الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةكتاب الصلاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(مسألة)

الصلاة تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً.

وهو قول أبي شجاع الثلجي من أصحابهم، وقد اختاره أبو زيد في أصوله.
وذهب الكرخي وجماعة من أصحابهم أنها تجب بآخر الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 165

واختلفوا في المؤدى في أول الوقت: فقال بعضهم: هو نفل يسقط به الفرض الواجب في آخر الوقت مثل الزكاة المعجلة.
ومنهم ن قال: هو موقوف إن أدرك آخر الوقت وهو من أهل الوجوب كان المؤدى واجباً وإن لم يدرك كان المؤدى نفلاً.
ومنهم من قال: المؤدى واجب، فعلى هذا يكون الوجوب بأحد المعنيين إما بإدراك آخر الوقت أو باختيار المكلف فعل الصلاة في آخر الوقت.
لنا: إن الأمر يفيد الوجوب باتفاق مننا ومنهم، وقد تناول جميع الوقت لأن الخلاف في أمر مؤقت معلوم الأول والآخر، والأمر المضاف إلى وقت يكون متناولاً جميع الوقت وإلا فلا يكون الأمر مؤقتاً، وإذا تناول جميع الوقت ثبت الوجوب في جميع الوقت فصار الوجوب في أول الوقت ضرورة.
ونظير ما قلناه قول السيد لغلامه: افعل كذا غداً أو افعله وقت الظهر، يكون الخطاب متناولاً جميع الوقت المذكور حتى يكون فاعلاً بأمر إذا فعله.
يبينه أن سبب الوجوب إما أن يكون الأمر أول الوقت فإن كان الأمر فقد وجد في أول الوقت، وإن كان الوقت فقد دخل فلابد من الحكم بالوجوب على كل واحد من السببين.
ونستدل بالأداء في أول الوقت فنقول: أدى بالأمر، بدليل أنه ينوي أداء المأمور أو ينوي المفروض، وإذا أدى الواجب وأداء الواجب في وقت دليل على وجود وقت الواجب لأن الواجب لا يتأدى إلا في وقته.

الجزء: 1 - الصفحة: 166

وأما حجتهم: قالوا: مخير في أول الوقت بين فعل الصلاة وتركها فلا تكون واجبة فيه.
دليله النافلة، وهذا لأن حد الواجب ما لا يسع تركه فإذا وسع الترك ل على أنه ليس بواجب.
وربما يقولون: لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره، لأن الواجب مرة لا يجب ثانياً فلما وجب في آخر الوقت علمنا أنه لم يكن واجباً في أوله.
قالوا: ولأنه وجب في أول الوقت وجب أن يأثم إذا/ مات قبل فعله وحين لم يأثم إذا مات في أول الوقت قبل فعله، لما أنه لم يكن واجباً، وأيضاً لو وجب لاستقر بإدراك وقت فعله ولو استقر لم يتغير بالسفر، وحين أجمعنا على أنه لو سافر في آخر الوقت يجوز له القصر علمنا أنه لم يجب أصلاً.
الجواب: أما قولهم: ((إنه مخير بين فعل الصلاة وتركها))، لا نسلم إطلاق الترك على ما زعموا، بل إنما نطلق له الترك بشريطة وهو العز على فعلها في آخر الوقت وما لم يكن على هذا العزم لا يجوز له تركها في أول الوقت.
فإن قالوا: أتقولون إن العزم بدل عن الواجب من الفعل؟ فإن قلتم: ليس ببدل فقد أطلقتهم الترك، لأنه إذا ترك لا إلى بدل تحقق الترك، وإن قلتم: هو بدل فأقمتموه مقام الأصل في سقوط الأمر عنه وتأدى المصلحة به.
يدل عليه أن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت فكيف يتصور أن يكون بدلاً؟

الجزء: 1 - الصفحة: 167

قلنا: لسنا ندعي أن العزم بدل عن الواجب ولكن أردنا بما قلنا أن نبين أن الترك على الوجه الذي ظنوه من مذهبنا لا مطلقه.
وتبين بهذا الشرط وقوع الفرقان بينه وبين النافلة.
وإن قلنا: بدل، فهو بدل من وجه لا من وجه، وإنما يقوم البدل مقام الأصل في سقوط الواجب إذا كان بدلاً من كل وجه.
ونعني بقولنا: ((بدل من وجه لا من وجه)) أنه بدل تركه في أول الوقت لا بدل تركه أصلاً وهذا جواب.
وجواب آخر: وهو الأولى، قولكم ((مخير في أول الوقت بين الصلاة وتركها)) لا نسلم أن الموجود ترك الصلاة بل هو تأخير من وقت لها إلى وقت مثله ليؤديها فيه على ما كان يؤديها في أول الوقت، وإنما جاز هذا التأخير، لأن الوجوب تعلق بأول الوقت على وصف التوسع، ومعنى قولنا: ((وجب موسعاً)) هو هذا فإن الشارع كلفه أداء الصلاة في أول هذا الوقت المسمى وهو وقت يسع للمأمور ويفضل عنه فضلات كثيرة فقيل: وجب وجوباً موسعاً على معنى أن المكلف يتخير في الواجب إن شاء فعله في أول الوقت وإن شاء فعله في أوسطه وإن شاء فعله في آخره مثل الأمر المطلق في الكفارات وقضاء الصلوات والحج على أصلنا، ويلزمه مع هذا ألا يخلي الوقت عنه فصار التأخير الذي تعلقوا به فائدة الوجوب على وصف التوسع فلم يدل على سقوط أصل الوجوب، وعلى هذا صار الواجب على وصفين: واجب مضيق، وواجب موسع، فالمضيق ما لا يسع تأخيره كالإيمان إذ لا يفضل وقته عنه وكالصوم، والموسع ما يفضل الوقت عنه ويسع تأخيره، والوجوب موجود في الصورتين فهذا هو الموضع الذي خفى على القوم بلوغه ولم يدركوا حقيقته.
وأما قولهم: ((إنه لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره)).

الجزء: 1 - الصفحة: 168

فهوس، فإنه لا يتجدد الوجوب عندنا بآخر الوقت إنما يمتد الوجوب إليه على التوسع.
وقولهم: ((لو مات بعد التأخير لم يأثم))، فقد منع ذلك بعض من لم يعرف حقيقة المسألة، وقال: لا تتم المسألة إلا بمنع هذا والمنع بعيد، وهو يخرج على ما قلنا، لأن عدم الإثم إنما هو لقولنا إنه وجب وجوباً موسعاً مطلق التأخير إلى وقت مثله وكذلك جواز القصر بالسفر، وهذا لأن عندنا جميع الوقت لهذه الصلاة كشيء واحد، والموجود في أوله وآخره كوجود واحد فيكون حكم الكل واحد، وخص هذه المسألة من الأصول.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 169

(مسألة)

الإقامة فرادى

عندنا.
وعندهم مثنى.
لنا: حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن

الجزء: 1 - الصفحة: 170

يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
وفي رواية أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، والخبر في الصحيحين.
وروى وهيب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة وزاد فيه ألفاظاً، دل على أن الأمر لبلال كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. وروى موسى بن إسماعيل عن وهيب، وعبد الوهاب عن خالد عن

الجزء: 1 - الصفحة: 171

أبي قلابة عن أنس.
قال: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا/ وقت الصلاة بشيء يعرفوه فذكروا أن يوروا ناراً أو يضربوا ناقوساً، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقد كان هذا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعا فيكون الآمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لا يجوز أن يأمر غيره في زمانه بلالاً بالآذان.
وقد قال بعض الجهال من المخالفين: يحتمل أن يكون الآمر لبلال بعض أمراء بني أمية.
وهذا محال لأن بلالاً رضي الله عنه أذن في زمن النبي عليه السلام فلما توفي - صلى الله عليه وسلم - أذن صدراً من خلافة أبي بكر ثم إنه استأذنه في الخروج إلى الشام حين جهز أبو بكر الجيوش إلى الشام ولم يؤذن لأحد من بعد إلى أن توفى بالشام في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان.
وقد ذكر الدارقطني في سننه برواية إسماعيل بن إبراهيم عن خالد

الجزء: 1 - الصفحة: 172

الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: ((أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)).
وعلى هذا انقطع الكلام.
وعن ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أن المؤذن كان إذا قال: ((قد قامت الصلاة)) قال: ((قد قامت الصلاة مرتين))، وعن سلمة بن الأكوع قال: كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثنى مثنى، والإقامة فرادى.
وروى ابن عمر أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أذن اثنتي عشر سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة))، وهذا دليل على أنها على النصف من الأذان.

الجزء: 1 - الصفحة: 173

وروى عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن أبيه (عن) علي رضي الله عنه.
قال: نزل جبريل بالإقامة مفرداً وسن النبي عليه السلام الأذان مثنى مثنى.
والأخبار في هذا الباب كثيرة واقتصرنا على هذا القدر، ولا مزيد عليه.
وقد أول بعضهم الخبر الذي رويناه قال: معنى الشفع في الأذان والإيتار في الإقامة هو أن يشفع بصوتين صوتين، ويوتر بصوت صوت، وليس هذا بشيء، لأن في الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة هي الكلمات لا الصوت المسموع في الكلمات.
وعلى أن في الخبر قال: ((إلا الإقامة)).
وعندهم كما نقول سائر الكلمات في الإقامة بصوت واحد كذلك نقوله قوله: ((قد قامت الصلاة)) بصوت واحد فبطل التأويل والاعتماد على الأخبار ولا مجال للقياس فيه.
ويمكن أن يقال: إن الإقامة مبنية على الخفة بخلاف الأذان بدليل الإيتار في الصلاة على ما قالوه، ولأنه يسترسل فيها ولا يمد كما يمد في الأذان، وهذا لأنه إعلام للحاضرين بالقيام إلى الصلاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 174

وأما الأذان فإنه دعاء الغائبين، ودعاء الغائبين وإسماعهم يكون بزيادة مبالغة في نفس الأذان وصفاته ليقع إسماعهم ودعائهم فيحضروا، وأما إعلام الحاضرين فلا حاجة فيه إلى مثل ذلك المبالغة فاقتصر على المرة الواحدة والأولى هو الاقتصار على الأخبار.
وأما حجتهم: تعلقوا بحديث ابن أبي ليلى عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: كان أذان النبي - صلى الله عليه وسلم - شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة.
ورواه أيضاً وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.

الجزء: 1 - الصفحة: 175

ورووا أن عبد الله بن زيد لما أرى الأذان في منامه حكى الأذان على ما هو المعهود قال: ثم مكث ساعة ثم قام وقال مثل ذلك، وزاد قوله: ((قد قامت الصلاة)).
وربما رووا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل هذا الخبر.
وتعلقوا أيضاً بحديث مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة أن النبي علمه الأذان سبعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشر كلمة، وهذا خبر صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 176

ورووا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: سمعت بلالاً أذن بمنى بصوتين صوتين وأقام مثل ذلك)).
وفي رواية أخرى عن أبي جحيفة قال: كان بلال يؤذن ويقيم مثنى مثنى.
قال: وروى عبد الرازق عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم عن الأسود أن بلالاً كان يثنى الأذان ويثنى الإقامة، وكان

الجزء: 1 - الصفحة: 177

يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير.
وهذه الأخبار نصوص في الباب وهو أولى من أخباركم.
لأنها/ تتضمن زيادة لم تتضمنها أخباركم، والمثبت للزيادة أولى من المنافي.
ورووا عن إبراهيم النخعي، أنه قال: أول من نقض الإقامة معاوية.
ونقلوا عن مجاهد أنه قال: كان الأذان والإقامة مثنى مثنى حتى قام بنو أمية وأفردوا الإقامة للسرعة.
أما المعنى فاعتبروا الإقامة بالأذان وهذا لأن كل واحد منهما ذكر الله وإعلام الصلاة فاستويا.
الجواب: إن الأخبار التي رووها عامتها ضعيفة الإسناد.
أما خبر عبد الله بن زيد، فقد أجمع أهل العلم بالرجال أن عبد الرحمن ابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد شيئاً، وكذلك لم يسمع من معاذ شيئاً ولم يدركهما أصلاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 178

وقد قيل: إن عبد الله بن زيد الذي أدى الأذان استشهد يوم أحد.
وذكر أبو دا ود في سننه برواية محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه هذا الخبر وذكر فيه أنه حكى إفراد الإقامة.
وقيل إن هذه الرواية أصح الروايات في الباب.
وأما حديث أبي محذورة عن أبيه هذا الخبر وفيه ((أنه علمه الإقامة فرادى: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حى على الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))، وقد كان الأذان بمكة في أولاد أبي محذورة وكان يفردون الإقامة فه كان المعمول به بالحرمين في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن استولى البصريون على

الجزء: 1 - الصفحة: 179

الحجاز وذلك سنة اثنتي وستين وثلثمائة فغيروا الإقامة فدل أن الصحيح من حديث أبي محذورة ما كان عليه أولاده، وما عرف من المعمول بمكة والمدينة.
وأما حديث عون بن أبي جحيفة فقد قالوا: إن الراوي له زياد ابن كليب عن إدريس الأودي عن عون بن أبي جحيفة، وزياد بن كليب وهم في هذا الخبر على أدريس الأودي، وقد أورد هذا الخبر في الصحيح وذكر الأذان خاصة ولم يذكر الإقامة.
وأما حديث الأسود فلم يدرك أذان بلال لما بينا أنه لحق بالشام في زمان أبي بكر.

الجزء: 1 - الصفحة: 180

وقد رووا أيضاً عن سويد بن غفلة أيضاً أن بلال كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وسويد أيضاً لم يدرك أذان بلال.
وقد نقلنا عن أنس أن بلالاً بماذا أمر.
ونقل أيضاً سعد القرظ أذان بلال، وحكى فيه الإقامة فرادى وهو خبر ثابت، وقد كان سعد نائب بلال في الأذان وكان مؤذن مسجد قباء، وقد أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقام لعمر، وعثمان مرة مرة، وبلال أقام لأبي بكر مرة مرة، والراوي شريك وحماد بن أبي سليمان لخبرهم، ولم تخرج الرواية عنهما في الصحيح، فهذا أيضاً يوجب ضعفاً في الراوية.
واعلم أن الأذان والإقامة شعار من شعائر الإسلام، فالأول في الرجوع فيه إلى ما عليه أكثر أهل الإسلام.
وقد روينا عن أبي بكر وعمر وعثمان أن الإقامة كانت لهم مرة مرة بفعل بلال وسعد القرظ.

الجزء: 1 - الصفحة: 181

وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن إقامة علي رضي الله عنه كانت مرة مرة.
وعن بكير بن عبد الله الأشج قال: ((أدركت أهل المدينة في الأذان على مثنى مثنى، والإقامة مرة واحدة)) وبكير بن عبد الله من كبار فقهاء التابعين وخبرة هذا عن الصحابة والتابعين بالمدينة.
وعن ثوبان قال: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة، وكان مؤذننا وإمامنا وكان إذا أذن ثنا وإذا أقام أفرد.
وعن مجاهد قال: كان أذان عبد الله بن عباس مثنى مثنى، وإقامته مرة رمة.
وروى قتادة عن قيس أنه كان أذانه مثنى مثنى وإقامته واحدة.

الجزء: 1 - الصفحة: 182

روى يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أنه كان إذا أذن ثنى وإذا أقام أفرد.
وروى إفراد الإقامة عن سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة بالمدينة وعن الحسن البصري كذلك.
وكذلك عن عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وأبي قلابة، وعراك بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، وابن شهاب الزهري وغيرهم ممن يكثر عددهم.
وقد ذهب إلى هذا من الأئمة مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم، ولم ينقل ما صاروا إليه عن أحد من الأئمة إلا عن سفيان وابن المبارك.
وقد ورد في الخبر: ((عليكم بالسواد الأعظم)) وهو معنا في هذه المسألة.
وأما الذي رووه عن إبراهيم فقد روى محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال: ((أول من نقض التكبير في الصلاة وخطب قبل الصلاة في العيد وجلس على المنبر ونقض الإقامة معاوية بن أبي سفيان)).
والمنقول بالضاد لا بالصاد، وكان نقضه بالإقامة إن جعلها مثنى مثنى، فإنا روينا أن الإقامة كانت فرادى في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين من بعده فذكر إبراهيم أن أول من غيرها معاوية بن أبي سفيان.

الجزء: 1 - الصفحة: 183

قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: ((والدليل على المنقول عن إبراهيم هكذا، أنا روينا عن إبراهيم النخعي ما يوافق مذهبنا)).
روى إسحاق عن جرير عن مغيرة بن إبراهيم قال: لم يكونوا يرون بأساً إذا انتهى المؤذن إلى قوله: ((حى على الصلاة، حى على الفلاح)) أن يقولها مرة مرة في الإقامة وكانوا يقولونها في الأذان مرتين مرتين.
قال الحاكم: ول كان عند إبراهيم سنة صحيحة في تثنية الإقامة لم يرخص في إفرادها، كما لو يرخص في الأذان، فإذا جمعنا بين الروايتين عن إبراهيم ظهر أن نقض الإقامة تثنيتها لا إفرادها.
وأما الذي نقلوا عن مجاهد فلا يعرف أصلاً، وقد بسطنا القول في هذه المسألة زيادة بسط لأنها شعار المذهب.
وأما تعلقهم بالزيادة في ترجيح الأخبار فقد بينا أنه لا تعارض حتى يصار إلى الترجيح، ثم ينعكس عليهم في الترجيح، والله أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 184

(مسألة)

إذا اشتبهت القبلة على إنسان فصلى على جهة بالتحري ثم تبين أنه أخطأ القبلة فإنه يلزمه الإعادة على أحد القولين.

وعندهم: لا يلزمه، وهو القول الثاني، واختيار المزني.
لنا: إن الأمر بالتوجه إلى الكعبة بعد الاشتباه قائم بدليل أنه قد كان مأموراً بالتوجه إلى الكعبة ولم يوجد إلا الاشتباه، واشتباه الكعبة لا يوجب سقوط الأمر بالتوجه إلى الكعبة، لأن الاشتباه إلى الارتفاع، ولأنه يتصور إصابة الكعبة مع الاشتباه فلم يسقط الأمر بالتوجه إليها.

الجزء: 1 - الصفحة: 185

يبينه أنه أذا اشتبه الثوب الطاهر في ثوبين: نجس وطاهر، واشتبه الماء الطاهر في أواني بعضها طاهر وبعضها نجس، فإنه لا يسقط وجوب الصلاة في الثوب الطاهر والتوضئ بالماء الطاهر، كذلك في مسألتنا، وإذا ثبت أن الأمر السابق قائم كلف التوجه إلى الكعبة فإذا ظهر الخطأ فقد تبين أنه أخطأ ما كلف إصابته فيجب عليه أن يعيد الصلاة ليأتي بالصلاة على وفق المأمور، فإن كان الوقت قائماً أدى وإن كان فائتاً قضى، ونظيره إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر له النص بخلاف ما حكم فإنه ينقض حكمه لما بينا من المعنى، كذلك هاهنا، وكذلك إذا صلى في يوم غيم بغالب الظن، ثم تبين أنه صلى قبل الوقت فإنه يلزمه الإعادة، كذلك هاهنا، ولا فرق بينهما عند التأمل.
وأما حجتهم: تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قالوا: (نزلت هذه الآية في شأن الصلاة حالة الاشتباه بدليل ما روى عن عامر بن ربيعة قال: كنا في سفر فاشتبهت علينا القبلة فصلينا بالتحري فلما أصبحنا علمنا أنا أخطأنا القبلة فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه الآية)).

