الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفةكتاب الحج
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(مسألة)

تثبت الاستطاعة ببذل الابن الطاعة

عندنا.
وعندهم: لا تثبت.
وقد ذكر مشايخهم رواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاستطاعة لا تثبت بمجرد المال بحال، وزعموا أن هذه الرواية هي الرواية الظاهرة عنه.
ورووا عن أبي حنيفة رحمة الله عليه رواية أخرى أن الاستطاعة

الجزء: 2 - الصفحة: 229

تثبت بمجرد المال، وزعم المحققون منهم أن هذه الرواية هي الأصح.
وفائدة الروايتين تظهر في المغضوب الموسر، هل يجب الحج عليه أم لا؟ لنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، وإنما قلنا إنه يصير مستطيعاً، لأن الاستطاعة ليس إلا الإمكان وقد أمكنه الحج حين بذل له الابن الطاعة وهو أن يكون معضوباً فقيراً فيبذل له أن يحج عنه أو يكون فقيراً صحيحاً فيبذل له المال فقد تحققت الاستطاعة في الصورتين، أما في الصورة الأولى فليس بينه وبين حصول الحج له إلا الأمر به، وهو مما يدخل تحت الأمر وتجرى فيه النيابة، وفي الصورة الثانية، أمكنه الحج بإنفاقه مال الابن في سفر الحج، كما أمكنه إذا كان المال له، لأن الإمكان لا يختلف في الموضعين فإن ركوبه مركوب الغير وركوبه مركوب نفسه واحد، وكذلك لا يختلف في المطعوم والمشروب.
فثبت أن الإمكان موجود وإذا وجد الإمكان وجب عليه الحج، لأنه لا شرط له سواه، وكذلك في المعضوب الموسر وجد الإمكان وهو أن يبذل ماله ليحج عنه غيره فوجب أيضاً.
وهذه المسالة مبنية على أن النيابة جارية في الحج، وسنبين من بعد.

الجزء: 2 - الصفحة: 230

ويدل عليه: أنه لو كان مستطيعاً للحج بنفسه فطرأ عليه العجز بقى الوجوب عليه، وكذلك إذا وجد المال وهو معضوب جاز أن يجب عليه أيضاً، لأن الباقي هو الواجب عليه ابتداء، والواجب عليه ابتداء هو الباقي فإذا جاز أن يبقى عليه وجوب الحج وهو عاجز ببدنه ليؤدي بماله، فكذلك في الابتداء جاز أن يجب عليه أيضاً.
وأما حجتهم: قالوا: غير مستطيع للحج فلا يجب عليه الحج، كما إذا كان الباذل أجنبياً، وإنما قلنا: ((إنه غير مستطيع))، لأن الاستطاعة بملك الزاد والراحلة بالنص وهو الإجماع بيننا وبينكم ولم يوجد.
ثم قالوا: لو صار مستطيعاً لصار مستطيعاً ببذل الابن المال له وهذا لا يجوز شبهاً ولا معنى.
أما الشبه فالدليل عليه: أن العبد لو أذن له مولاه في الحج وبذل له المال فإنه لا يجب عليه الحج، ولو ثبتت الاستطاعة بالبذل والإباحة وجب أن يثبت ويجب الحج في هذه الصورة، لأن العبد من أهل الحج والإمكان قد وجد.
يبينه: أنه إنما لم يجب لعدم الإمكان مثل العسر لا يجب عليه لعدم الإمكان والسيد بذل له المال فقد تحقق الإمكان، وهذا شبه معتمد.
ويدل عليه: أن الابن إذا بذل المال في كفارة اليمين والظهار جميعاً فكذلك ههنا لا يحكم بالاستطاعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 231

وأما المعنى: قالوا: الاستطاعة بالزاد والراحلة شرط لوجوب الحج بالإجماع، وهو استطاعة بمال لا يوجد مباح الأصل في العادة فوجب أن يكون الملك شرطاً لوجوب الحكم المبتنى عليه، لأن أصل القدرة على ما ......... والأفعال هو بالملك/ وأما القدرة بالإباحة عارضة، والأحكام إنما تتعلق بالأصول لا بالأعراض، ألا ترى أن الصلاة قائماً إنما تتعلق بالاستطاعة ينالها الإنسان بسلامة أحواله، ولا تحجب بما يحدها بمعين بعينه من ولده أو غيره للمعنى الذي بينا، وهو أن الأصل أن الاستطاعة مبنية على سلامة الحال، والأخرى عارض، ولا يلزم على هذا الماء في الطهارة، لأن الماء على العادات موجود مستعمل على الإباحة فصار الإمكان بالإباحة في حق الماء أصلاً فقام مقام الملك، وأما الزاد والراحلة قل ما يوجد على أصل الإباحة وإنما يتمكن الإنسان من استعمالها على العادات الجارية بالملك، والإباحة عارضية فبني الحكم على الملك ولم يعتبر العارض.
قالوا: وأما المعضوب الموسر فيجب عليه الحج على الصحيح من المذهب لأن ملك الزاد والراحلة قد وجد.
وقد نص مشايخهم إحدى الروايتين عن صاحبهم.
وقالوا: تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال، لأنه يؤدي بالبدن وإنما المال وصلة، ثم إذا كان عاجزاً بماله لم يجب عليه الحج وهو الفقير الصحيح فإذا كان عاجزاً ببدنه أولى أن لا يجب.
قالوا: وأما قولكم: ((أنه لو كان صحيحاً موسراً فعرض العجز يبقى عليه وجوب الحج)).

الجزء: 2 - الصفحة: 232

قال: هذا لا يدل على أنه يجب عليه ابتداء كالميت يبقى عليه وجوب الحج ولا يجوز أن يجب عليه ابتداء.
الجواب: أما قولهم: ((إنه لا يجوز أن يصير مستطيعاً ببذل الابن له الطاعة بدليل الأجنبي)).
قلنا: قد منع بعضهم.
والصحيح على المذهب أنه لا يصير مستطيعاً إلا ببذل الابن على الخصوص، وإنما كان كذلك، لأن الإمكان قد وجد صورة ومعنى ببذل الابن ماله، أما الصورة معلومة، وأما المعنى فلأنه لا منة تلحقه ببذل الابن وإباحته ماله له ليحج به، لأن هذا وإن كان إحساناً لكن إحسان الأب إليه أكثر فيكون هذا على معنى المجازاة والشكر لإحسانه إليه لا على معنى الامتنان به عليه، لأن الشرع أضافه ماله إليه إضافة الملك إلى مالكه، ولأنه سمى الولد كسباً له مثل ما يكون العبد كسباً لسيده فيكون حجه بماله مثل حجه بسائر أكسابه فثبت أنه لا منة تلحقه في بذل الابن فتحقق الإمكان بصورة ومعنى.
وهذا لا يوجد في غير الابن فلم يوجد الإمكان معنى، لأن تحمل المنة في غاية الشدة وهي دقاقة لأعناق الرجال.


·

الجزء: 2 - الصفحة: 233

وأما فصل العبد الذي تعلقوا به: قلنا: وإنما لم يجب، لأنه ليس من أهل وجوب الحج عليه والدليل عليه النص والحكم: أما النص: قوله عليه السلام: ((أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة الإسلام)).
وأما الحكم: فإنه لو حضر بعرفات مع سيده لم يجب عليه الحج ولو كان عدم الوجوب لعدم الإمكان فإذا حضر بعرفات وجب أن يجب عليه الحج كالفقير، خصوصاً إذا كان السيد قد أذن له في فعل في فعل الحج، وحين أجمعنا على أنه إذا فعل الحج في هذه الصورة لم يكن فاعلاً واجب الحج عليه بخلاف الفقير، وبخلاف العبد الذي حضر الجمعة مع سيده ويؤديها، دل أنه إنما لم يكن لأجل أنه ليس من أهل فرض الحج عليه أصلاً.


الجزء: 2 - الصفحة: 234

وأما فصل الكفَّارة: فلا نسلم، ونقول: إذا بذل الابن الرقبة أو الطعام لأبيه لم يجز له أن يعدل إلى الصوم، وعلى أن الكفارات حق مالي فلا يتأدى إلا بماله أو بما يصل إليه بماله.
وأما الحج بدني فلا يحصل إلا ببدنه أو ببدن يصل إليه بأي سبب كان ويقوم بدن ذلك الغير مقام بدنه ولم يعتبر أن يكون الوصول بالمال لأنه ليس بواجب مالي فاعتبر أصل الوجوب فحسب، والأصح المنع في الطعام خاصة، وفي العتق إذا وهب الرقبة له أنه يجب عليه قبولها، وعلى هذا في مسألتنا لو وهب الزاد والراحلة له يجب عليه قبولها أيضاً.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجب القبول، لأن المنة تكثر في ذلك ما لا يكثر في مجرد البذل.
وأما دعواهم ببيان المعنى، وقولهم: ((إن الأصل هو القدرة بالمال الذي يكون له)).
قلنا: لا نسلم، بل الأصل هو القدرة بأي وجه كان، لأن الشرط تيسير الوصول إلى الحج بالإمكان الذي يوجد إما بماله ولده، فأما اعتبار ماله فلا معنى له، كما نقول في الوضوء، فإنه لا فرق بين أن يكون إمكانه بماله أو بمال غيره وقد بذل ذلك الغير له.
وقولهم: ((إن الماء يوجد مباحاً والزاد والراحلة لا يوجدان مباحان)).

الجزء: 2 - الصفحة: 235

قلنا: وبأن كان يوجد الماء مباحاً في الأصل بخلاف الزاد والراحلة لم ينبغي أن يفترقا في مسألتنا، والماء مملوك للغير إباحة له، وكذا الزاد والراحلة إلا أن التعلق بفصل الماء في الوضوء يقتضي أن لا يفترق الحكم بين أن يكون الباذل أجنبياً أو غيره.
وقد بينا أن الأصح التفريق/ وحرف الجواب ما قدمنا، ونقول: إن الإمكان أمر حسي لا يتصور أن يختلف بماله ومال غيره، والموجود بمال غيره هو الموجود بماله ولا يتصور أيضاً أن يجعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً.
وأما تعلق مشايخهم بالمعضوب الموسر، فقولهم: ((إن تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال)).
فليس بشيء، لأنا إن سلمنا لهم ذلك لكن القدرة على الحج بدناً قد وجد، لأن بدن غيره يقوم مقام بدنه على ما عرف، لأن الحج يجب بمجرد القدرة بدليل أن الفقير إذا حصل بعرفات فوجب أن يجب بمجرد المال، والاعتماد على ما سبق.
وأما فصل الميت الذي ذكروه، فليس بشيء، لأنه ليس من أهل التكليف ابتداء بخلاف المعضوب فإنه من أهل التكليف ابتداء، وإنما بقى الحج على الميت بقاء الديون فكما تبقى سائر الديون عليه بقى الحج عليه أيضاً.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 236

(مسألة)

وجوب أداء الحج على التراخي

عندنا.
ومعنى قولنا: ((على التراخي)) أنه ليس على الفور.
وعندهم: على الفور، وزعموا أنه قول أبي يوسف.
وحكوا عن محمد بن الحسن أنه قال على التراخي.
قالوا: وليس عن أبي حنيفة رضي الله عنه رواية في ذلك.
وقال بعضهم: عنه روايتان.

الجزء: 2 - الصفحة: 237

وقد صححوا كونه على الفور.
لنا: إن مطلق الأمر لا يقتضي الفور، ولو يوجد في الحج إلا مطلق الأمر، والدليل على أنه لا يقتضي الفور أن قول القائل لغيره: ((افعل كذا)) حقيقة طلب الفعل وليس فيه تعرض للوقت بوجه ما فصار جميع أوقات الحج وقتاً له على وجه واحد حتى إنه في أي وقت أدى يكون ممتثلاً للمأمور، وهذا كالمكان في الصلاة فإن الله تعالى أمر بالصلاة في زمان ولم يتعرض للمكان فصار جميع أمكنة الصلاة مكاناً للصلاة على وجه واحد حتى إن في أي مكان أدى يكون ممتثلاً للمأمور، كذلك ههنا.
والحرف أن الأمر بالفعل لا يقتضي إلا طلب الفعل، وأما التعجيل والتأخير فليس عليه دليل من صيغة اللفظ فصار مطلق الأمر مقتضياً مطلق الفعل فتقييد الأمر تقييد زائد لابد فيه من دليل زائد، وإذا سقط التقييد بالفورية والبدار من ظاهر اللفظ فصار هو بالتأخير مؤخراً للفعل من زمان الفعل إلى زمان الفعل فجاز له ذلك، وهذا كما لو أخر الصلاة من أول وقتها إلى آخر وقتها، فإنه يجوز للمعنى الذي بينا.
يدل عليه أن الواجب من الفعل كما يصلح واجباً على الفور والبدار حتى يتضيق عليه بوجود أول أوقات الإمكان فيصلح واجباً لا على الفور والبدار حتى يتوسع عليه في مدة عمره فيفعله في أي وقت أحب من أوقات عمره من غير أن يخلي الوقت عنه، والدليل على أن الإيجاب على مثل هذا جائز، المشروع والمعقول:

الجزء: 2 - الصفحة: 238

أما المشروع: فلأنه قد وجد نظير ذلك في الزكوات والكفارات وقضاء رمضان إذا كان الفطر بعذر، كذلك على نحوه وجب الصلاة في الأوقات المحدودة، لأنها أوقات تفصل عما يسع للفعل فلم يكن الوجوب إلا على هذا الوجه وهو الأمر بالفعل لا على وجه الفور والبدار لكن على التوسع في الوقت المضروب حتى يفعله في أي وقت أحبه من غير أن يخلى الوقت المضروب منه، فصار الوقت المحدود هنالك كمدة العمر ههنا.
وأما المعقول: فلأن الإيجاب على وجه التضييق ومبادرة الفعل، كما يجوز أن يكون هو مراد الآمر ومصلحة المأمور فيجوز أن يكون الإيجاب على وجه التوسيع في الوقت مراد الآمر ومصلحة المأمور، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر، فهذا الذي ذكرناه هو المعتمد من الدليل، وهو في نهاية القوة، وفي المسألة إلزامات حكمية ذكرناها في التعليق، واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر، وفيه الغنية.
وقد تعلق الشافعي رضي الله عنه بتأخير النبي عليه السلام الحج من السنة التي وجبت فيها إلى السنة الأخيرة من سني عمره، وهي السنة العاشرة مع التمكن من فعله فإنه صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة في سنة ثمان في شهر رمضان وعاد إلى المدينة، واستخلف على الحج عتاب ابن أسيد، وبعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه في السنة الثانية وهي سنة تسع، وحج سنة عشر فقد أخر سنتين من أول سني الإمكان.
ولنا في رسول الله أسوة وبه قدوة مما أطلق له فمطلق لنا، وإن ادعوا عذراً في التأخير فلابد من بيانه.
وأما حجتهم: قالوا: الأمر المطلق على الفور، لأنه مفيد للوجوب، والواجب ما لا يسع تركه والتأخير ترك.

الجزء: 2 - الصفحة: 239

يبينه: أن الأمر بالفعل قد تناول أول سني الإمكان فأفاد الوجوب فيها، وإذا وجب الفعل في أول سني الإمكان لم يجز تركه، لأنه إذا جاز تركه لم يكن واجباً فعله.
وحرفهم: إن الواجب ما لا يجوز تركه في زمان وجوبه.
فإن قلتم: إنما يجوز إلى بدل وهو العزم.
قال: لا يجوز أن يكون العزم بدلاً عن الفعل، لأنه لو كان بدلاً من الفعل لقام مقامه بحال في حصوله المطلوب منه وتأدى المأمور به كسائر الأبدال، ولأن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت، وما يجب قبل دخول الوقت لا يتصور أن يقوم مقام الواجب في الوقت، ولأنه لا دليل على كونه بدلاً، ولا يجوز إثبات بدل بلا دليل، فدل عليه أنكم جوزتم تركه مطلقاً لا إلى بدل، وهذا لا يجوز لأنه يكون نقلاً ولا يكون فرضاً.
قالوا: ولأن التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة فيكون التأخير باطلاً، لأن ما يؤدي إلى الباطل باطل، وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يخلو: إما إن جاز التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية.
فإن قلتم يجوز تأخيره لا إلى غاية فيكون باطلاً، لأنه ينافي الوجوب فإن الوجوب لابد له من فائدة، فإذا جوزنا التأخير لا إلى غاية سقطت فائدة الوجوب، وهذا لأن الأمر طلب الفعل، فإذا جاز التأخير على الإطلاق بقى أمر بلا فعل، وإن قلتم: وجد بدله وهو العزم، فقد تكلمنا عليه.
وإن قلتم: يؤخر ويوصي، فليس كل الأوامر مما تجوز فيها الوصية، ولأنا إذا قلنا يؤخر المأمور ويوصي فكذلك وصيه يوصى، ووصى وصيه يوصى فيؤدي إلى تسلسل الوصية أبداً، فلا يوجد فعل ما.

الجزء: 2 - الصفحة: 240

وإن قلتم: يجوز التأخير إلى غاية، فلا تخلو تلك الغابة، إما أن تكون غاية معينة أو موصوفة.
فأما المعينة: بأن تقول أخر الفعل إلى سنة كذا أو يوم كذا، وتعيين السنة أو اليوم، وهذا غير موجود بالإجماع.
وأما الموصوفة: فهو أن يطلق له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر فات وهذا أيضاً باطل، لأن الظن لا عن إمارة هو الظن السوادي، وذلك غير معتبر، وأما الظن عن إمارة من علو سن أو مرض فالناس يختلفون في ذلك، وإنما لا يظن أصلاً فيؤخر ويموت فيفوت الفعل أو يموت فجاءةً وبغتة فيفوت أيضاً، والأمر بالفعل يقتضي الفعل لا محالة، وبهذا الطريق وجب الفعل، وفيما قلتم إخراج الأمر من أن يكون موجباً للفعل لا محالة، وأيضاً ما قلتم يقتضي أنه إذا أخر حتى مات أنه لا يعصي الله بتأخيره فيكون هذا والنافلة سواء.
قالوا: وأما الكفارات والزكوات والقضاء وغير ذلك قالوا على هذه الطريقة: إن قضية الأمر فيها أنها على الفور وإن جوزنا التأخير إنما جوزنا بقيام دليل.
وأما أبو زيد فقال في هذه المسألة: إن التأخير عن السنة الأولى تفويت فلا يجوز التأخير عن السنة الأخيرة من سني العمر، وإنما قلنا ذلك، لأن فوات العبادة بفوات وقتها، والحج له وقت معين من السنة فإذا أخر عنه فقد فات، ألا ترى أنه فعله لا يجوز والتفويت محظور.
قالوا: فإن قلتم إن لم يحج في هذه السنة يحج في السنة القابلة قال: إنما يمكنه الحج في السنة القابلة عند مساعدة الحياة إلى السنة القابلة وقد

الجزء: 2 - الصفحة: 241

يجوز أن يساعد، ويجوز أن لا يساعد فلا يجوز إطلاق تفويت متيقن به بإدراك مشكوك فيه.
وربما يقولون: لو جعل غير مفوت لجعل بإدراكه وقت الحج في السنة الثانية فإذا كان إدراك الحج في السنة الثانية على الشك لم يجز الحكم بإدراكه ولم يذهب الفوات.
قالوا: وليس كما لو أخر القضاء إلى الغد، لأنه وإن فات الصوم بدخول الليل لكن موته الليل نادر، والنادر لا يعتبر.
فأما موته في السنة الثانية فليس بنادر، وهذا لأن السنة مدة طويلة ليتقابل فيها احتمال الحياة والممات ولا يظهر رجحان، فأما الليلة فمدة قريبة فيترجح جانب الحياة.
قالوا: وعلى هذا تخرج الزكوات والكفارات، لأن الفوات لا يوجد بالتأخير فإن وقت فعلها وقت ممتد ولي بوقت يوجد وينقضي مثل ما يكون الحج.
قالوا: وأما قول مشايخكم: ((إنه يكون مؤدياً للحج في أي سنة فعله)).
قال: إنما كان كذلك لأنا إنما جعلناه مفوتاً، لأنه لا يقين لإدراكه وقت الحج في السنة الثانية.
قال: إدراك جاء اليقين وذهب الشك فنزلت السنة الثانية منزلة السنة الأولى، وكذا في الثالثة والرابعة إلى ما بعدها من السنين.
قالوا: وأما تعلقكم بتأخير النبي عليه السلام حجه إلى آخر عمره، فإنما يستقيم التعلق به إذا كان عن غير عذر فبينوا أنه أخر لا عن عذر حتى يصح التعلق به.

الجزء: 2 - الصفحة: 242

والدليل عليه: أن عندنا يجب فعل الحج في أول سني الإمكان ولا يجوز التأخير.
وعندكم: الأفضل أن لا يؤخر أيضاً، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا يترك الأفضل ولكن ترك لعذر، كذلك عندنا ترك الواجب بعذر جائز.
وقد قال بعضهم: إنما أخر بعذر الفقر، لأنه قد كان اختاره على الغنى، أو أخر لأنه خاف المشركين على المدينة فلم يمكنه أن/ يقربها.
أو أخر لأن العرب كانوا يحجون على سنن المشركين وكان بينه وبينهم عهد فلم يرد أن يحج وهم يظهرون أعلام الشرك بحضرته ولا يكون منه تغيير.
وقال أبو زيد على طريقته: ((إن الله تعالى كان أعلم النبي عليه السلام أنه لا يموت حتى يحج فلم يكن التأخير تفويتاً، وكان على يقين من الإدراك في المستقبل وهذا لا يوجد في غيره)).
الجواب: أما دلائلهم في أن الأمر المطلق على الفور.
نقول: قولكم: ((إن الأمر يفيد الوجوب)) مسلم.
وقولكم: ((إن الواجب ما لا يسع تركه)) مسلم، ولكن هذا ليس بترك

الجزء: 2 - الصفحة: 243

على الإطلاق بل هو ترك في وقت ليؤديه في وقت مثله مع استواء الوقتين فيما يرجع إلى فعل المأمور.
وقولهم: ((إنه وجب في الوقت الأول)).
قلنا: بلى، ولكن على التوسع لا على التضييق، ومعنى التوسع أن جميع زمان العمر مجعول كالوقت الواحد في قبول فعل المأمور، والتخير ثابت للمخاطب بالفعل ليؤديه في أي أوقات هذا الزمان الممتد متى شاء بشرط أن لا يخلي العمر من فعله.
وقد بينا أن هذا جائز مشروعاً ومعقولاً، فإذا عرف هذا تبين الفرق بين هذا وبين النفل، لأن في النفل يجوز إخلاء العمر عنه.
واعلم أنا لا نزعم أن العزم يدل على الفعل الواجب ولا يحتاج إليه وإن كان قد قاله جماعة من الأصوليين، لأنه إذا عرف الوجوب على الوجه الذي بينا كان ترك فعله في أول أوقات الإمكان مطلقاً ولم يحتج إلى إقامة بدل مقامة، وهذا لأن الآفة للمخالف جاءت من الجهل بمعرفة تنوع الواجب، فإذا عرف تنوع الواجب وإنما يكون مضيقاً مرة وموسعاً أخرى ففارق النفل في إلزام الفعل على الجملة وفارق المضيق في جواز التأخير ليؤديه في وقت آخر مثل الوقت الأول، فصار جواز التأخير عن أول سني الإمكان، لأنه واجب موسع، لا لأنه ليس بواجب موسع.
وأما قولهم: ((إن التأخير لا يخلو من كذا)).
قلنا: يجوز التأخير عندنا إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر عن هذه السنة يعجز عن فعله في السنين التي تليها.

