(مسألة)
تبييت النية واجبة في صوم الفرض
عندنا.
وعندهم: ليس بواجب إذا كان الفرض في وقت بعينه، وإن كان لا في وقت بعينه وجب.
لنا:
حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن حفصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له)) ذكره أبو داود في سننه.
الجزء: 2 - الصفحة: 127
(والإجماع: إحكام النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعته بمعنى واحد).
فإن قالوا: (إن هذا الخبر ليس بمسند، لأن سفيان، ومعمراً وقفاه على حفصة).
قلنا: (قد أسنده عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو ثقة، وروايات الثقات مقبولة).
ووجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى الصوم إذا لم ينوه من الليل، فيقتضى نفيه من كل وجه، وذلك نحمله على نفي الجواز.
فإن قالوا: يوجد الصوم مع فقد النية من الليل محسوساً، فكيف ينتفي؟
الجزء: 2 - الصفحة: 128
قلنا: الصوم الفرض مشروعاً لا يوجد قط مع فقد النية من الليل، ومطلق الصوم في الشرع يحلم على الصوم الشرعي، لا على الصوم اللغوي، وليس لهم تعلق صحيح من حيث الأخبار، لأن الخبر الذي يروونه بطريق عكرمة عن ابن عباس، لا يعرف.
وقيل: إنه عن عكرمة.
والذي يروونه في صوم عاشوراء فلم يثبت وجوب صوم عاشوراء.
وقد روى معاوية أن النبي عليه السلام قال: ((صوم عاشوراء لم يكتب عليكم، فمن شاء صام، ومن شاء لم يصم)).
وعلى أنه قد نسخ فصارت أحكامه منسوخة أيضاً.
وأما المعنى:
نقول: المفروض عليه صوم كل اليوم، وقد صام بعض اليوم ولا يخرج عن المفروض عليه.
دليله: إذا نوى بعد الزوال، والكلام مستغن عن القياس، لأن من وجب عليه جملة شيء فيفعل بعضه لا يكون فاعلاً لكله.
يبينه: أنه إذا وجب عليه صوم يوم كامل فبعض اليوم لا يتسع لصوم يوم كامل فلم يتصور أداء الواجب عليه في هذا الوقت الذي نواه بالصوم،
الجزء: 2 - الصفحة: 129
وما لا يتصور محسوساً لا مشروعاً إلا بدليل قاطع، ثم إن الدليل على أنه لم يصم كل اليوم أن النية شرط لأداء الصوم فإن/ الصوم لا يكون صوماً إلا بالنية، والنية عزيمة على الشيء في المستقبل.
وأما العزم على فعل شيء في الماضي فلا يعقل، وهذا لأن ما مضى يتأسف عليه وما يوجد في المستقبل يعزم عليه.
ولأن الفعل في الزمان الماضي إذا لم يتصور فكذلك العزم على الفعل في الزمان الماضي لا يتصور، وهذا لا يحتاج إلى كثير إطناب، لأنه أمر قطعي ببدهية الرأي وأول النظر، بل لا يحتاج على نظر أصلاً.
فثبت بما قلناه أنه لم يصم كل اليوم فلا يسقط عنه المفروض عليه في كل اليوم، ويمكن القياس على القضاء، وكل واجب من الصوم لا في زمان متعين.
ووجه إلحاق الأداء بالقضاء أيضاً في غاية الوضوح، لأن القضاء مثل الأداء من غير زيادة ولا نقصان، ولم يعهد الأمر بزيادة في القضاء لا تجب في الأداء مثل قضاء الصلاة، والحج، وغيرها.
وهذا القياس بهذا التقدير وإن كان في نهاية الحسن غير أن المعنى الذي قلناه كاف وهو مستغن عن كل شبه وعماد فعليه الاعتماد.
وأما حجتهم:
فاعلم أن معتمدهم النفل فإنه جاز بنية من النهار قبل الزوال بالإجماع.
فمشايخهم قالوا: صوم عين فجاز أداؤه بنية من النهار قبل الزوال.
الجزء: 2 - الصفحة: 130
دليله: النفل.
قالوا: ومعنى قولنا: ((إنه صوم عين)) أن الوقت متعين له شرعاً، وقرروا النفل، وقالوا: النفل والفرض مستويان في أصل النية ولا يختلفان فيها بحال، ألا ترى أنهما يستويان في أصل النية، ولأن النية هي الإخلاص في العمل وجعله لله تعالى فلا يجوز أن يختلف فيها الفرض والنفل، لأن الإخلاص فيهما واجب، ولابد أن يكونا لله تعالى ليصحا.
قالوا: وقولكم: ((إن مبنى النفل على المسامحة والمساهلة بدليل جواز صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام، وجوازه راكباً مع القدرة على النزول))، لا ننكر هذا الافتراق، لكن مع هذا استويا في النية أصلاً ومحلاً على ما سبق.
وعلى أن ما استشهدتم به دليل عليكم، لأنه لما جازت الصلاة قاعداً مع القدرة على القيام بكل حال إذا كانت نفلاً جازت أيضاً إذا كان فرضاً بحال، وعندكم لا يجوز.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه يصير صائماً في النفل من وقت النية، لأنه لو كان كذلك لم يضره الأكل من قبل كما لا يضره الأكل في السحر لمن يصوم من وقت الفجر.
ولأنه لو نوى أن يصوم نصف النهار لا يجوز، ولو كان كافراً في أول النهار أو المرأة إذا كانت حائضاً لم يجز لهما أن يصوما.
ولو نذر أن يصوم بعض اليوم لا يصح نذره، ولو صام بدل الطعام في جزاء الصيد في الحج، فإنه يصوم عن كل مد يوماً فلو بقي نصف مد
الجزء: 2 - الصفحة: 131
لم يصح صوم نصف اليوم، وهذا لأن الصوم عبادة فلا يعرف أصله ولا مقداره إلا بالشرع والتوقيف ولم يرد الشرع بصوم بعض اليوم بحال، ولو جاز أن يجعل إمساك بعض اليوم صوماً بالرأي جاز أن يجعل السجدة الواحدة والركوع والقومة بانفرادها صلاة بالرأي، وهذا اعتراض معتمد.
فهذا وجه تعلقهم بالنفل، وإيرادهم لإظهار إشكاله.
وأما أبو زيد قال: تعلق بالنفل أيضاً، وادعى نوعاً من المعنى وتحريره ((يوم صوم)) فالإمساك في أوله لا يتعين للفطر بل يوقف على صيرورته صوماً بوجود النية في معظمه، دليله النفل.
وربما يقولون: ركن واحد ممتد فتجعل النية في أكثره كالموجود في كله، قال: ((وإنما فعلناه ذلك لعذر خوف فوت العبادة فإن العبادة إذا فاتت عن وقتها حكم بفواتها على الإطلاق والقضاء يجب بأمر جديد، ولأن الاستدراك بفعل القضاء استدراك فيما يرجع إلى تبعات الآخرة، فأما في درك الثواب وجعل الفوات كلا فوات فلا، بدليل قوله عليه السلام: ((من ترك صوم يوم من رمضان لم يقضه صوم الدهر كله)).
الجزء: 2 - الصفحة: 132
ولأن القضاء إن كان مثل الأول فعلاً فلا يكون مثل الأول وقتاً، وإذا لم يكن القضاء مثل الأول من كل وجه فلم يتحقق الاستدراك والحكم بعدم الفوات.
فثبت أن القول بعدم جواز النية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة، فلأجل خوف الفوات جوز بنية من النهار وحكم بوقوف الإمساك ليصير صوماً بنية توجد في أكثر النهار فيصير كالموجود في كل النهار حكماً مثل النفل سواء.
فأما إذا لم يجز بنية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة أصلاً فلخوف فوتها حكم بما ذكرنا كذا ههنا.
قالوا: وأما إذا نوى بعد الزوال فلا يمكن كما في النفل، لأنه لم يغلب وجود النية بل غلب عدمها، وههنا غلب وجودها وإقامة عذر في عذر ........ عند غلبة وجود النية لا يدل على إقامة ذلك العذر عند غلبة العدم.
وربما تعلقوا بالمسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع يصير مدركاً للركعة لغلبة الإدراك.
وأحسن استشهاده لهم في التعلق بالعذر الذي قالوه، هو أنه إذا نذر أن يصوم شهراً بعينه متتابعاً فأفطر في ومن منه لا يؤمر بالاستئناف بخلاف ما إذا أطلق الشهر، لأنا إذا أمرناه/ بالاستئناف في شهر بعينه أدى إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 133
فوات العبادة عن وقتها الذي سمى له بخلاف المسألة الثانية فهذا نهاية ما يمكن من إبراز المعنى.
وقد تعلق أبو زيد أيضاً بالحرج وقال: ((إذا لم يجوز بنية من النهار أدى إلى حرج عظيم يلحق الناس، لأنه يجوز أن ينسئ الصوم حتى يصبح والنسيان عذر عام في الناس وقد يكون يوم شك لم يظهر أنه من رمضان بعد ارتفاع النهار، وكذلك ربما يحتلم الصبي في بعض الليل ولا يعلم إلا بعد أن يصبح، أو تطهر الحائض ولا تعلم إلا بعد أن تصبح فجوز الشرع التأخير في النية لدفع الحرج، كما جوز تقديم النية لدفع الحرج، وحصول الحرج في المنع من تقديم النية شيء معلوم لا يخفى، فإنه يتعذر على أكثر الناس فعل النية عند الشروع، لأنه وقت نوم وغفلة، ولأنه لا يعلم وقت طلوع الفجر إلا الخواص من الناس فالحرج ظاهر في هذه الصورة، وفي الصورة الأولى بينا وجوده أيضاً فليتفق الجانبان في الجواز أعني التقديم والتأخير).
قالوا: وأما بعد الزوال فلا حرج، لأن الأعذار التي قلناها ترتفع غالباً قبل الزوال ولا تدوم إلى أن تزول بحال، وأوردوا تقديم النية على فصل العزم الذي قلناه.
وقالوا: كما لا يتصور محسوساً انعطاف العزم على زمان ماض فلا يتصور أيضاً أن يقدم العزم إلى عارض في المستقبل خصوصاً إذا عزم من أول الليل ثم ينام إلى الصبح فأين العزم عند الشروع وهو لا يشعر بشيء ما؟ بل قيل: وجد العزم حكماً وإن لم يتصور محسوساً، كذلك
الجزء: 2 - الصفحة: 134
ههنا إذا أخر، نقول: وجد العزم من أول اليوم حكماً وإن لم يتصور محسوساً.
الجواب:
أما الأصل الذي ادعيناه فهو في نهاية القوة.
والحرف الوجيز: أن الصوم لا يكون إلا بالنية، والنية لا تتصور إلا في المستقبل فصار صائماً بعض اليوم وصوم كل اليوم لا يتأدى ببعضه.
وأما النفل فعندنا يصير صائماً من وقت النية، لأن إثبات الصوم قبل وجود النية لا مطمع فيه.
وقد ورد النص الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام كان يدخل عليها ويقول: ((هل عندكم من طعام؟ فإذا قالت: لا، قال: فإني إذاً لصائم)).
فلا يمكن إبطال الصوم لوجود النية بالنهار بهذا النص، ولا يمكن إثباته من أول النهار لما بينا من الحقيقة فجعلناه صائماً من حين ما نوى ضرورة.
وقد أيد هذا النص كون الصائم متبرعاً، والمتبرع يتبرع بقدر ما يختاره
الجزء: 2 - الصفحة: 135
فإن شاء صام كل اليوم وإن شاء صام بعض اليوم، كما أنه بالخيار إن شاء تصدق بحبة وإن شاء بمائة دينار، والاعتماد على الخبر.
وأما الذي قالوا: ((إنا عرفنا أصل الصوم وقدره بالشرع، ولم يرد الشرع بالصوم فيما دون ما ذكرنا)).
وأما الأحكام فنحن نجوز صوم بعض اليوم بشرط أن لا يكون أكل من أول النهار، لأن النص كذلك ورد فجعلنا ترك الأكل في أول النهار شرطاً لئلا يقع العدول عن مورد النص، ولأنه إذا أكل فيكون الصوم على وفاق العادة وإذا لم يأكل يكون على خلاف العادة والعبادة ما يكون على خلاف العادة.
وأما الحائض إذا طهرت، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ في غير رمضان فنوى صوم باقي اليوم يجوز، وأما إذا نوى أن يصوم إلى نصف النهار فقد منع بعضهم، وليس بشيء، والصحيح التسليم وهو مشكل جداً.
ووجه الصواب من هذا الفصل أن نقول:
إنما جوزنا صوم بعض النهار بالنص، والنص ورد بصورة واحدة وهو أن يكون ممسكاً في أول النهار ثم يصوم البقية ويصير إمساكه في أول النهار شرطاً لصومه في آخر النهار، وهذا يمكن إثباته على وفق أصول الشرع، لأن شرط العبادة، قد يسبق العبادة.
فأما إذا نوى الصوم إلى نصف النهار ثم يفطر فهو على خلاف صورة النص.
ولأنه لو أكل في باقي النهار فيكون إمساكاً على وفاق العادة، وقد بينا أن مثله لا يكون عبادة، وإن لم يكن وجعلناه شرطاً لصومه في أول النهار فيكون هذا شرطاً متراخياً عن العبادة ولا يوجد لهذا نظري في أصول الشرع فلا يمكن إثباته.
وأما مسألة جزء الصيد فنحن إنما ادعينا ما ادعيناه في النفل لا في
الجزء: 2 - الصفحة: 136
الواجبات، والواجب لا يكون في معنى النفل بحال، فهذا الذي قلناه وجه الجواب عن النفل، وقد خبط الأصحاب فيه خبطاً عظيماً.
وعندي أنه قد انزاح الإشكال عنه بالطريق الذي قلته فليعتمد عليه.
وإذا عرفت هذا الجواب على هذا الوجه، سهل الكلام على باقي ما أوردوه، ونشير إلى وجه الجواب عن بقية كلام على التخليص فنقول:
أما العذر الذي اعتقدوا وجوده لجواز النية من النهار فهو خوف فوات العبادة قلنا: لا فوت بحال، لأن القضاء قد وجب، والقضاء وجب شرعاً لئلا يقع الفوات فإذا وجب القضاء منع الفوات فكيف يجوز/ اعتقاد الفوات مع وجوه؟ وهذا لأنا نقطع أن من فاته صوم في رمضان بعذر فقضى يصير متلافياً ما فاته من كل وجه، والخبر الذي أوردوه إنما هو فيما إذا ترك صوماً متعمداً.
ثم نقول: النية شرط، والفوات الذي تحقق فهو فضيلة وقت، وفوات فضيلة الوقت لا يكون عذراً في ترك شرط الصوم، لأن الشرط واجب، والفضيلة زيادة على واجب.
وأما قولهم: ((إن الإمساك ينبغي أن يكون موقوفاً)).
قلنا: إيقاف الإمساك في زمان ماض لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه.
وكذلك الجواب عن قولهم: ((إنا نقيم وجود النية في الأكثر مقام النية في الكل)).
فهذا لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه، وهذا لأن صوم كل اليوم واجب فتكون النية في كل
الجزء: 2 - الصفحة: 137
يوم واجبة، فإذا لم يقم صوم الأكثر مقام الكل فلا تقوم نية الأكثر مقام الكل.
وأما مسألة المسبوق، فليس إثبات إدراك الركعة بإقامة أكثر الركعة مقام الكل، لأن ما أدركه ليس هو الأكثر على أصلهم، لأنه لم يدرك إلا الركوع والسجود، وقد فاته الأكثر وهو الافتتاح والقيام والقراءة.
فإن قالوا: قد وجد منه القيام، والافتتاح ليس من الصلاة فأي شيء فاته؟ ولأنه لو كان بإقامة الأكثر قيام الكل لوجب أن يجوز في حال الانفراد أيضاً، فدل أنه إنما جعلناه مدركاً بالنص من غير أن يعقل له معنى.
وأما مسألة نذر صوم شهر بعينه متتابعاً، ومخالفتها في المسألة الثانية، فليس لما ذكروه، بل لأجل أن ذكر التتابع في صوم شهر بعينه لغواً.
وأما تعلقهم بفصل الحرج، فليس بشيء.
ويقال لهم: أولاً تعبير الشرائع بنوع حرج يلحق المتعبد لا معنى له، لأن الشرائع ثبتت على إيقاع الناس في الحرج والتعب، وهل التكاليف من أولها إلى آخرها إلى محض التعب والنصب؟ نعم، إذا وقعت ضرورة يجوز أن يشرع لها مخرج ومخلص دفعاً للضرورة، فأما اعتقاد المعتقد أنه لا حرج على العباد وأنهم متى حرجوا اتسع الأمر، فهذا مما لا يسوغ اعتقاد ويعود هو إلى أصل وضع الشرع بالهدم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فمعناه
الجزء: 2 - الصفحة: 138
أنه ما أدخل عباده في شيء إلا وقد جعل لهم مخلصاً، وهو معنى قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وجواب آخر نقول:
إن الحرج الذي قالوه نادر، والشرع العام لا يجوز أن يوضع بحرج نادر، وخرج على هذا تقديم النية، لأنه حرج عام فجاز وضع الشرع العام بالحرج العام، ولئن أمكن تصوير مثل هذه الأعذار النادرة واستخراجها بالمناقيش فيمكن مثل ذلك فيما بعد الزوال، وبالإجماع هو ساقط، ثم نقول تخريجاً لفصل تقديم النية على ما سبق من التحقيق: وهو أن العزيمة على فعل في المستقبل صحيح سواء أكان ذلك الفعل متصلاً بالعزيمة أو متراخياً عنها، فأما إثبات العزيمة على فعل يفعله في الماضي فلا يجوز بحال، وهذا لأن الفعل لا يتصور في الزمان الماضي، والعزيمة لا تتصور أيضاً على الفعل أيضاً في الزمان الماضي.
