الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاعصفحات 614-641
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وإجماله وَبَيَانه وصيغ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستفهام والوعد والوعيد والأسماء وَالْأَفْعَال والحروف وَمَا لَا بُد مِنْهُ فِي فهم الْكتاب وَالسّنة (و) الْحَادِيَة عشرَة معرفَة طرف (تَفْسِير) من (كتاب الله تَعَالَى) ليعرف بِهِ الْأَحْكَام الْمَأْخُوذَة مِنْهُ تَنْبِيه هَذَا مَعَ الَّذِي قبله من جملَة طرق الِاجْتِهَاد وَلَا يشْتَرط أَن يكون متبحرا فِي كل نوع من هَذِه الْعُلُوم حَتَّى يكون فِي النَّحْو كسيبويه وَفِي اللُّغَة كالخليل بل يَكْفِي معرفَة جمل مِنْهَا قَالَ ابْن الصّباغ إِن هَذَا سهل فِي هَذَا الزَّمَان فَإِن الْعُلُوم قد دونت وجمعت انْتهى وَيشْتَرط أَن يكون لَهُ من كتب الحَدِيث أصل كصحيح البُخَارِيّ وَسنَن أبي دَاوُد وَلَا يشْتَرط حفظ جَمِيع الْقُرْآن وَلَا بعضه عَن ظهر قلب بل يَكْفِي أَن يعرف مظان أَحْكَامه فِي أَبْوَابهَا فيراجعها وَقت الْحَاجة وَلَا بُد أَن يعرف الْأَدِلَّة الْمُخْتَلف فِيهَا كالأخذ بِأَقَلّ مَا قيل وكالاستصحاب وَمَعْرِفَة أصُول الِاعْتِقَاد كَمَا حُكيَ فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا عَن الْأَصْحَاب اشْتِرَاطه ثمَّ اجْتِمَاع هَذِه الْعُلُوم إِنَّمَا يشْتَرط فِي الْمُجْتَهد الْمُطلق وَهُوَ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيع أَبْوَاب الشَّرْع أما الْمُقَلّد بِمذهب إِمَام خَاص فَلَيْسَ عَلَيْهِ معرفَة قَوَاعِد إِمَامه وليراع فِيهَا مَا يُرَاعى الْمُطلق فِي قوانين الشَّرْع فَإِنَّهُ مَعَ الْمُجْتَهد كالمجتهد مَعَ نُصُوص الشَّرْع وَلِهَذَا لَيْسَ لَهُ أَن يعدل عَن نَص إِمَامه كَمَا لَا يسوغ الِاجْتِهَاد مَعَ النَّص قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد وَلَا يَخْلُو الْعَصْر عَن مُجْتَهد إِلَّا إِذا تداعى الزَّمَان وَقربت السَّاعَة وَأما أَقْوَال الْغَزالِيّ والقفال إِن الْعَصْر خلا عَن الْمُجْتَهد المستقل فَالظَّاهِر أَن المُرَاد مُجْتَهد قَائِم بِالْقضَاءِ فَإِن الْعلمَاء يرغبون عَنهُ فقد قَالَ مَكْحُول لَو خيرت بَين الْقَضَاء وَالْقَتْل لاخترت الْقَتْل وَامْتنع مِنْهُ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنْهُمَا وَهَذَا ظَاهر لَا شكّ فِيهِ إِذْ كَيفَ يُمكن الْقَضَاء على الْأَعْصَار بخلوها عَن الْمُجْتَهد وَالشَّيْخ أَبُو عَليّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْن والأستاذ أَبُو إِسْحَاق وَغَيرهم كَانُوا يَقُولُونَ لسنا مقلدين للشَّافِعِيّ بل