن الأرض، ويجب على الفقراء والأغنياء جميعاً كالخراج، وقد أدى كثير من مشايخهم في هذه المسألة نقصان الملك بالدين ودليل النقصان كون الدين إذا اتصل به القضاء إيفاء في جانب من عليه واستيفاء في

الجزء: 2 - الصفحة: 72

جانب من له، ووصف الإيفاء والاستيفاء دليل على سبق الاستحقاق، والمستحق للغير ناقص الملك في حق مالكه في الحال.
ويدل عليه: أن من له الدين إذا قدر عليه، وكان من جنس حقه يأخذ من غير قضاء ولا رضا وإذا أخذه ملكه، فهذا إن كان لا يدل على عدم الملك فلا أقل أن يدل على النقصان.
قالوا: وأما الأخذ بالشفعة فلابد فيه من قضاء أو رضا فيأخذ حكم التمليك المبتدأ.
وقال بعضهم: إيجاب الزكاة على المديون يؤدي إلى إيجاب الزكاة بسبب مال واحد مرتين أو مرات، وصوروا صورة فهذا مجموعة كلامهم في المسألة.
الجواب: أما قولهم: ((فقير)).
لا نسلم، بل هو غنى، لأن الغنى بالملك، وقد بينا أن ملكه قبل الدين وبعد الدين واحد، لأن الدين لا ينافي صفة الغنا فهو غنى مديون.
وأما حل الصدقة فقد منع إلا في موضع مخصوص على ما عرف، وإن سلم فحل الصدقة لا يمنع الغنى، بدليل ابن السبيل والعامل.
وعذرهم ضعيف عن المسألتين.
أما ابن السبيل فهو غنى قطعاً، لأنه يملك الألوف إلا أنه بعيد عن ماله غير متمكن منه والغنا بالملك لا بالتمكن، والدليل على الغنى وجوب الزكاة عليه.
وقولهم: ((إنه غنى ملكاً فقير يداً)).

الجزء: 2 - الصفحة: 73

قلنا: الغنى بالملك يوجد، فأما اليد ثمرة الملك، ألا ترى أن المكاتب والعبد المأذون لهما يد في المال ولا غنى لهما، والراهن لا يد له وهو غنى بما يفضل عن دينه من الرهن، وذلك إذا كان الرهن يساوي الألوف والدين شيء يسير، وتجب عليه الزكاة في الفاضل عن الدين.
وأما العامل فهو لازم المنع ليس بمذهب وهو مخالفة لنص القرآن والإجماع.
وقولهم: ((إنه أجرة العمل)).
قلنا: هو يعمل لله تعالى، لأن الحق عندكم متمحض له فوجب أن تجب الأجرة في مال المصالح، وعلى أنه يبطل بالهاشمي فإنه لا يجوز أن يكون عاملاً، ولو كان المأخوذ أجرة العمل يحل له.
وقولهم: ((إنه يشبه الصدقة من وجه ويشبه أجرة العمل من وجه)).
قلنا: فإن كانت شبهة الحرام يصان الهاشمي عنها فوجب أن يصان الغنى عنها أيضاً.
وقولهم: ((إنه حدث له نوع حاجة)).
قلنا: عندكم محل الصدقة هو الفقير فقط، وباشتغاله بهذا العمل لا يصير فقيراً بدليل وجوب الزكاة عليه مثل ما يجب على الغني غير العامل، فالمسألتان في نهاية اللزوم، ولا يتضح لهم العذر عنهما أصلاً.
ثم الجواب فقهاً: إن وجوب الزكاة بالغنا وحل الصدقة بكونه غارماً، والغارم تحل له الصدقة بنص القرآن.
فإن قالوا: ((لابد من بيان المعنى)).
قلنا: لا يلزمنا، ثم حلية الصدقة بحاجة الغارمية.

الجزء: 2 - الصفحة: 74

قالوا: ((فإذا هو فقير)).
قلنا: لا، لأن الغنا بملك النصاب النامي والملك بعد الدين كما كان قبل الدين، والغنى في الحالين واحد، والغنى بالملك لا ينافي حاجة تحدث بوصف عارض، لأن الغنى لا ينافي الحاجة غرماً، كما لا ينافي الملك الغرم، لا ينافي الغنا بالملك وجود الحاجة بالغرم فهو غنى ملكاً محتاج غرماً فوجب الزكاة عليه لغناه بالملك وحلت له الصدقة بحاجته بالغرم مثل ابن السبيل غنى بملك محتاج لبعده عن ملكه فوجبت الزكاة عليه بملكه وحلت له الصدقة لبعده عن ملكه، وهذا جواب معتمد.
ويمكن أن يقال: إن وجوب الزكاة بالغنا الشرعي، وذلك بملك النصاب النامي، وحرمة الصدقة بالغنا الحقيقي، بدليل أن من ملك فاضلاً عن ثياب مهنة، وأموال بذلته ما بلغ قيمته نصاباً لا يجب عليه الزكاة لعدم الغنا الشرعي، وحرمة الصدقة للغنا الحقيقي، فإن عندنا من ملك خمسة من الإبل المهازيل وهو ذو عيلة وجب عليه الزكاة للغنا الشرعي، وحلت له الصدقة للفقر الحقيقي، فكذلك المديون له الغنا الشرعي فوجبت عليه الزكاة، وليس له الغنا الحقيقي فحلت له الصدقة.
وأما قولهم: ((إنه مشغول بحاجته)).
قلنا: لا ننكر وجود أصل الحاجة، وما من مال للغنى إلا وهو محتاج إليه.
وأما اشتغال المال بالحاجة ممنوع لما بينا أن الدين في ذمته، ولا حاجة للدين إلى محل سواه، وإنما يتصل بالمال عند الأداء فلا يوصف باشتغاله به قبل الأداء مثل القصاص الواجب في النفس لا توصف النفس باشتغالها بهذا الواجب إلا عند اتصال الاستيفاء به وظهر بما قلنا الفرق بين مال المديون/ وبين الأموال التي يتخذها لبذلته ومهنته، ثم نقول: علامة الفاضل عن حاجته في المال إعداده للتجارة والسوم، وهذا موجود وإن كان مديوناً.

الجزء: 2 - الصفحة: 75

وقوله: ((على هذا أنه يعارض اشتغاله بذمته بالدين)).
قلنا: ولكن الرجحان لوصف السوم والتجارة، لأنه وصف لازم المال، وأما الدين بالذمة فلا تعلق بالمال.
يبينه: أنه يوجد فاضل عن الحاجة لا تجب فيه الزكاة مثل ما يملكه من العبد والدواب والحوانيت التي لا يريد بها التجارة ولا حاجة له إليها لبذلته، فكذلك يجوز أن يوجد مشغول بحاجته تجب فيه الزكاة وكان المعنى في الأول وصف النماء وإن كان فاضلاً عن حاجته، وكذلك ههنا المعنى في الوجوب وصف النماء وإن كان مشغولاً بحاجته، وعلى هذا انزاح الإشكال، ووضح الكلام نهاية الوضوح.
وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه: أن وجوب الحج بالمكنة، ولا يمكن مع الدين حقيقة وحكماً.
أما الحقيقة المحسوسة فلأنه يطالب ويلازم ويحبس فلا يتمكن من الخروج، وأما الحكم فلأن المسلم هو الدين الحال، وقد ثبت عندنا أن الحج على التراخي والدين على الفور فقدم عليه في حكم الشرع وصار تقدمه عليه مفوتاً للمكنة التي هي من شرط الوجوب.
وأما الزكاة فلا تشترط المكنة، في وجوبها، وأيضاً فإنه على الفور مثل الدين فلم يقدم عليه ولا يمانع ولا يضايق في وجوبها فالدين وجوبه بعقد المعاملة والزكاة وجوبها بنفس الملك وواحد منهما لا أثر له في صاحبه فاجتمع الواجب بهما اجتمع سبباهما والحج لا يجب بنفس الملك ما لم يوجد المكنة، وقد بينا أنها فاتت فسقط وجوبه.
وقد أجاب الأصحاب بوجوه، رأيت كلها ضعيفة.
وهذا الوجوب حسن يمكن تمشيته فاقتصرنا عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 76

وأما الدين الذي ادعوه من نقصان الملك فليس بشيء، وقد دللنا على كمال ملكه وملك التبرعات وحل الوطء معتمد.
وقولهم: ((إن الدين إذا قضي فمن عليه يقضي ما عليه وصاحب الدين يقتضى ماله)).
قلنا: نعم، هذا يقضي ديناً عليه، وهذا يقتضي ديناً له، والاقتضاء في الدين كذا يكون.
فأما العين التي هي محل الزكاة، فالتمليك بها يستأنف قطعاً فهو نظير تملك الشقص بالشفعة فلا يمنع الوصف بتمام الملك، ووجوب الزكاة بدليل مسألة الشفعة.
وقوله: ((إنه يأخذ حقه من ماله إذا قدر عليه)).
قلنا: لا جرم ......... إذا أخذ ملكه فلم يدل هذا على نقصان ملكه قبل الأخذ.
ألا ترى ن الأب يأخذ مال ابنه عند الحاجة ويملكه، ولا يدل على نقصان الملك من قبل، وكلامه الأخير ليس بشيء، وقد سبق جوابه.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 77

(مسألة)

لا يجوز دفع القيم سوى المنصوص عليه في الزكاة

عندنا.
وعندهم: يجوز بطريق القيمة.
لنا: الحديث المعروف وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن بلغت إبله خمساً وعشرين ففيها ابنة مخاض فإن لم يكن فابن لبون ذكر))، فقد شرط صلى الله عليه وسلم عدم ابنة مخاض في جواز إخراج ابن اللبون، دل أنه لا يجوز مع وجودها.
يبينه: أنه صلى الله عليه وسلم نقل من سن معين إلى سن معين من غير تعرض للقيمة مع علمه باختلافهما في القيمة عند اختلاف الأزمنة والأمكنة، دل أن الرجوع إلى القيمة ساقط.
ويمكن أن يقال أيضاً: أنه صلى الله عليه وسلم جوز ابن اللبون على الإطلاق.
وعندكم لا يجوز إلا إذا كانت قيمته مثل قيمة بنت المخاض، فهذا تقييد ليس عليه دليل، فقد قلتم: إن تقييد زيادة، والزيادة نسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 78

قالوا: إنما جوزنا ابن اللبون مكان بنت مخاض بالقيمة بدليل أنه صلى الله عليه وسلم قابل فضلاً بفضل، والمقابلة تقتضي المعادلة، والمعادلة تكون بالقيمة.
واستدلوا على جواز القيمة في الزكاة بالخبر الذى روى أنه صلى الله عليه وسلم رأى ناقة كوماء في إبل الصدقة فغضب وقال: ((ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟ فقال الساعي: أخذته ببعيرين من إبل الصدقة))، وأخذ البعير لا يكون إلا بطريق القيمة.
واستدلوا بحديث معاذ المعروف وهو قوله لأهل اليمن: ((ائتوني بكل خميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة)).