وقد قال مشايخهم: إن الصوم مستحق عليه مع فوات النية من الليل بدليل أنه لا تجوز نية التفل، وإنما لم يجز لاستحقاق صوم الفرض عليه، وإذا كان صوم الفرض مستحقاً عليه فإذا فعله وجب أن لا يجوز، لأنه لا يتصور أن يكون الشيء مستحقاً عليه، وإذا فعله لم يجز.
ونحن لا نسلم ذلك، وإنما نقول: أصل الاستحقاق قائم ليقضيه في يوم آخر، فأما أن يستحق عليه الصوم في هذا اليوم وقد فاتته النية من الليل فلا نقول بحال.
وأما قولهم: ((إنه لو نوى النفل لا يجوز)).
قلنا: لم يكن عدم الجواز لما قلتم، بل، لأنه نوى النفل لا في وقت النفل، والله تعالى قد عين للنفل لوقتاً، وللفرض وقتاً فلا يجوز واحد منهما إلا في وقته، والله تعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 139
(مسألة)
نية الفرض واجبة في صوم رمضان
عندنا.
وعندهم: لا تجب، بل إذا أطلق النية أو نوى النفل.
قالوا: يقع على الفرض، قالوا: وكذلك في كل صوم زمان معين.
وقد وافقهم بعض أصحابنا فيما إذا أطلق النية، وليس بمذهب ولا هو صحيح على المعنى.
لنا:
قوله عليه السلام: ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)).
الجزء: 2 - الصفحة: 140
أي له ما نوى بعمله، وهذا الإنسان نوى بعمل النفل فلا يحصل له الفرض.
وأما الكلام من حيث المعنى: أن النية شرط في أداء المفروض بالإجماع، ولأن المفروض عمل يعمله لله تعالى ولا يصير العمل لله تعالى إلا بالنية، فعرفنا أن النية شرط في أداء الفروض، وإذا ثبت هذا فنقول:
إذا لم ينو المفروض عليه لم يحصل المفروض عليه، لأن فقد الشرط يوجب فقد المشروط له الشرط، وهذا كأصل الصوم في غير رمضان فإنه إذا لم ينوه لا يحصل له/ الصوم، لأن النية شرط لحصلوه فإذا لم توجد لم يحصل الصوم، كذلك ههنا.
فإن قالوا: ((نية أصل الصوم شرط لكن نية المفروض عليه من الصوم ليس بشرط وفي هذا اختلفنا)).
قلنا: هو مأمور بأداء ما عليه ولا يصير ما عليه مؤدى إلا بنية ما عليه، لأن النية شرط للأداء بالاتفاق، وبالمعنى الذي قلناه فلابد أن يتصل الشرط بما عليه حتى يحصل أداء ما عليه، ولا يتصل إلا بأن يعين ما عليه بالنية أداء وفعلاً فم يعينه بالنية فقد الشرط ففقد المشروط.
ولأنه لما كان مأموراً بفعل ما عليه، ولا يصير فاعلاً للصوم إلا بالنية فعند عدم النية ما عليه ينعدم فعل ما عليه، وإذا لم يفعل بقي الأمر عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 141
يدل عليه: أن الصوم له أوصاف، والشروع في هذا اليوم موصوف بوصف وهي وصف الفرضية فلا يصير مصيباً هذا الوصف من بين سائر الأوصاف إلا بنيته على التعيين، كقوم في دار مختلفي الأوصاف من عالم وجاهل، وعربي، وأعجمي، وقريب وأجنبي، فنادى أحدهم لا يصير مصيباً له إلا بتعيينه بوصفه، كذلك ههنا.
وكما تقول في المسلم فيه من ثوب أو طعام، فإنه لما كان ذا أوصاف مختلفة لا يصير معيناً لبعضها إلا بتعيينه إياه بالوصف، وهو مثل مسألتنا، لأنه يوجد بوصفه مثل الصوم يوجد بنيته ثم لا يحكم بوجود المسلم فيه ما لم يعنيه بوصفه فلا يحكم بوجود الصوم المفروض عليه ما لم يعينه بنيته فهذه كلمات في نهاية القوة.
وقال جماعة من أصحابنا:
إنه بنية النفل معرض عن الفرض فلا يحصل له الفرض مع الإعراض عنه، كما لو ترك النية أصلاً.
وما ذكرناه أحكم، وأحسن.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وهذا الرجل قد صام فيكون قد صام المشروع، لأنه لم يشرع له إلا الصوم المطلق لقوله: ((فَلْيَصُمْهُ)).
وأما المعنى فقد قال مشايخهم:
الجزء: 2 - الصفحة: 142
إن المستحق عليه صوم واحد في هذا اليوم فعلى أي وجه أتى بالصوم وجب أن يقع عن المستحق.
دليله: إذا كان عنده غصباً أو وديعة فإنه على أي وجه رد يكون عن المستحق عليه، كذ لك ههنا.
وربما يقولون: الصوم عن رمضان هو المستحق فليقع عن المستحق عليه.
يبينه: أن النية للتمييز بين المفعول وغيره على صورته، فأصل النية اعتبر لتتميز العبادة عن العادة، فإن الإمساك قد يكون عادة، وقد يكون عبادة فاحتاج إلى النية لتمييز العبادة عن العادة.
فأما الصوم عن الفرض متميز شرعاً، لأنه لا يوجد في هذ الوقت غير هذا الصوم فاستغنى عن تمييزه عن غيره، لأن تمييز المتميز لغو.
وإنا احتاج إلى أصل النية لما بينا، وليصير عمله لله تعالى على ما قلتم.
وقد صام وما عليه متميز عن غيره فاستغنى عن التعيين والتمييز.
وتعلقوا بالحج وهو فصل مشكل، وقالوا: مطلق النية في العبادة إذا لم يقع عن النفل يقع عن الفرض.
دليله: الحج، وألزموا فصل الحج على جميع المعاني الذي قلناه.
والإشكال أنه قد وقع عن الفرض بدون نية الفرض، دل أن نية الفرض غير واجبة في كل عبادة اختص بزيادة استحقاق وقتاً
قالوا: وقولكم: ((الحج يستوي فرضه ونفله في الأحكام بخلاف الصوم، أو يمضي في فاسده بخلاف الصوم، أو يجوز بإحرام مبهم بخلاف الصوم)).
الجزء: 2 - الصفحة: 143
فليست هذه الكلمات بشيء، ومفارقة الصوم الحج في هذه الأشياء لا يدل على مفارقته في استغنائه عن تعيين النية واحتياج الصوم إلى تعيين النية.
لأن الفرض والنفل إن استويا في الأحكام إلا أنهما غيران، لأن أحدهما فرض، والآخر نفل ولا يجوز أن يتأديا جميعاً بنية واحدة، فإذا استويا ولم يتأديا جميعاً فلابد أن يعين أحدهما ليصير مؤدى فوجب أن يقدم الذي عينه بالنية.
وأما المضي في فاسد الحج، فهو نوع تغليظ ورد في المنع من الخروج منه إلا بالطريق المشروع للخروج منه إلا أنه لا يصير داخلاً فيه إلا بفعله فينبغي أن يصير داخلاً فيما يفعله ويقصده بفعله وهو ما ينويه ويعينه بنيته وقد نوى التطوع.
وعندكم صار داخلاً في الوقت بنوع دليل، فكذلك في الصوم عندنا.
قالوا: وأما عندنا إذا نوى التطوع في الحج لا يصير داخلاً في الفرض لأن الوقت لم يتعين له على الخصوص بخلاف وقت الصوم عندنا، وأما إذا أطلق النية فلم يعين بنيته الفرض ولا النفل، وإنما يحتاج إلى صرفه إلى أحدهما، وقد مال دليل الحال على صرفه إلى الفرض، لأن الحج يحتاج فيه إلى كلفة شديدة ومشقة عظيمة، والإنسان لا يتحمل مثل هذه الكلفة والمشقة للنفل وعليه الفرض، بل يقصد الفرض، ثم إذا اتفق له بعد ذلك التطوع يفعله فلأجل دليل الحال صرفنا نيته إلى الفرض، ودليل الحال دليل مرجوع إليه في كثير من الشرائع، فأما إذا عين نية النفل فقد/ سقط دليل الحال، لأنه قابله صريح نية التطوع ولا نفاد لدليل الحال مع التصريح بغيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 144
وأما جواز إعدام الإحرام فليس فيه دليل، والإبهام متصور في الإحرام، لأنه ينقسم إلى حج وعمرة، ولا يتصور في الصوم.
وقد ذكر أبو زيد طريقة أخرى قال:
الوقت متعين لصوم الفرض، فنقول: متعين في هذا الوقت شرعاً فيصيبه باسم جنسه، كما يصيبه باسم بعينه، وهذا كشخص متعين عيناً في موضع معلوم، فإنه يصيبه باسم عينه ويصيبه باسم جنسه فالأول أن تقول: يا زيد أو يا عمرو- إذا كان اسمه ذلك- والثاني أن تقول: يا رجل.
كذلك ههنا اسم الجنس هو الصوم المطلق، اسم العين هو الصوم الفرض، والفرض عين في هذا الوقت فيصيبه بالاسمين.
وحقق هذا وقال: ((الصوم واحد في الأحوال كلها، لكنها تارة تكون فرضاً، وتارة تكون نفلاً، وإذا كان واحداً يكون مؤدياً له أطلق النية أو عينه، كالشخص لما كان واحداً، يكون داعياً له أطلق النداء أو عينه)).
والحرف لهم، أنهم يقولون:
لا مزاحم لهذا الصوم الواجب في هذا اليوم فيتعين وإن لم يعنيه.
وريما يقولون: إذا قبل الوقت أوجهاً من الصيام مثل خارج رمضان إنما لم يتعين الواحد منها لأجل التعارض، ولا تعارض في مسألتنا، لأنه لا يقبل إلا صوماً واحداً.
وخرجوا على هذا وقت الصلاة، لأنه وإن ضاق يقبل الفرض وغيره.
قالوا: وقولكم ((: إنه عليه نية الفرض)).
الجزء: 2 - الصفحة: 145
كلام مبتدأ، لأن الذي عليه هو الصوم وحده إلا أنه لازم عليه أن يفعله وقد فعله، ويستحيل أن يقال: إن الصوم مستحق عليه بوصف زائد على كونه صوماً، لأنا إذا قلنا: مستحق عليه فلا معنى لقول من يقول: ((إنه بوصف زائد))، وهو راجع إلى قولهم: ((إن الصوم واحد)) وقد سبق.
وأما إذا عين النفل بالنية فتلغو نية النفل، وكذلك إذا نوى القضاء أو النذر أو الكفارة، وإنما لغى بعدم قبول الوقت هذه الصيامات، وإذا لغى بقى مطلق النية فكان الأمر على ما قلنا.
ولا يجوز أن يقال: إذا لغت نية النفل تلغو نية أصل الصوم، لأن هذه الأشياء وصف زائد، وبطلان الوصف لا يوجب بطلان الأصل، ولهذا إذا نوى القضاء خارج رمضان ثم يتبين أنه ليس عليه أو نوى الكفارة بعد انفجار الصبح تغلو نية القضاء، ولا تلغو أصل النية حتى يصير صائماً عن النفل.
قالوا: وبهذا يعترض على قولكم: ((إنه إعراض عن نية الفرض)) لأنه لو كان معرضاً عن الفرض لصار معرضاً بنية النفل وقد لغت نية النفل فلغى الإعراض أيضاً مثل الحج على أصلكم، والطواف نفلاً إذا كان عليه فرض.
يدل عليه: أن الإعراض في ضمن نية النفل، فإذا بلطت نية النفل بطل ما في ضمنها.
الجواب:
أما الآية فهي دليل عليكم، لأنه قال: ((فليصمه)) ومعناه: فليصم الشهر، وإنما يكون صائماً الشهر إذا صام صيام الشهر، ألا ترى أنهم
الجزء: 2 - الصفحة: 146
صرفوه إليه وجعلوا صومه عن صيام الشهر ولم يثبتوا له صوماً مطلقاً في الشهر وإن صححوا نيته.
وأما المعنى:
قولهم: ((إن المستحق عليه صوم واحد)).
قلنا: بلى، ولكنه لم يأت بذلك المستحق عليه، ولا يتأدى المستحق عليه إلا بفعله، وشرط فعله نيته وقصده، وإذا لم يأت بالشرط فات المشروط.
وأما رد المغصوب والودائع، فهناك لا تستحق عليه نية، إنما المستحق عليه هو نفس الرد.
أما ههنا فإن النية مستحق عليه، والمراد بالنية: ((نية ما عليه)) فإذا لم يأت بها بقى فعل لا نية.
أما قولهم: ((إن النية للتمييز)).
فهذيان عظيم، ومن تكلم بهذا قلم يعرف النية، وإنما شرطت النية ليصير عمله لله تعالى وهو بنية أداء ما عليه، فإذا نوى أداء ما عليه لله تعالى صار عمله لله تعالى، في التطوع ينوي أن يصلي لله أو يقوم لله، ويدخل على التمييز، الذي قالوه أصل النية، فإن الإمساك متميز شرعاً متعين لوجه العبادة قطعاً، بدليل أنه حرام عليه غيره فوجب أن يقال: إنه على أي وجه أمسكه يكون عن التمييز المتعين، ولكن اعتبر على أصل النية ليصير أصل صومه لله تعالى فتعتبر نية ما عليه ليصير العزم بوصف الفرضية لله تعالى، وهذا حرف معتمد غاية الاعتماد.
الجزء: 2 - الصفحة: 147
وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه:
إن وقوعه عن الفرض على النص، وهذا الحديث المعروف الذي روى أن النبي عليه السلام سمع رجلاً يلبي عن شبرمة فقال: ((هل حججت عن نفسك؟ فقال: لا، قال: هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)).
ونحن ادعينا حقيقة عظيمة في المسألة، وهو أنه لا يصير الإنسان فاعلاً لشيء بفعل غيره، وذلك كأن ينوي النفل أو يطلق النية، فكيف يكون هو ونية النفل واحداً؟ هو النفل ليس له وصف سوى أنه صوم، وسمة النفل للتمييز بينه وبين الفرض فليس له وصف زائد على الصومية فتصير النية/ المطلقة ونية النفل واحداً، وإذا فعل النفل وقصده بنيته لا يصير فاعلاً غيره من الفرض فهذه حقيقة تشهد بها المعقولات والمنقولات، وقد صرفنا عن هذه الحقيقة للشرع في الحج فانصرفنا إليه تقديماً للوحي على المعقول والشرع على الرأي.
الجزء: 2 - الصفحة: 148
وأما في الصوم رجعنا إلى أصل ما نعقله.
ودل عليه: سائر الأصول الموصلة والقواعد المقننة، وهم عدلوا في الحج عن قانون أصولهم حتى جوزوه بمطلق النية مع سعة الوقت للفرض وغيره، وكونه في هذا المعنى كوقت الصلاة سواء، ثم تفريقهم بينه وبين الصلاة في هذه المواضع وهو إذا أطلق النية فليقبلوا منا مثل ذلك وليرضوا به.
وإن ألحوا في طلب المعنى فيجوز أن يقال: إنه كان بنوع نظر من الشرع لهذا العبد الذي ترك النظر لنفسه ولم يعين الفرض بنيته، وكان اختصاص الحج بالنظر فيه من الشارع لعظمه في نفسه واحتياجه إلى تحمل المؤنات والمشقات العظيمة، وأنه قل ما يتفق في العمر إلا مرة واحدة فلو لم يصرف نيته إلى الفرض نظراً من الله تعالى فربما لم يصل إلى فعله من بعد فضاع أصلاً، وهذا لا يوجد في غيره من العبادات.
وأما طريقة أبي زيد فقد وضعها في مطلق النية، وقد بينا أن النية المطلقة ونية النفل واحداً لا تختلف، فصار إذا أطلق النية كأنه نوى النفل، ثم يقال لهم ما اعتمدوه، وهو أن هذا الصوم متعين في هذا الوقت، وهذا مسلم، ولكن لابد من أدائه وآداؤه بالنية، فإذا لم ينوه فلم يؤده.
وقولهم: ((إنه يصير مصيباً إياه باسم الجنس كما يصيبه باسم العين مثل ما استشهدوا به من الشخص القاعد في الدار)).
قلنا: ليس في الوقت شيء موجود حتى يصيبه باسم الجنس كما يصيبه باسم العين مثل ما قلتم في الشخص القاعد في الدار، وإنما الصوم في العدم وقد أمر بإيجاده فإنما يوجد بما يوجده، وهو ما قصد إلا إيجاد النفل فلا يوجد الفرض بنيته أنه قصد هذا الصوم من حيث أنه صوم فحسب، لا من حيث أنه فرض فلا يصيب الفرض واعتبر قصده.
الجزء: 2 - الصفحة: 149
ألا ترى أن من رمى سهماً على ظن أنه حربي يكون خطاً، لأنه لم يقصد من حيث أنه مسلم، فلم يجز أنه يعطي له حكم التعمد للمسلم.
فإن قالوا: ((أليس لو سمى الدراهم المطلقة في البياعات ينصرف إلى نقد البلد، وإن كان هو الذي يوجده ويوجبه مثل مسألتنا، ولكن لما كان نقد البلد يعين عرفاً انصرف إليه، كذلك ههنا الصوم عن هذه الجهة وقد تعين شرعاً فيصرف الإطلاق إليه)).