الجزء: 1 - الصفحة: 186

قالوا: وآية استقبال الكعبة لا ترد هذا، لأن هذا الآية نزلت حال الاشتباه، وتلك الآية نزلت في حالة العلم، وهذا لأن حقيقة شرط الصلاة استقبال وجه الله بنص الكتاب لأنه قام إلى تعظيمه وعبادته كما يكون في الشاهد إلا أن أفعال العباد لم تشرع إلا على سبيل يكون العبد مبتلى بأدائه بضرب اختيار طاعة الله تعالى على خلاف هواه وفي استقبال وجه الله تعالى على الحقيقة لا يتصور معنى الابتلاء، لأن الله تعالى لا جهة له فلا يتوجه العبد شطراً إلا وثم وجه الله كما قاله الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فأقيمت الكعبة مقام الحقيقة ليتحقق الابتلاء بقصد تلك الجهة، ولما اشتبهت أمر بجهة هي عنده جهة الكعبة ليتحقق معنى الابتلاء بطلبها فإذا فعل تم شرط/ صحة الفعل عبادة ولم يتبين الخطأ من بعد، لأن المراد وجه الله وقد أصاب وما أخطأه)، وخرج على هذا فصل الحاكم إذا اجتهد ثم ظهر له النص، لأن الأصل هو النص في الحادثة إذا وجد وقد أخطأه وهاهنا الأصل وجه الله وقد أصابه على ما بينا.
وكذلك سائر المسائل، هذا استدلال أبي زيد في الأسرار بالآية قال: (والمعنى أن التكليف من الله تعالى مبنى على وسع العبد أو دونه وليس في وسع الغائب عن الكعبة إصابة عينها فإن النجوم تدل على الجهة دون العين فسقط إصابة العين بالإجماع، فكذلك إصابة جهة الكعبة تسقط إلى جهة الكعبة في ظنه وتحريه إذا تغيمت السماء) وفقدت

الجزء: 1 - الصفحة: 187

الدلائل، لأنه ليس في وسعه إصابة الجهة حقيقة، وبقى الأمر بالصلاة إلى جهة هي جهة الكعبة وقد فعل وأدى الصلاة إلى ما كلف وفعلها على الشرط الذي أمر فلا يجب عليه إعادتها بحال.
وربما يعبرون عن هذه فيقولون: إن الغائب عن الكعبة لا يعرفها إلا بالدليل وقد خفيت الدلائل ولم يبق إلا فراسة القلب وشهادته فإذا صلى على ذلك وتوجه إلى جهة شهد قلبه أن الكعبة في تلك الجهة فقد أتى ما أمر.
واستدلوا من حيث الحكم في أنه غير مأمور بالصلاة إلى الكعبة حقيقة أنه لو تحرى ومال رأيه إلى جهة ثم ترك الجهة وصلى إلى جهة أخرى وتبين أنه أصاب الكعبة لا تجوز صلاته لأنه خالف القبلة، ولو كانت قبلته الكعبة لجازت صلاته، كما نقول لو تحرى في الثوب، أو الماء في موضع الجواز عندنا وترك تحريه وصلى في الثوب الآخر أو توضأ بالماء الآخر ثم تبين أنه قد أصاب من الثوب الطاهر أو الطاهر من الماء فإنه تجوز صلاته.
ثم قالوا: مسألة الثوب والماء، الدليل الموصل إلى نجاسة الثوب والماء قائم في حال الاستعمال، لأنه إما أن يعلم بخبر مخبر أو أثر يراه أو كان في وسعه تحصيل ذلك العلم بالطريق الذي ثبت له العلم بعد ذلك ومتى حصله يبقى معه، فإنه متى علم بنجاسة الثوب ونجاسة الماء يبقى معه ذلك العلم فلما لم يحصل ذلك كان لتقصير وتفريط من جهته فلم يكن معذوراً إلا أنه لا يأثم لأنه لا يلحقه الحرج في تحصيله وإن كان في وسعه، فمن حيث إنه يلحقه الحرج في تحصيله لا يأثم وتحريه الصلاة إذا بقى الاشتباه، ومن حيث إنه يمكنه تحصيله لم يسقط الخطاب باستعمال ماء طاهر والصلاة في ثوب طاهر.
وأما في مسألتنا فأكثر ما في الباب أن يتعلم علم النجوم ويعرف الدلائل إلا أن هذه الدلائل لا تبقى معه حال الاشتباه، فلم يبق دليل سوى

الجزء: 1 - الصفحة: 188

التحري والتحري لا يوصله إلى جهة الكعبة حقيقة فثبت سقوطها وبقى عليه ما في وسعه.
قالوا: وكذلك إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر النص، لأنه مقصر في طلب النص، لأنه لو طلبه على وجهه لأصابه فلم يكن معذوراً.
فإن قلتم: هو مقصر هاهنا أيضاً، لأنه كان في وسعه أن لا يسافر.
نقول: السفر مباح له، وربما يجب في مواضع فلا يعد مقصراً بالسفر وليس كما لو تبين أنه صلى قبل دخول الوقت، لأنها مل تجب عليه بعد، لأنها تجب بدخول الوقت وأداء الواجب قبل الوجوب لا يتصور.
وأما هاهنا فالصلاة واجبة، وإنما الكلام في شرط الأداء وهو أصابه، وقد أصاب ما كلف على ما سبق.
قالوا: وأما أصل الطلب إنما يوجب، لأن الطلب مطمع للوصول وإن كان غير موصل حقيقة فوجب لهذا يبينه أنه لما وجب الطلب لرجاء أن يصب قام رجاء الإصابة مقام حقيقة الإصابة في حق جواز الصلاة وسقط عنه إصابة الكعبة حقيقة العجز.
وهذا كالغازي افترض عليه الرمي إلى الكافر لرجاء إصابة الكافر وإذا رمى ولم يصب نال من الثواب ما لو أصاب، لأن الإصابة متعذرة عليه فقام رجاء الإصابة مقام حقيقة الإصابة.
ويلزمون على قولنا أنه ظهر بعد ذلك.
كما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد، فإنه لا يلزمه إعادة شيء منها، وإن تيقن الخطأ في ثلاث صلوات منها، ويلزمون أيضاً إذا تيامن أو تياسر ثم ظهر ذلك فإنه لا يلزمه الإعادة كذلك إذا استدبر.

الجزء: 1 - الصفحة: 189

الجواب: قد دللنا أنه مأمور/ بالتوجه إلى الكعبة عند الاشتباه، ودللنا عليه بدلائل معتمدة، ووجوب الطلب دليل قوي أيضاً، لأن الواجب بالتحري طلب الكعبة ووجوب طلبها دليل بقاء الأمر بالتوجه إليها.
فأما تعلقهم بالآية فهي نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت به راحلته هكذا رواه ابن عمر.
وخبرهم رواه أبو الربيع السمان وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله وهم متروكون ضعفاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 190

وقد روى الدارقطني هذا الخبر برواية جابر بن عبد الله بأسانيد حسنة.
وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أن خبر ابن عمر في الباب أحسن وأقوى في الإسناد من خبر عامر بن ربيعة وجابر فيكون الأخذ به أولى.
وأما الذي قالوا: إن ((الواجب استقبال الله تعالى)).
قلنا: هذا شيء مخترع مردود على قائله.
وإذا زعموا أنه لا جهة له كيف يتصور استقباله، وإنما الواجب هـ التوجه إلى الكعبة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإنما وقع لهم هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وقد بينا أنه ورد لا في موضع الخلاف، وعلى أن المراد من قوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ رضا الله أو عبارة عن القبول، وبه نقول في الموضع الذي حملنا عليه الآية.
وأما المعنى الذي تعلقوا به فهو مبني على حرف واحد وهو أنه لا يجوز أن يكلف الإنسان ما ليس في وسعه، وليس في وسعه إصابة الكعبة حقيقة فسقط الأمر بالتوجه إليها.
قلنا: نحن لا نكلفه ما ليس في وسعه فإنا وإن بقينا الأمر الأول عليه، فإنما نكلفه بذلك الأمر بما يطيقه وما هو في وسعه، فإنا نقول: عليك طلب الكعبة لتصور الوصول ثم وإن وصلت بهذا الطلب فقد حصل المقصود، وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 191

لم تصل وظهر لك يقين الخطأ فعليك أن تعيد الصلاة إلى جهة الكعبة فيبقى واجب الأمر الأول عليه على هذا الوجه وهو في وسعه قطعاً، ونظيره المسائل التي أوردناها، ونختار منها: مسألة اجتهاد الحاكم، فإنها نظير هذه المسألة من غير ارتياب فإن عليه طلب النص ولم يسقط بخفائه، ولكنه وجب عليه الحكم باجتهاده، مع اعتقاد أنه إذا وجد النص بخلافه نقض الحكم وحكم بما يوافقه، ولم يصير وجوب الحكم بالنص عليه حال الاشتباه تكليفاً إياه ما ليس في وسعه كذلك هاهنا.
وعذرهم عن هذه المسألة ومسألة الثوب والماء أنه مقصر، ليس بشيء.
لأن المسألة مصورة فيما إذا لم يقصر وطلب بغاية الجهد ولم يجد ولهذا لم يأثم.
وقولهم: ((إنما لم يأثم للحرج)).
قلنا: فأسقطوا عنه أصل الأمر للحرج، وكذلك مسألة الصلاة قبل الوقت لازمة أيضاً، وقولهم: ((إنه صلى هناك قبل الوجوب)).
قلنا: وهاهنا بلا شرط الجواز وقد عدت هذه المسألة من المشكلات.
وقد اتضح بما بيناه غاية الوضوح ولم يبق إشكال أصلاً.
وأما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات فقد منع، وعلى أن الصلاة التي أخطأ فيها القبلة غير متعينة له فلم يجب عليه الإعادة مثل ما لو قضى في حادثة بأحكام وعلم أن فيها نصاً يوافق بعضها ويخالف البقية، ولا يدري أيها يوافق فإنه لا ينقض شيئاً من الأحكام.
وأما مسألة ظهور التيامن والتياسر، لأن هناك ما ظهر يقين الخطأ، لأن القبلة عين الكعبة ولا يصيبها إلا بالاجتهاد، وقد فعل ما فعل بالاجتهاد بالاجتهاد فلو أمرنا بالإعادة نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وفي مسألتنا تبين يقين الخطأ حتى نقول: لو تبين نفس الخطأ في تلك المسألة نقول يجب عليه الإعادة.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 192

(مسألة)

إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره لا إعادة عليه

عندنا.
وعندهم: عليه الإعادة وهو اختيار المزني.
والمسألة في نهاية الإشكال وهي واضحة للمخالفين، لأن المؤدي في أول الوقت نفل فإذا أدرك بالبلوغ آخر الوقت وجب فرض الوقت عليه.
ألا ترى أنه لو لم يكن صلى وجب عليه، ولأنه وقت الوجوب فإذا أدركه الوجوب بالغاً فقد أدرك الوجوب بالغاً فقد أدرك وقت الوجوب فأفاد الوجوب، وإذا ثبت وجود سبب الوجوب فلو سقط بالمفعول في أول الوقت، وقد بينا أنه نفل، والنفل لا يسقط به الواجب.
وأما دليل صحة مذهب الشافعي رحمة الله عليه فقد قال بعض أصحابنا: إن فرض الوقت يجب على الصغير

الجزء: 1 - الصفحة: 193

وجوب مثله بدليل ورود الأمر/ به والضرب عليه عند الامتناع، وبدليل الأمر بالوضوء وهو واجب وإذا وجب عليه وقد فعله فلا يجب ثانياً.
وهذا ليس بشيء لأن البلوغ شرط التكليف في العبادات البدنية بالإجماع بنص النبي عليه السلام، ولأن حد الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وهذا لا يوجد في حق الصغير.
وإن قلتم: إن هذا في البالغ، فهو ساقط، لأن حد الشيء لا يختلف لشخص وشخص.
وقول القائل: ((يجب عليه وجوب مثله))، كلام لا يفهم، والواجب واحد في جميع المواضع وعلى جميع الأشخاص.
وأما الأمرية والضرب فهو للتأديب والتمرين بفعله ليتخلق ويعاد ذلك وينشأ عليه.
وأما الوضوء فلا نقول إنه واجب لكنه نفل بشرط لنفل.
ومن أصحابنا من قال: إن المؤدي وظيفة الوقت، لأنه طهر، ولهذا يؤم بنية الطهر ولو لم ينو يقال له: أعد، ووظيفة الوقت لا يثنى كما في حق البالغ.
يبينه أن تثنية وظيفة الوقت يؤدي إلى الحرج، والحرج مدفوع ولهذا لهذا لا ندعى الوجوب ونسلم أن المفعول نفل، ولكن نقول: هو وظيفة الوقت مع النفلية، وهذا أمثل من الأول.
وهم يقولون: ليس بوظيفة الوقت حقيقة، ولكن في صورة وظيفة الوقت أمر به للاعتياد والتخلق، لأن وظيفة الوقت في الحقيقة هو الفرض ولا فرض عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 194

الجواب: إن منع كونه وظيفة الوقت لا يمكن، لأنها صلاة مأمور بها في وقت محدود معلوم لا يتوجه الأمر بها إلا بالوقت وينتهي بانتهاء الوقت، وهذا معنى قولنا: ((وظيفة الوقت)).
وأما صفة النفل والفرض من وراء ذلك.
والمعتمد في المسألة أن نقول: لم يدرك البلوغ وقت الوجوب فلا تجب عليه الصلاة كما لو بلغ بعد مضي الوقت.
وإنما قلنا ذلك، لأن الوقت غير مراد لعينه، وإنما هو مضروب للصلاة فإذا اتصل به الصلاة المضروب لها الوقت انتهى في حق المصلي، لأنه إذا كان إنما شرع لمعنى فإذا تم ذلك المعنى وانتهى لم يكن لبقاء الوقت معنى.
وهذا لأن وقت الصلاة بعد الفراغ عن الصلاة لا عمل له في معنى ما، فلم يكن وقت الصلاة بل كان زماناً من الأزمنة مثل سائر الأزمنة.
فأما في حق غير المصلي فيبقى الوقت مشروعاً في حقه بظهور عمله وفائدته.
فإن قالوا: هذا الذي قلتم يستقيم في حق البالغ، لأنه أدى الفرض ولا يستقيم في حق غير البالغ، لأنه لم يؤد فرض الوقت فيبقى الوقت في حقه لطمع الأداء وترتيبه في ثاني الحال.
قلنا: هو قد أدى المشروع له الوقت، وهذا لأن الوقت شرع في حقه لصلاة يؤديها، فإذا أداها انتهى الوقت في حقه مثل ما ينتهي في حق البالغ، وهذا غاية الوسع.

الجزء: 1 - الصفحة: 195

والإشكال عظيم في المسألة، وقد تعلقوا بالحج إذا فعله الصبي ثم بلغ يلزمه وإنما ألزموه ذلك، لأن الواجب فريضة العمر فعين لفعله أكمل حالات الإنسان شرعاً ليجعل بفعله في هذه الحالة كالمستوعب لجميع عمره بفعله، وهذا لا يوجد في حال الصغر، لأنه حالة ناقصة ولا يمكن أن يجعل بفعله فيه بمنزلة المستوعب لجميع عمره بفعله.
لأن الحالة الناقصة لا تنتظم الحالة الكاملة والحالة الكاملة جاز أن تنتظم الحالة الناقصة.
والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 196

(مسألة)

القراءة واجبة في جميع الركعات

عندنا.
وعندهم: تجب في ركعتين منها.
لنا: حديث الأعرابي أن النبي عليه السلام علمه الصلاة والقراءة ثم قال: ((وكذلك أفعل في كل ركعة))، والأمر على الوجوب.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

فإن قالوا: إن قوله: ((افعل)) ينصرف إلى الفعل دون القول.
قلنا: بل ينصرف إلى الكل.
ألا ترى أنه ينصرف إلى التكبيرات والتسبيحات وإن كان من المقول لا من المفعول، وهذا لأن الذكر فعل الإنسان فهو كفعل سائر الجوارح، ولأن الثالثة والرابعة ركعة من الصلاة فتجب فيها القراءة الأولى والثانية، وهذا قياس جلي شبهاً.
ويمكن أن يقال من حيث المعنى: إن القيام متردد بين العادة والعبادة فوجبت القراءة لتمييز العبادة عن العادة، وهذا المعنى موجود في جميع الركعات.
ألا ترى أن الركوع والسجود لما كان متميزاً عن العادة بذاته لم تجب فيها التسبيحات، والقعود لما تردد بين العادة والعبادة كلف ووجب التشهد/ المميز فيه ويقال أيضاً: إن الثانية تكرار الأولى، والثالثة تكرار الثانية فيجب فعله على رسم الأولى والثانية لهما وإلا لم يكن.
وأما حجتهم: نقلوا عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا في المصلي: إنه بالخيار في الركعتين الأخراوين إن شاء قرأ وإن شاء سبح)).

الجزء: 1 - الصفحة: 198

ولأن القراءة في الأخراوين ذكر يخافت فيه جميع الأحوال فلم يكن واحدا ً، دليله التسبيحات، وهذا لأن الصلاة في الأصل ركعتان على ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر))، وإذا كانت كذلك فالركعتان أصل والباقي من ركعة في المغرب واثنتين في الصلوات ذوات الأربعة زيادة، وقد ثبتت على الخفة في الشرع ولهذا لا تقرأ السورة ولا يجهر بالقراءة فيها.
ومن الخفة ألا تجب القراءة بل تسن.
وأيضاً فإنه لما لم تكن الركعتان الأخراوان أصلاً بل كان زيادة لم يتحقق فيهما التكرار الذي احتججتم به، لأن الأصل لا يكرر بما ليس بأصل.
قالوا: وأما الذي قلتم بأن القراءة مميزة بين العادة والعبادة فليس بصحيح، لأنه لو كان هذا المعنى يفيد الوجوب لوجب التشهد في القعود الأول، وبإجماع هو غير واجب.
الجواب: أما التعلق بالمخافتة فضعيف، لأن القراءة تخفيها في الظهر والعصر في جميع الأحوال وهي واجبة، وعلى عكس هذا فإن الإمام يجهر بالتكبيرات الفواصل بين الأركان وهي غير واجبة، وهذا لأن الجهر والمخافتة إتباع محض، ولا يهتدي إليهما قياس بحال.
وأما قولهم: ((إن الأصل ركعتان)).

الجزء: 1 - الصفحة: 199

قلنا: لا بل كل الواجب أصل، يبينه أنه وجب في كل واحد من الركعتين الأخراوين من الفعل ما وجب في الأوليين، دل أنهما أصل مثل الأوليين.
والخبر الذي رووه عن عائشة فليس في دليل، لأنه يجوز أن يجب من بعد ويصير أصلاً مثل الأول كالشرائع التي وجبت شيئاً فشيئاً صارت كلها أصولاً وأركاناً.
فإن تعلقوا بالسقوط في السفر فليس بشيء، لأن الركعة الثالثة في صلاة المغرب لا تسقط وليست بأصل على ما زعموا، ولأن عندنا ما سقط ولكن القصر رخصة كما أن الإفطار رخصة.
وأما قولهم: ((إنه وجبت الركعتان الأخروان على طريق الخفة)).
قلنا: ليس لهم على هذا دليل سوى حذف السورة منهما، وهذا ممنوع على أحد القولين فإنه يشرع قراءة السورة فيهما كما يشرع في الركعتين الأوليين، وعلى أنه لا يدل شرع الخفة من هذا الوجه على سقوط أصل القراءة، فإنه قد شرع في الركعة الثانية في الصبح على أصلهم نوع خفة حتى إنه لا يطول فيها ما يطول في الأولى، ومع ذلك يجب القراءة فيها مثل ما يجب في الأولى.
وأما الذين تكلموا به على فصل التمييز بين العادة والعبادة من إلزام فصل التشهد الأول.
قلنا: وجب التشهد في الجملة، فإنه إن لم يجب الأول فقد وجب الثاني وعلى إنه خرج عن هذا الأصل بالنص الوارد في إسقاط وجوبه على ما عرف.

الجزء: 1 - الصفحة: 200

وأما تعلقهم بأثر علي وابن مسعود.
فقد قيل: إن الراوي عن علي هو الحارث الأعور، وقد زعم الشعبي أنه كان كذاباً، وعلى أن قول الصحابي الواحد والاثنين لا يقدم على القياس عندنا.
اللهم إلا أن ينتشر في الصحابة ولا يظهر له مخالف فينزل منزلة الإجماع، وعلى أن التعلق بالظاهر من أفعال النبي عليه السلام أولى، وقد قرأ النبي عليه السلام في الركعات الأربع وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 201

(مسألة)

قراءة الفاتحة ركن في الصلاة

عندنا.
وعندهم: الركن أصل القراءة، فأما قراءة الفاتحة سنة.
وزعم أبو زيد أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة وليس بركن، وجعل الفرق بين الركن والواجب أن ركن الصلاة ما يفسد بتركه الصلاة والواجب لا تفسد بتركه الصلاة.
لنا: حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن

الجزء: 1 - الصفحة: 202

النبي عليه السلام قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
وفي رواية: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)).
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج)).

الجزء: 1 - الصفحة: 203

وروى شعبة/ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يجزئ صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ فأخذ بيدي وقال: ((اقرأ في نفسك يا فارسي)).
وقد روى هذا الحديث جماعة سوى عبادة وأبي هريرة، منهم عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين.
وروى عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: ((أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)).
وروى ((أنه أعطاه نعليه)) ليكون علامة له، والاعتماد على السنة ولا مدخل للقياس في هذه المسألة.
وأما حجتهم: تعلقوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾.
وبقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَه﴾، فالتقييد بفاتحة الكتاب زيادة على كتاب الله وهو يجري مجرى النسخ، ولا يجوز بخبر الواحد، وكذلك الصلاة ثابتة بكتاب الله تعالى، وهي عبارة عن أركانها فلا يجوز إثبات ركن فيها إلا بالطريق الذي ثبت أصله.
قال: والعدل من القول هو القول بين الكتاب والسنة فنأمره بالعمل ونوجبه ولا نفسد الصلاة بتركها، فعلى هذا راعينا حق كتاب الله تعالى الثابت باليقين، ولم نلحق به زيادة، وراعينا

الجزء: 1 - الصفحة: 204

خبر الواحد بأن عملنا به، والأصل في خبر الواحد أنه يوجب العمل دون العلم).
قال: (ويجوز أن يكون الشيء واجباً ولا يكون ركناً كالسعي عندنا واجب وليس بركن للحج، وصدقة الفطر واجبة وليست بركن من أركان الإسلام.
وكذلك العمرة على أصلكم، وكذلك الطواف محدثاً ومنكوساً وعرياناً وهذا لأن الأمر بالطواف ورد من غير قيد فالتقييد ثبت بالسنة فلا نزيد لأنه نسخ بل نثبته تكميلاً وتحسيناً.
ولا تلزم القعدة الأخيرة، لأن الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة أنها ليست بواجبة، ولأنه قد ثبت بالأخبار المتواترة أن النبي عليه السلام لم يسلم إلا بعد القعدة، والأمر بالصلاة في كتاب الله مجمل فيكون فعله - صلى الله عليه وسلم - بياناً لما لم يبينه الكتاب بخلاف القراءة، لأن الآية ظاهرة مستغنية عن بيان رسول الله ولأن فعله يكون زيادة على كتاب الله تعالى وأنها نسخ وليس ببيان فيحمل فعله على بيان الكمال لأن الآية الكمال لأن الآية لم تتعرض له).
قالوا: (ولأن فريضة الصلاة في الأصل متعلقة بالفعل دون القول فيكون فعل رسول اله بياناً للفعل ولا يصير بياناً للقول، لأن القول فرض زائد ثبت بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ وهو ظاهر لا بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الذي هو مجمل) وهذا استدلال أبي زيد في المسألة ذكره في الأسرار.

الجزء: 1 - الصفحة: 205

وقد تعلق بعضهم: بنوع آخر من الاستدلال وهو أن الفاتحة مدنية وقد كان الجواز ثابتاً بالإجماع قبل نزول الفاتحة بلا فاتحة ولا يرفع هذا الحكم إلا بدليل مجمع عليه.
وقالوا: أيضاً: (إن القرآن لا يحفظ إلا بالقراءة وحفظه واجب وأن لا يهجر شيء منه ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فلو عينا الفاتحة للركن وأوجبناها لصار الباقي مهجوراً غير محفوظ فوجب أن يجعل ركن القراءة غير متعين لتأتي القراءة على جميع القرآن).
وقالوا: أيضاً: (إن القرآن له أحكام مخصوصة نحو جواز الصلاة بقرأته وحرمة القراءة على الحائض والجنب وحرمة مس المصحف إلا طاهراً وحرمة القراءة حيث لا يسمع في مجامع الناس ووجوب الاستماع حيث يقرأ في الصلاة والخطبة ومواضعه إبانة لشرفه ثم لا يختص شيء من القرآن بشيء من هذه الأحكام حتى لا يصير الباقي مفضولاً فيصير مهجوراً، فكذلك في هذا بل أولى، لأن إبانة الشرف في هذا أكثر).
قالوا: (وأما أخباركم وردت زائدة على كتاب الله تعالى فلا تقبل، أو تحمل على الزيادة سنة، أو يقال: ثبتت هذه الزيادة عملاً لا علماً فيلزمه القراءة وتجوز الصلاة بدونه)، وقد رووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب)).

