الْإِسْلَام وَاجِبَة بِكُل المَال للْوَالِدين والأقربين ثمَّ نسخ وُجُوبهَا بِآيَة الْمَوَارِيث وَبَقِي استحبابها فِي الثُّلُث فَأَقل لغير الْوَارِث وَإِن قل المَال وَكثر الْعِيَال القَوْل فِي أَرْكَان الْوَصِيَّة وأركانها أَرْبَعَة صِيغَة وموصي وموصى لَهُ وموصى بِهِ وَأسْقط المُصَنّف من ذَلِك الصِّيغَة وَذكر الْبَقِيَّة وَبَدَأَ بالموصي بِهِ بقوله (وَتجوز الْوَصِيَّة) بالشَّيْء (الْمَعْلُوم) وَإِن قل كحبتي الْحِنْطَة وبنجوم الْكِتَابَة وَإِن لم تكن مُسْتَقِرَّة وبالمكاتب وَإِن لم يقل إِن عجز نَفسه وَبِعَبْد غَيره وَإِن لم يقل إِن ملكته وبنجاسة يحل الِانْتِفَاع بهَا ككلب معلم أَو قَابل التَّعْلِيم وَبِنَحْوِ زبل مِمَّا ينْتَفع بِهِ كسماد وَجلد ميتَة قَابل للدباغ وزيت نجس وميتة لطعم الْجَوَارِح كَمَا نَقله القَاضِي أَبُو الطّيب عَن الْأَصْحَاب وخمر مُحْتَرمَة لثُبُوت الِاخْتِصَاص فِي ذَلِك وَلَو أوصى بكلب من كلابه أعْطى الْمُوصى لَهُ أَحدهَا فَإِن لم يكن لَهُ كلب يحل الِانْتِفَاع بِهِ لغت وَصيته وَلَو كَانَ لَهُ مَال وكلاب وَأوصى بهَا كلهَا أَو بِبَعْضِهَا نفذت وَصيته وَإِن كثرت الْكلاب وَقل المَال لِأَن المَال خير من الْكلاب (و) تجوز الْوَصِيَّة بالشَّيْء (الْمَجْهُول) عينه كأوصيت لزيد بِمَالي الْغَائِب أَو عبد من عَبِيدِي أَو قدره كأوصيت لَهُ بِهَذِهِ الدَّرَاهِم أَو نَوعه كأوصيت لَهُ بِصَاع حِنْطَة أَو جنسه كأوصيت لَهُ بِثَوْب أَو صفته كالحمل الْمَوْجُود وَكَانَ ينْفَصل حَيا لوقت يعلم وجوده عِنْدهَا لِأَن الْوَصِيَّة تحْتَمل الْجَهَالَة وَبِمَا لَا يقدر على تَسْلِيمه كالطير الطَّائِر وَالْعَبْد الْآبِق لِأَن الْمُوصى لَهُ يخلف الْمَيِّت فِي ثلثه كَمَا يخلفه الْوَارِث فِي ثُلثَيْهِ (و) تجوز بالشَّيْء (الْمَوْجُود) كأوصيت لَهُ بِهَذِهِ الْمِائَة لِأَنَّهَا إِذا صحت بالمعدوم فبالموجود أولى (و) تجوز بالشَّيْء (الْمَعْدُوم) كَأَن يُوصي بثمرة أَو حمل سيحدث لِأَن الْوَصِيَّة احْتمل فِيهَا وُجُوه من الْغرَر رفقا بِالنَّاسِ وتوسعة وَلِأَن الْمَعْدُوم يَصح تملكه بِعقد السّلم وَالْمُسَاقَاة وَالْإِجَارَة فَكَذَا بِالْوَصِيَّةِ وَتجوز بالمبهم كَأحد عبديه لِأَن الْوَصِيَّة تحْتَمل الْجَهَالَة فَلَا يُؤثر فِيهَا الْإِبْهَام ويعين الْوَارِث وَتجوز بالمنافع الْمُبَاحَة وَحدهَا مُؤَقَّتَة ومؤبدة ومطلقة وَالْإِطْلَاق يَقْتَضِي التَّأْبِيد لِأَنَّهَا أَمْوَال مُقَابلَة بالأعواض كالأعيان وَتجوز بِالْعينِ دون الْمَنْفَعَة وبالعين لوَاحِد وبالمنفعة لآخر وَإِنَّمَا صحت فِي الْعين وَحدهَا لشخص مَعَ عدم الْمَنْفَعَة فِيهَا لِإِمْكَان صيرورة الْمَنْفَعَة لَهُ بِإِجَارَة أَو إِبَاحَة أَو نَحْو ذَلِك تَنْبِيه يشْتَرط فِي الْمُوصى بِهِ كَونه مَقْصُودا كَمَا فِي الرَّوْضَة فَلَا تصح بِمَا لَا يقْصد كَالدَّمِ وَكَونه يقبل النَّقْل من شخص إِلَى شخص فَمَا لَا يقبل النَّقْل كَالْقصاصِ وحد الْقَذْف لَا تصح الْوَصِيَّة بِهِ لِأَنَّهُمَا وَإِن انتقلا بِالْإِرْثِ لَا يتَمَكَّن مستحقهما من أقلهَا نعم لَو أوصى بِهِ لمن هُوَ عَلَيْهِ صَحَّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَاب الْعَفو عَن الْقصاص القَوْل فِي مِقْدَار الْوَصِيَّة (وَهِي) أَي الْوَصِيَّة مُعْتَبرَة (من الثُّلُث) سَوَاء أوصى بِهِ فِي صِحَة أَو مَرضه لِاسْتِوَاء الْكل وَقت اللُّزُوم حَال الْمَوْت
تَنْبِيه يعْتَبر المَال الْمُوصى بِثُلثِهِ يَوْم الْمَوْت لِأَن الْوَصِيَّة تمْلِيك بعد الْمَوْت فَلَو أوصى بِعَبْد وَلَا عبد لَهُ ثمَّ ملك عِنْد الْمَوْت عبدا تعلّقت الْوَصِيَّة بِهِ وَلَو زَاد مَاله تعلّقت الْوَصِيَّة بِهِ وَلَا يخفى أَن الثُّلُث الَّذِي تنفذ فِيهِ الْوَصِيَّة هُوَ الثُّلُث الْفَاضِل بعد الدّين فَلَو كَانَ عَلَيْهِ دين مُسْتَغْرق لم تنفذ الْوَصِيَّة فِي شَيْء لَكِنَّهَا تَنْعَقِد حَتَّى ينفذها لَو أَبْرَأ الْغَرِيم أَو قضى عَنهُ الدّين كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَغَيره وَيعْتَبر من الثُّلُث تبرع نجز فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ كوقف وَهبة وَعتق وإبراء لخَبر إِن الله تَعَالَى تصدق عَلَيْكُم عِنْد وفاتكم بِثلث أَمْوَالكُم زِيَادَة لكم فِي أَعمالكُم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَفِي إِسْنَاده مقَال وَلَو وهب فِي الصِّحَّة وأقبض فِي الْمَرَض اعْتبر من الثُّلُث أَيْضا إِذْ لَا أثر لتقدم الْهِبَة وَخرج بتبرع مَا لَو استولد فِي مرض مَوته فَإِنَّهُ لَيْسَ تَبَرعا بل إِتْلَاف واستمتاع فَهُوَ من رَأس المَال وبمرضه تبرع نجز فِي صِحَّته فيحسب من رَأس المَال لَكِن يسْتَثْنى من الْعتْق فِي مرض الْمَوْت عتق أم الْوَلَد إِذا أعْتقهَا فِي مرض مَوته فَإِنَّهُ ينفذ من رَأس المَال كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَله إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَعَ أَنه تبرع نجز فِي الْمَرَض فَائِدَة قيمَة مَا يفوت على الْوَرَثَة يعْتَبر بِوَقْت التفويت فِي الْمُنجز وبوقت الْمَوْت فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ وَفِيمَا يبْقى للْوَرَثَة يعْتَبر بِأَقَلّ قيمَة من يَوْم الْمَوْت إِلَى يَوْم الْقَبْض لِأَنَّهُ إِن كَانَ يَوْم الْمَوْت أقل فَالزِّيَادَة حصلت فِي ملك الْوَارِث أَو يَوْم الْقَبْض أقل فَمَا نقص قبله لم يدْخل فِي يَده فَلَا يحْسب عَلَيْهِ وَكَيْفِيَّة اعْتِبَارهَا من الثُّلُث أَنه إِذا اجْتمع فِي وَصِيَّة تبرعات مُتَعَلقَة بِالْمَوْتِ وَإِن كَانَت مرتبَة وَلم يوف الثُّلُث بهَا فَإِن تمحض الْعتْق كَأَن قَالَ إِذا مت فَأنْتم أَحْرَار أَو غَانِم وَسَالم وَبكر أَحْرَار أَقرع بَينهم فَمن قرع عتق مِنْهُ مَا يَفِي بِالثُّلثِ وَلَا يعْتق من كل بعضه لِأَن الْمَقْصُود من الْعتْق تَخْلِيص الشَّخْص من الرّقّ وَإِنَّمَا لم يعْتَبر ترتيبها مَعَ إضافتها للْمَوْت لاشتراكها فِي وَقت نفاذها وَهُوَ وَقت الْمَوْت نعم إِن اعْتبر الْمُوصي وُقُوعهَا مرتبَة كَأَن قَالَ أعتقوا سالما بعد موتِي ثمَّ غانما ثمَّ بكرا قدم مَا قدمه لِأَن الْمُوصي اعْتبر وُقُوعهَا مرتبَة من غَيره فَلَا بُد أَن تقع كَذَلِك بِخِلَاف مَا مر أَو تمحض تبرعات غير الْعتْق قسط الثُّلُث على الْجَمِيع بِاعْتِبَار الْقيمَة أَو الْمِقْدَار كَمَا تقسط التَّرِكَة بَين أَرْبَاب الدُّيُون أَو اجْتمع عتق وَغَيره كَأَن أوصى بِعِتْق سَالم ولزيد بِمِائَة قسط الثُّلُث عَلَيْهِمَا بِالْقيمَةِ للعتيق لِاتِّحَاد وَقت الِاسْتِحْقَاق فَإِذا كَانَت قِيمَته مائَة وَالثلث مائَة عتق نصفه ولزيد خَمْسُونَ نعم لَو دبر عَبده وَقِيمَته مائَة وَأوصى لَهُ بِمِائَة وَثلث مَاله مائَة فَإِنَّهُ يعْتق كُله وَلَا شَيْء للْوَصِيَّة على الْأَصَح أَو اجْتمع تبرعات منجزة قدم الأول مِنْهَا فَالْأول حَتَّى يتم الثُّلُث سَوَاء أَكَانَ فِيهَا عتق أم لَا ويتوقف مَا بَقِي على إجَازَة الْوَارِث فَإِن وجدت هَذِه التَّبَرُّعَات دفْعَة إِمَّا مِنْهُ أَو بوكالة واتحد الْجِنْس فِيهَا كعتق عبيد أَو إِبْرَاء جمع كَقَوْلِه أعتقتكم أَو أبرأتكم أَقرع فِي الْعتْق خَاصَّة
حذرا من التشقيص وقسط بِالْقيمَةِ فِي غَيره كَمَا مر وَإِن كَانَت التَّبَرُّعَات منجزة ومعلقة بِالْمَوْتِ قدم الْمُنجز لِأَنَّهُ يُفِيد الْملك حَالا ولازم لَا يُمكن الرُّجُوع فِيهِ فروع لَو قَالَ إِن أعتقت غانما فسالم حر فَأعتق غانما فِي مرض مَوته تعين لِلْعِتْقِ إِن خرج وَحده من الثُّلُث وَلَا إقراع وَلَو أوصى بحاضر هُوَ ثلث مَاله وَبَاقِيه غَائِب لم يتسلط موصى لَهُ على شَيْء مِنْهُ حَالا وَلَو أوصى بِالثُّلثِ وَله عين وَدين دفع للْمُوصى لَهُ ثلث الْعين وَكلما نض من الدّين شَيْء دفع لَهُ ثلثه وَينْدب للْمُوصي أَن لَا يُوصي بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله وَالْأولَى أَن ينقص مِنْهُ شَيْئا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ الثُّلُث وَالثلث كثير (فَإِن زَاد) على الثُّلُث وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ مَكْرُوهَة وَهُوَ الْمُعْتَمد كَمَا قَالَه الْمُتَوَلِي وَغَيره وَإِن قَالَ القَاضِي وَغَيره إِنَّهَا مُحرمَة (وقف) الزَّائِد (على إجَازَة الْوَرَثَة) فَتبْطل الْوَصِيَّة بِالزَّائِدِ إِن رده وَارِث خَاص مُطلق التَّصَرُّف لِأَنَّهُ حَقه فَإِن لم يكن وَارِث خَاص بطلت فِي الزَّائِد لِأَن الْحق للْمُسلمين فَلَا مجيز أَو كَانَ وَهُوَ غير مُطلق التَّصَرُّف فَالظَّاهِر كَمَا بَحثه بَعضهم أَنه إِن توقعت أَهْلِيَّته وقف الْأَمر إِلَيْهَا وَإِلَّا بطلت وَعَلِيهِ يحمل مَا أفتى بِهِ السُّبْكِيّ من الْبطلَان وَإِن أجَازه فإجازته تَنْفِيذ للْوَصِيَّة بِالزَّائِدِ حكم الْوَصِيَّة للْوَارِث (وَلَا تجوز الْوَصِيَّة) أَي تكره كَرَاهَة تَنْزِيه (لوَارث) خَاص غير جَائِز بزائد على حِصَّته لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا وَصِيَّة لوَارث رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن (إِلَّا أَن يجيزها بَاقِي الْوَرَثَة) المطلقين التَّصَرُّف لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا وَصِيَّة لوَارث إِلَّا أَن يجيزها بَاقِي الْوَرَثَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد قَالَ الذَّهَبِيّ صَالح وَقِيَاسًا على الْوَصِيَّة لأَجْنَبِيّ بِالزَّائِدِ على الثُّلُث وَخرج بالخاص الْوَارِث للعام كَمَا لَو أوصى لإِنْسَان بِشَيْء ثمَّ انْتقل إِرْثه لبيت المَال فَإِن ذَلِك يصرف إِلَيْهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى إجَازَة الإِمَام وَبِغير حائز مَا لَو أوصى لحائز بِمَالِه كُله فَإِنَّهَا بَاطِلَة على الْأَصَح وبزائد على حِصَّته مَا لَو أوصى لوَارث بِقدر إِرْثه فَإِن فِيهِ تَفْصِيلًا يَأْتِي بَين الْمشَاع والمعين وبالمطلقين التَّصَرُّف مَا لَو كَانَ فيهم صَغِير أَو مَجْنُون أَو مَحْجُور عَلَيْهِ بِسَفَه فَلَا تصح مِنْهُ الْإِجَازَة وَلَا من وليه تَنْبِيه فِي معنى الْوَصِيَّة للْوَارِث الْوَقْف عَلَيْهِ وإبراؤه من دين عَلَيْهِ أوهبته شَيْئا فَإِنَّهُ يتَوَقَّف على إجَازَة بَقِيَّة الْوَرَثَة نعم يسْتَثْنى من الْوَقْف صُورَة وَاحِدَة وَهِي مَا لَو وقف مَا يخرج من الثُّلُث على قدر نصِيبهم كمن لَهُ ابْن وَبنت وَله دَار تخرج من ثلثه فَوقف
ثلثيها على الابْن وثلثها على الْبِنْت فَإِنَّهُ ينفذ وَلَا يحْتَاج إِلَى إجَازَة فِي الْأَصَح فَائِدَة من الْحِيَل فِي الْوَصِيَّة للْوَارِث أَن يَقُول أوصيت لزيد بِأَلف إِن تبرع لوَلَدي بِخَمْسِمِائَة مثلا فَإِذا قبل لزمَه دَفعهَا إِلَيْهِ وَلَا عِبْرَة برد بَقِيَّة الْوَرَثَة وإجازتهم للْوَصِيَّة فِي حَيَاة الْمُوصي إِذْ لَا اسْتِحْقَاق لَهُم قبل مَوته وَالْعبْرَة فِي كَون الْمُوصى لَهُ وَارِثا بِوَقْت الْمَوْت فَلَو أوصى لِأَخِيهِ فَحدث لَهُ ابْن قبل مَوته صحت أَو أوصى لِأَخِيهِ وَله ابْن فَمَاتَ قبل موت الْمُوصي فَهِيَ وَصِيَّة لوَارث وَالْوَصِيَّة لكل وَارِث بِقدر حِصَّته شَائِعا من نصف أَو غَيره لَغْو لِأَنَّهُ يسْتَحقّهُ بِغَيْر وَصِيَّة وَخرج بِكُل وَارِث مَا لَو أوصى لبَعْضهِم بِقدر حِصَّته شَائِعا كَأَن أوصى لأحد بنيه الثَّلَاثَة بِثلث مَاله فَإِنَّهُ يَصح ويتوقف على الْإِجَازَة فَإِن أُجِيز أَخذه وَقسم الْبَاقِي بَينهم بِالسَّوِيَّةِ وَالْوَصِيَّة لكل وَارِث بِعَين هِيَ قدر حِصَّته كَأَن أوصى لأحد ابنيه بِعَبْد قِيمَته ألف وَللْآخر بدار قيمتهَا ألف وهما مَا يملكهُ صَحِيحَة كَمَا لَو أوصى بِبيع عين من مَاله لزيد وَلَكِن يفْتَقر إِلَى الْإِجَازَة فِي الْأَصَح لاخْتِلَاف الْأَغْرَاض بالأعيان ومنافعها ثمَّ شرع فِي الرُّكْن الثَّانِي وَهُوَ الْمُوصي بقوله (وَتَصِح) أَي تجوز (الْوَصِيَّة من كل مَالك) بَالغ (عَاقل) حر مُخْتَار بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهَا تبرع وَلَو كَافِرًا حَرْبِيّا أَو غَيره أَو مَحْجُورا عَلَيْهِ بِسَفَه أَو فلس لصِحَّة عبارتهم واحتياجهم للثَّواب فَلَا تصح من صبي وَمَجْنُون ومغمى عَلَيْهِ ورقيق وَلَو مكَاتبا ومكره كَسَائِر الْعُقُود وَلعدم ملك الرَّقِيق أَو ضعفه والسكران كالمكلف تَنْبِيه دخل فِي الْكَافِر الْمُرْتَد فَتَصِح وَصيته نعم إِن مَاتَ أَو قتل كَافِرًا بطلت وَصيته لِأَن ملكه مَوْقُوف على الْأَصَح وَالْمُوصى لَهُ وَهُوَ الرُّكْن الثَّالِث إِمَّا أَن يكون معينا أَو غير معِين وَقد شرع المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْقسم الأول بقوله (لكل متملك) أَي بِأَن يتَصَوَّر لَهُ الْملك عِنْد موت الْمُوصي وَلَو بمعاقدة وليه فَلَا تصح الْوَصِيَّة لدابة لِأَنَّهَا لَيست أَهلا للْملك وَقَضِيَّة هَذَا أَنَّهَا لَا تصح لمَيت وَهُوَ كَذَلِك وَقَول الرَّافِعِيّ فِي بَاب التَّيَمُّم إِنَّه لَو أوصى بِمَاء لأولى النَّاس بِهِ وَهُنَاكَ ميت قدم على الْمُتَنَجس أَو الْمُحدث الْحَيّ على الْأَصَح لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة وَصِيَّة لمَيت بل لوَلِيِّه لِأَنَّهُ الَّذِي يتَوَلَّى أمره وَيشْتَرط فِيهِ أَيْضا عدم الْمعْصِيَة وَأَن يكون معينا وَأَن يكون مَوْجُودا فَلَا تصح لكَافِر بِمُسلم لكَونهَا مَعْصِيّة وَلَا لأحد هذَيْن الرجلَيْن للْجَهْل بِهِ نعم إِن قَالَ أعْطوا هَذَا لأحد هذَيْن صَحَّ كَمَا لَو قَالَ لوَكِيله بِعْهُ لأحد هذَيْن وَلَا لحمل سيحدث تَنْبِيه يُؤْخَذ من اعْتِبَار تصور الْملك اشْتِرَاط كَون الْمُوصى بِهِ مَمْلُوكا للْمُوصي فتمتنع الْوَصِيَّة بِمَال الْغَيْر وَهُوَ قَضِيَّة كَلَام الرَّافِعِيّ فِي الْكِتَابَة وَقَالَ النَّوَوِيّ قِيَاس الْبَاب الصِّحَّة أَي يصير موصى بِهِ إِذا ملكه قبل مَوته وَلَو فسر الْوَصِيَّة للدابة بِالصرْفِ فِي عَلفهَا صَحَّ لِأَن عَلفهَا على مَالِكهَا فَهُوَ الْمَقْصُود بِالْوَصِيَّةِ فَيشْتَرط قبُوله وَيتَعَيَّن الصّرْف إِلَى جِهَة الدَّابَّة رِعَايَة لغَرَض الْمُوصي وَلَا يسلم عَلفهَا للْمَالِك بل يصرفهُ الْوَصِيّ فَإِن لم يكن فَالْقَاضِي وَلَو بنائبه وَتَصِح لكَافِر وَلَو حَرْبِيّا مُرْتَدا وَقَاتل بِحَق أَو بِغَيْرِهِ
كالصدقة عَلَيْهِمَا وَالْهِبَة لَهما وَصورتهَا فِي الْقَاتِل أَن يُوصي لرجل فيقتله ولحمل إِن انْفَصل حَيا حَيَاة مُسْتَقِرَّة لدوّنَ سِتَّة أشهر مِنْهَا للْعَمَل بِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودا عِنْدهَا أَو لأكْثر مِنْهُ ولأربع سِنِين فَأَقل مِنْهَا وَلم تكن الْمَرْأَة فراشا لزوج أَو سيد فَإِن كَانَت فراشا لَهُ أَو انْفَصل لأكْثر من أَربع سِنِين لم تصح الْوَصِيَّة لاحْتِمَال حُدُوثه مَعهَا أَو بعْدهَا فِي الأولى وَلعدم وجودهَا عِنْدهَا فِي الثَّانِيَة وَتَصِح لعمارة مَسْجِد ومصالحه ومطلقا وَتحمل عِنْد الْإِطْلَاق عَلَيْهِمَا عملا بِالْعرْفِ فَإِن قَالَ أردْت تَمْلِيكه فَقيل تبطل الْوَصِيَّة وَبحث الرَّافِعِيّ صِحَّتهَا بِأَن لِلْمَسْجِدِ ملكا وَعَلِيهِ وَقفا قَالَ النَّوَوِيّ هَذَا هُوَ الأفقه الْأَرْجَح ثمَّ شرع فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ الْوَصِيَّة لغير معِين بقوله (و) تجوز الْوَصِيَّة (فِي سَبِيل الله تَعَالَى) لِأَنَّهُ من القربات وَتصرف إِلَى الْغُزَاة من أهل الزَّكَاة لثُبُوت هَذَا الِاسْم لَهُم فِي عرف الشَّرْع وَيشْتَرط فِي الْوَصِيَّة لغير الْمعِين أَن لَا يكون جِهَة مَعْصِيّة كعمارة كَنِيسَة للتعبد فِيهَا وَكِتَابَة التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وقراءتهما وَكِتَابَة كتب الفلسفة وَسَائِر الْعُلُوم الْمُحرمَة وَمن ذَلِك الْوَصِيَّة لدهن سراج الْكَنِيسَة تَعْظِيمًا لَهَا أما إِذا قصد انْتِفَاع المقيمين والمجاورين بضوئها فَالْوَصِيَّة جَائِزَة وَإِن خَالف فِي ذَلِك الْأَذْرَعِيّ وَسَوَاء أوصى بِمَا ذكر مُسلم أم كَافِر وَإِذا انْتَفَت الْمعْصِيَة فَلَا فرق بَين أَن تكون قربَة كالفقراء وَبِنَاء الْمَسَاجِد أَو مُبَاحَة لَا يظْهر فِيهَا قربَة كَالْوَصِيَّةِ للأغنياء وَفك أُسَارَى الْكفَّار من الْمُسلمين لِأَن الْقَصْد من الْوَصِيَّة تدارك مَا فَاتَ فِي حَال الْحَيَاة من الْإِحْسَان فَلَا يجوز أَن تكون مَعْصِيّة تَنْبِيه سكت المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى عَن الصِّيغَة وَهُوَ الرُّكْن الرَّابِع وَشرط فِيهَا لفظ يشْعر بِالْوَصِيَّةِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا مر فِي الضَّمَان وَهِي تَنْقَسِم إِلَى صَرِيح كأوصيت لَهُ بِكَذَا أَو أَعْطوهُ لَهُ أَو هُوَ لَهُ أَو وهبته لَهُ بعد موتِي فِي الثَّلَاثَة وَإِلَى كِنَايَة كَقَوْلِه من مَالِي وَمَعْلُوم أَن الْكِنَايَة تفْتَقر إِلَى النِّيَّة وَالْكِتَابَة كِنَايَة فتنعقد بهَا مَعَ النِّيَّة كَالْبيع وَأولى فَلَو اقْتصر على قَوْله هُوَ لَهُ فَقَط فإقرار لَا وَصِيَّة القَوْل فِي لُزُوم الْوَصِيَّة بِالْمَوْتِ وَتلْزم الْوَصِيَّة بِمَوْت وَلَكِن مَعَ قبُول بعده وَلَو بتراخ فِي موصى لَهُ معِين وَإِن تعدد وَلَا يشْتَرط الْقبُول فِي غير معِين كالفقراء وَيجوز الِاقْتِصَار على ثَلَاثَة مِنْهُم وَلَا تجب التَّسْوِيَة بَينهم وَإِنَّمَا لم يشْتَرط الْفَوْر فِي الْقبُول لِأَنَّهُ إِنَّمَا يشْتَرط فِي الْعُقُود الَّتِي يشْتَرط فِيهَا ارتباط الْقبُول بِالْإِيجَابِ فَلَا يَصح قبُول وَلَا رد فِي حَيَاة الْمُوصي إِذْ لَا حق لَهُ قبل الْمَوْت فَأشبه إِسْقَاط الشُّفْعَة قبل البيع فَلِمَنْ قبل فِي الْحَيَاة الرَّد بعد الْمَوْت وَبِالْعَكْسِ وَيصِح الرَّد بَين الْمَوْت وَالْقَبُول لَا بعدهمَا وَبعد الْقَبْض وَأما بعد الْقبُول وَقبل الْقَبْض فَالْأَوْجه عدم الصِّحَّة كَمَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا وَإِن صحّح فِي تَصْحِيحه الصِّحَّة فَإِن مَاتَ الْمُوصى لَهُ قبل الْمُوصي بطلت الْوَصِيَّة لِأَنَّهَا قبل الْمَوْت غير لَازِمَة فبطلت بِالْمَوْتِ وَإِن مَاتَ بعد الْمُوصي وَقبل الْقبُول وَالرَّدّ خَلفه وَارثه فيهمَا فَإِن كَانَ الْوَارِث بَيت المَال فالقابل وَالرَّدّ هُوَ الإِمَام وَملك الْمُوصى لَهُ الْمعِين للْمُوصى بِهِ الَّذِي لَيْسَ بِإِعْتَاق بعد موت الْمُوصي وَقبل الْقبُول مَوْقُوف إِن قبل بَان أَنه ملكه بِالْمَوْتِ وَإِن رد بَان أَنه للْوَارِث ويتبعه فِي الْوَقْف الْفَوَائِد الْحَاصِلَة من الْمُوصى بِهِ كثمرة وَكسب والمؤنة وَلَو فطْرَة وَيُطَالب الْوَارِث الْمُوصى لَهُ أَو الرَّقِيق الْمُوصى بِهِ أَو الْقَائِم مقامهما من ولي ووصي بالمؤن إِن توقف