قلنا: المعاملات العرفية يجوز أن يحكم فيها العرف، فأما في مسألتنا فهذه عبادات شرعية فيصار فيها إلى شرائط الشرع، نعم، لو قدرنا جواز صوم لا بنية كأن يجوز أن يقال: إذا أطلق ينصرف على المعتاد المتعارف، بدليل العرف، فأما إذا لم يجز إلا بنية، فلابد أن ينظر إلى نيته فإذا لو ينو المفروض عليه لم يجز أن يحصل المفروض عليه، ويجوز أن يقال: إن تلك المسألة خرجت عن هذا الأصل بدليل وعلى أنها دليل عليهم إذا عين نقداً آخر يتعين، فقولوا ههنا: النفل يتعين ولا يصح الفرض، والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 150
(مسألة)
المرأة لا تلزمها الكفارة بالتمكين من الوطء في نهار رمضان.
وعندهم: تلزمها، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه.
والمناظرة على القول الأول.
لنا:
حديث أبي هريرة أن أعرابياً أتى النبي عليه السلام وقال: ((هلكت وأهلكت يا رسول الله، قال: ماذا صنعت؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان قال: أعتق رقبة .......)) الخبر إلى آخره.
الجزء: 2 - الصفحة: 151
فالنبي عليه السلام أمره بعتق رقبة ولم يأمر في جانبها بشئ مع أنه كان أخبر عن وقاعها، والوقاع وطء لا يكون إلا من رجل وامرأة، فلو كان تجب الكفارة لما يسعه السكوت عن ذكرها لوجهين:
أحدهما: أنه يوهم السكوت أن لا شيء عليها، وهذا الإيهام من صاحب الشرع غير واسع، لأنه بعث لبيان الواجبات فلا يسعه ما يوهم سقوط واجب مع تحقق سببه.
الثاني: أنه أخبر بفعل مشترك من شخصين فوجب جوابه على وفق السؤال، فلو كانت وجوب الكفارة على الاشتراك لم يسع إفراده ببيان الواجب عليه، لأنه يكون السؤال عن فعلين، والجواب عن واجب أحد الفعلين، وهذا تقصير في البيان، وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لبيان الكامل لا لبيان القاصر، ألا ترى أن في قصة العسيف لما وجب الحد عليها لم يسكت عن بيانه بل قال: ((فاغد يا أنيس إلى امرأة فإن اعترفت فارجمها))، والخبر معتمد في الحجة.
وقد قالوا على تعلقنا بهذا الخبر بوجود/ من الأسولة:
الجزء: 2 - الصفحة: 152
أحدها: أنهم قالوا: إن المرأة كانت مكرهة بدليل ما روى في رواية:
((أنه قال: هلكت وأهلكت)) فإنما يكون مهلكاً لها إذا كانت مكرهة من قبله، وعندنا إذا كانت مكرهة فلا كفارة عليها.
والثاني: قال إنه صدقه على نفسه، ولم يصدقه عليها، ولو جاءت وسألت كان تبين الواجب، ألا ترى أنه لم يذكر القضاء، وبالإجماع هو واجب.
والثالث: أن بيان إيجاب الكفارة عليه كان بياناً للواجب عليها، لأن الفعل واحد من الجانبين، والبيان في أحد الجانبين بيان في الجانب الثاني.
قالوا: وأما خبر العسيف، فقد كان حكمها مخالفاً لحكمه فلم يكن بد من البيان.
وأما ههنا فحكمهما واحد لا يختلف فذكره في أحد الجانبين بيان في الجانب الثاني.
وعلى السؤال الثاني قالوا: لما لم يصدقه عليها كان في بيان الحكم في جانبها متبرعاً فكان مفوضاً إلى اختياره، فاختار البيان في حادثة الزنا، واختار ترك الذكر في حادثة الكفارة.
الجواب:
أما الأول: قلنا: قوله ((هلكت وأهلكت))، مذكور في رواية غريبة،
الجزء: 2 - الصفحة: 153
والثابت قوله: ((هلكت))، ونحن نتعلق به، وعلى أن اللفظ لا يدل على أنها كانت مكرهة، لأنه سماها هالكة ولا تكون هالكة إذا كانت مكرهة، بل إنها كانت مطاوعة إلا أنه أضاف الهلاك إلى نفسه، لأن الغالب أن الزوج يدعو المرأة إلى الوطء، فلأجل غالب الأمر أضاف هلاكها إلى نفسه.
وأما الذي قالوه: ((أنه لم يصدقه عليها)).
قلنا: استدلالنا بترك إخباره عن وجوب الكفارة عليها مع إخباره عن فعله وفعلها، وجواب الفتوى لا يحتاج إلى التصديق مثل جواب المفتين في سائر الأعصار، وإنما الإلزام يحتاج إلى التصديق.
وأما الثالث الذي قالوه في غاية الضعف، لأن بيان الوجوب عليه لا يكون بيان الوجوب عليها كيف هذا؟ وقد اختلف العلماء في وجوب الكفارة عليها مع اتفاق الكل على وجوب الكفارة عليه.
وكيف يجوز أن يحال أعرابي جاهل على مثل هذا البيان؟ ولابد من نظر واجتهاد وقياس معنوي، وقد خفى على كثير من العلماء فيكف يتنبه عليه مثل ذلك الأعرابي ويقنع في حقه بمثل هذا البيان؟
وأما القضاء، فإنما لم يذكره من الجانبين، لأنه سأل عن واجب الهلاك، والقضاء إنما يجب بمجرد فوات الصوم، بدليل المريض.
وأما المعنى فسيتبين في الجواب عن كلماتهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 154
أما حجتهم:
قالوا: الواجب كفارة الفطر على وجه التعدي الكامل وقد وجد هذا المعنى في جانبها، كما وجد في جانبه.
أما الفطر فلا إشكال، أما كمال التعدي فلأن كل جناية تحصل من الرجل بفعل الوطء تحصل من المرأة بالتمكين من الوطء بدليل الحد، ولأنه لا يتوهم منها جناية على الصوم تفعل بحرمة الصوم فوق هذه الجناية.
قالوا: ولهذا سوى الشرع بين الجانبين في واجب الوطء والإحرام فإن القضاء وفساد الحج مثل الكفارة ههنا، وقد استوى الجانبان فيه بحيث لم يقع فرقان بوجه ما.
قالوا: وأما المهر فهو بإزاء ملك البضع، وملك البضع للرجل دون المرأة، وأما الكفارة واجب جناية، والجناية منها حسب الجناية منه، وقد نزل الشرع التمكين منها بمنزلة الإيلاج منه قطعاً في الأحكام المتعلقة بالجناية بدليل الحد، وأيضاً فإن منفعة بضعها قومها الشرع على خلاف الأصل، وأما منفعة بضعه فلم يقومها بوجه ما.
وأما ثمن ماء الاغتسال فهو من مؤن الزوجية كالنفقة فيكون عليه لا عليها.
قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم: أنها أفطرت بغير الوطء، لأن بتغييب طرف الذكر في فرجها قبل غيبوبة الحشفة يفطر ولا يكون الفعل وطء إلا بعد غيبوبة الحشفة، فسهو عظيم، وهو هرب من المسألة، لأن هذه المسألة رويت منذ زمان الشافعي: أنه هل تجب الكفارة بطواعيتها في الوطء؟ واختلفت أقوال الشافعي في ذلك على ما عرف.
وإذا كان الأمر على ما ذكرتم فيكون الخلاف في صورة الفطر: فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 155
عندنا بذلك لا يفطر وقد ادعيتم أنه يفطر مثل ما لو غيب أصبغاً أو خشبة فتذهب هذه المسألة أصلاً، فإن المسألة في فطر يقع من الجانبين، هل تجب الكفارة عليها كما تجب عليه؟ وإذا قال هذا القائل الذي ضعفت خبرته في النظر في هذه المسألة أنها تفطر قبل وجود الوطء، فأين صورة المسألة التي اشتهرت في العالم، ودونت في الكتب، واختلف فيها أقوال الشافعي؟ فدل ما ذكرنا أنه وقع سهو عظيم لقائل هذا المقال.
وأيضاً فإن الآلة آلة الوطء والمحل محل الوطء بإدخال ودخول فإذا لم يعتبر هذا الفعل أعني تغييب رأس/ الحشفة في الفعل المخصوص بهذه الآلة في هذا المحل وجعل في حقه كالعدم، فكيف تعتبر في شيء آخر؟ ويلحق بفعل يوجد باستعمال أصبع أو خشبة؟ والمذهب الصحيح أن المرأة لا تفطر حتى تغيب الحشفة ويصير الفعل وطء فيقع حينئذ الفطر من الجانبين.
قالوا: وأما قول مشايخكم: ((إن فرضية الصوم في حقها ناقصة، لأنه ما من يوم يمضي إلا ويجوز أن يعرض عارض فيسقط الصوم عنها مع بقاء التكليف، وذلك بالحيض)).
وهذا أيضاً ليس بشيء، لأنه إن كان هذا يوجب وهاء فرضية الصوم وجب أن يوجب وهاء فرضية الصلاة، بل تأثير الحيض في الصلاة أكثر من تأثيره في الصوم فينبغي إذا تركت الصلاة لا تقتل، وعندكم تقتل كالرجل إذا ترك الصلاة يقتل، ولأن المرأة إذا صامت في أول زمان طهرها فوطئها الزوج فوجب على مؤدى هذا الكلام أن تجب عليها الكفارة، لأنه لا يتوهم ما قالوه إلا بعد مضي خمسة عشر يوماً، وأيضاً اعتبار موهم
الجزء: 2 - الصفحة: 156
في تنقيص فرض محال، ولو جاز أن يعتبر توهم الحيض في حق المرأة وجب أن يعتبر توهم الجنون في حق الرجل، وتأثيره أكثر، لأنه يسقط أصل الخطاب، بخلاف الحيض، لأنه لا يسقط أصل الخطاب حتى تؤمر بالقضاء عند الطهر.
الجواب:
وهو أن نبين ما يمكن الاعتماد عليه من حيث المعنى فنقول:
الكفارة طريق وجوبها التوقيف لا غير، فإن الجناية وإن تحققت فلا يمكن معرفة وجوب الكفارة على الوجه الذي ورد بهذه الجناية رأياً ومعقولاً وإنما يمكن بالنص المجرد، والنص ورد في فعل الوطء وفعل الوطء حقيقة إنما يكون من الرجل، فأما الموجود من المرأة فهو التمكين من الفعل، والتمكين من الفعل لا يكون ذلك الفعل كالتمكين من القتل لا يكون قتلاً، وكذا في كل موضع.
ولهذا يقال: جامع الرجل فهي مجامعة، ووطئ الرجل فهي موطوءة فالأمر المحسوس المعقول الوطء من الرجال، فأما النساء لا يكون منهن وطء بحال، وإنما النساء محال الوطء كالأرض التي توطأ بالأقدام، وكذا الإنسان الذي يطأه الإنسان بقدمه لا يكون منه فعل في الوطء بالقدم، وهذا مثل ذلك سواء.
ألا ترى أن الفعل الحسي وطء لا يمكن تصويره بوجه ما إلا أن الشرع نزل التمكين من الوطء في الحد نصاً، وفي قضاء الحج بإجماع الصحابة فسلم الموضعان للنص والإجماع.
وفي مسألتنا لا نص ولا إجماع في جانبها، وإنما النص والإجماع في جانبه، وقد علق الوجوب عليه بالوطء من غير أن يهتدي إليه رأي
الجزء: 2 - الصفحة: 157
أو يتصرف فيه بمعقول، بل بالنص المحض فإذا لم يكن جانبها مشابهاً لجانبه، فإن التمكين من الفعل دون حقيقة ذلك الفعل معنى، وغيره صورة فلم يلحق به نصاً، لأنه غيره صورة، واستدلالاً، ولأنه دونه معنى فسقط وجوب الكفارة في جانبها بهذا الطريق.
يبينه: أن في الخبر ذكر المواقعة، والمواقعة لا تكون إلا من الرجل، فأما من المرأة فلا تتصور ولا يقال أصلاً، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 158
(مسألة)
الإفطار بغير الوطء لا يوجب الكفارة
عندنا.
وعندهم: يوجب إذا كان بجنس ما يتغذى به أو يتداوى به.
لنا:
إنه بالأكل والشرب تارك للصوم في باقي النهار فلا تجب عليه الكفارة.
دليله: إذا ترك الصوم في كل النهار بأن لم ينو الصوم أصلاً، أو نلخص العبارة فنقول:
لم يوجد منه إلا ترك الصوم فلا شيء عليه، كما تركه ابتداء، وهذا لأن ترك بعض الصوم لو كان يوجب عليه الكفارة لكان تركه بالإيجاب أولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 159
ثم الدليل على أنه بالأكل والشرب تارك الصوم، أن حقيقة الصوم هو الكف عن الجنس الأكل والشرب فحسب، لأن الصوم عبادة كف عن قضاء شهوة معتاد فعلها، لأن وصف الابتلاء وصف لازم للعبادة لا يجوز أن تخلو عنه بحال، وإنما يتحقق الابتلاء بالخطاب بالكف عن قضاء شهوة مألوفة معتادة، فأما ترك غير المألوف والمعتاد فيه ابتلاء فيه، فإنه سهل تركه والابتلاء إنما يوجد بترك ما يشق تركه، كما يوجد بفعل ما يشق فعله، وإذا ثبت هذا الأصل فنقول:
شهوة البطن في الأكل والشرب شهوة مألوفة معتادة في زمان الصوم وهو النهار فيوجد معنى العبادة في الخطاب بالكف عن قضاء هذه الشهوة، والصوم عبادة كف عن قضاء الشهوة فإذا وجد معنى العبادة في هذا الكف صح.
قولنا: ((إن الكف عبادة كف عن قضاء هذه الشهوة فإذا أقدم عليه فيكون تارك فعل الصوم، لأن الصوم هو نفس الكف فإذا لم يكف فقد تركه، وترك الصوم لا يوجب الكفارة كما في الابتداء.
فأما الوطء فهو محظور الصوم وفعله بمواقعة/ محظورة فيه وتركه اجتناب محظور بسبب عبادة، لا أنه نفس العبادة، لما بينا أن الصوم عبادة كف عن قضاء الشهوة فيقتضي الكف عن شهوة معتادة مألوفة ليوجد معنى الابتلاء الذي هو وصف العبادة على سبيل اللزوم، والوطء بالنهار غير المعتاد ولا مألوف، لأنه وقت الاشتغال بالأعمال والتصرفات، ولا يوجد ابتلاء في الخطاب بالكف عنه في زمان النهار فلم يصح أن تكون نفسه عبادة، نعم، يجوز أن يكون محظور الصوم كما يكون محظور الحج، ومحظور الاعتكاف وإن كانت حقيقة الاعتكاف بغيره من اللبث في المسجد، والأفعال المعهودة المعروفة، لكن كان الوطء محظور العبادتين،
الجزء: 2 - الصفحة: 160
كذلك ههنا الوطء محظور الصوم، وإذا ثبت أنه محظور الصوم فلم يكن بفعله تاركاً للصوم بل كان جانباً على الصوم بمواقعة المحظور بسبب مؤثر فاستقام إيجاب الكفارة، كما تجب الكفارة بمواقعة المحظورات في الحج، لأن مواقعة المحظور سبب في إيجاب العقوبة.
ألا ترى أن فساد الصوم بالوطء كان على وجه العقوبة، فكذلك الكفارة وجبت على طريق العقوبة.
وأما حجتهم:
قالوا: إفطار كامل فيوجب الكفارة، كما إذا كان بالوطء، وهذا لأن الواجب كفارة الفطر، بدليل أنه يضاف إليه، والأصل أن الحكم إذا أضيف إلى الشيء يكون سبباً له مثل كفارة القتل وكفارة الظهار، وكفارة اليمين على أصلكم، وزكاة المال، وغير هذا من الإضافات.
ولأن الفطر جناية على الصوم بتفويت ركنه فيصلح موجباً للكفارة إلا أنه يكون بجهة التعدي على الكمال ليصلح موجباً للعقوبة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الكفارة واجب الوطء، لأنه لو وطئ ناسياً للصوم وتصور إذا زنا ناسياً بامرأة لم تجب عليه الكفارة وإن وجد الوطء لعدم الفطر، ولو وطئ امرأته أو مملوكته وجبت الكفارة وإن استوفى هنا بضع مملوكة لوجود الفطر، فدل أن الكفارة كفارة الفطر، وهذا ثبت هذا فنقول: الفطر بالأكل والشرب مثل الفطر بالوطء، لأن الصوم عبادة كف عن قضاء الشهوة والشهوة شهوتان: شهوة بطن، وشهوة فرج، وهما شهوتان مركبتان في العبد جبلة وخلقة فلابد من قضائهما على المعتاد، وقضاء أحدهما بالوطء، والأخرى بالأكل والشرب، والصوم عبادة كف عنهما.
قالوا: ولهذا تناول نص الكتاب كل واحد منهما تحليلاً وتحريماً
الجزء: 2 - الصفحة: 161
بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، فهذا من الوطء، ثم قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
أي الكف عن هاتين الشهوتين إلى زمان الليل فجعل هذين هو المقصود بالصوم في الكف فثبت نصاً ومعقولاً أن ركن الصوم هو الكف عن قضاء هاتين الشهوتين، وفعل كل واحد منهما تفويت لركن الصوم، فإذا وجبت الكفارة في أحدهما وجبت في الآخر.
يدل عليه: أن الجناية كملت في كل واحد من الفعلين فإن كمال الجناية متفق عليه في الوطء من حيث أنه جناية بتفويت ركن الصوم وهذا المعنى بعينه موجود في الأكل والشرب فتكمل الجناية أيضاً، وإذا كملت الجناية وجبت الكفارة.