الجزء: 2 - الصفحة: 244

وقولهم: ((إن الناس يختلفون في الظنون)).
قلنا: نحن نعلم أن للموت إمارات وعلامات ونعلم أن تلك الإمارات يغلب على ظن العاقل ما ذكرناه والحكم بالإمارة المغلبة للظنون صحيح في الشرع بدليل الأقيسة والاجتهادات.
وأما غلبة ظن السوادي من غير إمارة غير معتبر، فأما إذا كان عن إمارة فهو معتبر مثل غلبة الظن عن الأشياء والمعاني المخيلة معتبرة في الأحكام.
وأما غلبة الظن لا عن شبه ولا عن معنى مخيل غير معتبر، وقد ورد لهذا نظير في الشرع فإن الوصية واجبة في ابتداء الإسلام على المريض إذا غلب على ظنه الموت من ذلك المرض.
فإن قالوا: إذا مرض يمكنه أن يوصى، وإذا مرض لا يمكنه أن يحج.
قلنا: لابد له من مرض معجز ليضيق الواجب عليه، لكن نقول: إذا غلب على ظنه أنه إذا أخر عجز عن أدائه يتضيق وبناء الحكم على غالب الظن عن أمارة مثل بناء الحكم على النص بدليل الشرعيات وكان الشرع ضيق الصلوات الموظفة في الأوقات بوجود آخرها من حيث النص، وضيق الحج وأشباهه من الأوامر المطلقة بوجود آخر أوقاتها من حيث غالب الظن، والكل صحيح جائز.
وأما العصيان وإلزام سمته تارك الحج فقد تخبط فيه الأصحاب.
والأولى أن نقول: ((يجوز التأخير ولا يوصف بالعصيان إلى أن يغلب على ظنه ما ذكرناه،

الجزء: 2 - الصفحة: 245

فإذا وجد غلبة الظن وأخر لحقته حينئذ سمة العصيان، وإن مات لقي الله تعالى عاصياً وإن مات فيما بين ذلك بغتة قبل أن يوجد غلبة الظن عن أمارة تقول: لا يكون عاصياً)).
فإن قالوا: نعم، ترك ولكن إنما يترك واجباً موسعاً عليه، وقد كان ينتظر تضيقه عليه بوجود غلبة الظن، وذلك أمر معهود في عادات الناس فإذا اخترمته المنية، واختزلته من بين سائر الناس قبل أن يبلغ المعهود في أجناسه لم يكن عليه عيب ولم تلحقه سمة العصيان لأنه كان على عزم أنه إذا تضيق عليه لا يؤخره مثل من عليه الصلاة مات قبل أن يبلغ آخر الوقت، وكذلك على أصلهم في الزكوات والكفارات إذا أخرها ومات في خلال ذلك.
فهذا تتمة ما قصدناه من الجواب عن هذه الطريقة المذكورة على سمة الأصول وهو تام بين بحمد الله عز وجل.
وقد انتصب جماعة من المنتسبين إلى الكلام للذب عن أصول الفقه، وظنوا أنهم يمشون من ذلك ما يعجز الفقهاء عن تمشيه، وادعوا أنهم أصحاب الحقائق وأن الفقهاء أرباب الأشباه والظنون من غير عثور وعلى حقيقة.
وعندي أن المتكلمين أجانب عن أصول/ الفقه، ومن لم يعرف معاني الفقه وقوانينه لا يجوز الاعتماد عليه في معرفة أصولها فلا ينبغي لفقيه أن يعدل عن سمة أهل الفقه وأن يأخذ أصول مذهبه عن من لا يعرف

الجزء: 2 - الصفحة: 246

معاني مذهبه فلهذا وأمثاله ........ البيان عن الفقه وقل طلابه واستولى على الناس محض التقليد والله المستعان، وسنتبين في أصول الفقه إن شاء تعالى ما يكشف عن عورات هذه الطبقة وما تقر به أعني المتبعين للحقائق الذابين عن معاني الفقه ومسالكه.
وأما طريقة أبي زيد ففي نهاية الضعف فإن حرفه في طريقته أن الحياة ربما لا توجد في السنة الثانية.
قلنا: الغالب الوجود، لأن الموت من غير أمارات الموت من كبر ومرض ووجود ضعف وغير ذلك نادر، والأغلب أن الشاب الطري يعيش إلى أن يهرم وعلى هذا بنى الله أمر العالم ولو كان على خلاف ذلك لخربت الدنيا ولم تبق إلى هذا الوقت.
وإن تعلقوا بجواز الوجود، فهذا غير معتبر بدليل قضاء الصوم بؤخره إلى الغد ويجوز أن يموت الليلة، وكذلك الصلاة يؤخرها إلى أن يفعلها في آخر الوقت ويجوز أن يموت قبل ذلك، وهذا لأن الأصل موافقة الحياة للآجال والمدد المضروبة وإن كانت على الشهور والسنين الكثيرة وأحكام الشرع مبنية على ذلك.
ولهذا لو أجل الأثمان إلى السنين الكثيرة أو كاتب العبيد ونجم إلى سنين يجوز، وكذلك الدية على العاقلة تجب إلى ثلاث سنين ولو اعتبرنا ما قالوا لم يصح شيء من ذلك، كما لو ضرب الأجل إلى زمان لا يعيش إلى مثله قطعاً من مائتي سنة أو ثلثمائة سنة وأمثال ذلك.
ويقال لهم بطريق الجدل: لو ثبت الفوات لثبت لعدم الإدراك في السنة الثانية وذلك على الشك فلا يثبت الفوات بالشك.

الجزء: 2 - الصفحة: 247

والاعتماد على الأول.
وأما التعلق بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحج فصحيح، وقد كان صلى الله عليه وسلم واحداً لما يحج به، ألا ترى أنه كان يجهز الجيوش ويبعث السرايا وقد فتح الله عليه الفتوح ووسع عليه الدنيا.
وقولهم: ((إنهم كانوا يحجون على سنن الشرك)).
قلنا: إن كان ثم عهد فلا بأس بترك التغيير، لأنه وفاء بالعهد، وإن لم يكن فكان ينبغي أن يحج ويغير.
وأما قولهم: ((إنه علم أنه لا يموت حتى يحج)).
قلنا: هذا لابد فيه من نقل، ودعوى علم الغيب على الرسول محال، وإنما أخرنا للبناء على غالب الظن هذا هو الأصل إلى يثبت غيره، والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 248

(مسألة)

من عليه فريضة الحج إذا نوى التطوع يقع عن الفرض

عندنا.
وعندهم: لا يقع.
وعلى هذا لا يجوز للصرورة أن يحج عن غيره.
وعندهم: يجوز.

الجزء: 2 - الصفحة: 249

لنا: ما رواه الحسين بن ذكوان قال: حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يقول: يلبي عن شبرمة فقال له رسول الله: هل حججت أنت قط؟ قال: لا، قال: لا، قال هذه عنك وحج عن شبرمة)).
وروى أبو بكر بن عياش عن عطاء عن ابن عباس قال: ((سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: عن نفسك فلب)).

الجزء: 2 - الصفحة: 250

وفي رواية ثالثة: ((أيها الملبي عن فلان إن كنت لم تحج حجة الإسلام فلب عن نفسك)) والخبر نص.
قالوا: روى خالد بن صبيح عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن النبي عليه السلام سمع رجلاً يلبي عن نبيشة، فقال: (أيها الملبي عن نبيشة هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نبيشة وحج عن نفسك)).
الجواب: (إنه تفرد بهذه الرواية الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث والمحفوظ عن ابن عباس حديث شبرمة) الذي ذكرناه.
وقد روى الحسن بن عمارة مثل ما رواه غيره، ذكره الدارقطني في السنن، وقال: ((وهذا هو الصحيح عن ابن عباس وما قبله وهم، قال: والحسن بن عمارة كان يرويه على ما رووا ثم رجع إلى الصواب فحدثه على موافقة غيره من الرواة وهو متروك الرواية على كل حال).

الجزء: 2 - الصفحة: 251

والمعنى: أن وقوع الحج المنوي عن فريضة نوع نظر من الشرع للعبد، وقد ورد مثل هذا النظر في الحج بدليل أنه لو أطلق النية، فإنه يقع عن الفرض ونية المطلقة ونية النفل واحد لأنه ليس للنفل وصف زائد على مطلق العبادة.
وقولهم: ((إنها نفل)) معناه ليس بفرض، ولهذا المعنى في جميع العبادات إذا أطلق النية تقع عن النفل، ولكن إذا أطلق نية الحج يقع عن الفرض نظراً من قبل الشرع، كذلك إذا طاف النفل وعليه فريضة الطواف يقع عن الفرض أيضاً، وإنما كان هذا التخصيص من النظر للعبد في أمر الحج، لأنه عبادة شاقة ويحتاج في أدائها إلى كلف شديدة وقطع شقة بعيدة، وتحمل مؤنات كثيرة على ما ورد به نص الكتاب فقال تعالى: ﴿لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾، ولا يجوز أن يقال: إن هذا في حق بعض الناس دون البعض، لأن هذا موجود في حق أكثر الناس وإنما يوجد العدد اليسير حضوراً لحضرة الكعبة.
فأما عامة الناس فإنهم يدانونه من البعد ويضربون أكباد الإبل ويقطعون المفاوز البعيدة والبراري الشاسعة حتى يصلون إلى الحج فاحتاج لهذا المعنى من عليه الحج إلى نوع نظر من قبل الشارع فكان من النظر أن منع من عليه فريضة الحج أن يقصد النفل منه وعين عليه الفرض ثم اكتفى منه بنية أصل الحج وألغى كل وصف يضمه إليه مما لا يلائم صفة الواجب عليه من وصف نفل أو نية عن الغير أو نية نذر وما أشبه ذلك فصار الحج في هذه الصورة مثل الإسلام المفروض ولو أسلم بنية النفل أو أسلم عن الغير فإنه يكون إسلامه عن الفرض الذي عليه بكل حال، كذلك ههنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 252

وأما حجتهم: قالوا: عبادة مقدرة بأفعالها فلا يقع بفعلها عن فرضها.
دليله: الصلاة.
والدليل على أنها مقدرة بالأفعال أنه إذا سئل عن الحج فإنه يعلم بالأفعال فيقال: إحرام ووقوف وطواف وسعى ورمى وحلق، مثل الصلاة تعرف بالأفعال فيقال: افتتاح وقيام وقراءة وركوع وسجود وقعود، وهذا لأن العبادة لما كانت أفعالاً فوجوبها في الذمة وكان الوقت خالياً عنها إلى أن يأتي بها ثم إذا أتى بها لا يكون الوقت لتقدير العبادة حتى إذا قدر بنوع من العبادة لا يقبل غيره بل كان محلاً وشرطاً للعبادة مثل الوضوء شرط للصلاة فإن فعل الفرض فيه صح وإن فعل النفل فيه صح، ومثل الوضوء إن صلى الفرض به يصح وإن صلى النفل به يصح وهو مثل وقت الصلاة.
قالوا: وأما الصوم فإنه عبادة مقدرة بالوقت فإذا قدرت عبادته لم يبق غيرها مقدرة به وصار ذلك الوقت مسمى بهذه العبادة على التخصيص فلم يتصور أن يكون لغيرها مثل ما يوضع شيء في مكان وشغل به لا يتصور أن يكون غيره مشغولاً به، وكذلك من استأجر رجلاً ليعمل له عملاً في وقت معلوم فعلى أي وجه عمل ذلك العمل يكون عن ذلك العمل المسمى فيه بالعقد.
قالوا: وأما إذا أطلق النية إنما وقع عن الفرض، لأنه وجدت نية الفرض بدلالة الحال وإن لم توجد بالصريح والنص، ودلالة الحال هي أن الإنسان لا يتكلف أداء مثل هذه العبادة عن جهة النفل وعليه الفرض

الجزء: 2 - الصفحة: 253

فهو وإن أطلق النية ولم يرده صريحاً فكأنه أراده دلالة، ومثل هذه الدلالة لا توجد في الصلاة غير أن هذه الدلالة إنما يصار إليها إذا لم يوجد التصريح بالنفل، فأما إذا صرح بالنفل سقط حكم الدلالة مثل نقد البلد فإنه يتعين في البياعات بدلالة الحال ثم إذا وجد التصريح بغيره سقط دليل الحال.
قالوا: وأما إذا طاف عن النفل وعليه طواف الفرض فذلك فعل مستحق عليه بأصل الإحرام فتغيره بالنية باطل، مثل ما لو نوى بسجود الصلاة سجود النفل فإنه تبطل نيته ويقع عن الفرض.
الجواب: أن أصل كلامهم، مسلم، ولكن يدخل عليه الصوم، وليس لهم عذر واضح.
وقولهم: ((إنه مقدر بالزمان)).
قلنا: وإن كان كذلك لكن الواجب عليه فعل يفعله وهو الكف عن قضاء الشهوات على ما عرف، وليس بشيء محسوس فوضع في مكان حتى لا يتصور أن يكون ذلك المكان مشغولاً بغيره، وكما أن الوجوب في أفعال الحج والصلاة يلاقي الذمة، كذلك الوجوب في فعل الصوم يلاقي الذمة، وكما أن الوقت في الصلاة والحج يكون خالياً إلى أن يأتي بالأفعال كذلك في الصوم يكون الوقت خالياً إلى أن يأتي بالفعل الذي هو الصوم، وكما يقبل وقت الحج والصلاة الخلو عن فعل العبادة أصلاً كذلك وقت الصوم يقبل الخلو عن الصوم أصلاً فيبقى على هذا أنه إذا أتى بالفعل لا يكون آتياً بالفرض ويصير كأنه لم يأت بالصوم أصلاً، وعلى الجملة لا يتضح لهم عذر عن الصوم بحال.

الجزء: 2 - الصفحة: 254

وأما عذرهم عما إذا أطلق النية، فليس بشيء، فإنه لو أبهم النية في الإحرام ولم ينو حجاً ولا عمرة فإنه لا يقع عن الحج عندهم، وإن كانوا يقولون إن العمرة تطوع والحج فرض، ودلالة إن كانت توجد إذا أطلق النية في الحج فيوجد إذا أبهم بأن أحرم ولم ينو حجاً ولا عمرةً فاجعلوا إحرامه عن الحج في هذه الصورة كما جعلتم حجه عن الفرض في تلك الصورة لأجل دلالة الحال.
فأما ما قالوه من دلالة الحال موجود في الموضعين، وهذا لا يلزم على أصلنا لأن عندنا العمرة فرض كالحج سواء، وإن كان قد أدى العمرة فإن إحرامه كيف فعله يقع عن ....... فإن الاعتبار/ دليل الحال ساقط من وجه آخر، وذلك أن الإنسان لا يتكلف لفعل هذه العبادة الشاقة ويحمل المؤنات الكثيرة ثم يدع نية الفرض فدلالة الحال موجود في ترك الفرض لا في فعل الفرض، فاجعلوا مطلق النية بمنزلة نية النفل بدليل الحال فإن هذا أقرب إلى الصواب.
وأما مسألة نقد البلد، فليس يدخل على هذا، لأن الكلام فيما يحتاج إلى النية من العبادات.
فأما أمر المعاملات فعلى خلاف أمر العبادات ولا حاجة فيها إلى النية أصلاً، والعرف حكم في المعاملات في كثير من المواضع فجعل أيضاً حكماً في هذا الموضع.
وأما مسألة الطواف فلازمة.
وقولهم: ((إنه مستحق عليه فعله بعقد الإحرام)).

الجزء: 2 - الصفحة: 255

قلنا: نعم، ولكن الوقت واسع فقولوا: إذا طاف بنية النفل يقع عن النفل ثم إذا طاف بعد ذلك عن الفرض يكون عما عليه من الفرض مثل من عليه فرض الصلاة إذا فعل فعلاً، ومع ذلك لم يجز ووقع عن الفرض، دل أنه كان للمعنى الذي بيناه من النظر الشرعي بالفائت في أمر الحج على الخصوص.
وأما قولهم: ((لو سجد بنية النفل وعليه سجود الفرض يقع عن الفرض)).
قلنا: هذا عندكم، أما عندنا تبطل صلاته.
والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 256

(مسألة)

لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج

عندنا ويكون إحرامه لعمرة.
وعندهم: ينعقد الحج.
وحرف المسألة: أن عندنا فعل من أفعال الحج.
وعندهم: شرط الحج وليس بفعل من أفعاله.

الجزء: 2 - الصفحة: 257

وعلى هذا الخلاف، تحريمه الصلاة.
لنا: إن الإحرام فعل من أفعال الحج فلا يجوز في غير وقته.
دليله: سائر أفعاله، وكما لا تجوز أفعال الصلاة في غير وقت الصلاة، والدليل على أنه فعل من أفعال الحج أنه شروع في الحج، والحج فعل عبادة، والشروع في فعل عبادة لا يكون إلا بفعل العبادة، وإن شئت قلت: الإحرام شروع في أداء العبادة والشروع في أداء العبادة لا يكون إلا بأداء العبادة.
والوجيز من الكلام هو أن الشروع في الأداء أداء، وهذا دليل في نهاية القوة، وهو على مثال الدلائل القطعية.
يبينه: أنه يقال له قبل الإحرام حج، ويقال له بعد الإحرام أتم الحج، ولو قيل له بعد الإحرام حج يكون القائل هاذياً لاغياً، وقبل الإحرام يكون في قوله مستقيماً محقاً، ولأنا اجتمعنا على أن النية شرط عند الإحرام، وكذلك في الصلاة عند التحريمة، والنية إنما تشترط لصحة الأداء، ولو لم تكن التحريمة من الصلاة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند التحريمة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند التحريمة والإحرام فثبت بهذه الدلائل أن الإحرام فعل من أفعال الحج.
وإذا عرف هذا فنقول:

الجزء: 2 - الصفحة: 258

وقت الحج هو الأشهر المعلومة، وذلك شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
والدليل عليه: الوحي الناطق، والحكم الصادق.
أما الوحي فقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ومعناه وقت الحج أشهر معلومات، لأن نفس الحج أفعال وليس بأشهر، غير أن العبادة تذكر ويراد بها وقتها يقال: شك صلاة الظهر أي وقت الظهر، وقال النبي عليه السلام: ((إن للصلاة أولاً وآخراً)) معناه لوقت الصلاة أولاً وآخراً بدليل أنه فسره بالوقت فقال: إن أول وقت الظهر كذا وآخر وقته كذا.
يدل عليه: أنه تعالى قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، ومعناه فعل فيهن الحج يعني في هذه الأشهر.
وقد أجمع المفسرون أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
وأما الحكم فعلى أصلنا ظاهر، وإنما الحاجة في بيان ذلك على أصلهم فالدليل (أنهم قالوا: فيمن أحرم لعمرة في رمضان وقضاها ثم حج من عامه لا يكون متمتعاً، ولو أحرم بالعمرة في شوال وقضاها ثم حج من

الجزء: 2 - الصفحة: 259

عامه يكون متمتعاً، وكذلك على أصلهم لو أحرم بالعمرة في رمضان وأتى بأفعالها في شوال، وإنما افترقت الصورتان لأن المتمتع هو الذي يجمع بين النسكين في وقت الحاجة ولو كان رمضان وقتاً لكان متمتعاً في الحالين.
وكذلك قالوا: لو أحرم بالحج في رمضان وسعى فيه كان عليه أن يعيد السعي إذا طاف يوم النحر، ولو كان طاف في شوال والمسألة بحالها لم يعد السعي، لأن السعي من أفعال الحج فلا يجوز أداؤه قبل الوقت) وفي المسألة الأولى أتى به خارج الوقت، وفي المسألة الثانية أتى به في الوقت.
قالوا: أيضاً (لو وجد الزاد والراحلة في رمضان وحضره الموت لا يلزمه أن يوصى بالحج، ولو وجد في شوال وحضره يلزمه أن يوصى به)، والمفرق ما بينا.
فثبت أن وقت الحج مقصور على هذه الأشهر، وثبت بما قدمنا أن الإحرام فعل من أفعال الحج فلم يجز قبل وقته.
وأما حجتهم: قالوا: الإحرام شرط لأفعال الحج وليس/ بفعل من أفعاله ولا هو ركن من أركانه، ومحله محل الطهارة في الصلاة وقت فعل العبادات لا يشترط لشرط العبادة، ألا ترى أنه يجوز الوضوء قبل دخول الوقت ولم

الجزء: 2 - الصفحة: 260

يعتبر لصحته وجود وقت الصلاة، ثم الدليل على أنه شرط وليس بركن أنه معنى يستوعبه كل أفعال العبادة مثل الطهارة في الصلاة وهذا هو حد الشرط وهو ما يراعي قيامه لفعل العبادة كلها إلى أن تنتهي إلى آخرها كالطهارة وستر العورة والمكان والوقت في باب الحج والجمعة.
وأما حد الركن ما تؤدي به العبادة ويكون انقضاؤه بشروع في ركن مثله كالقيام يكون انقضاؤه شروعه في الركوع، والركوع ينقضي بالسجود، وهذا لأن العبادة التي تشتمل على أفعال مختلفة تكون أفعالها على التوالي والترادف يفرغ من فعل ويشرع في فعل بدليل أفعال الصلاة وكذلك سائر أفعال الحج، فلو كان الإحرام فعلاً من أفعال الحج لكان سبيله هذا ولم تعتبر استدامته ليؤدي كل الأفعال ثم يتحلل منه.
قالوا: ولأن أفعال الحج تنفصل عن الإحرام بدليل أنه يحرم في أول هذه الأشهر ثم إنه يأتي بالأفعال في الأيام المخصوصة ولو كان الإحرام فعلاً من أفعال الحج لم يجز أن ينفصل عنها كسائر أفعاله وكان من حقها أن توجد على الترادف والتولي مثل أفعال الصلاة، ولأن الحج زيارة أمكنة معلومة وحضور مشاهد مخصوصة تعظيماً لها وقضاءً لحقها لامتثال أمر الواضع لتلك الحرمات والمثبت لتلك الحقوق، والتلبية ليس من هذا في شيء وإنما هي ذكر باللسان وليس عبادة الحج عبادة الأذكار إنما هي عبادة الأفعال على ذلك المنهج المخصوص.
قالوا: ولهذا يختص كل فعل من أفعال الحج بمكان مخصوص، وكذلك بزمان مخصوص، بخلاف الإحرام فإنه لا يختص بزمان على التعيين ولا بمكان.
فثبت بهذه الدلائل أنه شرط وليس بركن فأشبه الطهارة على ما ذكرنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 261

قالوا: (وليس كالخطبة في الجمعة حيث يعتبر لها وقت الجمعة وإن كانت شرطاً، لأن وقت الجمعة إنما اعتبر لها، لأنها أقيمت مقام الركعتين) في الشرع على ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا أقيمت مقام الركعتين لم يكن بد من اعتبار وقت الصلاة لها.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه لو كان شرطاً لما لزمه المضي في العبادة بمباشرة الشرط، كما لا يلزمه المضي في الصلاة بمباشرة الطهارة، لأن عندنا وإن كان الإحرام شرطاً لكنه مع ذلك عقد على الأداء وهو نظير عقد الإجارة على أصلنا فمن حيث أنه عقد على الأداء يلزمه المضي في الحج بخلاف الطهارة.
قالوا: ولهذا يكره الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، لأنه عقد على الأداء.
وبعضهم قال: إنما كره لخوف أن يقع في محظورات الحج لامتداد الوقت فيكون التقديم سبباً للوقوع في الجناية فيكره لهذا المعنى.
والجملة أنهم يقولون: الإحرام شرط لأداء العبادة وعقد على أداء العبادة وإلى أيهما نظرنا لا يكون ركناً من أركان العبادة فلم يعتبر وقت العبادة في فعله.
قالوا: وأما تحريمة الصلاة إنما اعتبر لها وقت الصلاة وإن لم تكن من الصلاة عندنا لأنها لا تصح إلا متصلة بالأداء وهو القيام فينظر لها ما يشترط في الصلاة لأجل القيام بخلاف الإحرام فإنه يوجد منفصلاً عن أفعال الحج فلا يشترط له ما يشترط لأفعال الحج.