فِي قبُول ورد كَمَا لَو امْتنع مُطلق إِحْدَى زوجتيه من التَّعْيِين فَإِن لم يقبل أَو لم يرد خَيره الْحَاكِم بَين الْقبُول وَالرَّدّ فَإِن لم يفعل حكم بِالْبُطْلَانِ كالمتحجر إِذا امْتنع من الْإِحْيَاء أما لَو أوصى بِإِعْتَاق رَقِيق فالملك فِيهِ للْوَارِث إِلَى إِعْتَاقه فالمؤنة عَلَيْهِ وللموصي رُجُوع فِي وَصيته وَعَن بَعْضهَا بِنَحْوِ نقضتها كأبطلتها وَبِنَحْوِ قَوْله هَذَا لوارثي مُشِيرا إِلَى الْمُوصى بِهِ وَبِنَحْوِ بيع وَرهن وَكِتَابَة لما وصّى بِهِ وَلَو بِلَا قبُول وبوصية بذلك وتوكيل بِهِ وَعرض عَلَيْهِ وخلطه برا معينا وصّى بِهِ وخلطه صبرَة وصّى بِصَاع مِنْهَا بأجود مِنْهَا وطحنه برا وصّى بِهِ وبذر لَهُ وعجنه دَقِيقًا وصّى بِهِ وغزله قطنا وصّى بِهِ ونسجه غزلا وصّى بِهِ وقطعه ثوبا وصّى بِهِ قَمِيصًا وبنائه وغراسه بِأَرْض وصّى بهَا القَوْل فِي الْإِيصَاء وشروط الْوَصِيّ ثمَّ شرع فِي الْإِيصَاء وَهُوَ إِثْبَات تصرف مُضَاف لما بعد الْمَوْت بقوله (وَتَصِح الْوَصِيَّة) بِمَعْنى الْإِيصَاء فِي التَّصَرُّفَات الْمَالِيَّة الْمُبَاحَة يُقَال أوصيت لفُلَان بِكَذَا وأوصيت إِلَيْهِ ووصيته إِذا جعلته وَصِيّا وَقد أوصى ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فَكتب وصيتي إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى الزبير وَابْنه عبد الله وأركان الْإِيصَاء أَرْبَعَة موص ووصي وموصي فِيهِ وَصِيغَة وَشرط فِي الْمُوصي بِقَضَاء حق كَدين وتنفيذ وَصِيَّة ورد وَدِيعَة وعارية مَا مر فِي الْمُوصى بِمَال وَقد مر بَيَانه وَشرط فِي الْمُوصي بِنَحْوِ أَمر طِفْل كمجنون ومحجور بِسَفَه مَعَ مَا مر ولَايَة عَلَيْهِ ابْتِدَاء من الشَّرْع بتفويض فَلَا يَصح الْإِيصَاء مِمَّن فقد شَيْئا من ذَلِك كصبي وَمَجْنُون ومكره وَمن بِهِ رق وَأم وَعم ووصي لم يُؤذن لَهُ فِيهِ وَيصِح الْإِيصَاء (إِلَى من اجْتمعت فِيهِ خمس شَرَائِط) عِنْد الْمَوْت وَترك سادسا وسابعا كَمَا ستعرفه الأول (الْإِسْلَام) فِي مُسلم (و) الثَّانِي (الْبلُوغ و) الثَّالِث (الْعقل و) الرَّابِع (الْحُرِّيَّة و) الْخَامِس (الْأَمَانَة) وَعبر بَعضهم عَنْهَا بِالْعَدَالَةِ وَلَو ظَاهِرَة وَكِلَاهُمَا صَحِيح السَّادِس الاهتداء إِلَى التَّصَرُّف كَمَا هُوَ الصَّحِيح فِي الرَّوْضَة وَالسَّابِع عدم عَدَاوَة مِنْهُ للْمولى عَلَيْهِ وَعدم جَهَالَة فَلَا يَصح الْإِيصَاء إِلَى من فقد شَيْئا من ذَلِك كصبي وَمَجْنُون وفاسق ومجهول وَمن بِهِ رق أَو عَدَاوَة وَكَافِر على مُسلم وَمن لَا يَكْفِي فِي التَّصَرُّف لسفه أَو هرم أَو لغيره لعدم الْأَهْلِيَّة فِي بَعضهم وللتهمة فِي الْبَاقِي وَيصِح الْإِيصَاء إِلَى كَافِر مَعْصُوم عدل فِي دينه على كَافِر واعتبرت الشُّرُوط عِنْد الْمَوْت لَا عِنْد الْإِيصَاء وَلَا بَينهمَا لِأَنَّهُ وَقت التسلط على الْقبُول حَتَّى لَو أوصى لمن خلا عَن الشُّرُوط أَو بعضهما كصبي ورقيق ثمَّ استكملها عِنْد الْمَوْت صَحَّ وَلَا يضر عمى لِأَن الْأَعْمَى مُتَمَكن من التَّوْكِيل فِيمَا لَا يتَمَكَّن مِنْهُ وَلَا أنوثة لما فِي سنَن أبي دَاوُد أَن عمر رَضِي الله عَنهُ أوصى إِلَى حَفْصَة وَالأُم أولى من غَيرهَا إِذا حصلت الشُّرُوط فِيهَا عِنْد الْمَوْت وينعزل ولي بفسق لَا إِمَام لتَعلق الْمصَالح الْكُلية بولايته وَشرط فِي الْمُوصى فِيهِ كَونه تَصرفا ماليا مُبَاحا فَلَا يَصح الْإِيصَاء فِي تَزْوِيج لِأَن غير الْأَب وَالْجد لَا يُزَوّج الصَّغِير وَالصَّغِيرَة وَلَا فِي مَعْصِيّة كبناء كَنِيسَة لمنافاتها لَهُ لكَونه قربَة وَشرط فِي الصِّيغَة إِيجَاب بِلَفْظ يشْعر بالإيصاء وَفِي مَعْنَاهُ مَا مر فِي الضَّمَان كأوصيت إِلَيْك أَو فوضت إِلَيْك أَو جعلتك وَصِيّا وَلَو كَانَ الْإِيجَاب مؤقتا ومعلقا كأوصيت إِلَيْك إِلَى بُلُوغ ابْني أَو قدوم زيد فَإِذا بلغ أَو قدم فَهُوَ الْوَصِيّ لِأَنَّهُ يحْتَمل الجهالات والأخطار وَقبُول كوكالة فيكتفي بِالْعَمَلِ وَيكون الْقبُول بعد الْمَوْت مَتى شَاءَ كَمَا فِي الْوَصِيَّة بِمَال مَعَ بَيَان مَا يُوصي فِيهِ فَلَو اقْتصر على أوصيت إِلَيْك مثلا لَغَا
تَتِمَّة يسن إيصاء بِأَمْر نَحْو طِفْل كمجنون وبقضاء حق إِن لم يعجز عَنهُ حَالا أَو عجز وَبِه شُهُود وَلَا يَصح الْإِيصَاء على نَحْو طِفْل وَالْجد بِصفة الْولَايَة عَلَيْهِ لِأَن ولَايَته ثَابِتَة شرعا وَلَو أوصى اثْنَيْنِ وقبلا لم ينْفَرد أَحدهمَا بِالتَّصَرُّفِ إِلَّا بِإِذْنِهِ لَهُ بالانفراد عملا بِالْإِذْنِ نعم لَهُ الِانْفِرَاد برد الْحُقُوق وتنفيذ وَصِيَّة مُعينَة وَقَضَاء دين فِي التَّرِكَة جنسه وَإِن لم يَأْذَن لَهُ وَلكُل من الْمُوصي وَالْوَصِيّ رُجُوع عَن الْإِيصَاء مَتى شَاءَ لِأَنَّهُ عقد جَائِز إِلَّا أَن يتَعَيَّن الْوَصِيّ أَو يغلب على ظَنّه تلف المَال باستيلاء ظَالِم من قَاض أَو غَيره فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوع وَصدق بِيَمِينِهِ ولي وَصِيّا كَانَ أَو قيمًا أَو غَيره فِي إِنْفَاق على موليه لَائِق بِالْحَال لَا فِي دفع المَال إِلَيْهِ بعد كَمَاله فَلَا يصدق بل الْمُصدق موليه إِذْ لَا يعسر إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ بِخِلَاف الْإِنْفَاق وَلَو قَالَ أوصيت إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى زيد حمل ذكر الله على التَّبَرُّك وَلَو خَافَ الْوَصِيّ على المَال من اسْتِيلَاء ظَالِم فَلهُ تخليصه بِشَيْء مِنْهُ ﴿وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح﴾ قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَمن هَذَا لَو علم أَنه لَو لم يبْذل شَيْئا لقَاضِي سوء لانتزع مِنْهُ المَال وَسلمهُ لبَعض خونته وَأدّى ذَلِك إِلَى استئصاله وَيقرب من ذَلِك قَول ابْن عبد السَّلَام يجوز تغييب مَال الْيَتِيم أَو السَّفِيه أَو الْمَجْنُون لحفظه إِذا خيف عَلَيْهِ الْغَصْب كَمَا فِي قصَّة الْخضر عَلَيْهِ السَّلَام نفعنا الله ببركته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة آمين وانضم بَعْضهَا إِلَى بعض وَشرعا عقد يتَضَمَّن إِبَاحَة وَطْء بِلَفْظ إنكاح أَو تَزْوِيج أَو تَرْجَمته وَالْعرب تستعمله بِمَعْنى العقد وَالْوَطْء جَمِيعًا ولأصحابنا فِي مَوْضُوعه الشَّرْعِيّ ثَلَاثَة أوجه أَصَحهَا أَنه حَقِيقَة فِي العقد مجَاز فِي الْوَطْء كَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَالْأَخْبَار وَلَا يرد على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تنْكح زوجا غَيره﴾
لدينِهِ سَوَاء أَكَانَ مشتغلا بِالْعبَادَة أم لَا فَإِن فقد أهبته فَتَركه أولى وَكسر إرشادا توقانه بِصَوْم لخَبر يَا معشر الشَّبَاب من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج فَإِنَّهُ أَغضّ لِلْبَصَرِ وَأحْصن لِلْفَرجِ وَمن لم يسْتَطع فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاء أَي قَاطع لتوقانه والباءة بِالْمدِّ مُؤَن النِّكَاح فَإِن لم تنكسر بِالصَّوْمِ فَلَا يكسرهُ بالكافور وَنَحْوه بل يتَزَوَّج وَكره النِّكَاح لغير التائق لَهُ لعِلَّة أَو غَيرهَا إِن فقد أهبته أَو وجدهَا وَكَانَ بِهِ عِلّة كهرم وتعنين لانْتِفَاء حَاجته مَعَ الْتِزَام فَاقِد الأهبة مَا لَا يقدر عَلَيْهِ وخطر الْقيام بواجبه فِيمَا عداهُ وَإِن وجدهَا وَلَا عِلّة بِهِ فتخل لعبادة أفضل من النِّكَاح إِن كَانَ متعبدا اهتماما بهَا فَإِن لم يتعبد فَالنِّكَاح أفضل من تَركه لِئَلَّا تُفْضِي بِهِ البطالة إِلَى الْفَوَاحِش وَيسْتَثْنى من إِطْلَاق المُصَنّف مَا لَو كَانَ فِي دَار الْحَرْب فَإِنَّهُ لَا يسْتَحبّ لَهُ النِّكَاح وَإِن اجْتمعت فِيهِ الشُّرُوط كَمَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَعلله بالخوف على وَلَده من الْكفْر والاسترقاق تَنْبِيه نَص فِي الْأُم وَغَيرهَا على أَن الْمَرْأَة التائقة يسن لَهَا النِّكَاح وَفِي مَعْنَاهَا المحتاجة إِلَى النَّفَقَة والخائفة من اقتحام الفجرة وَيُوَافِقهُ مَا فِي التَّنْبِيه من أَن من جَازَ لَهَا النِّكَاح إِن كَانَت محتاجة إِلَيْهِ اسْتحبَّ لَهَا النِّكَاح وَإِلَّا كره فَمَا قيل إِنَّه يسْتَحبّ لَهَا ذَلِك مُطلقًا مَرْدُود وَيسن أَن يتَزَوَّج بكرا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر رَضِي الله عَنهُ هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك إِلَّا لعذر كضعف آلَته عَن الافتضاض أَو احْتِيَاجه لمن يقوم على عِيَاله دينة لَا فاسقة جميلَة لوُرُود خبر الصَّحِيحَيْنِ تنْكح الْمَرْأَة لأَرْبَع لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بِذَات الدّين تربت يداك أَي افْتَقَرت إِن لم تفعل واستغنيت إِن فعلت وَخبر تزوجوا الْوَلُود الْوَدُود فَإِنِّي مُكَاثِر بكم الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة وَيعرف كَون الْبكر ولودا بأقاربها نسيبة أَي طيبَة الأَصْل لخَبر تخَيرُوا لنُطَفِكُمْ غير ذَات قرَابَة قريبَة بِأَن تكون أَجْنَبِيَّة أَو ذَات قرَابَة بعيدَة لضعف الشَّهْوَة فِي الْقَرِيبَة فَيَجِيء الْوَلَد نحيفا (وَيجوز للْحرّ أَن يجمع) فِي نِكَاح (بَين أَربع حرائر) فَقَط لقَوْله تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لغيلان وَقد أسلم وَتَحْته عشر نسْوَة أمسك أَرْبعا وَفَارق سائرهن وَإِذا امْتنع فِي الدَّوَام فَفِي الِابْتِدَاء أولى فَائِدَة ذكر ابْن عبد السَّلَام أَنه كَانَ فِي شَرِيعَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام الْجَوَاز من غير حصر تَغْلِيبًا لمصْلحَة الرِّجَال وَفِي شَرِيعَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَا يجوز غير وَاحِدَة تَغْلِيبًا لمصْلحَة النِّسَاء وراعت شَرِيعَة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ مصلحَة النَّوْعَيْنِ قَالَ ابْن النَّقِيب وَالْحكمَة فِي تَخْصِيص الْحر بالأربع أَن الْمَقْصُود من النِّكَاح الألفة والمؤانسة وَذَلِكَ يفوت مَعَ الزِّيَادَة على الْأَرْبَع وَلِأَنَّهُ بالقسم يغيب عَن كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ ثَلَاث لَيَال وَهِي مُدَّة قريبَة اه وَقد تتَعَيَّن الْوَاحِدَة للْحرّ وَذَلِكَ فِي كل نِكَاح توقف على الْحَاجة كالسفيه وَالْمَجْنُون وَقَالَ بعض الْخَوَارِج الْآيَة تدل على جَوَاز تسع مثنى بِاثْنَيْنِ وَثَلَاث بِثَلَاث وَربَاع بِأَرْبَع ومجموع ذَلِك تسع وَبَعض مِنْهُم قَالَ تدل على ثَمَانِيَة عشرَة مثنى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاث ثَلَاثَة ثَلَاثَة وَربَاع أَرْبَعَة أَرْبَعَة ومجموع ذَلِك مَا ذكر وَهَذَا خرق للْإِجْمَاع الْيَمين من غير حصر سَوَاء أكن مَعَ الْحَرَائِر أَو منفردات وَهُوَ كَذَلِك لإِطْلَاق قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾
تَنْبِيه اسْتُفِيدَ من تَقْيِيد المُصَنّف بالحرائر جَوَاز الْجمع بَين الْإِمَاء بِملك (و) يجوز (للْعَبد أَن يجمع بَين اثْنَتَيْنِ) فَقَط لِأَن الحكم بن عتيبة نقل إِجْمَاع الصَّحَابَة فِيهِ وَلِأَنَّهُ على النّصْف من الْحر وَلِأَن النِّكَاح من بَاب الْفَضَائِل فَلم يلْحق العَبْد فِيهِ بِالْحرِّ كَمَا لم يلْحق الْحر بِمنْصب النُّبُوَّة فِي الزِّيَادَة على الْأَرْبَع والمبعض كالقن كَمَا صرح بِهِ أَبُو حَامِد وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيرهمَا فَلَو نكح الْحر خمْسا مثلا بِعقد وَاحِد أَو العَبْد ثَلَاثًا كَذَلِك بطلن إِذْ لَيْسَ إبِْطَال نِكَاح وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِأولى من الْأُخْرَى فَبَطل الْجَمِيع كَمَا لَو جمع بَين أُخْتَيْنِ أَو مُرَتبا فالخامسة للْحرّ وَالثَّالِثَة للْعَبد يبطل نِكَاحهَا لِأَن الزِّيَادَة على الْعدَد الشَّرْعِيّ حصل بهَا (وَلَا ينْكح الْحر أمة) لغيره (إِلَّا بِشَرْطَيْنِ) بل بِثَلَاثَة وَإِن عَم الثَّالِث الْحر وَغَيره واختص بِالْمُسلمِ أول الثَّلَاثَة (عدم) قدرته على (صدَاق الْحرَّة) وَلَو كِتَابِيَّة تصلح تِلْكَ الْحرَّة للاستمتاع بهَا أَو قدر على صَدَاقهَا وَلم يجدهَا أَو وجدهَا وَلم ترض إِلَّا بِزِيَادَة على مهر مثلهَا أَو لم ترض بنكاحه لقُصُور نسبه وَنَحْوه أَو كَانَ تَحْتَهُ من لَا تصلح للاستمتاع كصغيرة لَا تحْتَمل الْوَطْء أَو رتقاء أَو قرناء أَو هرمة أَو نَحْو ذَلِك فَلَو قدر على حرَّة غَائِبَة عَن بَلَده حلت لَهُ الْأمة إِن لحقه مشقة ظَاهِرَة فِي قَصدهَا وَضبط الإِمَام الْمَشَقَّة بِأَن ينْسب محتملها فِي طلب الزَّوْجَة إِلَى الْإِسْرَاف ومجاوزة الْحَد أَو خَافَ زنا مُدَّة قصد الْحرَّة وَإِلَّا فَلَا تحل لَهُ الْأمة وَيجب السّفر للْحرَّة لَكِن مَحَله كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ إِذا أمكن انتقالها مَعَه إِلَى وَطنه وَإِلَّا فَهِيَ كالمعدومة لما فِي تَكْلِيفه الْمقَام مَعهَا هُنَاكَ من التَّغْرِيب والرخص لَا تحْتَمل هَذَا التَّضْيِيق وَلَا يمْنَع مَاله الْغَائِب نِكَاح الْأمة وَلَو قدر على حرَّة بِبيع مَسْكَنه حلت لَهُ الْأمة وَلَو وجد حرَّة ترْضى بمؤجل وَلم يجد الْمهْر أَو ترْضى بِدُونِ مهر الْمثل وَهُوَ واجده حلت لَهُ الْأمة فِي الصُّورَة الأولى لِأَن ذمَّته تصير مَشْغُولَة فِي الْحَال وَقد لَا يجده عِنْد حُلُول الْأَجَل دون الصُّورَة الثَّانِيَة لقدرته على نِكَاح حرَّة والْمنَّة فِي ذَلِك قَليلَة إِذْ الْعَادة الْمُسَامحَة فِي المهور وَلَو رضيت حرَّة بِلَا مهر حلت لَهُ الْأمة أَيْضا لوُجُوب مهرهَا بِالْوَطْءِ (و) ثَانِي الشُّرُوط (خوف الْعَنَت) وَهُوَ الْوُقُوع فِي الزِّنَا بِأَن تغلب شَهْوَته وتضعف تقواه وَإِن لم يغلب على ظَنّه وُقُوع الزِّنَا بل توقعه لَا على ندور فَمن ضعفت شَهْوَته وَله تقوى أَو مُرُوءَة أَو حَيَاء يستقبح مَعَه الزِّنَا وقويت شَهْوَته وتقواه لم تحل لَهُ الْأمة لِأَنَّهُ لَا يخَاف الزِّنَا فَلَا يجوز لَهُ أَن يرق وَلَده لفضاء وطر أَو كسر شَهْوَة وأصل الْعَنَت الْمَشَقَّة سمي بِهِ الزِّنَا لِأَنَّهُ سَببهَا بِالْحَدِّ فِي الدُّنْيَا والعقوبة فِي الْآخِرَة وَالْأَصْل فِيمَا ذكر قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾
إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت مِنْكُم﴾ والطول السعَة وَالْمرَاد بالمحصنات الْحَرَائِر قَالَ الرَّوْيَانِيّ وبالعنت عُمُومه لَا خصوصه حَتَّى لَو خَافَ الْعَنَت من أمة بِعَينهَا لقُوَّة ميله إِلَيْهَا وحبه لَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا إِذا كَانَ واجدا للطول لِأَن الْعِشْق لَا معنى لاعتباره هُنَا لِأَن هَذَا تهييج من البطالة وإطالة الْفِكر وَكم من إِنْسَان ابتلى بِهِ وَسَلاهُ اه وَالْوَجْه ترك التَّقْيِيد بِوُجُود الطول لِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَاز نِكَاحهَا عِنْد فقد الطول فَيفوت اعْتِبَار عُمُوم الْعَنَت مَعَ أَن وجود الطول كَاف فِي الْمَنْع من نِكَاحهَا وَبِهَذَا الشَّرْط علم أَن الْحر لَا ينْكح أمتين وَأَن الْمَمْسُوح والمجبوب ذكره لَا يحل لَهُ نِكَاح الْأمة مُطلقًا وَهُوَ كَذَلِك إِذْ لَا يتَصَوَّر مِنْهُ الزِّنَا وَلَو وجدت الْأمة زَوجهَا مجبوبا وأرادت إبِْطَال النِّكَاح وَادّعى الزَّوْج حُدُوث الْجب بعد النِّكَاح وَأمكن حكم بِصِحَّة نِكَاحه فَإِن لم يُمكن حُدُوثه بِأَن كَانَ الْموضع مندملا وَقد عقد النِّكَاح أمس حكم بِبُطْلَان النِّكَاح وَالشّرط الثَّالِث إسْلَامهَا لمُسلم حر أَو غَيره كَمَا مر فَلَا تحل لَهُ كِتَابِيَّة أما الْحر فَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ وَأما غير الْحر فَلِأَن الْمَانِع من نِكَاحهَا كفرها فساوى الْحر كالمرتدة والمجوسية وَمن بَعْضهَا رَقِيق وباقيها حر حكمهَا كرقيق كلهَا فَلَا ينْكِحهَا الْحر إِلَّا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَة لِأَن إرقاق بعض الْوَلَد مَحْذُور وَفِي جَوَاز نِكَاح أمة مَعَ تيَسّر مبعضة تردد للْإِمَام لِأَن إرقاق بعض الْوَلَد أَهْون من إرقاق كُله وعَلى تَعْلِيل الْمَنْع اقْتصر الشَّيْخَانِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَهُوَ الْمُرَجح أما غير الْمُسلم من حر وَغَيره ككتابيين فَتحل لَهُ أمة كِتَابِيَّة لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدّين وَلَا بُد فِي نِكَاح الْحر الْكِتَابِيّ الْأمة الْكِتَابِيَّة من أَن يخَاف الزِّنَا ويفقد الْحرَّة كَمَا فهمه السُّبْكِيّ من كَلَامهم وَاعْلَم أَنه لَا يحل للْحرّ مُطلقًا نِكَاح أمة وَلَده وَلَا أمة مُكَاتبَة وَلَا أمة مَوْقُوفَة عَلَيْهِ وَلَا موصى لَهُ بخدمتها القَوْل فِي أَنْوَاع النّظر إِلَى الْمَرْأَة (وَنظر الرجل) الْفَحْل الْبَالِغ الْعَاقِل (إِلَى الْمَرْأَة) وَلَو غير مشتهاة (على سَبْعَة أضْرب) بِتَقْدِيم السِّين على الْمُوَحدَة فَخرج بِقَيْد الرجل وَالْمَرْأَة وَسَيَأْتِي حكم نظرها لمثلهَا لَكِن عِبَارَته توهم خُرُوج الْخُنْثَى الْمُشكل وَالصَّحِيح أَن حكمه فِي النّظر حكم الرجل وبقيد الْفَحْل الْمَمْسُوح فنظره للأجنبية جَائِز على الْأَصَح كنظر الْفَحْل إِلَى مَحَارمه تَنْبِيه شَمل قَول المُصَنّف الرجل الْفَحْل الْخصي وَهُوَ من قلعت أنثياه وَبَقِي ذكره والمجبوب بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ من قطع ذكره وَبَقِي أنثياه والعنين وَالشَّيْخ الْهَرم والمخنث وَهُوَ بِكَسْر النُّون على الْأَفْصَح المتشبه بِالنسَاء وبقيد الْبَالِغ الصَّبِي وَلَو مُمَيّزا لَكِن الْمُرَاهق هُنَا كَالْبَالِغِ على الْأَصَح وبقيد الْعَاقِل الْمَجْنُون فنظره لَا يُوصف بِتَحْرِيم كالبهيمة (أَحدهَا نظره) أَي الرجل (إِلَى) بدن امْرَأَة (أَجْنَبِيَّة) غير الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وَلَو غير مشتهاة قصدا (لغير حَاجَة) مِمَّا سَيَأْتِي (فَغير جَائِز) قطعا وَإِن إِلَى الاختلاء بهَا لجماع أَو مقدماته بِالْإِجْمَاع كَمَا قَالَه الإِمَام وَلَو نظر إِلَيْهِمَا بِشَهْوَة وَهِي قصد التَّلَذُّذ بِالنّظرِ الْمُجَرّد وَأمن الْفِتْنَة حرم قطعا وَكَذَا يحرم النّظر إِلَيْهِمَا عِنْد الْأَمْن من الْفِتْنَة فِيمَا يظْهر لَهُ من نَفسه من غير شَهْوَة على الصَّحِيح كَمَا فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ وَوَجهه الإِمَام بِاتِّفَاق الْمُسلمين على منع النِّسَاء من الْخُرُوج سافرات الْوُجُوه وَبِأَن النّظر مَظَنَّة الْفِتْنَة ومحرك للشهوة وَقد قَالَ تَعَالَى قل أَمن الْفِتْنَة وَأما نظره
إِلَى الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَحَرَام عِنْد خوف فتْنَة تَدْعُو ﴿للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ واللائق بمحاسن الشَّرِيعَة سد الْبَاب والإعراض عَن تفاصيل الْأَحْوَال كالخلوة بالأجنبية وَقيل لَا يحرم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ وَهُوَ مُفَسّر بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَنسبه الإِمَام لِلْجُمْهُورِ والشيخان للأكثرين وَقَالَ فِي الْمُهِمَّات إِنَّه الصَّوَاب لكَون الْأَكْثَرين عَلَيْهِ وَقَالَ البُلْقِينِيّ التَّرْجِيح بِقُوَّة الْمدْرك وَالْفَتْوَى على مَا فِي الْمِنْهَاج اه وَكَلَام المُصَنّف شَامِل لذَلِك وَهُوَ الْمُعْتَمد وَخرج بِقَيْد الْقَصْد مَا إِذا حصل النّظر اتِّفَاقًا فَلَا إِثْم فِيهِ (و) الضَّرْب (الثَّانِي نظره) أَي الرجل (إِلَى) بدن (زَوجته و) إِلَى بدن (أمته) الَّتِي يحل لَهُ الِاسْتِمْتَاع بهَا (فَيجوز) حِينَئِذٍ (أَن ينظر إِلَى) كل بدنهما حَال حياتهما لِأَنَّهُ مَحل استمتاعه (مَا عدا الْفرج) الْمُبَاح مِنْهُمَا فَلَا يجوز جَوَازًا مستوي الطَّرفَيْنِ فَيكْرَه النّظر إِلَيْهِ بِلَا حَاجَة وَإِلَى بَاطِنه أَشد كَرَاهَة قَالَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا مَا رَأَيْت مِنْهُ وَلَا رأى مني أَي الْفرج وَأما خبر النّظر إِلَى الْفرج يُورث الطمس أَي الْعَمى كَمَا ورد كَذَلِك فَرَوَاهُ ابْن حبَان وَغَيره فِي الضُّعَفَاء بل ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات وَقَالَ ابْن عدي حَدِيث مُنكر حَكَاهُ عَنهُ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه الْمُسَمّى بِالنّظرِ فِي أَحْكَام النّظر وَخَالف ابْن الصّلاح وَحسن إِسْنَاده وَقَالَ أَخطَأ من ذكره فِي الموضوعات وَمَعَ ذَلِك هُوَ مَحْمُول على الْكَرَاهَة كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَإِن كَانَ كَلَام المُصَنّف يُوهم الْحُرْمَة وَاخْتلفُوا فِي قَوْله يُورث الْعَمى فَقيل فِي النَّاظر وَقيل فِي الْوَلَد وَقيل فِي الْقلب وَنظر الزَّوْجَة إِلَى زَوجهَا كنظره إِلَيْهَا تَنْبِيه شَمل كلا مِنْهُم الدبر وَقَول الإِمَام والتلذذ بالدبر بِلَا إيلاج جَائِز صَرِيح فِيهِ وَهُوَ الْمُعْتَمد وَإِن خَالف فِي ذَلِك الدَّارمِيّ وَقَالَ بِحرْمَة النّظر إِلَيْهِ ويستثني زَوجته الْمُعْتَدَّة عَن وَطْء الْغَيْر بِشُبْهَة فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ نظر مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَيحل مَا سواهُ على الصَّحِيح وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ وَلَا يجوز للْمَرْأَة أَن تنظر إِلَى عَورَة زَوجهَا إِذا منعهَا مِنْهُ بِخِلَاف الْعَكْس لِأَنَّهُ يملك التَّمَتُّع بهَا
بِخِلَاف الْعَكْس اه وَهُوَ ظَاهر وَإِن توقف فِيهِ بَعضهم وَخرج بِقَيْد الْحَيَاة مَا بعد الْمَوْت فَيصير الزَّوْج فِي النّظر حِينَئِذٍ كالمحرم كَمَا قَالَه فِي الْمَجْمُوع وَمُقْتَضى التَّشْبِيه بالمحرم أَنه يحرم النّظر إِلَيْهِ بِشَهْوَة فِي غير مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَإِلَى مَا بَينهمَا بِغَيْر شَهْوَة وَمثل الزَّوْج السَّيِّد فِي أمته الَّتِي يحل لَهُ الِاسْتِمْتَاع بهَا أما الَّتِي لَا يحل لَهُ فِيهَا ذَلِك بِكِتَابَة أَو تَزْوِيج أَو شركَة أَو كفر كتوثن وردة وعدة من غَيره وَنسب ورضاع ومصاهرة وَنَحْو ذَلِك فَيحرم عَلَيْهِ نظره مِنْهَا إِلَى مَا بَين سرة وركبة دون مَا زَاد أما الْمُحرمَة بِعَارِض قريب الزَّوَال كحيض وَرهن فَلَا يحرم نظره إِلَيْهَا (و) الضَّرْب (الثَّالِث نظره إِلَى ذَوَات مَحَارمه) من نسب أَو رضَاع أَو مصاهرة (أَو) إِلَى (أمته الْمُزَوجَة) وَمثلهَا الَّتِي يحرم الِاسْتِمْتَاع بهَا كالمكاتبة والمعتدة والمشتركة والمرتدة والمجوسية والوثنية فَيجوز بِغَيْر شَهْوَة فِيمَا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة مِنْهُنَّ لِأَن الْمَحْرَمِيَّة معنى يُوجب حُرْمَة المناكحة فَكَانَا كالرجلين والمرأتين وَالْمَانِع الْمَذْكُور فِي الْأمة صيرها كالمحرم أما مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة فَيحرم نظره فِي الْمحرم إِجْمَاعًا وَمثل الْمحرم الْأمة الْمَذْكُورَة وَأما النّظر إِلَى السُّرَّة وَالركبَة فَيجوز لِأَنَّهُمَا ليسَا بِعَوْرَة بِالنِّسْبَةِ لنظر الْمحرم وَالسَّيِّد فَهَذِهِ الْعبارَة أولى من عبارَة ابْن الْمقري تبعا لغيره بِمَا فَوق السُّرَّة وَتَحْت الرّكْبَة وَخرج بِقَيْد عدم الشَّهْوَة النّظر بهَا فَيحرم مُطلقًا فِي كل مَا لَا يُبَاح لَهُ الِاسْتِمْتَاع بِهِ وَلَكِن النّظر فِي الْخطْبَة يجوز وَلَو بِشَهْوَة كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْله (و) الضَّرْب (الرَّابِع النّظر) الْمسنون (لأجل النِّكَاح فَيجوز) بل يسن إِذا قصد نِكَاحهَا ورجاه رَجَاء ظَاهرا أَنه يُجَاب إِلَى خطبَته كَمَا قَالَه ابْن عبد السَّلَام لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للْمُغِيرَة بن شُعْبَة وَقد خطب امْرَأَة انْظُر إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا الْمَوَدَّة والألفة وَمعنى يُؤْدم أَي يَدُوم قدمت الْوَاو على الدَّال وَقيل من الإدام مَأْخُوذ من إدام الطَّعَام لِأَنَّهُ يطيب بِهِ حكى الأول الْمَاوَرْدِيّ عَن الْمُحدثين وَالثَّانِي عَن أهل اللُّغَة وَوقت النّظر قبل الْخطْبَة وَبعد الْعَزْم على النِّكَاح لِأَنَّهُ قبل الْعَزْم لَا حَاجَة إِلَيْهِ وَبعد الْخطْبَة قد يُفْضِي الْحَال إِلَى التّرْك فَيشق عَلَيْهَا وَلَا يتَوَقَّف النّظر على إِذْنهَا وَلَا إِذن وَليهَا اكْتِفَاء بِإِذن الشَّارِع وَلِئَلَّا تتزين فَيفوت غَرَضه وَله تَكْرِير نظره إِن احْتَاجَ إِلَيْهِ ليتبين هيئتها فَلَا ينْدَم بعد النِّكَاح وَالضَّابِط فِي ذَلِك الْحَاجة وَلَا يتَقَيَّد بِثَلَاث مَرَّات وَسَوَاء أَكَانَ بِشَهْوَة أم بغَيْرهَا كَمَا قَالَه الإِمَام وَالرُّويَانِيّ وَإِن قَالَ الْأَذْرَعِيّ فِي نظره بِشَهْوَة نظر وَينظر فِي الْحرَّة (إِلَى) جَمِيع (الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ) ظهرا وبطنا لِأَنَّهُمَا مَوَاضِع مَا يظْهر من الزِّينَة الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ وَلَا يجوز أَن ينظر إِلَى غير ذَلِك وَالْحكمَة فِي الِاقْتِصَار عَلَيْهِ أَن فِي الْوَجْه مَا يسْتَدلّ بِهِ
على الْجمال وَفِي الْيَدَيْنِ مَا يسْتَدلّ بِهِ على خصب الْبدن أما الْأمة وَلَو مبعضة فَينْظر مِنْهَا مَا عدا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة كَمَا صرح بِهِ ابْن الرّفْعَة وَقَالَ إِنَّه مَفْهُوم كَلَامهم فَإِن لم يَتَيَسَّر نظره إِلَيْهَا أَو لم يردهُ بعث امْرَأَة أَو نَحْوهَا تتأملها وتصفها لَهُ وَيجوز للمبعوث أَن يصف للباعث زَائِدا على مَا ينظره فيستفيد بِالْبَعْثِ مَا لَا يستفيده بنظره وَيسن للْمَرْأَة أَيْضا أَن تنظر من الرجل غير عَوْرَته إِذا أَرَادَت تزَوجه فَإِنَّهَا يعجبها مِنْهُ مَا يُعجبهُ مِنْهَا وتستوصف كَمَا مر فِي الرجل تَنْبِيه قد علم مِمَّا تقرر أَن كلا من الزَّوْجَيْنِ ينظر من الآخر مَا عدا عَورَة الصَّلَاة وَخرج بِالنّظرِ الْمس فَلَا يجوز إِذْ لَا حَاجَة إِلَيْهِ (و) الضَّرْب (الْخَامِس النّظر للمداواة) كفصد وحجامة وعلاج وَلَو فِي فرج (فَيجوز إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا فَقَط) لِأَن فِي التَّحْرِيم حِينَئِذٍ حرجا فللرجل مداواة الْمَرْأَة وَعَكسه وَليكن ذَلِك بِحَضْرَة محرم أَو زوج أَو امْرَأَة ثِقَة إِن جَوَّزنَا خلْوَة أَجْنَبِي بامرأتين وَهُوَ الرَّاجِح وَيشْتَرط عدم امْرَأَة يُمكنهَا تعَاطِي ذَلِك من امْرَأَة وَعَكسه كَمَا صَححهُ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَأَن لَا يكون ذِمِّيا مَعَ وجود مُسلم وَفِيه كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ أَن لَا تكون كَافِرَة أَجْنَبِيَّة مَعَ وجود مسلمة على الْأَصَح وَلَو لم نجد لعلاج الْمَرْأَة إِلَّا كَفَّارَة وَمُسلمًا فَالظَّاهِر أَن الْكَافِرَة تقدم لِأَن نظرها ومسها أخف من الرجل بل الْأَشْبَه عِنْد الشَّيْخَيْنِ أَنَّهَا تنظر مِنْهَا مَا يَبْدُو عِنْد المهنة بِخِلَاف الرجل وَقيد فِي الْكَافِي الطَّبِيب بالأمين فَلَا يعدل إِلَى غَيره مَعَ وجوده وَشرط الْمَاوَرْدِيّ أَن يَأْمَن الافتتان وَلَا يكْشف إِلَّا قدر الْحَاجة وَفِي معنى مَا ذكر نظر الخاتن إِلَى فرج من يختنه وَنظر الْقَابِلَة إِلَى فرج الَّتِي تولدها وَيعْتَبر فِي النّظر إِلَى الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ مُطلق الْحَاجة وَفِي غَيرهمَا مَا عدا السوأتين تأكدها بِأَن يكون مِمَّا يُبِيح التَّيَمُّم كشدة الضنا وَفِي السوأتين مزِيد تأكيدها بِأَن لَا يعد الْكَشْف بِسَبَبِهَا هتكا للمروءة (و) الضَّرْب (السَّادِس النّظر للشَّهَادَة) تحملا وَأَدَاء أَو للمعاملة من بيع وَغَيره (فَيجوز) حَتَّى يجوز فِي الشَّهَادَة النّظر إِلَى الْفرج للشَّهَادَة على الزِّنَا والولادة وَإِلَى الثدي للشَّهَادَة على الرَّضَاع وَإِذا نظر إِلَيْهَا وَتحمل الشَّهَادَة عَلَيْهَا كلفت الْكَشْف عَن وَجههَا عِنْد الْأَدَاء إِن لم يعرفهَا فِي نقابها فَإِن عرفهَا لم يفْتَقر إِلَى الْكَشْف بل يحرم النّظر حِينَئِذٍ وَيجوز النّظر إِلَى عانة ولد الْكَافِر لينْظر هَل نَبتَت أَو لَا وَيجوز للنسوة أَن ينظرن إِلَى ذكر الرجل إِذا ادَّعَت الْمَرْأَة عبالته وامتنعت من التَّمْكِين تَنْبِيه هَذَا كُله إِذا لم يخف فتْنَة فَإِن خافها لم ينظر إِلَّا إِن تعين عَلَيْهِ فَينْظر ويضبط نَفسه وَأما فِي الْمُعَامَلَة فَينْظر إِلَى الْوَجْه فَقَط كَمَا جزم بِهِ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره (و) الضَّرْب (السَّابِع النّظر إِلَى) بدن (الْأمة عِنْد ابتياعها) أَي إِذا أَرَادَ أَن يَشْتَرِيهَا رجل أَو بدن عبد إِذا أَرَادَت أَن تشتريه
امْرَأَة (فَيجوز إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي يحْتَاج إِلَى تقليبها) فَينْظر الرجل إِذا اشْترى جَارِيَة أَو اشترت الْمَرْأَة عبدا مَا عدا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا يُزَاد على النظرة الْوَاحِدَة إِلَّا أَن يحْتَاج إِلَى ثَانِيَة للتحقق فَيجوز تَنْبِيه سكت المُصَنّف عَن النّظر إِلَى أَشْيَاء اختصارا مِنْهَا النّظر إِلَى التَّعْلِيم كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وَاخْتلف الشُّرَّاح فِي معنى ذَلِك فَقَالَ السُّبْكِيّ إِنَّمَا يظْهر فِيمَا يجب تعلمه وتعليمه كالفاتحة وَمَا يتَعَيَّن تَعْلِيمه من الصَّنَائِع الْمُحْتَاج إِلَيْهَا بِشَرْط التَّعَذُّر من وَرَاء حجاب وَأما غير ذَلِك فكلامهم يَقْتَضِي الْمَنْع وَمِنْهُم النَّوَوِيّ حَيْثُ قَالَ فِي الصَدَاق وَلَو أصدقهَا تَعْلِيم قُرْآن فَطلق قبله فَالْأَصَحّ تعذر تَعْلِيمه وَقَالَ الْجلَال الْمحلي وَهُوَ أَي التَّعْلِيم للأمرد خَاصَّة لما سَيَأْتِي وَيُشِير بذلك إِلَى مَسْأَلَة الصَدَاق وَالْمُعْتَمد أَنه يجوز النّظر للتعليم للأمرد وَغَيره وَاجِبا كَانَ أَو مَنْدُوبًا وَإِنَّمَا منع من تَعْلِيم الزَّوْجَة الْمُطلقَة لِأَن كلا من الزَّوْجَيْنِ تعلّقت آماله بِالْآخرِ فَصَارَ لكل مِنْهُمَا طمعة فِي الآخر فَمنع من ذَلِك وَمِنْهَا نظر الْمَرْأَة إِلَى محارمها وَحكمه كَعَكْسِهِ فتنظر مِنْهُ مَا عدا مَا بَين سرته وركبته وَمِنْهَا نظر الْمَرْأَة إِلَى بدن أَجْنَبِي وَالأَصَح أَنه كنظره إِلَيْهَا وَمِنْهَا نظر رجل إِلَى رجل فَيحل بِلَا شَهْوَة إِلَّا مَا بَين سرة وركبة فَيحرم وَمِنْهَا نظر الْأَمْرَد وَهُوَ الشَّاب الَّذِي لم تنْبت لحيته وَلَا يُقَال لمن أسن وَلَا شعر بِوَجْهِهِ أَمْرَد بل يُقَال لَهُ ثط بالثاء الْمُثَلَّثَة فَإِن كَانَ بِشَهْوَة فَهُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع وَلَا يخْتَص ذَلِك بالأمرد كَمَا مر بل النّظر إِلَى الملتحي وَالنِّسَاء الْمَحَارِم بِشَهْوَة حرَام قطعا وَضَابِط الشَّهْوَة فِيهِ كَمَا قَالَه فِي الْإِحْيَاء إِن كل من تأثر بِجَمَال صُورَة الْأَمْرَد بِحَيْثُ يظْهر من نَفسه الْفرق بَينه وَبَين الملتحي فَهُوَ لَا يحل لَهُ النّظر وَلَو انْتَفَت الشَّهْوَة وَخيف الْفِتْنَة حرم النّظر أَيْضا قَالَ ابْن الصّلاح وَلَيْسَ المعني بخوف الْفِتْنَة غَلَبَة الظَّن بوقوعها بل يَكْفِي أَن لَا يكون ذَلِك نَادرا وَأما نظره بِغَيْر شَهْوَة وَلَا خوف فتْنَة فَيحرم عِنْد النَّوَوِيّ أَيْضا وَالْأَكْثَرُونَ على خِلَافه وَمِنْهَا النّظر إِلَى الْأمة وَهِي الْحرَّة على الْأَصَح عِنْد الْمُحَقِّقين وَمِنْهَا نظر الْمَرْأَة إِلَى مثلهَا وَهُوَ كنظر رجل إِلَى رجل وَأما الْخُنْثَى الْمُشكل فيعامل بالأشد فَيجْعَل مَعَ النِّسَاء رجلا وَمَعَ الرِّجَال امْرَأَة إِذا كَانَ فِي سنّ يحرم فِيهِ نظر الْوَاضِح كَمَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي بَاب الْأَحْدَاث من الْمَجْمُوع وَلَا يجوز أَن يَخْلُو بِهِ أَجْنَبِي وَلَا أَجْنَبِيَّة وَلَو كَانَ مَمْلُوكا لامْرَأَة فَهُوَ مَعهَا كعبدها وَمِنْهَا نظر الْكَافِرَة إِلَى الْمسلمَة فَهُوَ حرَام فتحتجب الْمسلمَة عَنْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿أَو نسائهن﴾ فَلَو جَازَ لَهَا النّظر لم يبْق للتخصيص فَائِدَة وَصَحَّ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ منع الكتابيات دُخُول الْحمام مَعَ المسلمات هَذَا مَا فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ وَالْأَشْبَه كَمَا فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا أَنه يجوز أَن ترى مِنْهَا مَا يَبْدُو عِنْد المهنة وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر وَمحل ذَلِك فِي كَافِرَة غير محرم للمسلمة وَغير مَمْلُوكَة لَهَا أما هما فَيجوز