الجزء: 2 - الصفحة: 79

الجواب: أما الأول فنحن لا ننكر أن الشرع ورد بمقابلة فضل بفضل، والكلام أنه هل كان بطريق القيمة؟ وليس عليه دليل.
والجملة أن ابن اللبون ورد به التوقف، وكذلك الخبران المذكوران في أخذ شاتين أو عشرين درهماً أوردهما في الموضع الوارد فالكل على التوقيف.
فأما الخبران اللذان أوردهما ففي إسنادهما مقال.
والأصحاب أولوا الأول، وقالوا: كان ذلك شراءً وبيعاً بإذن الإمام.
وقالوا في الثاني:/ المراد من الصدقة الجزية، وسميت صدقة على طريق المجاز، كما كان يسمى المأخوذ من بنى تغلب صدقة وقد كان جزية، بدليل أن معاذاً رضي الله عنه أخبر أنه ينقلها إلى المدينة، ولم يكن من مذهبه جواز النقل في الصدقات، ولأنه ذكر الهجرة والنصرة في الإشارة إلى الاستحقاق بهما والجزية تستحق لهما لا الصدقة.
وأما المعنى: نقول المنصوص عليه هو الواجب فلا يجوز غيره.
دليله: كل الواجبات في الشرع، والدليل على أن المنصوص عليه هو

الجزء: 2 - الصفحة: 80

الواجب أن الوجوب علم بالشرع، والشرع ورد بالمنصوص عليه فلا يجب بالنص إلا ما ورد به النص.
يدل عليه: أن الزكاة إن كانت عبادة فلا يجوز في العبادة إلا ما ورد به التعبد بدليل الصلاة وأفعالها، فإنه لا يقوم الركوع فيه مقام السجود ولا السجود مقام الركوع، وكذلك لا يقوم السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة، وكذلك في سائر العبادات ووجه التقريب بين مسألتنا وهذا الأصل أن الله تعالى إذا وضع عبادته على جارحة بفعل يوجد منها لم تقم جارحة أخرى مقامها، كذلك إذا وضع العبادة على المال وسماه بفعل يوجد منه لم يقم الفعل منه في مال آخر مقامه.
يدل عليه: أن أصل العبادة لا تجب بالتعليل ولا تقبله فكذلك كيفيتها، وإن قلنا: إن الزكاة حق الفقراء، فالحق الواجب للآدمي في عين لا يقوم غيرها مقامها إلا بسبب شرعي من معاقدة ومعاوضة وغير ذلك.
يدل عليه: أن سبب وجوب الحق إذا اتصل بمحل يتعلق الوجوب بصورته ومعناه مثل ما لو أسلم في شيء واشترى شيئاً، وكذلك إذا أوصى الإنسان بشارة أو أوصى بشاة من أربعين من الغنم أو ببعير من خمس وعشرين من الإبل للفقراء تعلق حقهم بعين ذلك، كذلك ههنا.
وأما حجتهم: قالوا: الزكاة واجبة للإغناء أو لدفع الحاجة، لأنها وجبت على الغنى للمحتاج فيكون بعلة الإناء ودفع الحاجة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر: ((أغنوهم عن المسألة في هذ اليوم)).

الجزء: 2 - الصفحة: 81

ولأن التعليل واجب ما أمكن، وقد أمكن التعليل بالإغناء وهو تعليل صحيح مؤثر، وإذا علل بهذا فالإغناء بالأصل والقيمة واحد فاستويا في الجواز، وشبهوا الزكاة بالجزية والخراج.
وقالوا: أما الصلاة فإنما لم يجز فيها التعليل، لأنها لو عللت عللت بالخشوع، وفي كل فعل من الصلاة نوع خشوع لا يوجد في غيره فبطل التعليل، وفي مسألتنا الإغناء الذي يوجد في المنصوص عليه يوجد في القيمة.
قالوا: وأما السجود على الذقن والخد فليس بعبادة بل هو عبث فلا يقوم مقام العبادة بخلاف القيمة فإن إخراجها في الجملة يكون عبادة فجاز أن يقوم أداءها مقام أداء المنصوص عليه.
قالوا: وأما إخراج المنافع إنما لا يجوز، لأنها ليست بمال، وإن كانت مالاً فهي في المالية دون العين على ما عرف في كتاب الغصب فلا يقوم مقامه، فتعلقوا بما لو أخرج بعيراً عن خمس من الإبل فإنه يجوز وإنما جاز بالقيمة لأنه غير منصوص عليه، ولا يجوز أن يقال: جاز بدليل النص، لأنه لما جاز عن أضعاف الخمس ففي الخمس أولى، لأن هذا يبطل بما لو أخرج ست حقائق عن إحدى وستين وهو ثلاث مائة وخمسة مثل البعير في مسألة الإلزام.
قالوا: ((ولا يجوز أن يقال إن الواجب في خمس من الإبل خمس بعير فلأن يجوز بعير كامل أولى.
لأنه ليس كما زعمتم بل الواجب في خمس من الإبل شاة، وإنما يجب البعير عند بلوغه خمساً وعشرين فقبل بلوغه

الجزء: 2 - الصفحة: 82

هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من البعير، كما أن الشاة تجب عند بلوغ الغنم أربعين فقبل بلوغه هذا القدر لم يقدر إيجاب شيء من الشاة)).
يبينه: أنه كيف يقدر إيجاب خمس من البعير في خمس من الإبل، وقد وجبت الشاة فيها؟ فثبت بما قلنا أن جواز البعير كان بالقيمة فإذا جازت القيمة في هذه الصورة فوجب أن يجوز في كل موضع هذه طريقة مشايخهم.
وأما طريقة أبي زيد فقد بنى كلامه على ما سبق من قبل وهو أن الزكاة حق الله تعالى على ما بينا، ثم الفقير مصرف لهذا الحق، ووصوله إليه من قبل الله تعالى إيفاء للرزق الموعود إلا أن الرزق الموعود للفقير مال مطلق يحصل به كفايته لا بمال مخصوص معين، وهذا لأن حاجته ترتفع بالمال المطلق لا بالمقيد.
وأما حق الله تعالى في مال معين ثم لما أمر الله تعالى بصرفه إلى الفقراء نائباً عن الله تعالى في قبض حقه فإذا حصل الأداء إلى الله تعالى بقبض الفقير فبعد ذلك يصير حقاً للفقير لرزقه الموعود فصار الفقير قابضاً رزقه الموعود بواسطة حصول الأداء إلى الله تعالى، وهذا كمن له على إنسان عشرة دراهم/ فأمر رب المال المديون أن يتصدق بها على الفقراء فإنه يصح، ويصير الفقير نائباً عن صاحب الدين في قبض الدين ثم يصير قابضاً حقاً لنفسه، وكذلك إذا كان على رب الدين عشرة دراهم لرجل آخر فقال لمديونه: اقبض العشرة التي على بما لي عليك فقضاها يصير القابض نائباً عنه في قبض حقه أولاً ثم يصير مستوفياً حق نفسه كذلك ههنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 83

قالوا: وإذا كان القابض هو الفقير وحقه في مال مطلق احتجنا إلى أن نجعل حق الله تعالى في مال مطلق ليصح قبض الفقير، فإنما يقبض لله تعالى ما يقبضه لنفسه رزقاً له فيسقط حق الله تعالى في صورة الشاة لضرورة تحقيق قبض الفقير حق نفسه فصار حق الله تعالى مؤدى بمال مطلق بقبض الفقير ثم صار الفقير قابضاً، وهذا هو الأصل في كل حقين مختلفين يتأديان بقبض واحد فإنه يصير الحق الأول على وصف الحق الثاني ليتأدى حق الأول بقبض الثاني حقه.
ومثال هذا: رجل عليه مائة درهم لرجل وله على آخر كر حنطة أو عنده كر حنطة وديعة فقال للذي عليه الحنطة: اقض الدراهم التي على بما لي عليك من الحنطة، فإنه يصير مأموراً ببيع الحنطة بالدراهم حتى يمكن أداؤها إلى صاحب الدين وهو الدراهم، فقبض هو حق نفسه وحقه في الدراهم فثبت قبض صاحب الحنطة في ضمن قبضه حق نفسه وذلك إنما يتصور إذا كان حق صاحب الحنطة على وصف حقه فجعل الديون مأموراً ببيع الحنطة ليصير كذلك، فكذلك ههنا يثبت ما ادعيناه بالحقيقة والمثال، وربما قالوا على فصل التعليل: إنا لا نعلل حق الله تعالى إنما نعلل جانب حق الفقير وهو ما استحق من مال صالح لكفايته ويعدى معنى الصلاحية لكفايته إلى كل ما يكون في معناه.
قالوا: ولا يلزم صدقة الفطر، وذلك إذا أدى ربع صاع حنطة يساوي نصف صاع حنطة حيث لا يجوز عن النصف، فإنه إنما لم يجز لأنه لو جاز إنما جاز لقيمة الجودة، ولا يجوز أن تعتبر الجودة في هذا المد بدلاً عن مد آخر، لأن الجودة في مال الربا لا قيمة لها بانفرادها بخلاف ما لو أدى شاة سمينة في الزكاة فإنها تجوز عن شاتين، لأن الجودة في الشاة متقومة، فأما إذا أعطى نصف صاع تمر جيد عن شعير وسط أو بالعكس إنما لم يجز