الجزء: 1 - الصفحة: 206

ورووا عن النبي عليه السلام قال: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها، ومعتمدهم التعلق بالآية، وقد أيدوا ذلك بحدث الأعرابي وهو ما روى عن النبي عليه السلام أنه قال له: ((ثم أقرأ ما تيسير معك من القرآن)).
الجواب: أما التعلق بالآية، قلنا: ليس فيها أكثر من الأمر بقراءة ما يتسر وما تيسر يختلف، لأنه قد تتيسر السورة الطويلة وقد لا تتيسر السورة القصيرة فصارت الآية مجملة من هذا الوجه.
وصارت الأخبار التي رويناها بياناً لها.
وأما قولهم: ((إن إيجاب الفاتحة زيادة في الكتاب)).
قلنا: قد تثبت الزيادة على الأصلين، لأن عندنا تجب الفاتحة، وعندكم يسن قرأتها حتى لو تركها يجب عليه سجود السهو، وإنما تثبت الزيادة عندكم بالسنة فكذلك الوجوب، وعلى أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب وغيره أن مثل هذا لا يعد نسخاً ولا يجوز اعتقاد النسخ فيه أصلاً، ومن اعتقد النسخ في أمثال هذا فلم يعرف معنى النسخ.

الجزء: 1 - الصفحة: 207

وأما قول أبي زيد: ((إن قراءة الفاتحة واجبة وليست بركن حتى لا تفسد الصلاة بتركها)).
قلنا: إذا سلمت أنها واجبة لزمت قراءتها في الصلاة، وإذا لزمت صارت منها كأصل القراءة فيكون تركها مفسداً لها.
وهذا لأن علامة الواجب في الصلاة فسادها بتركه.
وأما الذي قالوا: إن قراءة الفاتحة لم تكن واجبة فبقى الأمر على ما كان من قبل، ولأن الفرائض كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التعيين، وقد كانت القراءة واجبة من قبل من غير تعيين سورة من القرآن ثم ورد الشرع بتعيين سورة الفاتحة فوجب الصلاة على هذا المعنى.
وأما قولهم: ((إن تعين الفاتحة يؤدي إلى أن يصير باقي القرآن مهجوراً))، فهذا محال لأنه إن كان إيجاب قرأة الفاتحة يؤدي إلى هذا فاستنان قراءتها أيضاً يؤدي إلى هذا، وهذا لأنا وإن أوجبنا قراءة الفاتحة فيشرع معها قراءة غيرها من السورة فلا يؤدي إلى ما قالوه.
وأما قولهم: ((إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة)).
قلنا: سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم، وهذا على الخصوص بدليل أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين مشروعة على الوجوب، وعندكم على السنة.
وقد قال أصحابنا: إن قراءة القرآن لما وجب في الصلاة وجب أن يتعين الفاتحة لأن القرآن امتاز عن غيره بالإعجاز، وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة وهذه أشرف السور لأنها السبع المثاني.

الجزء: 1 - الصفحة: 208

ولأنها تصلح عوضاً عن جميع السور ولا يصلح جميع السور عوضاً عنها، ولأنه تشتمل على ما لا تشتمل عليه سورة ما على قدرها من الآيات، وذلك مثل التمجيد والثناء للرب والاستعانة والاستعاذة والدعاء من العبد، وإذا صارت هذه السورة أشرف السور وحالة الصلاة أشرف الحالات فتعينت أشرف السور في أشرف الحالات.
وأما الخبران اللذان تعلقوا بهما فلا يثبت واحد منهما.
أما الأول فرواه أبو علي جعفر بن ميمون قال يحيي: ليس بثقة.
والخبر الثاني: رواه طريف بن شهاب السعدي، قال أحمد: لا يكتب حديثه.
فلا يعارض ما ذكرنا.
والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 209

(مسألة)

((بسم الله الرحمن الرحيم)) آية من الفاتحة عندنا ويجهر بها في الصلاة.

وعندهم: ليست بآية من الفاتحة يخفيها عند القراءة.
وقال أبو بكر الرازي من أصحابهم: إنها مفردة أنزلت للفصل بين

الجزء: 1 - الصفحة: 210

السورتين.
والمعتمد من الدليل لنا: أن التسمية مكتوبة في المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، والصحابة ما أثبتوا في المصاحف إلا القرآن، وكان مقصودهم بذلك صيانته عن الزيادة والنقصان.
ولهذا كرهوا التفاسير، وقالوا: جردوا القرآن، وإذا كانت التسمية مثبتة في المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، دل أنهم إنما أثبتوها في مواضعها لأنها من القرآن في موضعها المثبتة فصارت مثبتة كسائر آيات القرآن.
يبينه أنه إذا لم تكن من القرآن في موضعها المثبتة فيه يؤدي إلى أن يكونوا خلطوا القرآن بغير القرآن، وهذا لا يجوز.
ويمكن أن يقال: إن ما بين الدفتين قرآن بإجماع الصحابة.
وقد اشتملت الدفتان على التسمية في مواضعها.
دل أنها من القرن في مواضعها وهذا هو المعتمد من الدليل.
وقد تعلق الأصحاب بحديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي عليه السلام عند الفاتحة آية آية للأعرابي، وعد/ بسم الله الرحمن الرحيم آية منها)).

الجزء: 1 - الصفحة: 211

وبحديث ابن أبي بريدة عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: ((لا أخرج من المسجد حتى أعلمك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري)) قال: ثم خرج وأخرج إحدى رجليه من المسجد فقلت في نفسي: لعله نسى فالتفت إلي وقال: ((بم تفتتح القراءة في الصلاة))؟ فقلت: ببسم الله الرحمن الرحيم فقال: ((هي هي)).
والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم: تعلقوا بحديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: يقول الله تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى على عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)).
والاستدلال من وجهين:

الجزء: 1 - الصفحة: 212

أنه صلى الله عليه لم يذكر التسمية ولو كانت آية منها لم يتركها بل كان ينبغي أن يبتدئ بها.
الثاني: أنه قال ((بيني وبين عبدي نصفين))، وإنما يكون نصفين إذا قلنا إن التسمية ليست بآية من الفاتحة، لأن الفاتحة سبع آيات بإجماع الأمة، والذي لله ثلاث آيات ونصف من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ... إلى قوله ..... ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ...﴾. والذي للعهد ثلاث آيات ونصف من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إلى آخر السورة.
فأما إذا عددنا التسمية آية منها كان الذي لله أربع آيات ونصف، والذي للعبد ثلاث ونصف فلم يستقم قوله: ((بيني وبين عبدي نصفين)).

الجزء: 1 - الصفحة: 213

وتعلقوا بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقرأة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وبحديث أنس قال: صليت خلف النبي عليه السلام وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القراءة ﴿بالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي رواية أخرى فلم أسمع أحداً منهم يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
وبحديث عبد الله بن مغفل الذي ذكره في جامع أبي عيسى والأخبار كلها ثابتة صحيحة.

الجزء: 1 - الصفحة: 214

وتعلقوا أيضاً بنوع من الاستدلال وهو أنه لو كان التسمية من القرآن في كل موضع أثبتت، لنقل إلينا بطريق يوجب العمل بذلك، لأن القرآن لا يجوز إثباته إلا بمثل هذا الطريق، فأما الطريق الآحاد فلا سبيل إلى إثبات القرآن بمثله.
قالوا: ولا يجوز أن يعكس هذا، فيقال لهم: لو لم يكن من القرآن لنقل كونه غير القرآن بطريق مقطوع به موجب العلم، لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من القرآن لأن ذلك أمر يطول ولا ينحصر.
فأما ما هو من القرآن فعليهم أن ينقلوه إلينا ولو نقلوا لوقع لنا العلم به.
قالوا: وأما الإجماع الذي تعلقتم به فهو ضعيف لأنه لو ثبت كونه من القرآن بالإجماع لوقع لنا العلم به، ولكان يكفر جاحد ذلك ويفسق تاركه.
وحين اختلفت الأئمة في ذلك اختلافاً ظاهراً وساغ الاجتهاد فيه علمنا أنه لا إجماع.
الجواب: أما الاستدلال الذي تعلقنا به فمعتمد، وهو في الحقيقة إجماع استدلالي والإجماع على وجهين: إجماع نص وهو إجماع المجمعين على الشيء صريحاً.
وإجماع استدلالي مثل ما بينا.
فالأول يوجب العلم القطعي، والثاني لا يفيد العلم القطعي لكنه يوجب العمل بأبلغ الدلائل الموجب له، ونظيره ((الحجر)) فإنه من البيت بدليل لا يوجب العلم بل يوجب العمل وهو الطواف عليه وسائر الكعبة قبلة الناس بدليل مقطوع به يفيد العلم ويقطع العذر، وظهر بهذا الجواب عن قولهم: ((إنه لو كان من القرآن لنقل كونه من القرآن بدليل يفيد العلم))، فإنا نقول: هو من القرآن في رأس كل سورة عملاً لا علماً ونظيره ما بينا.

الجزء: 1 - الصفحة: 215

وكذلك على أصلهم قراءة ابن مسعود في قوله: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) فهو من القرآن عملاً لا علماً.
وأما الأخبار التي رووها ففي معارضتها أخبار لنا بعضها وقد ذكر الدارقطني الجهر بالتسمية عن النبي عليه السلام برواية على، وابن عباس وأبي هريرة، وابن عمر، والنعمان بن بشير وغيرهم.
وأسانيدها وإن كان فيها مقال لكن يثبت بمجموعها ورود الجهر بالتسمية.
وقال .... عبد الله الحافظ قد صح الجهر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقل ذلك عن الصحابة: عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة/ وجماعة من التابعين.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: إن المصلي بالخيار، إن شاء جهر

الجزء: 1 - الصفحة: 216

وإن شاء أسر، فتعارض الأخبار في ذلك.
ونحن نقول: إن أخبارنا أولى لتضمنها زيادة لم تتضمنها أخباركم.
ولأن الراوي للإسرار يجوز أن يكون بعيداً عن النبي عليه السلام فلم يسمع، ولأن الأثبت من أخبارهم هو رواية من روى أنهم يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويحتمل أن يكون ذلك اسماً للسورة، وقد كان افتتحها بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
وروى عن أنس أنه سئل: هل كان رسول الله يجهر أو يسر بالتسمية؟ فقال للسائل: ((ما سألني عن هذا أحد قبلك وإني لا أحفظ)).
وهذا يوهن ما رووا من خبر أنس، ولهذا لم يخرجه البخاري بذلك اللفظ، وإنما خرجه مسلم وحده، لأنه متساهل في الأخبار ما لم يتساهل فيه البخاري.
وأما الخبر الأول فيحتمل أنه لم يبتدأ بالتسمية، لأنه قد ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من بعد فاكتفي به عن الأول.
وأما قوله: ((نصفين)).
قلنا: يجوز أن يكون معنى ((نصفين)) أي البعض لله تعالى والبعض للعبد، كقول الشاعر:

الجزء: 1 - الصفحة: 217

إذا مت كان الناس نصفين شامت ... بموتي ومثن بالذي كنت أفعل

وقال شريح: أصبحت ونصف الناس على غضاب.
والله تعالى أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 218

(مسألة)

تجب القراءة على المؤتم سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها،

وهذا أصح قولي الشافعي رضي الله عنه.
والقول الثاني: أنه تجب إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك، وابن المبارك وأحمد إلا أن أحمد لا يفسد الصلاة بترك القراءة خلف الإمام بحال، وإنما يأمر بالقراءة استحباباً.

الجزء: 1 - الصفحة: 219

وعند أبي حنيفة: تكره القراءة خلف الإمام بكل حال.
لنا: قوله عليه السلام في رواية عبادة بن الصامت: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)).
ولا فصل بين الخبرين أن يكون منفرداً، أو خلف إمام يقتدي به.
فإن قالوا: قد روى في بعض الأخبار ((من صلى صلاة لم يقرأ بأم الكتاب فلم يصل إلا أن يكون وراء إمام))، رواه جابر عن النبي عليه السلام.
فيكون خبر عبادة محمولاً على حال الانفراد بدليل هذا الحديث ثم يكون معنى قوله: ((لا صلاة)) أي لم يصل يعني صلاة كاملة.
قلنا: الذي رويتم صحيح عن جابر نفسه رواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر.
فأما عن النبي عليه السلام فلا يصح، وقيل: رفعه يحيى بن سلام، ولا تقوم بروايته حجة لضعفه وقلة تثبته.

الجزء: 1 - الصفحة: 220

وظاهر العموم لا يخص عندنا بقول صحابي واحد.
وقد نتعلق من جهة الخصوص بما روى محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن ربيع عن عبادة بن الصامت قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: ((إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم)) قال: قلنا يا رسول الله أي والله، قال: ((لا تفعلوا إلا بأم الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها)) أورده أبو عيسى على هذا الوجه قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة وأنس، وابن قتادة، وعبد الله بن

الجزء: 1 - الصفحة: 221

عمر ثم قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون القراءة خلف الإمام)).
وروى الدارقطني هذا الخبر في سننه من وجوه.
وقال: رواته ثقات.
وروى عن عبادة بإسناده قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: ((هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة))؟ قال بعضنا: إنا لنصنع ذلك.
وفي رواية: ((قلنا: أجل يا رسول الله)) قال: ((وأنا أقول ما لي أنازع القرآن فلا تقرؤا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن)).
وفي رواية: ((ولا يقرأ أحد منكم إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)).
ويدل عليه حديث أبي السائب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج))، قال أبو السائب: فقلت: يا أبا هريرة أني أكون أحياناً وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، يا فارسي فإني سمعت رسول الله

الجزء: 1 - الصفحة: 222

  • صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ...)) ... الخبر إلى آخره.
    وأما الكلام من حيث المعنى فظاهر، لأن القراءة ركن الصلاة وركن الصلاة لا يسقط بالاقتداء، دليله سائر الأركان وهذا لأنه إذا وجبت القراءة على المصلى فلا يجوز أن تسقط عنه إلا بمعنى مؤثر في الإسقاط، ولم يوجد إلا الاقتداء بالإمام والاقتداء تأثيره في وجوب التأسي والمتابعة فأما لا تأثير له في سقوط ركن عن المقتدى بالاقتداء، يبينه أن الاقتداء قد يوجب على المقتدى ما لم يكن واجباً عليه فكيف يسقط عنه ما هو واجب عليه.
    وأما حجتهم: تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ والأمر على الوجوب فوجب الإنصات والاستماع إذا جهر الإمام، ووجب الإنصات إذا لم يجهر، وقد أيدوا هذا أيضاً بما رواه أبو موسى الأشعري أن النبي عليه السلام قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ....).

الجزء: 1 - الصفحة: 223

وقال فيه: ((وإذا قرأ فانصتوا)).
قالوا: روى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام انصرف في صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: ((هل قرأ أحد منكم معي آنفاً))؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله.
قال: ((إني أقول مالي أنازع القرآن))، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جهر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)).

الجزء: 1 - الصفحة: 224

وتعلقوا أيضاً بما رووا عن عبد الله بن شداد عن جابر أن النبي عليه السلام قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)).
وفي رواية عن جابر قال: صلى بنا رسول الله وخلفه رجل يقرأ فنهاه رجل من أصحاب النبي عليه السلام فقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((من صلى إمام فإن قراءته له قراءة)).
قالوا: ورواه أيضاً سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي عليه السلام.
قالوا: ولا يجوز أن يحمل على أن معناه: فإن قراءة الإمام للإمام قراءة، لأن هذا تعطيل للخبر وليس بتأويل، ومثل هذا التأويل لا يقوله فقيه.
ولأن هذا على مثال قول القائل: من دخل الدار خلف ابني فأعطه كذا، ينصرف إلى الداخل لا إلى الابن.

الجزء: 1 - الصفحة: 225

ورووا بطريق عمران بن حصين قال: ((كان النبي عليه السلام يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه فلما فرغ قال: ((من ذا الذي يحالجني))؟ ونهاهم عن القراءة خلف الإمام.
ورووا عن الشعبي أن النبي عليه السلام قال: ((لا قراءة خلف الإمام)).
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي عليه السلام: أقرأ خلف الإمام أو أنصت قال: ((أنصت فإنه يكفيك)).
وروى عون عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((يكفيك قراءة الإمام خافت أو جهر)).
وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة)).

الجزء: 1 - الصفحة: 226

وفي رواية: ((إنما يقرأ خلف الإمام من ليس على الفطرة)).
وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له)).
وأما تعلقهم بالمعنى: من صح اقتداؤه بالإمام سقطت القراءة عنه دليله المسبوق بركعة.
قالوا: ولا معنى في سقوط القراءة عن المسبوق سوى الإتباع والاقتداء فإنه لا يجوز أن يكون المعنى مجرد إثبات الركعة حتى لا تفوته، لأن هذا المعنى موجود إذا أدركه بعد الركوع، ولأنه لا فوت في الحقيقة فإنه يقضي ومع القضاء لا يتحقق الفوت.
ولأن النبي عليه السلام أمر القاصد إلى الصلاة بالمشي ومنعه من السعي وإن كان فيه خوف الفوت، ولا يجوز أن يكون المعنى سقوط القيام لأنه غير ساقط، ولابد من وجود قيام عنه بعد التكبير وإن قل وإنما يسقط مد القيام لسقوط القراءة.
وأما في مسألتنا فالمؤتم وإن سقط عنه القراءة لكن وجب عليه القيام بحكم المتابعة.
وفي المسبوق لا قراءة عليه ولا متابعة فسقط عنه مد القيام، وأما القيام فقد أتى به، وأما القراءة سقطت لأجل صحة الاقتداء ولا يعرف معنى سوى هذا.
فإن طلبتهم كثيراً في الاقتداء، والمتابعة توجب سقوط القراءة فوجب ذلك (أن القراءة وجبت لمعنى العمل، وقد روى عن الحسن البصري قال: أنزل الله القرآن ليعمل به الناس فاتخذ الناس

الجزء: 1 - الصفحة: 227

قراءته عملاً وإذا كان وجوب القراءة للعمل فالعمل التدبر والتفكر) وذلك يكون بالاستماع لقراءة الإمام.
فأما بقراءة الجميع على التغالب لا يحصل هذا المقصود للأمر بالاستماع وقام الاستماع خلف الإمام مقام القراءة إذا كان منفرداً فصار سقوط القراءة إلى خلف يقوم مقامه في المعنى/ وسقوط الفرض إلى فرض مثله في المعنى غير مستنكر في الشرع وبل قد ورد الشرع على هذا المعنى في مواضع كثيرة.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذا مستقيم عند جهر الإمام، فأما عند الإسرار فلا يستقيم، لأن الأصل هو الجهر المسمع للقوم، ولأن الله تعالى أمر بالقراءة بين الجهر والإخفاء بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، إن لا يجهر الجهر الشديد ولا يخافت اخفات من لا يسمع القوم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾، بين الجهر الشديد والإخفاء، فثبت أن الأصل كان هو الجهر المسمع للقوم إلا أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بالإسرار في الظهر والعصر لعارض أذى المشركين، فإنهم كانوا يجتمعون ويؤذون النبي عليه السلام في الظهر والعصر.
ويحاكون صلاته وقراءته ويصفقون ويصفرون فأمره الله تعالى بالإسرار لذلك ثم بقى كذلك، وإن زال المعنى الذي أمر به لأجله، ومثل هذا يكثر أن يرد الشرع بمعنى ثم يزول ذلك المعنى ويبقى المشروع كالرمل والسعي في الحج وما أشبه ذلك.
وتعلقوا أيضاً بالسورة، وقالوا: إحدى صورتي القيام فتسقط بمتابعة الإمام كالسورة المضمومة إلى الفاتحة.

الجزء: 1 - الصفحة: 228

الجواب: أما تعلقهم بالآية ... قلنا: وردت الآية في الخطبة في الجمعة ونحن نقول بذلك في خطبة الجمعة.
قالوا: روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: نزلت الآية في القراءة خلف الإمام، وذكروا ذلك أيضاً عن مجاهد.
قلنا: ما ذكروه عن أبي هريرة رواه الأوزاعي عن عبد الله بن عامر وهو ضعيف.
وكذلك الإسناد عن مجاهد ضعيف أيضاً.
وعلى أن عندنا يقرأ في سكتات الإمام، وعند قراءته يسمع وينصت.
وقد روى محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عطاء عن أي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه)).

الجزء: 1 - الصفحة: 229

فإن قالوا: إذا لم يسكت الإمام.
قلنا: يقرأ ويكره للإمام أن لا يسكت، وإن لم يسكت فالوبال عليه لا على المأموم.
وعلى هذا الجواب يخرج ما تعلقوا به من قوله عليه السلام: ((وإذا قرأ فانصتوا)).
وعلى أن الأصح من ذلك الخبر أنه خال عن هذه اللقطة، وإنما وردت هذه اللفظة الزائدة في بعض الروايات، وعلى ذلك فنحن قائلون به.
وأما خبر ابن أكيمة الليثي فهو حجة مالك وأحمد في أنه يقرأ إذا أسر الإمام ولا يقرأ إذا جهر وهو أحد قولي الشافعي، وليس بحجة لهم.
وعلى أنه قد قيل إن ذلك اللفظ وهو قوله: ((فانتهى الناس)) من قول الزهري، وليس بقول أبي هريرة فيكون مرسلاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 230

وقد ورد في بعض الروايات قال الزهري: فانتهى الناس.
وأما حديث جابر، فالصحيح أنه مرسل، رواه الأئمة مثل سفيان الثوري، وابن عيينة وشعبة، وشريك، وإسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبي عليه السلام.
وعبد الله بن شداد من التابعين، ولم يسنده غير أبي حنيفة رحمة الله عليه والحسن بن عمارة، قالوا: وهما ضعيفان في الحديث فعند التفرد عن سائر الإثبات لا تقوم الحجة بروايتهما، وهذا قول أئمة الحديث.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب علل الحديث: ((أجمع أهل العلم أن كل من أسند هذا الحديث فقد أخطأ)).