لَهما النّظر إِلَيْهَا كَمَا أفتى بِهِ النَّوَوِيّ فِي الْمَمْلُوكَة وبحثه الزَّرْكَشِيّ فِي الْمحرم وَهُوَ ظَاهر تَتِمَّة مَتى حرم النّظر حرم اللَّمْس لِأَنَّهُ أبلغ مِنْهُ فِي اللَّذَّة وإثارة الشَّهْوَة بِدَلِيل أَنه لَو مس فَأنْزل أفطر وَلَو نظر فَأنْزل لم يفْطر وكل مَا حرم نظره مُتَّصِلا حرم نظره مُنْفَصِلا كشعر عانة وَلَو من رجل وقلامة ظفر حرَّة وَلَو من يَديهَا وَيحرم اضطجاع رجلَيْنِ أَو امْرَأتَيْنِ فِي ثوب وَاحِد إِذا كَانَا عاريين وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا فِي جَانب من الْفراش لخَبر مُسلم لَا يفض الرجل إِلَى الرجل فِي الثَّوْب الْوَاحِد وَلَا الْمَرْأَة إِلَى الْمَرْأَة فِي الثَّوْب الْوَاحِد وَتسن مصافحة الرجلَيْن والمرأتين لخَبر مَا من مُسلمين يَلْتَقِيَانِ يتصافحان إِلَّا غفر لَهما قبل أَن يَتَفَرَّقَا وَتكره المعانقة والتقبيل فِي الرَّأْس إِلَّا لقادم من سفر أَو تبَاعد لِقَاء عرفا فَسنة لِلِاتِّبَاعِ وَيسن تَقْبِيل يَد الْحَيّ لصلاح وَنَحْوه من الْأُمُور الدِّينِيَّة كعلم وزهد وَيكرهُ ذَلِك لغنى أَو نَحوه من الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة كشوكة ووجاهة وَيسن الْقيام لأهل الْفضل إِكْرَاما لَا رِيَاء وتفخيما
فصل فِي أَرْكَان النِّكَاح
وَهِي خَمْسَة صِيغَة وَزَوْجَة وَزوج وَولي وهما العاقدان وشاهدان وعَلى الْأَخيرينِ وهما الْوَلِيّ والشاهدان اقْتصر المُصَنّف مُشِيرا إِلَيْهِمَا بقوله (وَلَا يَصح عقد النِّكَاح إِلَّا بولِي) أَو مأذونه أَو الْقَائِم مقَامه كالحاكم عِنْد فَقده أَو غيبته الشَّرْعِيَّة أَو عضلة أَو إِحْرَامه (و) حُضُور (شَاهِدي عدل) لخَبر ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل وَمَا كَانَ من نِكَاح على غير ذَلِك فَهُوَ بَاطِل فَإِن تشاحوا فالسلطان ولي من لَا ولي لَهُ وَالْمعْنَى فِي إِحْضَار الشَّاهِدين الِاحْتِيَاط للأبضاع وصيانة الْأَنْكِحَة عَن الْجُحُود وَيسن إِحْضَار جمع زِيَادَة على الشَّاهِدين من أهل الْخَيْر وَالدّين القَوْل فِي شُرُوط الْوَلِيّ والشاهدين (ويفتقر الْوَلِيّ والشاهدان) المعتبرون لصِحَّة النِّكَاح (إِلَى سِتَّة شَرَائِط) بل إِلَى أَكثر كَمَا سَيَأْتِي الأول (الْإِسْلَام) وَهُوَ فِي
ولي الْمسلمَة إِجْمَاعًا وَسَيَأْتِي أَن الْكَافِر يَلِي الْكَافِرَة وَأما الشَّاهِدَانِ فالإسلام شَرط فيهمَا سَوَاء أَكَانَت الْمَنْكُوحَة مسلمة أم ذِمِّيَّة إِذْ الْكَافِر لَيْسَ أَهلا للشَّهَادَة (و) الثَّانِي (الْبلُوغ و) الثَّالِث (الْعقل) فَلَا ولَايَة لصبي وَمَجْنُون لِأَنَّهُمَا ليسَا من أهل الشَّهَادَة (و) الرَّابِع (الْحُرِّيَّة) فَلَا ولَايَة لرقيق وَلَا يكون شَاهدا (و) الْخَامِس (الذُّكُورَة) فَلَا تملك الْمَرْأَة تَزْوِيج نَفسهَا بِحَال لَا بِإِذن وَلَا بِغَيْرِهِ سَوَاء الْإِيجَاب وَالْقَبُول إِذْ لَا يَلِيق بمحاسن الْعَادَات دُخُولهَا فِيهِ لما قصد مِنْهَا من الْحيَاء وَعدم ذكره أصلا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء﴾ وَلَا تَزْوِيج غَيرهَا بِولَايَة وَلَا وكَالَة لخَبر لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا الْمَرْأَة نَفسهَا نعم لَو ابتلينا وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى بإمامة امْرَأَة فَإِن أَحْكَامهَا تنفذ للضَّرُورَة كَمَا قَالَه ابْن عبد السَّلَام وَغَيره وَقِيَاسه تَصْحِيح تَزْوِيجهَا وَلَا يعْتَبر إِذن الْمَرْأَة فِي نِكَاح غَيرهَا إِلَّا فِي ملكهَا أَو فِي سَفِيه أَو مَجْنُون هِيَ وَصِيَّة عَلَيْهِ وَلَيْسَت الْمَرْأَة أَهلا للشَّهَادَة فَلَا ينْعَقد النِّكَاح بِشَهَادَة النِّسَاء وَلَا بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يثبت بقَوْلهمْ تَنْبِيه أفهم كَلَامه أَنه لَا ينْعَقد بخنثيين وَلَو بانا رجلَيْنِ لَكِن الْأَصَح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الصِّحَّة فَإِن قيل لَو عقد على خُنْثَى أَو لَهُ ثمَّ تبين كَونه أُنْثَى فِي الأول أَو ذكرا فِي الثَّانِي لَا يَصح أُجِيب بِأَن الْخُنْثَى أهل للشَّهَادَة فِي الْجُمْلَة فَإِن بَان رجلا اكتفينا بذلك فِي النِّكَاح بِخِلَاف العقد على الْخُنْثَى أَو لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَهلا لعقد النِّكَاح عَلَيْهِ وَلَا لَهُ فِي حَال من الْأَحْوَال (و) السَّادِس (الْعَدَالَة) وَهِي ملكة فِي النَّفس تمنع من اقتراف الذُّنُوب وَلَو صغائر الخسة والراذئل الْمُبَاحَة فَلَا ينْعَقد بولِي فَاسق غير الإِمَام الْأَعْظَم مجبرا كَانَ أم لَا فسق بِشرب الْخمر أم لَا أعلن بِفِسْقِهِ أم لَا لحَدِيث (لَا نِكَاح إِلَّا بولِي مرشد قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَالْمرَاد بالمرشد الْعدْل وَأفْتى الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ لَو كَانَ لَو سلب الْولَايَة لانتقلت إِلَى حَاكم فَاسق ولي وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ وَلَا سَبِيل إِلَى الْفَتْوَى بِغَيْرِهِ إِذْ الْفسق قد عَم الْبِلَاد والعباد وَالْأَوْجه إِطْلَاق الْمَتْن لِأَن الْحَاكِم يُزَوّج للضَّرُورَة وقضاؤه نَافِذ أَمَام الإِمَام الْأَعْظَم فَلَا يقْدَح فسقه لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِل بِهِ فيزوج بَنَاته وَبَنَات غَيره بِالْولَايَةِ الْعَامَّة تفخيما لشأنه فَعَلَيهِ إِنَّمَا يُزَوّج بَنَاته إِذا لم يكن لَهُنَّ ولي غَيره كبنات غَيره تَنْبِيه لَا يلْزم من أَن الْفَاسِق لَا يُزَوّج اشْتِرَاط أَن يكون الْوَلِيّ عدلا لِأَن بَينهمَا وَاسِطَة فَإِن الْعَدَالَة ملكة تمنع صَاحبهَا مِمَّا مر
وَالصَّبِيّ إِذا بلغ وَلم تصدر مِنْهُ كَبِيرَة وَلم تحصل لَهُ تِلْكَ الملكة لَا عدل وَلَا فَاسق وَقد نقل الإِمَام الْغَزالِيّ الِاتِّفَاق على أَن المستور يَلِي وَحَيْثُ منعنَا ولَايَة الْفَاسِق فَقَالَ الْبَغَوِيّ إِذا تَابَ زوج فِي الْحَال وَوَجهه بِأَن الشَّرْط فِي ولي النِّكَاح عدم الْفسق لَا قبُول الشَّهَادَة وَلَا ينْعَقد بِشَهَادَة فاسقين لِأَنَّهُ لَا يثبت بهما وَينْعَقد بمستوري الْعَدَالَة وهما المعروفان بهَا ظَاهرا لَا بَاطِنا بِأَن عرفت بالمخالطة دون التَّزْكِيَة عِنْد الْحَاكِم لِأَن الظَّاهِر من الْمُسلمين الْعَدَالَة وَلَا فرق بَين أَن يعْقد بهما الْحَاكِم أَو غَيره على الْمُعْتَمد لَا بمستوري الْإِسْلَام أَو الْحُرِّيَّة بِأَن يَكُونَا فِي مَوضِع يخْتَلط فِيهِ الْمُسلمُونَ بالكفار والأحرار بالأرقاء بل لَا بُد من معرفَة حَالهمَا بَاطِنا لسُهُولَة الْوُقُوف على ذَلِك بِخِلَاف الْعَدَالَة وَالْفِسْق هَل الْكَافِر يَلِي عقد موليته الْكَافِرَة ثمَّ شرع فِي كَون الْكَافِر الْأَصْلِيّ يَلِي الْكَافِرَة الْأَصْلِيَّة بقوله (إِلَّا أَنه لَا يفْتَقر نِكَاح الذِّمِّيَّة إِلَى إِسْلَام الْوَلِيّ) وَلَو كَانَت الذِّمِّيَّة عتيقة مُسلم وَإِن اخْتلف اعْتِقَاد الزَّوْجَة وَالْوَلِيّ فيزوج الْيَهُودِيّ نَصْرَانِيَّة وَالنَّصْرَانِيّ يَهُودِيَّة كَالْإِرْثِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ وَقَضِيَّة التَّشْبِيه بِالْإِرْثِ أَنه لَا ولَايَة لحربي على ذِمِّيَّة وَبِالْعَكْسِ وَأَن الْمُسْتَأْمن كالذمي وَهُوَ ظَاهر كَمَا صَححهُ البُلْقِينِيّ ومرتكب الْمحرم الْفسق فِي دينه من أَوْلِيَاء الْكَافِرَة كالفاسق عندنَا فَلَا يُزَوّج موليته بِخِلَاف مَا إِذا لم يرتكب ذَلِك وَإِن كَانَ مَسْتُورا فيزوجها كَمَا تقرر وَفرقُوا بَين ولَايَته وشهادته حَيْثُ لَا تقبل وَإِن لم يكن مرتكبا ذَلِك بِأَن الشَّهَادَة مَحْض ولَايَة على الْغَيْر فَلَا يؤهل لَهَا الْكَافِر وَالْوَلِيّ فِي التَّزْوِيج كَمَا يُرَاعِي حَظّ موليته يُرَاعِي حَظّ نَفسه أَيْضا فِي تحصينها وَدفع الْعَار عَن النّسَب تَنْبِيه ظَاهر كَلَامه أَنه لَا فرق بَين أَن يكون زوج الْكَافِرَة كَافِرًا أَو مُسلما وَهُوَ كَذَلِك لَكِن لَا يُزَوّج الْمُسلم قاضيهم بِخِلَاف الزَّوْج الْكَافِر لِأَن نِكَاح الْكَافِر مَحْكُوم بِصِحَّتِهِ وَإِن صدر من قاضيهم أما الْمُرْتَد فَلَا يَلِي مُطلقًا لَا على مسلمة وَلَا على مرتدة وَلَا على غَيرهمَا لانْقِطَاع الْمُوَالَاة بَينه وَبَين غَيره (وَلَا) يفْتَقر (نِكَاح الْأمة) من عبد أَو حر بِشَرْطِهِ (إِلَى عَدَالَة السَّيِّد) لِأَنَّهُ يُزَوّج بِالْملكِ لَا بِالْولَايَةِ لِأَنَّهُ يملك التَّمَتُّع بهَا فِي الْجُمْلَة وَالتَّصَرُّف فِيمَا يُمكن اسْتِيفَاؤهُ وَنَقله إِلَى الْغَيْر يكون بِحكم الْملك كاستيفاء سَائِر الْمَنَافِع ونقلها بِالْإِجَارَة فيزوج مُسلم وَلَو فَاسِقًا أَو مكَاتبا أمته الْكَافِرَة الْأَصْلِيَّة بِخِلَاف الْكَافِر لي لَهُ أَن يُزَوّج أمته لَيْسَ الْمسلمَة إِذْ لَا يملك التَّمَتُّع بهَا أصلا بل وَلَا سَائِر التَّصَرُّفَات فِيهَا سوى إِزَالَة الْملك عَنْهَا وكتابتها بِخِلَاف الْمُسلم فِي الْكَافِرَة وَإِذا ملك الْمبعض بِبَعْضِه الْحر أمة زَوجهَا كَمَا قَالَه الْبَغَوِيّ فِي تهذيبه وَإِن خَالف فِي فَتَاوِيهِ كَالْمكَاتبِ بل أولى لِأَن ملكه تَامّ وَلِهَذَا تجب عَلَيْهِ الزَّكَاة
تَنْبِيه مِمَّا تَركه المُصَنّف من شُرُوط الْوَلِيّ أَن لَا يكون مختل النّظر بهرم أَو خبل وَأَن لَا يكون مَحْجُورا عَلَيْهِ بِسَفَه وَمَتى كَانَ الْأَقْرَب بِبَعْض هَذِه الصِّفَات الْمَانِعَة للولاية فالولاية للأبعد وَأما الْإِغْمَاء فننتظر إِفَاقَته مِنْهُ وَلَا يقْدَح الْعَمى فِي ولَايَة التَّزْوِيج لحُصُول الْمَقْصُود بالبحث وَالسَّمَاع وإحرام أحد الْعَاقِدين إِن ولي وَلَو حَاكما أَو زوج أَو وَكيل عَن أَحدهمَا أَو الزَّوْجَة بنسك وَلَو فَاسِدا يمْنَع صِحَة النِّكَاح لحَدِيث الْمحرم ينْكح وَلَا ينْكح الْكَاف مَكْسُورَة فيهمَا وَالْيَاء مَفْتُوحَة فِي الأول مَضْمُومَة فِي الثَّانِي وَلَا ينْقل الْإِحْرَام الْولَايَة للأبعد فيزوج السُّلْطَان عِنْد إِحْرَام الْوَلِيّ الْأَقْرَب لَا الْأَبْعَد وَمِمَّا تَركه من شُرُوط الشَّاهِدين السّمع وَالْبَصَر والضبط وَلَو مَعَ النسْيَان عَن قرب وَمَعْرِفَة لِسَان الْمُتَعَاقدين وَكَونه غير مُتَعَيّن للولاية كأب وَأَخ مُنْفَرد وكل وَحضر مَعَ الآخر وَينْعَقد النِّكَاح بِابْني الزَّوْجَيْنِ وعدويهما لِأَنَّهُمَا من أهل الشَّهَادَة وَينْعَقد بهما النِّكَاح فِي الْجُمْلَة القَوْل فِي شُرُوط الصِّيغَة وَمِمَّا تَركه من الْأَركان الصِّيغَة وَشرط فِيهَا مَا شَرط فِي صِيغَة البيع وَقد مر بَيَانه وَمِنْه عدم التَّعْلِيق والتأقيت وَلَفظ مَا يشتق من تَزْوِيج أَو إنكاح وَلَو بعجمية يفهم مَعْنَاهَا العاقدان والشاهدان وَإِن أحسن العاقدان الْعَرَبيَّة اعْتِبَارا بِالْمَعْنَى فَلَا يَصح بِغَيْر ذَلِك كَلَفْظِ بيع وتمليك وَهبة لخَبر مُسلم اتَّقوا الله فِي النِّسَاء فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله وَصَحَّ النِّكَاح بِتَقْدِيم قبُول وبزوجني من قبُول الزَّوْج ويتزوجها من قبل الْوَلِيّ مَعَ قَول الآخر عقبه زَوجتك فِي الأول أَو تَزَوَّجتهَا فِي الثَّانِي لوُجُود الاستدعاء الْجَازِم الدَّال على الرِّضَا لَا بكناية فِي الصِّيغَة كأحللتك بِنْتي إِذْ لَا بُد فِي الْكِنَايَة من النِّيَّة وَالشُّهُود ركن فِي النِّكَاح كَمَا مر وَلَا اطلَاع لَهُم على النِّيَّة أما الْكِنَايَة فِي الْمَعْقُود عَلَيْهِ كَمَا لَو قَالَ زَوجتك بِنْتي فَقبل ونويا مُعينَة فَيصح النِّكَاح بهَا القَوْل فِي شُرُوط الزَّوْجَة وَمِمَّا تَركه من الْأَركان أَيْضا الزَّوْجَة وَشرط فِيهَا حل وَتَعْيِين وخلو من نِكَاح وعدة فَلَا يَصح نِكَاح مُحرمَة للْخَبَر السَّابِق وَلَا إِحْدَى امْرَأتَيْنِ للإبهام وَلَا مَنْكُوحَة وَلَا مُعْتَدَّة من غَيره لتَعلق حق الْغَيْر بهَا القَوْل فِي شُرُوط الزَّوْج وَمِمَّا تَركه من الْأَركان أَيْضا الزَّوْج وَشرط فِيهِ حل وَاخْتِيَار وَتَعْيِين وَعلم بِحل الْمَرْأَة لَهُ فَلَا يَصح نِكَاح محرم وَلَو بوكيل للْخَبَر السَّابِق وَلَا مكره وَغَيره معِين كَالْبيع وَلَا من جهل حلهَا لَهُ احْتِيَاطًا لعقد النِّكَاح
فصل فِي بَيَان أَوْلِيَاء
فِي بَيَان أَحْكَام الْأَوْلِيَاء ترتيبا وإجبارا أَو عَدمه وَفِي بعض أَحْكَام الْخطْبَة بِكَسْر الْمُعْجَمَة وَفِي بعض النّسخ ذكر هَذَا الْفَصْل وأسقطه فِي بَعْضهَا فَقَالَ (وَأولى الْوُلَاة) أَي من الْأَقَارِب فِي التَّزْوِيج (الْأَب) لِأَن سَائِر الْأَوْلِيَاء يدلون بِهِ كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ (ثمَّ الْجد أَبُو الْأَب) وَإِن علا لاخْتِصَاص كل مِنْهُم عَن سَائِر الْعَصَبَات بِالْولادَةِ مَعَ مشاركته فِي الْعُصُوبَة (ثمَّ الْأَخ للْأَب وَالأُم) لإدلائه بهما (ثمَّ الْأَخ للْأَب) لإدلائه بِهِ فَهُوَ أقرب من ابْن الْأَخ (ثمَّ ابْن الْأَخ للْأَب وَالأُم) وَإِن سفل (ثمَّ ابْن الْأَخ للْأَب) وَإِن سفل لِأَن ابْن الْأَخ أقرب من الْعم (ثمَّ الْعم) لِأَبَوَيْنِ ثمَّ الْعم لأَب (ثمَّ ابْنه) أَي الْعم لِأَبَوَيْنِ وَإِن سفل ثمَّ ابْن الْعم لأَب وَإِن سفل وَهَذَا معنى قَوْله (على هَذَا التَّرْتِيب) لزِيَادَة الْقرب والشفقة كَالْإِرْثِ وعَلى هَذَا لَو غَابَ الشَّقِيق لم يُزَوّج الَّذِي لأَب بل السُّلْطَان نعم لَو كَانَا ابْنا عَم أَحدهمَا لِأَبَوَيْنِ وَالْآخر لأَب لكنه أَخُوهَا من أمهَا فَالثَّانِي هُوَ الْوَلِيّ لِأَنَّهُ يُدْلِي بالجد وَالأُم وَالْأول يُدْلِي بالجد وَالْجدّة وَلَو كَانَا ابْنا عَم أَحدهمَا ابْنهَا وَالْآخر أَخُوهَا من الْأُم فالابن هُوَ الْمُقدم لِأَنَّهُ أقرب وَلَو كَانَ ابْنا عَم أَحدهمَا مُعتق قدم الْمُعْتق وَمِنْه يُؤْخَذ أَنه لَو كَانَ الْمُعْتق ابْن عَم لأَب وَالْآخر شقيقا قدم الشَّقِيق وَبِه صرح البُلْقِينِيّ تَنْبِيه ظَاهر كَلَام المُصَنّف تَسْمِيَة كل من غير الْأَب وَالْجد من الْأَخ وَالْعم وليا وَهُوَ كَذَلِك وَإِن توقف فِيهِ الإِمَام وَجعل الْولَايَة حَقِيقَة للْأَب وَالْجد فَقَط وَلَا يُزَوّج ابْن أمه ببنوة مَحْضَة خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة والمزني لِأَنَّهُ لَا مُشَاركَة بَينه وَبَينهَا فِي النّسَب إِذْ انتسابها إِلَى أَبِيهَا وانتساب الابْن إِلَى أَبِيه فَلَا يعتني بِدفع الْعَار عَن النّسَب فَإِن كَانَ ابْن عَم لَهَا أَو مُعتقة لَهَا أَو عاصب مُعتق لَهَا أَو قَاضِيا أَو وَكيلا عَن وَليهَا كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ زوج بِمَا ذكر فَلَا تضره الْبُنُوَّة لِأَنَّهَا غير مقتضية لَا مَانِعَة فَإِذا وجد مَعهَا سَبَب آخر يَقْتَضِي للولاية لم تَمنعهُ (فَإِذا عدمت الْعَصَبَات) من النّسَب (فالمولى) أَي السَّيِّد (الْمُعْتق) الرجل (ثمَّ عصباته) بِحَق الْوَلَاء سَوَاء كَانَ الْمُعْتق رجلا أَو امْرَأَة وَالتَّرْتِيب هُنَا كَالْإِرْثِ فِي ترتيبه فَيقدم بعد عصبَة الْمُعْتق مُعتق الْمُعْتق ثمَّ عصبته وَهَكَذَا لحَدِيث الْوَلَاء لحْمَة كلحمة