الجزء: 2 - الصفحة: 262

وقد قال أبو زيد في الأسرار: ((إن الإحرام التزام الحج فأشبه النذر، واستدل في أنه التزام للحج بالوجوه التي بيناها.
وقال أيضاً: إنه من وجه يشبه النذر، لأنه التزام غير متصل بالأداء في الحال ومن وجه يشبه تحريمة الصلاة، لأنه التزام يفضى إلى الأداء بنفسه من غير حاجة إلى عقد الأداء وعلى هذين الشبهين قسم الأحكام.
قالوا: ولأجل الشبه بالتحريمة كرهنا الإحرام في غير أشهر الحج.
قالوا: ولا يجوز أن يقال بأن الإحرام يتصل به الكف عن المحظورات وهو فعل من أفعال الحج، وذلك لأن الكف عن المحظورات ليس من أفعال الحج ولا هو أداء له بوجه ما.
ألا ترى أنه وإن طال الكف شهر أو شهران لا يتأدى به شيء من الحج ويكون الحج بعد ذلك في الكمال مثل ما لو أحرم وأتى بالأفعال عقيبه، ولا يقال إذا مضى أوقات في الكف أنه فعل بعض الحج بخلاف ما لو أتى ببعض الأفعال، وهذا لأن الحج أفعال على ما ذكرنا أنه عبارة عن زيارة أمكنة على سبيل التعظيم لله تعالى وليس بعبارة عن الكف وليس من شرط الأداء أن يكون كافاً عما حظره عليه إحرامه كالصلاة عبارة عن الأفعال ولكن ن شرط الأداء أن يكون كافاً عما لا يليق بالصلاة من كلام الناس وغيره.
وأما الصوم ففعله نفس الكف بدليل أنه إذا مضى بعض اليوم يقال فعل بعض اليوم.
قالوا: ولا/ يجوز أن يقال إن الإحرام لو كان التزاماً للحج لكان يصح

الجزء: 2 - الصفحة: 263

لسنة أخرى كالنذر، لأنا قد ذكرنا أنه التزام كالنذر وعقد على الأداء كتحريمة الصلاة فمن حيث أنه التزام منفصل عن الأداء صح قبل الوجوب، ومن حيث أنه عقد على الأداء يتناول يصلح له كعقد الإجارة يتناول أول وقت يصلح له وأشبه نية الصوم فإنه إذا نوى بالليل أن يصوم يتناول أول اليوم الذي يليه ولا يتأدى بها صوم يوم آخر وإن صحت النية في غير وقت الأداء فلم يتناول نية اليوم الذي يليها، كذلك الإحرام يتناول الوقت الذي يليه، ولم يجز أن يستديم الإحرام ليؤدي الحج في سنة أخرى.
الجواب: إنا قد دللنا على أن الإحرام أحد أفعال الحج ودعواه أنه شرط بعيد جداً بدليل ما قدمنا، وبدليل وجوب مباشرة أفعال الحج وتحريم تأخرها عن هذه السنة مباشرة شرط العبادة لا يوجب فعل العبادة بدليل الطهارة وستر العورة وهذا الدليل أيضاً وارد على قولهم: ((إنه التزام))، لأنه لو كان كذلك لصار كالنذر ولو كان كالنذر وجب أن يحتاج إلى ابتداء المباشرة ثم يكون ذلك إلى اختياره.
وقولهم: ((إنه عقد على الأداء)).
يقال لهم: على الأداء من حيث الشروع أو من حيث الالتزام؟ فإن قلتم: من حيث الشروع، جاء ما قلنا على ما سبق تقريره، وإن قلتم: من حيث الالتزام، فوجب أن يكون بمنزلة النذر ويكون حكمه على ما قدمنا.
وقولهم: ((إنه يشبه هذا من وجه وهذا من وجه)).
قلنا: الشروع في مثل هذا الكلام علامة عجز المدعى عن تمشية ما ادعاه، ويقال: إذا كان التزاماً لا يكون شبه بالشروع وإذا كان شروعاً لا يكون له شبه بالالتزام، وأيضاً إذا كان الالتزام المحض يجوز قبل دخول

الجزء: 2 - الصفحة: 264

الوقت والشروع المحض لا يجوز قبل دخول الوقت، فما يشبه الالتزام ويشبه الشروع لم يجز قبل دخول الوقت وما يجوز من وجه ولا يجوز من وجه لم قلتم إنه يجوز؟ وأما الذي اعتمدوا عليه في قولهم: ((إنه معنى يستوعب جميع العبادة)).
فوجب الجواب عنه: إن الإحرام ركن من أركان الحج وفعل من أفعاله، وهو أيضاً شرط لسائر أفعال الحج حتى إنه ما لم يكن قائماً لا تجوز سائر الأفعال وإنما قلنا ذلك بحسب قيام الدليل، فإن الدليل قد قام أنه فعل من أفعاله على ما قدمنا، وقام الدليل أن وجوده شرط لصحة سائر الأفعال فقلنا بهما جميعاً، ولا يستنكر أن يكون الشيء الواحد فعلاً في عبادة من العبادات ثم يكون وجوده شرطاً لصحة سائر الأفعال، وقد ورد مثل هذا فإن الإسلام معنى واجب في نفسه وهو أصل كل أركان الدين ثم هو شرط لصحة سائر أفعال العبادات.
وأما تعلقهم بانفصال الأفعال عن الإحرام.
قلنا: وقد ينفصل وقد لا ينفصل بدليل أنه لو أحرم وطاف وسعى عقيبه فإنه يعتد بهذا السعي عن السعي الواجب في الحج، وكذلك طواف القدوم مشروع فعلاً من أفعال الحج وقد أتى به عقيب الإحرام فدل على أن الانفصال الذي قالوه ليس بشيء لازم، بل يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد، وعلى أن مبنى أفعال الحج على الانفصال مكاناً وزماناً، ألا ترى أن بعضها يفعل في مكان من الحل وبعضها يفعل في مكان من

الجزء: 2 - الصفحة: 265

الحرم وبعضها يفعل بقرب البيت وبعضها يفعل بالبعد من البيت فلما كان وضع هذه الأفعال على الانفصال فيجوز أن تقرب مرة مدة الانفصال وتبعد مرة مدة الانفصال، وأما الصلاة موضع أفعالها على الاتصال.
وأما قولهم: ((إن الحج عبارة عن زيارة بقاع مخصوصة وحضور مشاهد معلومة)).
قلنا: مع هذا كله يجوز أن يكون الذكر فعلاً من أفعال الحج، ألا ترى أن ذكر الله تعالى من التلبية والتكبير مشروع في أثناء الحج على وجه السنة وذلك فعل من أفعال الحج، فكذلك يجوز أن يكون مشروعاً في الابتداء ويكون فعلاً من أفعال الحج فهذا وجه الجواب عما تعلقوا به.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 266

(مسألة)

وعلى هذا الأصل الذي قدمناه نقول:

إذا أحرم بحجتين لم تنعقدا وينعقد أحدهما

، وكذلك إذا أحرم بعمرتين، ومذهب محمد مثل مذهبنا.
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف ينعقدان جميعاً، ثم ترتفض أحدهما في الحال على قول أبي يوسف.
وعند أبي حنيفة ترتفض إذا شرع في العمل لأحدهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 267

والدليل على أنهما لا ينعقدان أن الإحرام ركن من أركان الحج فلم يتصور الجمع بين ركنين من الحج كما لا يجوز الجمع بين وقوفين وطوافين، وكذلك لا يصح الجمع بين حجتين في سنة واحدة أداءً أو قضاءً.
وأما أبو حنيفة رحمة/ الله عليه وأبو يوسف قالاً: الإحرام التزام للحج فيصح الجمع فيه بين حجتين.
دليله: النذر.
يبينه: أن فساد الجمع بين الحجتين إنما هو لأجل الأداء فإن الله تعالى ما شرع أداء حجتين في سنة واحدة من واحد بحال، كما لم يشرع أداء صومين في يوم واحد بحال فإذا كان الفساد للأداء والأداء ينفصل عن الإحرام لتعذر الأداء، كما لو أحرم ليلة عرفة بالكوفة أو بأقصى خراسان فإنه عاجز عن أداء الحج في هذه الصورة ومع ذلك ينعقد إلا أن العجز في هذه الصورة من حيث عجز العبد عن إدراك الحج وفعله، والعجز في مسألتنا من حيث أن الشرع لم يجعل له أن يجمع أداءين في وقت واحد فإذا كان العجز في أحد الموضعين لا يمنع الانعقاد كذلك في الموضع الآخر.
قالوا: وليس كما لو جمع بين أختين حيث لا ينعقد واحد من النكاحين، لأن مسألتنا مخالف لهذه المسائل بدليل أن في مسألة النكاح لا ينعقد واحد من النكاحين، وفي مسألتنا انعقد إحدى الجهتين بلا خلاف فوجب أن ينعقد الآخر، لأنه لو بطل الانعقاد كان يبطل فيهما.
ثم قالوا: النكاح إيجاب ملك محلل وما له حكم غير ذلك، وهذا الحكم فائت إذا جمع بين الأختين، لأن الجمع فائت شرعاً لا يثبت بحال مثل ما يفوت في الخمس من الأجنبيات، والعقد لا ينعقد إلا لحكمه فلا ينعقد إذا تحققنا فوات حكمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 268

وأما الإحرام فينعقد في الحال لأجل الالتزام وفي المال للأداء فالأداء إن لم يتصور جمعاً، فالالتزام يتصور ثم الخروج عن حكم الالتزام بفعل أحدهما وقضاء الآخر.
وأما الارتفاض في أحدهما فعند أبي يوسف في الحال، لأنه لو بقى لبقى الأداء والأداء جمعاً فلابد أن يرتفض أحدهما فارتفض في الحال.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه لابد للارتفاض من رافض فجعل الشروع في أحدهما ثم حصول التوجه إلى أحدهما فصار الآخر مثل ما جعل الظهر مرفوضاً بالتوجه إلى الجمعة.
الجواب: إن هذه كلها بناء على أن الإحرام التزام الحج، وقد بينا أنه حج في نفسه والجمع غير مشروع في الحج فبطل، وليس كما لو أحرم بأقصى خراسان ليلة عرفة، لأنه أحرم لمشروع إلا أنه عجز عنه فصار بمنزلة فائت الحج، وأما ههنا أحرم بما ليس بمشروع.
وأما انعقاد إحرامه بإحدى الحجتين فلأنه لا مانع منه، أما إذا جمع بين أختين فقد تعلق به منازعة الأذى في حقه، وليس إثبات الحق لأحدهما بأولى من الآخر فبطلا، وهذا لا يوجد في مسألتنا.
وأما إذا أحرم بصلاتين أو نوى صومين ففي النفلين أو النفل والفرض ينعقد أحدهما نفلاً، وفي الفرض لم ينعقد لعدم التعيين، ونية التعين شرط في صحة الفرض.
والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 269

(مسألة)

يجوز الاستئجار على الحج

عندنا.
وعندهم: لا يجوز.
وعلى هذا الخلاف الاستئجار على تعليم القرآن، والاستئجار على الآذان على أحد الوجهين.
والجملة أن عندهم لا يجوز الاستئجار على شيء من الطاعات.
وعندنا: يجوز على كل عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفاءه غير مفترض على الأجير فعله.

الجزء: 2 - الصفحة: 270

لنا: أنه استأجر على عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفائه غير مفترض على الأجير فعله فجاز.
دليله: إذا استأجر على نصب قنطرة أو بناء مسجد أو بناء رباط وغير ذلك من أفعال الخير.
وقولنا: ((معلوم)) ظاهر، لأن أفعال الحج معلومة في نفسها متعين زمانها ومكانها.
وقولنا: ((إنه يمكن إيفاءه وتسليمه)) يعني أنه متصور تلبيته ووقوفه وطوافه عن الغير وإذا فعلها صارت كالمسلمة إليه شرعاً، ولهذا سقط الفرض عنه- أعني الآمر- وكذلك إذا استأجره على تعليم سورة بعينها فإيفاء ذلك السورة بتعليمها مثل ما لو استأجره على تعليم الخط والحساب أو كتاب معلوم من اللغة وعلوم العربية وغيرها.
وقولنا: ((غير مفترض على الأجير)) حتى إنه لو افترض في موضع فعله لم يجز الاستئجار عليه.
ويدل على جواز النيابة في الحج فنقول: أجمعنا على أنه لو قال المعضوب لغيره: ((حجي عني))، فإنه يصح هذا الأمر والمأمور ينوي الحج عنه أو يقول: لبيك يعن فلان، ويظهر عمله في حقه حتى سقط الحج المفروض عن ذمة الآمر، وكذلك إذا أوصى بالحج عنه فإنه إذا مات جاز الحج المأمور عنه.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: ((لو مات رجل فحج عنه ابنه يجزيه إن شاء الله تعالى))، وإنما أدخل الاستثناء لأنه صور المسألة فيما إذا حج عنه بغير أمره، فأما إذا أمره أن يحج عنه فإنه يجوز عنه قطعاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 271

فثبت أن النيابة جائزة في الحج فنقول: عمل تجري فيه النيابة فيجوز الاستئجار عليه بالمال.
دليله: سائر الأعمال.
وأما حجتهم: قالوا: عبادة بدنية فلا يجوز/ الاستئجار عليها.
دليله: الصوم والصلاة، وإنما قلنا إنها عبادة بدنية من الوقوف والطواف والسعي والرمي وغير ذلك.
قالوا: والفقه في ذلك: أن العبادات أوجبت على وجه الابتلاء للعباد، والابتلاء لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن، لأنه يظهر عند إتعاب البدن طواعية العبد لربه وانقياده لحكمه أو كراهية لذلك ونفوره عنه فيعرف الصادق من الكاذب والمطيع من العاصي والمخلص من المنافق ويتحقق الابتلاء والاختبار الذي أوجبت العبادات بوصفه.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: لا يوجد معنى الابتلاء إلا فيما يفعله العبد بنفسه ويتحمل تعبه بذاته وجسمه فأما عند أمره غيره بفعله واستنابته في ذلك من تسبينه فلا يتحقق معنى الابتلاء فيه بحال، وهذا لأن الابتلاء في التعب، ولا تعب في الأمر إنما التعب في الفعل.
قالوا: ولهذا لم تجز النيابة في الصلاة والصوم، وكذلك لم تجز النيابة في الحج عند القدرة على فعله، وأما الزكاة وسائر واجبات المال فالابتلاء فيها بتنقيص المال وذلك يوجد سواء فعله بنفسه أو فعله نائبه، ولهذا دخلتها النيابة مع قدرته على فعلها بنفسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 272

وإذا ثبت هذا الأصل أن النيابة غير داخلة في هذه العبادات فالاستئجار عليها باطل.
قالوا: وأما إذا أمر غيره أن يحج عنه فإنما جاز ذلك عند العجز أو جاز بعد موته على معنى أن فرض الحج لازم عليه بدناً وقد عجز عن نفسه فالشرع نقل الفرض الذي كان على بدنه إلى المال الذي يبذله له في الحج فيكون له ثواب النفقة على الحج وسقط به الحج عنه، لأنه فعل ما كان عليه بقدر الإمكان، أو لأنه لما انتقل الواجب من البدن إلى المال فلابد من سقوطه عنه.
ونظيره الشيخ الهم إذا تصدق بدل الصوم فإنه يسقط الفرض عنه لانتقال الواجب إليه.
قال أبو زيد في ((الأمالي)) محتجاً في هذه المسألة: إن الحج عن الغير لا يكون حاجاً عنه إلا بعد ما يقع الحج عن الحاج وإذا وقع الحج عنه لم يستحق الأجر على غيره.
دليله: الآذان.
والدليل على أنه يقع حجه عن نفسه أنه لا يصح حجه ما لم يكن من أهل الحج عن نفسه حتى إذا كان كافراً لا يصح، لأنه ليس من أهل الحج عن نفسه ولو كان الفعل يقع عن الآمر لم يشترط لصحته كون الفاعل من أهله لنفسه.
ألا ترى أن بناء القناطر والرباطات والمساجد لما صح للعامل فيها أن يكون أجبرا ووقع عمله عن الآمر جاز أن يكون الأجير فيه كافراً، وهذا

الجزء: 2 - الصفحة: 273

لأن العبد متعين لفعل العبادة حقاً لله تعالى، إما فرضاً أو نفلاً، فلا يتصور مع كونه فاعلاً فعل العبادة أن يكون فاعلاً عن غيره بخلاف بناء الرباط والمساجد، لأن فعلها في ذاته ليس بعبادة عن الفاعل، بدليل أنه يجوز منه وإن لم يكن من أهل العبادة مثل أن يكون الأجير كافراً.
قالوا: وأما قولكم: ((إن النيابة صحيحة)).
فالقياس أن لا يصح، لأنه عبادة بدنية على ما ذكرنا، ولكن الشارع جوز ذلك لما فيه من المال، لأن الحج لا يتأدى إلا بنفقة فأخذ شبهة الزكاة من هذا الوجه حتى إذا استعان برجل ليحج عنه ولم يعطه النفقة لا يجوز، وكذلك إذا أمر أن يحج عنه فأنفق المأمور عامة النفقة من جهة نفسه لا يجوز.
فثبت أن جواز النيابة لشبهه بالزكاة من حيث النفقة.
فأما من حيث أنه عبادة بدنية فلا ينبغي أن تجوز فيه النيابة فجوز الشرع فيه النيابة في حال اليأس عن فعله بنفسه لشبهه بالزكاة ولم يجز في غير حال اليأس لشبهه بالصلاة وإذا جازت النيابة فيه من ذلك الوجه لم يكن بد من نيته عنه، وتلبيته باسمه وصح أمره إياه بأن يحج عنه وسقط الفرض عن الآمر لا عن المأمور.
وأما الأجر على أصلكم إنما وجب للأجير من حيث أنه فعل الحج بدناً وأقام فعله ببدنه مقام فعله بنفسه، ومن هذا الوجه لا ينبغي أن تجوز فيه النيابة، لأنه عبادة بدنية فلم يجز الاستئجار عليه ولم يجب له الأجر، هذا نهاية ما يمكن.
الجواب: أما قولهم: ((إنه عبادة بدنية)).

الجزء: 2 - الصفحة: 274

قلنا: يمكن أن يقال: ليس بعبادة محضة، وقد سلم هذا في الطريقة الثانية حيث قال: ((إنه يشبه الزكاة من وجه، وعلى أنا وإن سلمنا أنه عبادة بدنية لكنه عبادة بدنية تجرى فيها النيابة، وفيه الإجماع ولا يمكن منعه بحال.
والحرف أن أداء العبادة بدناً قد وجد إلا أنه قام فعل الأجير بدناً مقام فعل المستأجر بعقد مشروع وهو عقد الإجارة فصار كأنه الفاعل بنفسه.
وأما قولهم: ((إن وصف الابتلاء لا يوجد إلا لفعله بنفسه)).
قلنا: هذا لا يغنى بعد/ أن تلجئهم الضرورة إلى تسليم جواز النيابة فيه، وعلى أن معنى الابتلاء موجود وإن أدى بفعل الأجير، لأنه لابد من الأمر بفعله ولابد من بذل المال لفعله فيوجد الابتلاء، ألا ترى أن الابتلاء موجود في العبادات المالية، كذلك ههنا يوجد الابتلاء ببذل المال غير أنه كان الابتلاء بفعله بدناً والتوصل إليه مالاً، وههنا الابتلاء كله النقل إلى المال.
وأما الذي قالوه: ((إن النيابة غير جارية أصلاً لكن سقط الفرض عن الآمر ببذل النفقة)).
فكلام في غاية الرذالة والنذالة ولا يتصور فرض الحج إلا بفعل الحج.
فإن قالوا: إنه إذا انتقل الفرض من البدن إلى بذل المال فينبغي أن يؤمر بصدقته على الفقراء ويكون وجوبه باسم الفدية على الحج مثل الشيخ الهم تجب عليه الفدية عن الصوم، فأما أن يقال إن الحج بقى وجوبه عليه حتى يجب عليه أن يأمر نائبه بالحج عنه ويجب على النائب أن ينوي عنه الحج ويسميه في تلبيته ثم الحج يكون عن الحاج ويكون للآمر ثواب النفقة ويسقط الحج عن ذمته بثواب النفقة، فهذا كلام غير مفهوم، ولا يستجيز اعتقاده والقول به فقيه، وإن صار واجب الحج واجب بذل المال فبأي وجه

الجزء: 2 - الصفحة: 275

تعين بذل المال في جهة الحج بل ينبغي أن يجب صرفه إلى مصارف الصدقات، ثم كيف يتعين بذله في حج يفعله النائب عن نفسه ويكون واجباً عليه أن ينويه عنه ويسميه في تلبيته ولو نواه عن نفسه كان مخالفاً ويلزمه رد ما أخذه عليه، فهذه كلها تخبطات عظيمة وحكايتها كافية عن الكلام عليها.
وأما طريقتهم الثانية، وقولهم: ((إن الحج وقع عن الحاج)).
فقد قال بعضهم: وقع عن الحاج نفسه من وجه وإنما يجوز عقد الإجارة إذا وقع عن المستأجر من كل وجه.
فنقول: لم يقع عن الحاج بوجه ما وهو واقع عن الآمر من كل وجه.
وأما قولهم: ((إنه يشترط أن يكون من أهل الحج لنفسه)).
قلنا: إنما اعتبر ليكون من أهل الحج وإنما يجوز الاستئجار على الحج لمن يكون من أهل الحج، وهذا بمنزلة كل فعل يستأجر الإنسان عليه إنما يجوز إذا كان الأجير من أهل ذلك الفعل إلا أن الحج فعل شرعي فيعتبر أن يكون من أهل فعله شرعاً وهو بمنزلة ما يستأجره على فعل حسي يعتبر أن يكون من أهل فعله حساً.
ونظير هذا إذا استأجر المسلم مجوسياً لذبح شاة لا يجوز وإن كان الذبح محسوساً يوجد منه مثل ما يوجد من المسلم، ولكن قيل إن الذبح المحلل فعل شرعي فيعتبر في الأجير أن يكون من أهل فعله شرعاً فإذا لم يكن، لم يصح الاستئجار عليه ولم ينظر إلى تصوره محسوساً منه، كذلك ههنا، وهذه الطريقة كان بناؤها على هذا الأصل وإذا حصل الجواب بطل الباقي منها.