قالوا: بل جانب الأكل والشرب أرجح، لأن تأدى الصوم بترك الأكل والشرب فوق تأديه بترك الوطء لما ذكرتم أن الصوم اختص بزمان الأكل والشرب عادة ولم يختص بزمان الوطء عادة، ولأن الصوم عبادة صبر، والصبر عن الأكل والشرب أشق من الصبر عن الوطء، فإن الإنسان يصبر عن الوطء دهراً ولا يصبر عن الأكل والشرب يومين، وإذا كان أشق فيكون الثواب بالصبر عنه أكثر وعلى مقابلته يكون العقاب بالإقدام عليه أكثر، لأن الثواب مقابل العقاب بدليل قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، وقال تعالى:
الجزء: 2 - الصفحة: 162
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ..﴾. وإذا كان العقاب بالإقدام على الأكل والشرب أكثر كان بإيجاب الكفارة أولى، فهذا إيجاب الكفارة بالأكل والشرب من حيث الاستدلال لا من حيث القياس الأكل والشرب على الوطء، لأن الكفارات لا يجوز إثباتها بالقياس، لكن يجوز بطريق الاستدلال بالنص، وهذا من هذا النمط، وهو مثل تحريم التأفيف يكون تحريماً للشتم والضرب استدلالاً أو فحوى خطاب ولا يكون تحريماً من حيث القياس.
قالوا: ((وأما قول بعضكم إن الصبر عن الوطء عند هيجان الشهوة يصعب ما لا يصعب الصبر عن الأكل والشرب عند هيجان الجوع))، فليس بشيء، لأن على المعتاد المعروف يكون الصبر عن الوطء أسهل من الصبر عن الأكل والشرب/ والذي صورتم صورة نادرة، والصورة النادرة لا تعتبر، بل تعارض المعتاد الغالب من حالات الناس وأمورهم.
قالوا: وأما قولهم: ((إن الوطء محظور الصوم، والأكل والشرب نقيض الصوم)).
ليس كذلك بل كان كل واحد منهما نقيض الصوم على ما سبق، وكما إنه يوجد الابتلاء بترك الأكل والشرب في النهار يوجد الابتلاء بترك الوطء فيه إلا أن الابتلاء في هذه الصورة ربما يكون أخف من الابتلاء في تلك الصورة.
يبينه: أن خطاب الشارع في الكل على وجه واحد لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فكيف يجوز أن تميز التمييز الذي قلتم مع اتحاد الخطاب؟
الجزء: 2 - الصفحة: 163
ثم قالوا: إن سلمنا أنه محظور الصوم والآخر نقيض الصوم لكن الجناية بهما واحد، فإذا جاز أن تجب الكفارة بارتكاب محظور الصوم جاز أن تجب بارتكاب نقيضه، لأن كل واحد منهما سبب لتفويت الصوم على وجه واحد، والجماعة في تفويت الصوم، وكما يوجد ترك الصوم ولا كفارة وذلك في الابتلاء فقد توجد مواقعة المحظور ولا كفارة، وذلك بالغيبة والوطء فيما دون الفرج.
وقد ألزموا مسألة المرتدة على ترك الصوم في الابتداء فإن ترك الإسلام من المرأة في الابتداء لا يوجب القتل وفي الدوام يوجب القتل على أصلكم.
قالوا: ((وأما قول مشايخكم: إن الوطء متغلظ في نفسه فيمتاز عن غيره في الحكم))، فليس بشيء، لأن العبرة بالسبب الحاظر، والسبب الحاظر للكل واحد، وإذا اتحد السبب لابد أن يتحد الحظر، وإذا اتحد الحظر اتحدت الجناية، لأن الفعل صار جناية من حيث الحظرية.
قالوا: وأما الوطء في ملك الغير والتناول من ملك الغير إنما افترقنا في وجوب الحد، لأن الحد يندرئ بالشبهات، والزنا محرم لعينه فخلا من الشبهة، والأكل والشرب محرمان لا لعينهما بل لغيرهما وهو حق المالك، ألا ترى أنه إذا سقط حقه بالإذن أبيح، والوطء لا يباح وإن أذن المالك فيه.
قالوا: وأما الإحرام فإنما امتاز الوطء فيه عن غيره من المحظورات، لأن التحريم لمكان الارتفاق والاستمتاع، والارتفاق بالوطء أكثر منه بفعل سائر المحظورات.
الجزء: 2 - الصفحة: 164
وأما ههنا فإن قضاء الشهوة بالأكل أو الشرب مثل قضاء الشهوة بالوطء بل أكثر.
قالوا: ((قولكم: إن اللذة في الوطء أكثر منها في الأكل والشرب)).
فليس بشيء، بل اللذة عند الجوع الصادق والعطش الصادق لا يكون دون اللذة عند شدة الشبق بالوطء، لأنه إن كانت اللذة هناك أكثر فالارتفاق ههنا أكثر، لأن قوام الحياة يحصل بهذا دون الوطء.
قالوا: ((وقولكم: إن الأكل لا يخلو عن شبهة لوجود بعض ما لو لوجد كله أباح بخلاف الوطء)).
كلام في نهاية الضعف، لأن المبيح هو الضرورة، والضرورة تخوف الهلاك، ولا يتصور وجود خوف منها.
يدل عليه: أنه لو سرق طعاماً ليأكله يجب عليه القطع عندكم، ولو أخذ على هذه الصورة بالضرورة أبيح له ذلك، ومع ذلك لم يحكم بوجود شبهة في الصورة الأولى.
الجواب:
أما قوله: ((إفطار كامل)).
قلنا: في اللفظ خلل، لأن الفطر إنما يصح وصفه بالكمال إذا كان يصح وصفه بالنقصان، والفطر في نفسه عبارة عن فوات الصوم بفعل من الصائم، والشيء إذا فات ففواته على وجه واحد لا يصح، يجوز أن يوصف بالكمال تارة وبالنقصان أخرى، وهذا كالأفعال الحسية متى وقعت يكون وقوعها على وجه واحد.
فإن قالوا: إذا تناول الحصاة أو النواة فهو إفطار ناقص، لأنه إفطار اسماً لا معنى من حيث أنه أكل صورة وليس بأكل معنى.
الجزء: 2 - الصفحة: 165
قالوا: وفي الإستيقاء إنه ليس بفطر حقيقة، لأن الفطر يكون بما يدخل لا بما يخرج وإنما أفطر به الشرع ولولا الشرع لم يحصل به فطر أصلاً.
قلنا: قد بينا أن الفطر هو تفويت الصوم بفعل يفعله الصائم، والشيء إذا فات لا يتصور أن يفوت من وجه دون وجه بل يفوت من كل وجه، وإذا فات من كل وجه يكون الفطر كاملاً ولا يكون ناقصاً.
وأما قولهم: ((إن الكفارة كفارة الفطر)).
قلنا: لا، بل هو كفارة الوطء المفطر.
فإن قالوا: ((نحن بينا تأثر الفطر، فبينوا أنتم تأثير الوطء)).
قلنا: وجه تأثيره أن الأصل في الشرع أن السبب إذا حرم الوطء وغيره يكون تأثير السبب في الوطء أكثر من تأثيره في غيره بدليل التحريم إذا كان لعدم الملك أو كان بالإحرام، وهذا لأن الوطء فعل متغلظ في نفسه ممتاز عن سائر الأفعال شرعاً، بدليل أنه لا يستباح بالإباحة وبدليل أنه يستحق به القتل، وبدليل أن العقد على استحقاقه يقف على شرائط لا يقف عليه عقد ما، وذلك لتغلظه في نفسه، هذا نهاية ما يمكن في تحقيق طريقة المشايخ.
وعذرهم عن فصل/ عدم الملك، ليس بشيء، لأنهم في عذرهم ادعوا أن في تناول مال الغير شبهة الإباحة، ولو كان كذلك لم يجب القطع بسرقة مال.
وقولهم: ((إن الزنا محرم لعينه فلا تكون فيه شبهة)).
قلنا: لو كان محرماً لعينه لم يحل جنس الوطء بحال، بل الصحيح أن كلا الفعلين محرم بتحريم الشرع وإن كان السبب ملك الغير إلا أن الوطء لا يستباح بالإباحة لغلظه في نفسه، والأكل يستباح بالإباحة لخفة أمره،
الجزء: 2 - الصفحة: 166
وعلى أن استباحة المال بدليل عارض وعدم استباحة الوطء بمثل ذلك الدليل لا يدل على اختلافهما في أصل التحريم، ويجوز أن يوجد سببان محرمان لا شبهة في واحد منهما، وإن اختلفا مثل الاختلاف الذي قلتم.
ألا ترى أن الكفر والقتل كل واحد منهما محرم من غير شبهة، وإن كان جنس أحدهما يستباح بدليل يقوم عليه وهو القتل ولا يستباح الآخر بحال وهو الكفر.
وأما عذرهم عن الإحرام وقولهم: ((إن الوطء استمتاع وارتفاق فهذا المعنى فيه أكثر منه في سائر المحظورات)).
قلنا: مقادير الارتفاقات غير معتبر بدليل أن الارتفاق في اللبس أكثر منه في قلم الظفر وحلق الشعر ومع ذلك يستوي الكل في الكفارة، فدل أن المعتبر أصل الارتفاق ولا مقداره، ولكن إنما خالف الوطء سائر المحظورات، لأن تأثير السبب في أكثر من تأثيره في غيره على ما يوجبه قضية الشرع.
فإن قالوا: قد ظهر تأثيره في الحج حتى إنه يمتد زمان تحريم الوطء ما لا يمتد زمان سائر المحظورات، وههنا زمان التحليل والتحريم في الوطء وغيره واحد.
قلنا: تمييز الوطء من بين سائر المحظورات لم يكن لما قلتم بدليل أن الوطء يمتاز من بين سائر المحظورات وإن كان في العمرة، كما يمتاز في الحج حتى إن القضاء يجب بالوطء ولا يجب بسائر المحظورات وإن كان التحليل والتحريم في الكل واحد في العمرة.
وإذا ثبت أن تأثير السبب في الوطء أكثر منه في الأكل والشرب جاز أن يختص بإيجاب الكفارة مع مساواته الأكل والشرب في كل ما قلتم، هذا تحقيق طريقة الأصحاب.
الجزء: 2 - الصفحة: 167
وأما الذي اعتمدناه من أن الوطء مواقعة محظور والأكل والشرب مجرد ترك الصوم، فهي طريقة متينة محكمة.
وعندي أن الاعتماد عليها أولى، وقد ذكرنا وجه تقريرها.
وأما الغيبة والوطء فيما دون الفرج، فنحن لا نقول إن مواقعة كل محظور يوجب الكفارة، لأن المحظور والمحظور يجوز أن يختلف فيهما مقادير الجناية وعظمها وصغرها لكن ما يتعلق بالمحظور لا يتعلق بترك العبادة، لأن مواقعة المحظور مع فعل الصوم في حقيقته جناية على الصوم الذي هو عبادة، والترك ليس بجناية على العبادة، لأن ما مضى لا يتصور الجناية عليها وما بقي لم يفعله حتى يجني عليه وإنما مجرد ترك مأمور، وما لا يستدرك بالقياس إذا جاء وجوبه في موضع لا ينتقل إلى موضع آخر، لأن الجناية على العبادة إذا لم توجد في الأكل والشرب وتوجد في الوطء فيجوز أن توجب الجناية على العبادة بإفسادها ما لا يوجبه مجرد تركها من غير جنابة عليها وهذا ظاهر.
وأما فصل المرتدة فقد بينا في ربع القصاص أن الكفر ابتداء وعوداً بالردة موجب للقتل في حق المرأة، كما يوجب كفر الرجل إلا أنه في حق الكافرة الأصلية قدمت عقوبة أخرى على عقوبة القتل بدليل قام عليه، ولم يوجد في حق المرتدة مثل ذلك الدليل فتعين القتل، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 168
(مسألة)
إذا وطئ مرتين في يومين في شهر رمضان وجبت عليه كفارتان يلزمه أداؤهما.
وعندهم: يكفيه كفارة واحدة.
لنا:
أن ندل أولاً على وجوب الكفارة بالوطء في اليوم الثاني فإنهم ربما يمنعون ذلك فنقول:
سبب الوجوب تكرر فتكرر الوجوب، مثل القتل إذا تكرر فيتكرر وجوب الكفارة، وكذلك الظهار واليمين.
والدليل على تكرر السبب أن سبب الوجوب، هو الجناية على صوم رمضان بالوطء، وقد وجود هذا في اليوم الثاني مثل ما وجد في اليوم الأول.
يبنيه: أنه لو لم يطأ في اليوم الثاني وأتم صومه كان صومه على
الجزء: 2 - الصفحة: 169
الكمال والتمام مثل الأول لو لم يفسده، كذلك إذا أفسده بالوطء تكون الجناية عليه مثل الجناية على الصوم في اليوم الأول.
والحرف: أن الجناية الموجودة في صوم اليوم لا تؤثر في صوم الغد بحال، ومن المحال اعتقاد تأثير الوطء الذي يوجد في الغد وبعد الغد.
وقد ادعى بعضهم أن الجناية تقاصرت في الوطء الثاني، لأن حرمة الشهر صارت مهتوكة بالوطء الأول فصادف الوطء الثاني حرمة الصوم دون حرمة الشهر فلم توجب الكفارة عليه.
دليله: إذا وطئ في القضاء، وهذا لأن الجناية المحسوسة على المحل توجب النقصان حساً والجناية الحكمية توجب النقصان حكماً.
قالوا: وهذا لأن الشهر له حرمة واحدة، لأن الشهر واحد، وإن تخللت الليالي التي لا تقبل الصوم أصلاً، وتخلل الليالي لا يوجب تعدد الحرمة، بدليل شهري التتابع فإن لهما جميعاً حرمة/ واحدة وإن تخللت الليالي لا تقبل الصوم فيما بين ذلك.
الجواب:
إن القول بانتهاك حرمة الشهر على معنى فواتها، قول مستبعد جدا ً، نعم، يجوز أن يقال إنه لم يراع حرمتها ولم يحفظها، فأما اعتقاد فوات الحرمة فمحال.
يبينه: أنه ليس معنى حرمة الشهر سوى أن الله تعالى خص هذا الشهر بواجب من أركان الإسلام وشرع فيه وجوهاً من المشروعات تشعر بخطرها وحرمتها واختصاصه من ذلك بما لا يوجد في سائر الشهور، وهذا المعنى لا يفوت بوطئه في يوم من أيامه، لأن الأمر بالصوم واختصاصه بما عرف
الجزء: 2 - الصفحة: 170
من السنن المشروعة وتكثير الثواب لما يأتي من العبادة فيها وأمثال ذلك كلها باقية عليه في الشهر، فكيف يقال إنه ذهبت حرمتها في حقه وصار بمنزلة سائر الأيام التي هي خارج رمضان؟ وأيضاً فإن الكفارة واجب الجناية على الصوم لا واجب الجناية على الشهر، لأن عندنا الكفارة واجب وطء مفطر، وعندكم الواجب واجب الفطر على جهة مخصوصة، والفطر إنما يوجد بجناية على الصوم لا بجناية على الشهر إلا أنه يعتبر أن يكون الصوم في هذا الشهر ليلاقي زمان أدائه.
وقد قيل أيضاً: إن لكل يوم من رمضان حرمة على انفرادها فيما يرجع إلى الصوم والشهر جميعاً.
والدليل عليه: أنه لو لم يصم يوماً من رمضان أصلاً وجامع فيه أو جامع فيما دون الفرج وهو صائم، أو أكل حصاة أو نواة ثم صام من الغد وجامع فيه وجبت الكفارة وإن كان قد هتك حرمة الشهر بالفعل الأول فحين وجبت دل أنه إنما وجبت، لأن الحرمة لم تصر مهتوكة أو لأن لكل يوم حرمة على حدة فيما يرجع إلى الصوم والشهر جميعاً وهذا لا سؤال لهم عليه، فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليوم الثاني حسب وجوبها في اليوم الأول وجب أداؤهما، لأن الوجوب يراد للأداء فإذا وجب وجب الأداء.
وأما حجتهم:
المعتمد، قالوا: نسلم الوجوب في اليوم الثاني مثل ما وجب في اليوم الأول لكن نقول: يتداخلان، ويكتفي بواجب واحد أداء مثل ما لو زنى ثم زنى فإنه يكتفي بحد واحد، لأن كل واحد منهما عقوبة تندرئ بالشبهات، ودليل أنها عقوبة تعلقها بالجناية، ودليل سقوطها بالشبهة ما ذكرنا في المسألة الأولى، وهذا لأن الواجب لما كان على جهة الزجر وهو محمول في الشرع على نوع من السقوط لا يوجد في غيره فالواجب الواحد زاجر كامل
الجزء: 2 - الصفحة: 171
وإن تعدد السبب مثل الحد في الزنا سواء، أو يقال: إذا وجد أداء هذا الواجب بعد وجود أسباب له فجعل في حق كل سبب كأن الأداء حصل لذلك السبب وحده، مثل الحد سواء فإنه يقام بعد زنيات منه ويجعل في كل زنا كأن الحد أقيم له وحده.
قالوا: وأما إذا كفر عن الأول ثم وطء ثانياً وجبت الكفارة، كما لو زنى فحد ثم زنى ثانياً، ولأن التكفير لما اتصل بالأول صار الأول كالعدم فصار الثاني بمنزلة الأول حين وجد.
قالوا: وأما إذا وطئ في رمضانين يجب كفارة واحدة مثل ما لو زنا في سنتين يكتفي بحد واحد.
الجواب:
أما قولهم: ((عقوبة)).
قلنا: إن ادعوا (أنها عقوبة محضة) فلا يصح، لأنها تتأدى بمحض العبادة وهو الصوم فلا يكون عقوبة محضة، وإن ادعوا أن فيها معنى العقوبة، فمسلم، لكن لما قالوا: يلحق بالعقوبة المحضة وهو الحد؟.
وقولهم: ((إنه يسقط بالشبهات)).
إن عنوا بكل شبهة، فليس كذلك، لأن أعظم الشبهات الملك، ولا يسقط به حتى لو وطئ زوجته أو أمته وجبت الكفارة عليه.