النّسَب وَلِأَن الْمُعتقَة أخرجهَا من الرّقّ إِلَى الْحُرِّيَّة فَأشبه الْأَب فِي إِخْرَاجه لَهَا من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود ويزوج عتيقة الْمَرْأَة إِذا فقد ولي العتيقة من النّسَب كل من يُزَوّج الْمُعتقَة مَا دَامَت حَيَّة بِالْولَايَةِ عَلَيْهِ تبعا للولاية على الْمُعتقَة فيزوجها الْأَب ثمَّ الْجد ثمَّ بَقِيَّة الْأَوْلِيَاء على مَا فِي ترتيبهم بِرِضا العتيقة وَيَكْفِي سكُوت الْبكر كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ فِي تكملته وَإِن خَالف فِي ديباجه وَلَا يعْتَبر إِذن الْمُعتقَة فِي ذَلِك فِي الْأَصَح لِأَنَّهُ لَا ولَايَة لَهَا وَلَا إِجْبَار فَلَا فَائِدَة لَهُ فَإِذا مَاتَت الْمُعتقَة زوج العتيقة من لَهُ الْوَلَاء على الْمُعتقَة من عصباتها فيزوجها ابْنهَا ثمَّ ابْنه ثمَّ أَبوهَا على تَرْتِيب عصبَة الْوَلَاء إِذْ تَبَعِيَّة الْولَايَة انْقَطَعت بِالْمَوْتِ القَوْل فِي تَزْوِيج الْحَاكِم (ثمَّ) إِن فقد الْمُعْتق وعصبته زوج (الْحَاكِم) الْمَرْأَة الَّتِي فِي مَحل ولَايَته لخَبر السُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ فَإِن لم تكن فِي مَحل ولَايَته فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجهَا وَإِن رضيت كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر الْقَضَاء على الْغَائِب وَكَذَا يُزَوّج الْحَاكِم إِذا عضل النسيب الْقَرِيب وَلَو مجبرا وَالْمُعتق وعصبته لِأَنَّهُ حق عَلَيْهِم فَإِذا امْتَنعُوا من وفائه وفاه الْحَاكِم وَلَا تنْتَقل الْولَايَة للأبعد إِذا كَانَ العضل دون ثَلَاث مَرَّات فَإِن كَانَ ثَلَاث مَرَّات زوج الْأَبْعَد بِنَاء على منع ولَايَة الْفَاسِق كَمَا قَالَه الشَّيْخَانِ وَهَذَا فِيمَن لم تغلب طاعاته على مَعَاصيه كَمَا ذَكرُوهُ فِي الشَّهَادَات وَكَذَا يُزَوّج عِنْد غيبَة الْوَلِيّ مَسَافَة الْقصر وإحرامه وإرادته تزوج موليته وَلَا مساوي لَهُ فِي الدرجَة والمجنونة الْبَالِغَة عِنْد فقد الْمُجبر وَقد جمع بَعضهم الْمَوَاضِع الَّتِي يُزَوّج فِيهَا الْحَاكِم فِي أَبْيَات فَقَالَ ويزوج الْحَاكِم فِي صور أَتَت منظومة تحكي عُقُود جَوَاهِر عدم الْوَالِي وفقده ونكاحه وكذاك غيبته مَسَافَة قَاصِر وكذاك إِغْمَاء وَحبس مَانع أمة لمحجور تواري الْقَادِر إِحْرَامه وتعزز مَعَ عضله إِسْلَام أم الْفَرْع وَهِي لكَافِر وأهمل النَّاظِم تَزْوِيج الْمَجْنُونَة الْبَالِغَة وَإِنَّمَا يحصل العضل من الْوَلِيّ إِذا دعت بَالِغَة عَاقِلَة رَشِيدَة كَانَت أَو سَفِيهَة إِلَى كُفْء وَامْتنع الْوَلِيّ من تَزْوِيجه وَلَو عينت كفأ وَأَرَادَ الْأَب أَو الْجد الْمُجبر كفأ غَيره فَلهُ ذَلِك فِي الْأَصَح لِأَنَّهُ أكمل نظرا مِنْهَا الْكَلَام على الْخطْبَة بِكَسْر الْخَاء ثمَّ شرع فِي بعض أَحْكَام الْخطْبَة وَهِي بِكَسْر الْخَاء التمَاس الْخَاطِب النِّكَاح من جِهَة المخطوبة بقوله (وَلَا يجوز أَن يُصَرح بِخطْبَة) امْرَأَة (مُعْتَدَّة) بَائِنا كَانَت أَو رَجْعِيَّة بِطَلَاق أَو فسخ أَو انْفِسَاخ أَو موت أَو مُعْتَدَّة عَن شُبْهَة لمَفْهُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا عرضتم بِهِ من خطْبَة النِّسَاء﴾ الْآيَة وَحكى ابْن عَطِيَّة الْإِجْمَاع على ذَلِك وَالتَّصْرِيح مَا يقطع بالرغبة فِي النِّكَاح كأريد أَن أنكحك وَإِذا انْقَضتْ عدتك نكحتك وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا صرح تحققت رغبته فِيهَا فَرُبمَا تكذب فِي انْقِضَاء الْعدة وَلَا يجوز تَعْرِيض لرجعية لِأَنَّهَا زَوْجَة أَو فِي معنى الزَّوْجَة وَلِأَنَّهَا مجفوة بِالطَّلَاق فقد تكذب انتقاما والتعريض يحْتَمل الرَّغْبَة فِي النِّكَاح وَعدمهَا كَقَوْلِه أَنْت جميلَة وَرب رَاغِب فِيك وَمن يجد مثله (وَيجوز أَن يعرض لَهَا) لغير الرَّجْعِيَّة (بنكاحها قبل انْقِضَاء الْعدة) سَوَاء كَانَت عدَّة وَفَاة أم بَائِن بِفَسْخ أَو ردة أَو طَلَاق لعُمُوم الْآيَة ولانقطاع سلطنة الزَّوْج عَنْهَا تَنْبِيه هَذَا كُله فِي غير صَاحب الْعدة الَّذِي يحل لَهُ نِكَاحهَا فِيهَا أما هُوَ فَيحل لَهُ التَّعْرِيض وَالتَّصْرِيح وَأما من لَا يحل لَهُ نِكَاحهَا فِيهَا كَمَا لَو طَلقهَا بَائِنا أَو رَجْعِيًا فَوَطِئَهَا أَجْنَبِي بِشُبْهَة فِي الْعدة فَحملت مِنْهُ فَإِن عدَّة الْحمل تقدم وَلَا يحل لصَاحب عدَّة الشُّبْهَة أَن يخطبها لِأَنَّهُ لَا يجوز لَهُ العقد عَلَيْهَا حِينَئِذٍ وَحكم جَوَاب الْمَرْأَة فِي الصُّور الْمَذْكُورَة تَصْرِيحًا وتعريضا حكم الْخطْبَة فِيمَا تقدم وَيحرم على عَالم خطْبَة على خطْبَة جَائِزَة مِمَّن صرح بإجابته إِلَّا بِالْإِعْرَاضِ بِإِذن أَو غَيره من الْخَاطِب أَو الْمُجيب لخَبر الشَّيْخَيْنِ وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ لَا يخْطب الرجل على خطْبَة أَخِيه حَتَّى يتْرك الْخَاطِب قبله أَو يَأْذَن لَهُ الْخَاطِب وَالْمعْنَى فِي ذَلِك مَا فِيهِ من الْإِيذَاء وَيجب ذكر عُيُوب من أُرِيد اجْتِمَاع عَلَيْهِ لمناكحة أَو نَحْوهَا كمعاملة وَأخذ علم لمريده ليحذر بذلا للنصيحة سَوَاء استشير الذاكر فِيهِ أم لَا فَإِن انْدفع بِدُونِهِ بِأَن لم يحْتَج إِلَى ذكرهَا أَو احْتِيجَ إِلَى ذكر بَعْضهَا حرم ذكر شَيْء مِنْهَا فِي الأول وَشَيْء من الْبَعْض الآخر فِي الثَّانِي القَوْل فِيمَا تُبَاح فِيهِ الْغَيْبَة قَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة والغيبة تُبَاح لسِتَّة أَسبَاب وَذكرهَا وَجَمعهَا غَيره فِي هَذَا الْبَيْت فَقَالَ لقب ومستفت وَفسق ظَاهر وَالظُّلم تحذير مزيل الْمُنكر قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء إِلَّا أَن يكون المتظاهر بالمعصية عَالما يقْتَدى بِهِ فتمنع غيبته لِأَن النَّاس إِذا اطلعوا على زلته تساهلوا فِي ارْتِكَاب الذَّنب انْتهى وَسن خطْبَة بِضَم الْخَاء قبل خطْبَة بِكَسْرِهَا وَأُخْرَى قبل العقد لخَبر كل كَلَام لَا يبْدَأ فِيهِ بِحَمْد الله فَهُوَ أقطع أَي عَن الْبركَة وَتحصل السّنة بِالْخطْبَةِ قبل العقد من الْوَلِيّ أَو الزَّوْج أَو أَجْنَبِي وَلَو أوجب ولي العقد فَخَطب الزَّوْج خطْبَة قَصِيرَة عرفا فَقبل صَحَّ العقد مَعَ الْخطْبَة الفاصلة بَين الْإِيجَاب وَالْقَبُول لِأَنَّهَا مُقَدّمَة الْقبُول فَلَا تقطع الْوَلَاء كالإقامة وَطلب المَاء وَالتَّيَمُّم بَين صَلَاتي الْجمع لَكِنَّهَا لَا تسن بل يسن تَركهَا كَمَا صرح بِهِ ابْن يُونُس
القَوْل فِي الْإِجْبَار على النِّكَاح (وَالنِّسَاء) بِالنِّسْبَةِ إِلَى إجبارهن فِي التَّزْوِيج وَعَدَمه (على ضَرْبَيْنِ) الأول (بكر) تجبر (و) الثَّانِي (ثَبت) لَا تجبر (فالبكر) وَلَو كَبِيرَة ومخلوقة بِلَا بكارة أَو زَالَت بلاوطء كسقطة أَو حِدة حيض (يجوز) وَيصِح (للْأَب وَالْجد) أبي الْأَب وَإِن علا عِنْد عدم الْأَب وَإِن عدم أَهْلِيَّته (إجبارها على النِّكَاح) أَي تَزْوِيجهَا بِغَيْر إِذْنهَا لخَبر الدَّارَقُطْنِيّ الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا وَالْبكْر يُزَوّجهَا أَبوهَا وَلِأَنَّهَا لم تمارس الرِّجَال بِالْوَطْءِ فَهِيَ شَدِيدَة الْحيَاء تَنْبِيه لتزويج الْأَب أَو الْجد الْبكر بِغَيْر إِذْنهَا شُرُوط الأول أَن لَا يكون بَينهَا وَبَينه عَدَاوَة ظَاهِرَة الثَّانِي أَن يُزَوّجهَا من كُفْء الثَّالِث أَن يُزَوّجهَا بِمهْر مثلهَا الرَّابِع أَن يكون من نقد الْبَلَد الْخَامِس أَن لَا يكون الزَّوْج مُعسرا بِالْمهْرِ السَّادِس أَن لَا يُزَوّجهَا بِمن تتضرر بمعاشرته كأعمى أَو شيخ هرم السَّابِع أَن لَا يكون قد وَجب عَلَيْهَا نسك فَإِن الزَّوْج يمْنَعهَا لكَون النّسك على التَّرَاخِي وَلها غَرَض فِي تَعْجِيل بَرَاءَة ذمَّتهَا قَالَه ابْن الْعِمَاد وَهل هَذِه الشُّرُوط الْمَذْكُورَة شُرُوط لصِحَّة النِّكَاح بِغَيْر الْإِذْن أَو لجَوَاز الْإِقْدَام فَقَط فِيهِ مَا هُوَ تعْتَبر لهَذَا وَمَا هُوَ مُعْتَبر لذَلِك فالمعتبرات للصِّحَّة بِغَيْر الْإِذْن أَن لَا يكون بَينهَا وَبَين وَليهَا عَدَاوَة ظَاهِرَة وَأَن يكون الزَّوْج كفأ وَأَن يكون مُوسِرًا بِحَال صَدَاقهَا وَمَا عدا ذَلِك شُرُوط لجَوَاز الْإِقْدَام قَالَ الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ وَيَنْبَغِي أَن يعْتَبر فِي الْإِجْبَار أَيْضا انْتِفَاء الْعَدَاوَة بَينهَا وَبَين الزَّوْج انْتهى وَإِنَّمَا لم يعتبروا ظُهُور الْعَدَاوَة هُنَا كَمَا اعْتبر ثمَّ لظُهُور الْفرق بَين الزَّوْج وَالْوَلِيّ الْمُجبر بل قد يُقَال إِنَّه لَا حَاجَة إِلَى مَا قَالَه لِأَن انْتِفَاء الْعَدَاوَة بَينهَا وَبَين الْوَلِيّ يَقْتَضِي أَن لَا يُزَوّجهَا إِلَّا مِمَّن يحصل لَهَا مِنْهُ حَظّ ومصلحة لشفقته عَلَيْهَا أما مُجَرّد كراهتها لَهُ من غير ضَرَر فَلَا يُؤثر لَكِن يكره لوَلِيّهَا أَن يُزَوّجهَا مِنْهُ كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم وَيسن اسْتِئْذَان الْبكر إِذا كَانَت مكلفة لحَدِيث مُسلم وَالْبكْر يستأمرها أَبوهَا وَهُوَ مَحْمُول على النّدب تطييبا لخاطرها وَأما غير المكلفة فَلَا إِذن لَهَا وَيسن اسْتِفْهَام المراهقة وَأَن لَا تزوج الصَّغِيرَة حَتَّى تبلغ وَالسّنة فِي الاسْتِئْذَان لوَلِيّهَا أَن يُرْسل إِلَيْهَا نسْوَة ثِقَات ينظرن مَا فِي نَفسهَا وَالأُم بذلك أولى لِأَنَّهَا تطلع على مَا لَا يطلع غَيرهَا من لَا تجبر على النِّكَاح (وَالثَّيِّب) الْبَالِغَة (لَا يجوز) وَلَا يَصح (تَزْوِيجهَا) وَإِن عَادَتْ بَكَارَتهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا لخَبر الدَّارَقُطْنِيّ السَّابِق وَخبر لَا تنْكِحُوا الْأَيَامَى حَتَّى تستأمروهن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَلِأَنَّهَا عرفت مَقْصُود النِّكَاح فَلَا تجبر بِخِلَاف الْبكر فَإِن كَانَت الثّيّب صَغِيرَة غير مَجْنُونَة وَغير أمة لم تزوج سَوَاء احتملت الْوَطْء أم لَا (إِلَّا بعد بُلُوغهَا وإذنها) لِأَن إِذن الصَّغِيرَة غير مُعْتَبر فَامْتنعَ تَزْوِيجهَا إِلَى الْبلُوغ أما الْمَجْنُونَة فيزوجها الْأَب وَالْجد عِنْد عَدمه قبل بُلُوغهَا للْمصْلحَة وَأما الْأمة فلسيدها أَن يُزَوّجهَا وَكَذَا الْوَلِيّ السَّيِّد عِنْد الْمصلحَة
تَتِمَّة لَو وطِئت الْبكر فِي قبلهَا وَلم تزل بَكَارَتهَا كَأَن كَانَت غوراء فَهِيَ كَسَائِر الْأَبْكَار وَإِن كَانَ مُقْتَضى تَعْلِيلهم بممارسة الرِّجَال خِلَافه كَمَا أَن قَضِيَّة كَلَامهم كَذَلِك إِذا زَالَت بِذكر حَيَوَان غير آدَمِيّ كقرد مَعَ أَن الْأَوْجه أَنَّهَا كالثيب وَلَو خلقت بِلَا بكارة فَحكمهَا حكم الْأَبْكَار كَمَا حَكَاهُ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة عَن الصَّيْمَرِيّ وَأقرهُ وَتصدق المكلفة فِي دَعْوَى الْبكارَة وَإِن كَانَت فاسقة قَالَ ابْن الْمقري بِلَا يَمِين وَكَذَا فِي دَعْوَى الثيوبة قبل العقد وَإِن لم تتَزَوَّج وَلَا تسْأَل الْوَطْء فَإِن ادَّعَت الثيوبة بعد العقد وَقد زَوجهَا الْوَلِيّ بِغَيْر إِذْنهَا نطقا فَهُوَ الْمُصدق بِيَمِينِهِ لما فِي تصديقها من إبِْطَال النِّكَاح بل لَو شهِدت أَربع نسْوَة بثيوبتها عِنْد العقد لم يبطل لجَوَاز إِزَالَتهَا بأصبع أَو نَحوه أَو أَنَّهَا خلقت بِدُونِهَا كَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ وَإِن أفتى ابْن الصّلاح بِخِلَافِهِ
فصل فِي مُحرمَات النِّكَاح ومثبتات الْخِيَار فِيهِ
(والمحرمات) على قسمَيْنِ تَحْرِيم مؤبد وَتَحْرِيم غير مؤبد وَمن الأول وَإِن لم يذكرهُ الشَّيْخَانِ اخْتِلَاف الْجِنْس فَلَا يجوز للآدمي نِكَاح الجنبة كَمَا قَالَ ابْن يُونُس وَأفْتى بِهِ ابْن عبد السَّلَام خلافًا للقمولي قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا﴾ والمؤبد (بِالنَّصِّ) الْقطعِي فِي الْآيَة الْكَرِيمَة الْآتِيَة عَن قرب (أَربع عشرَة) وَله ثَلَاثَة أَسبَاب قرَابَة ورضاع ومصاهرة وَقد بَدَأَ بِالسَّبَبِ الأول القَوْل فِي الْمُحرمَات بِالنّسَبِ والمحرمات بِالنّسَبِ وَهُوَ الْقَرَابَة بقوله (سبع) بِتَقْدِيم السِّين على الْمُوَحدَة أَي يحرمن (بِالنّسَبِ) لقَوْله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم﴾ الْآيَة وَلما يحرم بِالنّسَبِ وَالرّضَاع ضابطان الأول تحرم نسَاء الْقَرَابَة إِلَّا من دخلت تَحت ولد العمومة أَو ولد الخؤولة وَالثَّانِي يحرم على الرجل أُصُوله وفصوله وفصول أول أُصُوله وَأول فصل من كل أصل بعد الأَصْل الأول فالأصول الْأُمَّهَات والفصول الْبَنَات وفصول أول الْأُصُول الْأَخَوَات وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت وَأول فصل من كل أصل بعد الأَصْل الأول العمات والخالات وَالضَّابِط الأول أرجح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ لإيجازه وَنَصه على الْإِنَاث بِخِلَاف الثَّانِي (وَهِي) أَي السَّبع من النّسَب الأول مِنْهَا (الْأُم) أَي يحرم العقد عَلَيْهَا وَكَذَا يقدر فِي الْبَاقِي وَضَابِط الْأُم هِيَ كل من وَلدتك فَهِيَ أمك حَقِيقَة أَو ولدت من ولدك ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى كَأُمّ الْأَب (وَإِن علت) وَأم الْأُم كَذَلِك فَهِيَ أمك مجَازًا وَإِن شِئْت قلت كل أُنْثَى يَنْتَهِي إِلَيْهَا نسبك بِوَاسِطَة أَو بغَيْرهَا
(و) الثَّانِي (الْبِنْت) وضابطها كل من ولدتها فبنتك حَقِيقَة أَو ولدت من وَلَدهَا ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى كَبِنْت ابْن وَإِن نزل وَبنت بنت (وَإِن سفلت) فبنتك مجَازًا وَإِن شِئْت قلت كل أُنْثَى يَنْتَهِي إِلَيْك نَسَبهَا بِالْولادَةِ بِوَاسِطَة أَو بغَيْرهَا (و) الثَّالِث (الْأُخْت) وضابطها كل من وَلَدهَا أَبَوَاك أَو أَحدهمَا فأختك (و) الرَّابِع (الْخَالَة) وضابطها كل أُخْت أُنْثَى وَلدتك فخالتك حَقِيقَة أَو بِوَاسِطَة كخالة أمك فخالتك مجَازًا وَقد تكون الْخَالَة من جِهَة الْأَب كأخت أم الْأَب تَنْبِيه كَانَ الأولى أَن يُؤَخر الْخَالَة عَن الْعمة ليَكُون على تَرْتِيب الْآيَة (و) الْخَامِس (الْعمة) وضابطها كل أُخْت ذكر ولدك بِلَا وَاسِطَة فعمتك حَقِيقَة أَو بِوَاسِطَة كعمة أَبِيك فعمتك مجَازًا وَقد تكون الْعمة من جِهَة الْأُم كأخت أبي الْأُم (و) السَّادِس وَالسَّابِع (بنت الْأَخ وَبنت الْأُخْت) من جَمِيع الْجِهَات وَبَنَات أولادهما وَإِن سفلن تَنْبِيه علم من كَلَام المُصَنّف أَن الْبِنْت المخلوقة من مَاء زِنَاهُ سَوَاء تحقق أَنَّهَا من مَائه أم لَا تحل لَهُ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّة إِذْ لَا حُرْمَة لماء الزِّنَا بِدَلِيل انْتِفَاء سَائِر أَحْكَام النّسَب من إِرْث وَغَيره عَنْهَا فَلَا تبعض الْأَحْكَام كَمَا يَقُول الْمُخَالف فَإِن منع الْإِرْث إِجْمَاع كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَلَكِن يكره نِكَاحهَا خُرُوجًا من خلاف من حرمهَا وَلَو أرضعت الْمَرْأَة بِلَبن الزَّانِي صَغِيرَة فكبنته قَالَه الْمُتَوَلِي وَيحرم على الْمَرْأَة وعَلى سَائِر محارمها وَلَدهَا من زنا بِالْإِجْمَاع كَمَا أَجمعُوا على أَنه يَرِثهَا وَالْفرق أَن الابْن كالعضو مِنْهَا وانفصل مِنْهَا إنْسَانا وَلَا كَذَلِك النُّطْفَة الَّتِي خلقت مِنْهَا الْبِنْت بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَب ثمَّ شرع فِي السَّبَب الثَّانِي الرَّضَاع بقوله (وَاثْنَتَانِ بِالرّضَاعِ) وهما (الْأُم الْمُرضعَة وَالْأُخْت من الرَّضَاع) لقَوْله تَعَالَى ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة﴾ فَمن ارتضع من امْرَأَة صَارَت بناتها الموجودات قبله والحادثات بعده أَخَوَات لَهُ وَإِنَّمَا ذكرت ذَلِك مَعَ وضوحه لِأَن كثيرا من جهلة الْعَوام يظنون أَن الْأُخْت من الرَّضَاع هِيَ الَّتِي ارتضعت مَعَه دون غَيرهَا ويسألون عَنهُ كثيرا فمرضعتك وَمن أرضعتها أَو ولدتها أَو ولدت أَبَا من رضَاع وَهُوَ الْفَحْل أَو أَرْضَعَتْه أَو أرضعت من ولدك بِوَاسِطَة أَو غَيرهَا أم رضَاع وَقس على ذَلِك الْبَاقِي من السَّبع بِالرّضَاعِ بِمَا ذكر لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من الْولادَة وَفِي رِوَايَة من النّسَب وَفِي أُخْرَى حرمُوا من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب وَلَا يحرم عَلَيْك مُرْضِعَة أَخِيك أَو أختك وَلَو كَانَت أم نسب حرمت عَلَيْك لِأَنَّهَا أمك أَو مَوْطُوءَة أَبِيك وَلَا مُرْضِعَة نافلتك وَهُوَ ولد الْوَلَد وَلَو كَانَت أم نسب حرمت عَلَيْك لِأَنَّهَا بنتك أَو مَوْطُوءَة ابْنك وَلَا أم مُرْضِعَة ولدك وَلَا بنت الْمُرضعَة وَلَو كَانَت الْمُرضعَة أم نسب كَانَت موطوءتك فَيحرم عَلَيْك أمهَا وبنتها فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة يحرمن فِي النّسَب وَلَا يحرمن فِي الرَّضَاع فاستثناها بَعضهم من قَاعِدَة يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب والمحققون كَمَا فِي الرَّوْضَة على أَنَّهَا لَا تستثنى لعدم دُخُولهَا فِي الْقَاعِدَة لِأَنَّهُنَّ إِنَّمَا يحرمن فِي النّسَب لِمَعْنى لم يُوجد فِيهِنَّ فِي الرَّضَاع كَمَا قَرّرته وَلَا يجرم عَلَيْك أُخْت أَخِيك سَوَاء كَانَت من نسب كَأَن كَانَ لزيد أَخ لأَب وَأُخْت لأم فلأخيه نِكَاحهَا أم من رضَاع كَأَن ترْضع امْرَأَة زيدا وصغيرة أَجْنَبِيَّة مِنْهُ فلأخيه لِأَبِيهِ نِكَاحه وَسَوَاء أَكَانَت الْأُخْت أُخْت أَخِيك لأَبِيك لأمه كَمَا مثلنَا أم أُخْت أَخِيك لأمك لِأَبِيهِ مِثَاله فِي النّسَب أَن يكون لأبي أَخِيك بنت من غير أمك فلك نِكَاحهَا وَفِي الرَّضَاع أَن ترتضع صَغِيرَة بِلَبن أبي أَخِيك لأمك فلك نِكَاحهَا بقوله (وَأَرْبع بالمصاهرة) وَهن (أم الزَّوْجَة) بِوَاسِطَة أَو بغَيْرهَا من نسب أَو رضَاع سَوَاء أَدخل بهَا أم لَا لإِطْلَاق قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾
القَوْل فِي الْمُحرمَات بالمصاهرة ثمَّ شرع فِي السَّبَب الثَّالِث وَهُوَ الْمُصَاهَرَة (والربيبة إِذا دخل بِالْأُمِّ) بِعقد صَحِيح أَو فَاسد لإِطْلَاق قَوْله تَعَالَى ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ وَذكر الحجور خرج مخرج الْغَالِب فَلَا مَفْهُوم لَهُ فَإِن قيل لم أُعِيد الْوَصْف إِلَى الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَلم يعد إِلَى الْجُمْلَة الأولى وَهِي ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ مَعَ أَن الصِّفَات عقب الْجمل تعود إِلَى الْجَمِيع أُجِيب بِأَن نِسَائِكُم الثَّانِي مجرور بِحرف الْجَرّ ونسائكم الأول مجرور بالمضاف وَإِذا اخْتلف الْعَامِل لم يجز الِاتِّبَاع وَيتَعَيَّن الْقطع تَنْبِيه قَضِيَّة كَلَام الشَّيْخ أبي حَامِد وَغَيره أَنه يعْتَبر فِي الدُّخُول أَن يَقع فِي حَيَاة الْأُم فَلَو مَاتَت قبل الدُّخُول وَوَطئهَا بعد مَوتهَا لم تحرم بنتهَا لِأَن ذَلِك لَا يُسمى دُخُولا وَإِن تردد فِيهِ الرَّوْيَانِيّ فَإِن قيل لم يعتبروا الدُّخُول فِي تَحْرِيم الْأُصُول واعتبروا فِي تَحْرِيم الْبِنْت الدُّخُول أُجِيب بِأَن الرجل يبتلى عَادَة بمكالمة أمهَا عقب العقد لترتيب أُمُوره فَحرمت بِالْعقدِ ليسهل ذَلِك بِخِلَاف بنتهَا تَنْبِيه من حرم بِالْوَطْءِ لَا يعْتَبر فِيهِ صِحَة العقد كالربيبة وَمن حرم بِالْعقدِ فَلَا بُد فِيهِ من صِحَة العقد نعم لَو وطىء فِي العقد الْفَاسِد حرم بِالْوَطْءِ فِيهِ لَا بِالْعقدِ فَائِدَة الربيبة بنت الزَّوْجَة وبناتها وَبنت ابْن الزَّوْجَة وبناتها ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره وَمن هَذَا يعلم تَحْرِيم بنت الربيبة وَبنت الربيب لِأَنَّهَا من بَنَات أَوْلَاد زَوجته وَهِي مَسْأَلَة نفيسة يَقع السُّؤَال عَنْهَا كثيرا وكل من وطىء امْرَأَة بِملك حرم عَلَيْهِ أمهاتها وبناتها وَحرمت هِيَ على آبَائِهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِالْإِجْمَاع وَكَذَا الْمَوْطُوءَة الْحَيَّة بِشُبْهَة فِي حَقه كَأَن ظَنّهَا زَوجته أَو أمته يحرم عَلَيْهِ أمهاتها وبناتها وَتحرم هِيَ على آبَائِهِ كَمَا يثبت فِي هَذَا الْوَطْء النّسَب وَيُوجب الْعدة لَا الْمُزنِيّ بهَا فَلَا يثبت بزناها حُرْمَة مصاهرة فللزاني نِكَاح أم من زنى بهَا وبنتها ولابنه وَأَبِيهِ نِكَاحهَا هِيَ وبنتها لِأَن الله تَعَالَى امتن على عباده بِالنّسَبِ والصهر فَلَا يثبت بِالزِّنَا كالنسب وَلَيْسَت مُبَاشرَة كلمس وقبلة بِشَهْوَة كَوَطْء لِأَنَّهَا لَا توجب الْعدة فَكَذَا لَا توجب الْحُرْمَة قبل الْأَب أَو الْأُم وَإِن لم يدْخل بهَا لإِطْلَاق قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا﴾
(و) تحرم (زَوْجَة الْأَب) وَهُوَ من ولدك بِوَاسِطَة أَو غَيرهَا أَبَا أَو جدا من مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء إِلَّا مَا قد سلف قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْأُم يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّة قبل علمكُم بِتَحْرِيمِهِ (و) تحرم (زَوْجَة الابْن) وَهُوَ من وَلدته بِوَاسِطَة أَو غَيرهَا وَإِن لم يدْخل ولدك بهَا لإِطْلَاق قَوْله تَعَالَى ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ تَنْبِيه لَا فرق فِي الْفَرْع وَالْأَصْل بَين أَن يكون من نسب أَو رضَاع أما النّسَب فللآية وَأما الرَّضَاع فللحديث الْمُتَقَدّم فَإِن قَالَ وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ فَكيف حرمت حَلِيلَة الابْن من الرَّضَاع أُجِيب بِأَن الْمَفْهُوم إِنَّمَا يكون حجَّة إِذا لم يُعَارضهُ مَنْطُوق وَقد عَارضه هُنَا مَنْطُوق قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب فَإِن قيل فَمَا فَائِدَة التَّقْيِيد فِي الْآيَة حِينَئِذٍ أُجِيب بِأَن فَائِدَة ذَلِك إِخْرَاج حَلِيلَة المتبني فَلَا يحرم على الْمَرْء زَوْجَة من تبناه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِابْن لَهُ وَلَا تحرم بنت زوج الْأُم وَلَا أمه وَلَا بنت زوج الْبِنْت وَأمه وَلَا أم زَوْجَة الْأَب وَلَا بنتهَا وَلَا أم زَوْجَة الابْن وَلَا بنتهَا وَلَا زَوْجَة الربيب وَلَا زَوْجَة الراب (القَوْل فِي التَّحْرِيم غير المؤبد) ثمَّ شرع فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ التَّحْرِيم غير المؤبد بقوله (و) تحرم (وَاحِدَة من جِهَة الْجمع) فِي الْعِصْمَة (وَهِي أُخْت الزَّوْجَة) فَلَا يتأبد تَحْرِيمهَا بل تحل بِمَوْت أُخْتهَا أَو بينونتها لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف﴾ وَلما فِي ذَلِك من قطيعة الرَّحِم وَإِن رضيت بذلك فَإِن الطَّبْع يتَغَيَّر (وَلَا يجمع بَين الْمَرْأَة وعمتها وَلَا خَالَتهَا) من نسب أَو رضَاع وَلَو بِوَاسِطَة لخَبر لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا الْعمة على بنت أَخِيهَا وَلَا الْمَرْأَة على خَالَتهَا وَلَا الْخَالَة على بنت أُخْتهَا لَا الْكُبْرَى على الصُّغْرَى وَلَا الصُّغْرَى على الْكُبْرَى رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وصححوه وَلما مر من التَّعْلِيل فِي الْأُخْتَيْنِ القَوْل فِي التَّحْرِيم بِالرّضَاعِ (وَيحرم من) النِّسَاء بِسَبَب (الرَّضَاع مَا يحرم) مِنْهُنَّ (من النّسَب) وَهِي السَّبْعَة الْمُتَقَدّمَة وَقدمنَا أَنه يحرم زَوْجَة وَالِده من الرَّضَاع وَزَوْجَة وَلَده كَذَلِك وَبنت زَوجته كَذَلِك أما تَحْرِيم الْأُم وَالْأُخْت من الرَّضَاع فَلَمَّا مر وَأما تَحْرِيم الْبَوَاقِي فللحديث الْمَار وَهُوَ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب تَنْبِيه من حرم جَمعهمَا بِنِكَاح حرم أَيْضا فِي الْوَطْء بِملك الْيَمين أَو ملك وَنِكَاح وَله تملكهما بِالْإِجْمَاع فَإِن وطىء وَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَو مكْرها حرمت الْأُخْرَى حَتَّى يحرم الأولى بِإِزَالَة ملك أَو نِكَاح أَو كِتَابَة إِذْ لَا جمع حِينَئِذٍ بِخِلَاف غَيرهَا كحيض وَرهن وإحرام وردة لِأَنَّهَا لَا تزيل الْملك وَلَا الِاسْتِحْقَاق فَلَو عَادَتْ الأولى كَأَن ردَّتْ بِعَيْب قبل وَطْء الْأُخْرَى فَلهُ وَطْء أَيَّتهمَا شَاءَ بعد اسْتِبْرَاء العائدة أَو بعد وَطئهَا حرمت العائدة حَتَّى يحرم الْأُخْرَى وَيشْتَرط أَن تكون كل مِنْهُمَا مُبَاحَة على انفرادها فَلَو كَانَت إِحْدَاهمَا مَجُوسِيَّة أَو نَحْوهَا كمحرم فَوَطِئَهَا جَازَ لَهُ وَطْء الْأُخْرَى نعم لَو ملك أما وبنتها فوطىء إِحْدَاهمَا حرمت الْأُخْرَى مُؤَبَّدًا كَمَا علم مِمَّا مر وَلَو ملك أمة ثمَّ نكح من يحرم الْجمع بَينهمَا وَبَينهَا كَأَن نكح أُخْتهَا الْحرَّة أَو عَمَّتهَا أَو خَالَتهَا أَو نكح امْرَأَة ثمَّ ملك
من يحرم الْجمع بَينهَا وَبَينهَا كَأَن ملك أُخْتهَا حلت الْمَنْكُوحَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ دون الْمَمْلُوكَة لِأَن فرَاش النِّكَاح أقوى إِذْ يتَعَلَّق بِهِ الطَّلَاق وَالظِّهَار وَالْإِيلَاء وَغَيرهَا بِخِلَاف الْملك القَوْل فِيمَا ترد بِهِ الْمَرْأَة وَيثبت الْخِيَار للرجل ثمَّ شرع فِي مثبتات الْخِيَار بقوله (وَترد الْمَرْأَة) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي يثبت للزَّوْج خِيَار فسخ نِكَاحه (بِخَمْسَة عُيُوب) أَي بِوَاحِدَة مِنْهَا وَإِن أوهمت عِبَارَته أَنه لَا بُد من اجتماعها أَشَارَ إِلَى الأول بقوله (بالجنون) وَإِن تقطع وَكَانَ قَابلا للعلاج وَالْجُنُون زَوَال الشُّعُور من الْقلب مَعَ بَقَاء الْحَرَكَة وَالْقُوَّة فِي الْأَعْضَاء وَاسْتثنى الْمُتَوَلِي من المتقطع الْخَفِيف الَّذِي يطْرَأ فِي بعض الزَّمَان وَأما الْإِغْمَاء بِالْمرضِ فَلَا يثبت بِهِ خِيَار كَسَائِر الْأَمْرَاض وَمحله كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ فِيمَا تحصل مِنْهُ الْإِفَاقَة كَمَا هُوَ الْغَالِب أما الميئوس من زَوَاله فكالجنون كَمَا ذكره الْمُتَوَلِي وَكَذَا إِن بَقِي الْإِغْمَاء بعد الْمَرَض فَيثبت بِهِ الْخِيَار كالجنون وَألْحق الشَّافِعِي الخبل بالجنون والصراع نوع من الْجُنُون كَمَا قَالَ بعض الْعلمَاء (و) الثَّانِي (الجذام) وَهُوَ عِلّة يحمر مِنْهَا الْعُضْو ثمَّ يسود ثمَّ يتقطع ويتناثر وَيتَصَوَّر ذَلِك فِي كل عُضْو لكنه فِي الْوَجْه أغلب (و) الثَّالِث (البرص) وَهُوَ بَيَاض شَدِيد يبقع الْجلد وَيذْهب دمويته هَذَا إِذا كَانَا مستحكمين بِخِلَاف غَيرهمَا من أَوَائِل الجذام والبرص لَا يثبت بِهِ الْخِيَار كَمَا صرح بِهِ الْجُوَيْنِيّ قَالَ والاستحكام فِي الجذام يكون بالتقطع وَتردد الإِمَام فِيهِ وَجوز الِاكْتِفَاء باسوداده وَحكم أهل الْمعرفَة باستحكام الْعلَّة وَلم يشترطوا فِي الْجُنُون الاستحكام قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَلَعَلَّ الْفرق أَن الْجُنُون يُفْضِي إِلَى الْجِنَايَة (و) الرَّابِع (الرتق) وَهُوَ بِفَتْح الرَّاء والمثناة الْفَوْقِيَّة انسداد الْفرج بِاللَّحْمِ وَيخرج الْبَوْل من ثقبة صَغِيرَة كإحليل الرجل قَالَه فِي الْكِفَايَة (و) الْخَامِس (الْقرن) وَهُوَ بِفَتْح الْقَاف وَكَذَا الرَّاء على الْأَرْجَح انسداد الْفرج بِعظم على الْأَصَح وَقيل بِلَحْم وَعَلِيهِ فالرتق والقرن وَاحِد فَيثبت لَهُ الْخِيَار بِكُل مِنْهُمَا لِأَنَّهُ يخل بمقصود النِّكَاح كالبرص وَأولى لِأَن البرص لَا يمنعهُ بِالْكُلِّيَّةِ بل ينفر مِنْهُ وَلَيْسَ للزَّوْج إجبارها على شقّ الْموضع فَإِن شقته وَأمكن الْوَطْء فَلَا خِيَار وَلَا تمكن الْأمة من الشق قطعا إِلَّا بِإِذن السَّيِّد القَوْل فِيمَا يثبت الْخِيَار للْمَرْأَة وَيرد نِكَاح الرجل (وَيرد الرجل) أَيْضا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي يثبت للْمَرْأَة فسخ نِكَاحهَا مِنْهُ (بِخَمْسَة عُيُوب) أَي بِوَاحِد مِنْهُمَا كَمَا مر وَأَشَارَ إِلَى ثَلَاثَة مِنْهَا بقوله (بالجنون والجذام والبرص) على مَا مر بَيَانا وتحريرا فِي كل مِنْهَا
(و) الرَّابِع (الْجب) وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم قطع جَمِيع الذّكر مَعَ بَقَاء الْأُنْثَيَيْنِ أَو لم يبْق مِنْهُ قدر الْحَشَفَة أما إِذا بَقِي مِنْهُ مَا يولج قدرهَا فَلَا خِيَار لَهَا على الْأَصَح فَلَو تنَازعا فِي إِمْكَان الْوَطْء بِهِ قبل قَوْله على الْأَصَح وَخرج بِهِ الْخصي وَهُوَ من قطعت أنثياه وَبَقِي ذكره فَلَا خِيَار لَهَا بِهِ على الْأَصَح لقدرته على الْجِمَاع قَالَ ابْن الملقن فِي شرح الْحَاوِي وَيُقَال إِنَّه أقدر عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا ينزل فَلَا يَعْتَرِيه فتور (و) الْخَامِس (الْعنَّة) فِي الْمُكَلف قبل الْوَطْء فِي قبلهَا وَهُوَ بِضَم الْمُهْملَة وَتَشْديد النُّون عِلّة فِي الْقلب والكبد أَو الدِّمَاغ أَو الْآلَة تسْقط الشَّهْوَة الناشرة للآلة فتمنع الْجِمَاع وَخرج بِقَيْد الْمُكَلف الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَلَا تسمع دَعْوَى الْعنَّة فِي حَقّهمَا لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يثبت بِإِقْرَار الزَّوْج أَو بِيَمِينِهَا بعد نُكُوله وإقرارهما لَغْو وبقيد قبل الْوَطْء الْعنَّة الْحَادِثَة بعده وَلَو مرّة بِخِلَاف حُدُوث الْجب بعد الْوَطْء فَإِنَّهُ يثبت بِهِ خِيَار الْفَسْخ على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة وَفرق بتوقع زَوَال الْعنَّة بِحُصُول الشِّفَاء وعود الداعية للاستمتاع فَهِيَ مترجية لحُصُول مَا يعفها بِخِلَاف الْجب ليأسها من توقع حُصُول مَا يعفها تَنْبِيه ثُبُوت الْخِيَار بِهَذِهِ الْعُيُوب قَالَ بِهِ جُمْهُور الْعلمَاء وَجَاءَت بِهِ الْآثَار وَصَحَّ ذَلِك عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي الثَّلَاثَة الأول وَهِي الْمُشْتَركَة بَين الزَّوْجَيْنِ رَوَاهُ الشَّافِعِي وعول عَلَيْهِ لِأَن مثله لَا يكون إِلَّا عَن تَوْقِيف وَفِي الصَّحِيح فر من المجذوم فرارك من الْأسد قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَأما الجذام والبرص فَإِنَّهُ أَي كلا مِنْهُمَا يعدي الزَّوْج وَالْولد وَقَالَ فِي مَوضِع آخر الجذام والبرص مِمَّا يزْعم أهل الْعلم بالطب والتجارب أَنه يعدي كثيرا وَهُوَ مَانع للجماع لَا تكَاد النُّفُوس تطيب أَن تجامع من هُوَ بِهِ وَالْولد قَلما يسلم مِنْهُ وَإِن سلم أدْرك نَسْله فَإِن قيل كَيفَ قَالَ الشَّافِعِي إِنَّه يعدي وَقد صَحَّ فِي الحَدِيث لَا عدوى أَنه أُجِيب بِأَن مُرَاده أَنه يعدى بِفعل الله تَعَالَى لَا بِنَفسِهِ والْحَدِيث ورد ردا لما يَعْتَقِدهُ أهل الْجَاهِلِيَّة من نِسْبَة الْفِعْل لغير الله تَعَالَى وَلَو حدث بِالزَّوْجِ بعد العقد عيب كَأَن جب ذكره وَلَو بعد الدُّخُول وَلَو بِفِعْلِهَا ثَبت لَهَا الْخِيَار بِخِلَاف حُدُوث الْعنَّة بعد الدُّخُول كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَإِلَى الْفرق بَين الْجب والعنة وَلَو حدث بهَا عيب تخير الزَّوْج قبل الدُّخُول وَبعده كَمَا لَو حدث بِهِ وَلَا خِيَار لوَلِيّ بحادث
وَكَذَا بمقارن جب وعنة للْعقد وَيتَخَيَّر بمقارن جُنُون الزَّوْج وَإِن رضيت الزَّوْجَة بِهِ وَكَذَا بمقارن جذام وبرص فِي الْأَصَح للعار وَالْخيَار فِي الْفَسْخ بِهَذِهِ الْعُيُوب إِذا ثبتَتْ يكون على الْفَوْر لِأَنَّهُ خِيَار عيب فَكَانَ على الْفَوْر كَمَا فِي البيع وَيشْتَرط فِي الْفَسْخ بِعَيْب الْعنَّة وَكَذَا بَاقِي الْعُيُوب رفع إِلَى حَاكم لِأَنَّهُ مُجْتَهد فِيهِ فَأشبه الْفَسْخ بالإعسار وَتثبت الْعنَّة بِإِقْرَار الزَّوْج أَو بِبَيِّنَة على إِقْرَاره لِأَنَّهُ لَا مطلع للشُّهُود عَلَيْهَا وَتثبت أَيْضا بِيَمِينِهَا بعد نُكُوله وَإِذا ثبتَتْ ضرب القَاضِي لَهُ سنة كَمَا فعله عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِطَلَب الزَّوْجَة لِأَن الْحق لَهَا فَإِذا تمت رفعته إِلَى القَاضِي فَإِن قَالَ وطِئت حلف فَإِن نكل حَلَفت واستقلت بِالْفَسْخِ كَمَا يسْتَقلّ بِالْفَسْخِ من وجد بِالْمَبِيعِ عَيْبا خَاتِمَة حَيْثُ اخْتلف الزَّوْجَانِ فِي الْإِصَابَة كَانَ الْمُصدق نافيها أخذا بِالْأَصْلِ إِلَّا فِي مسَائِل الأولى الْعنين كَمَا مر الثَّانِيَة الْمولي وَهُوَ كالعنين فِي أَكثر مَا ذكر الثَّالِثَة إِذا ادَّعَت الْمُطلقَة ثَلَاثًا أَن الْمُحَلّل وَطئهَا وفارقها وَانْقَضَت عدتهَا وَأنكر الْمُحَلّل الْوَطْء فَتصدق بِيَمِينِهَا لحلها للْأولِ الرَّابِعَة إِذا علق طَلاقهَا بِعَدَمِ الْوَطْء فَادَّعَاهُ وأنكرته صدق بِيَمِينِهِ لِأَن الأَصْل بَقَاء النِّكَاح وَذكرت صورا أُخْرَى فِي شرح الْمِنْهَاج من أرادها فليراجعه
فصل فِي الصَدَاق
وَهُوَ بِفَتْح الصَّاد أشهر من كسرهَا مَا وَجب بِنِكَاح أَو وَطْء أَو تَفْوِيت بضع قهرا كرضاع وَرُجُوع شُهُود وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ أَي عَطِيَّة من الله مُبتَدأَة والمخاطب بذلك الْأزْوَاج عِنْد الْأَكْثَرين وَقيل الْأَوْلِيَاء لأَنهم كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يأخذونه ويسمونه نحلة لِأَن الْمَرْأَة وَقَوله تَعَالَى ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمريد التَّزْوِيج تستمتع بِالزَّوْجِ كاستمتاعه بهَا وَأكْثر فَكَأَنَّهَا تَأْخُذ الصَدَاق من
غير مُقَابل التمس وَلَو خَاتمًا من حَدِيد رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وَيسْتَحب) للزَّوْج (تَسْمِيَة الْمهْر) للزَّوْجَة (فِي) صلب (النِّكَاح) أَي العقد لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يخل نِكَاحا عَنهُ وَلِأَنَّهُ أدفَع للخصومة وَلِئَلَّا يشبه نِكَاح الواهبة نَفسهَا لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُؤْخَذ من هَذَا أَن السَّيِّد إِذا زوج عَبده أمته أَنه يسْتَحبّ لَهُ ذكر الْمهْر وَهُوَ مَا فِي الرَّوْضَة تبعا لبَعض نسخ الشَّرْح الْكَبِير وَهُوَ الْمُعْتَمد إِذْ لَا ضَرَر فِي ذَلِك وَإِن خَالف فِي ذَلِك بعض الْمُتَأَخِّرين وَيسن أَن لَا يدْخل بهَا حَتَّى يدْفع إِلَيْهَا شَيْئا من الصَدَاق خُرُوجًا من خلاف من أوجبه (فَإِن لم يسم) صَدَاقا بِأَن أخلى العقد مِنْهُ (صَحَّ العقد) بِالْإِجْمَاع لَكِن مَعَ الْكَرَاهَة كَمَا صرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ وَالْمُتوَلِّيّ وَغَيرهمَا وَقد تجب التَّسْمِيَة فِي صور الأولى إِذا كَانَت الزَّوْجَة غير جَائِزَة التَّصَرُّف أَو مَمْلُوكَة لغير جَائِز التَّصَرُّف الثَّانِيَة إِذا كَانَت جَائِزَة التَّصَرُّف وأذنت لوَلِيّهَا أَن يُزَوّجهَا وَلم تفوض فَزَوجهَا هُوَ أَو وَكيله الثَّالِثَة إِذا كَانَ الزَّوْج غير جَائِز التَّصَرُّف وَحل الِاتِّفَاق فِي هَذِه الصُّورَة على أقل من مهر مثل الزَّوْجَة وَفِيمَا عَداهَا على أَكثر مِنْهُ فتتعين تَسْمِيَته بِمَا وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وَلَا يجوز إخلاؤه مِنْهُ وَإِذا خلا العقد من التَّسْمِيَة فَإِن لم تكن مفوضة اسْتحقَّت مهر الْمثل بِالْعقدِ القَوْل فِي وجوب مهر المفوضة (و) إِذا كَانَت مفوضة بِأَن قَالَت رَشِيدَة لوَلِيّهَا زَوجنِي بِلَا مهر فَفعل (وَجب الْمهْر بِثَلَاثَة أَشْيَاء) أَي بِوَاحِد مِنْهَا الأول (أَن يفرضه) أَي يقدره (الزَّوْج على نَفسه) قبل الدُّخُول وَلها حبس نَفسهَا ليفرض لَهَا لتَكون على بَصِيرَة من تَسْلِيم نَفسهَا وَلها بعد الْفَرْض حبس نَفسهَا لتسليم الْمَفْرُوض الْحَال كالمسمى فِي العقد أما الْمُؤَجل فَلَيْسَ لَهَا حبس نَفسهَا لَهُ كالمسمى فِي العقد وَيشْتَرط رِضَاهَا بِمَا يفرضه الزَّوْج لِأَن الْحق لَهَا فَإِن لم ترض بِهِ فَكَأَنَّهُ لم يفْرض وَهَذَا كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ إِذا فرض دون مهر الْمثل أما إِذا فرض لَهَا مهر مثلهَا حَالا من نقد الْبَلَد وبذله لَهَا وصدقته على أَنه مهر مثلهَا فَلَا يعْتَبر رِضَاهَا لِأَنَّهُ عَبث وَلَا يشْتَرط علم