الجزء: 2 - الصفحة: 84

لأن التمر والشعير والحنطة وإن كانت أجناساً مختلفة في سائر الأحكام، ولكن في صدقة الفطر كلها جنس واحد، لأن المعنى المطلوب من الكل واحد وهو دفع حاجة الفقير، وإذا صار الجنس جنساً واحداً في هذه الحكم بطلت نية التمييز، ولم تصح نية إقامة الحنطة مقام الشعير، لأن الكل شيء واحد، ومتى بطلت النية وقعت الحنطة عن نفسها والجودة لا قيمة لها فلا يجوز إلا عن القدر الذي أدى، ولا يلزم على العدد إذا أعطى ثوباً واحداً عشرة مساكين عن طعامهم في الكفارة حيث يجوز، لأن الطعام مع الكسوة جنسان مختلفان لاختلاف معنى المطلوب منهما، وأمكن صرف أحدهما إلى الآخر لتغايرهما.
قالوا: وأما إذا أعطى ثوباً واحداً عشرة مساكين عن كسوتهم وهو يساوي ذلك لا يجوز، لأن الكسوة في كفارة اليمين وجبت مطلقة غير مقيدة بالوسط فعلى أي وصف كان الثوب وقع عن نفسه فلم يمكن إقامة جودته مقام ثوب آخر، وليس كما لو أعطى شاة سمينة عن شاتين وسطين حيث يجوز، لأن الواجب الشاة هو الوسط بالنص، والجودة متقومة فيها فقدر الوسط وقع عن نفسه، وفضل الجودة المتقومة وقع عن شاة أخرى فهذا هو المعنى في المسائل.
وأما أصل القيمة فمجزية في صدقة الفطر بدليل أنه لو أعطى عن الصلع دراهماً أو دنانيراً فإنه يجوز عندنا.
قالوا: ولا يلزم الضحايا والهدايا والعتق حيث لا تجوز القيمة فيها، لأنا نسلم أن الحق متى وجب لله تعالى لا يجوز إبطاله بالتعليل، وكذلك حق العباد، ولكن ادعينا أن الله تعالى رضي بتغير حقه لما أمر بصرفه إلى الفقير، وفي الضحايا والهدايا حق الله غير مصروف إلى الفقير، لأن حق الله بتأدى بإراقة الدم لا بصرف اللحم إلى الفقير، وإنما أثبتنا رضا

الجزء: 2 - الصفحة: 85

الله تعالى بتغيير حقه بضرورة أن الفقير هو القابض، وهذا المعنى ههنا معدوم، وكذلك العتق، لأن الحق يتأدى بنفس إتلاف الرق وليس هناك شيء مصروف إلى العبد حتى تقع الحاجة إلى تغيير حق الله تعالى، وكذلك الركوع والسجود وسائر العبادات البدنية، لأن أداءها بفعل يوجد من البدن من غير أن يكون هناك صرف شيء إلى الفقير فخرج على ما قلنا.
الجواب: أما الطريقة الأولى فهي بناء على إثبات التعليل، وهذا باطل لما بينا من قبل ولأن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم التعدية مثل ما يفعل في الأشياء/ الستة وسائر المواضع.
وعندهم بهذا التعليل يتغير حكم الأصل، لأن حكم الأصل وجوب الشاة ويفوت الوجوب بالتعليل، لأن الواجب ما لا يجوز غيره، فإذا جاز غير الشاة فات وجوب الشاة فتعين حكمه من الوجوب إلى الجواز فبطل التعليل من هذا الوجه.
فإن قالوا: لا يتغير حكم الأصل، لأن الشاة إذا أداها يكون أدى الواجب، لكن يتسع محل الواجب مثل الصلاة في وقت الظهر يكون وجوبها موسعاً لا أن يفوت الوجوب في أول الوقت.
والجواب: أن النص اقتضى وجوب الشاة على التعيين، وبالتعليل يفوت هذا، فثبت تغيير حكم الأصل قطعاً، وتحقق أن التعليل باطل لهذا الوجه، وهذا جواب حسن على هذه الطريقة.
وطريقة أبي زيد والذي يختص بهذه الطريقة: أن يقال لهم إذا عللتم بالإغناء فقد ناقضتم أصلكم، لأن الزكاة عندكم عبادة

الجزء: 2 - الصفحة: 86

محضة وهي حق الله تعالى على الخلوص، وإذا عللت بالإغناء يكون حق الفقير، لأن ما أوجب لإغناء الآدمي يكون حق الآدمي، ولأن التعليل لإسقاط الحقوق عن الأعيان باطل، كما لو أوصى فقال: ((أغنوا فلاناً بشاة أو ببعير أو بدراهم)) لا يجوز أداء غيرها، وهذا لأن العين محل تعلق الحق بها لله تعالى وللفقير، فإذا اتصل بها الخطاب والإيجاب لابد من تعلق الحق بها، وإذا تعلق الحق بها فالتعليل لإبطال الحقوق عن الأعيان باطل مثل سائر الحقوق في العالم.
ويقال لهم أيضاً: وجبت الزكاة للإغناء، ولكن بهذا الذي عينه ولا يجوز غيره كما في العبادة البدنية لما أوجب التعبد والتخشع بهذا الفعل الذي عينه فلم يجز غيره.
وقولهم: ((إن في كل واحد من الأفعال نوع تخشع لا يوجد في صاحبه)).
قلنا: على القطع نعلم أن ما يوجد من التعظيم والتخشع بوضع الجبهة يحصل بوضع الخد وأكثر فوجب أن يجوز.
وأما إذا أدى بعيراً عن خمس من الإبل.
قلنا: عندنا جاز بالنص وهو قوله عليه السلام: ((خذ من الإبل الإبل، ومن البقر البقر)).

الجزء: 2 - الصفحة: 87

وهذا لأن الواجب جزء من النصاب ليكون وجوبه على وجه المواساة وصفة اليسر، ولشاة ليست بجزء من الإبل فيكون وجوبها رخصة فإذا لم يوجد وأدى ما هو الواجب الأصلي فلابد من الجواز وهو مثل المسح على الخفين فإنه رخصة ولو لم يفعل بفعله وغسل الرجلين يجوز، وكذلك ههنا، وهذا معتمد.
وأما طريق أبي زيد فهي بناء على أصل ممنوع وليس على إثباته دليل معتمد عليه.
أما قولهم: ((إن الزكاة عبادة محضة)).
فقد دللنا أنها على حق الفقراء فلا نعيد وإذا صارت حق الفقير بطلت حق التعليل لإبطاله حقه أو يعتبره من محل إلى محل، والمنع معتمد.
وأما قولهم: ((إن الفقير بقبض ما يقبضه عن الرزق الموعود)).
فليس عليه دليل، ويقال لهم: اجعلوا الزكاة صلة من الله تعالى للفقير.
وأما الرزق الموعود فدار عليه، والشاة والدراهم في صورة الزكاة صلة، والسيد قد يرزق عبده على الدرور ثم يصله بصلة وراء ذلك فإذا جعلنا الزكاة صلة فكأن الله تعالى وصل الفقير بما سماه فيتعين ذلك وهذا أولى مما قاله، لأنه على هذا يبقى حق الله تعالى على ما كان وعلى ما زعموا أبطلا حق الله تعالى عن الواجبات التي نص عليها بعد ثبوتها بلا دليل.
وأيضاً يقال لهم: قولوا إن الله تعالى وعد الرزق بمال مطلق ثم حين أمر بصرف الزكاة إلى الفقراء فقد نقل رزقهم في هذا الموضع من المال المطلق

الجزء: 2 - الصفحة: 88

إلى مال معين، ويجوز أيضاً للسيد أن يرزق عبده بمال مطلق ويجوز أن يرزقهم بمال معين وله ولاية النقل فلأي ضرورة سقط أصل حق الله في الواجبات التي سماها ونص عليها وعنده لو سقط سقط ضرورة، ولا كلام على هذين الجوابين، وهما في نهاية الوضوح، وعلى أنا قد بينا أن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم تعدية الحكم إلى الفرع، ولا يوجد في هذه الموضع هذا الشرط فإذا فات شرط التعليل بطل التعليل.
وأما المسائل التي تعلقوا بها فهي معاملات بين العباد ومبناها على المراضاة، وقد تضمن الأمر من صاحب الدين في تلك المواضع الرضا بما قالوه.
فإن قالوا: ((إن ههنا وجد الرضا من الله تعالى بانتقال حقه من المال المعين إلى المال المطلق)).
فهذا مجرد تحكم من غير حجة.
وأما تعلقهم بأمره تعالى بصرفه إلى الفقير فقد وجدنا وجهاً لصرفه من غير أن يحتاج إلى تغيير حق الله، ونقله من شيء وهو أحد الوجهين اللذين قدمناهما فقد بطل ما قالوه وفسد فساداً لا يقبل الصلاح.
وإن تعلقوا بالجزية والخراج فإنما جازت القيمة فيهما بالنص على ما عرف، وعلى أن هناك ولاية الإمام ثابتة في الابتداء وضعاً فثبت في الانتهاء أخذاً بخلاف مسألتنا، ولأن المنافع تجزى في الجزية بخلاف الزكاة/ وكان المعنى في الفرق ما ذكرنا، والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 89

(مسألة)