الجزء: 1 - الصفحة: 231

وأما روايته عن سالم عن أبيه هذا الخبر فرواه ممد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف متروك.
وأما حديث عمران بن حصين فلم يرووه على ما نقلوا غير الحجاج بن أرطأة وهو لا يحتج بروايته.
وأما حديث الشعبي فمرسل، وأما حديث علي رضي الله عنه فمداره على غسان بن الربيع وهو ضعيف)).
وأما حديث ابن عباس فرواه عاصم بن عبد العزيز عن أبي سهل عن عون عن ابن عباس، وعاصم بن عبد العزيز من جملة الضعفاء أيضاً، ولا تقوم بروايته حجة.
وأما حديث علي بعينه فقد قال الدارقطني: إن إسناده لا يصح.
وحديث زيد بن ثابت لا يعرف.
هذه أوجه العلل في أخبارهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

وأما المعنى الذي تعلقوا به: أما فصل المسبوق فقد قال بعض أصحابنا: إنه ثبت بالنص غير معقول المعنى ثم الجواب المعتمد أن سقوط القراءة لسقوط القيام، وهذا لأن القيام لا يراد لعينه وإنما يراد للقراءة، وإذا سقط القيام سقطت القراءة.
وقولهم ((إنه لم/ يسقط)).
قلنا: دليل السقوط هو أن الرجل مسبوق بالقيام، فلو جعلنا القيام عليه واجباً وألزمناه الإتيان به لصار آتياً بما سبق به قبل فراغ الإمام من صلاته، وهذا لا يجوز بل هو مبطل للصلاة فعرفنا قطعاً بهذا الدليل أن القيام عنه ساقط، وأما الذي يأتي به من القيام فهو لقيام تحريمه.
واعتذر أبو زيد عما قلناه، وقال: الراكع بمنزلة القائم لأنه بنصفه الأسفل قائم وإنما هو مائل بنصفه الأعلى، وإذا كان بمنزلة القائم فيكون قيام المسبوق مشاركة له في فعل القيام، ولا يكون فعلاً لما سبق له.
وهذا هوس، لأن الراكع ليس بقائم حقيقة، لأن القيام عبارة عن هيئة مخصوصة، لا ينطلق هذا الاسم إلا على تلك الهيئة، ولئن جاز أن يقال: إن الراكع نصفه قائم جاز أن يقال: القائم نصفه راكع، ومن دخل في أمثال هذا فقد جنى على عقله وعدل عن طريقة الفقهاء إلى طريق المهوسين الهازلين.
فإن قالوا: فلم يسقط القيام؟ قلنا: لا يلزمنا بيانه، وعلى أنه يمكن أن يقال: إنما يسقط بعلة العجز، فإنه لما أمر بالمتابعة فقد عجز عن القيام فصار كما لو عجز بالمرض.
وأما المعنى من قولهم: ((إن القرآن إنما أنزل للعمل به، فهو كلام صحيح في أصله، وليس بشيء في هذه المسألة، لأن الاستماع والتدبر وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 233

أمر به فهو سنة وأدب من آداب الشرع، والقراءة ركن، بدليل أنه لو قرأ بغير تدبر جازت صلاته، ولو سكت غير مستمع تجوز صلاته عندكم، ولو ترك القراءة أصلاً بطلت صلاته، وإذا كان الاستماع من سنن القراءة وآدابها، فلا يجوز أن يقام مقام أصل القراءة.
والدليل على أن الاستماع ليس بأصل أن الشرع ورد بالإسرار تارة وبالجهر أخرى فلا يتصور الاستماع مع الإسرار، وبهذا يفارق الخطبة، فإن الاستماع هناك لما كان أصلاً لم يرد الشرع فيها إلا بالجهر، وهذا لأن الصلاة بأركانها كلها مؤداه لله تعالى، وليس بخطاب لأحد من الخلق حتى يشرع استماعهم على صف الوجوب.
نعم هو أدب وسنة في حال الجهر تعظيماً للقرآن، وإذا كان مؤداه لله تعالى من المصلى فلا خلل فيها سواء اتصل به الاستماع أو لم يتصل، بخلاف الخطبة فإنها خطاب للناس وعظة لهم، فإذا لم يوجد الاستماع اختل أمر الخطبة فثبت بمجموع هذا الكلام، أن الاستماع لا يجوز أن يكون خلفاً عن القراءة بحال، والقراءة ركن فإسقاطها بالإتباع والاقتداء إلى غير خلف لها في معناها لا يجوز.
وقولهم ((أن الجهر هو الأصل)).
قلنا: لا بل لو قلب وقيل أن الإسرار هو الأصل كان صحيحاً بل الأصح أن القراءة أصل أمر بها بوصفي الإسرار والإخفاء لتختلف تارات القارئ، ويشتمل وصف العبادة كما تختلف أحوال المصلى من انتقالاته من قيام إلى ركوع إلى سجود إلى قعود، ويشمل وصف العبادة جميعها، فأما أن يجعل أحدهما أصلاً والآخر مأموراً بعارض فليس عليه دليل.
ألا ترى أن الإسرار قد ورد به الشرع في صلاة المغرب والعشاء الآخرة فيما زاد على الركعتين، فدل أنه ليس الأمر على ما زعم.

الجزء: 1 - الصفحة: 234

وخرج على ما قلناه فصل السورة، لأنها سنة.
وقد بينا أن الاستماع سنة، فيجوز أن يسقط بسنة على سنة مثلها.
أما القراءة ركن والاستماع سنة فلا يجوز أن يسقط ركن إلى خلف هو سنة.
والله تعالى أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 235

مسألة

قراءة القرآن بالفارسية لا يجوز وغيرها من اللغات

عندنا.
وهو قول أكثر أهل العلم.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه بدون صاحبيه يجوز، وعلى مذهبه اختلافات لأصحابهم مذكورة في كتبهم.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ والقرآن اسم للمنزل بلغة العرب بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.

الجزء: 1 - الصفحة: 236

وقال الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فغير العربي لا يكون قرآناً.
يبينه أن القرآن ما أنزل الله تعالى على نبيه محمد عليه السلام فتلوناه بألسنتنا وكتبناه في مصاحفنا وحفظناه في صدورنا.
ونحن نعلم قطعاً أن الفارسية ليست مما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا هو المتلو على الألسن ولا المكتوب في المصاحف فلا يكون قرآنا ولأنه إذا قرئ بالفارسية فقد أخل/ بنظم القرآن، والقرآن قرآن بنظمه ومعناه.
وهذا لأنه كلام امتاز عن كلام الخلق بالإعجاز، والإعجاز في نظمه، لأنه نظم خارج عن أقسام كلام العرب، فإذا اختل النظم ذهب الإعجاز، وإذا ذهب الإعجاز لم يكن قرآناً.
يدل عليه (إن القرآن نزل حجة على النبوة وعلماً للهدى، والهدى بمعناه والحجة بنظمه، ثم الإخلال بالمعنى يسقط حكم القراءة، كذلك الإخلال بالنظم).
يبينه أن حفظ القرآن واجب بنظمه ومعناه ليكون حجة النبوة، وحجة الأحكام محفوظة في أيدي الناس، والحفظ يكون بالقراءة، ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فعرفنا أن جوازها متعلق بعين ما أنزل الله ليحصل الحفظ المطلوب من الناس على ما أنزل.
وأما حجتهم: تعلقوا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ولم يكن فيها بالعربية.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي بالقرآن وإنما ينذرون بلغاتهم، فدل أنه لا يصير شيئاً آخر باختلاف اللغة، وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه لقن رجلاً ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ وكان يقول: طعام اليتيم، فقال: قل طعام الفاجر.
وعن أنس أنه قرأ: ((وحططنا عنك وزرك)) مكانه قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾.
قال: ولأن العبرة بالمعنى فإنه هو المقصود، وقد أدى المعنى وإن كان بلغة أخرى.
وأما الإعجاز فهو اختصار المعنى، والإخبار عن الغيوب فهذا لا يذهب وإن قرئ بلغة أخرى.
الجواب: أما الآيات التي تعلقوا بها فليس فيها دليل لهم، بل هو دليل عليهم، لأنه كان في زبر الأولين ولم يكن قرآناً، فإن زبر الأولين والصحف الأولى ليست بقرآن، ولو قرأ ذلك في صلاته لا تجوز صلاته، وإذا كان على هذا الوجه فيجوز أن يكون معنى الآية: ذكر الرسول أو يكون المراد معنى القرآن لا نفس القرآن.
وأما الذي نقلوا عن ابن مسعود فيحتمل أنه إنما قال ذلك تنبيهاً له على المعنى فإذا تنبه على المعنى كان لسانه بذلك أطلق.

الجزء: 1 - الصفحة: 238

وأما المروي عن أنس فهو من القراءات الشواذ، وقد كانوا يقرؤون الشواذ على أنه من المنزل، ولكن انقطع النقل الآن، واتفق الأمة على مصحف الإمام وهو مصحف عثمان رضي الله عنه وترك ما سواه فلم يجز قراءة غيره لأجل الإجماع.
وأما الذي قالوا: ((إن العبرة بالمعنى)).
قلنا: قد بينا أن القرآن بنظمه ومعناه جميعاً فلا يجوز الإخلال بواحد منهما.
وقولهم ((إن الإعجاز في اختصار المعنى)).
قلنا: الاختصار وغير الاختصار قد وجد في القرآن، وليس ذلك من الإعجاز وإنما الإعجاز في نظمه على ما سبق.
وأما الإخبار عن الغيوب فإن ذلك في بعض السور وما من سورة من القرآن إلا وهي معجزة، فلم يكن الإعجاز على العموم إلا في النظم.
فإن قالوا: (إن القراءة في الصلاة للثناء على الله تعالى ليس للمحاجة مع الكفار والثناء يتأدى بالمعنى)).
(قلنا: القراءة في الصلاة ليست للثناء على الله تعالى، فإنه يقرأ بما ليس فيه ثناء، وإنما الثناء سنة في الصلوات كلها، ولكن القراءة ركن.
فدل أنه إنما يقرأ القرآن ليكون محفوظاً، كما أنزل حجة على النبوة، والأحكام جميعاً على ما سبق، ولأنه لو نظم معناه شعراً ثم قرأ به فسدت صلاته.
لأنه نظمه من كلام الناس لا من كلام الله وهذا فصل معتمد.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 239

مسألة

يسن رفع اليد عند الافتتاح وعند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع

عندنا.
وعندهم: لا يسن إلا عند الافتتاح.
لنا: حديث الزهري عن سالم عن أبيه وهو ابن عمر قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وإذا ركع، وإذا رفع رأسه (من الركوع) فعل مثل ذلك وكان لا يرفع من السجدتين)).

الجزء: 1 - الصفحة: 240

وروى هذه السنة عن النبي عليه السلام قريب من ثلاثين نفساً من الصحابة منهم: عمر وعلي رضي الله عنهما، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأبو هريرة، وأنس، وجابر، وأبو سيد، وأبو حميد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو قتادة، وأبو موسى الأشعري، وعمر الليثي.
وعن علي بن المديني قال: حديث ابن عمر مثل هذه الإسطوانة- يعني في الثبوت.
وقد قال بهذه السنة ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، من التابعين: الحسن البصري، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وقال بها الأئمة: الأوزاعي، ومالك، ومعمر، وابن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

الجزء: 1 - الصفحة: 241

وقد اختلف فيه عن مالك، وابن عيينة إلا أن أصح الروايتين عنهما ما قدمناه.
نقله ابن وهب وغيره عن مالك.
وقد اتفق على هذه السنة أهل الحجاز، وقيل: إن أهل مكة أخذوا رفع اليدين في المواطن الثلاثة عن ابن جريج، وأخذه ابن جريج عن عطاء، وأخذه عطاء عن عبد الله بن الزبير، وأخذه ابن الزبير عن أبي بكر، وأخذ أبو بكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما حجتهم: تعلقوا بحديث سفيان عن عاصم بن كليب الجرمي عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 242

قالوا: ورواه حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
ورواه يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فرفع يديه في التكبير الأولى ثم لم يعد)).
وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((لا ترفع الأيدي

الجزء: 1 - الصفحة: 243

إلا في سبعة مواطن))، وذكر منها حال الافتتاح، ولم يذكر ما سوى ذلك من أحوال الصلاة.
وتعلقوا أيضاً بالحديث المعروف أن النبي عليه السلام رأي أصحابه وقد رفعوا أيديهم فقال: ((ما بالكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة)).
قالوا: وراوى خبركم ابن عمر.
وقال مجاهد: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة فلم يكن يرفع يديه إلا في الافتتاح.
ونقلوا عنه أنه قال: رفع اليدين بدعة.
قالوا: ولأن رفع اليدين مجرد حركة بلا عنى، وأما في حال الافتتاح سلم للنص.

الجزء: 1 - الصفحة: 244

الجواب: أما حديث ابن مسعود فقد روى سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك قال: ثبت حديث من يرفع، ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي عليه السلام لم يرفع إلا في أول مرة.
وقيل: إن عبد الرحمن بن الأسود لا يصح سماعه عن علقمة.
ولأنه يحتمل أنه خفى عن ابن مسعود هذه السنة كما خفى عليه الأخذ بالركبة في حال الركوع، وقد كان يطبق حتى توفاه الله.
أما حديث البراء بن عازب فقوله: ((ثم لم يعد)) غير ثابت وقد كان يزيد بن أبي زياد روى بالحجاز من غير هذه الزيادة ثم روى بالكوفة مع هذه الزيادة، فيحتمل ((أنه لقن فتلقن، وقد كان اختلط في آخر عمره)).

الجزء: 1 - الصفحة: 245

وأما حديث مقسم فهو عن ابن عباس نفسه، والرواية: ((برفع الأيدي)) وليس فيه نفي الرفع في غير المواضع السبعة.
وأما الذي رووا عن قوله عليه السلام: ((ما بالكم رافعي أيديكم ....)).
فقد ذكر مسلم في صحيحه هذا الخبر، وذكر أنهم كانوا يرفعون أيديهم في التشهد ويشيرون بالسلام فقال النبي عليه السلام ما قال.
والذي نقلوا عن ابن عمر فقد ثبت عن ابن عمر ما قدمناه.
وروى زيد بن واقد عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه في الصلاة حصبه- أي رماه بالحصباء.

الجزء: 1 - الصفحة: 246

وقولهم: ((إنه قال ((بدعة)) أثر موضوع.
وكيف وقد روى عنه ما قدمنا ثم يخالفه ويسميه بدعة مع شدة تمسكه بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال بعض الصحابة: ما أحد منا فتش إلا فتش عن جائفة أو منقلة غير عمر، وابن عمر منه)).
وأما قولهم: ((حركة بلا معنى)).
قلنا: الاعتراض على السنة بمثل هذا الكلام باطل، وعلى أنه زينة الصلاة وقد ورد هذا في بعض الآثار.
والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 247

مسألة

إذا تكلم في صلاته ناسياً أو مخطئاً أو مكرهاً لم تبطل صلاته

عندنا.
وعندهم تبطل صلاته.
لنا: ما رواه مالك عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام صلى إحدى صلاتي العشى أو الظهر أو العصر

الجزء: 1 - الصفحة: 248

فسلم على اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟ فقال النبي عليه السلام: ((أصدق ذو اليدين))؟ قالوا: نعم، فعاد وأتم صلاته ثم سجد سجدتي السهو.
والخبر نص.
قالوا: كان هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة، وقيل:/ إن القوم تكلموا عامدين ومع ذلك لم يعيدوا الصلاة.
قلنا: هذا حمل الحديث على النسخ بلا دليل، ولأن أبا هريرة متأخر

الجزء: 1 - الصفحة: 249

الإسلام فإنه أسلم سنة سبع من الهجرة، وقد كان الكلام حرم قبل هذا بزمان مدريد.
وأما قوله: ((إن القوم قد تكلموا عامدين ولم يأمرهم بإعادة الصلاة)).
قلنا: قد كان الكلام واجباً عليهم بخطاب النبي عليه السلام، وإذا وجب الكلام لا تبطل به الصلاة.
وأما الكلام من حيث المعنى فنقول: الكلام محظور الصلاة فعمله في إبطال الصلاة من حيث ارتكاب الحظر وفي حال النسيان زال الحظر فزال عمله كما لو أكل ناسياً في الصوم.
وإنما قلنا: إنه محظور الصلاة، لأن الصلاة مجموع أفعال يؤديها مثل الحج سواء وليس ترك الكلام من أفعال الصلاة إلا أن الشرع حظر عليه الكلام.
لأن الصلاة عبادة وقيام في موضع المناجاة وإقبال على الله تعالى بالكلية، فكان من قضيتها ترك الكلام لتحقيق الإقبال على الله بالكلية، واحترام موضع النجوى، وتعظيم المعبود مثل الحج فإنه مهاجرة إلى الله تعالى وزيارة لبيته فاقتضى تحريم ما يشبه من أحوال المرفهين المتنعمين مثل لبس المخيط والتطيب والتجمل ليكون أشبه بالمهاجرين إلى الله تعالى، وإذا ثبت أن الكلام محظور الصلاة، وليس تركه فعلاً يؤدي به الصلاة فمتى زالت الحظرية زال عمله.
أما حجتهم: قالوا: ترك الكلام شرط صحة الصلاة، وشروط الصلاة لا تسقط بالنسيان كالطهارة، واستقبال القبلة وسائر الشرائط.

الجزء: 1 - الصفحة: 250

يدل عليه أن أصل الصلاة لا يسقط بالنسيان فكذلك شروطها.
والدليل على أنه شرط الصلاة أن النبي عليه السلام قال لمعاوية بن الحكم السلمي: ((إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)).
وإخراج ما لا يصلح في الصلاة يكون شرط الصلاة، كالتطهير من الحدث.
يبينه أنه إذا كان لا يصلح في الصلاة بالنص يكون منافياً للصلاة لعينه فمتى وجد سواء كان عامداً أو ناسياً تبطل به الصلاة بمنزلة الحدث سواء.
قالوا: وأما الأكل ناسياً في الصوم فإنما لم يبطل به الصوم بالنص فهو حكم ثبت بالنص غير معقول المعنى فلا يقاس عليه غيره، ولأنه لو أكل ناسياً في الصلاة تبطل به الصلاة، كذلك الكلام، لأن كل واحد منهما فعل غير صالح في الصلاة.
قالوا: وليس يدخل على ما قلنا إذا سلم في الصلاة ناسياً، لأن جنسه مشروع في الصلاة فلم يكن مبطلاً للصلاة بعينه بل بقصد الخروج، فإذا وجد لا في حين الخروج بطل قصده، ونفى مجرد السلام وهو بعينه غير قادح في الصلاة وأما الكلام فإنه مفسد للصلاة بعينه على ما سبق.

الجزء: 1 - الصفحة: 251

الجواب: أما قولهم: ((إن إخلاء الصلاة من الكلام شرط الصلاة)).
قلنا: قد بينا أنه محظور الصلاة، ودللنا عليه.
أما الخبر فإنه قد أخبر من أنه لا يصلح في الصلاة، ويجوز أن يكون المعنى لا يصلح للحظرية.
يبينه أن جنس الكلام مشروع في الصلاة، ولو كان مبطلاً للصلاة لعينه لم يشرع جنسه كالحدث، فدل أنه مبطل للصلاة لمعنى ارتكاب المحظور، وهذا لا يوجد في حال النسيان، وخرج على هذا الحدث فإنه منافي للطهارة لعينه ثم إذا ارتفعت الطهارة فات شرط الصلاة فلم تجز الصلاة.
فإن قالوا: لا عمل للنسيان إلا في رفع الحرج ففيما وراءه يجعل بمنزلة العدم.
قلنا: هذا دعوى بلا دليل بل عمل النسيان إزالة الحظر، فإذا زال الحظر كان الحكم على ما قدمنا، ويبطل هذا الكلام أيضاً بما لو أكل ناسياً في الصوم فإنه قد عمل النسيان فيما وراء رفع الإثم حين لم يبطل به الصوم.
وأما الذي قالوا: ((إنه بالنص غي معقول المعنى)).
قلنا: قد ذكرنا معنى صحيحاً يمكن التعويل عليه فلا يترك له.
وأما إذا أكل ناسياً في الصلاة فلا نسلمه بل نقول: إذا أكل ناسياً وإن كان في الصلاة لا تبطل صلاته كما لو تكلم، اللهم إلا أن يكثر الأكل حتى يخرج به عن هيئات المصلين، وكذلك إذا أكثر الكلام في مسألتنا فدل أنه يبطل الصلاة أيضاً، لما ذكرنا.
أما إذا سلم ناسياً فهو لازم، وعذره ضعيف، لأن السلام الذي يخرج به عن الصلاة هو ما كان خطاباً لقوم حاضرين، وهذا غير مشروع جنسه في الصلاة بحال.
وعلى أنا قد بينا أن مسألتنا قد شرع جنس الكلام في الصلاة، فتستوي الصورتان بلا فرق ... والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 252

مسألة

المرتد إذا عاد إلى الإسلام يلزمه قضاء ما ترك من الصلاة

عندنا في حال الردة.
وعندهم: لا يلزمه.
وكذلك ما كان عليه من واجبات لله تعالى، وفي ذمته قبل الردة فإذا ارتد ثم أسلم فهي عليه كما كانت.
وعندهم: تسقط كلها.
وعلى هذا الأصل إذا ارتد وقد حج أو صلى الظهر في أول الوقت ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه أن يحج ويصلي ثانياً.

الجزء: 1 - الصفحة: 253

وعندهم: يلزمه.
وإنما جمعنا بين المسألتين، وإن اختلفا في الصورة، لأنهما يتفقان في المعنى على ما سيأتي بيانه.
وبناء المسألتين على أن الخطاب بالعبادات وسائر الشرعيات متوجه على الكفار عندنا.
وعندهم: غير متوجه، وقد ادعوا فقد أهلية العبادات في الكفار، ونحن ندعي وجود الأهلية وتوجه الخطاب إلا أنه سقط بعفو من الشرع في موضع، ولا يسقط في موضع بحسب قيام الدليل فهذا محل النزاع.
لنا: إن الكافر مكلف يمكنه التوصل إلى فعل العبادة فيلحقه خطاب العبادة دليله المسلم، أما قولنا: ((مكلف)) فلا إشكال فيه، والدليل عليه أنه مكلف بالإسلام.
وأما قولنا: ((يمكنه الوصول إلى فعل العبادة))، فهو أن يسلم ويصلي، فهذا طريق التوصل فثبت ما ادعيناه، وتحقيقه أن الكافر عبد من العباد وقد خلق الله تعالى عباده ليعبدوه على ما نطق به الكتاب، فكل من سهل له طريق العبادة بوجه ما، يلحقه خطاب العبادة لإطلاق الخطاب وشمول الأمر فيكون هو داخلاً في زمرة المخاطبين، ويكون الخطاب المطلق متناولاً إياه.
فإن قالوا: إن الكافر لا يمكنه التوصل إلى فعل العبادة، لأنه إذا أسلم لا يكون كافراً.