وَافق رَأينَا رَأْيه وَيجوز تبعيض الِاجْتِهَاد بِأَن يكون الْعَالم مُجْتَهدا فِي بَاب دون بَاب فيكفيه علم مَا يتَعَلَّق بِالْبَابِ الَّذِي يجْتَهد فِيهِ (و) الثَّانِيَة عشرَة (أَن يكون سميعا) وَلَو بصياح فِي أُذُنه فَلَا يُولى أَصمّ لَا يسمع أصلا فَإِنَّهُ لَا يفرق بَين إِقْرَار وإنكار وَالثَّالِثَة عشرَة أَن يكون (بَصيرًا) فَلَا يُولى أعمى وَلَا من يرى الأشباح وَلَا يعرف الصُّور لِأَنَّهُ لَا يعرف الطَّالِب من الْمَطْلُوب فَإِن كَانَ يعرف الصُّور إِذا قربت مِنْهُ صَحَّ وَخرج بالأعمى الْأَعْوَر فَإِنَّهُ يَصح تَوليته وَكَذَا من يبصر نَهَارا فَقَط دون من يبصر لَيْلًا فَقَط قَالَه الْأَذْرَعِيّ فَإِن قيل قد اسْتخْلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْن أم مَكْتُوم على الْمَدِينَة وَهُوَ أعمى وَلذَلِك قَالَ مَالك بِصِحَّة ولَايَة الْأَعْمَى أُجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ فِي إِمَامَة الصَّلَاة دون الحكم تَنْبِيه لَو سمع القَاضِي الْبَيِّنَة ثمَّ عمي قضى فِي تِلْكَ الْوَاقِعَة على الْأَصَح وَاسْتثنى أَيْضا لَو نزل أهل قلعة على حكم أعمى فَإِنَّهُ يجوز كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي مَحَله

وَالرَّابِعَة عشرَة أَن يكون (كَاتبا) على أحد وَجْهَيْن اخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيّ وَالزَّرْكَشِيّ لاحتياجه إِلَى أَن يكْتب إِلَى غَيره وَلِأَن فِيهِ أمنا من تَحْرِيف القارىء عَلَيْهِ وأصحهما كَمَا فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا عدم اشْتِرَاط كَونه كَاتبا لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب وَلَا يشْتَرط فِيهِ معرفَة الْحساب لتصحيح الْمسَائِل الحسابية الْفِقْهِيَّة كَمَا صَوبه فِي الْمطلب لِأَن الْجَهْل بِهِ لَا يُوجب الْخلَل فِي غير تِلْكَ الْمسَائِل والإحاطة بِجَمِيعِ الْأَحْكَام لَا تشْتَرط وَالْخَامِسَة عشرَة أَن يكون (مستيقظا) بِحَيْثُ لَا يُؤْتى من غَفلَة وَلَا يخدع من غرَّة كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَام ابْن الْقَاص وَصرح بِهِ الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيّ فِي الْوَسِيط واستند فِيهِ إِلَى قَول الشَّيْخَيْنِ وَيشْتَرط فِي الْمُفْتِي التيقظ وَقُوَّة الضَّبْط قَالَ وَالْقَاضِي أولى بِاشْتِرَاط ذَلِك وَإِلَّا لضاعت الْحُقُوق انْتهى مُلَخصا وَلَكِن المجزوم بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا اسْتِحْبَاب ذَلِك لَا اشْتِرَاطه تَنْبِيه هَاتَانِ الخصلتان الضعيفتان الْمَوْعُود بهما وَأما المتروكتان فَالْأولى كَونه ناطقا