واعتذر بعضهم وقال: المسقط هو الشبهة في محل الجناية ولم يوجد، لأن محل الجناية هو الصوم ولا شبهة فيه، وإنما وجدت الشبهة في آلة الجناية، لأن منافع البضع آلة الجناية، وكذلك المطعوم والمشروب، فنظيره
الجزء: 2 - الصفحة: 172
أن لو قتل إنسان بسيف مملوك له فلا يكون ذلك شبهة، وأيضاً فإن الصوم إنما يحرم في الوطء في الملك، وإذا كان تأثيره في التحريم في الملك، فكيف يصير الملك شبهة؟
وكلا العذرين ليس بشيء، لأنا ندعي وجود شبهة الإباحة، والملك مبيح لقيام الملك لابد أن يوجب شبهة، مثل ما لو وطئ أمته المجوسية أو كانت أخته من الرضاع لا يجب الحد لقيام الملك، وبطل العذر الثاني أيضاً بهذه المسألة، لأن التمجس والرضاع إنما يوجبان التحريم في الملك أيضاً، ومع ذلك صار الملك شبهة، وملك السيف لا يبيح القتل به بحال حتى يصير شبهة.
وأما الذي ادعوا من سقوط الكفارة بالغلظ، فلأن في الكفارة معنى العقوبة في الجملة، فأما إسقاطها بكل شبهة وإلحاقها بالعقوبة المحضة فلا يصح ذلك بحال.
وإذا ثبت هذا فنقول:
غاية كلامهم إلحاق الكفارة بالحد، والتداخل في الحد على خلاف/ القياس لأن الأصل أن كل شيئين اجتمع وجوبهم اجتمع وجوب أدائهما، فإن عدل عن هذا الأصل في موضع بدليل لا يلحق به ما ليس في معناه.
يبينه: أن الكفارة واجب مالي وليس في الواجبات المالية تداخل في موضع ما.
وأما الحد إيلام وإيجاع يجوز أن يكتفي بالواحد احترازاً من الإهلاك لأنها إذا اجتمعت أهلكت، وهذا لا يوجد في الحقوق المالية فاعتبر فيها ما هو الأصل، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 173
(مسألة)
إذا انفرد الواحد برؤية هلال رمضان لزمه الصوم
عندنا.
وإذا أفطر فيه بالوطء لزمته الكفارة.
وعندهم: لا يلزمه.
لنا:
أنه أفطر في يوم من رمضان بالوطء فتلزمه الكفارة.
دليله: إذا كان في اليوم الثاني، والدليل على أن هذا اليوم من رمضان أنه يلزمه أن يصومه من رمضان مثل ما يلزمه الثاني.
والمعتمد في المسألة أن الكفارة واجب بينه وبين ربه فيعتبر فيه ما ألزمه ربه، وما يعتقده فيما بينه وبين ربه، والله تعالى قد ألزمه أن يصوم في هذا اليوم من رمضان وهو يعتقد في نفسه أنه من رمضان فلو سقطت الكفارة لسقطت لأن هذا اليوم ليس من رمضان عند سائر الناس،
الجزء: 2 - الصفحة: 174
وما عند الناس لا يعتبر في الواجب الذي سبيله هذا، بدليل ما لو اجتمع قوم على شراب فيشربونه وأحدهم يعلم أنه خمر يلزمه الحد، وكذلك إذا زفت إليه امرأة وهو يعلم أنها أجنبية، وسائر الناس يظنون أنها امرأته، وكذلك إذا رأى الصبح وحده وأفطر بالوطء وعند سائر الناس أنه ليل.
وأما حجتهم:
قالوا: (إنه مفطر بشبهة فلا تلزمه الكفارة، كمسألة الغالط في السحر والإفطار).
والدليل على أنه مفطر بشبهة دلائل:
منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((صومكم يوم تصومون ...)) وهذا يقتضي أن لا يصح صومه إلا مع الجماعة إلا أنه قدم عليه قوله عليه السلام: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))، لأنه إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 175
تعارض دليلان أحدهما يوجب الصوم، والآخر لا يوجب، فالموجب أولى احتياطاً للعبادة فنفي ظاهراً بخبر شبهة في درء الكفرة، مثل قوله عليه السلام: ((أنت ومالك لأبيك))، قدم عليه قوله عليه السلام: ((:ل امرئ أحق بماله من ولده ووالده وسائر الناس أجمعين)) ولكن بقى ظاهره شبهة في درء الحد.
فإن قلتم: إن معنى قوله: ((صومكم يوم تصومون ...)) يعني صوم كل إنسان يوم صومه، ويكون هذا تعطيلاً للخبر، لأن هذا لا يخفي على أحد، ولأن المراد من الخبر ذكر الأحكام التي تتعلق بالجماعة مثل قوله: ((أضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون)) وإن ادعيتم النسخ، فليس عليه
الجزء: 2 - الصفحة: 176
دليل، وإنما يكون بالنقل، بل تقابل ظاهران فقدمنا أحدهما في إلزام الصوم، لما ذكرنا واعتبرنا الآخر وأسقطنا ما يسقط بالشبهة.
ومنها: أن اليوم من شعبان في حق سائر الناس فلم يكن من رمضان مطلقاً بل كان من رمضان من وجه لا من وجه فتقاصرت حرمته فتقاصرت الجناية بالوطء فيه أيضاً، وهذا لأن ما يجب بالجناية الكاملة لا يجب بالجناية المتقاصرة.
يبينه: إنه لما لم يكن من رمضان في حق سائر الناس لخلل في الدليل أنه من رمضان، لأنه لما انفرد بدعوى الرؤية مع مساواة الناس إياه في النظر وموقفه، وحدة النظر وموضع المنظور إليه، دل أنه لم يكن لرؤيته حقيقة بل كان نوع خيال، كما روى في حديث عمر رضي الله عنه أنه مسح حاجب من كان يدعى رؤية الهلال ثم قال: أين الهلال؟ فقال: فقدته، فقال: ((تلك شعره قامت من حاجبك)).
قالوا: وبهذا فارق المسائل التي قلتم واستشهدتم بها، لأنه لا خلل في الدليل في تلك المسائل فاعتبر ما عنده من الدليل، وما يزعم في اعتقاده.
ومنها: أن القاضي قضى يكون هذا اليوم من شعبان، لأن الرد يدخل تحت القضاء بدليل أنه لو شهد لإنسان في حادثة فرد لفسق ظهر منه ثم تاب وأعاد لا يقبل لجريان القضاء برده وإذا دخل الرد تحت القضاء دخل موجبه أيضاً، وهو كون اليوم من شعبان فصار القضاء شبهة، لأنه يقضي بدليل شرعي يقوم له فأشبه قضاء برد من الشرع.
الجزء: 2 - الصفحة: 177
الجواب:
أما الخبر، قلنا: هو ضعيف في الإسناد فإن مداره على الواقدي وهو ضعيف.
وقد روى أبو داود فلم يذكر قوله: ((صومكم يوم تصومون))، ولأنه ترك لقوله عليه السلام: ((صوموا لرؤيته))، وإذا ترك بدليل آخر فلا يصير صورته شبهة، لأن الصورة لا تصير شبهة عندنا بحال.
وأما سقوط الحد عن الأب لم يكن بقوله: ((أنت ومال لأبيك)) وهذا أيضاً خبر مرسل، وإنما كان ثبوت حقه في مال ولده على ما ذكرنا في النكاح، ولأن قوله: ((أنت ومالك لأبيك)) لم يصير شبهة في سقوط الحد إذا زنا بالبنت.
فإن قالوا: ((الإضافة/ إلى الوالد إضافة كرامة)).
قلنا: صورة اللام للملك، وقد قيل: إن معنى الخبر هو النهي عن صوم يوم الشك.
وأما دليلهم الثاني:
قلنا: هو في حقه من رمضان على الإطلاق من كل وجه، وهذا لأنه تيقن برؤيته قطعاً، ونقول له: إن تيقنت فعليك الكفارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 178
وقوله: ((إنه تفرد من بين سائر الناس)).
قلنا: تفرده جائز بالإجماع، ولهذا المعنى جاز للقاضي أن يقبل وإذا قبل لزم جميع الناس صوم اليوم فصارت هذه المسألة مثل سائر المسائل التي قلناها.
ودعوى الخلل في الدليل باطل، لأن تشكيك المتيقن لا معنى له.
وأما دليلهم الثالث فنقول:
أولاً: لا قضاء، إنا وجد ترك قبول فحسب، ومسألة الرد كذا نقول، وإنما لم تقبل شهادته بعد توبته لمعنى آخر ثم يبطل بما لو شهد أربعة من الشهود على رجل بالزنا ورجم الإمام المشهود عليه، ثم رجع أحدهم فإنه يحد مع قيام القضاء بزناه، بدليل أنه لو قذفه إنسان لا يحد، لأنه محكوم بزناه ولا محيص لهم عن هذا، لأن ما قالوه: إن القضاء انفسخ في حق الراجع وإن كان انفسخ في حق الراجع في تلك المسألة فلم يوجد ههنا في حق الزاني أصلاً، فنقول: لو أن هذا الرائي صام ثلاثين يوماً ولم ير الناس الهلال يجوز له أن يفطر على أصح الوجهين، لكن يفطر في مكان لا يراه الناس، والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 179
(مسألة)
إذا تمضمض الصائم واستنشق ولم يبالغ وسبق الماء إلى حلقه لم يفسد صومه
عندنا.
وعندهم: يفسد.
وكذلك لو أكره على الأكل والشرب أو صب الماء في حلقه لم يفسد عندنا.
وعندهم: يفسد.
لنا:
أنه لو فسد صومه لكان يفسد بوجود المناقض لصومه ولم يوجد، لأن العبادة فعل الكف عن الأكل والشرب ولم يوجد ما ينافي الكف، لأنه كاف عن الأكل والشرب على ما أمر به وإنما وجد سبق الماء إلى حلقه بغير
الجزء: 2 - الصفحة: 180
فعله أو وجد صب الماء في حلقه ولا فعل له في هذا بل يتصور فيما كان نائماً فصب الماء في حلقه.
وعندهم: يبطل صومه في هذه الصورة أيضاً.
وأما إذا أكره على الأكل والشرب فنقول:
فعله وإن وجد لكن جعل فعله كالمعدوم مثلما صار فعله كالمعدوم في حق لحوق الإثم، وصار فعله كالمعدوم فيما لو أكره على إتلاف مال الغير حتى وجب الضمان على المكره دون المكره، فثبت أنه لم يوجد ترك فعل العبادة أصلاً في هذه الصورة كلها، وإذا ثبت أنه لم يوجد ترك فعل الكف، لم يبطل صومه لأنه لو بطل بطل بما قلناه ولم يوجد فلا يبطل ونستدل بالناسي فإنه لا يبطل صومه.
والعذر في هذه المسائل أظهر منه في الناسي، لأن في صورة الناسي قد وجد منه فعل ما يضاد الكف إلا أنه مع نسيان العبادة.
وأما ههنا فلم يوجد منه فعل ما ينافي الكف أصلاً فإذا لم يبطل في الصورة الأولى كذلك في هذه الصورة.
ونظير مسألتنا: إذا طارت الذباب فدخلت حلقه لم يفسد صومه لما بينا.
وأما حجتهم:
قالوا: وصل المغذى إلى جوفه مع ذكره للصوم فوجب أن يبطل صومه.
دليله: المخطئ، وصورة الخطأ في المسألتين المعروفتين وهي أنه لو
الجزء: 2 - الصفحة: 181
تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع ثم ظهر أنه طلع، أو أفطر على ظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب.
وأما الفقه لهم:
هو أنه فات معنى الصوم في هذه المسائل فيفوت الصوم، وهذا لأن قيام الصوم بقيام معناه، فإذا مات معناه لم يتصور بقاءه.
يبينه: أنه لو فاتت صورة الصوم بأن تناول حصاة أو نواة لم يبق الصوم فإذا فات معناه في مسألتنا أولى أن لا يبقى، لأن قيامه بمعناه أكثر من قيامه بصورته.
وإنما قلنا: ((إن معناه فات، لأن معنى الصوم هو الكف عن قضاء الشهوة فإذا حصل قضاء الشهوة وجد الفوات معنى))، وفي هذه المسائل وجد قضاء الشهوة وفات معنى الصوم.
فإن قلتم: ربما كان الفعل تناول لقمة أو تناول حبة حنطة وبهذا لا يحصل قضاء الشهوة.
قلنا: قد وجد من جنس ما يقضي به الشهوة، والمعتبر وجود جنس ما يقضي به الشهوة وإذا وجد يفعله وجد فوات الصوم صورة ومعنى، وإذا وجد لا بفعله وجد فوات الصوم معنى، وإن لم يوجد صورة وفي الموضعين يبطل الصوم.
قالوا: (وأما إذا أكل أو شرب ناسياً فقد وجد ما ينافي الصوم صورة ومعنى إلا أنه بقى الصوم بالنص، وههنا لا نص).
فلو بقي بقي بمجرد الصورة مع فوات المعنى وهذا لا يجوز.
الجزء: 2 - الصفحة: 182
قالوا: وليس كما لو طارت ذبابة إلى حلقه، لأنه لم يوجد فوات الصوم لا صورة ولا معنى، أما الصورة فلأن الحاصل حاصل بغير فعله، وأما المعنى فلأن قضاء الشهوة لم يوجد لأن الذبابة ليست من جنس ما تقضي به الشهوة.
الجواب:
إن قولهم: فات/ الصوم معنى لا نسلم، لأن معنى الصوم وصورته في فعله حتى إن من جاع أو عطش من غير نية منه للصوم لا يقال وجد له معنى الصوم، وكذلك إذا صام ولم يجع ولم يعطش لا يقال لم يوجد له معنى الصوم.
فدل أن معنى الصوم وصورته في فعله، وذلك الفعل هو فعل الكف، وفوات المعنى والصورة في فوات فعل الكف ولم يوجد فوات فعل الكف في المسائل التي اختلفنا فيها فلم يفت الصوم لا صورة ولا معنى على ما ذكرنا.
والحرف إن وجود قضاء الشهوة لا بفعله ساقط ومجعول كالعدم، لأن الصوم لم يكن حصوله لا بفعله بل حصوله بفعله فيكون فواته بفعله.
فإن قالوا: إذا تمضمض واستنشق فقد وجد فعله في سبب سبق الماء إلى حلقه ....... السبق كأنه حصل بفعله مثل ما لو قبل أو أنزل.
قلنا: المضمضة والاستنشاق فعلان مطلقان شرعاً فما يؤديان إليه مما لا فعل له فيه لا يجعل كالحاصل بفعله، كما لو حفر بئراً في ملكه فوقع فيه إنسان، هذا إذا لم يبالغ، أما إذا بالغ فهو فعل محظور فيجعل ما يؤدي إليه كأنه حصل بفعله كما لو حفر بئراً في ملك غيره ثم وقع فيه إنسان.
الجزء: 2 - الصفحة: 183
وأما فصل الناسي فهو لازم على ما سبق.
وقولهم: ((إنه لم يفسد الصوم بالنص)).
قلنا: قد ذكر في النص: ((أن الله تعالى أطعمه وسقاه))، ولما كان الواصل بفعل غيره لم يفسد صومه، فكذلك ههنا وصل الواصل بفعل غيره فلا يفسد أيضاً، وهذا كلام حسن مستخرج من النص فإن قوله عليه السلام: ((فإن الله أطعمه وسقاه)).
يبينه: أن كل ما يحصل من هذا الجنس بفعل غير الصائم لا يفسد صومه.
وقد تعلق الأصحاب بقوله عليه السلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).
الجزء: 2 - الصفحة: 184
ووجه التعلق به ما سبق.
وهم حملوا هذا على الإثم وادعوا أن المقتضى لا عموم له.
ونحن نقول: إن الخبر يقتضي رفع عين ما وقع فيه الخطأ والنسيان فإذا لم يرتفع مشاهدة يرتفع حكماً، وإذا ارتفع حكماً لم يبق له حكم.
وأما فصل الخاطئ فهو خ ارج على ما قلناه، لأنه قد وجد منه فعل ينافي الصوم.
والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 185
(مسألة)
المجنون إذا أفاق في بعض الشهر في رمضان لا يلزمه قضاء ما مضى من الشهر
عندنا.
وعندهم: يلزمه.
لنا:
إن خطاب الإيجاب لم يتناول المجنون في حال جنونه فإذا أفاق فالخطاب في حقه ابتداء إيجاب فلا يتناول الزمان الماضي.
دليله: الصبي إذا بلغ في خلال الشهر فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى من الشهر، كذلك ههنا، ثم الدليل على أن الإيجاب بخطاب الشرع أن
الجزء: 2 - الصفحة: 186
هذه عبادة من العبادات السمعية فلا تجب إلا بسمع ولا سمع إلا بخطاب الشرع، ولأنه لا دليل يدل على الوجوب سوى الخطاب.
أما العقل فليس فيه دليل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج على هذا الوجه، وكذلك في سائر العبادات.
وأما دخول وقت الظهر، ووجود المال، وشهود الشهر ووجود البيت، فليس في ذلك إلا وجود وقت أو وجود مكان وليس في الأوقات والأمكنة ما يدل على وجوب واجب فلم يبق سوى خطاب المعبود عبادة بفعل العبادة، وهذا أقوى دليل يوجد، لأن المال له حق استعباد مماليكه لقضاء حقوقه وأداء حق عبوديته، وهذه الأوامر من الاستعباد، وللمالك حق تصريف عبده في عبوديته.
يدل عليه: أن أصل الإيمان يجب بخطاب الشرع، فكذلك فروعه وشرائعه، فدل أن الوجوب بخطاب الشرع ولا خطاب على المجنون بدليل قوله عليه السلام: ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى يفيق))، لأن المجنون ليس من
الجزء: 2 - الصفحة: 187
أهل الخطاب لأنه لا يعقل الخطاب فيصير خطابه بمنزلة خطاب البهائم فيكون سفهاً وعبثاً.