الزَّوْجَيْنِ حَيْثُ تَرَاضيا على مهر بِقدر مهر الْمثل لِأَنَّهُ لَيْسَ بَدَلا عَنهُ بل الْوَاجِب أَحدهمَا وَيجوز فرض مُؤَجل بِالتَّرَاضِي وَفَوق مهر الْمثل وَالثَّانِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو يفرضه الْحَاكِم) إِذا امْتنع الزَّوْج من الْفَرْض لَهَا أَو تنَازعا فِي قدر الْمَفْرُوض كَمَا يفْرض لِأَن منصبه فصل الْخُصُومَات وَلَكِن يفرضه الْحَاكِم حَالا من نقد الْبَلَد كَمَا فِي قيم الْمُتْلفَات لَا مُؤَجّلا وَلَا بِغَيْر نقد الْبَلَد وَإِن رضيت الزَّوْجَة بذلك لِأَن منصبه الْإِلْزَام بِمَال حَال من نقد الْبَلَد وَلها إِذا فَرْضه حَالا تَأْخِير الْقَبْض بل لَهَا تَركه بِالْكُلِّيَّةِ لِأَن الْحق لَهَا ويفرض مهر الْمثل بِلَا زِيَادَة وَلَا نقص وَيشْتَرط علم الْحَاكِم بِمهْر الْمثل لَا يزِيد عَلَيْهِ وَلَا ينقص عَنهُ إِلَّا بالتفاوت الْيَسِير وَلَا يَصح فرض أَجْنَبِي من مَاله لِأَنَّهُ خلاف مَا يَقْتَضِيهِ العقد وَالْفَرْض الصَّحِيح كالمسمى فِي العقد فينشطر بِالطَّلَاق بعد عقد وَقبل وَطْء سَوَاء أَكَانَ الْمَفْرُوض من الزَّوْجَيْنِ أَو من الْحَاكِم
وَالثَّالِث مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو يدْخل بهَا) بِأَن يَطَأهَا وَلَو فِي حيض أَو إِحْرَام أَو دبر (فَيجب) لَهَا (مهر الْمثل) وَإِن أَذِنت لَهُ فِي وَطئهَا بِشَرْط أَن لَا مهر لِأَن الْوَطْء لَا يُبَاح بِالْإِبَاحَةِ لما فِيهِ من حق الله تَعَالَى وَالْمُعْتَبر فِي مهر مثل المفوضة أَكثر من مهر الْمثل من العقد إِلَى الْوَطْء لِأَن الْبضْع دخل بِالْعقدِ فِي ضَمَانه واقترن بِهِ الْإِتْلَاف فَوَجَبَ الْأَكْثَر كالمقبوض بشرَاء فَاسد وَلَو طلق الزَّوْج قبل فرض وَوَطْء فَلَا شطر وَإِن مَاتَ أحد الزَّوْجَيْنِ قبلهمَا وَجب لَهَا مهر الْمثل لِأَنَّهُ كَالْوَطْءِ فِي تَقْرِير الْمُسَمّى فَكَذَا فِي إِيجَاب مهر الْمثل فِي التَّفْوِيض وَهل يعْتَبر مهر الْمثل هُنَا بِالْأَكْثَرِ كَمَا مر أَو بِحَال العقد أَو الْمَوْت أوجه فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا بِلَا تَرْجِيح أوجهها أَولهَا لِأَن الْبضْع دخل فِي ضَمَانه بِالْعقدِ وتقرر عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ كَالْوَطْءِ وَلَو قتل السَّيِّد أمته أَو قتلت نَفسهَا قبل دُخُول سقط مهرهَا بِخِلَاف مَا لَو قَتلهَا أَجْنَبِي أَو قتلت الْحرَّة نَفسهَا قبل الدُّخُول لَا يسْقط مهرهَا وَمهر الْمثل مَا يرغب بِهِ فِي مثلهَا عَادَة وركنه الْأَعْظَم نسب فِي النسيبة وُقُوع التفاخر بِهِ كالكفاءة فِي النِّكَاح وَظَاهر كَلَام الْأَكْثَرين اعْتِبَار ذَلِك فِي الْعَجم كالعرب وَهُوَ الْمُعْتَمد لِأَن الرغبات تخْتَلف بِالنّسَبِ مُطلقًا فيراعى أقرب من تنْسب إِلَيْهِ فأقربهن أُخْت لِأَبَوَيْنِ ثمَّ لأَب ثمَّ بَنَات أَخ لِأَبَوَيْنِ ثمَّ لأَب ثمَّ عمات لِأَبَوَيْنِ ثمَّ لأَب لِأَن المدلي بجهتين يقدم على المدليي بِجِهَة ثمَّ بَنَات الْأَعْمَام لِأَبَوَيْنِ ثمَّ لأَب فَإِن تعذر اعْتِبَار نسَاء الْعصبَة اعْتبر بذوات الْأَرْحَام كالجدات والخالات لِأَنَّهُنَّ أولى من الْأَجَانِب وَيقدم من نسَاء الْأَرْحَام الْأُم ثمَّ الْجدَّات ثمَّ الخالات ثمَّ بَنَات الْأَخَوَات ثمَّ بَنَات الأخوال وَالْمرَاد بالأرحام هُنَا قَرَابَات الْأُم لَا ذَوُو الْأَرْحَام المذكورون فِي الْفَرَائِض لِأَن أُمَّهَات الْأُم لسن من الْمَذْكُورين فِي الْفَرَائِض وَيعْتَبر مَعَ مَا تقدم سنّ وعفة وعقل وجمال ويسار وفصاحة وبكارة وثيوبة وَمَا اخْتلف بِهِ غَرَض كَالْعلمِ والشرف لِأَن المهور تخْتَلف باخْتلَاف الصِّفَات وَيعْتَبر مَعَ ذَلِك الْبَلَد فَإِن كَانَ نسَاء الْعصبَة ببلدين هِيَ فِي إِحْدَاهمَا اعْتبر بعصبات بَلَدهَا فَإِن كن كُلهنَّ ببلدة أُخْرَى فالاعتبار بِهن لَا بأجنبيات بَلَدهَا كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة (وَلَيْسَ لأَقل الصَدَاق وَلَا لأكثره حد) بل ضابطه كل مَا صَحَّ كَونه مَبِيعًا عوضا أَو معوضا صَحَّ كَونه صَدَاقا ومالا فَلَا فَلَو
عقد بِمَا لَا يتمول وَلَا يُقَابل بمتمول كحبتي حِنْطَة لم تصح التَّسْمِيَة وَيرجع لمهر الْمثل وَكَذَا إِذا أصدقهَا ثوبا لَا يملك غَيره فَلَا يَصح لتَعلق حق الله تَعَالَى بِهِ فِي ستر الْعَوْرَة كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ مستدلا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للَّذي أَرَادَ التَّزْوِيج على إزَاره إزارك هَذَا إِن أَعْطيته إِيَّاهَا جَلَست وَلَا إِزَار لَك وَهَذَا دَاخل فِي قَوْلنَا مَا صَحَّ مَبِيعًا صَحَّ صَدَاقا وَيسن أَن لَا ينقص الْمهْر عَن عشرَة دَرَاهِم خُرُوجًا من خلاف أبي حنيفَة وَأَن لَا يزِيد على خَمْسمِائَة دِرْهَم كأصدقة بَنَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وزوجاته وَأما إصداق أم حَبِيبَة أَرْبَعمِائَة دِينَار فَكَانَ من النَّجَاشِيّ إِكْرَاما لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم القَوْل فِي الزواج على مَنْفَعَة (وَيجوز أَن يَتَزَوَّجهَا على مَنْفَعَة مَعْلُومَة) تستوفى بِعقد الْإِجَارَة كتعليم فِيهِ كلفة وخياطة ثوب وَكِتَابَة وَنَحْوهَا إِذا كَانَ يحسن تِلْكَ الْمَنْفَعَة فَإِن لم يكن يحسنها وَالْتزم فِي الذِّمَّة جَازَ ويستأجر لَهَا من يحسنها وَإِن الْتزم الْعَمَل بِنَفسِهِ لم يَصح على الْأَصَح لعَجزه وَخرج بِقَيْد الْمَعْلُومَة الْمَنْفَعَة المجهولة فَلَا يَصح أَن تكون صَدَاقا وَلَكِن يجب مهر الْمثل وَإِطْلَاق التَّعْلِيم فِيمَا تقدم شَامِل لما يجب تعلمه كالفاتحة وَغَيرهَا وَالْقُرْآن والْحَدِيث وَالْفِقْه وَالشعر والخط وَغير ذَلِك مِمَّا لَيْسَ بِمحرم ولتعليمها هِيَ أَو وَلَدهَا الْوَاجِب عَلَيْهَا تَعْلِيمه وَكَذَا عَبدهَا على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة فعلى هَذَا لَا يتَعَذَّر تَعْلِيم غَيرهَا بِطَلَاقِهَا أما إِذا أصدقهَا تعليمها بِنَفسِهِ فَطلق قبل التَّعْلِيم بعد دُخُول أَو قبله تعذر تَعْلِيمه لِأَنَّهَا صَارَت مُحرمَة عَلَيْهِ لَا يجوز اختلاؤه بهَا فَإِن قيل الْأَجْنَبِيَّة يُبَاح النّظر إِلَيْهَا للتعليم وَهَذِه صَارَت أَجْنَبِيَّة فَهَلا جَازَ تعليمها أُجِيب بِأَن كلا من الزَّوْجَيْنِ تعلّقت آماله بِالْآخرِ وَحصل بَينهمَا نوع ود فَقَوِيت التُّهْمَة فَامْتنعَ التَّعْلِيم لقرب الْفِتْنَة بِخِلَاف الْأَجْنَبِيّ فَإِن قُوَّة الوحشة بَينهمَا اقْتَضَت جَوَاز التَّعْلِيم وَقيل المُرَاد بالتعليم الَّذِي يجوز النّظر لَهُ هُوَ التَّعْلِيم الْوَاجِب كَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فَمَا هُنَا مَحَله فِي غير الْوَاجِب وَرجح هَذَا السُّبْكِيّ وَقيل التَّعْلِيم الَّذِي يجوز النّظر خَاص بالأمرد بِخِلَاف الْأَجْنَبِيّ وَرجح هَذَا الْجلَال الْمحلي وَالْمُعْتَمد الأول تَنْبِيه أفهم تَعْلِيلهم السَّابِق أَنَّهَا لَو لم تحرم الْخلْوَة بهَا كَأَن كَانَت صَغِيرَة لَا تشْتَهى أَو صَارَت محرما لَهُ برضاع أَو نَكَحَهَا ثَانِيًا لم يتَعَذَّر التَّعْلِيم وَهُوَ كَذَلِك فروع لَو أصدق زَوجته الْكِتَابِيَّة تَعْلِيم قُرْآن صَحَّ إِن توقع إسْلَامهَا وَإِلَّا فَلَا وَلَو أصدقهَا تَعْلِيم التَّوْرَاة أَو الْإِنْجِيل وهما كَافِرَانِ ثمَّ أسلما أَو ترافعا إِلَيْنَا بعد التَّعْلِيم فَلَا شَيْء لَهَا سواهُ أَو قبله وَجب لَهَا مهر الْمثل وَلَو أصدق الْكِتَابِيَّة تَعْلِيم للشهادتين فَإِن كَانَ فِي تعليمهما كلفة صَحَّ وَإِلَّا فَلَا كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ القَوْل فِيمَا يجب بِهِ نصف الْمهْر (وَيسْقط بِالطَّلَاق) وَبِكُل فرقة وجدت لَا مِنْهَا وَلَا بِسَبَبِهَا (قبل الدُّخُول) كإسلامه وردته ولعانه وإرضاع أمه لَهَا أَو أمهَا لَهُ (نصف الْمهْر) أما فِي الطَّلَاق فلآية ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ وَأما الْبَاقِي فللقياس عَلَيْهِ وَأما الْفرْقَة الَّتِي وجدت مِنْهَا قبل الدُّخُول كإسلامها بِنَفسِهَا أَو بالتبعية لأحد أَبَوَيْهَا أَو فَسخهَا بِعَيْبِهِ أَو ردتها أَو إرضاعها زَوْجَة لَهُ صَغِيرَة أَو وجدت بِسَبَبِهَا
كفسخه بعيبها تسْقط الْمهْر الْمُسَمّى ابْتِدَاء أَو الْمَفْرُوض الصَّحِيح أَو مهر الْمثل فِي كل مَا ذكر لِأَنَّهَا إِن كَانَت هِيَ الفاسخة فَهِيَ المختارة للفرقة فَكَأَنَّهَا قد أتلفت المعوض قبل التَّسْلِيم فَيسْقط الْعِوَض وَإِن كَانَ هُوَ الفاسخ بعيبها فَكَأَنَّهَا هِيَ الفاسخة تَنْبِيه لَو ارتدا مَعًا فَهَل هُوَ كردتها فَيسْقط الْمهْر أَو كردته فيتنصف وَجْهَان صحّح الأول الرَّوْيَانِيّ والنشائي والأذرعي وَغَيرهم وَصحح الثَّانِي الْمُتَوَلِي والفارقي وَابْن أبي عصرون وَغَيرهم وَهُوَ أوجه تَتِمَّة يجب للمطلقة قبل وَطْء مُتْعَة إِن لم يجب لَهَا شطر مهر بِأَن كَانَت مفوضة وَلم يفْرض لَهَا شَيْء وَادّعى الإِمَام فِيهِ الْإِجْمَاع لقَوْله تَعَالَى ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن﴾ الْآيَة وَيجب أَيْضا لموطوءة فِي الْأَظْهر لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وللمطلقات مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَلِأَن جَمِيع الْمهْر وَجب فِي مُقَابلَة اسْتِيفَاء مَنْفَعَة الْبضْع فَخَلا الطَّلَاق عَن الْجَبْر بِخِلَاف من وَجب لَهَا النّصْف فَإِن بضعهَا سلم لَهَا فَكَانَ النّصْف جَابِرا للإيحاش قَالَ النَّوَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ إِن وجوب الْمُتْعَة مِمَّا يغْفل النِّسَاء عَن الْعلم بهَا فَيَنْبَغِي تعريفهن وإشاعة حكمهَا ليعرفن ذَلِك وَتجب بفرقة لَا بِسَبَبِهَا بِأَن كَانَت من الزَّوْج كردته ولعانه كَطَلَاق فِي إِيجَاب الْمُتْعَة وَيسن أَن لَا تنقص عَن ثَلَاثِينَ درهما أَو مَا قِيمَته ذَلِك فَإِن تنَازعا فِي قدرهَا قدرهَا القَاضِي بِاجْتِهَادِهِ بِحَسب مَا يَلِيق بِالْحَال مُعْتَبرا حَالهمَا من يسَار الزَّوْج وإعساره ونسبها وصفاتها لقَوْله تَعَالَى ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره﴾
فصل فِي الْوَلِيمَة
ثمَّ شرع فِي أَحْكَام الْوَلِيمَة واشتقاقها كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِي من الولم وَهُوَ الِاجْتِمَاع لِأَن الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ وَهِي تقع على كل
طَعَام يتَّخذ لسرور حَادث من عرس وإملاك وَغَيرهمَا لَكِن اسْتِعْمَالهَا مُطلقَة فِي الْعرس أشهر القَوْل فِي حكم الْوَلِيمَة (والوليمة على الْعرس) بِضَم الْعين مَعَ ضم الرَّاء وإسكانها الابتناء بِالزَّوْجَةِ (مُسْتَحبَّة) مُؤَكدَة لثبوتها عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قولا وفعلا فَفِي البُخَارِيّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أولم على بعض نِسَائِهِ بمدين من شعير وَأَنه أولم على صَفِيَّة بِتَمْر وَسمن وأقط وَأَنه قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقد تزوج أولم وَلَو بِشَاة وأقلها للمتمكن شَاة وَلغيره مَا قدر عَلَيْهِ قَالَ النَّسَائِيّ وَالْمرَاد أقل الْكَمَال شَاة لقَوْل التَّنْبِيه وَبِأَيِّ شَيْء أولم من الطَّعَام جَازَ تَنْبِيه لم يتَعَرَّضُوا لوقت الْوَلِيمَة واستنبط السُّبْكِيّ من كَلَام الْبَغَوِيّ أَن وَقتهَا موسع من حِين العقد فَيدْخل وَقتهَا بِهِ وَالْأَفْضَل فعلهَا بعد الدُّخُول لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يولم على نِسَائِهِ إِلَّا بعد الدُّخُول فَتجب الْإِجَابَة إِلَيْهَا من حِين العقد وَإِن خَالف الأَصْل القَوْل فِي الْإِجَابَة على الْوَلِيمَة (والإجابة إِلَيْهَا وَاجِبَة) عينا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ إِذا دعِي أحدكُم إِلَى الْوَلِيمَة فليأتها وَخبر مُسلم شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة تدعى لَهَا الْأَغْنِيَاء وتترك الْفُقَرَاء وَمن لم يجب الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله قَالُوا وَالْمرَاد وَلِيمَة الْعرس لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَة عِنْدهم وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعا إِذا دعِي أحدكُم إِلَى وَلِيمَة عرس فليجب وَأما غَيرهَا من الولائم فالإجابة إِلَيْهَا مُسْتَحبَّة لما فِي مُسْند أَحْمد عَن الْحسن قَالَ دعِي عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ إِلَى ختان فَلم يجب وَقَالَ لم يكن يدعى لَهُ على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَوله (إِلَّا عذر) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَكثر شُرُوط وجوب الْإِجَابَة فَإِن شُرُوطه كَثِيرَة مِنْهَا أَن لَا يخص بالدعوة الْأَغْنِيَاء لغناهم لخَبر شَرّ الطَّعَام وَمِنْهَا أَن يكون الدَّاعِي مُسلما وَمِنْهَا أَن يكون الْمَدْعُو مُسلما أَيْضا وَمِنْهَا أَن يَدعُوهُ فِي الْيَوْم الأول فتسن الْإِجَابَة فِي الْيَوْم الثَّانِي وَتكره فِي الثَّالِث وَمِنْهَا أَن يكون الدَّاعِي مُطلق التَّصَرُّف نعم إِن اتخذها الْوَلِيّ من مَاله وَهُوَ أَب أَو جد فَالظَّاهِر كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ الْوُجُوب وَمِنْهَا أَن لَا يَدعُوهُ لخوف مِنْهُ لَو لم يحضر أَو طَمَعا فِي جاهه أَو إعانته على بَاطِل وَمِنْهَا أَن يعين الْمَدْعُو بِنَفسِهِ أَو نَائِبه لَا أَن يُنَادي فِي النَّاس كَأَن فتح الْبَاب وَقَالَ ليحضر من أَرَادَ وَمِنْهَا أَن لَا يعْتَذر الْمَدْعُو إِلَى الدَّاعِي ويرضى بتخلفه وَمِنْهَا أَن لَا يسْبق الدَّاعِي غَيره فَإِن جَاءَا مَعًا أجَاب أقربهما رحما ثمَّ دَارا وَمِنْهَا أَن لَا يَدْعُو من أَكثر مَاله حرَام فَمن كَانَ كَذَلِك كرهت إجَابَته فَإِن علم أَن عين الطَّعَام حرَام حرمت إجَابَته وَإِلَّا فَلَا وتباح الْإِجَابَة وَلَا تجب إِذا كَانَ فِي مَاله شُبْهَة وَلِهَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ لَا تجب الْإِجَابَة فِي زَمَاننَا هَذَا انْتهى وَلَكِن لَا بُد أَن يغلب على الظَّن أَن فِي مَال الدَّاعِي شُبْهَة وَمِنْهَا أَن لَا يكون الدَّاعِي
امْرَأَة أَجْنَبِيَّة وَلَيْسَ فِي مَوضِع الدعْوَة محرم لَهَا وَلَا للمدعو وَإِن لم يخل بهَا وَمِنْهَا أَن لَا يكون الدَّاعِي ظَالِما أَو فَاسِقًا أَو شريرا أَو متكلفا طَالبا للمباهاة وَالْفَخْر قَالَه فِي الْإِحْيَاء وَمِنْهَا أَن يكون الْمَدْعُو حرا فَلَو دَعَا عبدا لَزِمته إِن أذن لَهُ سَيّده وَكَذَا الْمكَاتب إِن لم يضر حُضُوره بِكَسْبِهِ فَإِن ضرّ وَأذن لَهُ سَيّده فَوَجْهَانِ وَالْأَوْجه عدم الْوُجُوب والمحجور عَلَيْهِ فِي إِجَابَة الدَّعْوَى كالرشيد وَمِنْهَا أَن يَدعُوهُ فِي وَقت الْوَلِيمَة وَقد تقدم وَقتهَا وَمِنْهَا أَن لَا يكون الْمَدْعُو قَاضِيا وَفِي مَعْنَاهُ كل ذِي ولَايَة عَامَّة وَمِنْهَا أَن لَا يكون مَعْذُورًا بمرخص فِي ترك الْجَمَاعَة وَمِنْهَا أَن لَا يكون هُنَاكَ من يتَأَذَّى بِحُضُورِهِ أَو لَا يَلِيق بِهِ مُجَالَسَته كالأراذل وَمِنْهَا أَن لَا يكون الْمَدْعُو أَمْرَد يخَاف من حُضُوره رِيبَة أَو تُهْمَة أَو قالة وَمِنْهَا أَن لَا يكون هُنَاكَ مُنكر لَا يَزُول بِحُضُورِهِ كشرب الْخمر وَالضَّرْب بالملاهي فَإِن كَانَ يَزُول بِحُضُورِهِ وَجب حُضُوره للدعوة وَإِزَالَة الْمُنكر وَمن الْمُنكر فرش غير حَلَال كالمغصوب والمسروق وفرش جُلُود النمور وفرش الْحَرِير للرِّجَال وَمِنْهَا أَن لَا يكون هُنَاكَ صُورَة حَيَوَان فِي غير أَرض وبساط ومخدة وَالْمَرْأَة إِذا دعت النِّسَاء فَكَمَا ذكرنَا فِي الرِّجَال قَالَه فِي الرَّوْضَة وَقِيَاس مَا مر عَن الْأَذْرَعِيّ فِي الْأَمْرَد أَن الْمَرْأَة إِذا خَافت من حُضُورهَا رِيبَة أَو تُهْمَة أَو قالة لَا تجب عَلَيْهَا الْإِجَابَة وَإِن أذن الزَّوْج وَالْأولَى عدم حُضُورهَا خُصُوصا فِي هَذَا الزَّمَان الَّذِي كثر فِيهِ اخْتِلَاط الْأَجَانِب من الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي مثل ذَلِك من غير مبالاة بكشف مَا هُوَ عَورَة كَمَا هُوَ مَعْلُوم مشَاهد وَلابْن الْحَاج الْمَالِكِي اعتناء زَائِد بالْكلَام على مثل هَذَا وأشباهه بِاعْتِبَار زَمَانه فَكيف لَهُ بِزَمَان خرق فِيهِ السياج وَزَاد بَحر فَسَاده وهاج وَلَا تسْقط إِجَابَة بِصَوْم فَإِن شقّ على الدَّاعِي صَوْم نفل من الْمَدْعُو فالفطر لَهُ أفضل وَيَأْكُل الضَّيْف مِمَّا قدم لَهُ بِلَا لغط وَلَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا بِأَكْل وَيملك الضَّيْف مَا التقمه بِوَضْعِهِ فِي فَمه كَمَا جزم بِهِ ابْن الْمقري وللضيف أَخذ مَا يعلم رضَا المضيف بِهِ وَيحل نثر سكره وَغَيره فِي الإملاك وَلَا يكره النثر فِي الْأَصَح وَيحل الْتِقَاطه وَلَكِن تَركه أولى وَيسن للضيف وَإِن لم يَأْكُل أَن يَدْعُو للمضيف وَأَن يَقُول الْملك لضيفه وَلغيره كزوجته وَولده إِذا رفع يَده من الطَّعَام كل ويكرره عَلَيْهِ مَا لم يتَحَقَّق أَنه اكْتفى مِنْهُ وَلَا يزِيد على ثَلَاث مَرَّات وَذكرت فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره مسَائِل مهمة تتَعَلَّق بِهَذَا الْفَصْل لَا بَأْس بمراجعتها