الجزء: 2 - الصفحة: 276

وقولهم: ((إنه تصح النيابة من حيث وجود المال فيها لا من حيث أصل الفعل)).
قلنا: هذا إنكار المحسوس، لأن النائب إنما فعل ما فعله بدناً لا مالاً، والنية وجدت منه في الحج بدناً، والآمر قال له: حج عني، وقوله: ((حج عني)) ينصرف إلى الأفعال البدنية.
وقوله من قال: إن النيابة جازت من حيث المال لا من حيث البدن لغو باطل.
يبينه: إن النيابة جوازها من حيث الأمر، والأمر يتناول الواجب عليه وإذا كان الواجب هو الفعل فيكون الأمر بالفعل، وإذا كان الأمر بالفعل تكون النيابة جارية في الحج من حيث الفعل.
وأما المال سبب يتوصل به إلى الحج، وأما الوجوب لا يتناوله ولا الأمر يتناوله فسقط ما قالوه.
والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 277

(مسألة)

العمرة واجبة

عندنا.
وعندهم: تطوع.
لنا: ما رواه ابن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن

الجزء: 2 - الصفحة: 278

عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: ((عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)).
وروى محمد بن كثير الكوفي قال: حدثنا إسماعيل بن يعلى بن مسلم عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الحج والعمرة فريضتان لا يضربك بأيهما بدأت)).
وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن

الجزء: 2 - الصفحة: 279

جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى اليمن كتاباً وبعث به مع عمرو بن حزم وفيه: ((إن العمرة الحج الأصغر، وألا يمس القرآن إلا طاهراً)).
وفي بعض ما رواه عمر عن النبي عليه السلام أن جبريل عليه السلام سأله عن الإسلام فقال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر)).
وهم يروون بطريق حجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة والزكاة أواجبة هي؟ قال: ((نعم))، فسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك)).

الجزء: 2 - الصفحة: 280

وروى عبيد الله بن المغيرة/ عن أبي الزبير عن جابر قال: قلت: يا رسول الله، العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك)).
ويروون بطريق طلحة بن عبيد الله أن النبي عليه السلام قال: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع)).

الجزء: 2 - الصفحة: 281

واعلم أن في أسانيد كل هذه الأحاديث مقال: فإن الخبر الأول بما أسنده الحجاج بن أرطأة وعبيد الله بن المغيرة، وهما ضعيفان.
وخبر طلحة رواه عمرو بن قيس وهو متروك.
وكذلك الأخبار التي رويناها في أسانيدها أيضاً مقال يطول ذكرها إلا الخبر الذي ذكرناه أن النبي عليه السلام قال: ((وأن تحج وتعتمر))، حين سئل عن الإسلام معتمد، وهو رواية سليمان بن طرخان التيمي عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر عن عمر وهو خبر جبريل المعروف حيث جاء فسأل النبي عليه السلام عن الإيمان والإسلام وفي آخر الخبر قال: ((هذا جبريل أتاكم ليعلمكم معالم دينكم فخذوا عنه)).
وهو خبر ثابت، وهذه الزيادات رواتها ثقات.

الجزء: 2 - الصفحة: 282

وقد أوردها الجوزقي في متفق الصحيحين.
ويمكن أن يحتج ويعتمد على قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والمراد من الإتمام في هذه الآية ابتداء الفعل على أكمل الوجوه.
وقد قال جماعة من أهل العلم: إن ابتداء فريضة الحج كان بهذه الآية وهو أول ما نزل في القرآن في إيجاب الحج وهو تناولت الحج والعمرة تناولاً واحداً.
وقد قامت الدلائل القطعية أن الأمر على الوجوب فاقتضت وجوب العمرة كما اقتضت وجوب الحج.
وقد روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي عليه السلام قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، فقال: ((حج عن أبيك واعتمر)).

الجزء: 2 - الصفحة: 283

وهذا أمر والأمر على الوجوب.
فقال الدارقطني حين روى هذا الحديث: رجال هذا الحديث كلهم ثقات.
وروى أيضاً بطريق روح بن القاسم عن أبي الزبير عن جابر عن سراقة ابن مالك قال: قلت: يا رسول الله، أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ قال: ((لا، بل للأبد .. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)).
وقال: رجاله كلها ثقات.
ومثل هذا السؤال لا يكون إلا في واجب، وقوله: (العمرة في الحج)) المراد من ذلك في الأفعال على ما سنبين.
وقد ثبت عن ابن عباس قال: ((الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة)).
وإذا كان حجاً فكل ما يدل على وجوب الحج يدل على وجوبها، ولا معنى يدل على وجوب العمرة سوى التشبيه بالحج، ومجرد الشبه بلا معنى مخيل لا يعرف حجة.

الجزء: 2 - الصفحة: 284

وأما المخالف: صار إلى أن العمرة غير مؤقتة، لأنها تجوز في جميع السنة والحج مؤقت، والفرق بين النفل والفرض هذا فإن الفرض لا يكون إلا مؤقتاً، لأنه واجب علينا ولو قلنا وجب فعله وإذا لم يكن مؤقتاً، وقد خلق الله الناس العباد ليعبدوه وجب فعله في جميع الأوقات فيؤدي إلى أن يقع الناس في الحرج العظيم أو يؤدي إلى تكليف العاجز، لأن العباد يعجزون عن مباشرة العبادة في جميع الأوقات على العموم.
وأما النفل ففعله مفوض إلى اختيار العبد فإن الله وإن خلق الناس ليعبدوه وجعل النفل مشروعاً في عموم الأحوال والأوقات فلا يؤدي إلى الحرج ولا إلى تكليف العبد ما يعجز عنه فنظرنا إلى عموم الأوقات على ما دلت عليه الآية واعتبرنا ذلك وقلنا: لا يختص بوقت دون وقت.
قالوا: فإن قلتم: ((إن العمرة عندكم لا يجوز فعلها في خمسة أيام من السنة وهي يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق)).
قلنا: لا نقول إن فعلها لا يجوز لكن يكره ترجيحاً لأمر الحج على العمرة.
لا شك أنه مرجح في الشرع، والأيام التي تعينت لفعله في الشرع كرهت العمرة فيها تقديماً للحج على العمرة.
وقد قالوا أيضاً: إن الحج سبب وجوبه البيت، وكذلك العمرة لو وجبت وجبت بالسبب الذي يجب به الحج فيؤدي إلى التنافي الواجب، وهذا لا يجوز كما لا يجب ظهران بوقت واحد وزكاتان بمال واحد وصومان بيوم واحد.

الجزء: 2 - الصفحة: 285

الجواب: إن كلا الدليلين في غاية الضعف والذي قالوا: في التفريق بين الفرض والنفل بالحد الذي قالوه لا يعرف، وليس عليه فإن الإسلام واجب وهو غير مؤقت، وكذلك الجهاد واجب وكذلك صلاة الجنازة والكفارة وما يشبه ذلك، وعلى عكسه النوافل الرواتب في الصلاة والصوم مؤقتة وليس واجبة ونعني في الصوم صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء والاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر.
وأما الذي قالوه إن الله تعالى خلق العباد ليعبدوه فيقتضي العبادة على العموم.
قلنا: له خلينا هذا والظاهر لاقتضى أنهم عبدوه مرة سقط عنهم الأمر إذ ليس في ظاهر هذا اللفظ دليل على فعلها في/ عموم الأوقات وأيضاً إذا قلنا إن الفريضة لا تتوقت لا يؤدي إلى ما قالوه من تكليف العاجز وإيقاع المكلف في الحرج الذي ظنوه، لأنه يكون مأموراً بفعله على الجملة حتى لا يجوز تركه، فأما أن يكون مأموراً بفعله على الاستدامة حتى لا يجوز أن يخلى عنه وقتاً ما فليس عليه دليل.
وأما في النفل إذا قلنا إنه لا يتوقت، وقلنا إنه يكون مفوضاً إلى اختيار العبد وربما لا يختار فعله أصلاً فلا يظهر لما قالوه أن العبد خلق للعبادة في جميع الأوقات أثر، وعلى أن العباد إذا فعلوا الفرائض في مواقيتها وقاموا بحق الأوامر الموظفة عليهم فقد عبدوا الله في جميع مدى عمرهم حكماً، وإن كانوا خلى بعض الأوقات عن عبادتهم حساً.

الجزء: 2 - الصفحة: 286

وأما كلامهم الثاني، وقولهم: ((إن إيجاب العمرة يؤدي إلى الثناء في الواجب)).
قلنا: لا يؤدي لأن الثناء بإيجاب حجتين وعمرتين، فأما إيجاب حج وعمرة وهما عبادتان مختلفتان متغايرتان فلا يؤدي إلى هذا، ولئن جاز أن يقال هذا ثنى فيجوز أن يقال إن إيجاب الظهر والعصر ثنى، وإيجاب صدقة الفطر لك سنة ثنى، وكذلك إيجاب الزكاة كل سنة ثنى، ومثل هذا لا يدخل فيه فقيه.
وقد ذكر الأصحاب لنا: إن العمرة واحد نسكى القرآن فأشبه الحج.
وقالوا: عبادة يجب المضي في فاسدها فكانت واجبة في الحج، والمعتمد ما سبق.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 287

(مسألة)

حج الصبي صحيح سواء أحرم عنه أبواه أو أحرم بنفسه وهو ممن يعقل الإحرام.

وهل يحتاج إلى إذن الولي، فيه وجهان.
وإذا صح لزم حتى لا يجوز له الخروج عنه ولو خرج لا يصير خارجاً عنه ويكون حجة في هذا المعنى مثل حج البالغ ولو ارتكب محظور الإحرام لزمته الكفارة.
وعندهم: حجة غير لازم، ولا تلزمه الكفارة بارتكاب المحظور.

الجزء: 2 - الصفحة: 288

وبعضهم قال: حجه غير صحيح أصلاً.
لنا: حديث أبي معاوية عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: رفعت امرأة صبياً لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)).
ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 289

وروى بإسناده عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: ((حج بن أبي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن سبع سنين)).
فثبت بهذين الخبرين صحة حجه فصح على ما شرع وقد شرع لازماً فوجب أن يصح لازماً، وهذا كالإسلام على أصلهم فإنه لما صح منه صح على ما شرع وهو أن يكون بوصف اللزوم.
والجمل أنه إذا صح من الصبي يصح على ما يصح من البالغ.
والأولى أن يقال: يصح على الوضع الشرعي، وهذا لأنه لا يتصور حج صحيح يمكن الصبي عليه غير لازم في الشرع، والحج قد صح من الصبي، وأمكنه الضمي عليه فوجب أن يصح بوصفه.
وأما وجوب الكفارة عندنا بارتكاب المحظور، فلأنه حق مالي فصار كسائر حقوق المال وكما تجب على الصبي سائر حقوق المال يجب عليه هذا

الجزء: 2 - الصفحة: 290

الحق أيضاً، ولأن سببه قد وجد في حقه وهو ارتكاب المحظور في حج صحيح، فصار هذا الحق مثل غرامات المتلفات وأروش الجنايات.
ويستدل بكفارة الصيد إذا قتل في الحرم، وقد سلموا في هذا الموضع أنه يجب على الصبي، فكذلك إذا قتل وهو محرم وجب أن يكون مثله، لأنه لا فرق بينهما معنى وكل واد حق لله تعالى.
وأما حجتهم: قالوا: لزوم الحج حق من حقوق الله تعالى يحتمل السقوط بالأعذار بعد البلوغ بدليل أنه يسقط بعذر الإحصار وعذر الرق فسقط بعذر الصبا.
لأن رأس الأعذار الصبا قياساً على أصل الوجوب، وإنما قلنا: ((إن اللزوم حق الله تعالى)) لأن الإحرام عبادة خالصة لله تعالى، واللزوم صفته فيكون أيضاً لله تعالى، وإذا سقط اللزوم في حق الصبي صار الإحرام بالحج كإحرام الصلاة، وإذا ثبت أنه لا يلزمه شيء بترك الإحرام، فكذلك لا يلزمه شيء بارتكاب المحظور الذي هو جناية عليه بطريق الأولى لأنه لو وجب بالإدخال نقيضه فيه فإذا لم يجب عليه شيء بتركه أصلاً فلئن لا يجب بإدخال نقيضه فيه أولى، ولأن هذه الكفارات حقوق الله تعالى على الشخص يحتمل النسخ والتبديل فيسقط بعذر الصبا.
دليله: أصل الصوم والصلاة.
والدليل على أنه يحتمل النسخ أنه لم يكن في الأصل مشروعاً، وإنما شرع في شرعنا، وما احتمل إن لم يكن ثم كان احتمل أن لا يكون أصلاً، ولأن الكفارة دون الصلاة في الوجوب فلما سقطت الصلاة بعذر الصبا في

الجزء: 2 - الصفحة: 291

حقه والسبب في حقه قد تحقق وذلك بمجئ الوقت فكذلك الكفارة جاز أن تسقط وإن تحقق السبب في حقه.
قالوا: وقولكم: ((إن الكفارة حق مالي)).
قلنا: بلى، ولكن وجبت لله تعالى على طريق الابتلاء ولا يتصور الابتلاء إلا باعتبار فعل العبد، ولو وجبت الكفارة لكان أداؤها بفعل الولي بولاية جبرية قهرية/ فلا يتحقق معنى الابتلاء، وقد ذكرنا هذا على الشرح في مسألة زكاة الصبي فلا معنى لإعادته.
قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب للصيد لا لله تعالى، لأنه إذا أمر بالإحرام فصار أمنه حقاً له، وإذا قتله وجب الجزاء حقاً له وما يجب لغير الله لا يجب على نهج العبادات فلا يتعلق أداؤه بفعل من عليه على سبيل الاختيار فصح أخذه قهراً وجبراً، وصار بمنزلة غرامات المتلفات فصح تأديه لولي يثبت ولايته شرعاً لا باختيار المولى عليه.
فأما ما يجب لله تعالى فإنما يجب على سبيل العبادة فلا يتأدى إلا بفعل من عليه عن اختيار وتمييز إما به أو بنائب عنه باختياره وتمييزه، لأن المطلوب من الاستعباد امتياز العاصي من المطيع، وذلك لا يحصل بالاستيفاء جبراً كما بينا في الزكاة.
والحرق أنهم يقولون: كفارة الإحرام محض حق الله تعالى وجب على وجه الابتلاء ولا يمكن إيجابها على الصبي كما ذكروا في الزكاة، وكفارة الحرم وجبت حقاً للصيد لا حقاً لله تعالى.
الجواب: أما قولهم: ((إن اللزوم مسقط بالعذر بعد البلوغ)).

الجزء: 2 - الصفحة: 292

قلنا: أولاً هذا يبطل بالصحة، فإن صحة الحج أيضاً تفوت بأسباب بعد البلوغ، فقولوا إنها تفوت بسبب الصبا، وسؤالهم على هذا أن الصبا صار عذراً بطريق النظر ولا نظر في منع الصحة، فأما في منع اللزوم نظر حتى إذا تركه لا يجب عليه شيء، فلهذا لم تنتف الصحة وانتفى اللزوم، وهذا يدخل عليه الإسلام فإنه يقع لازماً وإن وجد من الصبي على أصلهم، ولا يقال: يصح نظراً ولا يلزم نظراً، بل قيل: لما صح على ما وضعه الشرع، كذلك الإحرام لما صح صح على ما وضعه الشرع من صفة الفريضة.
فإن قالوا: أليس إن الظهر يصح منه ومع ذلك لم يصح على ما وضعه الشرع من صفة الفرضية؟ قلنا: الصلاة تنقسم إلى لازم وغير لازم، فلم تكن غير لازم في حق الصبي ويجعل في حقه بمنزلة النوافل، وأما في الحج لما لم ينقسم في اللزوم وغير اللزوم، بل كان لازماً بكل حال، استوى وجوده من البالغ والصبي.
وجواب آخر: إن اللزوم مع إمكان المضي لا يسقط بعذر ما، والصبي متمكن من المضي على إحرامه فوجب ألا يسقط اللزوم في حقه.
وخرج على هذا المحصر والعبد، لأنهما لا يقدران على المضي، وهذا لمكان المنع الحسي والآخر لمكان المنع الشرعي، وأما الصبي فقادر على المضي.
والمسألة معين في هذه الصورة والحج في هذه الصورة ولا يتصور سقوطها بعذر ما.

الجزء: 2 - الصفحة: 293

وإن قالوا: إن الصبا سبب للنظر والمرحمة، وليس من النظر والمرحمة إثبات الإلزام في حقه من النظر.
قلنا: الصبي لا ينافي اللزوم، لأن له ذمة صحيحة قابلة للزوم والنظر والمرحمة قد وجد بمنع وجوب الحج عليه ابتداء من قبل الشرع وإنما هذا شيء جاء من قبله.
قالوا: وأما قولكم: ((إذا أفسد الحج بالوطء)).
قلنا: يجب عليه قضاءه على أصح القولين، وإذا فعله في حال الصبا صح على أصح الوجهين.
وأما الكفارات فوجه وجوبها ما ذكرنا أنها حقوق مالية فجاز إيجابها على الصبيان.
دليله: سائر حقوق المال.
وقولهم: ((إنها وجبت لله تعالى)).
قلنا: لا، بل وجبت للفقراء، وقد ذكرنا أن الزكاة واجبة حقاً للفقراء، فإذا قلنا هذا في الزكاة فكيف لا نقوله في الكفارات؟ وقد سبق إثبات هذا الأصل.
وقولهم: ((إنها وجبت على طريق الابتلاء)).
قلنا: لا ننكر أن الأوامر بأجمعها فيها معنى الابتلاء، ولكن ما كان فيها من حقوق المال يستقيم إيجابها على الصبيان ويقوم النائب المعين من

الجزء: 2 - الصفحة: 294

قبل الشرع بمنزلة النائب من قبله بعد البلوغ وهذا أيضاً قد ذكرناه في كتاب الزكاة.
وأما فصل صيد الحرم ففي نهاية الإلزام.
وقولهم: ((إن الواجب في جزاء الصيد حق الصيد)).
قلنا: هذا مما لا يفهم وإيجاب الحق للصيد مثل إيجاب الحق للجدار وما يشبهه من سائر الجمادات ومن دخل مثل هذه الترهات كفى خصمه أمره.
وقولهم: ((إن الأمر لحق الصيد)).
قلنا: هذا مثل الأول، ولا يجوز إثبات الحق على أي وجه كان إلا لمن هو من أهل الحقوق، وإنما منع الإنسان من قتل الصيد في الحرم وإطلاقه له في الحل نوع اختبار وابتلاء مثل منعه من قتله في حال الإحرام دون حال الإحلال.
والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 295

(مسألة)

الإفراد أفضل من القران

عندنا، وكذلك هو أفضل من التمتع، وعندنا هما رخصة، والواجب دم جبران.
وعندهم: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد.

الجزء: 2 - الصفحة: 296

قالوا: هما عزيمة.
والدم دم نسك.
لنا: حديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج، خرجه مسلم في الصحيح.
وروى أبو نعيم عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن أبيه

الجزء: 2 - الصفحة: 297

عن عائشة قالت: ((خرجنا مع رسول الله/ - صلى الله عليه وسلم - مهلين بالحج في أشهر الحج)).
وفي رواية: ((لا نذكر إلى الحج)).
وفي رواية: ((لا نرى إلا الحج)).
وهذه الألفاظ كلها روايات ثابتة.
وروى عطاء عن جابر ((أن النبي عليه السلام أهل بالحج)).
وفي رواية: ((مفرداً)).
وفي رواية: ((خرجنا مع رسول الله حاجاً لا نريد إلا الحج ولا ننوي غيره)).

الجزء: 2 - الصفحة: 298

وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ((أن النبي عليه السلام أفرد الحج)).
وأفرد أبو بكر وعمر وعثمان.
وأما هم تعلقوا بما روى حماد بن زيد عن حميد

الجزء: 2 - الصفحة: 299

عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لبيك بحجة وعمرة)).
وفي رواية أنس أنه سمع النبي عليه السلام يقول: ((لبيك عمرة وحجاً)).
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: قلت لأنس بن مالك: كيف صنعتم في حجتكم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: قدمنا ونحن نقول: لبيك عمرة وحجاً، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نحل إلا من كان معه الهدى، فلقيت ابن عمر فسألته فقال ابن عمر: إنا أهللنا بالحج فأخبرته بقول أنس فقال: نسى رحمه الله، فلما رجعت أخبرت بقول ابن عمر فغضب، وقال: كأنا صبيان)).