والحرف أن الخطاب بالفعل إنما يصح مع من هو أهل الفعل، والخطاب بالعبادات خطاب بفعل العبادات بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقال الله تعالى في الصوم: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أمر بالفعل، وكذلك الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ ...﴾، معناه فعل الحج، وإذا كان خطاباً بفعل العبادة فمن لا يكون من أهل فعل العبادة لا يتصور معه خطاب فعل العبادة.
وأما حجتهم:
قالوا: (الجنون آفة معجزة عن فهم الخطاب، فلا ينافي وجوب الصلاة والصوم ولا صحة الأداء إذا تصور كالنوم والإغماء، وهذا لأن وجوب هذه العبادات بأسباب متحققة في حق الناس أجمع كالشهر للصوم، والوقت للصلاة، والمال للزكاة).
والدليل على أن الوجوب بهذه الأسباب: أن هذه الأحكام مضافة شرعاً إلى هذه الأسباب، والإضافة المطلقة دليل على/ أن الوجوب بها.
الجزء: 2 - الصفحة: 188
يبينه: أن الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ واللام في مثل هذا تذكر للتعليل، كما قال: اضربه لأنه لص، وتوضأ للصلاة، وتأهب للشتاء.
ويدل عليه: أن الوجوب يتكرر بتكرر هذه الأسباب، والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، وتكرار الشرط لا يوجب تكرر الحكم، فدل أن التكرار إنما كان لأن السبب تكرر والأصل أن السبب إذا تكرر فلابد من تكرر المسبب ويصير وجوده ثانياً وثالثاً مع وجوده أولاً مثل تكرر القتل واليمين وتكرر سائر الأسباب الموجبة للأحكام، (وهذه أسباب متحققة بنفسها فينفذ حكمها وهو الوجوب على من هو أهل له، والآدمي يصير أهلاً للوجوب عليه بالذمة، والذمة لا تختل بالجنون فإنه يلزمه حقوق الناس ولا تبطل حقوقه لكن الأداء شرط وهو القدرة، ويكون وجوبه بالخطاب، وأمر الشرع لا يجب على العاجز والذي لا يفهم الخطاب، لأن الخطاب لا يصح في حق من لا يفهم، وهذا كالنائم تلزمه العبادات ولا يلزمه الأداء حتى لو مات، كذلك لا يؤاخذ به، ومثاله: ابن السبيل تلزمه الزكاة في المال الذي خلفه في بلده ولا يلزمه الأداء لأن الوجوب بملكه القائم وهو ثابت، والأداء باليد ولا يد، وهو كالبائع يقول للمشتري: اشتريت فأد الثمن، فالأداء يلزمه بالأمر والوجوب بالشراء).
(ولا يلزم إذا استغرق الجنون الشهر، لأن القضاء إنما يسقط بسبب الحرج، لأن الجنون مما يمتد كالصبا) وقد يقصر كالإغماء فلا بد من
الجزء: 2 - الصفحة: 189
فارق بين المديد والقصير (فاعتبر أصحابنا في الفارق بين المديد والقصير بالشهر، لأنه وقت كل الصوم وبعده إنما يوجد التكرار والتضاعف، واعتبروا في الصلاة ست صلوات، لأن وقت كل الصلاة يوم وليلة وهو قصير في نفسه فقدروا تعدد الصلاة واعتبروا أن يدخل في حد التكرار والتضاعف)، وإذا ثبت هذا فنقول:
إذا استوعب الجنون كل الشهر ألحق بالصبي لأنه قد امتد وطال فلو لم تسقط العبادة عنه لتضاعف القضاء عليه وحرج فسقط بسبب الحرج، ولهذا سقط بسبب الصبا، لأنه يطول فلو أوجبنا القضاء بعد البلوغ أدى إلى حرج عظيم.
قالوا: (وأما الكافر إذا أسلم إنما سقط عنه القضاء بعد الإسلام بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولأن الكافر ليس له أهلية وجوب العبادات)، لأنه ليس من أهل موجبها على ما ذكروا في أصول الفقه، وفي موضع آخر.
فأما المجنون من أهل العبادات وجوباً، لأنه من أهل الجنة ولأنه يبقى له الإسلام وسائر العبادات بعد الجنون لينال بها الثواب في الآخرة بخلاف الكافر.
قالوا: وإذا ثبت هذا الأصل فنقول:
(إذا حن الصائم في خلال اليوم صح يومه، لأن الركن بعد النية ترك المفطرات في اليوم، وأنه متصور من المجنون، كما هو متصور من العاقل
الجزء: 2 - الصفحة: 190
ولما تصور الركن وهو بالجنون لم يخرج من أهلية العبادة صح الصوم منه كما يصح من النائم والمغمى عليه.
والدليل على أنه لم يخرج من أهلية العبادة أنه مؤمن والمؤمن من أهل تعبد الله تعالى، ولأنه أهل الجنة، والجنة جزاء العبادة) فإذا كان من أهل موجب العبادة كان من أهل العبادة.
قالوا: وكذلك إذا أفاق في بعض الشهر وجب عليه قضاء ما مضى لما بينا أن الوجوب قد سبق، والجنون إنما تأثيره في منع خطاب الأداء وتأخير خطاب الأداء غير مانع من الوجوب، لأن خطاب الأداء يجوز أن يتأخر عن الوجوب كما بينا في المغمى عليه والنائم، وكذلك الحائض في حق الصوم، وهذا لأن الوجوب يستدعي فائدة ليتحقق في نفسه.
وخطاب الأداء سواء اتصل بزمان الوجوب أو تأخر فالفائدة قد تحققت واستقام تحقيق الوجوب مع تأخر خطاب الأداء ثم أفاق وقدر على الأداء فالآن يتوجه خطاب الأداء للواجب السابق بمنزلة المغمى عليه سواء.
هذه جملة كلامهم في هذه المسألة ذكرناها مع زيادة بسط، لأنه كلام يحتاج إليه في هذه المسألة، ويدخل أيضاً في مسائل كثيرة فاحتاج إلى زيادة بسط وشرح ليوقف على حقيقته.
قالوا: (وأما الخبر فهو حجة عليكم، لأنه جمع بين الصبي والمجنون والنائم وأثبت فيهم رفعاً واحداً فيجب أن يكون حكمه فيه متفقاً ثم النوم أخر الأداء حتى لم يأثم بتركه ولم يسقط أصل الوجوب فكذلك الصبي والمجنون).
الجزء: 2 - الصفحة: 191
قالوا: وأما في حق الصبي فأهلية الوجوب في حقه موجودة بوجود الذمة إلا أن الصبا مما يمتد فصار الصبا عذراً مسقطاً للوجوب لئلا يحرج الصبي في القضاء بعد القدرة والبلوغ، فصار سقوط الوجوب/ عن الصبي بدلالة أخرى.
قالوا: ونحن لا ننكر أن يسقط الوجوب بعد وجود السبب والأهلية بدليل آخر.
الجواب:
أنا بينا أن الوجوب بخطاب الشرع هذا هو محز الكلام ومفصل الخصام وقد دللنا عليه.
يدل عليه: أن هذه الأسباب قد كانت ولا وجوب أن بالخطاب وجبت العبادات.
يبينه: أن هذه العبادات ما عرفت واجبة إلا بخطاب الشرع فكيف يقال إنها لم تجب بخطاب الشرع؟ لكن خطاب الشرع وجد عقيب هذه الأسباب فصارت هذه الأسباب علامات وأمارات للوجوب بخطاب الشرع، وأيضاً فإن العبادات في الابتداء لا تجب على من لم يبلغه الخطاب وهو الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، ولو كان الوجوب بوجود الأسباب دون الخطاب لوجبت عليه العبادات، وهذا حرف معتمد، فإن البلوغ شرط الوجوب، والمجنون لا يتصور بلوغ الخطاب إليه، لأنه ليس في نفسه بأهل معرفة الخطاب.
الجزء: 2 - الصفحة: 192
واعتذر أبو زيد عن هذا الفصل وهو اعتبار البلوغ في الابتداء في الأسرار قال: نحن إنما جعلنا هذه الأشياء أسباباً للوجوب بجعل الله تعالى إياها أسباباً وقد ورد خطاب الشرع بجعل هذه الأسباب أسباباً غير أن شرع الخطاب والعلم به شرط، (لأنه أوسع للامتثال قبل العلم ولا علم للناس قبل البلوغ، فإذا انعدم العلم لخفاء الخطاب من قبل الله تعالى، أو لم يظهره بعد لم يلزم الناس، فأما بعد الظهور فالخفاء على البعض غير معتبر لسقوط الحكم عنه، لأن التبليغ إلى كل شخص متعذر على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم يجب تبليغه إلى كل أحد وتعلق صيرورته سبباً موجباً بوجود الإظهار في الناس حتى يصير بحيث يوجد في الناس وقام ذلك مقام البلوغ عاماً).
واعتذروا عن مسألة الحربي إذا أسلم في دار الحرب وقالوا: إنما سقط عنه الوجوب أيضاً دفعاً للحرج، لأن مقامه في دار الحرب قد يطول ولا يجد من يوقفه على العبادات فلو وجبت عليه من غير علم اجتمعت عليه عبادات كثيرة، ويقع في حرب عظيم لقضائها فسقط الوجوب دفعاً للحرج حتى لو أسلم في دار الحرب ومضت عليه أيام ولم يشعر بوجوب العبادات عليه وجب القضاء عليه، لأنه لا يؤدي إلى الحرج فإنه يجد من يوقفه عليها ويعلمه إياها.
والجواب عن كلام الكلامين سهل.
وقد ثبت أن بلوغ الخطاب شرط الوجوب باعترافهم بذلك ولا بلوغ في حق المجنون.
الجزء: 2 - الصفحة: 193
وقولهم: ((إنه لا يعتبر ظهور الخطاب في الناس)).
قلنا: يجوز أن يقال هذا فيمن هو محل البلوغ إلا أنه لم يبلغه لما ذكروا أن التبليغ إلى كل أحد حرج.
فأما من ليس بمحل البلوغ ولا هو من أهل الخطاب فلا يجوز إثبات الوجوب في حقه، لأن من هو من أهل الخطاب ومحل البلوغ يجوز أن يجعل الخطاب كأنه قد بلغه دفعاً للحرج.
فأما من هو بمنزلة بهيمة في الخطاب ولا يتصور أن يبلغه محسوساً لا يجوز أن يجعل في حقه بمنزلة الواصل البالغ والمجنون بهذه المنزلة.
وأما الحرج الذي يعتمدون عليه في دفع المسائل الإلزامية، ففي نهاية الضعف، لأن الشرائع بنيت على الحرج، وما من تكليف إلا وفيه حرج فلا يجوز أن يجعل هذا أصلاً لإسقاط الواجبات عند وجوده، وإثبات الواجبات عند وجوده وإثبات الواجبات عند انتفائه.
وأما الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
معناه أنه لم يوجب على عباده شيئاً لا سبيل لهم إلى الخروج عنه وهو منى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وأما استدلالهم في أن الوجوب بالأسباب لأجل ورود الشرع بالإضافة المطلقة.
قلنا: الإضافات للإعلام، ونحن لا ننكر أن هذه الأوقات والأمكنة
الجزء: 2 - الصفحة: 194
علامات للوجوب بإيجاب الله تعالى فكانت الإضافة مشعرة بمجرد الإعلام.
وأما التكرار بتكرار الأسباب فنقول:
إن الأمر قد يفيد التكرار عند اقتران دليل به يوجب التكرار وإنما قالوا: إن الأمر المطلق الخالي عن قرينة لا يفيد التكرار، فأما لم يقل أحد إنه لا يجوز أن يكون مفيداً للتكرار عند اقتران دليل به فوجب التكرار، وهذه الواجبات المتكررة من هذا النمط.
وأما قولهم: ((إن الوجوب يحصل بوجود هذه الأسباب والخطاب بالأداء يتأخر)).
فنقول: ليس أصل الإيجاب إلا بخطاب الأداء، لأن الإيجاب لابد وأن يلاقي شيئاً وليس يلاقي إلا الفعل، فكيف يتصور أن يفصل الوجوب عن خطاب الأداء؟
والدليل عليه: أنا إذا تأملنا في خطاب الشرع لم نرها إلا خطابا بالفعل مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
فدل أن الوجوب ليس إلا إيجاب الفعل إلا أنه يتضيق مرة ويتسع أخرى ويطلق له التأخير بعذر.
الجزء: 2 - الصفحة: 195
وأما مسألة الإغماء والنوم فنحن لا نقول إن/ الخطاب متوجه عليهما في حال الإغماء والنوم بل يتوجه بعد الإفاقة والانتباه، وكذلك الحائض في حق الصوم، وهذا لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد.
فإن قالوا: ((قد سمي قضاء فلابد من وجوب سابق)).
قلنا: لفظ القضاء والأداء في المعنى واحد على ما عرف، ولأنه سمى قضاء ليقوم هذا الفعل مقام من فعل هذا الواجب في قوته المسمى ويلتحق به حكماً.
فأما أن يكون لما قلتم فلا، وعلى هذا الأصل نقول:
إذا نوى الصوم ثم طرأ الجنون في بعض اليوم بطل صومه، لأن الأهلية تفوت بالجنون ولا يجوز وجود الصوم من الإنسان مع فوات الأهلية.
وأما عندهم: لا يبطل صومه، لأن بطريان الجنون لا تفوت الأهلية والكلام في الجانبين قد سبق بيانه، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 196
(مسألة)
صوم التطوع لا يلزم بالشروع
عندنا.
وعندهم: يلزم بالشرع.
وفائدته: أنه لا يجب عليه عندنا أن يمضي فيه لكن يستحب له ذلك، ولو أفسده لم يجب عليه القضاء.
وعندهم: يلزمه أن يتمه ولو أفسده وجب عليه القضاء.
الجزء: 2 - الصفحة: 197
لنا:
حديث سماك بن حرب عن ابن أم هاني عن أم هاني قالت: ((كنت قاعدة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتى بشراب فشرب منه ثم ناولن فشربت منه، فقلت: إني أذنبت فاستغفر لي، فقال: ما ذاك؟ فقلت كنت صائمة فأفطرته، قال: أمن قضاء كنت تقضينه؟ قلت: لا، قال: فلا يضرك إذا)).
رواه أبو عيسى في جامعة بهذا الإسناد، قال: ((وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وعائشة)).
وروى هذا الحديث من وجه آخر عن أم هاني أن النبي عليه السلام
الجزء: 2 - الصفحة: 198
قال: ((الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر)).
وروى أبو عيسى أيضاً بطريق بشر بن السري عن سفيان عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني فيقول: ((عندك غداء؟، فأقول: لا، فيقول: إني صائم، قالت: فأتاني يوماً، فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هي؟ قلت: حيس، قال: أما إني أصبحت صائماً، قالت: ثم أكل)).
قال: ((وهذا حديث حسن))، وفي إسناد الخبر الأول مقال.
الجزء: 2 - الصفحة: 199
وروى أبو داود الخبر الأول من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الله ابن الحارث عن أم هاني ... وذكر في آخره: ((ولا يضرك إن كان تطوعاً)).
وذكر الخبر الثاني، وقال فيه: ((وقال طلحة بن يحيى: وأصبح صائماً وأفطر)).
وروى الدارقطني الخبر الثاني برواية الثوري عن طلحة بن يحيى، ثم قال: ((إسناد هذا الخبر صحيح)).
وأما تعلقهم بالحديث الذي رواه جعفر بن برقان عن الزهري
الجزء: 2 - الصفحة: 200
عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدرتني حفصة وكانت بنت أبيها، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعاماً فاشتهيناه فأكلنا منه، فقال: اقضيا يوماً مكانه)).
وتعلقوا بالخبر الذي رواه الدارقطني بإسناده عن محمد بن عمرو ابن العباس الباهلي عن سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((إني أريد الصوم وأهدى لي حيس، فقال: إني آكل وأصوم يوماً مكانه)).
وروى أيضاً بإسناده عن إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد
الجزء: 2 - الصفحة: 201
الخدري طعاماً فدعى النبي عليه السلام وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((صنع لك أخوك وتكلف لك أخوك، أفطر وصم يوماً مكانه)).
XXX الأخبار ضعيفة.
أما الخبر الأول: فقد رواه ومعمر وعبد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلاً، وهذا أصح، لأنه روى عن ابن جريج قال: سألت الزهري فقلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع عن عروة ولكن أخبرني به رجل على باب سليمان ابن عبد الملك عن عروة).
وقيل: أسنده زميل مولى عروة بن الزبير وهو مجهول.
وقد حمل الأصحاب أمر النبي عليه السلام في هذا الخبر على الندب.
وأما الخبر الثاني: قال الدارقطني: ((تفرد بروايته على الوجه الذي قالوا- محمد بن عمرو بن العباس الباهلي- ولم يتابع عليه،
الجزء: 2 - الصفحة: 202
وخالفه الثقات ولعله شبه عليه))، والأصح من الخبر هو الرواية على الوجه الذي قدمنا.
وأما الخبر الثالث: فإنما هو مرسل، فإن إبراهيم بن عبيد لم يلق أبا سعيد، والمرسل لا يكون حجة، وأما الكلام من حيث المعنى نقول: هو بالإفطار تارك للتطوع فلا يجب عليه شيء.
دليله: إذا ترك في الابتداء، وإنما قلنا: إنه تارك، لأن الصوم هو فعل الكف والإمساك عن الأكل والشرب فإذا أكل أو شرب فقد ترك فعل الصوم فثبت أنه لم يوجد منه إلا/ مجرد الترك لصوم التطوع.