فَلَا تصح تَوْلِيَة الْأَخْرَس على الصَّحِيح لِأَنَّهُ كالجماد وَالثَّانيَِة أَن يكون فِيهِ كِفَايَة للْقِيَام بِأَمْر الْقَضَاء فَلَا يُولى مختل نظر بكبر أَو مرض أَو نَحْو ذَلِك وَفسّر بَعضهم الْكِفَايَة اللائقة بِالْقضَاءِ بِأَن يكون فِيهِ قُوَّة على تَنْفِيذ الْحق بِنَفسِهِ فَلَا يكون ضَعِيف النَّفس جَبَانًا فَإِن كثيرا من النَّاس يكون عَالما دينا وَنَفسه ضَعِيفَة عَن التَّنْفِيذ والإلزام والسطوة فيطمع فِي جَانِبه بِسَبَب ذَلِك وَإِذا عرف الإِمَام أَهْلِيَّة أحد ولاه وَإِلَّا بحث عَن حَاله كَمَا اختبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معَاذًا وَلَو ولى من لَا يصلح للْقَضَاء مَعَ وجود الصَّالح لَهُ وَالْعلم بِالْحَال أَثم الْمولي بِكَسْر اللَّام وَالْمولى بِفَتْحِهَا وَلَا ينفذ قَضَاؤُهُ وَإِن أصَاب فِيهِ فَإِن تعذر فِي شخص جَمِيع هَذِه الشُّرُوط السَّابِقَة فولى السُّلْطَان لَهُ شَوْكَة فَاسِقًا مُسلما أَو مُقَلدًا نفذ قَضَاؤُهُ للضَّرُورَة لِئَلَّا تتعطل مصَالح النَّاس فَخرج الْمُسلم الْكَافِر إِذا ولي بِالشَّوْكَةِ وَأما الصَّبِي وَالْمَرْأَة فَصرحَ ابْن عبد السَّلَام بنفوذه مِنْهُمَا وَمَعْلُوم أَنه يشْتَرط فِي غير الْأَهْل معرفَة طرف من الْأَحْكَام وللعادل أَن يتَوَلَّى الْقَضَاء من الْأَمِير الْبَاغِي فقد سُئِلت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن ذَلِك لمن استقضاه زِيَاد فَقَالَت إِن لم يقْض لَهُم خيارهم قضى لَهُم شرارهم فروع ينْدب للْإِمَام أَن يَأْذَن للْقَاضِي فِي الِاسْتِخْلَاف إِعَانَة لَهُ فَإِن أطلق التَّوْلِيَة اسْتخْلف فِيمَا عجز عَنهُ فَإِن أطلق الْإِذْن فِي الِاسْتِخْلَاف اسْتخْلف مُطلقًا فَإِن خصصه بِشَيْء لم يتعده وَشرط الْمُسْتَخْلف بِفَتْح اللَّام كَشَرط القَاضِي السَّابِق إِلَّا أَن يسْتَخْلف فِي أَمر خَاص كسماع بَيِّنَة فَيَكْفِي علمه بِمَا يتَعَلَّق بِهِ وَيحكم بِاجْتِهَادِهِ إِن كَانَ مُجْتَهدا أَو اجْتِهَاد مقلده إِن كَانَ مُقَلدًا وَجَاز نصب أَكثر من قَاض بِمحل إِن لم يشرط اجْتِمَاعهم على الحكم وَإِلَّا فَلَا يجوز لما يَقع بَينهمَا من الْخلاف فِي مَحل الِاجْتِهَاد وَيُؤْخَذ من التَّعْلِيل أَن عدم الْجَوَاز مَحَله فِي غير الْمسَائِل الْمُتَّفق عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهر وَيجوز تحكيم اثْنَيْنِ فَأكْثر أَهلا للْقَضَاء فِي غير عُقُوبَة الله تَعَالَى وَلَو مَعَ وجود قَاض وَخرج بالأهل غَيره فَلَا يجوز تحكيمه مَعَ وجود الْأَهْل وَلَا ينفذ حكمه إِلَّا بِرِضا الْخَصْمَيْنِ قبل الحكم إِن لم يكن أَحدهمَا قَاضِيا وَإِلَّا فَلَا يشْتَرط رضاهما وَلَا يَكْفِي رضَا جَان فِي ضرب دِيَة على عَاقِلَة وَلَو رَجَعَ أحد الْخَصْمَيْنِ قبل الحكم امْتنع وَلَو زَالَت أَهْلِيَّة القَاضِي بِنَحْوِ جُنُون كإغماء انْعَزل وَلَو