الجزء: 1 - الصفحة: 254

قلنا: هذا ليس بشيء، لأن الخطاب متناول ذات المخاطب، والإسلام والكفر صفتان له فهو وإن أسلم فذاته واحد، وقد اتصل بذاته إلى فعل ما خوطب به فيكون المخاطب هو المتوصل إلى فعل خوطب به في الموضعين وإن بدل وصفه بوصف.
وهذا مثل الجنب يخاطب بالصلاة، فإن طريق توصله إلى فعل الصلاة بالاغتسال، وإذا اغتسل لم يكن جنباً ثم هذا لا يدل على أن الخطاب لا يتناوله، وكان طريق تحقيق توجه الخطاب مع تبدل وصفه بوصف الاغتسال هو ما بينا.
كذلك هاهنا.
وإذا ثبت ما بينا من توجه الخطاب عليهم فنقول: المرتد مخاطب بالصلوات في حال الردة ولم يوجد عفو من الشرع في حقه، فإذا أسلم يلزمه قضاء ما فات.
وكذلك نقول في الكافر الأصلي أنه مأمور بالعبادات إلا أنه إذا أسلم سقط عنه بعفو الشرع، وذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
وأجمع أهل العلم أن هذا الخطاب للكفار الأصليين.
وهذا لأن الكافر الأصلي عارف بدينه غير عارف بدين الإسلام وقد ادعى من دينه الذي عرفه وتعوده ورأى فيه نجاته ومصلحته ثم دعى إلى دين لم يعرف ما يشتمل عليه فاحتاج إلى نوع ترغيب والطاف لينزع عما كان عليه، ويرغب فيما لم يكن عليه، ومن اللطف المرغب في حقه هو عفو الشرع عنه بعد قبول الإسلام عما سلف منه، فهذا نوع لطف من الله تعالى مع الكفار ليرغبوا في الإسلام ولا ينفروا عنه وهو كسائر ألطافه الخفية الغزيرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 255

فأما المرتد فقد كان عرف الإسلام، وعرف ما يشتمل عليه ثم أنه ترك الإسلام وعاد إلى رأس كفره، فكانت الحاجة إلى تشديد الأمر عليه، فيرد أولاً إلى الإسلام شاء أم أبى من غير إمهال وتثبت، ثم لا يعفى عن شيء من الواجبات المتوجهة عليه بل يؤمر بقضائها ولا يحابي ولا يساهل في شيء منها، فإنه قد حصل استعمال اللطف في حقه ابتداء حتى قبل الإسلام ابتداء، فلما لم ينفع اللطف، وقد عاد إلى رأس أمره كانت الحكمة في استعمال العنف والتشديد في حقه، وذلك باستمرار الخطاب عليه ثم بالمؤاخذة بفعل ما يتوجه عليه شاء أو أبى فيحصل بهذا تأديبه وتعريكه، ويحصل بها أيضاً زجر سائل المسلمين عن ارتكاب مثله فعله فهذا هو المعنى المفرق بين الصورتين وهذه حكمة لطيفة من حكم الشيء لا يقع عليه إلا من أمده الله تعالى بنور من عنده.
وإذا عرف هذا الأصل فعلى/ هذا يخرج غيره من المسائل وهو بقاء الواجبات عليه وكذلك بقاء العبادات له، فإن خطاب العبادات إذا استمر في حقه بعد الردة بقيت الواجبات في ذمته، وبقي الحج الذي فعله، والصلوات التي فعلها له مثل ما بقي لسائر المسلمين فلم يؤمر بفعلها ثانياً.
أما حجتهم: قالوا: الكافر ليس من أهل العبادة فلا يخاطب بالعبادة دليله البهيمة، وإنما قلنا: ((إنه ليس من أهل العبادة)) لأن العبادة معنى شرعي يعرف بموجبه وهو الثواب، والثواب هو الجنة، والكافر ليس من أهل الثواب، فلا يكون من أهل العبادة، وهذا كالنكاح معقود للحل، والبيع للملك ثم من لا يكون من أهل الحل لا يكون من أهل النكاح.

الجزء: 1 - الصفحة: 256

وكذا في الملك مع البيع، وهذا لأن الأمر بالعبادة ليس لمعنى يرجع إلى المعبود، لأنه تعالى غنى عن جميع الناس، وإنما الأمر بالعبادة لنفع، لنفع العبد بالثواب، فحقيقة العبادة فعل مخصوص يعرف بموجبه وهو الثواب، ولا ثواب له بحال فلم يكن من أهلها.
قالوا: وهذا بخلاف السكران لأنه من أهل الثواب فإنه مسلم وكذلك الجنب والمحدث، فصارت الطهارة شرط الأداء لا شرط الوجوب فلم ينتف الوجوب بتراخي شرط الأداء.
وأما الإسلام فهو شرط الوجوب فإذا عدم الإسلام عدم الخطاب بالوجوب.
يبينه: أن الإسلام أصل والصلاة فرع، ولا يصلح الأصل شرطاً للفرع.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنا لو أسقطنا الخطاب عن المرتد لصار الكفر سبباً للتخفيف عنه، وهذا لا يجوز، وذلك لأن إسقاط الخطاب بالعبادة عن المرتد، وسائر الكفار ليس بطريق النظر والرحمة، مثل ما يسقط عن الصبيان نظراً لهم ومرحمة، ولكنا نسقط الخطاب بطريق الخزي والتنكيل، وذلك أنه بكفره ألحق نفسه بالبهائم والخطاب بالعبادة كرامة (فإن الله تعالى أكرم بني آدم بالتخليق ثم بالتأهيل لحمل الأمانة ثم بالتوفيق لأداء ما حمله ثم بالثواب الموعود)، فإذا سقط الخطاب عن الكفار بالعبادات، كان السقوط خزياً له وتنكيلاً له بحكم جنايته بالكفر، فكأنا ألحقناه بالبهائم بكفره وصرفنا عنه التكريم بالخطاب.
وأما عذاب الآخرة فلا تخفيف عنه لهذا السبب، لأنا لو قلنا لا عقوبة عليه بترك العبادات فالعقوبة متوجهة بتأخيره بترك الإسلام وارتكاب هذا

الجزء: 1 - الصفحة: 257

الجناية العظيمة وإلحاقه نفسه بالبهائم، وربما تكون المعاقبة عليه بهذا أشد من المعاقبة بترك الفروع من الشرعيات.
قالوا: وأما الخطاب بأصل الإيمان فمتوجه على الكفار، لأنه لو أتى به صح ولأنه إذا تم منه يكون فرضاً، وهو من أهل الثواب، فاستقام خطابه بالإسلام، لأنه من أهل موجبه إذا وجد منه، وفي مسألتنا لا يستقيم الخطاب بسائر العبادات لما بينا أنه ليس من أهل موجبها.
قالوا: وإذا ثبت أنه لا خطاب على الكافر بالعبادات، قلنا: لا يجب عليه القضاء إذا أسلم، لأن القضاء ثاني الوجوب، فإنه إذا لم يكن وجوب فلا قضاء.
وكذلك ما فعله من الحج والصلاة في أول الوقت يلزمه إذا أسلم أن يفعل ثانياً، لأنه إذا لم يكن من أهل العبادة لا تبقى له العبادات فصار بعد عوده إلى الإسلام ككافر أصلي أسلم ابتداء فتلزمه الصلاة عند إدراكه بعض الوقت ويلزمه الحج، وصار المفعول بمنزلة العدم.
وربما يقولون: إن المسلم إذا ارتد- والعياذ بالله- بطل ما فعله من الإسلام من قبل، لأن زمان الإسلام لا يقبل التبعيض والتجزئ، ولو أسلم وخرج لحظة من عمره عن الإسلام لم يصح إسلامه، فإذا لم يتبعض، فإذا ترك الإسلام في المستقبل بطل ما فعله في الماضي بمنزلة الصوم في اليوم الواحد.
وإذا بطل الإسلام بطل ما فعله أيضاً في حال الإسلام، ولابد من وجوب الحج عليه ثانياً، وكذلك الصلاة.
قالوا: وليس كمن تيمم في إسلامه ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام حيث يبقى تيممه، لأنا إنما ادعينا ما ادعيناه في العبادات والتيمم ليس

الجزء: 1 - الصفحة: 258

بعبادة على ما سبق بيانه، وأما اشتراط النية فيه فلم يكن لأنه عبادة بل كان لما رأينا أن التراب ليس بطهور في ذاته، وإنما صار طهوراً بالشرع، والشرع إنما جعله طهوراً عند إرادة الصلاة به، فإذا لم يرد لم يكن طهوراً.
وأما هاهنا فإن الصلاة عبادة، وقد بينا أنه ليس من أهل الخطاب/ بالعبادة يبينه: وهو أن العبادة فعل مقرب على الله تعالى فمن لا يعرف الله أو لا يكون من أهل التقريب إلى الله تعالى، كيف يكون محلاً للخطاب بالعبادة؟ وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وهذا اللفظ عام في كل عمل إلا ما يخصه الدليل.
الجواب: إنه قولهم: ((إنه ليس من أهل العبادة)).
ليس كذلك بل هو من أهل العبادة بفطرته وخلقته، لأن خلق ليعبد ربه، ولأنه عبد من العباد، والعبادة تعبد فيكون له أهلية العباد.
وقولهم: ((إن العبادة للثواب)).
قلنا: قد توجد العبادة بلا ثواب، بدليل أن النبي عليه السلام قال: ((الغيبة تفطر الصائم))، ومعناه تلحقه بالمفطر لفقد ثواب الصوم ومع ذلك فإن صومه صحيح، وكذلك قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ .....﴾.

الجزء: 1 - الصفحة: 259

ومعلوم أن المراياة تفوت ثواب الصلاة، ومع ذلك فإن صلاته صحيحة.
قالوا: فوات الثواب في هذين الموضعين بحكم مقابلة الوزر بالغيبة والمراياة لثواب الصلاة والصوم، وإذا تقابلا وتوازيا، صار الثواب كالعدم، ولم يكن لأجل فوات أهلية الثواب.
وأما في مسألتنا كان فوات الثواب لفقد الأهلية فسقط الخطاب.
قلنا: هذا كلام تقولونه في كثير من المواضع فلا تعرف صحته، والتقابل الذي يدعونه لا يعرف إلا بوحي، وقد أخبر النبي عليه السلام أنه لا ثواب للصائم المغتاب ومع ذلك قد صح صومه.
ويمكن أن يقال: إن صحة العبادة ليس من ضرورتها الثواب، ويجوز أن تصح العبادة من الشخص ولا يثاب عليه أصلاً، وهذا كلام طويل ذيله واسع مجاله، وليس من باب الفقه.
والأصح أن نوافقهم فيما ادعوه، لكن نقول: صحة الخطاب بالعبادة بإمكان التوصل، فإذا أمكن التوصل بوجه ما صح الخطاب.
وهذا لأن خطاب العبادة إذا كان الثواب، ولم يصح فعلها منه إلا بعد أن صار أهلاً للثواب استقام الخطاب بها ليؤديها بعد أن يأتي بشرط الإسلام، وهذا كالخطاب بأداء الصلاة فإنه متوجه على الجنب، وكذلك السكران، ولا يقال: إنه كيف يخاطب بالأداء من لا يصح منه الأداء، ولكن يقال: إنه مخاطب بأداء الصلاة ليؤديها بعد أن يعقل من السكر أو بعد أن يطهر من الجنابة فاستقام الخطاب بالأداء على هذا التقدير.
والحرف أن الثواب لما كان بالفعل ولا فعل إلا بعد الإسلام لم يمنع عدم أهلية الثواب من توجه الخطاب، وهذا بخلاف البهيمة، لأن خطابها مستحيل ولا وقت لوجود فعل العبادة منها بحال.

الجزء: 1 - الصفحة: 260

وها هنا ليس فقد الخطاب عنهم لاستحالة الخطاب فإن الخطاب مع الكافر صحيح معقول، ولكن كان عدم الخطاب عندهم لعدم أهلية الثواب فإذا قدرنا لفعله تقديم الإسلام زال هذا المعن، واستقام الخطاب.
جواب آخر نقول: وهو أن صحة العبادة بإفادة الخطاب، وقد أفاد الخطاب مع الكافر.
لأنه إذا لم يفد فعلاً يستحق به الثواب أفاد تركاً يستحق عليه العقاب، وهذا لأن خطاب الفاجر عن الأداء بالأداء مستحيل، كما أن خطاب غير الأهل مستحيل، ثم يتوجه خطاب أداء الصلاة على السكران وإن كان عاجزاً عن الأداء، ولكن توجه الخطاب بالأداء لأنه إن لم يفد فعلاً فقد أفاد تركاً حتى يعاقب عليه، وهم يقولون على هذا الخطاب ليس إلا للفعل فلا يجوز تصحيح الخطاب لمعنى يعود إلى ترك الفعل، وفي السكران الخطاب بالفعل صحيح، لأنه ليس فيه إلا بآخر الأداء وبآخر الأداء لا يسقط الخطاب بالأداء.
ونحن نقول: إن صحة الخطاب لفائدة، فأما إذا أفاد الخطاب صح الخطاب وقد أفاد على ما بينا.
وأما السكران ففي غاية اللزوم.
وقولهم: ((إنه لم يفت الأداء في السكران وإنما تأخر)).
قلنا: في حالة السكر هو مخاطب بالأداء آخراً يعاقب على تركه.
ولا يتصور منه أداء في هذه الحالة، ومع ذلك صح الخطاب بالأداء لما بينا.
وقولهم: ((إن الإسلام أصل لا يصلح شرطاً لفرعه)).
قلنا: معنى الشرط ما تقف عليه العبادة فسواء وجد معناه في الإسلام الذي هو أصل العبادات أو غيره استقام تسميته شرطاً، ويمكن أن يقال: إن الإسلام أصل فيما يرجع إلى ذاته شرط فيما/ يرجع إلى الصلاة المؤداة بعدها.

الجزء: 1 - الصفحة: 261

والجواب الأول أحسن وأجرى في المعاني.
وأما قولهم: ((إنه إذا ارتد بطل الإسلام الذي وجد منه وصار بمنزلة العدم)).
قلنا: إلحاق الموجود بالمعدوم لابد فيه من دليل قطعي، وعلى أنه إن جاز أن يقال: إذا ارتد يصير الإسلام الموجود منه بمنزلة المعدوم، يجوز أن يقال: إنه إذا عاد إلى الإسلام تصير الردة الموجودة منه بمنزلة المعدوم، وهذا أحسن، والشرع عليه أدل، والاعتقاد له أقبل.
وأما الآية التي تعلقوا بها فقد قال في موضع آخر: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾.
وذلك الآية المطلقة محمولة على هذه المقيدة، ويصير عمله بمنزلة الموقوف إن مات على الردة بطل عمله، وإن عاد إلى الإسلام بقي له عمله.
وقد قالوا: هذا في أملاك المرتد أنها موقوفة إن دام على الردة، وإن قتل أو مات زالت أملاكه من وقت الردة، وإن عادة إلى الإسلام جعل ملكه بمنزلة المستمر ولم يزل شيء من أملاكه عن ملكه، كذلك هاهنا.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 262

(مسألة)

يسجد سجدتي السهو عندنا قبل السلام.

وعندهم: بعد السلام.
لنا: حديث الزهري عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة أن النبي عليه

الجزء: 1 - الصفحة: 263

السلام قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلا أتم صلاته سجد سجدة السهو فكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسى من الجلوس قال: ((وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف)).
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)).

الجزء: 1 - الصفحة: 264

ولهم في المسألة من حيث الأخبار: حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن النبي عليه السلام صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فسجد سجدتين بعد ما سلم)).
وروى أيضاً ابن مسعود أن النبي عليه السلام قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر أثلاثاً أم أربعاً فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب ثم ليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين)).

الجزء: 1 - الصفحة: 265

ويدل عليه حديث ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام سجدهما بعد السلام، وهذا في حديث ذي اليدين.
ونحن نقول: إن أخبارنا أولى، لأنها ناسخة لغيرها من الأخبار فإنه روى عن الزهري قال: كان آخر الأمرين من النبي عليه السلام فعل سجدتي السهو قبل السلام.
وروى يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم أن أبا هريرة،

الجزء: 1 - الصفحة: 266

والسائب القاري كانا يسجدان سجدتي السهو قبل السلام.
وأبو هريرة الراوي لخبرهم المشهور المعروف وهو خبر ذي اليدين، دل أنه إنما خالف، لأنه عرف أن خبرهم منسوخ.
وقد قال بعض أصحابنا: إن معنى قوله: ((بعد السلام)) أي بعد التشهد ويجوز أن يسمى التشهد سلاماً لاشتماله على السلام، مثل الصلاة تسمى قراءة لاشتمالها على القراءة.
والجواب الأول أمثل، ولأن سجدتي السهو جزء من الصلاة فليس فعله قبل السلام دليله سائر الأجزاء، ويمكن أن يقال: سجدة مشروعة لإتمام الصلاة فصارت كالسجدة الأصلية.
وإنما قلنا: ((لإتمام الصلاة))، لأنه قائم مقام ما تركه يوجب نقصاناً في الصلاة فيكون فعله إتماماً لها.
يدل عليه أن ما أنجبر به الشيء يصير منه بدليل الحسبات، فإذا أنجبر سجدتي السهو الصلاة صارتا من الصلاة، ولهذا المعنى حكموا بالعودة إلى الصلاة عند فعل السجدتين فإذا ثبت أنهما من الصلاة أخر عنهما السلام مثل ما يؤخر عن سائر أفعال الصلاة.
وأما حجتهم من حيث المعنى: قالوا: (ما قبل السلام جزء من الصلاة والسهو فيه يوجب سجدتي

الجزء: 1 - الصفحة: 267

السهو لولا السهو الأول فوجب سجود سجدتي السهو عنه دليله ما قبله.
وهذا لأن سجدتي السهو يجبان بالسهو فأخرتا عن موضعها، لأنا لا نأمن سهواً آخر بعده فيلزمه مرة أخرى، والموجود يجبر ما قبله لا ما بعده والشرع لم يأت بالتكرار فأخرتا سجدتي السهو ليجبر بهما كل سهو في الصلاة وذلك لا يحصل إلا بالتأخير عن السلام).
فصار الحرف/ لهم أن كل جزء يتصور فيه السهو ووجب سجدتا السهو به يجب تأخير السلام عنه لما بينا، ولا يدخل على هذا بعد السلام لأنه لا تجب سجدتا السهو في هذه الحالة.
وهذا لأنه لا سهو بعد السلام حقيقة، فإنا إذا قدرنا أنه لا سهو قبله ولا يكون في الصلاة أصلاً، ومع السهو الأول يكون البقاء في الصلاة بسبب السهو لا غير حتى لولاه لكان خارجاً من الصلاة فيكون السهو الثاني إذا قدرنا وجوده بعد السلام حاصلاً فيما هو جبراً لصلاة على التمحص ولا يجب جبر آخر لأنه سهو شرع لجبر الصلاة لا لجبر جبر الصلاة.
قالوا: وقولكم: ((إن الجبر شرع في الصلاة)).
(فعندما حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام ولا يسجد إلا وهو في الصلاة وإنما قدمنا السلام ليمتاز الجبر عن نفس الصلاة).
الجواب: إن قولهم: ((إن ما قبل السلام جزء من الصلاة)) على ما زعموا.
قلنا: ما قبل السلام هو زمان فعل سجدتي السهو، وزمان فعل

الجزء: 1 - الصفحة: 268

سجدتي السهو لا يوجب سجود السهو، وهو كما بعد السلام على أصله، فإنه عاد إلى الصلاة عندهم ولا يجب سجود السهو بالسهو الحاصل فيه.
فإن قالوا: ((يعود إلى حرمة الصلاة لا إلى الصلاة)).
قلنا: مذهبهم هو العود إلى الصلاة، وعلى أنه لا يعرف حرمة الصلاة بلا صلاة، نقول في الفرق بين الجزء الذي قبل السلام وبين سائر الأجزاء: إن في سائر أجزاء الصلاة يمكن تأخير السجود عنها فأخرنا لما ذكروا، وأما الجزء الذي قبل السلام فلا يمكن تأخير السجود عنه، لأنه إذا أخر سلم، وهذا سلام محلل من الصلاة، وإذا فعل في موضعه فيوجب الخروج منها وبعد الخروج من الصلاة لا يتصور جبر الصلاة، ولا يمكن أن يقال إنه يعود إلى الصلاة بالسجود، لأن الخروج من الصلاة إذا تحقق بالسلام المشروع للتحلل لا يتصور العود إليها إلا بتحريمة جديدة واستئناف الصلاة.
فثبت أن في سائر الأجزاء يمكن التأخير، وفي هذا الجزء لا يمكن التأخير لما بينا.
وسقط قولهم: ((إنه وقت السهو)) لأنهم إن قالوا: قبل أن يسجد، فذاك زمان لا سجود فيه فهو كسائر أزمان الصلاة، فإن قالوا: بعد أن سجد، فهو ليس بزمان السهو، إنما هو زمان سجود السهو، وزمان سجود السهو لا يكون زمان السهو، مثل قولهم ذلك فيما بعد السلام، ثم الدليل على الفرق بين سائر الأجزاء وبين هذا الجزء وعلى الأصلين.
أما على أصلنا فظاهر، وأما على أصلكم فلأنه لو سجد قبيل السلام فإنه يقع به الاعتداد وإن لم يسن فعله، وأما إذا سجد في سائر أزمان الصلاة قبل هذا الزمان فإنه لا يقع به الاعتداد، فتبين الفرق بين الحالين، وسقط ما قالوه جملة)).


الجزء: 1 - الصفحة: 269

(مسألة)

محاذاة الرجل المرأة في صلاة الجماعة لا يوجب بطلان صلاة واحد منهما

عندنا.
وعندهم: تبطل صلاة الرجل.
لنا: إن الرجل متابع وقف في موقف المتابعة فلا تفسد صلاته.
دليله سائر المتابعين، يبينه أن نهاية ما في الباب أنه مسيء في موقفه بجنب المرأة، والإساءة في الموقف لا توجب بطلان الصلاة.
دليله إذا انفرد خلف الصف، ودليله إذا وقف الرجل على يسار الإمام.
ودليله: إذا ترك القوم الاصطفاف في الصلاة خلف الإمام بأن قام كل منفرداً أو قاموا بجنب الإمام صفاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 270

والحرف أنه لا مفسد لصلاة الرجل، والإفساد بغير مفسد محال.
أما حجتهم: قالوا: إن الرجل ترك فرضاً عليه في الموقف فلم تجز صلاته.
دليله: إذا تقدم على الإمام، وإنما قلنا: ((ترك فرضاً عليه في الموقف)) لأنه فرض عليه تأخير المرأة عن موقفه، لقوله عليه السلام ((أخروهن من حيث أخرهن الله)).
وكلمة ((حيث)) للمكان، والأمر للوجوب ولا ترتيب يجب .... المكان بين الرجل والمرأة سوى مكان الصلاة.
ولأن النبي عليه السلام قال: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)).