ويدل عليه: أن مباشرة التطوع ليس له حكم سوى صحته شرعاً، فأما اللزوم فليس عليه دليل، لأن اللزوم إنما يكون بإلزام الشرع أو بالتزام العبد ذلك ولم يوجد واحد منهما، وإنما هو متبرع، فنهاية ما فيه أن تصح مباشرته لذلك بقدر تبرعه.
فأما الذي لم يباشر فبقى على العدم ولم يتصل به التزام من قبله ولا إلزام من قبل الشرع، ولا اتصل به أيضاً مباشرة من قبله فصار الباقي في حقه بمنزلة الجميع إذا لم يباشر شيئاً منه فلم يجب عليه مباشرة صوم بقية اليوم عليه لما لم يكن واجباً عليه فعله من الصوم في أول اليوم، فصار الحرف لنا: أن ما بقى من صوم اليوم له حكم ما مضى فإذا لم يكن لما مضى حكم سوى الصحة ولم يقض بوجوبه عليه بل قبل كان متبرعاً
الجزء: 2 - الصفحة: 203
بفعله إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله فكذلك في الباقي من اليوم يكون حكم صومه كذلك.
فإن قالوا: ((إن عندنا إذا وجد شروعه يجب عليه صوم جميع اليوم)).
قلنا: يلزمكم الجزء الأول من الصوم، ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن واجباً عليه، فكذلك سائر أجزاء الصوم، ولما كان إليه في الجزء الأول، فكذلك يكون الخيار إليه في الباقي من اليوم، لأن الكل صوم تطوع فيكون حكم الكل واحداً.
وأما حجتهم:
قالوا: الصوم عبادة يلزم بالنذر، فيلزم بالشروع.
دليله: الحج، وألزموا الحج على جميع ما قلنا.
قالوا: وأما قولكم: ((إن الحج لا يمكنه الخروج عنه)).
قال: ليس كذلك، فإن بالإفساد قد خرج عن الحج الصحيح، وإنما بقى في حج فاسد ووجوب القضاء بفوات الصحة، وهي مثل أصل الصوم في مسألتنا، وعلى أنه وإن لم يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل لكنه قد أدى الحج بأفعاله المعهودة، فالحج الذي لا يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل، وقد فعله فلماذا يجب عليه القضاء؟ وحين وجب دل أنه إنما وجب أن الشروع سبب ملزم بمنزلة النذر، وقد قرنوا الشرع بالنذر.
قالوا: قد اتصل عزيمة الفعل بالشروع، لأنه لا يشرع في صوم النفل إلا وهو على عزيمة إتمامه وإكماله.
والعزيمة مشعر بوجوب المعزوم عليه، ولهذا قال: أعزم أو أعزم بالله
الجزء: 2 - الصفحة: 204
يكون يميناً قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ معناه حق ووجب.
ويقول الإنسان لغيره: عزمت عليك لتفعلن- أي أوجبت- فأشبه النذر الذي هو صريح الالتزام.
وأما المعتمد في المسألة من حيث المعنى أن إبطال العبادة محظور بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ولأن من فعل فعلاً بطلب رضا معبوده ثم قصد إبطاله فقد تعرض لسخط ربه، وإذا ثبت أن إبطال العبادة محظور فنقول: ما مضى من الصوم في اليوم عبادة، لأنه فعل الصم قطعاً، وكذلك إذا شرع في صلاة النفل هو فعل الصلاة قطعاً، وهذا لأن الإمساك من أول النهار إلى آخره فعل الصوم وإن كان تمامه آخره، وكذلك أداء الصلاة من أولها إلى آخرها فعل الصلاة وأن تمامها بتمام الأفعال.
وإذا ثبت أنه فعل الصوم فيكون عبادة، لأن فعل العبادة عبادة، وإذا كان عبادة حرم إبطالها ووجب حفظها ذلك بفعل الباقي من الصوم، لأنه إذا لم يفعل ذلك كان مبطلاً لما مضى من الصوم، وقد بينا أنه محظور فلزم فعل الباقي لهذا الوجه وإذا لزم فإذا تركه وجب قضاؤه وأشبه المنذور الذي قدمنا.
قالوا: وليس كما لو شرع في الصوم على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه، لأن الشروع إنما يكون ملزماً إذا لاقى غير واجب مثل النذر إنما يكون ملزماً إذا لاقى غير لازم، وإذا شرع على ظن أن المشروع فيه
الجزء: 2 - الصفحة: 205
عليه فشروعه لاقى واجباً عليه، لأن المعتبر ما عنده لا ما عند الله تعالى، ألا ترى أن من كان عنده أنه لم يصل الظهر وقد صلى ونسى فإنه يلزمه فعله ولو لم يفعل يأثم ويحمل وزره وبمثله لو لم يكن فعله وكان عنده أنه فعله لم يكن عليه شيء بتركه.
وإذا ثبت أن الشروع لاقى واجباً عليه لم يكن ملزماً مثل ما لو نذر أن يؤدي شيئاً واجباً عليه وعنده أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه يبطل نذره وإذا تبين أن الشروع ليس بملزم وتبين أنه ليس عليه لم ينقلب نذره ملزماً، وكان القياس الأصلي يقتضي أن يرتفع صومه أصلاً إلا أن الله تعالى تفضل ومن عليه بأن لم يبطل عليه صومه وجعله له نافلة، وليس من مقتضى التفضل والمنة أن يلزمه ما لم يلتزمه فلم يكن له حكم سوى حصوله فإن مضى عليه تم الحصول، وإن أفسده لم يكن عليه شيء، لأنه لم يوجد سبب يوجب عليه شيئاً.
أما ههنا وجد سبب الوجوب على ما سبق.
قالوا: وليس يلزم على هذا العذر إذا شرع في الحج على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه فإن/ هذا لا يوجد في الحج، فإن الحج يحتاج إلى مشقة شديدة وقطع مسافة بعيدة وتدخل فيه مدة مديدة فيبعد أن يشتبه عليه أنه فعل الحج أو لم يفعل، ولئن وجد فهو نادر، والنادر لا يلتفت إليه.
وقد منع بعضهم جانب الصوم وقال: إذا شرع فيه على ظن أنه عليه ثم تبين خلافه يلزمه مثل الحج، وليس بمذهب، والصحيح ما قالوا.
هذا جملة كلامهم، ونهاية تحقيقهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 206
الجواب:
أما التعلق باللزوم بالنذر ففي غاية الضعف، لأن النذر التزام.
وأما الشروع فليس بالتزام إنما هو مجرد مباشرة الفعل فلا يدل اللزوم بالالتزام على اللزوم بالمباشرة، لأن الالتزام إذا صح شرعاً اقتضى اللزوم فإن ما صح شرعاً صح بمعناه ومعناه اللزوم.
فأما المباشرة المطلقة شرعاً فنهاية ما تقتضيه هو الصحة شرعاً ولا جرم.
قلنا: هو صحيح، فأما لزوم ما يفعله فليس يدل عليه الشروع بحال.
يبينه: أن النذر ما لم يلاق جميع اليوم لا يظهر في اليوم حكم النذر فكذلك الشروع ما لم لا يلاق جميع اليوم وجب أن لا يظهر فيه حكم المباشرة وذلك بأن يتم صوم جميعه.
وأما قولهم: (بأن العزيمة تدل على الإيجاب)).
قلنا: لا يدل، لأنه عزم أن يفعل، والعزم لا يوجب شيئاً كما لو عزم أن يصلي كذا ركعة أو يصوم كذا يوماً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به)).
والعزائم موضوعة من العباد فضلاً من الله تعالى ورحمة، وإنما الأحكام مبنية على أقوالهم وأفعالهم، وهذا لأنه يجوز أن يقصد فعل شيء ولا يفعله، كما يجوز أن يفعل شيئاً ثم يتركه، فلا يدل العزم على وجوب المعزوم عليه، كما لا يدل الفعل على وجوب المفعول.
وأما قولهم: ((إن إبطال العبادات لا يجوز والذي فعله من صوم بعض النهار عبادة)).
الجزء: 2 - الصفحة: 207
قلنا: يجوز أن يقال إن عبادة الصوم لا توجد إلا بعد إتمام اليوم والكلام في عبادة هو صوم، وهذا كمن أخرج الدراهم من صندوقه أو كيسه بنية الصدقة وقال للفقير: تصدقت بها عليك، فإن هذه عبادة وطاعة ولكن لا يلزم به شيء، لأنه إنما يصير عبادة الصدقة إذا وصل إلى الفقير، كذلك ههنا إنما تصير عبادة الصوم إذا أتم صوم اليوم فعلى هذا يكون المفعول من إمساك بعض اليوم موقوفاً فإن أتم اليوم يكون صوماً وإلا لمن يكن صوماً، وهذا الجواب إنما يمكن تمشيته جدالاً لا تحقيقاً لأن فعل الصوم منه موجود، وكيف لا يكون فاعلاً للصوم حقيقة وهو مأمور به وإذا لم يكن صوماً في الحال لا ينقلب صوماً في باقي الحال، نعم يجوز أن يقال: ليس بصوم تام، وإنما يتم بتمام جميع النهار.
والمعتمد من الجواب أن هذا ليس بإبطال بل هو ترك لفعل الصوم في المستقبل وله ذلك كما في الابتداء.
وأما بطلا ما فعله فليس بإبطاله إنما يبطل حكماً، لأن الشرع لم يقبل صوم بعض اليوم بحال فبطل هذا لإبطاله، ويقال أيضاً: المفعول نفل فحفظه لا يزيد على درجة الأصل فإذا لم تكن لأصله درجة سوى الاستحباب فكذا بحفظه.
ونحن نقول: إنه يستحب له أن لا يبطل صومه كما يستحب له فعله في الابتداء.
وأما وجوب حفظه، فساقط كما سقط في الابتداء وجوب فعله والأول أولى، وأما الصوم المظنون فلازم.
وقولهم: ((إنه حصل النفل بطريق التفضل والمنة)).
الجزء: 2 - الصفحة: 208
قلنا: كل الأشياء بمنة من الله تعالى إلا أن الصوم حاصل له بفعله، لأنه لا يتصور حصوله بغير فعله، وإذا حصل بفعله فوجب أن يكون فعله موجباً عليه الصوم على ما قلتم في صوم النفل ابتداء ثم فصل الحج داخل على عذرهم.
وقولهم: ((إنه نادر في الحج)).
قلنا: وهو نادر أيضاً في الصوم.
وأما فصل الحج الذي قاسوا عليه.
قلنا: الفرق بالمظنون صحيح، ولا عذر لهم يصح عنه أصلاً.
وأما من حيث المعنى فوجه العذر عنه أن الحج عبادة لازمة شرعاً بدليل أنه إذا دخل فيه لم يجز له الخروج عنه إلا بطريق مخصوص، وذلك الطريق هو بفعل الأفعال المعهودة فإذا فعلها على الفساد جعل كالعدم فيلزمه أن يأتي مثلها صحيحاً شرعاً ليخرج عن ما لزمه شرعاً، وذلك بأن يأتي بها بإحرام جديد، لأن الإحرام قد فسد، والمبتنى عليه فاسد والخروج بالفاسد كان لضرورة إذ لم يخرج بالفاسد لبقى فيه أبداً فحكم بخروجه بما فعله من الأفعال على وصف الفساد للضرورة ولم يسقط الأمر بالخروج بالأفعال الصحيحة بإحرام صحيح فلزمه استئناف الإحرام وفعل الأفعال على وجه الصحة ليخرج على موجب الشرع وقضيته.
فهذا هو وجه الجواب عن الحج.
وأما الصوم فليس بلازم شرعاً، وليس فيه دليل على اللزوم بوجه ما على ما سبق.
والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 209
(مسألة)
إذا نذر أحد يومي العيد أو أيام التشريق لم يصح نذره
عندنا.
وعندهم: يصح نذره، ويصوم أيام أخر بعد هذه الأيام، وإن صام هذه الأيام خرج عن موجب نذره.
لنا:
إنه أضاف النذر إلى غير محله فيبطل، كما لو نذر صوم الليالي بدل الأيام.
وإنما قلنا: ((إنه أضاف النذر إلى غير محله))، لأن المنذور هو الصوم وهذه الأيام ليست بمحل الصوم والدليل على أنها ليست بمحل الصوم أنه لا يحل صومها، ولو صام كان صومه معصية ولو كان الأيام محل الصوم لجاز صومه طاعة، ولم يتصور أن يكون معصية، لأن فعل الصوم في محل الصوم من أهل الصوم يكون قربه فيستحيل أن يكون معصية.
ثم الدليل على ما قلنا أن الصوم عقد شرعي فلا يكون صحيحاً إلا بالشرع والشرع في الصوم هو الإيجاب مرة، والاستحباب أخرى وليس
الجزء: 2 - الصفحة: 210
له رتبة دون هذا ولا إيجاب في صوم هذا اليوم ولا استحباب بل هو منهي عنه بالنص الثابت فانتفى الشرع في صوم هذه الأيام بالكلية وإذا لم يكن مشروعاً بوجه لم يكن الفعل صوماً أصلاً، لأن ما ثبت بالشرع لا يتصور صحته بدون الشرع.
وأما وجه تقريب هذه الأيام بالليالي هو أن هذه الأيام أيام الأكل بنص الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال: ((إنها أيام أكل وشرب)).
كالليالي زمان الأكل بنص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ...﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ....﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 211
فثبت أن أحد الزمانين كالآخر فإذا لم يصح النذر في أحدهما لا يصح في الآخر.
فإن قالوا: ((إن أيام رمضان متعينة للصوم بالنص ومع ذلك تقبل ضده وهو الفطر)).
قلنا: نعم، متعبنة للصوم لكن فعلاً فإذا لم يفعل لم يتصور الصوم.
وأما هذه الأيام متعينة للأكل إلا من حيث الفعل بدليل أنه لو لم يأكل فيها شيئاً لا حرج عليه مثل الليالي سواء، وإنما معنى تعيينها للأكل هو نفي الصوم عنها، بدليل أنه لا يأثم إلا عند الصوم مثل أيام رمضان متعينة لفعل الصوم فيها بدليل أنه ما لم يترك فعل الصوم لا يأثم فكما أن تعين أيام رمضان للصوم فعلاً يمنع خروجها عن محلية الصوم، فكذلك تعين هذه الأيام للأكل يمنع ثبوت محلية الصوم لها.
أما حجتهم:
قالوا: يوم، فيكون محلاً للصوم.
دليله: سائر الأيام.
واستدلوا في هذه الأيام محل الصوم بالنص والمعنى:
أما النص فلأن النبي عليه السلام نهى عن صوم هذه الأيام، والنهي عن الشيء دليل على تكونه، ألا ترى أنه لا يقال للأعمى لا تبصر وللآدمي لا تنظر، لأنه لا يتصور منهما ذلك، ولأن النهي طلب الانتهاء والأمر طلب الفعل فصارت قضية الأمر ليصير الشيء حاصلاً بفعله، وصارت قضية النهي ليصير الشيء منعدماً بكفه وتركه.
فإذا قلنا: إنه لا يكون محلاً للصوم لم يكن لانعدامه بفعله وكفه.
الجزء: 2 - الصفحة: 212
وأما المعنى: فلأن اليوم إنما صار محلاً للصوم، لأنه بياض نهار.
والدليل عليه: أن الصوم عبادة كف النفس عن قضاء الشهوات وإنما يكون عبادة بالكف عن قضاء الشهوات في زمان قضاء الشهوة والنهار زمان قضاء الشهوة، فأما الليل هو زمان الاستراحة ولأن العبادة عبادة مخالفة النفس الأمارة بالسوء، ومخالفة النفس بفعل على خلاف العادة أو بكف خلاف العادة، وذلك بكون وجوده في النهر دون الليالي.
فثبت أن ما به صار الصوم صوماً موجود في هذه الأيام إلا أنه نهى عن الصوم فيها لمعنى في غير الصوم وهو تحقيق إجابة الداعي فإن الناس أضياف الله تعالى في هذه الأيام، وقد دعاهم إلى الأكل لتحقيق الضيافة ونهاهم عن الصوم لتحقيق الإجابة وإذا كان النهي لمعنى في غيره لم يوجب فوات الصوم أصلاً أو خروج الأيام عن محلية الصوم، وهذا كالصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع وقت النداء، والطلاق زمان الحيض، والإحرام وقت الوطء.
قالوا: وقولكم: ((إن الصوم في هذه الأيام معصية)).
قلنا: بلى، ولكن معصية لغيرها لا لعينها مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع وقت النداء إذا كانت معصية لغيرها لا لعينها لم يوجب ذلك انتفاء الصحة مثل هذه المسائل.
وربما يقولون: الصوم في هذه الأيام مشروع بأصله لا بوصفه، ومعنى قولنا: ((مشروع بأصله)) لأنه مشروع من حيث أن اليوم يوم.
ومعنى قولنا: ((إنه غير مشروع بوصفه)) فإنه غير مشروع من حيث أن اليوم يوم عيد أو يوم فطر وأكل، والعيد وصف اليوم، إلا أنه وصف لا يزايل اليوم فمن حيث أنه وصف العيد كان الصوم غير مشروع فصار فعله معصية، واتصف بالحظرية والقبحية ومن حيث أصل الصوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 213
قلنا: يكون محل ........ عذراً له فيصح/ نذره وإن أضاف النذر إليه.
يبينه: أن عندنا إنما يصح نذره من حيث أصله لا من حيث وصفه، وليس كما لو شرع في صوم هذه الأيام، لأن الشروع إنما يوجب الصوم بدليل المنع من إبطاله شرعاً، والصوم في هذه الأيام لما كان قبحاً محظوراً أطلق له تركه ولم يجب حفظه ففات المعنى الموجب فلم يجب.
وأما النذر فهو واجب بالالتزام، والالتزام قد وجد من أهله في محله، أما الأهلية معلوم، وأما المحلية لما سبق من قبل.