عَادَتْ لم تعد ولَايَته وَله عزل نَفسه كَالْوَكِيلِ وَللْإِمَام عَزله بخلل وَأفضل مِنْهُ وبمصلحة كتسكين فتْنَة فَإِن لم يكن شَيْء من ذَلِك حرم وَنفذ عَزله إِن وجد ثمَّ صَالح وَإِلَّا فَلَا ينفذ وَلَا يَنْعَزِل قبل بُلُوغه عَزله فَإِن علق عَزله بقرَاءَته كَاتبا انْعَزل بهَا وبقراءته عَلَيْهِ وينعزل بانعزاله نَائِبه لَا قيم يَتِيم ووقف وَلَا من اسْتَخْلَفَهُ بقول الإِمَام اسْتخْلف عني وَلَا يَنْعَزِل قَاض ووال بانعزال الإِمَام وَلَا يقبل قَول متول فِي غير مَحل ولَايَته وَلَا مَعْزُول حكمت بِكَذَا وَلَا شَهَادَة كل مِنْهُمَا بِحكمِهِ إِلَّا إِن شهد بِحكم حَاكم وَلم يعلم القَاضِي أَنه حكمه وَلَو ادّعى على متول جورا فِي حكمه لم يسمع ذَلِك إِلَّا بِبَيِّنَة فَإِن ادّعى عَلَيْهِ بِشَيْء لَا يتَعَلَّق بِحكمِهِ أَو على مَعْزُول بِشَيْء فكغيرهما وَتثبت تَوْلِيَة القَاضِي بِشَاهِدين يخرجَانِ مَعَه إِلَى مَحل ولَايَته يخبران أَو باستفاضة وَيسن أَن يكْتب موليه لَهُ كتابا بالتولية وَأَن يبْحَث القَاضِي عَن حَال عُلَمَاء الْمحل وعدوله قبل دُخُوله وَأَن يدْخل يَوْم الِاثْنَيْنِ فخميس فسبت (وَيسْتَحب أَن يجلس) للْقَضَاء (فِي وسط الْبَلَد) ليتساوى أَهله فِي الْقرب مِنْهُ هَذَا إِن اتسعت خطته وَإِلَّا نزل حَيْثُ تيَسّر وَهَذَا إِذا لم يكن فِيهِ مَوضِع يعْتَاد النُّزُول فِيهِ وَأَن ينظر أَولا فِي أهل الْحَبْس لِأَنَّهُ عَذَاب فَمن أقرّ مِنْهُم بِحَق فعل بِهِ مُقْتَضَاهُ وَمن قَالَ ظلمت فعلى خَصمه حجَّة فَإِن كَانَ خَصمه غَائِبا كتب إِلَيْهِ ليحضر هُوَ أَو وَكيله ثمَّ ينظر فِي الأوصياء فَمن وجده عدلا قَوِيا فِيهَا أقره أَو فَاسِقًا أَخذ المَال مِنْهُ أَو عدلا ضَعِيفا عضده بِمعين ثمَّ يتَّخذ كَاتبا للْحَاجة إِلَيْهِ عدلا ذكرا حرا عَارِفًا بِكِتَابَة محَاضِر وسجلات شرطا فِيهَا فَقِيها عفيفا وافر الْعقل جيد الْخط ندبا وَأَن يتَّخذ مترجمين وَأَن يتَّخذ قَاض أَصمّ مسمعين للْحَاجة إِلَيْهِمَا أَهلِي شَهَادَة وَلَا يضرهما الْعَمى لِأَن التَّرْجَمَة والإسماع تَفْسِير وَنقل اللَّفْظ لَا يحْتَاج إِلَى مُعَاينَة بِخِلَاف الشَّهَادَات وَأَن يتَّخذ درة للتأديب وسجنا لأَدَاء حق ولعقوبة وَيكون جُلُوسه (فِي مَوضِع) فسيح (بارز للنَّاس) أَي ظَاهر لَهُم ليعرفه من أَرَادَهُ من مستوطن وغريب مصونا من أَذَى حر وَبرد بِأَن يكون فِي الصَّيف فِي مهب الرّيح وَفِي الشتَاء فِي كن