إذا مات من عليه الزكاة لم تسقط الزكاة بموته وتؤدى من تركته كما تؤدى الديون

عندنا.
وعندهم: تسقط بموته وإن أوصى بإخراجها تخرج كما تخرج التبرعات حتى تعتبر من الثلث.
لنا: إن الزكاة حق الفقراء على ما سبق بيانه فنقول: حق من حقوق الآدميين فلا يسقط بموت من عليه.
دليله: سائر الحقوق للآدميين، وقياساً على العشر إن سلموا، وهذا لأن الموت ليس بسبب مسقط للحقوق المالية إنما هو للانتقال من الدنيا إلى الآخرة والواجبات المالية عليه كما كان في حال الحياة فتقضى من المال إن خلف مالاً وتقدم على حق الورثة، لأن قضاء الدين حقه والميراث حق الورثة فيقدم حقه على حق الورثة، كما يقدم التجهيز والتكفين ثم إذا بقى مال بعد قضاء الحقوق الواجبة عليه حينئذ يقسم بين الورثة، وإن لم يخلف شيئاً سقط وجوب القضاء للعجز، لأن أصل الحق سقط وهو مثل ما لو أعسر في الحياة لم يطالب للعجز، ونستدل بما لو أوصى بالزكاة فنقول: لا يخلو إما إن قلتم: إن الزكاة بقى وجوبها بعد الموت أو قلتم: سقطت، فإن

الجزء: 2 - الصفحة: 90

قلتم بقي وجوبها بعد الموت فقولوا إن الوصية باطلة لأن الوصية حصلت بالزكاة، فإذا لم تكن الزكاة واجبة فتكون الوصية بالزكاة كلا وصية، وهذا إلزام معتمد.
وأما حجتهم: قالوا: الزكاة عبادة محضة فتسقط بالموت كالصلاة والصوم.
والدليل على أنها عابدة محضة ما بينا من قبل.
وقولكم: ((إنها حق الفقراء)).
قالوا: لا، بل حق الله تعالى، وإنما الفقراء مصارف بالطريق الذي قلنا.
يدل عليه: أنه لا معنى يعرف لوجود حق الفقراء في مال الأغنياء، لأنه إن كان لفقرة وحاجته ففقرة وحاجته لا تدل على وجوب حق له على من ليس بفقير، وإن كان للدين فالدين أمر بين العبد وبين ربه فلا يوجب له شيئاً على عبد آخر لدينه، وهذا لأن حد الدين ليس بأمر بين العبد والعبد حتى يجب بسببه حق له عليه.
وخرج على هذا القرابة، لأنه معنى بين القربتين فجاز أن يجب له بسببها حق له على صاحبه، وإذا ثبت أنها عبادة محضة فتسقط بموت من عليه العبادة، لأن حقيقة العبادة فعل من عليه العبادة، وفعل من عليه العبادة يفوت بموته ففاتت العبادة ضرورة.
يدل عليه: أن العبادة من غير متعبد محال، ولا متعبد فلا عبادة وصارت هذه العبادة مثل عبادة الصلاة والصوم سواء إلا أن هناك آلة العبادة بدون المتعبد وههنا آلة العبادة مال المتعبد، فحصل الاختلاف في الآلة التي تؤدي بها العبادة لا في نفس العبادة، لأن العبادة حقيقتها في الموضعين واحد لا يختلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 91

قالوا: وليس كما لو أمر بأداء الزكاة في حال الحياة، لأن أمره لما اتصل بالأداء أمكن تحقيق معنى العبادة بخلاف مسألتنا على ما ذكرنا في مسالة زكاة الصبي.
والحرف لهم: أنه لما فات بالموت فعله وأمره تعذر تحقيق العبادة فعلاً من قبله فصار سقوطها في أحكام الدنيا من ضرورة هذا الفوات.
قالوا: وأما إذا أوصى بالزكاة فقد وجد من قبله الأمر وإذا اتصل أمره بها صار كما لو اتصل أمره بها في حال الحياة إلا أنه اعتبر من الثلث، لأنه لم يلزم إخراجها لولا الأمر أشبه الوصية بالتبرعات فكانت من الثلث.
قالوا: وأما العشر فقد منع في إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى وهو ظاهر المذهب، إنما لا يسقط بالموت، لأنه وظيفة الأرض مثل الخراج فصار مؤنة مالية مثل سائر المؤن ولم يكن عبادة فلم يسقط بالموت مثل ما لا يسقط سائر الديون.
الجواب: أما قولهم: ((إن الزكاة عبادة محضة)).
فقد أجبنا عن هذا في مسألة زكاة الصبي.
وقولهم: ((أنه لا سبب يوجب للفقراء حقاً في ماله)).
قلنا: وجد بينهما وصلة الدين، وهي وصلة زائدة على كل وصلة فإن كل وصلة النسب توجب الحق لأحد القربتين على الآخر فوصلة الدين أولى.
وقولهم: ((إن الدين أمر بينه وبين ربه)).
قلنا: نعم، وهو أيضاً يفيد أخوة بينه وبين المشارك له في الدين، كما

الجزء: 2 - الصفحة: 92

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
فكان سبب الاستحقاق هو الأخوة ديناً بشرط الفقر وإنما شرطنا الفقر بالشرع، ولأنه لما وجب لدفع الحاجة وجب للمحتاج، ولا ينكر ضم شرط إلى سبب الاستحقاق بعد أن قام عليه الدليل، ثم وإن سلمنا أن الزكاة عبادة محضة لكن هذا لا يوجب سقوطها بالموت، لأنها عبادة مالية، والمال قائم، والأصل أن كل واجب بقى في محل/ وجوبه إلى أن يقوم الدليل على سقوطه.
فإن قالوا: هذا الواجب عليه ولم يبق من عليه.
قلنا: موت من عليه الحق لا يوجب سقوط الحق مثل سائر الديون، وهذا لأنه جعل بمنزلة الحي في تصوير البقاء عليه إلى أن يؤدي من ماله.
ألا ترى أن في سائر الديون جعل بمنزلة الحي في بقائها عليه إلى أن تؤدى من ماله.
وأما قولهم: ((حقيقة العبادة في فعله)).
قلنا: نعم، في فعله أو في فعل من يقوم فعله مقام فعله بسبب صحيح شرعاً بدليل الثابت في حال الحياة.
فإن قالوا: هنا وجد أمر من عليه الحق بالفعل، وههنا لم ويجد.
قلنا: وههنا وجد أمر الشرع فيقام أمر الشرع بالفعل مقام أمره، وهذا لأن الخطاب يتصل بالفعل واعتبر في بقائه تصور الفعل إما محسوساً أو اعتباراً، وههنا إن لم يتصور فعله محسوساً تصور فعله اعتباراً بالشرع، وإذا تصور فعل الزكاة من قبله بهذا الاعتبار بقى الوجوب وهو نظير العشر، وقد بينا أنه مثل زكاة سائر الأموال، وعلى أنا

الجزء: 2 - الصفحة: 93

إن كلمناهم في صدقة الفطر ضاق الكلام عليهم جداً، لأنها تتأدى بولاية شرعية لا من قبل من عليه، بدليل أن الولي يخرج زكاة الفطر عن الصبي على ما عرف، ومع ذلك قالوا: إنها تسقط بالموت.
قالوا: ((إن الصبي في الجملة من أهل الفعل فجاز أن يقوم فعل الولي مقام فعله، وأما الميت فليس من أهل الفعل أصلاً فلم يمكن إقامة فعل الغير مقام فعله)).
قلنا: والصبي ليس من أهل فعل معتبر شرعاً وكلامنا في مثل هذا الفعل فاستويا من هذا الوجه.
وأما فصل إلزام الوصية فقوى جداً.
وقولهم: ((إنه وجد الأم منه بالزكاة فبقى وجوب الزكاة)).
قلنا: وإنما يقوم فعل غيره مقام فعله حكماً إذا كان من أهل الفعل محسوساً، وقد خرج بالموت عن أهلية الفعل، فكيف يقوم فعل غيره مقام فعله ولا فعل له؟ ولئن جاز أن يقوم فعل غيره مقام فعله حكماً، وإن كان خرج عن أهلية الفعل محسوساً جاز أيضاً ههنا أن يقوم فعل غيره مقام فعله وإن كان لا فعل له ولا أمر.
ثم يقال لهم: إنكم إذا أبقيتم الوجوب لوجود الأمر فقولوا يكون من جميع المال.
وقولهم: ((إنه يشبه التبرعات)).
قلنا: كيف يشبه التبرعات وهو في نفس واجب؟ ولأنا بينا أن الواجب إنما كان من جميع المال، لأن قضاء حقه مقدم وحق الورثة متأخر عن حقه، وفي هذا المعنى يستوي جميع الواجبات سواء أحتاج إلى أمره بالإخراج أو استغنى عنه.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 94

(مسألة)

لا يضم أحد النقدين إلى الآخر في حكم الزكاة بل يعتبر كل واحد على حياله فإذا تم فحينئذ تجب الزكاة.

وعندهم: يضم أحد النقدين إلى الآخر ويحكم بكمال النصاب إلا أن أبا حنيفة قال: يضم بالقيمة.
وعند أبي يوسف ومحمد يضم بالأجزاء.

الجزء: 2 - الصفحة: 95

لنا: إنهما مالان من جنسين مختلفين فلا يضم أحدهما إلى الآخر في نصاب الزكاة، دليله البقر والغنم.
والدليل على أنهما مالان من جنسين مختلفين، لأن أحدهما ذهب والآخر فضة، وكل واحد من الاسمين اسم للعين، فإذا تغايرا اسماً تغايراً عيناً، لأنا نعلم قطعاً أن الذهب غير الفضة والفضة غير الذهب، بدليل الصورة والمالية، فإنهما اختلفا صورة ومالية، ولئن جاز أن يقال إنهما مال واحد جاز أن يقال إن البقر والغنم واحد أيضاً.
وإذا ثبت هذا الاختلاف عيناً ثبت الاختلاف جنساً، واستمرت العلة وصحت.
ويدل عليه: من حيث الحكم أن الربا لا يجرى بينهما ولو كان من جنس واحد يجرى بينهما الربا، وحين لم يجر الربا دل أنهما جنسا مختلفان، وقد تأيد الاستدلال بهذا الحكم بنص الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله عليه السلام: ((فإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يداً بيد)).
ونقول من حيث التحقيق: إن الضم محسوس غير معتبر بدليل ضم البقر إلى الغنم والغنم على البقر لا يعتبر، وإنما اعتبر الضم حكماً فلابد من دليل ولم يوجد.