الجزء: 1 - الصفحة: 271

والاحتراز من الشر واجب يدل عليه الحديث الصحيح: أن النبي عليه السلام ((صلى فأقام أنس وراءه واليتيم وراءه وأقام أم سليم وراءهما)).
وإنما قدم الصبي وأخر العجوز .... / كراهية الانفراد خلف الصف، لأنه كان محظوراً وقوفها بجنب الرجل فاختار الكراهية على الحظر، ولأن النساء إتباع الرجل في حكم الجماعة، ولهذا لا تجوز إمامتها بحال، فورد الشرع بالترتيب مكاناً بين التبع والمتبوع، كما ورد بين الإمام والمؤتم، ثم لو ترك المؤتم مكانه بأن تقدم على إمامه فسدت صلاته، كذلك إذا ترك الترتيب هاهنا أيضاً.
وإنما اختص الرجل بفساد صلاته، لأنه هو المخاطب بهذا الترتيب لما بينا من الخبر، ولأن الرجال هم القوامون بإقامة الجماعات وتسوية الصفوف، وإذا كان الخطاب للرجال دون النساء اختص الفساد بصلاة الرجل.
قالوا: وإنما اعتبره تقديم المؤتم على إمامه لتفسد صلاته، وفسد في مسألتنا بمجرد المحاذاة، لأن المواقف ثلاثة قدام، وخلف وحذاء، فقدام موقف المتبوع، وخلف موقف التبع، وحذاء وسط بين موقف المتبوع

الجزء: 1 - الصفحة: 272

وموقف التبع، فإذا كان مؤتماً وقف بجنب الإمام وهو موقف متمثل بين الجانبين فرجحنا موقف الخلف على موقف القدام في حقه بفعله المتابعة وهو فعل التتابع، ولم يكن في مسألتنا مثل هذا المرجح إذا وقف الرجل بجنب المرأة فاعتبرنا معنى آخر، وهو معنى الاحتياط للعبادة فإن الأصل ألا صلاة وإنما توجد الصلاة لموقف بترتيب ولم يوجد فبطل أصل الصلاة.
قالوا: وليس يلزم صلاة الجنازة، لأنا إنما ادعينا ثبوت هذا الترتيب في كل صلاة ورد للنساء فيها موقف بالشرع، وإنما ورد في الصلوات الخمسة.
فأما في صلاة الجنازة فلا، لأن النبي عليه السلام قال لنسوة وقد رآهن في جنازة: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات))، فلم يأمرهن بالصلاة وأمرهن بالرجوع، دل أنه لا موقف لهن فيها.
واعتذر أبو زيد عن صلاة الجنازات بشبه الصلوات الخمسة من وجه، لأنها صلاة في الجملة، وبشبه سجود التلاوة من وجه، لأنها ركن واحد وهو القيام مثل سجود التلاوة وهو ركن واحد وهو السجود، والمرأة تصلح إماماً في سجود التلاوة، مثل ما لو قرأت فسجدت سجد القوم السامعون معها، والثاني بمنزلة الإمام للسامعين، فلما أن صلاة الجنازة تشبه الصلوات الخمسة.
قلنا: إنها لا تصلح إماماً فيها، ولما أنها تشبه سجود التلاوة.
قلنا: إذا وقفت المرأة بجنب الرجل لم تفسد عليه صلاته فهذا منتهى ما قالوا في هذه المسألة.

الجزء: 1 - الصفحة: 273

الجواب: إن كلامهم ينبني على أن تأخير المرأة عن مقام الرجل في الصلاة واجب على الرجال، وهذا لا نسلمه بل هو عندنا سنة.
لأن الرجال إنما قدموا على النساء لفضلهم، والنساء إنما أخرن لنقصانهن فليس في ترك هذا إلا ترك تأخير فاضل وتقديم ناقص أو تسوية بين فاضل وناقص في الموقف وهذا غاية ما فيه الكراهة ولا يتعدى إلى التحريم والحظرية بدليل قوله عليه السلام: ((ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى)).
وإنما قدمهم لفضلهم وأحر غيرهم لنقصانهم ثم كان هذا أمراً مستحباً لا حتماً واجباً، كذلك هاهنا.
وأما تقدم المأموم فإنما لم يجز، لأنه لم يقف موقف المأموم المتبع.
وفي مسألتنا قد وقف كل واحد منهما موقف المأموم المتبع لإمامه فلا معنى لمنع الجواز.
وقولهم: ((إن النساء تبع الرجال)).
قلنا: هذا غير مستنكر، ولكن على معنى أنه لا يجوز إمامتهن

الجزء: 1 - الصفحة: 274

للرجال والمشروع إمامة الرجال لهن وقد قمنا بهذا الواجب حيث قلنا إنه لا تجوز إمامتهن للرجال بحال.
فأما في مسألتنا فإن المرأة قامت مقام الإتباع، لأنها إن قامت بجنب واحد من المؤتمين فهذا لا يذهب تبعية المأموم للإمام وهو رجل، وإن قامت بجنب الإمام فهي متابعة للرجل بفعل الصلاة ولا تذهب تبعيتها أيضاً.
وأما كونهن إتباعاً للرجل الذين هم أتباع الإمام، والتبع لا تبع له إلا أنه كره لهن الوقوف مع الرجال على المساواة لفضل الرجال ونقصان النساء فهذا لا يوجب فساد الصلاة لو ترك، بدليل ما ذكرنا من ذوى الأحلام والسفهاء والنهي.
أما قولهم: ((أنه لا يجوز إمامتهن)).
قلنا: هذا لا يدل على أنها إذا وقفت بجنب الرجل فسدت صلاته بدليل أن/ إمامة المرأة في صلاة الجنازة لا تجوز.
ولو وقفت بجنب الرجل لا تفسد صلاته، ثم إنها لم تجز لأنها ناقصة الدين والصلاة ركن الدين، والجماعة لإحراز الثواب والفضيلة فلم يجز إحراز الثواب والفضيلة في الدين من ناقصة الدين، وبيان نقصان الدين بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإن ألزموا العبد والصبي فلا نقصان ديناً هنا ك، وهاهنا ثابت بالنص، ولابد من اعتقاد وجوده عقلنا معناه أو لم نعقل.
وأما عذرهم عن صلاة الجنازة ففي غاية الضعف، لأن النساء لهن من الحظ في صلاة الجنازة ما لهن ذلك في سائر الصلوات.
ألا ترى أنه يجوز لهن فعلها مع الرجال مثل ما يجوز في سائر الصلوات.

الجزء: 1 - الصفحة: 275

والخبر محمول على أنهن كن حضرن لا للصلاة، وعلى أنه إذا لم يكن لهن نصيب في صلاة الجنازة، فيكون الفساد بالمحاذاة أولى منه إذا كان لهن نصيب.
وأما الذي قاله أبو زيد أنه يشبه كذا وكذا فهذا عذر عاجز ملتزم للمناقضة، لأنا نعلم قطعاً أنه لا إمامة ولا جماعة في سجود التلاوة.
والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 276

(مسألة)

إذا صلى الرجل بقوم ثم أخبر أنه كان جنباً أو محدثاً لزمته إعادة الصلاة.

وأما القوم فقد مضت صلاتهم على الصحة ولا إعادة عليهم عندنا.
وعندهم: عليهم الإعادة.
لنا: حديث ابن أبي عروية عن قتادة عن أنس قال: ((دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته كبر وكبرنا معه ثم أشار إلى القوم: كما أنتم، فلم نزل قياماً حتى أتى نبي الله عليه السلام قد اغتسل ورأسه يقطر ماء)).

الجزء: 1 - الصفحة: 277

وروى ثوبان عن أبي هريرة قريباً من هذا وفيه: ((ثم خرج ورأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف قال: ((إني كنت جنباً فنسيت أن أغتسل)).
وروى جويبر عن الضحاك عن البراء بن عازب قال: ((صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس هو على وضوء فتمت للقوم وأعاد النبي عليه السلام)).
وأما الذي يروون أن النبي عليه السلام صلى بالناس وهو جنب فأعاد وأعادوا)).

الجزء: 1 - الصفحة: 278

فرواه أبو جابر البياضي عن سعيد بن المسيب أن النبي عليه السلام صلى بالناس، وأبو جابر البياضي متروك ثم هو مرسل.
قالوا: ((روى عن علي رضي الله عنه أنه صلى بالقوم وهو جنب فأعاد ثم أمرهم فأعادوا)).
قلنا: رواه عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي.
وعمرو بن خالد أبو خالد الواسطي متروك الحديث، رماه أحمد بن حنبل بالكذب وقد روى ابن المنكدر عن الشريد الثقفي أن

الجزء: 1 - الصفحة: 279

عمر صلى بالناس وهو جنب فأعاد، ولم يأمره أن يعيدوا.
وكذلك روى الحرث بن أبي ضرار عن عثمان مثل هذا، وعن ابن عمر مثل ذلك.
ومن حيث المعنى نقول: إن كل واحد من القوم مصلى لنفسه مؤدى فرضه مثل ما لو كان منفرداً وصلاته غير متعلقة بصلاة الإمام في الجواز والفساد.
لأن الأصل أن الاثنين إذا اجتمعا على أداء فريضة لا يتعلق أداء أحدهما بأداء الآخر بل إن جاز فعل كل واحد منهما بجواز فعله وإن فسد ففساده بفعله، لأن الفرض عليه على الإنفراد، ولا يجوز أن يؤاخذ في فعله بفعل غيره.
وأما الاقتداء فهو مجرد قصد إتباع في الفعل لتجتمع الجماعة على أداء هذا الفرض فيكون أقرب إلى الخشوع والخضوع، وأبعد من السهو والغفلة وأدنى من المغفرة والرحمة.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: نهاية ما في هذا الباب أنه يظهر أنه قصد إتباع من ليس في الصلاة في أفعال الصلاة ومجرد القصد غير عامل في إفساد الصلاة، كما لو قصد الكلام ولم يتكلم أو قصد فعلاً آخر ولم يفعله، فنجعل إقتداؤه به كلاً إقتداء ويبقى فرضه مؤدى بأفعاله المفروضة، وأركانها المعهودة، لكن يصير كأنه أدى لا في جماعة لكن على الإنفراد.

الجزء: 1 - الصفحة: 280

وقد قال الأصحاب في هذه المسألة إنه لا يمكن الوقوف على طهارة الإمام ألا بعرضه للإمامة، فإن نهاية ما في الباب أن يتوضأ بمشهد لكن مع هذا يجوز أنه غير متطهر حتى افتتح الصلاة بأن أحدث وأخفاه وإذا تعذر الوقوف على طهارة الإمام إلا بهذا الوجه سقط ما وراءه.
وقال بعضهم: إن خبره عن جنابته وحدثه غير مقبول، لأنه يحتمل الصدق والكذب ولأنه مهتم في خبره فيجوز أنه قصد به إفساد صلاة القوم.
وكلا المعنيين/ فاسد، لأن في كلا الطريقتين أن صحة صلاة القوم مبنية على صحة صلاة الإمام، وإنما لم نأمر القوم بإعادة الصلاة في مسألتنا، لأنا بينا أن الإمام صلى على طهارة، والمؤتم قد اعتمد في معرفة طهارته بغاية ما يمكن الاعتماد عليه وسقط عنه ما وراء ذلك.
وفي الطريق الثاني: أنه لم يصدقه إن كان جنباً أو على وضوء.
وحملنا الأمر على أنه قد صلى بالطهارة.
وينبغي على مذهب الشافعي أن يسلك طريقة يدل على أن الإمام وإن لم تصح صلاته يكون جنباً أو محدثاً فإن صلاة القوم صحيحة، وأن هذا هو مذهبه وأصله وليس يمكن ذلك إلا بالوجه الذي قلنا، فافهم هذا فإنه خفي على كبار الأصحاب.
وأما المخالفون قد زعموا أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام صحة وفساداً، وهذا يأتي في المسألة الثانية، وسنبين الكلام عليه.
وقد قاسوا على ما إذا ظهر أن الإمام كان كافراً أو امرأة أو علم أن الإمام جنب فإنه يجب على المأمومين أن يعيدوا الصلاة ونقضوا قولنا أن كل إنسان من القوم مصلى لنفسه بهذه المسائل، وقد قالوا لو كان الأمر على ما قلتم لم تبطل المؤتمين في هذه المسائل.

الجزء: 1 - الصفحة: 281

الجواب: أما إذا ظهر أن الإمام كان كافراً أو امرأة أو علم أن الإمام جنب فإنما بطلت صلاتهم لتفريطهم وتقصيرهم، فإن الغالب أنه يكون للكافر علامة على الكفر، وللمرأة هيئة على أنوثتها فيعرفان بذلك حقيقة، فإذا لم يتعرف وصلى كان لتقصير وجد من قبله حتى قالوا فيمن يعتقد الاستمرار بكفره فظهر ذلك من بعد: لا يبطل صلاة القوم.
فإن قلتم: قد يوجد الكافر ولا علامة له، وكذلك المرأة ولا علاقة لها فهذا نادر ولا يعتبر النادر.
وأما إذا علم أن الإمام جنب فإنما بطلت صلاته لبطلان نيته للصلاة، فإنه إذا علم أن الإمام لاعب فإتباع اللاعب لعب حقيقة، فبطلت نيته للصلاة بهذا الوجه وفي مسألتنا قد ظن أن الإمام مصلى حقيقة فلم تبطل نيته، وهو مصلى لنفسه كما بينا، والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 282

(مسألة)

يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل

عندنا.
وعندهم: لا يجوز.
وكذلك إذا اختلف فرض الإمام والمؤتم بأن اقتدى مؤدى الظهر بمؤدي العصر.

الجزء: 1 - الصفحة: 283

لنا: ((إن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي مع النبي عليه السلام صلاة العشاء ثم يعود فيؤم قومه))، والخبر ثابت، وهو برواية جابر.
وفي رواية: ((فيكون له تطوعاً ولهم مكتوبة)).
فإن قالوا: ليس معناه أن النبي عليه السلام علم بذلك وأقره عليه.
قلنا: مثل معاذ في فقهه وعلو منزلته في الدين لا يقدم على مثل هذا إلا بعلم من النبي عليه السلام.
وقد ثبت علم النبي عليه السلام بذلك في الخبر المشهور وهو افتتاحه سورة البقرة في العشاء الآخرة، وانفراد الأنصاري ثم قول النبي عليه السلام لمعاذ: ((أفتان أنت يا معاذ؟ أين أنت عن سورة كذا وسورة كذا)).
ولا سؤال لهم على الخبر أصلاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 284

وأما المعنى فنقول: كل واحد من المؤتمين يصلي لنفسه مؤدي فرضه بفعله، وقد بينا أن فوات صلاة الإمام أصلاً لا يوجب فساد صلاة المؤتم، وذلك بأن كان جنباً أو محدثاً ففوات صفة صلاته من الفرضية لا يوجب فوات هذه الصفة من صلاة المقتدي أيضاً.
وهذا لأن كل واحد من القوم لما كان مصلياً لنفسه مؤدياً فرضه بفعله لم تتعلق بصلاة الإمام، فنقول: من لا تتعلق صلاته بصلاة غيره فنفل غيره لا يمنع أداء فرضه.
دليله الإمام مع المؤتم.
وأما الدليل على عدم التعلق أن الوارد في الشرع هو فعل الجماعة، وفعل الجماعة يوجب الاجتماع على أداء الصلاة، واقتداء المؤتم يوجب متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة، فإذا اجتمع القوم على فعل الصلاة ووجدت المتابعة من المؤتم في الأفعال الظاهرة فقد تمت الجماعة.
ثم الاقتداء والإتباع فعل كل واحد من القوم فيما وراء هذا كمنفرد بالصلاة فيؤدي على حسب ما يختاره وما ينوبه وهو مثل الإمام فإنه متبوع في الأفعال الظاهرة فإذا تمت المتبوعية بوجود صورة الأفعال منه على ما تبعه فيها المقتدي به كان فيما وراء ذلك بمنزلة منفرد بالصلاة يؤدي صلاة على حسب اختياره ونيته، كذلك هاهنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 285

وقد حرر الأصحاب وقالوا: صلاتان اتفقتا في الأفعال الظاهرة فيجوز لمن يقيم أحدهما أن يقتدي/ بمن يقيم الأخرى.
دليله المتنفل خلف المفترض.
أما حجتهم: قالوا: الاقتداء يوجب ابتناء صلاة المؤتم على صلاة الإمام حتى تصير الصلاتان كصلاة واحدة جوازاً وفساداً.
(والدليل عليه قوله عليه السلام: ((الإمام ضامن)) أي ضامن صلاته صلاة المؤتم، وضمانه صلاته بصلاته هو أن صلاته صارت في ضمن صلاته، ولأن الإتباع واجب وإنما يوجب الإتباع تتعلق صلاته بصلاته، وهو أن صلاته صارت في ضمن صلاته) ولولا ذلك وإلا لم يجب الإتباع، وجاز للمؤتم أن ينفرد بصلاته عن صلاة الإمام متى شاء.
وحين أجمعنا على أنه لا يجوز أن ينفرد بصلاته عن صلاة الإمام، عرفنا أنه إنما لم يجز، لأنه ارتبط صلاته بصلاة الإمام جوازاً وفساداً.
ويدل عليه أن الواجبات على المنفرد تتغير بالاقتداء، بدليل أنه على أي حال أدركه وجب عليه المتابعة، ولم يجز له أن يفعل ما يوجبه الإفراد أو ما هو واجب الصلاة في الأصل ولو كان على ما زعمتم من قولكم إن كل واحد مصلي لنفسه وجب أن يفعل الصلاة على ما هو المشروع في الأصل، وأيضاً فإن الإمام إذا سها يجب على القوم أن يسجدوا لسهوه ولو لم يسجد الإمام سجد القوم عندكم، ولو سها المؤتم لم يجب عليه شيء.

الجزء: 1 - الصفحة: 286

وإذا ثبت الإبتناء الذي ادعيناه ثبت أن الصلاتين قد صارتا كصلاة واحدة، فكل تحريمه يجوز له أن يبتنى عليها صلاته لنفسه يجوز أن يبتنى غيره عليها تلك الصلاة، وكل تحريمه لا تجوز له أن يبتنى عليها صلاته لنفسه لا يجوز لغيره أيضاً أن يبنيهما عليها، ومعلوم أن تحريمة النفل إذا وجدت من الإمام لا يجوز أن يبني عليها صلاة الفرض لنفسه، وكذلك المؤتم أن يبني عليها هذه الصلاة.
قالوا: ويخرج على هذا المتنقل خلف المفترض، لأن الإمام يجوز له أن يبني صلاة النفل على تحريمة الفرض، فكذلك جاز من المؤتم ذلك.
وقد تعلق كثير منهم بالجمعة، وقالوا: أجمعنا على أن الإمام لو كان يؤدي النفل في الجمعة لم يجز اقتداء القوم به.
فكذلك في غير الجمعة، وهذا لأن نهاية ما في الباب أن الجماعة واجبة في الجمعة، وسنة في غيرها من الصلوات ولكن لا اختلاف في نفس الجماعة.
وقد بينتم أنها للإجماع على فعل الصلاة والاقتداء في الأفعال الظاهرة.
وقد وجد هذا في مسألة الجمعة، وإن كان الإمام متنفلاً مثل ما وجد في مسألتنا ومع ذلك لا يجوز، وكذلك أوردوا الجمعة في المسألة الأولى فإنه لو ظهر أن الإمام جنب أو محدث لم تجز الجمعة القوم.
الجواب: دعواهم أن صلاة القوم تتبنى على صلاة الإمام حتى تصير الصلاتان بمنزلة الصلاة الواحدة جوازاً وفساداً.

الجزء: 1 - الصفحة: 287

لا نسلم ذلك على ما بينا من قبل.
وأما الخبر فمعناه أن الإمام ضامن إكمال صلاة القوم بحكم المتبوعية ولأجل هذا الضمان إذا أكمل فله الأجر لصلاته وصلاة القوم، وإذا نقض فعليه الوزر لصلاته وصلاة القوم.
وأما دخول صلاة المؤتم في ضمن صلاة الإمام فلا يعرف.
وأما قولهم: ((إنه وجب الإتباع)).
قلنا: وجوب الإتباع بحكم نية الإقتداء أو لأنه إمام وهذا مؤتم، ومن قضية كونه مؤتماً إتباعه إياه في أفعاله، وهذا هو المتابعة في الأفعال الظاهرة.
فأما الإقتداء والإتباع في النية فغير متصور، لأنه أمر في باطن القلب فكيف يوجد فيه المتابعة ثم الإتباع في الأفعال الظاهرة.
فأما الإقتداء والإتباع في النية فغير متصور، لأنه أمر في باطن القلب فكيف يوجد فيه المتابعة ثم الإتباع في الأفعال الظاهرة لتحصل الجماعة المشروعة ويتحقق الإقتداء والإتمام، وإذا حصل هذا فما وراء ذلك فكل وشأنه وكل امرئ ونيته.
وقولهم: ((إنه تتغير الواجبات بالإقتداء)).
قلنا: أما أصل الواجبات فلا تتغير بالإقتداء منه شيء وإنما وجب المتابعة في بعض أفعاله بسبب الإقتداء أو الإئتمام مع بقاء الواجب عليه في أصل الصلاة على ما كان من قبل من غير أن يتغير منه شيء.
أما سجود السهو.
قلنا: إذا سها الإمام وجب السجود على القوم بحكم المتابعة وإن لم يسجد الإمام لم يجب على القوم، وإذا سها واحد من القوم لم يجز له أن يسجد، لأنه يؤدي إلى الخلاف في الأفعال الظاهرة، ويمكن أن يقال: إن الجماعة لإحراز فضيلة الجماعة وعلى هذا نص النبي عليه السلام فقال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين

الجزء: 1 - الصفحة: 288

درجة)) فإذا وجدت الجماعة في الظاهر حصلت فضيلة الجماعة وحصل المقصود/ والمطلوب فصار صلاتهما وإن اختلفا في صفة الفرضية والنفلية كصلاتهما إذا اتفقنا في الفرضية والنفلية.
فأما في مسألة سهو القوم: فإنما يسقط عنهم سجود السهو لأنه مشروع لجبر النقصان الداخل في الصلاة، وقد أنجبر النقصان بفضيلة الجماعة فصار كما لو سجدوا.
وأما مسألة الجمعة فقد منعت، وعلى التسليم وهي ظاهر المذهب نقول: إن الجماعة فرض الجمعة، وإنما صارت مفروضة لأجل الجمعة وإذا كان الإمام متنفلاً فلا جماعة في الجمعة، وإنما الجماعة في أصل الصلاة، وشرط الجماعة لم يكن لأجل الصلاة فصاروا بمنزلة المنفردين فيما شرعت الجماعة لأجلها فلم يجز.
وهم يقولون: قد صاروا هاهنا أيضاً بمنزلة المنفردين في صلاة الظهر، والجماعة مسننة فيها كما أن هناك مفروضة في الجمعة، وربما يقولون: النية ركن الصلاة لا إمام له فيها فصار بمنزلة

الجزء: 1 - الصفحة: 289

الركوع والسجود، وكذلك إذا صلى صلاة من الصلوات الخمس مقتدياً بمن يصلي صلاة الجنازة.
قلنا: كذلك نقول له في فضيلة الجماعة في أصل الصلاة ولا فضيلة له في جماعة الظهر إلا أن فوات ذلك لا يبطل الصلاة بخلاف الجمعة فإن فوات الجمعة مبطل لها، ونحن نقول: إنما يحرز فضيلة الجماعة في أصل الصلاة وصفتها إذا اتفقا على أصل الصلاة، واتفقا في صفتها هذا غاية ما يمكن الجواب عن الجمعة وإن منعنا فقد وقع الخلاص.
وقولهم: ((إنه لا إمام له في النية)).
قلنا: وإذا كان الإمام مفترضاً والمؤتم متنفلاً فلا إمام له في النفل أيضاً، لأن النفل ضد الفرض ومع ذلك جاز.
وعلى أنا بينا أن المعتبر وجود الإمام في الأفعال الظاهرة، وبما ذكرنا من الجواب يجاب عن فصل الجمعة في المسألة الأولى .. والله أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 290

(مسألة)

إذا صلى الكافر في جماعة لم يحكم بإسلامه

عندنا.
وعندهم: يحكم بإسلامه.
لنا: إنه لم يأت بالإسلام فلا يصير مسلماً، والدليل على أنه لم يأت بالإسلام أن الإسلام المأمور به هو كلمة الشهادتين بدليل خبر جبريل أنه سأل النبي عليه السلام عن الإسلام فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ...) الخبر.