لائقا بِالْحَال فيجلس فِي كل فصل من الصَّيف والشتاء وَغَيرهمَا بِمَا يُنَاسِبه وَيكرهُ للْقَاضِي أَن يتَّخذ حاجبا كَمَا قَالَ (لَا حَاجِب لَهُ) أَي للْقَاضِي (دونهم) أَي الْخُصُوم أَي حَيْثُ لَا زحمة وَقت الحكم لخَبر من ولي من أُمُور النَّاس شَيْئا فاحتجب حجبه الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم بِإِسْنَاد صَحِيح فَإِن لم يجلس للْحكم بِأَن كَانَ فِي وَقت خلوته أَو كَانَ ثمَّ زحمة لم يكره نَصبه والبواب وَهُوَ من يقْعد بِالْبَابِ للإحراز وَيدخل على القَاضِي للاستئذان كالحاجب فِيمَا ذكر قَالَ الْمَاوَرْدِيّ أما من وظيفته تَرْتِيب الْخُصُوم والإعلام بمنازل النَّاس أَي وَهُوَ الْمُسَمّى الْآن بالنقيب فَلَا بَأْس باتخاذه وَصرح القَاضِي أَبُو الطّيب وَغَيره باستحبابه تَنْبِيه من الْآدَاب أَن يجلس على مُرْتَفع كدكة ليسهل عَلَيْهِ النّظر إِلَى النَّاس وَعَلَيْهِم الْمُطَالبَة وَأَن يتَمَيَّز عَن غَيره بفراش ووسادة وَإِن كَانَ مَشْهُورا بالزهد والتواضع ليعرفه النَّاس وليكون أهيب للخصوم وأرفق بِهِ فَلَا يمل وَأَن يسْتَقْبل الْقبْلَة لِأَنَّهَا أشرف الْمجَالِس كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَأَن لَا يتكىء بِغَيْر عذر وَأَن يَدْعُو عقب جُلُوسه بالتوفيق والتسديد وَالْأولَى مَا روته أم سَلمَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا خرج من بَيته قَالَ بِسم الله توكلت على الله اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من أَن أضلّ أَو أضلّ أَو أزل أَو أزل أَو أظلم أَو أظلم أَو أَجْهَل أَو يجهل عَليّ قَالَ فِي الْأَذْكَار حَدِيث حسن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ ابْن الْقَاص وَسمعت أَن الشّعبِيّ كَانَ يَقُوله إِذا خرج إِلَى مجْلِس الْقَضَاء وَيزِيد فِيهِ أَو أعتدي أَو يعتدى عَليّ اللَّهُمَّ أَعنِي بِالْعلمِ وزيني بالحلم وأكرمني بالتقوى حَتَّى لَا أنطق إِلَّا بِالْحَقِّ

وَلَا أَقْْضِي إِلَّا بِالْعَدْلِ وَأَن يَأْتِي الْمجْلس رَاكِبًا وَأَن يسْتَعْمل مَا جرت بِهِ الْعَادة من الْعِمَامَة والطيلسان وَينْدب أَن يسلم على النَّاس يَمِينا وَشمَالًا وَأَن يشاور الْفُقَهَاء عِنْد اخْتِلَاف وُجُوه النّظر وتعارض الْأَدِلَّة فِي حكم قَالَ تَعَالَى لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستغنيا عَنْهَا وَلَكِن أَرَادَ أَن تكون سنة للحكام أما الحكم الْمَعْلُوم بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس جلي فَلَا وَالْمرَاد بالفقهاء كَمَا قَالَه جمع من الْأَصْحَاب الَّذين يقبل قَوْلهم فِي الْإِفْتَاء فَيدْخل الْأَعْمَى وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَيخرج الْفَاسِق وَالْجَاهِل (وَلَا يقْعد للْقَضَاء فِي الْمَسْجِد) أَي يكره لَهُ اتِّخَاذه مَجْلِسا للْحكم صونا لَهُ عَن ارْتِفَاع الْأَصْوَات واللغظ الواقعين بِمَجْلِس الْقَضَاء عَادَة وَلَو اتّفقت قَضِيَّة أَو قضايا وَقت حُضُوره فِيهِ لصَلَاة أَو غَيرهَا فَلَا بَأْس بفصلها وعَلى ذَلِك يحمل مَا جَاءَ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن خلفائه فِي الْقَضَاء فِي الْمَسْجِد وَكَذَا إِذا احْتَاجَ لجُلُوس فِيهِ لعذر من مطر وَنَحْوه فَإِن جلس فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَة أَو دونهَا منع الْخُصُوم من الْخَوْض فِيهِ بالمخاصمة والمشاتمة وَنَحْوهمَا بل يَقْعُدُونَ خَارجه وَينصب من يدْخل عَلَيْهِ خصمين وَإِقَامَة الْحُدُود فِيهِ أَشد كَرَاهَة كَمَا نَص عَلَيْهِ ثمَّ شرع فِي التَّسْوِيَة بَين الْخَصْمَيْنِ فَقَالَ (وَيُسَوِّي) أَي القَاضِي (بَين الْخَصْمَيْنِ) وجوبا على الصَّحِيح (فِي ثَلَاثَة) بل سَبْعَة (أَشْيَاء) كَمَا ستعرفه الأول (فِي الْمجْلس) فيسوي بَينهمَا فِيهِ بِأَن يجلسهما بَين يَدَيْهِ أَو أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن يسَاره وَالْجُلُوس بَين يَدَيْهِ أولى وَلَا يرْتَفع الْمُوكل عَن الْوَكِيل والخصم لِأَن الدَّعْوَى مُتَعَلقَة بِهِ أَيْضا بِدَلِيل تَحْلِيفه إِذا وَجَبت يَمِين حَكَاهُ ابْن الرّفْعَة عَن الزبيلي وَأقرهُ قَالَ الْأَذْرَعِيّ وَغَيره وَهُوَ حسن والبلوى بِهِ عَامَّة وَقد رَأينَا من يُوكل قرارا من التسويه بَينه وَبَين خَصمه وَالصَّحِيح جَوَاز رفع مُسلم على ذمِّي فِي الْمجْلس كَأَن يجلس الْمُسلم أقرب إِلَيْهِ من الذِّمِّيّ لما روى الْبَيْهَقِيّ عَن الشّعبِيّ قَالَ خرج عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى السُّوق فَإِذا هُوَ بنصراني يَبِيع درعا فعرفها عَليّ فَقَالَ هَذِه دِرْعِي بيني وَبَيْنك قَاضِي الْمُسلمين فَأتيَا إِلَى القَاضِي شُرَيْح فَلَمَّا رأى القَاضِي عليا قَامَ من مَجْلِسه وَأَجْلسهُ فَقَالَ لَهُ عَليّ لَو كَانَ خصمي مُسلما لجلست مَعَه بَين يَديك وَلَكِنِّي سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا تساووهم فِي الْمجَالِس اقْضِ بيني وَبَينه فَقَالَ شُرَيْح مَا تَقول يَا نَصْرَانِيّ فَقَالَ الدرْع دِرْعِي فَقَالَ شُرَيْح لعَلي هَل من بَيِّنَة فَقَالَ عَليّ صدق شُرَيْح فَقَالَ النَّصْرَانِي إِنِّي أشهد أَن هَذِه أَحْكَام الْأَنْبِيَاء ثمَّ أسلم النَّصْرَانِي فَأعْطَاهُ عَليّ الدرْع وَحمله على فرس عَتيق قَالَ الشّعبِيّ فقد رَأَيْته يُقَاتل الْمُشْركين