فصل فِي الْقسم والنشوز
وَالْقسم بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون السِّين مصدر قسمت الشَّيْء وَأما بِالْكَسْرِ فالنصيب وَالْقسم بِفَتْح الْقَاف وَالسِّين الْيَمين والنشوز هُوَ الْخُرُوج عَن الطَّاعَة
وَيجب الْقسم لزوجتين أَو زَوْجَات وَلَو كن إِمَاء فَلَا مدْخل لإماء غير زَوْجَات فِيهِ وَإِن كن مستولدات قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ القَوْل فِي حكم التَّسْوِيَة بَين النِّسَاء وَقد شرح فِي الْقسم الأول وَهُوَ الْقسم بقوله (والتسوية فِي الْقسم) فِي الْمبيت (بَين) الزوجتين و (الزَّوْجَات) الْحَرَائِر (وَاجِبَة) على الزَّوْج وَلَو قَامَ بهما أَو بِهن عذر كَمَرَض وحيض ورتق وَقرن وإحرام لِأَن الْمَقْصُود الْأنس لَا الْوَطْء وَلَا تجب التَّسْوِيَة بَينهمَا أَو بَينهُنَّ فِي التَّمَتُّع بِوَطْء وَغَيره لَكِنَّهَا تسن وَخرج بقولنَا الْحَرَائِر مَا لَو كَانَ تَحْتَهُ حرَّة وَأمة فللحرة ليلتان وللأمة لَيْلَة لحَدِيث فِيهِ مُرْسل وَإِذا قَامَ بِالزَّوْجَةِ نشوز وَإِن لم يحصل بِهِ إِثْم كمجنونة بِأَن خرجت عَن طَاعَة زَوجهَا كَأَن خرجت من مَسْكَنه بِغَيْر إِذْنه أَو لم تفتح لَهُ الْبَاب ليدْخل أَو لم تمكنه من نَفسهَا لَا تسْتَحقّ قسما كَمَا لَا تسْتَحقّ نَفَقَة وَللزَّوْج إِعْرَاض عَن زَوْجَاته بِأَن لَا يبيت عِنْدهن لِأَن الْمبيت حَقه فَلهُ تَركه وَيسن أَن لَا يعطلهن بِأَن يبيت عِنْدهن ويحصنهن كواحدة لَيْسَ تَحْتَهُ غَيرهَا فَلهُ الْإِعْرَاض عَنْهَا وَيسن أَن لَا يعطلها وَأدنى درجاتها أَن لَا يخليها كل أَربع لَيَال عَن لَيْلَة اعْتِبَارا بِمن لَهُ أَربع زَوْجَات وَالْأولَى لَهُ أَن يَدُور عَلَيْهِنَّ بمسكنهن وَلَيْسَ لَهُ أَن يدعوهن لمسكن إِحْدَاهُنَّ إِلَّا برضاهن وَلَا أَن يجمعهن بمسكن إِلَّا برضاهن وَلَا أَن يَدْعُو بَعْضًا لمسكنه ويمضي لبَعض آخر لما فِيهِ من التَّخْصِيص الموحش إِلَّا برضاهن أَو بِقرْعَة أَو غَرَض كقرب مسكن من يمْضِي إِلَيْهَا دون الْأُخْرَى عماد الْقسم لَيْلًا أَو نَهَارا وَالْأَصْل فِي الْقسم لمن عمله نَهَارا اللَّيْل لِأَنَّهُ وَقت السّكُون وَالنَّهَار قبله أَو بعده تبع لِأَنَّهُ وَقت المعاش قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جعل لكم اللَّيْل لتسكنوا فِيهِ وَالنَّهَار مبصرا﴾ الأَصْل فِي الْقسم لمن عمله لَيْلًا كحارس النَّهَار لِأَنَّهُ وَقت سكونه وَاللَّيْل تبع لِأَنَّهُ وَقت معاشه فَلَو كَانَ يعْمل تَارَة بِالنَّهَارِ وَتارَة بِاللَّيْلِ لم يجز أَن يقسم لوَاحِدَة لَيْلَة تَابِعَة وَنَهَارًا متبوعا ولأخرى عَكسه (و) من عماد قسمه اللَّيْل (لَا يدْخل) نَهَارا (على غير الْمَقْسُوم لَهَا لغير حَاجَة) لتحريمه حِينَئِذٍ لما فِيهِ من إبِْطَال حق صَاحبه النّوبَة فَإِن فعل وَطَالَ مكثه لزمَه لصاحبة النّوبَة الْقَضَاء بِقدر ذَلِك من نوبَة الْمَدْخُول عَلَيْهَا أما دُخُوله لحَاجَة كوضع مَتَاع أَو أَخذه أَو تَسْلِيم نَفَقَة أَو تَعْرِيف خبر فَجَائِز لحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يطوف علينا جَمِيعًا فيدنو من
كل امْرَأَة من غير مَسِيس أَي وَطْء حَتَّى يبلغ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمهَا فيبيت عِنْدهَا وَلَا يقْضِي إِذا دخل لحَاجَة وَإِن طَال الزَّمن لِأَن النَّهَار تَابع مَعَ وجود الْحَاجة وَله مَا سوى وَطْء من استمتاع للْحَدِيث السَّابِق وَخرج بِقَيْد النَّهَار اللَّيْل فَيحرم عَلَيْهِ وَلَو لحَاجَة على الصَّحِيح لما فِيهِ من إبِْطَال حق ذَات النّوبَة إِلَّا لضَرُورَة كمرضها الْمخوف وَشدَّة الطلق وَخَوف النهب والحريق ثمَّ إِن طَال مكثه عرفا قضى من نوبَة الْمَدْخُول عَلَيْهَا مثل مكثه لِأَن حق الْآدَمِيّ لَا يسْقط بالعذر فَإِن لم يطلّ مكثه لم يقْض ليلته وَيَأْثَم من تعدى بِالدُّخُولِ وَإِن لم يطلّ مكثه وَلَو جَامع من دخل عَلَيْهَا فِي نوبَة غَيرهَا عصى وَإِن قصر الزَّمن وَكَانَ لضَرُورَة قَالَ الإِمَام واللائق بالتحقيق الْقطع بِأَن الْجِمَاع لَا الْجِمَاع يُوصف بِالتَّحْرِيمِ وَيصرف التَّحْرِيم إِلَى إِيقَاع الْمعْصِيَة لَا إِلَى مَا وَقعت بِهِ الْمعْصِيَة وَحَاصِله أَن تَحْرِيم الْجِمَاع لَا لعَينه بل لأمر خَارج وَيَقْضِي الْمدَّة دون الْجِمَاع لَا إِن قصرت وَمحل وجوب الْقَضَاء مَا إِذا بقيت المظلومة فِي نِكَاحه فَلَو مَاتَت المظلومة بِسَبَبِهَا فَلَا قَضَاء لخلوص الْحق للباقيات وَلَو فَارق المظلومة تعذر الْقَضَاء أما من عماد قسمه النَّهَار فليله كنهار غَيره ونهاره كليل غَيره فِي جَمِيع مَا تقدم هَذَا كُله فِي الْمُقِيم أما الْمُسَافِر فعماد قسمه وَقت نُزُوله لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا قَالَه فِي الرَّوْضَة تَنْبِيه أقل نوب الْقسم لمقيم عمله نَهَارا لَيْلَة وَلَا يجوز تبعيضها لما فِيهِ من تشويش الْعَيْش وعسر ضبط أَجزَاء اللَّيْل وَلَا بليلة وَبَعض أُخْرَى وَأما طَوَافه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على نِسَائِهِ فِي لَيْلَة وَاحِدَة فَمَحْمُول على رضاهن أما الْمُسَافِر فقد مر حكمه وَأما من عماد قسمه النَّهَار كالحارس فَظَاهر كَلَامه أَنه لَا يجوز لَهُ تبعيضه كتبعيض اللَّيْل مِمَّن يقسم لَيْلًا وَهُوَ الظَّاهِر وَيحْتَمل أَنه يجوز لسُهُولَة الضَّبْط والاقتصار على اللَّيْلَة أفضل من الزِّيَادَة عَلَيْهَا اقْتِدَاء بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وليقرب عَهده بِهن وَيجوز لَيْلَتَيْنِ وَثَلَاثًا بِغَيْر رضاهن وَلَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا بِغَيْر رضاهن وَإِن تفرقن فِي الْبِلَاد لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى المهاجرة والإيحاش للباقيات بطول الْمقَام عِنْد الضرة وَقد يَمُوت فِي الْمدَّة الطَّوِيلَة فَيفوت حقهن وَتجب الْقرعَة للابتداء بِوَاحِدَة عِنْد عدم رضاهن تَحَرُّزًا عَن التَّرْجِيح مَعَ استوائهن فِي الْحق فَيبْدَأ بِمن خرجت قرعتها فَإِذا مَضَت نوبتها أَقرع بَين الْبَاقِيَات ثمَّ بَين الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِذا تمت النّوبَة رَاعى التَّرْتِيب وَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَة الْقرعَة بِخِلَاف مَا لَو بَدَأَ بِلَا قرعَة فَإِنَّهُ يقرع بَين الْبَاقِيَات فَإِذا تمت النّوبَة أَقرع للابتداء القَوْل فِي حكم الْمُسَافِر فِي الْقسم (وَإِذا أَرَادَ) الزَّوْج (السّفر) لنقلة وَلَو سفرا قَصِيرا حرم عَلَيْهِ أَن يستصحب بَعضهنَّ دون بعض وَلَو بِقرْعَة فَإِن سَافر ببعضهن لنقله وَلَو بِقرْعَة قضى للمتخلفات وَلَو نقل بَعضهنَّ بِنَفسِهِ وبعضهن بوكيله قضى لمن مَعَ الْوَكِيل وَلَا يجوز أَن يتركهن بل ينقلهن أَو يُطَلِّقهُنَّ لما فِي ذَلِك من قطع أطماعهن من الوقاع فَأشبه الْإِيلَاء بِخِلَاف مَا لَو امْتنع من الدُّخُول إلَيْهِنَّ وَهُوَ حَاضر لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِع رجاؤهن وَفِي بَاقِي الْأَسْفَار الطَّوِيلَة أَو القصيرة الْمُبَاحَة إِذا أَرَادَ اسْتِصْحَاب بَعضهنَّ (أَقرع بَينهُنَّ) وجوبا كَمَا اقْتَضَاهُ إِيرَاد الرَّوْضَة وَأَصلهَا عِنْد تنازعهن (وَخرج بِالَّتِي تخرج لَهَا) سهم (الْقرعَة) لما روى الشَّيْخَانِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا أَرَادَ سفرا أَقرع بَين نِسَائِهِ فأيتهن خرج سهمها خرج بهَا مَعَه وَسَوَاء أَكَانَ ذَلِك فِي يَوْمهَا أَو فِي يَوْم غَيرهَا وَإِذا خرجت الْقرعَة لصَاحبه النّوبَة لَا تدخل
نوبتها فِي مُدَّة السّفر بل إِذا رَجَعَ وفى لَهَا نوبتها وَإِذا خرجت الْقرعَة لوَاحِدَة فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوج بغَيْرهَا وَله تَركهَا وَلَو سَافر بِوَاحِدَة أَو أَكثر من غير قرعَة عصى وَقضى فَإِن رضين بِوَاحِدَة جَازَ بِلَا قرعَة وَسقط الْقَضَاء ولهن الرُّجُوع قبل سفرها قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَكَذَا بعده مَا لم يُجَاوز مَسَافَة الْقصر أَي يصل إِلَيْهَا وَإِذا سَافر بِالْقُرْعَةِ لَا يقْضِي لِلزَّوْجَاتِ المتخلفات مُدَّة سَفَره لِأَنَّهُ لم يَتَعَدَّ وَالْمعْنَى فِيهِ أَن المستصحبة وَإِن فازت بِصُحْبَتِهِ فقد لحقها من تَعب السّفر ومشقته مَا يُقَابل ذَلِك والمتخلفة وَإِن فاتها حظها من الزَّوْج فقد ترفهت بالراحة وَالْإِقَامَة فتقابل الْأَمْرَانِ فاستويا وَخرج بالأسفار الْمُبَاحَة غَيرهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يستصحب فِيهَا بَعضهنَّ لَا بِقرْعَة وَلَا بغَيْرهَا فَإِن فعل عصى وَلَزِمَه الْقَضَاء للمتخلفات وَخرج بالزوجات الْإِمَاء فَلهُ أَن يستصحب بَعضهم بِغَيْر قرعَة فَإِن وصل الْمَقْصد وَصَارَ مُقيما قضى مُدَّة الْإِقَامَة لِخُرُوجِهِ عَن حكم السّفر هَذَا إِن سَاكن المصحوبة أما إِذا اعتزلها مُدَّة الْإِقَامَة فَلَا يقْضِي كَمَا جزم بِهِ فِي الْحَاوِي وَلَا يقْضِي مُدَّة الرُّجُوع كَمَا لَا يقْضِي مُدَّة الذّهاب تَنْبِيه من وهبت من الزَّوْجَات حَقّهَا من الْقسم لغَيْرهَا لم يلْزم الزَّوْج الرِّضَا بذلك لِأَنَّهَا لَا تملك إِسْقَاط حَقه من الِاسْتِمْتَاع فَإِن رَضِي بِالْهبةِ ووهبت لمعينة مِنْهُنَّ بَات عِنْدهَا ليلتيهما كَمَا فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما وهبت سَوْدَة نوبتها لعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَإِن وهبت للزَّوْج فَقَط كَانَ لَهُ التَّخْصِيص بِوَاحِدَة فَأكْثر لِأَنَّهَا جعلت الْحق لَهُ فيضعه حَيْثُ شَاءَ وَلَو وهبت لَهُ ولبعض الزَّوْجَات أَو لَهُ وللجميع قسم ذَلِك على الرؤوس كَمَا بَحثه بعض الْمُتَأَخِّرين وَلَا يجوز للواهبة أَن تَأْخُذ على الْمُسَامحَة بِحَقِّهَا عوضا لَا من الزَّوْج وَلَا من الضرائر لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَين وَلَا مَنْفَعَة لِأَن مقَام الزَّوْج عِنْدهَا لَيْسَ بِمَنْفَعَة ملكتها عَلَيْهِ وَقد استنبط السُّبْكِيّ من هَذِه الْمَسْأَلَة وَمن خلع الْأَجْنَبِيّ جَوَاز النُّزُول عَن الْوَظَائِف وَالَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ رَأْيه أَن أَخذ الْعِوَض فِيهِ جَائِز وَأَخذه حَلَال لإِسْقَاط الْحق لَا لتَعلق حق المنزول لَهُ بل يبْقى الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى نَاظر الْوَظِيفَة يفعل مَا فِيهِ الْمصلحَة شرعا وَبسط ذَلِك وَهَذِه مَسْأَلَة كَثِيرَة الْوُقُوع فاستفدها وللواهبة الرُّجُوع مَتى شَاءَت فَإِذا رجعت خرج فَوْرًا وَلَا ترجع فِي الْمَاضِي قبل الْعلم بِالرُّجُوعِ وَإِن بَات الزَّوْج فِي نوبَة وَاحِدَة عِنْد غَيرهَا ثمَّ ادّعى أَنَّهَا وهبت حَقّهَا وَأنْكرت لم يقبل قَوْله إِلَّا بِبَيِّنَة
القَوْل فِي تَخْصِيص الزَّوْجَة الجديدة (وَإِذا تزوج) حر أَو عبد فِي دوَام نِكَاحه (جَدِيدَة) وَلَو معادة بعد الْبَيْنُونَة (خصها) أَي كل مِنْهُمَا وجوبا (بِسبع لَيَال) مُتَوَالِيَة بِلَا قَضَاء للباقيات (إِن كَانَت بكرا) على خلقتها أَو زَالَت بِغَيْر وَطْء (وبثلاث) لَيَال مُتَوَالِيَة بِلَا قَضَاء للباقيات (إِن كَانَت ثَيِّبًا) لخَبر ابْن حبَان فِي صَحِيحه سبع للبكر وَثَلَاث للثيب وَالْمعْنَى فِي ذَلِك زَوَال الوحشة بَينهمَا وَلِهَذَا سوى بَين الْحرَّة وَالْأمة لِأَن مَا يتَعَلَّق بالطبع لَا يخْتَلف بِالرّقِّ وَالْحريَّة كمدة الْعنَّة وَالْإِيلَاء وَزيد للبكر لِأَن حياءها أَكثر وَالْحكمَة فِي الثَّلَاث والسبع أَن الثَّلَاث مغتفرة فِي الشَّرْع والسبع عدد أَيَّام الدُّنْيَا وَمَا زَاد عَلَيْهَا تكْرَار فَإِن فرق ذَلِك لما يحْسب لِأَن الوحشة لَا تَزُول بالمفرق واستأنف وَقضى المفرق للأخريات تَنْبِيه دخل فِي الثّيّب الْمَذْكُورَة من كَانَت ثيوبتها بِوَطْء حَلَال أَو حرَام أَو وَطْء شُبْهَة وَخرج بهَا من حصلت ثيوبتها بِمَرَض أَو وثبة أَو نَحْو ذَلِك وَيسن تَخْيِير الثّيّب بَين ثَلَاث بِلَا قَضَاء وَبَين سبع بِقَضَاء كَمَا فعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حَيْثُ قَالَ لَهَا إِن شِئْت سبعت عنْدك وسبعت عِنْدهن وَإِن شِئْت ثلثت عنْدك وَدرت أَي بالقسم الأول بِلَا قَضَاء وَإِلَّا لقَالَ وثلثت عِنْدهن كَمَا قَالَ وسبعت عِنْدهن وَلَا يتَخَلَّف بِسَبَب ذَلِك عَن الْخُرُوج للجماعات وَسَائِر أَعمال الْبر كعيادة المرضى وتشييع الْجَنَائِز مُدَّة الزفاف إِلَّا لَيْلًا فيتخلف وجوبا تَقْدِيمًا للْوَاجِب وَهَذَا مَا جرى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَإِن خَالف فِيهِ بعض الْمُتَأَخِّرين وَأما ليَالِي الْقسم فَتجب التَّسْوِيَة بَينهُنَّ فيهل فِي الْخُرُوج وَعَدَمه فإمَّا أَن يخرج فِي لَيْلَة الْجَمِيع أَو لَا يخرج أصلا فَإِن خص لَيْلَة بَعضهنَّ بِالْخرُوجِ أَثم القَوْل فِي حكم نشوز الْمَرْأَة ثمَّ شرع فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ النُّشُوز بقوله (وَإِذا خَافَ) الزَّوْج (نشوز الْمَرْأَة) بِأَن ظَهرت أَمَارَات نشوزها فعلا كَأَن يجد مِنْهَا إعْرَاضًا وعبوسا بعد لطف وطلاقة وَجه أَو قولا كَأَن تجيبه بِكَلَام خشن بعد أَن كَانَ بلين (وعظها) اسْتِحْبَابا لقَوْله تَعَالَى ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ كَأَن يَقُول لَهَا اتَّقى الله فِي الْحق الْوَاجِب لي عَلَيْك واحذري الْعقُوبَة بِلَا هجر وَلَا ضرب وَيبين لَهَا أَن النُّشُوز يسْقط النَّفَقَة وَالْقسم فلعلها تبدي عذرا أَو تتوب عَمَّا وَقع مِنْهَا بِغَيْر عذر وَحسن أَن يذكر لَهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا باتت الْمَرْأَة هاجرة لفراش زَوجهَا لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيّمَا امْرَأَة باتت وَزوجهَا رَاض عَنْهَا دخلت الْجنَّة (فَإِن أَبَت) مَعَ وعظه (إِلَّا النُّشُوز هجرها) فِي المضجع أَي يجوز لَهُ ذَلِك لظَاهِر الْآيَة وَلِأَن فِي الهجر أثرا ظَاهرا فِي تَأْدِيب النِّسَاء وَالْمرَاد أَن يهجر فراشها فَلَا يضاجعها فِيهِ وَخرج بالهجران فِي المضجع الهجران بالْكلَام فَلَا يجوز الهجر بِهِ لَا لزوجة وَلَا لغَيْرهَا فَوق ثَلَاثَة أَيَّام وَيجوز فِيهَا للْحَدِيث الصَّحِيح لَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي سنَن أبي دَاوُد فَمن هجره فَوق ثَلَاث فَمَاتَ دخل النَّار وَحمل الْأَذْرَعِيّ وَغَيره التَّحْرِيم على مَا إِذا قصد بهجرها ردهَا لحظ نَفسه فَإِن قصد بِهِ ردهَا عَن الْمعْصِيَة وَإِصْلَاح دينهَا فَلَا تَحْرِيم وَهَذَا مَأْخُوذ من قَوْلهم يجوز هجر المبتدع وَالْفَاسِق وَنَحْوهمَا وَمن رجا بهجره صَلَاح دين الهاجر أَو المهجور وَعَلِيهِ يحمل هجره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَعْب بن مَالك وصاحبيه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَنَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّحَابَة عَن كَلَامهم وَكَذَا هجر السّلف بَعضهم بَعْضًا (فَإِن أَقَامَت عَلَيْهِ) أَي أصرت على النُّشُوز بعد الهجر الْمُرَتّب على الْوَعْظ فعظوهن فَإِن نشزن فاهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن وَالْخَوْف هُنَا بِمَعْنى الْعلم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن خَافَ من موص جنفا أَو إِثْمًا﴾ ضربهَا ضربا غير مبرح لظَاهِر الْآيَة فتقديرها واللاتي تخافون