قالوا: وأما إذا شرع في الصلاة في الأوقات المنهية فإنما لم تجب، لأن سبب الوجوب هو الشروع، والشروع بالتكبير والتكبير ليس من الصلاة التي نهى عنها فلزمت الصلاة به، وههنا نهى عن الصوم والشروع في الصوم صوم فلم يكن الشروع موجباً لورود النهي، ولا يكون موجباً عندنا لا لعينه بل بواسطة وجوب حفظه فإذا لم يجب حفظه، لأنه منهي عنه لم يكن سبباً للوجوب.
قالوا: وأما إذا قضى يوماً في هذه الأيام إنما لم يجز، لأنه لما كان مشروعاً بأصله دون وصفه كان الصوم فيه ناقصاً، والواجب عليه من القضاء واجب كامل فلم يتأد الكامل بالناقص إلا أن في مسألتنا إذا صام هذه الأيام إنما خرج عن موجب النذر، لأنه قد أضاف الصوم إليها والخروج لحق الإضافة.
قالوا: وليس كما لو نذرت أن تصوم يوم حيضها، لأن اليوم هناك قابل للصوم إلا أن فساد النذر في هذه الصورة إنما كان، لأن الناذر ليس
الجزء: 2 - الصفحة: 214
بأهل للصوم فإن طهارتها عن حدث الحيض شرط لتصير أهلاً لفعل الصوم مثل طهارة الرجل عن الحدث شرط ليصير أهلاً لفعل الصلاة.
وقد استدل بعض مشايخهم على كون هذه الأيام محل الصوم: بأن تخللها في صوم شهري التتابع يقطع التتابع، ولو لم يكن محلاً للصوم لم يقطع، كما نقول في الليالي إذا تخللت، ومعتمدهم الأول.
الجواب:
أما قولهم: يوم.
قلنا: اليوم اسم زمان ومثل هذا لا يصلح لبناء الشرعيات عليه، كقول القائل: وقت، أو قطعة زمان وما أشبه ذلك.
وأما استدلالهم بالنهي وهو معتمدهم.
قلنا: إنما صح النهي، لأنه يتحقق محسوساً وإن لم يتحقق مشروعاً، وهذا لأن الصوم له حقيقتان: حقيقة حسية، وحقيقة شرعية، فصح النهي لوجود الحقيقة الحسية ثم كان عمل النهي في نفي الحقيقة الشرعية على ما سبق بيانه.
وسؤالهم على هذا أن النهي ورد عن الصوم، والصوم هو الصوم الشرعي لا الصوم الحسي فاقتضى النهي وجود ما هو الصوم حقيقة.
قلنا: قد كان يقتضي ذلك إلا أنه لا يمكن إثبات الصوم الشرعي بعد ورود النهي عنه لما بينا.
ثم الجواب المعتمد تحقيقاً:
إن الصوم حقيقة من العبد ليس إلا الإمساك مع النية، والنهي منصرف إلى ما هو فعل العبد، والذي هو فعل العبد متصور منه فصح النهي عنه لتصوره منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 215
وأما كونه عبادةً وصوماً شرعياً بالشرع، والنهي لا يتصور عنه أصلاً غير أنه انتفى الشرع، فثبت بهذا تحقق النهي وتكون النهي عنه ثم ظهر عمل النهي في نفي المشروعية من قبل الشارع، وإذا انتفت المشروعية من الشارع انتفى الصوم الشرعي قطعاً، وهو مثل النهي عن نكاح المشركات ونكاح الأمهات والبنات ونكاح امرأة الأب وبيع الحر وغير ذلك، صح النهي في هذه الصورة كلها لتصور وجودها من العبد على غاية ما يمكن منهم ثم انتفت الصحة شرعاً، لأن النهي نفى المشروعية ولا يتصور عقد مشروع مع انتفاء المشروعية.
وأما قولهم: ((في التفريق بين النهي الوارد عن الشيء لعينه ولغيره)).
فهذا تفريق لا يعرف، والنهي عن الشيء لعينه لا يتصور عندنا، لأن النهي بخطاب الشرع ولا ينهي عن الشيء لعينه بحال، وأيضاً لو نهى عن شيء لعينه لم تتصور إباحة مثله بوجه من الوجوه، فإن النهي عن القتل لو كان لعين القتل فينبغي أن لا يباح القتل بحال، وكذلك الزنا وغير ذلك، فهذا كلام مردود متلقي من القائلين بكون الأشياء واجبة عقلاً محظورة عقلاً أخرى، وهذا مذهب مردود وهو بدعة وضلالة.
وأما عندنا: فالحظر والإباحة والإيجاب بالسمع لا غير.
ونقول: إن الشيء إذا ورد النهي عن نفسه كان نفس الشيء وهو العقد أو غيره منهياً عنه أوجب فساده.
وإن شئت قلت: أوجب خروجه عن كونه عقداً شرعياً أو مشروعاً على الإطلاق.
وقولنا: ((إن نفسه يكون منهياً عنه)).
يعرف ذلك بأن لا يوجد النهي إلا بوجود الشيء مثل النهي عن نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وكذلك النهي عن الجمع بين الأختين، وكذلك النهي عن
الجزء: 2 - الصفحة: 216
نكاح المشركات، والوثنيات وبيع/ الأحرار وبيع المضامين والملاقيح وغير ذلك، فإنه لا يوجد النهي عن شيء من هذه العقود إلا بهذه العقود وكذلك في مسألتنا لا يوجد النهي عن صوم هذه الأيام إلا بوجود الصوم حتى لو أمسك ولم يأكل في هذه الأيام لا عنت عليه.
فثبت بهذا أن النهي يتناول نفس الصوم فأوجب ما ذكرناه.
وخرج على هذا المسائل:
فإن مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة ليس النهي عن نفس الصلاة بدليل أنه لو شغل الأرض المغصوبة بشيء آخر سوى الصلاة كان منهياً عنه، وكذلك البيع وقت النداء ليس النهي عن نفس البيع بدليل أنه لو اشتغل بشيء آخر سوى البيع يكون منهياً عنه، وكذلك الطلاق في زمان الحيض ليس النهي عن نفس الطلاق بل هو عن تطويل العدة والإضرار بالمرأة حتى لو طلق قبل الدخول في حال الحيض لا بأس به، وكذلك لو طول العدة عليها بالمراجعة من غير رغبة والطلاق بعد ذلك محرم، وكذلك الإحرام مجامعاً ليس النهي عن الإحرام إنما النهي عن المجامعة عند الإحرام، فهذا وجه بين تخرج عليه جميع المسائل.
ويمكن أن يقال: إن النهي عن الشيء إذا كان لطلب ضده فيكون النهي عن نفس الشيء وإذا لم يكن لطلب ضده فلا يكون عن نفس الشيء.
وقد نهى في مسألتنا عن الصوم وهذه الأيام لطلب ضده وهو الفطر.
الجزء: 2 - الصفحة: 217
فدل أن نفسه منهي عنه مثل النهي عن نكاح الأم والبنت كان لطلب ضده وهو عدم النكاح وكذلك النهي عن الجمع بين الأختين كان لطلب ضده وهو التفريق إن أراد النكاح أو ترك النكاح أصلاً.
وعلى هذا خرج المسائل.
فإن النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة ليس الطلب ضدها أو هو ترك الصلاة، وكذلك في البيع وقت النداء حتى لو باع وهو يسعى إلى الجمعة لم يكن منهياً عنه، وكذلك في الطلاق حالة الحيض لم يكن لطلب ضده وهو بقاء النكاح حالة الحيض، ألا ترى أنه لو طلق وهي طاهرة ثم حاضت فلا نكاح والحيض موجود، وكذلك النهي عن الإحرام مجامعاً وغير ذلك مما يوردونه كل ذلك خارج على الأصل الذي ذكرنا.
وأما المسائل الإلزامية من فصل الشروع وعدم جواز القضاء في هذه الأيام وفساد نذر المرأة صوم يوم حيضها مسائل لازمة، واعتذارهم ضعيفة عند التأمل، تركنا الكلام عليها لظهورها ولئلا تطول المسألة.
وأما فصل انقطاع التتابع فإنما كان كذلك لوجود الانقطاع صورة، وكذلك في الليل إلا أن الاحتراز لا يمكن هناك فسقط اعتباره بخلاف مسألتنا فاعتبر وبطل التتابع.
والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 218
(مسألة)
لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف
عندنا.
وعندهم: هو شرط.
فعلى هذا نقول:
الجزء: 2 - الصفحة: 219
يجوز الاعتكاف في الليالي على الانفراد.
وعندهم: لا يجوز.
لنا:
حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف ليلاً في المسجد الحرام في الجاهلية، فسأل النبي عليه السلام عن ذلك قال: ((أوف بنذرك))، والخبر في الصحيحين.
روى عبد العزيز بن محمد.
الجزء: 2 - الصفحة: 220
عن أبي سهيل بن مالك- عم مالك بن أنس- عن طاووس عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه)).
وأما هم يروون عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا اعتكاف إلا بصيام)).
قالوا: وأما الخبر الأول الذي رويتم فقد روى عمرو بن دينار عن عمر أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اعتكاف عليه فأمره أن يعتكف ويصوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 221
قالوا: وأما الخبر الثاني، فالصحيح منه أنه موقوف.
الجواب:
أما الخبر الذي رووه فقد تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري، وقد تكلموا في سويد وسفيان بن حسين فيما ينفردان به.
ويحتمل أن يكون المراد من الخبر نفي الكمال لا نفي الجواز.
وأما الخبر الثاني: تفرد به عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار وهو ضعيف.
الجزء: 2 - الصفحة: 222
(قال أبو بكر عبد الله بن زياد النيسابوري: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه مثل ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وغيرهم، قال: وابن بديل ضعيف الحديث).
وروى مثل مذهبنا عن علي وابن مسعود.
وهم يرون عن عائشة وابن عباس وغيرهما.
وأما الكلام من حيث المعنى نقول:
الاعتكاف عبادة بنفسها فيصح من غير صوم.
دليله: الصلاة.
والدليل على أنه عبادة بنفسه: أن الصوم عندهم شرط لصحة الاعتكاف ثم إذا انضم هذا الشرط إلى الاعتكاف فيكون الاعتكاف هو العبادة بنفسه، وكذلك الطهارة عن الحدث إذا انضمت إلى الصلاة تكون الصلاة هي العبادة بنفسها.
الجزء: 2 - الصفحة: 223
ويدل عليه أن الله تعالى أطلق الاعتكاف ........ فقال/: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، دل أنه بنفسه عبادة مثل إطلاقه الصوم والصلاة وغير ذلك.
وإذا ثبت أن الاعتكاف عبادة فاستغنى عن الصوم ليكون عبادة مثل سائر العبادات.
يبينه: أن الصوم ركن من أركان الإسلام فيبعد أن يكون شرطاً لعبادة من النوافل، والاعتماد على الأول.
وقد تعلق الأصحاب بجواز الاعتكاف ليلاً، وقالوا: لو كان الصوم شرطاً لما صح بالليل، لأنه ليس بزمان الصوم فإذا جوزنا الاعتكاف فيه فقد جوزنا بلا صوم.
وإن قالوا: إن الاعتكاف بالليل تبع للاعتكاف بالنهار، أو قالوا: إن الصوم بالنهار شرط الاعتكاف ليلاً ونهاراً إلا أنه يختص بالنهار، لأنه لا يتصور ليلاً.
نقول: كلا الكلامين باطل، لأن دعوى التبعية لا دليل عليه.
ولأن الصوم عندهم شرط، وقد انعقد الاعتكاف بالليل، وصح الابتداء به إذا وصل إليه الاعتكاف بالنهار، وشرط العبادة: إما أن يتقدم عليها كالطهارة أو يقارنها كالاستقبال وستر العورة والطهارة عن النجاسة، فأما أن يتراخى عنها فلا يعرف.
الجزء: 2 - الصفحة: 224
وقولهم: ((إنه لا يتصور الصوم بالليل)).
قلنا: إن لم يتصور الصوم بالليل يتصور قصر جواز الاعتكاف على النهر دون الليالي ليتفق زمان الشرط والمشروط فيتصور مقترناً به أو متقدماً عليه.
وقد قال بعض أصحابنا:
إن الصوم لو كان شرطاً لصحة الاعتكاف لم تصح أيام رمضان، لأن الصوم ليس له بل هو وظيفة هذا الزمان ابتداء ولو وجب الصوم لصح الاعتكاف به وجب أن يلزم أن يكون الصوم للاعتكاف.
وهذا ليس بشيء، لأنهم يقولون: إن الصوم شرط والشرط يجب وجوده في صحة المشروط له، فأما أن يكون وجوده له فهذا غير معتبر بدليل أن الطهارة لما كانت شرطاً للصلاة اعتبر وجودها ولم يعتبرها أن تكون الطهارة للصلاة حتى لو توضأ للنفل وأدى به الفرض يجوز مع أنه لم يتوضأ للفرض، لكن اكتفى بوجوده، كذلك ههنا، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم:
تعلقوا بالخبر الذي قدمناه، وقد بينا الكلام عليه.
وأما المعنى:
قال مشايخهم: لبث في مكان مخصوص فلا يكون عبادة إلا بانضمام عبادة أخرى إليه.
دليله: الوقوف بعرفة، وهذا لأن اللبث في مكان وملازمة بقعة
الجزء: 2 - الصفحة: 225
لا يكون مخيلاً في كونه عبادة، فإذا صار عبادة إنما يصير عبادة بعبادة أخرى تنضم إليه وليس ذلك إلا للصوم.
وأما معتمدهم قالوا: (أجمعنا على أنه لو نذر أن يعتكف صائماً يلزمه الاعتكاف بصوم) فلا يخلو إما أن يكون بالنذر أو بكونه شرطاً له شرعاً، ولا يجوز أن يكون بالنذر، لأن النذر لم يلاقه فإنه قال: لله على أن أعتكف صائماً، والنصب في قوله: ((صائماً)) على الحال كأنه قال: لله على أن أعتكف في حال صومي، والنذر إنما يصح في العبادة ووصف العبادة، أما حال المتعبد لا يدخل تحت النذر فكان ينبغي أن لا يجب فلما وجب دل أنه شرط بالشرع.
قالوا: وليس كما لو قال: لله على أن أصوم متتابعاً، لأن التتابع صفة الصوم.
ألا ترى أنه يقال له ((صوم متتابع)) ولا يقال ((اعتكاف صائم)).
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن قوله: ((صائماً)) نصب على إضمار المصدر، لأن هذا يستقيم في قوله: ((ضربته وجيعاً، وكلمته بليغاً)) أي ضرباً وجيعاً وكلاماً بليغاً، لأنه إذا أظهره صح هذا الكلام فأما ههنا فلا يستقيم هذا التقدير، لأنه لا يستقيم أن يظهره فيقول: أعتكف اعتكافاً صائماً أو صوماً.
الجواب:
أما قولهم: ((لبث في مكان مخصوص))، فقد ذكروا فيه القلب المعروف وهو أن يقل: فوجب أن لا يكون الصوم شرطاً.
الجزء: 2 - الصفحة: 226
دليله: ما قاس عليه.
وأما قولهم: ((إن اللبث في مكان مخصوص ليس فيه معنى مخيل في كونه عبادة)).
قلنا: العبادة ما جعله الله تعالى عبادة ولا يعتبر المعنى المخيل الذي ظنوه وعلى أن ملازمة مكان العبادة وترك الترددات مشعرة بكونه عبادة وهو لعله فوق الطواف حول البيت فإذا كان التردد حول بيت العبادة بكونه عبادة فملازمة موضع العبادة لأن يكون عبادة أولى.
وأما تعلقهم بفصل النذر فقد منع على أحد القولين.
وقيل: إنه لا يجب الاعتكاف بالصوم لكن يجبان جميعاً- أعني الصوم والاعتكاف- ولو أفرد كل واحد منهما بالفعل فإنه يصح.
وعلى أنا سلمنا أنه يجب الاعتكاف بشرط الصوم فإنما يجب بالنذر وليس فيما أنه يجب بالنذر ما يدل على أنه يجب لا بالنذر كأصل الاعتكاف.
وقولهم: ((إن النذر لم يلاق الصوم)).
قلنا: إنما أوجبنا الصوم لضرورة صحة قولكم لأنه كما يجب الاعتكاف في حال الصوم فلابد من وجوب الصوم ليصير حالاً له فيصح نذره بالاعتكاف على/ هذه الحالة وكل ما كان من ضرورة قوله فهو كالمصرح به.
فإن قالوا: ((وجب أنه إذا قال: لله على أن أصوم معتكفاً أن يلزمه على هذا الشرط، وكذلك إذا قال: لله على أن أعتكف مصلياً)).
قلنا: في المسألة الأولى كذلك نقول، وأما المسألة الثانية فهي مسلمة، ولكنها مجرد استغراق من غير بيان وجه الإلزام ووجوب الفرق.
الجزء: 2 - الصفحة: 227
ونحن إذا بينا وجه اتصال النذر بالصوم خرجنا وتقصينا عن عهدة كلامهم، وما اعتمدوه في تعلقهم.
وقد أجاب الأصحاب عن المسألة التي ألزموها وقالوا: ليس بين الصلاة والاعتكاف مناسبة ومشابهة، لأن أحدهما فعل الجوارح والآخر ليس من فعل الجوارح فإذا لم يكن بينهما مناسبة لا يصير أحدهما شرطاً في الآخر.
وأما الصوم والاعتكاف فبينها مناسبة ومشابهة، لأن كل واحد منهما كف فجاز أن يصير أحدهما شرطاً في الآخر ليصير كل واحد منهما كاملاً لصاحبه متزيناً به، وهذا غاية الإمكان، والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 228