الجزء: 2 - الصفحة: 300

وروى عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((أهل بهما لبيك عمرة وحجاً).
وفي الباب عن عمر، وعلي، وعمران بن حصين، قال: ((وهذه الرواية أولى لأن فيها زيادة)).
وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ((أن النبي عليه السلام اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية وعمرة القضية وعمرة الجعرانة والرابعة التي مع حجته)).

الجزء: 2 - الصفحة: 301

(وفي الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر رضي الله عنهم).
والجواب: إن الشافعي رحمه الله أحتج برواية الإفراد بفقه عائشة وحفظ جابر وقرب ابن عمر.
أما فقه عائشة فلا إشكال فيه.
وأما حفظ جابر فلأنه أحسن الرواة سياقة لحج النبي عليه السلام ولم يرو أحد حج النبي عليه السلام من أوله إلى آخره كما رواه جابر.
وأما قرب ابن عمر فلأنه قال: كان أنس يدخل على النساء وهن متكشفات، وكنت تحت ناقة النبي عليه السلام يمسني لعابها.
وروى بكر بن عبد الله المزني عن ابن عمر أنه قال: ((ذهل أنس، إنما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهللنا معه)).
وفي رواية ((رحم الله أنساً، وهل أنس، إنما أهل بالحج وأهللنا معه)).
واعلم أنه لا يصح في القران إلا رواية أنس.
وأما غيرها من الروايات فيها مقال كثير، وقد أنكر ابن عمر روايته وزعم أنه نسي وذهل.

الجزء: 2 - الصفحة: 302

والخبر الواحد إنما يقبل بجهة حسن الظن بالراوي فلابد من سلامته من دعوى النسيان والخطأ عن أمثاله.
وقد ادعى ابن عمر عليه النسيان والخطأ، ويجوز أن يكون الأمر على ما قال لأنه يحتمل أنه سمع النبي عليه السلام يعلم غيره القران بين الحج والعمرة فظن أنه قال بنفسه وهذا محتمل، وأنس رضي الله عنه غير معصوم من الخطأ.
وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعثمان أفردوا الحج، والظاهر أنهم اقتدوا في فعلهم بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدل أنه كان مفرداً.
فإن قالوا: قد ثبت عن علي عليه السلام أنه قرن.
قلنا: ((إنما فعل ذلك حين نهى عثمان عن المتعة وعن الجمع بينهما)) فأهل بهما ليبين الجواز.
وفي الباب قصة طويلة وروايات كثيرة.
وأما الذي رووا عن ابن عباس رضي الله عنه في أن النبي عليه السلام اعتمر أربع عمر.

الجزء: 2 - الصفحة: 303

قلنا: الصحيح من ذلك الخبر أنه مرسل رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي عليه السلام.
وقد اختار أكثر أهل الحديث التمتع وجعلوه أولى، وفي فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعة روايات صحيحة، ولعل الجمع بين الروايات المختلفة على طريق من يقول: إن التمتع أمكن وأفضل وأسهل.
وأما رواية ترجيح الإفراد على رواية القران على ما سبق.
وفي هذه المسألة خطب عظيم.
وقد طعن بعض أهل البدعة في الرواة ونسبوهم إلى الكذب بسبب اختلافهم في هذه الروايات مع اتفاق الكل أن النبي عليه السلام لم يحج إلا حجة واحدة، وقد بينا وجه الترجيح والتأويل، فنسأل الله تعالى أن يعصمنا من إساءة القول في السلف الصالح وأن يجعلنا ممن يحسن الظن بهم ويحسن القول فيهم، وأن نكون ممن يرجع بالتهمة على نفسه بظن التقصير وقلة البلوغ لقلة الآلة، والله تعالى ولى العصمة والمعونة.
وأما الكلام في المعنى فنقول: القران والمتعة رخصتان، والأصل هو الإفراد، والدليل على أن القران رخصة أنه يتضمن إسقاط أحد السفرين وإحدى الزيارتين، والحج حقيقة زورة لبقاع معلومة محترمة وحضور إلى مشاهد مخصوصة معظمة مشرفة وأدنا ........ مقصود في

الجزء: 2 - الصفحة: 304

/ باب الحج، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج عنه من وطنه ولولا أن السفر مقصود وإلا لكان يحج عنه من أدنى المواقيت.
ويدل عليه: أنهم قالوا: لو نذر أن يحج ماشياً فحج به راكباً يلزمه دم، وفي القران اقتصار على زورة واحدة وسفر واحد فعلى فعل السفرين استكثار تحمل التعب والنصب، وكلما كثر التعب والعمل فيكون الثواب أكثر، وإذا كان الثواب أكثر كان الفعل أفضل، وأيضاً فإن فعل زيارتين استكثار الزيادة، والحاج زائراً لله تعالى، والله تعالى مزوره، وكما كانت الزيارة أكثر كان موقعها عند المزور أعظم وأكثر.
وأما حرف بيان أن القران والمتعة رخصة فلأن في القران ترك سفر مقصود وزيارة مقصودة، وفي فعل ترك فعل العمرة في وقتها وهو غير أشهر الحج وفعلها في غير وقتها فكان كلا العملين من القران والمتعة رخصة.
يبينه: أن لفظ المتعة دليل على الرخصة، لأنه ترفه وارتفاق زائد لم يكن مشروعاً في أصل النسك فإذا ثبت النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن الإفراد أفضل، وثبت أن الدم دم جبران لا دم نسك فيكون فعل النسكين على وجه لا نقصان فيه أولى من فعله مع النقصان وقد قال جماعة من أصحابنا: إن الأعمال تكون أكثر في إفراد النسكين، وتعلق بالتلبية والحلق والسفر الذي بيناه، والأولى ما سبق وهو حقيقة المسألة وليكن الاعتماد عليه.
أما حجتهم: من حيث المعنى في القران معنيان يدلان على أنه الأفضل:

الجزء: 2 - الصفحة: 305

أما الأول: فلأن فيه البدار إلى فعل النسكين وقد قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾، وقال تعالى في أعمال الخير: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ومعناه: إليها سابقون.
وفي الإفراد تأخير أحدهما وفعل الآخر.
والثاني: قالوا: إن العمرة تنزل من الحج منزلة نفل الصلاة من فرضها، ألا ترى أنها عبادة من جنس الحج شرع في عموم الأوقات مثل النفل عبادة من جنس الفرض شرع في عموم الأوقات، وإنما شرع كل واحد تكميلاً للحج في أحد الموضعين، وللصلاة في الموضع الآخر وتحسيناً لهما ثم صلاة الفرض بنفل يتقدمها يكون أفضل وأكمل، فكذلك الحج يعمره تتقدمه يكون أفضل وأكمل، وأيضاً فإن العمرة إذا كانت تحسن الحج وتزينه فيكون القران مشتملاً على زيارة في نفس الحج.
قالوا: وأما دعوى النقصان فلا معنى له، لأن الجمع بين العبادتين لا يوجب نقصاً في واحد من العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الصوم والإحرام.
وأما قولهم: ((إنه تضمن إسقاط أحد السفرتين)) فالسفر ليس بمقصود إنما هو شيء يتقدم ليتوصل به إلى مكان الحج، ألا ترى أن حج المكي وحج غير المكي في الكمال يكون واحداً وإن كان يوجد السفر لأحدهما دون الآخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 306

وأما فصل الزيارة فالزيارة هو الحج، وقد زار بالقران زورتين أحدهما بجهة الحج والآخر بجهة العمرة.
قالوا: ((وكذلك لا نقصان في المتعة أيضاً)).
وقولكم: ((إنها أتى بالعمرة في وقت الحج)).
قلنا: أشهر الحج وقت النسكين جميعاً على وجه واحد ولا معنى للمنع من العمرة في أشهر الحج حتى يكون الإطلاق رخصة، أو ليضمن فعله إدخال نقص في الحج، وإذا ثبت أنه لا نقص ثبت أن الدم نسك وإذا كان نسكاً فقد تضمن القران والمتعة زيادة نسك لا يوجد عند الإفراد فصار أفضل.
قالوا: ولهذا يؤكل منه ويختص فعله بيوم النحر، لأنه زمان فعل النسك من الضحايا.
قالوا: وأما ((تعلقكم بكثرة الأفعال وقلة الأفعال)).
فعندنا الأفعال عند القران مثل الأفعال عند الإفراد أن يكمله.
وأما التلبية فليس من أفعال الحج لكن سبب لوجوب الإحرام، وقد وجب به إحرامان عندي مثل ما يجب إذا كان منفرداً، وكذلك الحلق سبب للتحليل وقد حصل به تحللان فصار الحاصل للقارن جميع أفعال الحج على التلبية إحرامان وطوافان وسعيان وتحللان فلم يكن نقصان بوجه ما.
قالوا: وأما المكي إنما لا يجوز له القران والتمتع، لأن حقيقته لا توجد منهما، وقد ذكرنا هذا في الأوساط، فلا معنى للإعادة.
الجواب: أما قولهم: ((في القران بدار إلى فعل النسك والبدار إلى الطاعات أفضل)).

الجزء: 2 - الصفحة: 307

قلنا: نعم، إذا كان لا يؤدي إلى إدخال نقص في طاعة أخرى، وقد بينا أن القران يؤدي إلى إدخال نقص في الحج.
يدل عليه: أنه إذا أفرد فقد أتى بالحج وأفعاله من غير مزاحم له وحصل الإحرام وأفعاله مسلمة للحج، وإذا قرن فقد أتى بالحج مع مزاحم له في القصد والسفر والتلبية والأفعال المفعولة/ ودخول المزاحم ينقص.
وعن الشعبي أنه كان ضئيلاً ضعيفاً فسئل عن ذلك فقال: ((زوحمت في الرحم)).
وأما قولهم: ((إن العمرة من الحج تنزل نفل الصلاة مع فرضها)).
لا نسلم ذلك، وقد ثبت عندنا أن العمرة فريضة مثل الحج.
وقد سبق من قبل، والذي قالوا بناء على أصلهم.
وأما الذي قالوا: ((إنه لا نقصان)).
قد بينا وجود النقصان بما فيه كفاية، وفصل الزيارة معتمد، والحج حقيقة زيارة أمكنة لله تعالى على ما سبق، والإتيان بالزيارة مرتين أولى من الإتيان بها مرة واحدة.
وقولهم: ((إن القارن زائر مرتين)).
فالمحسوس يدفعه بل زائر مرة بقصدين فأما أن يكون زائراً مرتين فمحال.
وأما التمتع فقد جاء بأصل العمرة وأحرم بالعمرة من الميقات وإنما يحرم

الجزء: 2 - الصفحة: 308

بالحج من جوف مكة فيكون زائراً بنية الحج من مكة، وإذا أفرد يكون زائراً بينة الحج من وطنه وكلما كان شرط الزيارة أبعد يكون أفضل ومكانته عند المزور أكثر، وكلما قرب وأدنى كان محله وأقل وهذا ظاهر جداً للمتأمل.
وأما قولهم: ((إن السفر ليس بمقصود)).
قلنا: بينا إنه مقصود، وقد روى عن علي وابن مسعود أنهما قالا: ((من تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك)).
وأما دعواهم إن الدم دم نسك.
فقد دللنا أنه دم جبران وهو بناء على ثبوت دخول النقصان في النسك وقد سبق.
وقولهم: ((إنه يؤكل منه ويختص بيوم النحر هو على أصلهم)).
وقد استدل الأصحاب في أنه دم جبران بدخول الصوم بدلاً عنه ولا مدخل للبدل في دماء النسك إنما مدخله في دماء الجبرانات.
وأما قولهم: ((إنه أتى بالأعمال على حسب ما يأتي بها عند الإفراد)).
فليس بصحيح بدليل فعل التلبية والحلق.
وأما قولهم: ((إن التلبية ليست من أفعال الحج)).
قلنا: قد دللنا من قبل أنه من أفعال الحج.

الجزء: 2 - الصفحة: 309

وقولهم: ((إنه يجب بالتلبية إحرامان)).
فهو مذهبهم، أما عندنا فالواجب بها إحرام واحد وسنين ذلك في المسألة التي تلي هذه.
وأما عذرهم عن الحلق.
قلنا: هو وإن كان للتحلل ولكن هو في نفسه نسك فإذا أفرد أتى بنسكين وإذا قرن أتى بنسك واحد، وقد قام الدليل لنا أيضاً أن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد فهذا وجه الكلام في هذه المسألة على الاختصار وهو أصل كبير، والاعتماد على ما ذكرنا.
والله تعالى أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 310

(مسألة)

القارن يطوف طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً.

وعندهم: يطوف طوافين ويسعى سعيين.
لنا: حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد فلا يحل من يحل من واحد حتى يحل منهما)).
وقد حملوا هذا على طواف القدوم وعلى طواف الصدر، وليس بشيء، لأن الطواف المطلق في باب الحج ينصرف إلى طواف الإفاضة منه، وأيضاً فإنه صلى الله عليه وسلم قرنه بالسعي ولا سعي في طواف الوداع

الجزء: 2 - الصفحة: 311

وفي طواف القدوم، إنما السعي مقرون بطواف الإفاضة ولئن جاز عقيب طواف القدوم إنما يجوز على سبيل التعجيل والتقديم، ويدل عليه: قوله عليه السلام لعائشة: ((طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك))، والخبر صحيح.
وفي حديث عائشة قال: ((وأما الذين قرنوا وطافوا لهما طوافاً واحداً وسعوا سعياً واحداً)) فهو صحيح أيضاً.
وقال المخالف: إن عائشة لم تكن قارنة بدليل أن النبي عليه السلام قال لها: ((ارفضي عمرتك وامتشطي واغتسلي))، ولأن النبي عليه السلام دخل عليها وهي تبكي قال لها: مالك؟ قالت: أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر- أخاها- حتى أعمرها في التنعيم.

الجزء: 2 - الصفحة: 312

الجواب: إن الخبر الذي روينا متفق على صحته.
وأما قوله عليه السلام: ((ارفضي عمرتك)) يعني أعمال عمرتك.
قال الشافعي: ((وامتشطي واغتسلي)).
يجوز للمحرم أن يمتشط ويغتسل غير أنها ترفق بشعرها حتى لا تنتفه.
وأما بكاؤها، وقولها: ((أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد))؟.
فإنما طلبت فعل كل واحد من النسكين على الإنفراد، وقد أيد ما روينا حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه أهل بالعمرة فلما أتى الجحفة قال: ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أدخلت الحج على العمرة، فطاف لهما طوافاً واحداً وسعى سعياً واحداً، وقال: ((هكذا رأيت رسول الله صنع)).
والخبر صحيح.

الجزء: 2 - الصفحة: 313

قالوا: روى علي أن النبي عليه السلام قرن فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين.
وفي رواية: ((إن علياً قرن فطاف لهما وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله)).
والجواب: إن الدارقطني قال: رواه حفص بن أبي داود وهو ضعيف/ وعلى أنا بينا أنه صح أن النبي عليه السلام كان مفرداً ولم يكن قارناً.
وأما الكلام من حيث المعنى: فهو بناء أنه محرم بإحرام واحد، والدليل على أن الإحرام بالحج عبادة من جنس الإحرام بالعمرة، ويجوز أن يقال أن الإحرام فيهما عبادة واحدة، لأنها من حيث الإحرام واحد فإذا فعل في زمان واحداً منهما لم يجز أن يفعل منهما أخرى في ذلك الزمان.
دليله: الصوم والصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 314

ودليله: الإحرام بحجتين وعمرتين فإن عندنا لا ينعقد الإحرام إلا بأحدهما.
وعندهم: إن انعقد إنما ينعقدان جميعاً من حيث أنه التزام، فأما من حيث الفعل فلا يتصور اجتماعهما، ولهذا المعنى حكموا بارتفاض أحدهما، ولأن الزمان ظرف العبادة، فإذا اشتغل بعبادة لم يتصور اشتغاله بعبادة أخرى من جنسها مثل المكان المحسوس إذا اشتغل بشيء لم يتصور اشتغاله بشيء آخر، وإذا ثبت أن الإحرام واحد تكون الأعمال واحدة أيضاً.
ويستدل من حيث الحكمة بالتلبية والحلق فإنه يكتفي بالواحد منهما بالإجماع.
وأما حجتهم: قالوا: أحرم بالحج والعمرة فيطوف طوافين ويسعى سعيين.
دليله: إذا أفرد كل واحد منهما، وهذا لأن القران ليس إلا الجمع بين عبادتين فلا يوجب تغيير عمل العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف، وكالجمع بين الصوم والإحرام.
والحرف أن القران لم يفد إلا الجمع، وأما العبادتان فيما وراء الجمع مثلهما أن لو أتى بكل واحد منهما على الإنفراد.
واستدلوا في أنه محرم بإحرامين أنه نوى الحج والعمرة مقرونة بالتلبية وكل واحد من التلبيتين أوجب أحراماً، وهذا لأنه وجد سبب الإحرامين بدليل حال الانفراد وإذا وجد سبب الإحرامين يصير محرماً بإحرامين.
قالوا: وأما التلبية فيه عقد على أداء العبادة فهي وإن كانت عبادة متجددة فالحاصل بهما عقدان مثل من باع من إنسان عبدين بلفظ واحد،

الجزء: 2 - الصفحة: 315

وباع من رجلين يلفظ واحد فإنه يكون الحاصل عقدان، ولا فرق بين أن يبيع العبدين بلفظ أو يبيعهما بلفظين في موجب العقد، كذلك ههنا لا فرق بين أن يلبي واحدة أو يلبي تلبيتين في موجبهما من الإحرام، فكما أنه لو أتى بكل واحد منهما على الانفراد يكون الحاصل إحرامان، كذلك إذا أتى بهما جميعاً، كذلك أيضاً قالوا: ((وقولكم إن العبادتين من جنس واحد فإذا شغل الوقت بأحدهما لا يتصور اشتغاله بالأخرى)).
قالوا: هذا في الأداء مسلم، فأما الإحرام الذي هو عقد على الأداء والتزام على ما سبق من قبل فلا، لأن الذمة واسعة للالتزام سواء أكانت في عقدين مختلفين أو في عقدين من جنس واحد.
وكذلك قولنا: ((إنه عقد على الأداء))، معناه أنه التزام للأداء.
قالوا: ولهذا قلنا إن الإحرام بحجتين أو عمرتين ينعقد، وإنما يرتفع أحدهما عند الاشتغال بالأداء، لأن التضايق بينهما في الأداء لا في الالتزام لا في الالتزام والعقد على الأداء.
قالوا: وكذلك الحلق موجب التحلل والواجب بالحلق الواحد تحللان مثل ما قلنا: إن الواجب بالتلبية الواحدة إحرامان.
يبينه: أنه يجوز أن يوجب بيعين بلفظ واحد، وكذا يقبلهما بلفظ واحد، كذلك يجوز أن توجب إحرامين بلفظ واحد وتحللين بفعل واحد.
الجواب: إن قولهم: ((محرم بالحج والعمرة)).
قلنا: نعم، ولكن بإحرام واحد، وفي الأصل الذي قاسوا عليه محرم بإحرامين.
وأما قولهم: ((إن محرم بنية الحج والعمرة)).

الجزء: 2 - الصفحة: 316

قلنا: نحن نقول بهذا إنه محرم بالحج والعمرة لأجل النية التي ذكروها، ولأنه يصير مؤدياً للحج والعمرة فلابد من نيتها ليصير مؤدياً لهما غير أن الإحرام واحد لما بينا من الدليل، والذي ذكروه بعد هذا كله بناء على أصلهم في أن الإحرام ليس بأداء الحج بل هو عقد على الأداء والتزام محض على ما ذكروا من قبل.
وأما على مذهبنا فالإحرام أداء العبادة والوقت لا يتسع الواحد لا يسع لأداء عبادتين من جنس واحد لا حكماً ولا حقيقة بدليل ما سبق.
وأما بيع العبدين أو البيع من اثنين فهو من باب المعاملات وهذا جائز في المعاملات، لأنها التزامات.
وأما العبادة أداء فعل والوقت الواحد لا يتسع لفعلين اثنين بدليل الوقوفين والطوافين، وكذلك في الصلاتين والصومين فهذا وجه الكلام في هذه المسألة.
وقد قال الأصحاب: إن الأعمال تتداخل وقد ورد أن النبي عليه السلام قال: ((دخلت العمرة في الحج إلى قيام الساعة))، ومعنى الدخول دخول الأفعال عى ما/ عرف من مذهبنا، وهم يقولون إن المعنى دخول الوقت أنها جازت في وقت الحج، وهذا مجاز، والحقيقة ما قدمنا من دخول الأعمال لأن الحج هو الأعمال، وقد دخلت العمرة في الحج وليس ذلك إلا ما ذكرناه والاعتماد من حيث الحقيقة على ما ذكرنا من قبل وهو متن المذهب.
والله تعالى أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 317

(مسألة)

طواف الجنب والمحدث غير محسوب به

عندنا.
وعندهم: محسوب ويريق دماً في الطواف محدثاً إن لم يعد، وفي الجنب يعيد بكل حال فإن لم يعد وأراق دماً لم يبطجل الاحتساب.
لنا: حديث طاووس عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه النطق، فمن ينطق لا ينطق إلا بخير)).