الجزء: 2 - الصفحة: 96

وأما حجتهم: قالوا: الذهب والفضة في حق الزكاة في حكم مال واحد فيكمل نصاب بعضه بالبعض كالكسور والصحاح والمعز والضأن.
وإنما قلنا ذلك، لأن الزكاة تجب في الأموال بوصف النماء على ما عرف، والنماء في الذهب والفضة بصفة الثمنية، وصفة الثمنية صفة منمية لأنها صفة التجارة وطريق التوصل إلى الأشياء، والذهب والفضة من حيث الثمنية في حكم مال واحد، لأنهما خلقا ثمناً للأشياء فوجب ضم بعضه إلى البعض كما وجب ضم أموال التجارة بعضها إلى بعض.
يبينه: أنها باعتبار الثمنية صار مالاً للتجارة فصار كالعروض التي يعدها للتجارة.
ولهذا قال أبو حنيفة: إنه يضم باعتبار القيمة/ لأنهما إذا صارا مالي التجارة فكان الضم بالقيمة كسائر أموال التجارة.
وريما يتعلقون باتفاق الواجب فيهما، فإنه ربع العشر بكل حال، وكذلك اتفاق النصاب فإن كل دينار يعدل بعشرة دراهم، وعلى هذا يكون نصاب الدنانير مثل نصاب الدراهم.
قالوا: ولأن كل واحد منهما يضم إلى سلع التجارة فإذا ضممناها إلى سلع التجارة حضم الضم بينهما ضرورة.

الجزء: 2 - الصفحة: 97

الجواب: أنا دللنا على أنهما مالان مختلفان جنساً وتعلقنا بالحكم والحقيقة.
وأما قولهم: ((إنما خلقاً للثمنية فيكونا مالاً واحداً في المعنى)).
قلنا: ولم لا يجوز أن يختلفا جنساً، وإن كان خلقا لشيء واحد، لأنه غير مستنكر ولا مستبدع أن يخلق الله تعالى أشياء كثيرة لمعنى واحد، وهذا لأنه إذا خلق شيئاً واحداً لمعنى واحد ضاق الأمر على الناس، وإذا خلق أشياء كثيرة لمعنى واحد اتسع الأمر على الناس وزال الضيق حتى إذا تعذر وصوله إلى واحد في ذلك المعنى وصل إلى غيره.
والدليل على جواز ما قلناه أن الله تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ...﴾. فقد أخبر أنه تعالى خلق هذه الأشياء لمعنى واحد، ومع ذلك لم يجعل الجميع كمال واحد، وليس كمال التجارة.
ولأن نصاب أموال التجارة من قيمتها، وإذا كان النصاب من قيمتها صار الجنس واحداً، لأنه يقومها إما بالدنانير أو بالدراهم أو بالدراهم وينظر إلى ما اشترى من العروض بها من هذين النقدين فإذا قوم بأحدهما فهو مال واحد وتكميل النصاب جرى في مال واحد لا في مالين مختلفين بخلاف مسألتنا، فإن نصاب الدراهم والدنانير من أعيانها.
ألا ترى أن كل جنس لو انفرد لم تجب الزكاة حتى يكمل نصاباً من عينه، قلت القيمة أو كثرت كالسوائم سواء بخلاف الثياب وسائر العروض إذا كانت للتجارة، فإن ثوباً لو بلغت قيمته ألفاً كان نصاباً، وثياب كثيرة إذا لم تبلغ قيمتها

الجزء: 2 - الصفحة: 98

نصاباً لم يكن نصاباً.
فإن قيل: إنما كن كذلك، لأن الجودة من كل واحد منهما غير متقومة إذا انفرد، وإذا لم يتقوم، فلهذا اعتبر كمال النصاب عيناً فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب عيناً فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب بالقيمة، وعند الانفراد لم تظهر قيمته فأكمل النصاب بالعين.
قالوا: (وهذا كما قلنا فيمن غصب قلباً فقسمه ثم رد على صاحبه فأخره صاحب القلب وأراد أن يضمنه قيمة الجودة لم يكن له ذلك، لأنه أراد أن يضمن الجودة بانفرادها، ولو أراد أن يترك الأصل عليه ويضمنه بخلاف جنسه جيداً كان له ذلك) بخلاف مسألتنا.
والجواب: إن الجودة مال متقوم، وإنما سقط اعتبارها في موضع مخصوص بالنص ففيما وراء ذلك الموضع هي معتبرة متقومة، ومسألة القلب المقسوم على أصولهم، وعلى الأصح من الوجوه لأصحابنا له أن يضمنه الجودة من جنس الفضة، لأن الربا إنا يعتبر في المعاقدات، فأما في ضمان الإتلاف فلا.
وأما قولهم: ((إن الواجب واحد وهو ربع العشر)).
قلنا: هذا لا يدل على اتفاق الجنسين بدليل العشر في الأجناس الخارجة من الأرض، وكذلك الخمس في الغنائم المشتملة على الأجناس المختلفة.
وأما قولهم: ((إن النصاب واحد)).
فليس كذلك، لأن الدنانير عندنا غير معدلة بعشرة دراهم

الجزء: 2 - الصفحة: 99

بل هو معدل بإثني عشر درهما فلم يتفق النصاب والنصاب.
وأما قولهم: ((إن كل واحد منهما يضم إلى السلعة)).
فهذه الصورة كل صورة يوردونها على مذهبهم، وعندنا ينظر إلى الذي اشترى به السلعة فإن كان دراهماً تقوم السلعة بها ويضم إليها الدراهم ولا يضم الدنانير وكذا على العكس فلا ضم عندنا على ما زعموا.
والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 100

(مسألة)

لا زكاة في حلي النساء على أحد قولي الشافعي رضي الله عنه.

وفي الآخر يجب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقد روى عن جماعة من الصحابة القول بنفي الزكاة على الحلي منهم:

الجزء: 2 - الصفحة: 101

ابن عمر، وعائشة، وأسماء، وجابر، وأنس بن مالك، نقل عنهم بأسانيد معروفة.
وروى مثل ذلك عن التابعين: عن القاسم بن محمد، والشعبي، ومن الأئمة عن مالك، وأمد، وإسحاق.
وقد ذهب من أوجب الزكاة فيها إلى أخبار رووها في الباب منها: ما رواه أبو داود في سننه بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن

الجزء: 2 - الصفحة: 102

يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نار؟ قال: فخعلتهما وألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: هما لله ورسوله)).
وذكر أبو عيسى هذا الخبر في جامعه وقال: ((إن امرأتين أتتا النبي عليه السلام في أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاتهما؟ قالتا: لا، فقال: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من النار؟ قالتا: لا/ قال: فأديا زكاته)).

الجزء: 2 - الصفحة: 103

وروى أبو داود أيضاً برواية عبد الله بن شداد عن عائشة قالت: ((دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتها؟، قلت: لا، قال: هو حسبك من النار)).
وروى الدارقطني بإسناده من عطاء عن أم سلمة: ((أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب، فسألت النبي عليه السلام عن ذلك، فقلت: أكنز هو؟ فقال: إذا أديت زكاته فليس بكنز.

الجزء: 2 - الصفحة: 104

وروى الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس قالت: ((أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، قلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالاً وثلاثة أرباع مثقال)).
وفي رواية أخرى عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن النبي عليه السلام قال: ((في الحلي الزكاة)).
وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: ((قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن لامرأتي حلياً من عشرين مثقالاً، قال: فأد زكاته نصف مثقال)).
ونحن نقول: هذه الأخبار ضعيفة في الإسناد: فالخبر الأول: رواه عمرو بن شعيب، والحسين المعلم،

الجزء: 2 - الصفحة: 105

وابن ربيعة، والمثنى بن الصباح، والحجاج بن أرطأة، وهؤلاء كلهم ضعفاء في الرواية.
والخبر الثاني: رواه محمد بن عطاء عن عبد الله بن شداد، قال الدارقطني: ((ومحمد بن عطاء هذا مجهول)).
والخبر الثالث: رواه أبو حميد الحمصي عن عثمان بن سعيد

الجزء: 2 - الصفحة: 106

الحمصي عن محمد بن مهاجر عن ثابت بن عجلان، وهذا إسناد مظلم، وأكثر الرواة ضعفاء مجاهيل.
والخبر الرابع: رواه أبو بكر الهذلي عن شعيب بن الحبحباب عن الشعبي، وأبو بكر الهذلي متروك لا يحتج بحديثه.
والخبر الخامس: رواه صالح بن عمرو عن أبي حمزة ميمون عن الشعبي.