الجزء: 1 - الصفحة: 291

وقال أيضاً عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ....)) الخبر.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك.
وقال الله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، فدل أن هذا هو الإسلام المدعو إليه وهو لم يأت به، ويقال أيضاً: إن الإسلام هو الإقرار باللسان والاعتقاد بالقلب وتمامه بالأعمال .. ولم يوجد.

الجزء: 1 - الصفحة: 292

وقيل: إن الأصل هو الاعتقاد بالقلب واللسان مترجم عنه، ولم يوجد الأصل ولا الترجمة، وإنما غاية ما في الباب أن فعله الصلاة بالجماعة.
يدل على أنه يعتقد الصلاة جماعة، ولو صرح بهذا الاعتقاد لم يكن مسلماً فإذا جاء بما يدل عليه لم يكن مسلماً أيضاً.
أما حجتهم: تعلقوا بما روى أن النبي عليه السلام قال: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله مالنا وعليه ما علينا)).
وروى بعضهم أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى صلاتنا فهو منا)).
ولأنه أتى بما يدل على الإسلام فيصير مسلماً.
دليله إذا أتى بالشهادتين، والدليل على أنه دليل الإسلام ما روى في بعض الأخبار: ((إذا رأيتم الرجل ملازماً للجماعة فاشهدوا له بالإيمان)).
ولأن الصلاة بالجماعة شرع مختص بدين الإسلام ففعله يدل على قبول الإسلام كالشهادتين.
يبينه أن الأصل هو الاعتقاد، وقول الشهادتين دليل عليه، فكذلك فعل الصلاة جماعة دليل عليه، ولأن الكفر يثبت بفعل يدل عليه وهو إذا سجد بين يدي الصنم، فكذلك الإسلام يثبت بدليل يدل عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 293

قالوا: وأما إذا صلى وحده فيجوز أن يقال إنه يصير مسلماً.
وربما رووا ذلك عن محمد بن الحسن، وعلى أنه ليس بشرع مختص بالإسلام لأن كل أهل الأديان يصلون، وكذلك الصوم والاعتكاف.
وأما الحج فقد كان أهل الجاهلية يحجون، ويدعون أن حجهم على ملة إبراهيم عليه السلام، وقد قال بعضهم: إنه لو حج على ما يحج أهل الإسلام يصير مسلماً.
الجواب: أما قولهم: ((إنه أتى بدليل الإسلام)).
قلنا: لا نسلم لأنه لم يوجد منه إلا فعل شرع في الإسلام، وفعل شرع في الإسلام لا يكون دليلاً على الإسلام بدليل سائر الشرائع، لأنه لا يدل على قبول الإسلام من حيث الاستدلال، ويحتمل غيره، لأنه يجوز/ أن فعله عابثاً أو حاكياً، وما يشبه ذلك.
والجملة أنه لابد من الإتيان بشيء لا يدل إلا على الإسلام، وذلك بالشهادتين فإنه لا يحتمل سوى الإسلام بدليل النص، ثم نقول أن الكافر مدعو إلى حقيقة فعل الإسلام فما لم يأت به حقيقة لا يحكم له بالإسلام، وقد بينا أن حقيقة الإسلام ماذا.
ويمكن أن يقال أيضاً أن الإسلام يشتمل على الالتزام العام وذلك بالتزام الشرائع فلابد من وجود دليل على هذا الالتزام، وذلك بالشهادتين، ولأن الشهادة بقوله: ((لا إله إلا الله)) اعتراف بالصانع ووحدانيته، واعتراف بجميع صفاته من حيث الدليل، ودليل أيضاً على الاعتراف بتنزهه وتقدسه عن سمات الحدث والنقص.
وقوله: ((محمد رسول الله)) التزام للشرائع أجمع، ولا توجد كلمتان تدلان على مثل ما تدل عليه هاتان الكلمتان.

الجزء: 1 - الصفحة: 294

فأما فعل صلاة الجماعة فنهاية ما في الباب أنه يدل على اعتقاده فضل الجماعة وأنها مشروعة مسنونة، ولو قال هذا لم يصر مسلماً، كذلك إذا فعله.
ولأنه لا يدل على الالتزام العام بحال والإسلام ما يدل على ذلك.
وأما تعلقهم بدليل الكفر من حيث الفعل.
قلنا: الكفر أسرع ثبوتاً من الإسلام، ولهذا لو جحد شرعاً واحداً يكفر ولو التزم شرعاً واحداً من الشرائع لم يصر مسلماً، ولأن قبول الصلاة جماعة لا يدل على الالتزام الذي يحل به الإسلام.
والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 295

(مسألة)

عندنا الإيتار بركعة جائز،

وعندهم: لا يجوز، وسموا هذه المسألة مسألة المبتورة.
لنا: أنه قد ثبت الإيتار بركعة فعلاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقولاً بالأمر به.
أما الفعل فحديث أنس بن سيرين عن ابن عمر قال: ((كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل مثنى مثنى ويوتر بركعة))، وهذا في الصحيحين.

الجزء: 1 - الصفحة: 296

وروت عائشة أيضاً أن النبي عليه السلام أوتر بركعة.
ورواه أيضاً سعد بن أبي وقاص، قال قيس بن أبي حازم: رأيت سعداً أوتر بركعة فسألته عن ذلك فقال: رأيت النبي عليه السلام يوتر بركعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 297

وروى فعل الوتر ركعة عن النبي عليه السلام سوى هؤلاء: جابر، وابن عباس والفضل بن عباس، وأبو أيوب.
وأما القول فالخبر الصحيح المقبول عند جميع الأئمة قول - صلى الله عليه وسلم - برواية ابن عمر وغيره: ((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة)).
وروى أيوب أن النبي عليه السلام قال: ((من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)).
ولا مزيد على القول والفعل من النبي عليه السلام.

الجزء: 1 - الصفحة: 298

وأما حجتهم: رووا بطريق أبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يوتر بثلاث.
قالوا: وكذلك رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي عليه السلام.
قالوا: ورواه أيضاً عمران بن حصين وعائشة وابن عباس.
وروا أن النبي عليه السلام نهى عن البتيراء، والبتيراء هي الوتر بركعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 299

وروى ابن مسعود عن النبي عليه السلام أنه قال: ((وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب)).
قالوا: وروى ابن عمران النبي عليه السلام نهى عن السلام على الركعتين في الوتر)).
الجواب: إن أخبارنا أخبار صحيحة، وأما أخباركم أخبار معلومة.
فإن خبر أبي بن كعب، رواه ابن أبزي عن أبي بن كعب، ورواه ابن أبزي مرة عن النبي عليه السلام مرسلاً من غير ذكر أبي بن كعب، وهذا ويجب ضعف الرواية.

الجزء: 1 - الصفحة: 300

وأما حديث علي رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي، وهذا الحارث هو الحارث الأعور، ورماه الشعبي بالكذب وغيره.
وأما الذي رووا عن النبي عليه السلام نهى عن البتيراء، فرواه محمد بن كعب القرظي عن النبي عليه السلام فيكون مرسلاً.
وقد روى عن ابن عمر أنه قال: البتيراء أن تصلي بركوع وسجود ناقص.
وأما الذي رووا عن ابن مسعود فمداره في رفعه علي ابن أبي الحواجب يحيي بن زكريا، وهو ضعيف .. ذكره الدارقطني.

الجزء: 1 - الصفحة: 301

وقد روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: ((لا توتروا بثلاث أوتروا بسبع أو خمس ولا تشبهوا بصلاة المغرب)).
وإما الذي رووا أنه نهى عليه السلام في الركعتين فلا يعرف، وكيف يصح برواية ابن عمر هذا؟ وقد ثبت أن ابن عمر كان يسلم على الركعتين، حتى روى أنه كان يأمر ببعض حاجته ثم يصلي ركعة.
وعلى أن الإيتار بثلاث أن ثبت عن النبي عليه السلام فيحتمل أنه عليه السلام كان يسلم على الركعتين بدليل ما/ بينا قولاً وفعلاً أنه - صلى الله عليه وسلم - أوتر بركعة وأمر به، فلا يستقيم الجمع بين الأخبار إلا إذا حملنا على هذا الوجه.
فإن رووا أنه عليه السلام ((كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن)).

الجزء: 1 - الصفحة: 302

فهذه زيادة لا تعرف، وإنما المنقول أنه كان يوتر بثلاث مطلقاً ويحتمل ما قلنا.
وقد رووا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((ما أجزت ركعة قط)).
قلنا: قد ثبت عن جماعة كثيرة من الصحابة أنهم كانوا يوترون بركعة منهم: عثمان، وسعد بن أبي وقاس، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وغيرهم.
فقول ابن مسعود لا يقدح في هذه الأقوال.
وعلى أنه قيل: إنما قال هذا رداً على ابن عباس حيث قال: إن صلاة الصبح في السفر تعود إلى ركعة، والمسألة خبرية.
وقد قال المخالفون سلوكاً لطريق المعنى: إن التنقل بركعة لا يجوز بحال، دل أنها ليست بصلاة، ولأن الصبح بالسفر لا يرد إلى الشطر مع أن السفر مشطر، وإنما لم يرد لأن الركعة لا تكون صلاة، فلو رد إلى الشطر لكان إعداماً والسفر ليس بمعدم للصلاة.
قالوا: أيضاً: إن الركعة الواحدة لو كانت صلاة لورد الشرع بينها وبين

الجزء: 1 - الصفحة: 303

الركعة الثانية بجلسة ذات تشهد- مثل الركعتين- والركعتين، ليقع الفصل بين ما هو أصل الصلاة وبين ما هو زيادة عليها.
والجواب: إن هذه كلمات ضعيفة، ونحن قد اعتمدنا على السنة، ولا حاجة بالسنة إلى علاوة من التمسك بقياس ضعيف أو معنى غير مخيل.
وإن تكلمنا في المعنى فكلامنا يكون أظهر، لأن الركعة الواحدة اشتملت على جميع أفعال الصلاة، والصلاة إنما صارت بمجموع أفعال يؤتي بها على شرائط مخصوصة، فما يشتمل على تلك الأفعال يكون صلاة صحيحة، والركعة الواحدة قد اشتملت عليها.
وأما الثانية إعادة لها فلم تقف صحتها على إعادتها، كما لا تقف على إعادتها بثالثة ورابعة، وهذا لا معنى في نهاية الحسن.
وأما قولهم: ((إن التنفل بركعة لا يجوز)).
قلنا: يجوز.
فإن قالوا: لم يرد الفرض بركعة.
قلنا: ولم إذا لم يرد الفرض بركعة ما يدل على أن الركعة لا تكون صلاة، وهذا لأن التنفل باختيار العبد، والفرض بإيجاب الشرع، والأصل أن ما يختاره العبد فقدره متعلق باختياره، وأما ما أوجبه الشرع فقدره بحسب ما ورد به الشرع.
وقد قالوا: إن التنفل بثمان ركعات وزيادة يجوز بتسليمة واحدة ولم يرد الشرع بمثل هذا بحال.

الجزء: 1 - الصفحة: 304

أما قولهم: ((إن صلاة الصبح لا تتشطر بالسفر)).
قلنا: هذا بناء على ما ذكرنا، وهو أن الفرض لم يرد بركعة واحدة بحال، والسفر يعمل في تشطير الفرض فلم يعمل في الرد إلى ما لم يرد المفروض بمثله بحال.
وقد ذكرنا الفرق بين الفرض والنفل، وعلى أن عندهم أن الفرض كان في الأصل ركعتين فزيد في الحضر وأقر في السفر على ما كان في الأصل على ما يذكرونه في المسالة الثانية، فكيف يستقيم على هذا الأصل التشطير؟ وأما قولهم: ((إن الشرع لم يرد بالفصل بين الركعة والركعة بجلسة)).
وقلنا: وقد ورد بين الركعتين والركعة في المغرب فهذا يدل إذن على أن الركعة صحيحة فدل أن ما قالوه تعلق باطل.
والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 305

(مسألة)

القصر عندنا: رخصة، وعندهم: عزيمة.

قالوا: لا يجوز الإتمام بحال ولو أتم يكون فرضه ركعتان، والباقي نافلة.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
ورفع الحرج عبارة عن الإباحة، والمباح ما تخير الإنسان بين تركه وفعله.
فإن قالوا: أليس الله تعالى قال في السعي: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ومع ذلك هو واجب.

الجزء: 1 - الصفحة: 306

قلنا: ظاهر قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾ يقتضي ما قلنا، إلا أن الدليل قام هاهنا على وجوب السعي، وكونه ركناً بخلاف مسألتنا.
وقد قيل: إن السبب إن الصفا والمروة كان موضع الصنمين في الجاهلية يقال لإحداهما إساف والآخر نائلة، فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من الطواف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين فأنزل الله هذه الآية.
ومن جهة يبينه حديث لعلي بن أمية أنه قال لعمر رضي الله عنه: ما بالنا نقصر وقد أمنا، فقال: تعجبت مما تعجبت منه فسألت النبي عليه السلام فقال: ((صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته)).
فسمى القصر صدقة، والرخصة والصدقة يتقارب معناهما.
وأما الاستدلال من حيث المعنى فظاهر جداً، وذلك لأن القصر ثابت بنص الكتاب وطلب المعنى واجب إذا أمكن فلا يعرف معنى في إطلاق القصر إلا/ التخفيف فإن السفر حال مشقة والمشقة سبب للتخفيف لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ والتخفيف بإطلاق

الجزء: 1 - الصفحة: 307

القصر، وقد حصل كمال التخفيف بإباحته ولا معنى للإيجاب والتحتيم، وهو مثل إباحة الفطر سواء فنقول: تخفيف ربط بالسفر فلا يكون حتماً، ودليله الفطر.
ومما يستدل الأصحاب بمسألة على أصولهم وهو أنه لو اقتدى مسافر بمقيم يلزمه الإتمام، فلو كان فرضه ركعتان لم يتغير بالاقتداء، وهذا في نهاية الإشكال عليهم، لأن الإقتداء لم يوضع لتغير الفرائض.
يبينه أنه لو كان المقتدى مقيماً بمسافر لا يعود فرضه إلى ركعتين فكذلك إذا كان الاقتداء من مسافر بمقيم وجب ألا يصير فرضه إلى الأربع فإن الزيادة على الفرض المحدود مثل النقصان فيه، فإذا لم يجز أحدهما لم يجز الآخر، وليس لهم على هذا سؤال سوى أنهم يقولون: اجتمع في هذه الصلاة حكم السفر والإقامة.
وبيان ذلك: أنا بينا أن صلاة المقتدى منوطة بصلاة الإمام وقد جعلت الصلاتان كصلاة واحدة على ما سبق.
وإذا اجتمع فيها حكم السفر وحكم الإقامة غلب حكم الإقامة، وهذا ليس بشيء، لأن الأصل الذي ادعوه قد أجبنا عنه وبينا بطلانه.
ولأنه إذا اختلف الفرضان لا يمكن جعل الصلاتين كصلاة واحدة فينبغي أن يفسد الإقتداء على أصلهم، وأيضاً فإنهم يطالبون بإقامة الدليل على تغلب فرض الإقامة على فرض السفر وعلى هذا ينقطع كلامهم.
وأما حجتهم: تعلقوا بحديث عائشة رضي الله عنه أنها قالت: فرضت الصلاة في الأصل ركعتان ركعتان فأقرت في السفر وزيدت في الحضر)).

الجزء: 1 - الصفحة: 308

وبحديث ابن عباس قال: ((فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة)).
وبحديث عمر رضي الله عنه قال: ((صلاة الصبح ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -)).
والأخبار نصوص: وأما المعنى قالوا: ما زاد على الركعتين صلاة يجوز تركها على الإطلاق فلا تكون واجبة كالنوافل، وهذا لأن الواجب ما لا يسع تركه، وإذا جاز ترك الركعتين الأخراوين على الإطلاق دل أنهما ليستا بواجبتين.
قالوا: ونعني بالإطلاق أنه يجوز تركها لا إلى بدل.

الجزء: 1 - الصفحة: 309

وحرفهم أن السفر سبب لسقوط الركعتين بدليل ما بينا من جواز الترك وإذا سقط لم يبق شيء منه وصار كالدين الساقط.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن سقوطهما معلق باختيار العبد، لأن هذا يؤدي إلى تفويض الشرع إلى رأي العباد، وهذا لا يجوز فيقال: إنه إذا رأى يجب كذا وإذا لم ير لم يجب.
يبينه أن الشرائع مصالح وتفويض المصالح إلى رأي العباد غير جائز، لأنه لا يعرفون ما يصلحهم.
قالوا: ولأن المقبول إنما يعتبر في التملكيات، فأما ما كان يوجب الإسقاط فلا معنى لاعتبار القبول فيه بدليل الطلاق والعتاق.
وخرجوا الإفطار في الصوم على هذا الأصل، لأنه ليس بإسقاط بل هو تأجيل وتأخير.
وأما لفظ الصدقة المذكورة في الخبر فهو عبارة عن الإسقاط ويجوز أن يسمى الإسقاط صدقة كما لو قال لمديونه: تصدقت بديني عليك، يكون إسقاطاً.
الجواب: أما الخبر الأول، قلنا: قد عرف إعداد الركعات على ما نصليها بالإجماع والدلائل القطعية، فإثباتها في الأصل ركعتين ركعتين ثم الزيادة من بعد لابد فيه من نقل تواتر، والخبر واحد كيف ... ؟ وقد دل الكتاب على تأصيل الأربع فإن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ومعناه من الصلاة المعهودة وهي الأربع، فدلت الآية على

الجزء: 1 - الصفحة: 310

أنها الأصل، وأيضاً فإن ((من)) للتبعيض، وقد قال: ((من الصلاة)) فدل أن المفعول بعض الصلاة، ولأنا إذا قلنا على ما رويتم لا يتحقق معنى القصر، لأن القصر عبارة عن الحط فلا تكون صلاة السفر مقصورة بل تكون صلاة الإقامة مزادة ثم يجوز أن يكون المراد من الخبر إباحة القصر، ويكون قوله: ((فأقرت في السفر)) إذا اختاره العبد.
وكذلك قوله في الخبر الثاني: ((فرض الله تعالى صلاة الحضر أربعاً وصلاة السفر ركعتين)) يعني إذا اختاره العبد، وقد قلنا ما قلناه على وجه النقل والتوقي من كلام في الأخبار على الوجه الاعتراض.
والذي يوهم الرد وترك القبول/ واجب، والتأويل المذكور محتمل.
ويؤيده ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها ((أنها أتمت في السفر)).
وهذا يدل على أنه كان المراد ما بيناه.
وأما الحديث الثالث وهو حديث عمر.
قلنا: معنى قوله: ((تمام غير قصر)) أي تمام في الثواب، وكذلك نقول بل نزعم أن السنة هي القصر في الأسفار، كما أن السنة هي المسح على الخفين بل هذا آكد، لأن النبي عليه السلام لم يتم في شيء من أسفاره وكذا أبو بكر وعمر.
وقد روى الأصحاب أخباراً في إتمام النبي عليه السلام، ولم نر الاعتماد عليها لضعف أسانيدها.
وأما المعنى، قولهم: ((يجوز له ترك ما زاد على الركعتين)).

الجزء: 1 - الصفحة: 311

قلنا: نعم، ولكن قبولاً لا رخصة مثل ما يجوز ترك غسل الرجلين بالمسح قبولاً للرخصة، وهذا لا يدل على أنه لو كان أتم لا يكون فاعلاً للواجب مثل مسح الخف سواء فإنه لو تركه وغسل الرجلين يكون فاعلاً للواجب مثل مسح الخف سواء ولم يدل جواز تركه على سقوطه أصلاً.
وأما قولهم: ((إن السفر سبب لسقوط الركعتين)).
قلنا: لا، بل هو سبب للرخصة، يبينه أن النبي عليه السلام سمي القصر صدقة فنجعل العدد الأربع من الركعات كأربعة دراهم وجبت لإنسان على إنسان فتصدق باثنين من ذلك عليه.
فإن قبل سقطتا عنه، وإن لم يقبل وجب عليه قضاء الأربع، فكان قضاؤه إياهن على أن جميع ذلك واجب عليه.
وقولهم: ((إن ذلك ليس بتمليك)).
قلنا: ولكنه صدقة بنص الشارع فكان حكمها ما بينا، ويمكن ينزله على ما ذكرنا فنزل ذلك منزلة مسح الخفين وغسل الرجل.
وقولهم: ((إن هذا تفويض الشرع إلى رأي العباد)).
قلنا: قد ورد مثل هذا في تفاصيل العبادات والجزئيات منها، وإن لم يرد في الكليات، ألا ترى أن الله تعالى ذكر ثلاث أشياء في كفارة اليمين وجعل تعيينها إلى رأي العبد، وأيضاً فإن من أتى بالركوع بأدنى ما ينطلق عليه الاسم فعل الواجب على أصولهم، ولو أطال كان الكل واجباً.
وكذلك قالوا في قيام الصلاة: إذا قام بقدر آية أو ثلاثة آيات يكون هو الواجب عندهم، وإذا قام وقرأ الفاتحة يكون جميعه واجباً، وهذا أيضاً تفويض بقدر الواجب إلى رأي العبد.
والله أعلم.