الجزء: 2 - الصفحة: 318

وإذا كان صلاة فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا بطهور)).
وإن نازعوا وقالوا: إنه ليس بصلاة لا لغة ولا حقيقة، لأنها في اللغة بمعنى الدعاء، وفي الحقيقة عبارة عن أفعال معلومة بترتيب مخصوص، ولا يوجد واحد منهما في الطواف، فهذا كله اعتراض على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعلينا أن نعتقد أن الأمر ما قاله ونص عليه.
يبينه: أن الأفعال المعهود كانت صلاة بالشرع فليكن الطواف صلاة بالشرع.
ونحتج أيضاً بقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت: ((فاصنعي ما يصنعه الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت))، فإن هذا نهى، والنهي يدل على فساد المنهي عنه وإخراجه عن صفة المشروعية على ما ذكرنا من قبل، ويمكن أن يقال من جهة المعنى إن الطهارة شرط الطواف بدليل أنه لا يحل به أن يطوف محدثاً بالإجماع وإذا طاف محدثاً لزمته الإعادة وكل عبادة كانت الطهارة فيها شرطاً لم يتأد بدونها كالصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 319

وأما حجتهم: فقد تعلقوا بنص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾، والله تعالى أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة، ولفظ الأمر بالطواف لا يدل عليها بحال، فتكون الطهارة شرطاً زائداً على كتاب الله تعالى فلا يجوز بالخبر الواحد ولا بالقياس، وهذا لأن الطواف هو الطواف المحسوس فإذا علق بشرط زائد شرعاً انعدم ما اقتضاه الطواف المطلق وهذا الطواف محسوساً كالطلاق ........ ينعدم إذا علق بشرط، وكذلك العتاق فثبت أن تعليق الطواف بشرط الطهارة يجري مجرى النسخ، ولو ثبت لكم شرطاً ثبت بالخبر الواحد لا يجوز.
قالوا: وعلى أنا نقول إن الخبر الوارد في الطهارة لتكميل الطواف لا لأصل الجواز، ونحن هكذا نقول: إن الطواف لا يكمل إلا بالطهارة فيحمل الخبر على هذا حتى لا يكون نسخاً وليبقى أصل الجواز مطلقاً كما كان.
قالوا: وأما أمرنا إياه بالإعادة لتدارك الإكمال فإذا رجع إلى أهله قبل أن يتدارك بالطواف جبرناه بالدم، لأن النقص الداخل في الحج مما يجبر بالدم وشواهد هذا كثيرة، ولأن الأصل أن الثابت بالخبر الواحد ثابت في حق العمل دون العلم، فنأمره بالطهارة ابتلاء عملاً بخبر الواحد، وكذلك نأمره بالإعادة إذا كان طاف محدثاً عملاً بخبر الواحد، وأما من حيث العلم فلا نعتقد أن الطواف الأول ليس بطواف، لأن الخبر الواحد لا يوجب

الجزء: 2 - الصفحة: 320

العلم فيكون الطواف محدثاً طوافاً في حق العلم إلا أن في حق العمل جعل كأن الطواف لم يوجد فنأمره بالإعادة، وعلى هذا يصير الطواف في حكم الطوافين في حق العمل وفي حق العلم، أما في حق العلم فالطهارة لا تكون شرطاً كسائر أركان الحج وفي حق العمل الطهارة شرط كالصلاة بخلاف سائر الأركان فلم نجز الاعتبار بأصل واحد في البابين جميعاً وهما بابان مختلفان.
قالوا: وعلى هذا إذا طاف منكوساً يكون محسوباً، لأن الذي في كتاب الله تعالى هو الأمر بالطواف فحسب، وليس في كتاب الله تعالى التيامن فيكون الأمر بالتيامن زيادة على كتاب الله تعالى فيجرى مجرى النسخ.
قالوا: ويحمل تيامن النبي عليه السلام على بيان التكميل وليس على بيان أصل الجواز فيحمل على هذا حتى لا يؤدي إلى النسخ، وقد تعلق بعض مشايخهم بالحدث العمد، وقالوا: عبادة لا يبطلها الحديث العمد فلا تكون الطهارة من شرطها.
دليله: الوقوف والسعي بين الصفا والمروة.
الجواب: إن الأمر بالطواف يقتضي إيجاب أصل الطواف فأما صفة الطهارة في الطواف فليس في الآية تعرض لها فيجوز إثباتها بالسنة ولا يعد نسخاً، لأن نسخ الكتاب هو تعبد بالحكم الثابت/ بالكتاب والحكم الثابت بالكتاب هو وجوب الطواف وما تغير ولكن بالسنة وجب معنى زائد على حقيقة الطواف، فإن قالوا: إنه التغيير قد وجد، لأن الكتاب قد دل على الإجزاء على معنى أنه إذا أتى بما يسمى طوافاً جاز عنه ويضم هذا الشرط إلى الطواف يفوت الإجزاء فيحصل النسخ من هذا الوجه، ثم قالوا:

الجزء: 2 - الصفحة: 321

إذا ثبت أنه نسخ أو جار مجراه فصارت السنة مبينة لكمال الطواف على ما سبق فيحمل الخبر على هذا حتى لا يؤدي إلى النسخ.
قال أبو زيد: (في قوله عليه السلام: ((الطواف بالبيت صلاة))، معناه في حكم الصلاة لا أنه نفس الصلاة، وقولنا في حكم الصلاة مقتضى والمقتضى لا عموم له فصار الخبر مقتضياً كون الطواف صلاة في حكم ونحن قد أثبتنا ذلك فإن الجواز متعلق بالبيت مثل الصلاة، وكذلك الإباحة بالطهارة) حتى لا يجوز له أن يطوف محدثاً أو جنباً.
والجواب: إن الآية لا تدل إلا على الوجوب، فأما الإجزاء بدليل آخر يدل عليه، ثم نقول: الإجزاء عند فعل الطواف بمطلق الأمر إنما كان لعدم قيام الدليل على وجوب شرط زائد فإذا قام من السنة على شرط الطهارة فات الإجزاء عند مطلق الطواف من غير أن يتضمن نسخ الآية، لأن الآية دلت على وجوب الطواف والوجوب على ما كان من قبل ولم يتغير ولم يتبدل وقولت الإجزاء عند وجود فعل الطواف مع الحدث لا يمس الوجوب، لأن الوجوب يجوز أن يكون باقياً مع انضمام هذا الشرط إليه، والجواز ثابت عند وجوده بشرطه غير ثابت عند وجود فعله بدون شرطه فدل أن دعواهم النسخ لا يتحقق أصلاً، وإنما هو ظن وحسبان وقد ذكرنا هذا في غير هذه المسألة فمن أراد أيسع من هذا فليرجع إليه.
وأما قولهم: ((إن السنة لبيان الكمال)).
قلنا: قد فات الإجزاء كاملاً فاجعلوا هذا نسخاً أيضاً، والآية وإن كانت اقتضت الإجزاء فقد اقتضت الإجزاء من كل وجه ويقال: اقتضت

الجزء: 2 - الصفحة: 322

الإجزاء أصلاً ووصفاً، فثبت أن الطريق ليس على ما قلتم لكن السنة مبينة لما يدل عليه الكتاب فيصير كأن الله تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ........ على ما دلت عليه السنة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ يعني على ما دلت عليه السنة.
فليس ما قالوه بشيء، لأن الكتاب والسنة ما دلا إلا على العمل فإن العلم بكون الطواف طوافاً شيء محسوس لا يحتاج إلى كتاب ولا إلى سنة إنما الكتاب والسنة يدلا على الاحتساب وهذا عملي لا علمي فإن معناه الاحتساب بعمله.
وقولهم: ((إن المقتضى لا عموم له)).
قلنا: قد بينا أن الطواف صلاة شرعاً، وإن سلمنا أن معناه أن له حكم الصلاة، أو معناه أنه مثل الصلاة فلما استثنى الشرع حكماً واحداً وهو الكلام دل أن ما وراءه على العموم وإلا لم يكن لهذا الاستثناء معنى.
وإن تعلقوا بجواز الكلام وترك الاستقبال نقول: كما كان مثل الصلاة وجب أن لا يخالفها فيما لم تنفك عنه الصلاة بحال والطهارة مما لا ينفك عنها بحال بل الصلاة لا تكون صلاة إلا بها، وهذا بخلاف الكلام واستقبال القبلة فقد كان حلالاً في ابتداء الإسلام، كذلك الطواف كان في معنى ذلك.
وأما الاستقبال فقد يجوز تركه في كثير من المواضع على ما عرف.

الجزء: 2 - الصفحة: 323

أما تعلقهم بالحدث العمد فقد قال بعض أصحابنا: إن الحدث العمد في خلال الطواف يوجب استئناف الطواف وإن قلنا إنه لا يوجب الاستئناف فلأن البناء ممكن وهو أن يبني على ما بقى من الطواف على ما مضى، لأن الواجب طواف بعدد معلوم فأمكن البناء ليتم العدد، فأما في الصلاة فقد عقد تحريمة تشتمل على أفعال، وبالحدث العمد يبطل عقد التحريمة فلا يتصور البناء على ما سبق فوجب الاستئناف.
والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 324

(مسألة)

السعي بين الصفا والمروة ركن

عندنا.
وعندهم: ليس بركن.
لنا: حديث حبيبة بنت تجراة أن النبي عليه السلام قال: ((أيها الناس، إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا)) وهذا نص.

الجزء: 2 - الصفحة: 325

ثم نقول: إن الله تعالى أمر بالحج، وقد أخبر النبي عليه السلام أن الله تعالى كتب علينا السعي فصار من جملة الحج الذي أمر الله به وإذا صار من جملة الحج لم يخرج من الأمر بالحج بدونه، وهذا لأن الأمر بالحج لا يتأدى إلا فعل الحج فكل ما كان فعلاً من أفعال الحج سواء ثبت ذلك بالكتاب أو السنة لم يتأد الحج بدونه وهذا كالأفعال الواجبة في الصلاة لا تتأدى الصلاة بدونها.
يبينه: أن السعي طواف مأمور به ليكون شعيرة من شعائر الله تعالى فيكون واجباً.
دليله/ الطواف بالبيت.
والدليل على أنه من شعائر الله تعالى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ وشعائر الله تعالى أعلام الدين فلابد من تعلق فرض بهذه البقعة لابد من فعله ليكون من شعائر الله، لأنا إذا قلنا: إنه يجوز الحج بدونه لا يكون من شعائر الله، وهذا لأن شعائر الله ما إذا أوصل إليه ظهر له علم من أعلام الدين فإذا لم يكن المشروع فرضاً وأطلق تركه إلى تركه إلى دم أو غير دم لم يتبين كونه علماً للدين وشعيرة من شعائر الله تعالى.

الجزء: 2 - الصفحة: 326

وأما حجتهم: قالوا: الحج واجب بدليل مقطوع به للعلم والعمل فكل ما كان من الحج ولم يكن الحج حجاً إلا به فلابد من وجوبه بمثله يستقيم وجوب الحج بدليل موجب للعلم على ما دل الدليل من الكتاب، فعلى هذا لا يجوز أن يجب السعي لا بخبر الواحد ولا بالقياس بل يجوز أن يتعلق كما الحج بدليل من السنة فأما أصل الحج فلا يجوز إثباته إلا بدليل يوافق الكتاب في إفادة العلم وذلك أن يكون دليلاً مقطوعاً به.
قالوا: ولأن السعي فعل يؤتي به خارج الإحرام فلا يكون ركناً كالرمي.
وبيانه: أنه يحل الإحلال الأول بالحلق والثاني بالطواف ثم يسعى ويستحيل أن يكون السعي عملاً من أعمال الحج فلا يتم بدونه ثم يجوز أن يؤتي به خارج الإحرام.
قالوا: ولأنه تبع للطواف بدليل أنه لا يجوز أن يؤتي به إلا عقيبه وهذا دليل التبعية حيث لم يستقل بنفسه بحال فلم يكن ركناً دليله: الوقوف بالمزدلفة مع الوقوف بعرفة.
يدل عليه: أنا إذا جعلناه ركناً وهو تبع للطواف لم يصح الطواف إلا به ولا يجوز أن تقف صحة المتبوع على صحة التبع.
قالوا: ولأن السعي ليس له وقت على انفراده بل يكون وقت الطواف وقتاً له، والأصل أن الركن في الحج له وقت ينفرد به.
دليله: الوقوف والطواف وحين لم يكن وقت ينفرد به لم يكن ركناً.

الجزء: 2 - الصفحة: 327

الجواب: أما قولهم: ((إن الحج وجب بدليل مقطوع به)).
قلنا: مسلم، لأنه وجب بالكتاب والسنة، ولا شك أن ذلك دليل مقطوع به لتواتره فيوجب العلم والعمل.
فأما قولهم: ((إن كل فعل كان من الحج لم يتم الحج إلا به يجب أن يكون وجوبه بمثل هذا الدليل)).
قلنا: ليس كذلك، لأن وجوب الحج بالكتاب لم يكن، لأنه لا يجوز وجوبه إلا بالكتاب بل كان يجوز وجوبه بالخبر وإن كان واحداً، لأنه واجب عملي، وأجمعنا على أن خبر الواحد يوجب العمل إلا أنه كذلك وقع الاتفاق الشرعي بأن الله تعالى أوجبه بالكتاب، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا جاز وجوبه فعل من أفعاله بدليل عملي لا يوجب العلم وألحق بسائر الأفعال في الركنية عملاً لا علماً وهو كالوتر على أصلكم ألحق بسائر الصلوات عملاً لا علماً، وهذا لأن الدليل يفيد الحكم بقدر مرتبته فإذا كان خبر الواحد يفيد الوجوب عملاً، ويجوز أن يكون هذا الفعل ركناً للحج عملاً صار ركناً عملياً من جهة أركان الحج، وسائر الأركان صارت أركاناً للحج علماً وعملاً وهو مثل واجبات الدين فبعضها واجبات الدين عملاً وعلماً وبعضها واجب عملاً لا علماً، كذلك ههنا.
وأما الذي قالوا: ((إن السعي يفعل خارج الإحرام جملة)).
قلنا: هذا يلزمكم كما يلزمنا، لأنكم تعترفون بوجوبه إن لم تعترفوا بركنيته واللزوم في الواجب صحيح مثل ما هو في الركن، وعلى أن نقول: إن الإحرام بمنزلة الباقي حكماً في حق السعي مثل ما يجعل بمنزلة الباقي حكماً في الرمي وطواف الصدر.

الجزء: 2 - الصفحة: 328

وأما قولهم: ((إن السعي تبع للطواف)).
قلنا: لا نسلم ذلك، بدليل أنه يجوز فعله عقيب طواف القدوم وطواف القدوم سنة، والواجب لا يتبع السنة إلا أن الشرع ورد بنوع ترتيب مثل ما رتب الركوع على القيام والسجود على الركوع وإن لم يكن واحد منهما تبعاً لصاحبه.
وأما قولهم: ((إنه غير مؤقت)).
قلنا: هذا حد تنفردون به ولا نوافقكم عليه، ولأنه إذا جاز أن يكون غير واجب ويكون مؤقتاً يجوز أن يكون أيضاً واجباً ولا يكون مؤقتاً، والكلام ليس له غور، وفيما ذكرنا كفاية، والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 329

(مسألة)

إذا جامع المحرم امرأته بعد الوقوف بعرفة فسد حجه

عندنا، كما يفسد إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، وعليه بدنه.
وعندهم: يفسد قبل الوقوف وعليه شاة ولا يفسد بعد الوقوف وعليه بدنة.
لنا: إن الوطء مفسد للإحرام بالإجماع، الإحرام بتمامه وكمال قائم بعد الوقوف فإذا وجد العامل في الإفساد في محل العمل وجب أن يعمل ويفسد حجه.
دليله: إذا كان قبل الوقوف ويستشهد على هذا بالحسيات، فإن السيف إذا كان عاملاً في القطع والنار في الإحراق فإذا وجدا في محل العمل عملاً، كذلك ههنا.

الجزء: 2 - الصفحة: 330

وأما حجتهم: تعلقوا بما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل مذهبهم في الصورتين جميعاً على حسب ما قالوا، ولا مخالف له فوجب تقليده، ولأنه بالوقوف أمن حجه من الفوات فوجب أن يأمن من الفساد.
دليله: إذا وقف ورمى، قالوا: وبفصل ما بعد الرمي يبطل قولكم إن الإحرام فائم أيضاً بعد الرمي ومع ذلك لا يفسد حجه.
فإن قلتم: ((إن الإحرام ليس على تمامه)).
قلنا: ليس كذلك، بل هو على تمامه بدليل بقاء المحظورات عليه إلى أن يحلق، وعلى أنه إذا كان الإحرام ضعف بالرمي فيكون الحكم بفساده أولى، لأنه إذا فسد الإحرام مع قوته وتمامه بالوطء فلأن يفسد عند ضعفه واختلاله أولى.
وأما أبو زيد قال: أفعال الحج ينفصل بعضها عن البعض مكاناً وزماناً فلا يتأدى فساد بعضه إلى الباقي كالصلوات المختلفة بل هذا أولى، لأن الصلاة والصلاة تختلف زماناً ولا تختلف مكاناً، وهذه الأفعال تختلف

الجزء: 2 - الصفحة: 331

زماناً ومكاناً ثم هناك لا يتعدى الفساد من البعض إلى البعض فههنا أولى، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا جامع قبل الوقوف فقد فسد إحرامه، والإحرام شرط لأداء الأفعال وإذا فسد قبل أداء شيء من الأفعال لم يجز أداء شيء من الأفعال بإحرام فاسد ففسد الحج بلا إشكال، فأما إذا جامع بعد الوقوف، فالوقوف قد صح بإحرام صحيح فإذا جامع فسد إحرامه وفسد الطواف وقد بينا أنه لا يتعدى الفساد من فعل إلى فعل فبقى الوقوف عل الصحة وفسد الطواف فصحة الوقوف توجب صحة الحج وفساد الطواف يوجب فساد الحج فقد تعارض الموجب للصحة والموجب للفساد فلابد من الترجيح، والترجيح للوقوف على الطواف بدليل قوله عليه السلام: ((الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه)) ولأنه يؤتى به في إحرام كامل.
وأما الطواف يؤتى به وقد حصل بعض التحلل فيكون الوقوف في حصول الحج به فوق الطواف، ألا ترى أنه أبيح بعض التحلل بعد وجوده قبل وجود الطواف ولا يباح شيء من التحلل قبل وجوده، وإذا ثبت أن

الجزء: 2 - الصفحة: 332

جانبه أرجح قلنا إنه يبقى حجه على الصحة لصحته ولا يفسد بفساد الطواف ثم إذا لم يفسد وجبت بدنه لتغليظ الوطء وزيادته في التحريم على سائر المحظورات وقبل الوقوف لما فسد فقد وجب القضاء فسقطت البدنة ووجبت شاة لتقديم الوطء على وقته الذي أحل فيه.
الجواب: أما أثر ابن عباس فلا تعرف صحته وإن ثبت فلا يترك القياس به.
وأما قولهم: ((إنه حج وقع الأمن عن فواته فيقع الأمن عن فساده)).
قلنا: ولم؟ ثم يجوز أن يفسد ما لا يفوت.
دليله: العمرة، وهذا لأن الطواف غير مؤقت فلا يفوت وإذا لم يفت فلو فات الحج فات بفواته فإذا لم يفت هو لم يفت الحج، وأما الوقوف مؤقت بوقت مخصوص فيفوت بمضي الوقت من غير وقوف فيفوت الحج بفواته فافترقا لهذا المعنى.
وأما الفساد فإنما كان للجناية على الإحرام بفعل الوطء وهو موجود سواء أكان قبل الوقوف أو بعد الوقوف.
وأما قياسهم على ما بعد الرمي.
قلنا: الإحرام قد وقع التحلل عن الإحرام عندنا بالرمي، ولهذا المعنى أبيح له الحلق ولم يكن مباحاً من قبل وإذا وقع به التحلل لم يبق إحراماً تاماً ومحل العمل إحرام تام.
قلنا: هذا دعوى، وجب أن يبطل الإحرام سواء أكان تاماً أو لم يكن تاماً على ما سبق.
قلنا: الإحرام إذا وقع عنه التحلل من وجه ضعف وإذا ضعف في نفسه

الجزء: 2 - الصفحة: 333

ضعفت الحرمة المتعلقة به فلم تكمل الجناية بارتكابه بل خفت وإذا خفت لم يعمل في إفساد الإحرام.
أما في مسألتنا فالإحرام على تمامه وكماله فكملت أيضاً حرمة الوطء وإذا كلمت حرمة الوطء عظمت الجناية بارتكابه فأفسد الحج كما يفسد قبل الوقوف.
وأما طريقة أبي زيد: فليست بشيء، لأن أفعال الحج وإن انفصل بعضها عن البعض مكاناً وزماناً ولكن عند الحج جمع الكل فيتعدى الفساد من البعض إلى البعض، وتحقيق هذا هو أن هذه الأفعال ليست بعبادات بأنفسها وإنما صارت عبادات لأنها أفعال الحج، ألا ترى أنه لو وقف أو سعى أو رمى لا في الحج لا يكون فعله شيئاً.
فثبت أن هذه الأفعال إنما صارت عبادة لأجل أنها من الحج وإذا كانت صحتها عبادة لأجل أنها من الحج فيكون عند الحج جامعاً للكل وتصير جميع الأحوال كأنها شيء واحد في العبادة فيتعدى الفساد من البعض إلى البعض كما يتعدى في الصلاة والتعدي قد يكون في فعل لاحق وقد يكون في فعل سابق ففسد الوقوف والطواف جميعاً/ ففسد حجه.
وأما ما قالوا: من الترجيح.
فهوس، لأنههم إذا سلموا فساد الطواف بفساد الإحرام لأجل الوطء لا يمكن القول بعد ذلك بصحة الحج.
لأن الحج لا يتأدى بطواف فاسد، وإن قالوا: يفسد الإحرام بالوطء فقد منعوا عمل الوطء مع كونه عاملاً في الإفساد ومع وجود محل العمل وهذا لا يجوز، والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 334

(مسألة)

صيد الحرم والإحرام مضمون بالمثل خلقة من النعم فتجب في النعامة (بدنة)، وفي الضبع كبش، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي شاة.

وعندهم: يكون مضموناً بالقيمة.
ثم في المذهب تفاصيل في الجانبين، فعندنا يجوز أن يدع المثل ويتصدق بلحمه، ويجوز أن يقومه ويشتري بالقيمة طعاماً فيتصدق على كل مسكين بمد أو يصوم مكان كل مد يوماً، والخيار إلى الحكمين.