الجزء: 2 - الصفحة: 107

قال الدارقطني: أبو حمزة هذا ضعيف الحديث.
والخبر السادس: رواه عن حماد: يحيى بن أبي أنيسة.
قال الدارقطني: يحيى بن أبي أنيسة، متروك الإسناد، وهم، والصواب أنه مرسل موقوف.
وإذا ضعفت الأخبار من هذا الوجه فنصير إلى المعنى فنقول: مال مصروف عن جهة النماء إلى ابتذال مباح فلم تجب فيه الزكاة.
دليله: مال التجارة إذا جعلها للبذلة.
وتحقيقه: أن نقول: فقد محل الزكاة فلا تجب فيه الزكاة.
والدليل على أنه فقد محل الزكاة أن محل الزكاة هو المال النامي، لأنها واجبة بوصف اليسر، وعلى جهة المواساة ولا يتحقق هذا الوصف وهذه الجهة إلا أن يكون المال مالاً نامياً، ولهذا المعنى لا تجب الزكاة، فيما دون النصاب، ولهذا يشترط الحول، لأن المال إنما يكثر ببلوغه نصاباً، والنماء يطلب في المال الكثير، والحول مشروط لتحقيق النماء.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: وصف النماء في الذهب والفضة بالتقلب والتصرف فإن هذه الجهة جهة منمية مثل التجارة في سائر الأموال، ولما اتخذ الحلي من الذهب والفضة

الجزء: 2 - الصفحة: 108

فقد فاتت هذه الجهة، لأنه جعله ليلبسه ويتحلى به ويتزين به مثل ثوب يجعله للبسه وللتجمل به عند الناس، وهذه جهة صحيحة مطلقة شرعاً مثل اللبس في الثياب فيفوت بها جهة النماء، لأن التقلب والتصرف لا يكون إلا بإخراجه عن يده، واللبس والتحلي لا يكون إلا بإمساكه في يده فحصلت مضادة ومنافاة بين الجهتين، ولم يتصور اجتماعهما، فإذا تحقق الثاني فات الأول قطعاً، وإذا فات سقطت الزكاة لفوات محلها على ما سبق فهذا الذي قلناه معتمد المسألة، وسنبين كلامهم عليه، والجواب عنه، ويمكن أن يقال في الابتداء أن الحلي مشغول بحاجته، والزكاة لا تجب إلا في المال الذي يفضل عن حاجته مثل ثياب اللبس والعبيد للخدمة، والدواب للركوب، وهذا الكلام يصلح تقريراً للأول والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم: قالوا: (الزكاة حكم شرعي يتعلق بالذهب والفضة فيتعلق با لحلي.
دليله: الربا).
ودليل تعلقها بالذهب والفضة أنها تجب بملك العين من غير شرط زائد، بدليل وجوبها في التبر والسبائك والدراهم المعدة للإنفاق.
والحرف أن الزكاة تجب في الذهب والفضة كيف ملكها وعلى أي جهة أمسكها فصارت متعلقة بنفس الملك من غير اعتبار معنى زائد عليه، فثبت أنه حكم متعلق بعينها مثل الربا سواء.
وقد قال بعضهم: إن الذهب والفضة مال التجارة بعينها لأنهما خلقا لذلك فبقيا مالين للتجارة ببقاء عينهما، والزكاة واجبة في مال التجارة.

الجزء: 2 - الصفحة: 109

والدليل على أنهما خلقا للتجارة أنههما خلقا للتقلب والتصرف والتوصل بهما إلى الفوائد المالية، وهذا هو التجارة.
قالوا: وأما قولكم: ((إنه فاتت جهة النماء باتخاذ الحلي)).
فليس كذلك، لأنهما لما خلقا للتجارة فلم يفت ذلك بفعل من العباد.
وتحقيقه: أن الذهب والفضة صارا للتجارة بعينهما وعينهما باقي.
وربما يقولون: صارا للتجارة لقبولهما جهة التقلب والتصرف، وهذا المعنى قائم/ بعد اتخاذ الحلي للتجارة، وهذا لأن التزين والتحلي بالذهب والفضة ليس بمضاد لجهة التجارة بالوجه الذي قدمنا.
قالوا: وخرج على هذا عروض التجارة، لأنها صارت للتجارة بمعنى عارض وقد ترك العارض فخرجت عن جهة التجارة، أما ههنا إنما صار هذا المال مال التجارة لا مال بعارض بعينه وباتخاذ الحلي ما فاتت العين فبقى مالاً للتجارة.
يبينه: أن نهاية ما في الباب أن الحلي يعد للإمساك فإذا لم يكن صار الذهب والفضة للتجارة بالإعداد للتقلب والتصرف، والإعداد للتقلب والتصرف لا يفوت بالإمساك.
ألا ترى أنه لو لم يعده للتقلب والتصرف بل أعده للنفقة أو دفنه في موضع ليكون ذخيرة له وجبت الزكاة، بل صار للتجارة بمجرد وجود العين، فكذلك ههنا بالإعداد والإمساك للتحلي والتزين لا يخرج عن كونه مال التجارة وهذا فصل معتمد.
قالوا: ولأن التحلي والتزين جهة دون جهة التقلب والتصرف لأن التقلب والتصرف بهما قيام المعاملات وبالمعاملات بقاء العالم.
وأما التخلي والتزين فلا يتعلق به القوام إنما هو من فضول الحاجات،

الجزء: 2 - الصفحة: 110

فإذا ثبت أن هذه الجهة دون تلك الجهة، فالشيء لا يرتفع بما دونه كما لا ينسخ الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد.
قالوا: وبهذا فارق عروض التجارة إذا جعلها للبذلة والمهنة، لأنه جهة مثل جهة الأولى، لأن القوام متعلق بالجهتين فاستويا فجاز أن ترتفع الأولى بجهة مثلها، وعلى هذا خرجت الجواهر إذا اتجر فيها حيث تصير للتجارة، لأنها خلقت لجهة التزين، وإذا صرفها إلى جهة التجارة فقد صرفها إلى جهة فوقها فجاز أن ترتفع الأولى بها.
وقد تعلق كثير منهم بالحلي إذا كانت للرجال، فإن الزكاة فيها واجبة بالاتفاق.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذه الجهة محظورة على الرجال، لأن الصرف عن جهة النماء إذا حصل سقط الزكاة سواء أكان بجهة محظورة أو بجهة مباحة.
ألا ترى أن السائمة من الإبل إذا علفها بعلف مغصوب سقطت زكاتها، وكذلك ثياب التجارة من الحرير إذا اتخذها الرجل للبسه سقطت زكوتها، وكذلك البقر السائمة إذا جعلها عوامل لنقل الخمر فإنه تسقط زكاتها.
الجواب: أما قولهم: ((إن الزكاة تتعلق بعين الذهب والفضة)).
قلنا: إن عنيتم أنها تعلقت بعينهما لا لمعنى، فلا نسلم، وإن عنيتم لمعنى فمسلم، وهذا كالسوائم تتعلق الزكاة بأعيانها لمعنى، كذلك ههنا.
فإن قالوا: ((فأيش ذلك المعنى)).
قلنا: وصف النماء وقد فات في مسألتنا على ما سبق.

الجزء: 2 - الصفحة: 111

وأما الربا يتعلق بعينها بنص الشارع وعينهما باقي.
قالوا: ((إن عندكم علة الربا الثمنية وقد زالت باتخاذ الحلي)).
قلنا: نحن نقول إن جريان الربا حكم متعلق بعين الذهب والفضة، وأما العلة بالثمنية لم يكن لأنه غير متعلق بعين الذهب والفضة بل لمنع إلحاق غير الذهب والفضة بالذهب والفضة.
وقد قال بعض أصحابنا: إن العلة كونهما جوهري الأثمان وهذا المعنى باقي بعد الصنعة.
ومنهم من قال: إن لم يبق حقيقة الثمنية بعد صنعة الحلي فقد بقيت شبهة الثمنية، والتحريم يثبت بشبهة الربا، وأما الزكاة لا تجب بشبهة النماء بل تجب بحقيقة النماء.
وأما قولهم: ((إن وصف النماء أو صفة التجارة قائمة بعد صنعة الحلي)).
قلنا: قد دللنا على الفوات ثم يتبين وجه ذلك على ما يمكن الاعتماد عليه فنقول: إن الله تعالى خلق الذهب والفضة لمنافع العباد فكل منفعة يجوز حصولها من الذهب والفضة، فهما مخلوقان لذلك، فعلى هذا خلق الله تعالى الذهب والفضة لمنفعة التقلب والتصرف، ولمنفعة التحلي والتزين وغير ذلك، إلا أن في الابتداء تعين جهة التقلب والتصرف ويجعل الذهب والفضة كأنهما خلقا لذلك، لأن هذه المنفعة أعم من منفعة التحلي والتزين.
ألا ترى أنها تعم الرجال والنساء، ومنفعة التحلي والتزين تختص بالنساء، وإنما يجوز للرجال في الفضة على الخصوص في شيء معين من خاتم وما يشبهه، وهو شيء يسير لا يقع الالتفات إليه فتعين جهة التجارة بهذا الرجحان، إلا أنه مع ذلك يقبل أن يجعل للمنفعة الأخرى، ويصرف

الجزء: 2 - الصفحة: 112

إليها بعارض من صنعة مباحة مشروعة لذلك النوع من المنفعة على الخصوص، فإذا صرف وصنع انصراف عن تلك الجهة إلى هذه الجهة، وفات صفة النماء، وهي شرط وجوب الزكاة فسقطت لفقدان شرطها، وهذا كالثياب والدواب خلقت لمنافع فيها، وتعينت في الابتداء لجهة البذلة بنوع دليل ثم إذا صرفها عنها بفعل التجارة انصرف ووجبت الزكاة، فإذا عرفنا هذا الأصل فيخرج عليه ما ذكروا من المعنى، وما تعلقوا به من الأحكام.
وأما قولهم: ((إن جهة التجارة/ تبقى بعد صنعة الحلي)).
قلنا: جهة التجارة وجهة البذلة جهتان مختلفتان، والشرع قد علق بكل جهة حكماً يخالف الجهة الأخرى، ولا يجوز أن يحكم باجتماعهما، بل إذا ثبتت إحداهما انتفت الأخرى، كما لو جعل ثياب البذلة للتجارة.
وقولهم: ((إنه تصور فيه التقلب والتصرف بعد اتخاذه حليا)).
قلنا: هذا كمن يقول إن الثياب والدواب يتصور فيهما اللبس والركوب بعد جعلهما للتجارة، ثم ذلك الزعم باطل، كذلك ههنا، وعلى أنا بينا وجود ضدية ومنافاة بين الجنسين محسوساً ومشروعاً.
وأما قولهم: ((إنه صار للتجارة بعينه من غير اعتبار معنى وراء العين)).
قلنا: بلى، ولكن بنوع دليل مرجح لهذه الجهة على غيرها مع قبول العين جعلها مشروعاً ومحسوساً لجهة أخرى، فإذا جعل لتلك الجهة وصرف عن هذه الجهة صار لها، وفاتت هذه الجهة مثل الثياب والدواب.
وأما قولهم: ((إن جهة التحلي والتزين دون جهة التجارة)).