الجزء: 1 - الصفحة: 312

(مسألة)

العاصي بسفره لا يترخص برخص المسافرين

عندنا.
وعندهم: يترخص.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ?ِثْمٍ﴾، والعاصي بسفره باغ وعاد ومتجانف لإثم ولا يطلق له الضرورة ما أطلق للمضطر، ولأن السفر عذر مبيح للقصر والفطر فإذا كان معصية لم يكن عذراً.
دليله السكران فإنه لما كان زوال العقل عذراً في سقوط الخطاب فإذا كان بمعصية لم يكن عذراً، كذلك هاهنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 313

يبينه أن المعنى المخيل في ثبوت العذر بالسفر هو المشقة، والمشقة مشعرة بالتخفيف، والمعصية لا تكون سبباً للتخفيف بحال، لأن المعاصي أسباب للتشديد فلا توجب ضدها من التخفيف.
والحرف الوجيز: إن المعصية واجب تركها فلم تصلح عذراً لسقوط واجب عليه.
لأن ما كان واجباً تركه لا يصلح عذراً لترك واجب آخر.
لأنه لو أطلق ترك واجب لكان الأولى أن يطلق فعل نفسه.
وإذا لم يكن فعل نفسه مطلقاً، فكيف يطلق ترك غيره أو فعل غيره؟ وقد قالوا: إن هذا التخفيف الثابت بالسفر إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية وجب تركه، لم يجز إثبات الإعانة عليه.
لأن الإعانة على المعصية معصية، فهذه كلمات قوية في غاية الإخالة.
وأما حجتهم: تعلقوا بظاهر قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فقد جعل مطلق السفر عذراً فمن زاد عليه صفة الإباحة فقد قيد مطلقاً بزيادة عليه، والزيادة على المطلق تقييد، والتقييد نسخ على ما عرف في مواضع كثيرة.
وأما المعنى قالوا: لا معصية في نفس السفر فجاز أن يكون مقيداً للرخصة المتعلقة به، دليله إذا كان السفر مباحاً، وإنما قلنا: لا معصية في نفس السفر، لأن حقيقة السفر قصده بالسير إلى مكان بعينه بينه وبينه مسيرة محدودة، وهذا لا معصية فيه، وإنما المعصية في نية الإغارة وقطع الطريق، وهذا معنى وراء السفر فصار هو عاصياً في سفره لا عاصياً بسفره فلم يمنع تعلق الرخص بسفره.

الجزء: 1 - الصفحة: 314

(وصار هذا كما لو لبس خفاً مغصوباً يطلق هل المسح على الخف، لأنه لا معصية في حقيقة اللبس، لأن حقيقته ستر موضع الغسل من القدم ولا معصية في الفعل من حيث الستر، وكذلك من صلى في/ الأرض المغصوبة صحت صلاته، لأنه لا معصية في الفعل من حيث الصلاة فجازت صلاته، كذلك هاهنا لا معصية في الفعل من حيث السفر فأفاد الرخص.
قالوا: وأما السكران فنفس الشرب معصية فإذا زال عقله لم يصر عذراً في سقوط الخطاب، فتوجه الخطاب عليه مثل ما يتوجه على غير السكران).
ولهم مسائل إلزامية في هذه المسألة سوى هاتين المسألتين غير أن هاتين المسألتين أقواها، والخروج عن المسائل الباقية سهل على ما ذكرناها في التعليق فاختصرنا على هاتين المسألتين، ولابد من الاعتناء في الجواب عنهما هذا جملة تحقيقهم.
الجواب: إنا قد بينا أنه عاص بسفره، لأنه قصد المكان الذي عينه لقطع الطريق أو لتجارة في الخمر، والسفر يصير سفراً بقصده، فإذا قصد بسفره المعصية صار السفر معصية، وهم يقولون: نقل الخطى ليس بمعصية في نفسها ونفس الخطى بقصده مكاناً بعينه صار سفراً والمعصية أمر وراء هذا.

الجزء: 1 - الصفحة: 315

قلنا: القصد لغرض إلى المكان الذي عينه شرط ليكون المفعول سفراً، والغرض معصية، فصار السفر سفراً بما هو معصية.
والدليل على أنه لابد من الخروج إلى المكان الذي عينه لغرض أنه لو خرج إلى ذلك المكان لا لغرض، نقول: لا يترخص برخص المسافرين وينزل منزلة الهائم الذي لا يدري أن يتوجه في سفره، ولا يمكن تمشية المسألة إلا بهذا، وهذا كلام في نهاية القوة، ويتبين به أن المعصية في نفس السفر قد وجد، والحرف ما ذكرنا أن ما به صار السفر سفراً معصية، وخرج على هذا الصلاة في الأرض المغصوبة لأن ما به صار فعله صلاة ليس بمعصية إنا المعصية في شغله أرض الغير، ولم يصر الفعل صلاة بهذا.
وقد أجاب بعض من يدعى التحقيق من المتأخرين عن هذه المسألة وقال: القياس أن لا تجوز صلاته لكنا جوزنا بالإجماع، وهذا مردود لا يلتفت إليه عالم، وكيف يدعى الإجماع، وقد ذهب جماعة كثيرة من علماء الأمة إلى إفساد هذه الصلاة وليس تتأتى مسالك الفقه لكل واحد، ولا ينبغي أن يغتر بطنطة الناس وتزخرفهم في عباراتهم، فإن مع أكثرهم دعاوي عريضة وعجز ظاهر، وتهالك على الألفاظ المروقة من غير طائل.
والله العاصم بمنه.
وأما مسألة لبس الخف المغصوبة فلا نسلمها على ما ذكرها ابن القاص وهو الأصح.
وأما تعلقهم بالآية فهي محمولة على السفر المباح ودعواهم النسخ بإثبات قيد المطلق كلام تكلمنا عليه مراراً في المسائل.
والله أعلم بالصواب.

الجزء: 1 - الصفحة: 316

(مسألة)

تارك الصلاة يقتل

عندنا.
وعندهم: لا يقتل لكن يعزر ويؤدب.

الجزء: 1 - الصفحة: 317

لنا: الحديث الصحيح وهو قوله عليه السلام: ((العهد الذي بينا وبينهم الصلاة فمن تركها متعمداً فقد كفر))، وروى مطلقاً: ((من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر)).
فالخبر قد تضمن إلزام الكفر وإلزام القتل، وقد قام الدليل أنه لا يكفر فبقى القتل لازماً، وهذا استدلال ضعيف، لأن الخبر لم يتضمن إلا الكفر نصاً.
فأما القتل فوجوبه في ضمنه حكماً له، فإذا لم يلزم الكفر سقط ما في ضمنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 318

يبينه أن القتل أن وجب بالخبر فيكون وجوبه على أنه واجب الكفر، ولا يستقيم إيجاب واجب الكفر بلا كفر.
وقال بعضهم في وجه الاستدلال بالخبر: إن تعطيل الخبر لا سبيل إليه ولابد من العمل به من وجه، وقد اتفقنا نحن وأنتم على أنه لا يكفر فلم يبق إلا التشبيه بالكفر في إلزام خاصيته فيكون في التقدير: من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر- أي ضاهى الكفار وأشبههم في المضاهاة في التزام عقوبة الكفر لا في نفس الكفر، وعلى هذا لا نقول إن الواجب عقوبة الكفر لكنه عقوبة ترك الصلاة لكنه عقوبة مثل عقوبة الكفر، وهذا كلام لا بأس به، وإن تضمن ترك ظاهر الخبر، وما يدل عليه من حديث النص.
وقد تعلق المخالفون من حيث السنة بقوله عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ....)) الخبر.
وقالوا: ولم يوجد من تارك الصلاة واحد من الثلاث فلم يقتل، ونحن نقول: قد وجد ترك الإيمان من وجه، فإن الصلاة إيمان بنص الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
وقد أجمع أهل التفسير أن المراد به الصلاة فعلى هذا وجد ترك

الجزء: 1 - الصفحة: 319

الإيمان بترك الصلاة، وعلى أن الحصر بالعدد الثلاث لا يمنع إلحاق رابع/ بها عند قيام الدليل عليه، وقد كانت الواجبات في زمن النبي عليه السلام بعرض الزيادة والنقصان، وليس في الخبر الذي رووه دليل على منع وجوب القتل بترك الصلاة.
وقد أوجبوا القتل على الردأ في قطع الطريق ولم يوجد منه واحد من الثلاث ويباح دم القاصد إلى مال الغير ونفسه إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل ولم يوجد منه أيضاً واحد من الثلاث.
ونعتمد في المسألة على نوع من الاستدلال فنقول الشرع قسمان: أمر، ونهى، والخلاف داخل في كل واحد من القسمين إلا أن في قسم الأمر يكون الخلاف بالترك، وفي قسم النهى يكون الخلاف بالفعل، والعقوبات المشروعة في الجنايات زواجر عن الجنايات فكلما كانت الجناية أغلظ تكون العقوبة أبلغ، وإذا كانت الجناية أخف فتكون العقوبة أخف، وقد وجد في الجناية في أحد قسمي الشرع وهو النهي ما يعاقب عليه بالقتل وهو الزنا وسفك الدم، فوجب أن توجد في القسم الآخر ما تكون الجناية بالخلاف فيه موجباً لعقوبة القتل وليس ذلك إلا ترك الصلاة.
وهذا لأن الجناية المتناهية موجبة للعقوبة المتناهية، والزنا وسفك الدم جناية متناهية، لأنه لا جناية فوقهما في قسم ارتكاب النهي إلا الكفر، كذلك إذا ترك الصلاة فقد وجد جناية متناهية، لأنه لا جناية فوق ترك الصلاة في هذا القسم، وهو ترك الأمر فإذا تناهت الجناية تناهت العقوبة، والعقوبة المتناهية بالقتل المعدم للحياة أصلاً فجرى وجوبه في الطرفين ليستحق الشرع على التعديل والتسوية ولا يحكم بتناقض واختلاف، وتصير المعاني المؤثرة في الأحكام مطردة مستمرة، ثم الدليل على تناهي الجناية بترك الصلاة، أن الصلاة امتازت من بين سائر العبادات بنوع شرف وخطر لا يوجد لغيرها.

الجزء: 1 - الصفحة: 320

ويمكن أن يقال بغلبة اشتباه أصل الإيمان عليه، الدليل على امتيازه بهذا الحظر والحرمة الاسم الشرعي والمعنى، أما الاسم فهو أن الله تعالى سماها إيماناً ولم يرد هذا الاسم لشيء من العبادات سواها، ولأن النبي عليه السلام سماها عماد الدين، وعماد الشيء ما يكون بقاؤه به ولم يوجد هذا لغيرها.
وقال أيضاً - صلى الله عليه وسلم -: ((نهيت عن قتل المصلين))، كما قال ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)).
ومن جهة المعنى: لأنها وظيفة دارة على درور الليل والنهار وكرورها مثل الإيمان وظيفة مستمرة على دوام الليل والنهار وقرارهما، ولأنه لا تدخلها النيابة بنفس ولا مال مثل الإيمان سواء بخلاف الزكاة والحج والصوم على أحد القولين، وأيضاً لا يسقط بعذر عجز ومشقة بعد إن أمكن الإتيان به بوجه ما كالإيمان سواء فثبت ما قدمنا، وتأصل الأصل واستمر واستقر.
وأما حجتهم: تعلقوا بسائر العبادات.
وقالوا: عبادة من فروع الإيمان فتركها لا يوجب القتل كسائرها.
والجواب: ما سبق.
وقد قال أبو زيد: ترك الصلاة محض كف عن الفعل فلم يكن معصية بنفسه، وإنما كان معصية بغيره، وهو أنه ترك مأموراً به وما صار معصية بمعنى في غيره لم يوجب العقوبة، وهو مثل تناول مال الغير لما لم يكن معصية لعينه، وإنما صار معصية لتعلق حق الغير بالمحل لم يكن

الجزء: 1 - الصفحة: 321

موجباً للعقوبة وهذا ليس بشيء، لأن الكف من الفعل معصية بنفسه إذا اتصل الأمر بالفعل المكفوف عنه كالكف عن الفعل طاعة بنفسه إذا اتصل الأمر به وذلك في الصوم.
وهذا لأن هذه جناية من حيث ترك الأمر والجناية من حيث ترك الأمر لا يتصور إلا على هذا الوجه وهو الكف عن الفعل المأمور به وإنما صار جناية من حيث الأمر لا من حيث نفس الكف كالفعل من الزنا والقتل صار جناية من حيث النهى، لا من حيث نفس الفعل فمتى تناهى الأمر في المبالغة تناهت الجناية عند الترك، كما إذا تناهى النهي في المبالغة تناهت الجناية عند الفعل.
وقد قيل: إنه لا يتصور جناية لمعنى راجع إلى نفس الفعل، لأنه لو كانت الجناية لنفس الفعل لم يتصور إباحته بحال، والشرعيات قد أبيح فيها أجناس المنهيات مثل: قَتَلَ وقُتلَ، ووَطءَ وَوُطِء، وأَخذَ وأخذ، ولو نهى عن الشيء لعينه لم يتصور ورود الإباحة في نفسه بحال، فثبت أن المعتبر وجود الجناية من حيث ارتكاب النهي أو ترك الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 322

(مسألة)

يجوز للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات ويجوز أيضاً للزوج أن [يغسل] امرأته إذا ماتت.

وعندهم: يجوز في الأول، ولا يجوز في الثاني.
لنا: إن علياً عليه السلام غسل فاطمة رضي الله عنها حين توفيت.

الجزء: 1 - الصفحة: 323

وهذا بحضرة من الصحابة وعلمهم، ولم ينكر عليه أحد فصار إجماعاً منهم.
قالوا: ويجوز أن يكون معنى قوله: ((غسلها)) أي أعان على غسلها وعلى أن فاطمة رضي الله عنها كانت زوجة لعلي رضي الله عنه في الدنيا والآخرة.
فإنما غسلها لبقاء الزوجية، وهذا لا يوجد في غيرهما.
قالوا: وعلى أنه روى أن فاطمة عليها السلام اغتسلت ثم تمددت وتوفيت واكتفوا بغسلها ذلك كرامة لها، وكانت معرفتها بوقت فواتها واكتفائها بغسلها بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -. الجواب: إن كل ما قالوه ضعيف.
أما الأول فنقول: إن المروى أنه غسلها، والإعانة على الغسل لا تكون غسلاً.
وأما الثاني: قلنا: نحن نقطع بانقطاع الزوجية بالموت، لأن الزوجية من أحكام الدنيا.
فأما القول ببقاء عقد النكاح بعد الموت والانتقال إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 324

الآخرة فمقال محال، والآخرة لا تكون دار الأنكحة، وما عهد في الجنة والنار تزويج ولا بقاء تزويج.
وأما الثالث: فهو من نقل الروافض ..... فلا نعرف ذلك، وإنما نهاية الرواية أن النبي عليه السلام قال لها: ((أنت أول أهلي لحاقاً بي)).
فأما ما يقال أنه أخبرها بوقت وفاتها وأمرها بالاغتسال قبل الموت والاكتفاء بذلك فلا يعرف، وما رأينا تعجيل غسل الميت قبل الموت وهذا لأن الواجب غسل الميت فلابد من وجوده في ميت وهذا الأثر معتمد.
وأما المعنى: نقول الغسل حق الميت ولابد من قائم به، ثم الزوج إذا مات قامت المرأة بغسله قضاء لحقه، فكذلك إذا ماتت المرأة يقوم الزوج بغسلها قضاء لحقها لأن حق النكاح ثابت من الجانبين، فإذا بقى هذا الحق عليها له بعد موته فليبق لها عليه بعد موتها.
ونقول في التحرير: حق ثبت لأحد الزوجين قبل صاحبه فثبت للآخر قبله.
دليله سائر الحقوق ونعين الوطء في القياس عليه، والتعليل للمس غسلاً.
ونقول أيضاً: المفاقهة أن الميت محل اللمس حلاً وحرمة.
ألا ترى أنه يحل للرجل غسل الرجل ولمسه، ولا يحل للمرأة، وكذلك المرأة مع المرأة، وإذا كان محل الحل والحرمة في حق اللمس عمل عقد النكاح في إباحته وعمل التجانب في تحريمه كاللمس والوطء في حال الحياة، وهذا لأن النكاح عامل في إثبات كل حل يقبل الثبوت كالتجانب عامل في كل حرمة تقبل الإثبات.

الجزء: 1 - الصفحة: 325

وأما حجتهم: قالوا: حل اللمس مستفاد بالنكاح فيزول بزواله، دليله حل الوطء.
يبينه: أن حل الغسل لابد فيه من سبب ولا سبب هاهنا لأن السبب كان هو النكاح وقد ارتفع، وصار كالعدم، وإنما قلنا ذلك لأن النكاح إنما بقى في محل النكاح والميت ليس بمحل النكاح لأنه جماد.
ولأنه أدنى من البهيمة فيستحيل أن يكون محلاً للنكاح، لأن النكاح ملك فلا يبقى الملك إلا في محل الحياة كملك اليمين، ولا يتصور بقاؤه في الميت.
ويدل عليه أنه يجوز له نكاح أختها وأربع سواها، ولو أن النكاح ارتفع لم يحل لأنه يصير جامعاً بين أختين نكاحاً أو بين خمس نسوة نكاحاً.
قالوا: وتصور فيما لو ماتت المرأة وتزوج هو بأختها في الحال، ثم إنه غسلها يجوز عندكم، وهو يؤدي إلى الجمع بين الأختين استحلالاً في اللمس، وليس كما لو مات الزوج، لأن النكاح هناك قائم لقيام العدة وهذا لأن العدة حق النكاح، وإن أشكل هذا في عدة الطلاق فلا إشكال في عدة الوفاة، لأنه تجب سواء وجد الماء أو لم يوجد.
والنكاح مجموع حقوق: فإذا بقى حق له حكم ببقاء النكاح في ذلك الحق.
وأما موته فلا يمنع بقاء النكاح من هذا الوجه، لأنه مالك، والمالك يجوز أن يبقى له الملك بعد موته، بدليل ما لو كان على إنسان دين ومات تبقى تركته على ملكه لحقه، ولأنا نجعل ملكه لوارثه على طريق الخلافة، وفي جعل الملك للوارث على طريق الخلافة (وفي جعل الملك للوارث على طريق الخلافة) إبقاء الملك للميت من وجه وهذا يستقيم في ملك اليمين لأنه يقبل الخلافة فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 326

وأما ملك النكاح لا يقبل الخلافة فبقى للزوج وظهر عمله فيما يمكن إظهار عمله إلا أنه يبقى ما بقيت العدة، فإذا ذهبت العدة وحكم بانقطاع فراش النسب، وحلت للأزواج لم يتصور بقاء النكاح.
قالوا: وأما قولهم إن الميت محل الحل والحرمة في اللمس، فليس كذلك، وقد خرج بالموت عن محلية مثل هذه الأشياء، وإنما حل الغسل لضرورة ولولا الضرورة لم يحل والنكاح عقد استحلال فإذا لم يكن الميت محلاً للحل بحال لم يتصورها بقاء النكاح المعقود للحل.
الجواب: إن قولهم: ((إن النكاح ارتفع بموتها)).
قلنا: وقد ارتفع بموته فكما ينافي محلية النكاح منكوحاً ينافي محلية النكاح ناكحاً ولا يتصور، ولا يعقل ميت ناكح فلم يعقل أيضاً بقاء النكاح له بعد موته.
وأما العدة فتعبد شرعي وجب لإظهار حرمة نكاح سبق عقده مثل الشهادة تعبد شرعي وجب لإظهار حرمة نكاح عقده.
فإن قالوا: أبحنا الغسل لنفس العدة، وهي علقة عظيمة، ولأنها وجبت بالنكاح السابق ولم توجد هذه العلقة إذا ماتت.
قلنا: إذا طلقها ثلاثاً في المرض وماتت عقيبه وهي في العدة لا يطلق لها الغسل والعدة موجودة.
يبينه أن العدة عندهم حق النكاح سواء كانت واجبة من طلاق أو وفاة والتمسك بجانب الزوج في نهاية القوة.
وأما المعنى الذي بيناه فهو صحيح أيضاً يمكن الاعتماد عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 327

وقولهم: ((إنه ليس بمحل الحل)).
قلنا: قد بينا المحلية.
وقولهم: ((إنه جاز للضرورة)).
قلنا: شرع الغسل لا يقال له ضرورة إنما يقال: بقاء حل لإقامة شرع، وبقاء الحل لإقامة الشرع لا يسمى ضرورة مثل الحل في حال النكاح لا يقال ضرورة لأجل الوطء، وعلى هذا نقول: إن النكاح إما أن يحكم ببقائه حكماً في هذا الحكم الخاص بدليل قام عليه، أو يقال أن النكاح قد ارتفع ولكن عمل في إثبات هذا الحكم بعد الموت لأنه لا يوجد إلا بعد الموت كما عمل في إثبات الإرث بعد الموت، لأنه لا يوجد إلا بعد الموت وهذا كلام معتمد فليعمل به، والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 1 - الصفحة: 328

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثاني ويشمل: باب الزكاة والصوم والحج

الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله

الجزء: 2

/

الجزء: 2

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله .. نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد .. فهذا هو الجزء الثاني من كتاب ((الاصطلام)) لأبي المظفر السمعاني وهو يشتمل على كتاب الزكاة والصوم والحج، وقد سبق أن حققت الجزء الأول منه ولاقى إقبالاً كبيراً من المهتمين بهذا الفن ألا وهو فقه الأحكام.
وبهذا الجزء تم ربع العبادات، ويتلوه- إن شاء الله- الربع الثاني من الكتاب وهو ربع المعاملات ويبدأ بكتاب البيوع، وسنحاول إخراجه في أقرب وقت نظراً لرغبة الإخوان في الاطلاع عليه والاستفادة منه، أعان الله على إكماله بمنه وكرمه، ورحم الله علماءنا الذين خلفوا لنا هذا التراث العظيم الذي لا يوجد مثله عند أمة من الأمم.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه .. والحمد لله أولاً وآخراً.

المحقق د. نايف بن نافع العمري


الجزء: 2

فصول الكتاب · 6 فصل
جارٍ التحميل