الجزء: 2 - الصفحة: 335

وعندهم: يصرف القيمة إلى الهدى من النعم إن شاء وإن شاء صرفه إلى الطعام ويطعم كل مسكين نصف صاع فإن شاء صام مكان كل نصف صاع يوماً، والخيار عندهم إلى من عليه، قالوا: وإن تصدق بالقيمة يجوز أيضاً.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فيجب مثل المقتول من النعم بنص الكتاب.
وعندهم: تجب قيمة المقتول وهو خلاف القرآن.
ويدل عليه: إجماع الصحابة، روى عن عمر، وعثمان، وعلي،

الجزء: 2 - الصفحة: 336

وزيد، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومعاوية أنهم قالوا: في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال عنز، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الحماة شاة، وهذا الإجماع في نهاية الحجة ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
وإن قالوا: إنه كان بطريق القيمة فهذا محال، لأن تقويم هذه الحيوانات بهذه الحيوانات باطل بل نقطع بوجود التفاوت قيمة يدل عليه: أنهم أوجبوا هذه الحيوانات من النعم في مقابلة هذه الحيوانات من الصيود، والقيم دراهم ودنانير فكيف يستقيم تقويم الحيوان بالحيوان؟ وإن قالوا: اعتبروا المعادلة قيمة، فلا معادلة بين قيمة البدنة وقيمة النعامة، وكذلك في حمار الوحش والبقر والضبع والكبش والظبي والشاة فلا مطمع لهم في تأويل الآية وتأويل أقوال الصحابة بحال، ويقال أيضاً: واجب باسم الكفارة فلا يرجع فيها إلى التقويم.
دليله: سائر الكفارات.
يدل عليه: أن حق الله تعالى متعلق بهذه الواجبات فيكون لزومها بالتوقيف المحض، وهذا لأن الله تعالى خلق هذه الحيوانات على خلق مختلفة وصور متفاوتة، وقد تعلق حق الله تعالى بها إذا كانت في الحرم،

الجزء: 2 - الصفحة: 337

وكذلك في حال الإحرام، فإذا أمكن قضاء حق الله تعالى بنوع من المماثلة بين النعم وهذه الصيود فلا يجوز تركه ووجب اعتباره، وإذا رجعنا إلى القيمة مع إمكان اعتبار المماثلة صورة بين النعم والصيود ولم نعتبرها فقد ضيعنا حق الله تعالى من هذه الجملة وهذا لا يجوز.
وأما حجتهم: تعلقوا بالقياس المحض، وقالوا: حيوان مضمون فيكون مضموناً بالقيمة.
دليله: الحيوانات المملوكة.
يبينه: أن الصيود لا مثل لها، والنعم لا مثل له، بدليل أنه لا تضمن الصيود بالصيود ولا النعم بالنعم فإذا حكم بعدم المثل في الجنس الواحد فلئن يحكم بعدم المثل في الجنسين المختلفين وهو الصيود والنعم أولى.
قالوا: فإن قلتم: يوجد نوع مماثلة فإن ذلك غير معتبر، لأنا إن اعتبرنا نوع مماثلة فيوجد ذلك بين كل شيئين في العالم فدل أن المماثلة حقيقة هي أن يكون ذاتاً ومعنى وصفة.
قد قالوا: إذا اعتبرنا القيمة فقد اعتبرنا المماثلة معنى.
وأما إذا أعرضتم عن القيمة واعتبرتم المماثلة حقيقة وهي لا توجد فلا مماثلة ولا معنى ولا صورة فصار ما قلتم إعراضاً عن المماثلة من كل وجه وما قلناه إعراض عن المماثلة من وجه واعتبار لها من وجه فكان أولى.
وتعلقوا بالحيوانات التي لا مثل لها مثل العصافير والقنابر وغيرها فإنه تجب القيمة فيها، كذلك في الحيوانات التي لها مثل وجب أن تجب القيمة أيضاً.

الجزء: 2 - الصفحة: 338

وقالوا في الآية: إن معنى المثل هو القيمة، وهو مثل معنى وإن لم يكن مثلاً صورة.
قالوا: وقد تم معنى الآية بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ ابتداء ومعناه أنه يحكم به عند اختيار من عليه الجزاء، وذلك بأن يشتري بالقيمة من النعم فيكون ذلك كفارة له أو يصرف إلى الطعام فيكون كفارة أو إلى الصيام فيكون كفارة، وعلى القيمة أولوا أقوال الصحابة على معنى أن القيمة الواجبة كانت مصروفة إلى هذه الأجزية.
الجواب: إن جميع ما قالوه محض قياس، والكتاب وإجماع الصحابة مقدمان عليه، وقد بينا وجوه ذلك ولا مطمع في التأويل، لأن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، يأتي التأويل بالتقويم، لأن التقويم بالنعم محال بالدنانير والدراهم.
وقولهم: ((إن القيمة تكون مصروفة إلى النعم)).
يقال أولاً: هذا ليس بشيء حتم على أصلكم، فإن عندكم لو تصدق بالدراهم والدنانير التي هي القيمة جاز.
وأما عندنا فوجوب المثل حتم، وقد دلت الآية على الحتمية، لأن تقدير الآية فعل جزاء مثل ما قتل من النعم، ولأن عندكم يدخل النعم في هذا الجزاء عند اختيار من عليه ذلك وصرف القيمة إليه وهذه زيادات لا يدل عليها ظاهر الآية بوجه ما.
وأما تأويل إجماع الصحابة فقد بينا فساده.

الجزء: 2 - الصفحة: 339

وأما الذي قالوه واعتقدوه من كون القيمة مثلاً معنى، فالقيمة لا تكون مثلاً بحال، وذوات الأمثال مختلفان وذوات القيم لا تكون مثله بحال.
وأما قولهم: ((إن المماثلة خلقة وصورة لم توجد)).
قلنا: توجد ببعض الوجوه ولم توجد من كل الوجوه، وقد بينا أن على الوجه الذي يوجد تعطيله.
والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 340

(مسألة)

إذا دل المحرم محرماً آخر أو حلالاً على صيد فقتله المدلول لم يجب الجزاء على الدال

عندنا.
وعندهم: يجب.
لنا: ما روى عن ابن عمر مثل مذهبنا، ولأن الله تعالى علق الجزاء بفعل القتل بقوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 341

والدلالة ليست بقتل، والأولى أن يقال: علق الجزاء والاصطياد والدلالة ليست بقتل ولا هو اصطياد.
ودليل تحريم الاصطياد في ضمن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾.
يبينه: أن الله تعالى قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي اصطياد صيد البر.
والدليل على أنه ليس باصطياد أن الصيد لا يكون له بل يكون للمدلول.
ونقول أيضاً: دلالة على إتلاف محل مضمون فلا يكون سبباً لضمان المحل.
دليله: إذا دل على قتل مسلم فإنه لا ينبني عليه سوى الإثم.
يدل عليه: أن نهاية ما في الباب أنه سبب لقتل الصيد والقاتل باشر القتل باختياره فتقطع حكم الدلالة التي هي سبب، مثل ما لو حفر بئراً فجاء إنسان وردي فيه إنساناً فإنه لا ضمان على الحافر وإنما يجب على المردي.
فثبت أن المباشرة تقطع حكم السبب وإذا انقطع حكم السبب التحق بالعدم فلم يجب به شيء، والتحرير واجب باسم الكفارة فلا تجب بالدلالة.
دليله: كفارة القتل وتأثيره ما سبق.
وأما حجتهم: رووا عن ابن عباس: ((أنه أوجب على الدال الجزاء)).

الجزء: 2 - الصفحة: 342

قالوا: وعن عمر مثله، وكان شاور فيه عبد الرحمن بن عوف.
أما المعنى: قالوا: الدلالة على الصيد من محظورات الإحرام فيكون سبباً لوجوب الكفارة في الجملة.
دليله: الأخذ.
دليله: سائر المحظورات، والدليل على أنها من محظورات الإحرام، أن الدلالة محرمة عليه بالإجماع وقد صارت محرمة بالإحرام بدليل أنه إذا حل زالت الحرمة.
ودليل الحرمة أيضاً أن الدال فلا يجوز له الأكل من الصيد، وصورته محرم دل حلالاً على قتل صيد فقتله حرم على الدال أكله، فعرفنا أن الدلالة من محظورات الإحرام فصارت سبباً لوجوب الجزاء، وهذا لأن الكفارة وجبت بجناية على إحرامه بارتكاب محظوره، وقد وجد هذا في مسألتنا فوجب الجزاء.
وأما تحقيقهم في المسألة: قالوا: تحريم القتل والاصطياد معلول بإزالة أمن ثبت للصيد بالإحرام، والدلالة في إزالة الأمن عن الصيد بمنزلة الرمي والأخذ، لأن أمنه عن الصائد في حالته تلك بتواريه عن عين الصائد، ألا ترى أنه لا يبقى آمناً

الجزء: 2 - الصفحة: 343

في تلك الحال بعد علمه به، وإنما يكتسب أمناً آخر بفوته والفرار الذي يحدثه.
يبينه: أن الخلاف في الطير والفرخ والبيض واحد، ولا يأمن البيض عن الصائد بعد علمه به، فثبت أن الأمر يزول بالدلالة وإذا كان وجوب الجزاء معلولاً بإزالة الأمن وقد زال ذلك بالدلالة فوجب بها الضمان، وشبهواً هذا بالمودع إذا دل السارق على سرقة الوديعة حين سرقها يجب عليه الضمان، وكذلك إذا ترك الحفظ صار جناية في حقه على الخصوص، كذلك المحرم قد التزم هذا الأمر، وإذا تركه صار جناية في حقه على الخصوص.
قالوا: ولا يلزم إذا دل على الصيد فلم يأخذه المدلول حيث لا يجب عليه شيء بنفس الدلالة، لأنه إذا لم يأخذه المدلول عاد الأمن إلى الصيد فصار كما لو أخذ الصيد ثم أرسله سقط عنه الضمان لما ذكرنا.
قالوا: وأما إذا دل/ عليه ثم رجع عن الدلالة ونهاه عن أخذه لا يبرأ عن الضمان لأن زوال الأمن كان بعلم الصائد بمكانه وذلك السبب قائم وإن رجع هو عن دلالته ونهاه عن الأخذ فلم يبرأ عن الضمان.
قالوا: وكذلك نقول في المودع إذا مكن السارق من أخذ الوديعة ثم نهاه باللسان لا يبرأ، وإنما يبرأ إذا حفظه باليد فعجز، لأنه لما أثبت اليد عليه فقد عاد إلى المال ما كان ثابتاً من قبل وهو الحفظ المؤمن للوديعة فبرئ عن الضمان الواجب بإزالة أمن الحفظ فقياس هذا من مسألتنا أن لو ذهب الدال وأخفى الصيد بأن كان بيضاً أو فرخاً فأخفاه من المدلول فإنه يبرأ عن الضمان في هذه الصورة.
دليله: مسألة الوديعة وتقريره وبيان وجه تأثيره ما سبق.

الجزء: 2 - الصفحة: 344

قالوا: وليس كالدلالة على قتل المسلم، لأن دم المسلم وماله غير مضمون أمانه على أحد ولا حفظه حتى يقال يجب الضمان بإزالة الأمن أو ترك الحفظ.
فإن قلتم: ((مضمون بعقد الإسلام)).
قال: ليس في الإسلام ضمان شيء من هذا الباب إنما يجب عليه بحق الدين أن لا يؤذي مسلماً، فلا جرم وجب بتركه الجزاء الذي هو بمعصية الله تعالى على الإطلاق، وذلك الإثم وإذا لم يكن فيه ضمان فكان الواجب من الكفارة وغيرها متعلقاً بتعقد يقع على العين، والدلالة ما اتصلت بالعين جناية عليه وإنما يتصل بالعين مباشرة الأخذ أو الإتلاف، وإذا كان المباشرة والأخذ مختارين في الإتلاف والأخذ كانت إضافة السبب مقصورة عليهما ولم تجب على صاحب الدلالة فصار حرفهم في المسالة: أن ترك الحفظ سبب ضمان العين بضمان الحفظ وإزالة الأمن سبب ضمان العين بضمان الأمن فالأول في الوديعة، والثاني في الإحرام، ومثل هذا لا يوجد في عقد الإيمان فبقى مجرد ارتكاب المعصية بالدلالة على المعصية، وأما الضمان فكان مقصوراً على من يوجد منه العدوان المتصل بالعين.
قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب على وجه البدل على المتلف، ولهذا يدخل فيه الصوم، وهذا لأنه لم يوجد عقد ولا التزام أمان حتى يصير بالقتل جانياً على عقده، وإنما الله حرم هذه الصيود في الحرم لمحض حقه أو لحق الصيد على ما سبق.
وإذا أتلفه كان الواجب عليه بدل المتلف لحق الله تعالى.
وفي مسألتنا إنما تجب الكفارة على وجه الجزاء على ارتكاب المحظور ولهذا دخل فيه الصوم، وهذا لأن الواجب إذا كان في مقابلة المحل لا يجوز أن يدخل فيه الصوم، لأنه لا مماثلة بين الصوم والمحل، وأما إذا كان جزاء عن ارتكاب

الجزء: 2 - الصفحة: 345

محظور يجوز أن يدخله الصوم، لأن الصوم يصلح أن يكون واجباً عن ارتكاب محظور ولأن الصوم حسنة وارتكاب المحظور سيئة، والله تعالى قد شرع الحسنات مذهبة للسيئات، وإذا كان الواجب في صيد الحرم على طريق البدل عن المتلف لم يجز أن يجب ضمانات عن متلف واحد، وإذا وجب على المباشر بارتكاب المحظور بقتله لم يجز أن يجب على الدال.
وفي مسألتنا لما كان الواجب جزاء على ارتكاب محظور يجوز أن يجب على المباشر بارتكاب المحظور بالقتل، ويجب أيضاً على الدال بارتكابه المحظور بدلالته، لأن كل واحد منهما مرتكب محظور.
وقال أبو زيد في ((الأمالي)) جواباً عما إذا دل ولم يقتل المدلول: إن الضمان من حيث إنه وجب بارتكاب محظور يكون كفارة وجزاء عن الجناية، ومن حيث إنه لم يجب جزاء عن صيد مضمون يجب بدلاً عنه فيجب بالطريقين جميعاً كفارة وبدل، فمن حيث إنه يدل لم يجز أن يجب إذا كان المبدل سليماً على حاله ولا يجب إلا بعد فوته، ومن حيث إنه كفارة يجوز أن يجب إذا فات المبدل على القاتل لإتلافه بدلاً عنه، وعلى الدال الكفارة بجنايته على إحرامه.
الجواب: أما الآثار عن الصحابة: فقد روينا عن ابن عمر مثل مذهبنا، وعليه يدل القياس الجلي.
وأما قولهم: ((إن الدلالة من محظورات الإحرام)).
قلنا: أما إذا دل محرماً على الصيد ليقتله فإنما كان محظوراً لأنه دلالة

الجزء: 2 - الصفحة: 346

على المعصية، والدلالة على المعصية معصية، وهو مثل أن يدل ظالماً على مسلم ليقتله.
وأما إذا دل حلالاً على صيد ليقتله فإنما كانت الحظرية بالنص وهو حديث أبي قتادة المعروف: ((أنه كان في رهط في المحرمين وكان حلالاً فمر به حمار وحشي فشد لعيه وقتله وجاء به إلى أصحابه فأبوا أن يأكلوا حتى يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما سألوه قال: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل دللتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا)).
ولولا هذا النص لا تجب الدلالة ولا يجب الأكل أيضاً، فسلم هذان الحكمان في هذه الصورة/ للنص، فأما في الصورة الأولى فمجرد الدلالة على المعصية، بدليل الدلالة على قتل المسلم ليقتله المدلول.
وأما قولهم: ((إنه بعقد الإحرام التزام أمان الصيد)).
قلنا: يجوز أن يقال إنه ما التزم شيئاً بعقد الإحرام إنما هو شارع في حج عليه أو حج متنقل به، وإنما الله تعالى حظر عليه أشياء في عقدة

الجزء: 2 - الصفحة: 347

الإحرام فنظرنا إلى المحظور فوجدناه بالقتل ثم نظرنا فوجدنا واجب القتل لا يجب بالدلالة على القتل بحال، وعلى أنا إن سلمنا أنه التزام الأمان في حق الصيود ولكن عن القتل والاصطياد ولم يوجد واحد واحد منهما.
قالوا: ((بل التزام كل ما ينافي أمانه)).
قلنا: لا، بل القتل متعين، لأن الشارع نص على القتل، وغير القتل لا يحرم تحريم القتل، وأما حظرية الدلالة كانت بالوجه الذي قدمنا ثم نقول: إذا كان الواجب بارتكاب المحظور فأوجبوا الجزاء وإن لم يقتل المدلول.
وقولهم: ((إنه إذا لم يقتل المدلول عاد الأمان)).
قلنا: هذا أضعف كلام يكون، لأن جنايته على إحرامه قد تحققت من حيث الدلالة وتخويف الصيد قد وجد وهو جناية مستقلة بنفسها فوجد وإن لم يتصل به القتل بدلالة أن الإثم في هذه الصورة على الدال مثل الإثم عند اتصال القتل بالصيد فينبغي أن تجب الكفارة وحين لم تجب عرفنا أن الدلالة غير موجبة للجزاء بحال.
أما عذرهم الأخير في سلوك طريقة الشبهين.
فهذه طريقة يسلكها هذا القائل في كثير من المسائل، وهي بعيدة عن مناهج الفقهاء، لأن حق الفقيه ترجيح أحد الشبهين على الآخر ومداخلة المعاني الصحيحة على أصول الشرع ليتبين له قطع الحادثة عن أحد الشبهين وإلحاقها بالشبة الآخر وإنما سلوك طريقة الشبهين نوع عجز يعدم صاحب المعنى، وعلى أنا نقول: إن الضمان عن الحيوان المضمون يكون بدلاً عنه كضمان الشاة والبقرة ونفس المسلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 348

والدليل عليه: أن الواجب يتقدر بقدر المتلف.
أما عندنا باعتبار المثل خلقة، وعندهم باعتبار القيمة، وأبدال المتلفات يتقدر بقدر، فأما الكفارات فلا.
وأما الحظرية فكانت، لأن المتلف ليس له بحق له مثل مال الغير، وكذلك نفس المسلم فحظر الفعل لهذا المعنى ثم الواجب بدل، لأن المتلف حيوان مضمون، والواجب بإزاء الحيوان المضمون لابد أن يكون بدلاً عنه.
وأما دخول الصوم إنما كان، لأن الواجب لله تعالى، والصوم يكون بدلاً في حق الله تعالى، وأما ضمان المال والنفس فإنما وجب لحق الآدمي فلا يستقيم أن يجب الصوم بدلاً عن حق الآدمي فلهذا افترقا.
وأما فصل الوديعة فنقول: المودع في تلك الصورة لا يضمن بالدلالة بدليل أنه لو رأى سارقاً يسرق الوديعة أو غاصباً يأخذه فلم يمنعه يجب عليه الضمان ولا دلالة له ههنا.
وفي مسألتنا: لو رأى واحداً يقتل صيداً فلم يمنعه لا شيء عليه، وكذلك في الوديعة لو نهى بعد الدلالة يسقط الضمان، وفي مسألتنا قد قلتم: إنه وإن نهى بعد الدلالة لا يسقط الجزاء وقد اعتذروا عن هذا الفصل.
والأول معتمد، وهذا لأن المودع بعقد الوديعة ضمن حفظ الوديعة، لأنه عقد معقود على الحفظ وحين دل أو تركه حتى سرق فقد ترك الحفظ فإنما ضمن لهذا المعنى.
والفقهاء قد سموا الضمان الواجب على المودع بهذا السبب ((ضمان تضيع)) وجعلوا المودع مضيعاً بما فعله وضمان الحفظ يضاد التضيع فكان التضيع موجباً للضمان بهذا الوجه.
وأما المحرم لم يلتزم حفظ الصيود حتى يضمن بترك الحفظ.

الجزء: 2 - الصفحة: 349

وقولهم: ((إلتزام الأمن)).
فقد أجبنا عن هذا.
يبينه: أن التزامه الأمن للصيود مثل التزام المسلم أمن الناس عن أذاه بإسلامه.
وقال النبي عليه السلام: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)).
وقولهم: ((إن هناك لم يلتزم)).
قلنا: إن عنيتم نص الالتزام فلم يوجد في الموضعين، وإن عنيتم دليل الالتزام ووجود الحظرية فقد وجد في الموضعين بلا فرقان ثم نقول: المودع لما أمكنه الحفظ حتى لا يأخذه السارق فصارت قدرة السارق على الأخذ بترك الحفظ، لأنه لو حفظه لم يقدر عليه فصار ترك الحفظ هو السبب في الأخذ، ألا ترى أنه يمكنه أن يحفظ مع أخذه.
فأما الدلالة بعد علم المدلول لا يكون سبباً لأخذ الصائد فإنه بعد دلالته يتوصل الصائد إلى الصيد بقدرته واختياره فلم تبق دلالته جناية على الصيد حين الأخذ، وفي مسألتنا ومسألة المودع بقى ترك الحفظ جناية على الوديعة عند الأخذ فافترقا معنى، والله أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 350

(مسألة)

المحرم إذا قتل ما لا يؤكل لحمه من السباع/ وسائر الحيوانات لا يجب عليه الجزاء.

وعندهم: يجب إلا في الخمس الفواسق وألحقوا الذئب، وإن لم يرد بها الخبر.
لنا: حديث ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: ((خمس من الدواب لا جناح في قتلهن على من قتلهن في الحرم: العقرب، والفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور)).