الجزء: 2 - الصفحة: 113

قلنا: وجهة التجارة دون جهة اللبس والأكل والشرب في الدواب والثياب، لأن قوام الحياة يتعلق بعين هذه الأشياء.
وأما التجارة فلا يتعلق قوام الحياة بها، إنما هي طريق التوصل إلى ما يتعلق به القوام فيكون دون الأول قطعاً، ومع ذلك ينصرف إليها بالصرف، وعلى أن جهة التحلي والتزين جهة مقصودة مطلوبة بدليل قوله تعالى: ﴿واَلْخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِيِنَةً﴾.
فقد أخبر أنه خلقهما لهذين وجعلهما بمنزلة واحدة، ولأنه تعالى خلق الجواهر سوى الفضة والذهب في الابتداء للتحلي والتزين وإن قبل الانصراف عنه على غيره مثل ما خلق الذهب والفضة في الابتداء للتجارة، وقبل الانصراف إلى غيره، فاستويا منفعة التجارة ومنفعة التزين من هذا الوجه، لأنه ما يفوته الإنسان باختياره لا يفرق بين أن يفوته إلى شيء مثله أو فوقه أو دونه مثل الاعتياض عن المالية في الأشياء يجوز أن ينقل إلى ما هو مثله أو فوقه أو دونه.
أما المسائل التي تعلقوا بها فنقول: إذا عرف الأصل الذي ذكرنا سهل التخريج عليها، لأن جهة التجارة إنما تفوت وتزول بفعل محقق للصرف والإزالة، وذلك لا يوجد إلا بعد اتخاذه حلياً بالصنعة المعروفة، ولا يوجد هذا إلا بالسبك ولا بإعداده للنفقة، ونية الإنفاق لا يلتفت إليها، لأنه لم يكن للتجارة بالنية حتى تفوت بنية أخرى، وإنما كان ببقائه على أصل الخلقة من غير أن يوجد عارض صنعة مغيرة، وفي الذهب والفضة المضروبة إن وجد عارض صنعة، فإنما وجد عارض صنعة محققة لجهة التجارة لا عارض صنعة مغيرة مفوتة بخلاف صنعة الحلي على ما سبق.

الجزء: 2 - الصفحة: 114

وأما الحلي للرجال فالصرف لم يوجد لحظرية الصنعة فكأن الشرع لحظرية الصنعة جعل الصنعة كالمعدومة، وصار كأنها باقية على الجهة التي كانت عليها من قبل.
وأما المسائل التي أوردوها على هذا العذر: ليس يلزم، لأن تلك الأفعال وإن كانت محظورة لكن تضمنت ترك جهة التجارة، أو جهة السوم، فلذلك سقطت الزكاة، وهذا الترك لا يوصف بالحظر والحرمة، وقد كانت جهة السوم والتجارة بفعله فتزول بتركه.
وههنا أيضاً يمكن أن يقال إنه باتخاذ الحلي وإن كان محظوراً ترك جهة التجارة لكن لم تكن جهة التجارة بفعله حتى يزول بتركه، بل كان بنوع دليل قام عليه من الشرع فينصرف عنها بشرع مثله وقد صرفه عنها بشرع صحيح، وابتذال مشروع وصنعة مباحة مطلقة فانصرف وسقط الوجوب.
والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 115

(مسألة)

وجوب الخراج لا ينفي وجوب العشر في الخارج من الأراضي الخارجية

عندنا.
وعندهم: لا يجتمع الخراج والعشر.
لنا: إن العشر واجب في الخارج فما يجب بسبب الأرض لا ينفيه، لأن الواجب في مال لا ينتفي بواجب في مال آخر.
والدليل على أن العشر واجب في الخارج، أن الواجب عشر الخارج فيكون واجباً بملك الخارج وبسببه، مثل زكاة الذهب والفضة لما كان الواجب ربع العشرة كان واجباً بملك الذهب والفضة وبسببهما، لأنه يكثر بكثرة الخارج ويقل بقلته، وأيضاً يختلف باختلاف أجناس الخارج والأرض واحدة غير مختلفة، فثبت أن العشر واجب في الخارج.
وأما الخراج مؤنة الأرض، بدليل أنه يجب بملك الأرض، وإن لم يكن زرع بعد أن تمكن من الزرع، وأما العشر لا يجب بحال إلا بوجود الزرع

الجزء: 2 - الصفحة: 116

وصار الخراج بمنزلة كراء الحانوت، وصار زكاة العشر بمنزلة زكاة المال الذي يتجر فيه على الحانوت ثم هالك جاز اجتماع وجوبهما، كذلك في مسألتنا.
وقد قال الأصحاب: حقان اختلفا سبباً ومحلاً ومصرفاً وصفة فاجتمع وجوبهما فالسبب قد ذكرنا، والمحل محلين: أحدهما دراهم في الذمة، والآخر عشر العين، وأما الصفة فلأن أحدهما عبادة، والآخر مؤنة، وأما المصرف فلأن/ أحدهما يصرف إلى أهل السهمان، والآخر إلى المقاتلة.
وأما حجتهم: تعلقوا بحديث رووا عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن النبي عليه السلام قال: ((لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم)).
وهو نص لأن الخراج وظيفة الأرض،

الجزء: 2 - الصفحة: 117

كذلك العشر بدليل أنه يقال: أرض عشرية وأرض خراجية، والإضافة المطلقة في الشرع دليل السببية.
دليله: سائر المواضع فلما أضيف كل واحد من العشر والخراج إلى الأرض دل أنها سبب وجوبهما، ولأن الأرض مال نامي فلا يخلو عن واجب.
دليله: سائر الأموال النامية.
وأما الزرع ليست بمال النماء، لأن العروض والحبوب إنما يصير مال النماء بالتجارة، والحبوب في هذه المواضع ليست بمال التجارة.
يبينه: أن النامي ما يراد بقاءه في ملكه، وطلب النماء منه، والأرض بهذا الوصف، فأما الزرع فلا يراد للبقاء، فإنه مطلوب في العادة من الأراضي للقوت، والتقوت جهة مثوبة لا جهة مبقية، فثبت أن العشر وظيفة الأرض مثل الخراج إلا أن الخراج دراهم في الذمة فإذا ملك الأرض وتمكن من زراعتها وجب.
وأما العشر مقدر من الخراج فما لم يوجد الخارج لا يمكن إيجابه، ولهذا افترقا في هذه الصورة وهذا الافتراق لا يدل على اختلاف السبب، ألا ترى أن الأجر للأجير الواجد، والأجير المشترك في مقابلة العمل، وإن كان أحدهما لا يجب إلا بالعمل والأجر يجب بتسليم النفس وإن لم يوجد العمل، وأما اختلاف مصرفهما جاء من حيث أن أحدهما مشتمل على معنى العبادة وهو العشر، والأجر محض مؤنة فصرف العشر إلى أهل السهمان والخراج إلى المقاتلة، وهذا الاختلاف لا يمنع اتجاه السبب.

الجزء: 2 - الصفحة: 118

ولأن الدليل قد قام أن ملك الأرض صالح لإيجاب كل واحد منهما، أما العشر فدليل وجوبه ملك المال النامي، والأرض مال نامي، وأما الخراج فلأن الأرض قطعة من دار الإسلام لا يمكن حفظها إلا بحماية الإمام كما لا يمكن حفظ جميع دار الإسلام إلا بحمايته، والحماية تكون بجند ومقاتلة، ولابد لهم من رزق يعيشون به فوجب الخراج بوصف أنه مؤنة الأرض ووجب لمن يوجد منهم حماية الأرض، واستدلوا في أن العشر واجب بسبب الأرض لا بملك الخارج أنه لو اجتنى الثمار من المواضع التي لا تملك وبلغ نصاباً لا يجب فيه العشر مع وجود الثمر لعدم الأرض، وكذلك النخيل التي في داره المملوكة لا يجب العشر في ثمارها لعدم الأرض الخراجية أو العشرية.
الجواب: أما الخبر فلم يثبت، ولئن ثبت لقلنا به.
وقد قيل: رواه يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة، ويحيى بن عنبسة، متروك.
وكيف يثبت هذا الخبر؟ وقد تفرد بإسقاط العشر بسبب الخراج أبو حنيفة رحمة الله عليه من بين أهل العلم، ولم يوافقه عليه أحد من الأئمة سوى أصحابه الذين درجوا على قوله ونسجوا على منواله.
ونقل ابن المنذر في كتاب ((الاختلاف)) عن جملة أهل العلم شرقاً وغرباً

الجزء: 2 - الصفحة: 119

إيجاب العشر من الخراج، وقال: وقد قالت طائفة قليلة عددها شاذ قولها بخروجه عن أقوال أهل العلم أنه لا عشر مع الخراج وذكر أصحاب الرأي، ونقل عن ابن المبارك أنه ذكر له قول أبي حنيفة رضي الله عنه في هذه المسألة فقال: لا يترك كتاب الله وسنة رسوله بقول أبي حنيفة رضي الله عنه، فجاء مما ذكرنا أنه لو صح ذلك الخبر لم يخف على أهل العلم من الأئمة، ولو عرفوا ذلك لم يخالفوه، فدل أن الخبر موضوع لا يلتفت إليه.
وأما المعنى: قولهم: ((إن العشر وظيفة الأرض)).
لا نسلم، بل هو زكاة الخارج.
وأما قولهم: ((إنه مضاف إلى الأرض)).
قلنا: ويضاف إلى الزرع فيقال: عشر الزرع، ولعل هذه الإضافة أشهر وأظهر فتكون بالاعتبار أولى، ثم يجوز أن تكون الإضافة التي تعلقوا بها على طريق التوسع والمجاز.
ومعنى قولهم: ((أرض عشرية)).
أي أرض يجب العشر في الخارج منها.
وأما قولهم: ((إن الأرض مال نامي)).
قلنا: هذا غلط قبيح، لأن الزرع ليست بنماء الأرض، وإنما هي نماء البذر، ولهذا يكون لصاحب البذر لا لصاحب الأرض، ولأن نماء كل شيء

الجزء: 2 - الصفحة: 120

من جنسه فلا يتصور نماء الأرض بالزرع، نعم يحصل من الأرض قوة في نماء البذر، فأما أن يكون نماء الأرض فمطمع محال، وهذا كالحاضنة للولد تكون منها قوة في تربية الولد، وأما الولد فهو ولد أبيه وأمه.
وأما قولهم: ((إن الزرع ليس بمال النماء)).
قلنا: هو نفس النماء فيكون الإيجاب فيه أولى، وهذا كالسخال تجب فيها الزكاة بالإجماع، وإن لم يكن مالاً نامياً، وأما عذرهم عن فصل الذي ألزمناهم وهو إذا ملك الأرض ولم يزرع، وقد تمكن منه لا يجب العشر.
وقولهم: ((إنه لا يمكن الإيجاب، لأن العشر مقدر بجزء من الخارج/ فلا يجب بدون الخارج)).
قلنا: وجب أن يجب، ويقدر وجود الخارج، وهذا مثل ما قلتم إن المكري يجب العشر عليه وإن لم يجب بملك الخارج وقدر ملكه له، والحرف في هذا أنه يستحيل ملك المال النامي سبب صالح تام في وجوب الحق المسمى سواء وجد حقيقة النماء أو لم توجد بدليل السوائم وعروض التجارة.
وأما الأخير الذي قالوه وهو: ((إذا اجتنى الثمار من الأراضي التي هي غير مملوكة)).
قلنا: إنما وجب العشر في الخارج بعلة أنه نماء ملكه فإذا وجب في المال النامي فلأن يجب في نفس النماء أولى، وهذا لا يوجد فيما صوروه، لأن ذلك ليس بنماء ملكه، والمسألة الأخيرة ممنوعة.
والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 121

(مسألة)

نصيب العامل من الربح الحاصل في مال القراض لا تجب فيه الزكاة

عندنا.
وعندهم: تجب وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه.
والمسألة بناء على أن العامل هل يملك نصيبه بنفس ظهور الربح؟ عندنا: لا يملك ما لم يقسم، وعندهم يملك.
لنا: إن المسمى للعامل عمالة فلا يملك قبل القبض، دليله: المسمى لعامل الصدقات، والأولى أن نقول: جعل على العمل فلا يملكه قبل تمام العمل.
دليله: الجعل في الجعالات، والدليل على أنه جعل أن تصحيح العقد بوجه الإجازة لا يجوز، لأن العمل مجهول، والإجارة على العمل المجهول باطل، ولا يمكن تصحيحه بجهة الشركة، لأن اختلاف الجنس من الجانبين يمنع صحة الشركة.
وقد اختلف الجنس من الجانبين في القراض، لأن في أحد الجانبين مال وفي الجانب الآخر عمل، ولا مجانسة بين المال والعمل، وإذا بطل هذان

الجزء: 2 - الصفحة: 122

الوجهان لم يبق للصحة وجه إلا جهة الجعالات، وحكم الجعالة أن لا يملك الجعل فيها إلا بتمام العمل، وتمام العمل بالقسمة وإيصال حق رب المال على الكمال إليه.
ويستدل بمسألة على أصولهم قالوا: لو اشترى برأس المال عبدين وقيمة كل واحد بقدر رأس المال، فإن العامل لا يملك شيئاً من العبدين حتى لا تجب فيه الزكاة، ولا يعتق نصيبه إذا أعتق، فكذلك إذا كان العبد واحداً، لأن الصورتين في المعنى واحد.
وأما حجتهم: قالوا: العامل أحد الشريكين في الربح فيملك نصيبه بنفس الظهور.
دليله: رب المال (والدليل على أنهما شريكان، أنهما يملكان شرط واحد وهو قوله: ((على أن ما رزق الله تعالى فهو بينا نصفان)).
ولأن الربع تفرع عن أصل مشترك بينهما، فيكون مشتركاً بينهما كالحاصل بين شريكي العنان وكالشريكين في الشجرة إذا أثمرت تكون الثمرة مشتركة بينهما، وإنما قلنا: ((إنه تفرع عن أصل مشترك بينهما))، لأن عقد المضاربة صحيح بالإجماع، وإنما صح على جهة ثبوت الشركة بين رأس المال والعمل، وتولد الربح منها جميعاً فإن رأس المال دراهم ولا يتولد منها ربح بدون التصرف، والتصرف نفسه كلام ولا يتولد منه ربح بدون مال، فإذا اجتمعا حصل الربح مثل المزارعة والمساقاة فإن الأرض بدون الزرع لا تنبت، والزرع بدون الأرض لا عمل له، فإذا اجتمعا

الجزء: 2 - الصفحة: 123

انعقدت الشركة بين منافع الأرض والعمل ثم يخرج الزرع على سبيل الشركة).
قالوا: وأما العمالة والجعالة فباطلتان إذا كانتا بصنع من العباد (والعمالة عبارة عن كفاية ليفرغ لعمله، ومثل هذا لم نجده مشروعاً مفوضاً إلينا حتى نوجبها قصداً فيما نحتاج إليه من الأعمال بل هذا مما تولى الله إيجابها لعمل العامة، كما أوجب الكفاية للإمام الأكبر، والقاضي، والمفتي، وكل من فرغ نفسه لأمر من أمور الدين فقدر له كفاية من بيت مال المسلمين، فكانت معاملة بين الله تعالى وبين عبده، وما يصح من الله تعالى على عباده لا يشبه ما فوض إليها مما يوجبه بعضنا على بعض، فكان اعتبار القراض بما نوجبه نحن من إجارة أو شركة أولى) من اعتبارها بما يوجبه الله تعالى مما يتولاه بنفسه.
قالوا: (وأما مسألة العبدين فإنما لم يملك العامل شيئاً منهما، لأن ملكه إنما يكون من الربح، ولا ربح في هذه الصورة فإن كل واحد من العبدين مشغول برأس المال وإنما كان كذلك، لأنه قد ثبت عندي أن العبيد لا تقسم جملة ويعتبر كل عبد كأنه ليس معه غيره، وإذا كان أمر العبد هكذا في القسمة، والفضل لا يحصل فضلاً إلا بعد إحراز رأس المال وتحصيله، والمقاسمة بينه وبين الربح، لكن على سبيل الترتيب، ومعنى الترتيب أنه يحصل رأس المال أولاً ثم الربح، وكل عبد وجب

الجزء: 2 - الصفحة: 124

اعتباره في هذا الحكم كأنه ليس معه غيره فلم يفضل شيء من العبد عن رأس المال، وهذا بخلاف العبد الواحد، لأنه قد فضل.
وحرفهم في هذا أن رأس المال لا يعتبر/ شائعاً في العبدين بل في كل عبد على حدة، وإذا جعل هكذا لم يحصل فضل رأس المال).
الجواب: إن كلامه مبني على أن القراض شركة، وقد بينا أن الشركة مع اختلاف الجنس في رأس المال لا تنعقد، وقد بينا هذا في كتاب ((الشركة)).
وقلنا: إن الشركة لا تكون شركة إلا بالاختلاط، ولا يتصور الاختلاط بين المال والعمل.
ونقول أيضاً: إن المال نماء المال بكل حال، ولا يتصور أن يكون العمل نماء، لما بينا أن نماء كل شيء ما يكون من جنسه فلا يتصور أن يكون المال نماء العمل، وإنما العمل شرط ظهور الربح، فأما أن يكون الربح متولداً من المال والعمل فكلام مستحيل، ولا يمكن تصحيحه بوجه ما، وإذا ثبت هذا لم يكن القراض عقد شركة إنما هو تسمية جعل للعامل فيستحق ما يستحقه عمالة أو جعالة.
وأما قولهم: ((إن الجعالة باطلة فيما بين العباد)).
قلنا: هي صحيحة بدليل أنه لو قال: ((من رد آبقى فله كذا)) يصح، وإذا رد استحق ولأنهم إذا سلموا أنه صح شرعاً فإذا عقد العقد على وفاق الشرع انعقد، ولأن مثل هذا العقد يحتاج إليه العباد وذلك بأن يكون العمل مجهولاً لا يمكن إعلامه، وإذا احتاج إليه العباد فلو لم يصح ذلك منهم أدى ذلك إلى الحرج العظيم فإذا صح سائر العقود لحاجة العباد، فكذلك هذا العقد يصح ويجوز لحاجة العباد أيضاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 125

وأما مسألة العبدين ففي نهاية اللزوم، فإن الربح قد ظهر قطعاً، بدليل أن العامل له المطالبة بالقسمة، وهو بالبيع حتى لو أراد المالك أن يأخذ العبدين ويفوز بهما ولا يعطي العامل شيئاً ليس له ذلك، بل يجبر على التمكين من البيع وقسمة الربح، وكذلك إذا استهلك العبدين أو أعقتهما فإنه يضمن نصيب العامل.
ويدل عليه: أنه لو مات العامل يورث نصيبه من العبدين، وأيضاً فإنه لا تجب زكاة العبدين على رب المال، فدلت هذه المسائل أن العبدين كالعبد الواحد، وأنه قد ظهر الربح فيهما، ومع ذلك لم يملكه العامل ولم تجب عليه زكاته دل أن المعنى ما بينا وبطل بهذه المسائل قوله: ((إنه يجعل كل واحد من العبدين كأنه ليس معه غيره))، ثم هذه دعوى بلا دليل ودفع للحقيقة بلا برهان، وبمثل هذا لا تندفع الإلزامات، والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 126

فصول الكتاب · 6 فصل
جارٍ التحميل