الجزء: 2 - الصفحة: 351

(قال ابن عيينة: الكلب العقور: كل سبع يعقر وقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عتبة بن أبي لهب: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك، فافترسه الأسد).
وروى ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري هذا الحديث وزاد فيه أن النبي عليه السلام قال: ((والكلب العقور والسبع العادي)).
رواه أبو داود في سننه، وروى هذا الحديث (أبو عيسى) في جامعه، واللفظ: ((يقتل المحرم السبع العادي ثم قال: وهو حديث حسن)).
والخبر الثاني نص.
والاستدلال بالخبر الأول حسن.
وقول ابن عيينة في نهاية الحسن.
فإن حملوا الحديث على حال الاعتداء فهو باطل، لأنه إذا كان المراد من الحديث هذه الحالة لم يكن لتخصيص الذكر معنى، لأن غير السبع يكون بمثابته وذلك مثل جمل الصائل وحمار الوحش إذا عدى أو أشباه ذلك.
ومن جهة المعنى نقول: سبع مؤذي بطبعه فيجوز للمحرم قتله ولا شيء عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 352

دليله: الذئب، والقياس في الذئب في غاية القوة، لأن النص لم يأت به في خبر ما، وإنما أبيح قتله لأنه سبع عادي وكذلك في سائر الحيوانات، وهذا لأن هذا الحيوان إذا كان مؤذياً بطبعه عادياً بجبلته فيكون قتله في الحقيقة دفعاً لأذاه فصار كما لو قصد المحرم فقتله المحرم فإنه لا يكون عليه شيء، فكذلك ههنا.
ويدل عليه: أن طبيعته باعثة له على الأذى فصار كما لو تحقق منه الأذى، وهذا كالكفار المحاربين يجوز قتلهم لمحاربتهم فلو لم يحاربوا يجوز قتلهم ابتداء، لأن كفرهم حامل إياهم على الحراب والقتال، فصار كما لو تحقق منهم الحراب والقتال.
وأما حجتهم: تعلقوا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذه الحيوانات صيود، لأن كل مستوحش ممتنع صيد، ولأن كل حيوان جاز اصطياده لنوع منفعة فهو صيد، فهذه الحيوانات وإن كانت لحومها لا تؤكل فيجوز اصطيادها لجلودها أو للإنتفاع بعظامها وشعورها، وإذا جاز الاصطياد لمنفعة مطلوبة كان صيداً.
قال الشاعر: صيد الملوك أرانب وثعالب ... وإذا ركبت فصيدك الأبطال

فقد جمع بين الأرانب والثعالب لا تؤكل)، فدل أن الصيد لا يختص بما يؤكل لحمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 353

قالوا: وأما الأذى فلا يوجد من هذه السباع سوى خمس الفواسق إلا على الندور فلأنها تبعد في العادة عن الناس وليست بحيوان يساكن الناس ولا هي تكون بقرب من العمرانات فيقل منها الأذى ولا يكثر بخلاف الخمس الفواسق، لأن الحية والعقرب والفأرة مما يساكن الناس في بيوتهم، وكذلك الكلب يكون فيما بين الناس ويؤذيهم والغراب والحدأة والذئب تطوف حول العمرانات فيوجد منها أدى الاستلاب، ولأن الذئب في العادة يكون يقصد أغنام الناس وأطفالهم فيكثر الأذى من هذه الحيوانات، وأما ما سواها من السباع فلا يكثر عادة، وإنما يوجد نادراً فلا يلحق بالخمس الفواسق، وهذا إنما يلحق بها إذاكان في معناها فإذا لم يكن في معناها فلا، وقد بينا أنها ليست في معناها، وأما الذئب فإنها في معنى الخمس الفواسق فألحقت بها.
الجواب: أما دعواهم أن هذه الحيوانات صيود.
فلا نسلك ذلك، وعندنا الصيد كل حيوان يؤكل لحمه، فأما ما لا يؤكل لحمه فلا يؤكل صيداً بحال.
قالوا: فقد كانت هذه الحيوانات مأكولة عند العرب، لأنهم كانوا يأكلون كل ما دب ودرج إلا أم حبين فكانت صيوداً عندهم ثم جاء الشرع بالتحريم بعد ذلك فكان الشرع مغيراً للأحكام دون الأسامي فبقى اسم الصيد على ما كان من قبل.
قلنا: العرب لا تعرف الصيد إلا مأكول اللحم، وقد روي عن ابن

الجزء: 2 - الصفحة: 354

أبي عمار أنه قال لجابر في الضبع: أصيد هو؟ قال: نعم، قال: عن رسول الله؟ قال: نعم.
وإنما كان السؤال كان عن حل الأكل وذكره باسم الصيد، وإذا كان اسم الصيد عندهم لمأكول اللحم فإذا لم يكن مأكولاً لا يكون صيداً.
وقولهم: ((إن الشرع غير الحكم دون الاسم)).
قلنا: الإسلام التي يبني عليها الأحكام إنما يعتبر فيها مورد الشرع لا مورد اللغة.
وأما قولهم: ((إنه حيوان متوحش ممتنع)).
قلنا: قد تركتم وصفاً آخر وهو أن يكون مستوحشاً ممتنعاً مأكول اللحم.
وقولهم: ((إن كان ما يصطاد فهو صيد)).
قلنا: الناس لا يقصدون بالصيد إلا مأكول اللحم/ فأما غيرهم فإن قصدوها فإنا يقصدونها لا لاصطياد لكن لدفع الأذى، وأما المنافع التي ذكروها من الانتفاع بالجلود والشعور وغير ذلك فهو اتباع اللحوم ولا يعتبر ذلك على الانفراد وقد ذركنا هذا في كتاب الطهارة في الأوساط.
وأما الذي قالوا: ((إن الأدى لا يكثر من هذه الحيوانات عادة)).
قلنا: نحن نعمل قطعاً أن الأسود والنمور يقصدون من يقدر عليه من

الجزء: 2 - الصفحة: 355

بني آدم فإن تركت القصد مع القدرة فذلك نادر، ولهذا المعنى تسمى سباعاً عادية يعني أنها تعدو على الناس ويقصدونها بالأذى.
يبينه: أن قصد الحيات ربما يكون أقل من قصد الأسود والنمور وما يشببهها ومع ذلك يباح قتلها.
وقولهم: ((إنها تبعد من الناس)).
قلنا: هذا أمر يختلف، فإنها قد تقرب وقد تبعد فلا يجوز بناء الحكم على هذا الدنا فإنها تبعد تارة وتقرب أخرى فلا يعتبر ذلك وإنما يعتبر قصده من يقدر عليه وهذا موجود في السباع، والله تعالى أعلم بالصواب.


الجزء: 2 - الصفحة: 356

(مسألة)

جماعة محرمون اشتركوا في قتل صيد فعليهم جزاء واحد

عندنا.
وعندهم: على كل واحد جزاء كامل.
لنا: ما روى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه سأله جماعة قتلوا ضبعاً عن الواجب عليهم، قال: ((عليكم جزاء واحد)).
وأما المعنى: نقول: ضمان حيوان معصوم يتقدر بقدر الحيون فيكون الواجب واحداً وإن تعدد المتلف.

الجزء: 2 - الصفحة: 357

دليله: إذا قتل جماعة صيداً في الحرم.
والفقه أن الضمان في مقابلة المتلف بدليلين: أحدهما: لأن ضمانه لأمانه فإن الله تعالى أمن الصيود عن الحرمين كما أمن الصيود في الحرم، والأمان في الحيوان المباح قتله يوجب الضمان بدليل أهل الحرب، وإذا كان الضمان بهذا الطريق فلابد أن يكون في مقابلة المتلف.
والثاني: أن الواجب يقتدر بقدر المتلف، أما عندنا فإن الضمان بالمثل خلقة يكون معدلاً على قدر المتلف وصفاته، وكذلك على أصلكم تجب القيمة بقدر المقتول حتى إذا كان المقتول حيواناً كبيراً يجب بقيمته وإن كان صغيراً يجب بقيمته، والواجب المعدل بقدر المتلف لا يتضاعف بتعدد المتلفين.
دليله: سائر الضمانات.
ودليله: المقتول خطاً أو عمداً.
وأما حجتهم: قالوا: الواجب جزاء الجناية وجناية كل واحد منهم كامل فيجب عليه جزاء كامل.
دليله: إذا انفرد، وإنما قلنا: إن الواجب جزاء الجناية، لأن الواجب كفارة، والكفارة جزاء الجناية لا لتمحيص الإثم مثل سائر الكفارات، ولهذا كانت الكفارة بما هو عبادة، لأن العبادة سبب لتمحيص الآثام بدليل

الجزء: 2 - الصفحة: 358

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وهذا لأن الإحرام عقد يوجب تحريم أفعال عليه وتلك الأفعال محظورات هذا العقد فيصير بارتكاب المحظور جانباً على إحرامه فيلزمه الجزاء ليكون في مقابلة جنايته، وهذا لأن ارتكاب الجناية مخيل في إيجاب الجزاء الزاجر عنها.
ويدل عليه أن الصوم يدخل في جزاء قتل الصيد ولو كان الواجب على طريق بدل المتلف وجب أن لا يكون للصوم مدخل فيه، لأن البدل واجب بشرط المماثلة ولا مماثلة بين الصيد والصوم فثبت بما قلناه أن الواجب بإزاء الجناية ثم الدليل على كمال الجناية كمال الإحرام وإذا كمل الإحرام فلابد من الحكم بكمال الجناية، لأن كمال الإحرام يوجب كمال الحظرية وكمال الحظرية يوجب كمال الجناية وكمال الجناية يوجب كمال الجزاء، وهذا كالجماعة إذا قتلوا واحداً فإنه يجب على كل واحد منهم كفارة كاملة كذلك ههنا، وكان المعنى ما بينا.
قالوا: وأما التعديل بالمحل فإنما كان كذلك، لأن هذه الجناية لها محل فيكون قدرها بقدر المحل فعند زيادة المحل تزداد الجناية وعند نقصان المحل تنتقص الجناية.
وأما استواء الكفارة في قتل الآدمي فإنما كان لأنها مقدرة شرعاً فلا تزداد ولا تنتقص، وأما ههنا فالواجب هو القيمة وإن كان جزاء الجناية فجاز أن تنتقص وتزداد أخرى.
وقد سلك أبو زيد طريقة الشبهين وقال: إن الواجب يشبه جزاء

الجزء: 2 - الصفحة: 359

الجناية من وجه ويبه بدل المتلف من وجه، وقد أشرنا إلى ذلك في المسألة الأولى.
وقال أيضاً: إن الواجب كفارة القتل، والجماعة إذا اشتركوا في تقل صيد مثل الجماعة إذا اشتركوا في قتل واحد من بني آدم ثم هناك الموجود من كل واحد قتل كامل، كذلك ههنا الموجود من كل واحد قتل كامل فإذا كمل القتل كمل الكفارة، وبيان كمال القتل قد ذكرناه في ربع القصاص.
قالوا: وأما الجماعة إذا قتلوا صيداً في الحرم/ فإنه لا يجب عليهم جزاء واحد، لأنه واجب على طريق البدل عن المتلف، والمتلف واحد فيكون البدل واحداً وهذا لأنه لم يوجد منه عقد حتى يكون القتل جناية على العقد، وإنما الصيد في الحرم أمن بأمان الله تعالى فإذا قتله وجب البدل لله تعالى مثل من قتل صيداً مملوكاً يجب الضمان لصاحب الملك.
وأما ههنا فإن هذا جزاء الجناية بدليل ما سبق.
قالوا: ولهذا لا يدخل الصوم في جزاء الصيد في الحرم ويدخل في جزاء الصيد في الإحرام.
وربما يقولون: إن الواجب في صيد الحرم حق الصيد والواجب في صيد الإحرام حق الله تعالى زجراً لا جبراً، لأن الجبر في حق الله تعالى لا يتصور.
الجواب: قولهم: ((إن الواجب جزاء الجناية)).

الجزء: 2 - الصفحة: 360

لا نسلم ذلك، بل الواجب بدل المتلف على ما سبق بيانه.
والأولى أن نقول: إن الواجب ضمان المتلف على جهة البدل وتضمن ذلك نوع جزاء على الجناية، وهو كالقصاص عندكم ضمان المتلف بالمثل لكن تضمن الجزاء على الجناية، وبيان هذا في ربع القصاص، وعلى أنا قلنا أنه بدل المتلف على الإطلاق فيمكن تمشيته لما بينا أنه حيوان مضمون ولأنه ضمان معدل مقدر بقدر المتلف.
أما قولهم: ((إنه يسمى كفارة)).
قلنا: لا عبرة بالأسامي وجزاء صيد الحرم كفارة، وقد سلموا أنه بدل المتلف وعلى أنه يسمى كفارة، لأنه تضمن نوع جزاء على الجناية على ما سبق.
وأما قولهم: ((إنه يجب بارتكاب محظور)).
قلنا: هذا يوجد في صيد الحرم، ومع هذا قد سلموا أنه بدل، وعلى أن الدية واجبة بفعل محظور أو بتقدير فعل محظور وهي بدل قطعاً.
وأما كفارة قتل الآدمي فقد ذكر أبو علي الطبري صاحب ((الإفصاح)) قولاً للشافعي أن جماعة لو قتلوا واحداً لا يجب عليهم إلا كفارة واحدة، وعلى أن هاك لا يمكن إيجابها على الأبعاض، ألا ترى أنها لا تجب بالجناية على بعض الجملة بحال، وههنا يمكن إيجابها أبعاضاً ألا ترى أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 361

يجوز أن يجب بالجناية على البعض وهو الطرف، ولأن الكفارة لما كانت جزاء الجناية لم تتقدر ولم يعدل بقدر المتلف حتى إن المتلف صغيراً كان أو كبيراً أو قليل القيمة أو كثير القيمة تكون الكفارة واحدة بخلاف مسألتنا على ما سبق.
وقولهم: ((إن الجناية تزداد بزيادة المحل وتنتقص بنقصان المحل)).
قلنا: إن كان هذا صحيحاً فهلا قلتم في كفارة قتل الآدمي يكون هكذا؟ وأما دخول الصيام فإنما كان لأن الواجب حق الله تعالى فلهذا دخل الصيام أو يجوز ضمان حق الله تعالى بالصيام وإنما لا يجوز في حق الآدمي.
وأما قولهم: ((لا ممثالة بين الصوم والصيد)).
قلنا: العبرة بالمماثلة شرعاً، والشرع في الابتداء أوجب المثل إذا أمكن ثم إذا صار الأمر إلى القيمة على تدريج فقد حقق معادلة بين الصوم والطعام من حيث الحكم لا من حيث الحس والمعقول، وعلينا الانقياد لذلك شئنا أو أبينا، وعندنا يدخل الصوم في جزاء صيد الحرم أيضاً.
وأما قولهم: ((إنه وجد من كل واحد منهم قتل كامل)).
فقد أجبنا عن هذا في القصاص، والله أعلم.


الجزء: 2 - الصفحة: 362

(مسألة)

لا حصر إلا حصر العدو

عندنا.
وهذا اللفظ مروى عن ابن عباس وهو قول ابن عمر رضي الله عنهم.
وعندهم: يثبت الإحصار بالمرض كما يثبت بالعدو.
لنا: حديث عكرمة عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي عليه السلام وقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أفأشترط؟ قال: ((نعم، قالت: كيف أقول؟ قال: قولي لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني)).

الجزء: 2 - الصفحة: 363

(وفي الباب عن جابر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر).
والاستدلال أنه لو حل الخروج لم يكن للاشتراط معنى، وقد قال كل من يرى الخروج بالمرض جائزاً أن الاشتراط باطل.
وقد قال كل من لا يرى الخروج بالمرض جائزاً بأن الاشتراط صحيح.
ولأن الإحرام عقد لازم في ذاته بدليل أنه لا يمكنه الخروج عنه باختياره ولو جاز الخروج عنه بعذر لكان إذا خرج باختياره بغير عذر لصح خروجه ولكنه يأثم مثل سائر العبادات.
وهذا لأن عدم العذر تأثيره في التأثيم، والعذر تأثيره في الإطلاق بلا إثم، فأما إمكان الخروج في الموضعين يكون واحداً فلما لم يمكنه الخروج عنه إلا بطريقة المشروع عرفنا أنه عقد لازم بعينه وإذا كان لازماً بعينه فالأصل أن كل ما يمكنه الصبر عليه حتى

الجزء: 2 - الصفحة: 364

ينقضي يلزمه الصبر عليه ثم إذا مضى خرج عن الإحرام بطريقة المشروع محافظة على لزومه بعيه والمريض يمكنه أن يصبر عليه حتى يبرأ، وكذلك في حصر العدو يمكنه أن يحارب حتى يجد المسلك أو يصبر حتى ينصرف العدو إلا أن في العدو جاز التحلل بنص الكتاب/ والسنة والمرض ليس بمنزلته لا صورة ولا معنى.
أما الصورة معلومة، والمعنى فلأن الخوف من العدو يزول بالتحلل، والمسألة مصورة في مثل هذا الموضع وهو أن يكون العدو مانعاً من المضي على وجهه وإذا رجع من وجهه إلى وطنه لم يتعرض له وهو مثل ما كان في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية حتى قال الأصحاب: لو لم يكن على هذا الوجه أو كان العدو من الجوانب كلها لا يجوز له التحلل والخوف من المرض لا يزول بالتحلل.
وقد قال الأصحاب في العبارة عن هذا: حال لا يفارقه بالإحلال فلا يطلق له التحلل.
دليله: الضلال، وهذا لأن الله تعالى أباح التحلل عند إحصار العدو ولينجو عن شر العدو بالرجوع فلم يجز قياس المرض عليه، لأنه لا نجاة من شر المرض بالرجوع وهو أيضاً دونه، لأن العدو إذا كان على الطريق لم يمكنه المضي على وجهه أصلاً، وفي المريض يمكنه المضي على وجهه إلا أنه بمشقة.
والحرف هو الأول وهو أن إباحة التحلل للخلاص من العدو ولا خلاص من المرض بالتحلل فلم يكن مثله ولم يطلق له الخروج إلا بشرط زائد وهو شرط التحلل فيفوت اللزوم بهذا الشرط شرعاً، لأنه كان اللزوم بإطلاق الإحرام شرعاً فيفوت شرطه شرعاً كالبيع لا يلزم مع العيب ويلزم مع الجهل بالجزء فإذا شرط العلم بالجزء عند العقد التحق بالعيب حتى إذا لم يكن له علم بها

الجزء: 2 - الصفحة: 365

يرد العلم على بائعها وكان ذلك لأن الجهل بالجزء دون العيب فلم يلتحق به في حكمه إلا بشرط مقرون بالعقد، كذلك ههنا.
وأما حجتهم: (تعلقوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قالوا: والإحصار هو المرض، يقال: أحصر بالمرض وأحصر بالعدو.) وذكره ثعلب في فصيح الكلام، وذكره الزجاج في معاني القرآن.
فصار نص القرآن متناولاً لكل واحد منهما بل تناوله للمرض أظهر وأبين.
قالوا: وروى الحجاج بن عمر أن النبي عليه السلام قال: ((من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى))، رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو، وقال عكرمة: قد ذكرت ذلك لابن عباس وابن عمر فقالا: صدق.

الجزء: 2 - الصفحة: 366

والمعنى أن المرض سبب لمنعه من المضي في موجب إحرامه فيفيد له الإحلال قياساً على العدو، وإنما قلنا إنه يمنعه، لأن الخلاف في مرض مقعد يقعده عن الذهاب والركوب أو ضلا أو منعه إلا بزيادة مرض فأباح له الشرع التحلل وإن أمن تلك الزيادة.
قالوا: وهذا المعنى معقول، وهو إذا عجز عن المضي على وجه ازداد مدة الإحرام لأنه لابد من الصبر مدة المرض في الإحرام ثم إذا برأ من المرض لابد من الذهاب وفعل العمرة إن كان محرماً بعمرة وإن كان محرماً بحجة فلابد من الصبر مدة المرض ثم إذا عوفي وقد فاته الحج فلابد من التحلل من الحج بالطواف والسعي كما يتحلل فائت الحج في سائر المواضع فيحتاج إلى مدة طويلة في الإحرام وفي زيادة مدة الإحرام زيادة لزوم مشقة تلحقه من جنس ما التزم بأصل الإحرام فالشرع جعل له خيار المخلص عن هذه الزيادة بفسخ الأصل ترفيهاً له ورحمة عليه ثم مثل هذا قد يؤثر في إطلاق فسخ العقود اللازمة مثل البيع فإن المشتري إذا لزمه زيادة ثمن على ما سمي ثبت له الخيار وذلك بأن يجد عيباً بالمبيع فإنه التزم الثمن بإزاء جميع أجزاء المبيع فإذا كان بعض أجزاء المبيع فايئاً فصار حصته من الثمن تلزمه على سبيل لم يرض به فثبت له الخيار، كذلك ههنا، وهذا لأن الإحرام

الجزء: 2 - الصفحة: 367

لازم بعينه في الجملة محتمل للفسخ مثل المبيع سواء فصار حكمه مثله على الوجه الذي قلناه.
قالوا: وأما إذا ضل الطريق فعندنا المحصر لا يتحلل إلا بهدى ينحر عنه.
وفي المرض وحصر العدو نجد هذا، ومن ضل الطريق لا يجد من يبعثه وإن وجد لزمه الذهاب معه لأنه يهديه إلى الطريق فيزول العذر حتى إذا كان الرجل راعياً بحيث يمكنه أن يبعث معه الهدى ولا يمكنه الذهاب معه وهو لا يعرف الطريق بنفسه فإنه يتحلل ويبعث بالهدى مثل مسألتنا سواء.
قالوا: وأما عدم مفارقة المرض إياه ومفارقة العدو لا تعتبر ولا توجب الفرقان بعد أن ظهر العجز وتحقق في الوجهين جميعاً.
فصار حرفهم أن المبيح للتحلل عند حصر العدو ليس هو مفارقة الحال بالإحلال لكن المبيح زيادة مدة الإحرام عليه وذلك يزول بالتحلل في الموضعين، وعلى أنكم جعلتم مفارقة الحال بالإحلال علة التحلل، ونحن نقول: إن صح هذا فقد جعلتم عدمه علة لعدم الحكم، وبالإجماع عدم العلة لا يوجب عدم الحكم بل يبقى موقوفاً على قيام الدلالة، كما كان قبل العلة فصار/ حقيقة ما قلتموه احتجاجاً بلا دليل.
الجواب: إن الأمة أجمعت على أن الآية نزلت في حصر العدو، والدليل القطعي عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
وأيضاً يقال: أمن من العدو، وفي المرض يقال: برأ وعوفي منه.

الجزء: 2 - الصفحة: 368

وقد ذكر الفراء أنه يقال: أحصر من العدو والمرض جميعاً، وكذلك أشار القتبي إليه، وإذا كان اللفظ صالحاً لهما كان متعيناً في حصر العدو بإجماع المفسرين.
وأما الخبر: قلنا: روى عكرمة وحجاج بن عمرو، وعبد الله بن رافع ذكره معمر ولم يذكره عكرمة في هذه الرواية فيوجب هذا وهنا في الحديث.
وعلى أنه محمول على ما إذا كان شرط أن محله حيث يحبسه، ألا ترى أنه قال: ((فقد حل)) فإنما يحل بغير تحلل في هذه الصورة.
وأما الذي قالوا من ((زيادة مدة الإحرام)).
فمن ضعيف، لأنه بإحرامه التزم مواجب إحرامه طالت المدة أو قصرت إلى أن يتحلل على قضية إحرامه، وهذا لأن هذه العوارض غير مأمونة من مرض وعدو وغير ذلك فيحن أطلق الإحرام من غير اشتراط فقد التزم مواجبه على علاته وحالاته فتوهم زيادة مدة الإحرام لا تجوز له أن يطلق له الخروج، ولأنه كيف يستقيم التعليل بهذا، وعندكم إذا تحلل يلزمه حجة وعمرة؟ فلا يجوز أن يباح له التحلل للفرار من وجوب زيادة لم

الجزء: 2 - الصفحة: 369

يلتزمها ثم يكون التحلل موجباً زيادة نسك في الأصل هو فوق زيادة المدة، فدل أن ما ظنوه علة ضعيفة.
وأما البيع لا يشبه الإحرام، ألا ترى أنه يشترط ما يفسخ به البيع عند فقده من صفة الخبر والكتابة فيصح شرطه، ومثل هذا الشرط لا يصح في الحج عندهم بحال فثبت أن التحلل لحصر العدو ليس إلا بالنص والمرض مخالف له على ما سبق.
والذي اعترض به على ما قلناه، ليس بشيء، لأنه مآل كلامه أنه يتخلص بالتحلل من زيادة مدة الإحرام، وقد ذكرنا فساد هذا المعنى.
والذي قالوا: ((إن العدم لا يكون علة)).
قلنا: نحن لم نجعله علة لكن بينا المفارقة بين عذر العدو وعذر المرض وقد تبين .. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.


((تم ربع العبادات بحمد الله تعالى وحسن توفيقه في أواخر شوال من شهور سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، والله المستعان على إتمامه بمنه ولطفه.
الحمد لله وصلواته على الأنبياء الطاهرين وخص محمداً بأفضل التحية والسلام وآله أجمعين، وحسبنا الله ونعم المعين)).


الجزء: 2 - الصفحة: 370

فصول الكتاب · 6 فصل
جارٍ التحميل