عَلَيْهِ وَلِأَن الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ وَيُشبه كَمَا قَالَ فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا أَن يجْرِي ذَلِك فِي سَائِر وُجُوه الْإِكْرَام حَتَّى فِي التَّقْدِيم فِي الدَّعْوَى كَمَا بَحثه بَعضهم وَهُوَ ظَاهر إِذا قلت خصوم الْمُسلمين وَإِلَّا فَالظَّاهِر خِلَافه لِكَثْرَة ضَرَر الْمُسلمين قَالَ الأسنوي وَلَو كَانَ أَحدهمَا ذِمِّيا وَالْآخر مُرْتَدا فَيتَّجه تَخْرِيجه على التكافؤ فِي الْقصاص وَالصَّحِيح أَن الْمُرْتَد يقتل بالذمي دون عَكسه وتعجب البُلْقِينِيّ من هَذَا التَّخْرِيج فَإِن التكافؤ فِي الْقصاص لَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ بسبيل وَلَو اعتبرناه لرفع الْحر على العَبْد وَالْوَالِد على الْوَلَد

(و) الثَّانِي فِي اسْتِمَاع (اللَّفْظ) مِنْهُمَا لِئَلَّا ينكسر قلب أَحدهمَا (و) الثَّالِث فِي (اللحظ) بالظاء المشالة وَهُوَ النّظر بمؤخر الْعين كَمَا قَالَه فِي الصِّحَاح وَالْمعْنَى فِيهِ مَا تقدم وَالرَّابِع فِي دخولهما عَلَيْهِ فَلَا يدْخل أَحدهمَا قبل الآخر وَالْخَامِس فِي الْقيام لَهما فَلَا يخص أَحدهمَا بِقِيَام إِن علم أَنه فِي خُصُومَة فَإِن لم يعلم إِلَّا بعد قِيَامه لَهُ فإمَّا أَن يعْتَذر لخصمه مِنْهُ وَإِمَّا أَن يقوم لَهُ كقيامه للْأولِ وَهُوَ الأولى وَاخْتَارَ ابْن أبي الدَّم كَرَاهَة الْقيام لَهما جَمِيعًا فِي آدَاب الْقَضَاء لَهُ أَي إِذا كَانَ أَحدهمَا مِمَّن يُقَام لَهُ دون الآخر لِأَنَّهُ رُبمَا يتَوَهَّم أَن الْقيام لَيْسَ لَهُ وَالسَّادِس فِي جَوَاب سلامهما إِن سلما مَعًا فَلَا يرد على أَحدهمَا وَيتْرك الآخر فَإِن سلم عَلَيْهِ أَحدهمَا انْتظر الآخر أَو قَالَ لَهُ سلم ليجيبهما مَعًا إِذا سلم قَالَ الشَّيْخَانِ وَقد يتَوَقَّف فِي هَذَا إِذا طَال الْفَصْل وَكَأَنَّهُم احتملوا هَذَا الْفَصْل لِئَلَّا يبطل معنى التَّسْوِيَة وَالسَّابِع فِي طلاقة الْوَجْه وَسَائِر أَنْوَاع الْإِكْرَام فَلَا يخص أَحدهمَا بِشَيْء مِنْهَا وَإِن اخْتلف بفضيلة أَو غَيرهَا تَنْبِيه ينْدب أَن لَا يَشْتَرِي وَلَا يَبِيع بِنَفسِهِ لِئَلَّا يشْتَغل قلبه عَمَّا هُوَ بصدده وَلِأَنَّهُ قد يحابي فيميل قلبه إِلَى من يحابيه إِذا وَقع بَينه وَبَين غَيره حُكُومَة والمحاباة فِيهَا رشوة أَو هَدِيَّة وَهِي مُحرمَة وَأَن لَا يكون لَهُ وَكيل مَعْرُوف كي لَا يحابي أَيْضا فَإِن فعل ذَلِك كره والمعاملة فِي مجْلِس حكمه أَشد كَرَاهَة (وَلَا يجوز) للْقَاضِي (أَن يقبل الْهَدِيَّة) وَإِن قلت فَإِن أهدي إِلَيْهِ من لَهُ خُصُومَة فِي الْحَال عِنْده سَوَاء أَكَانَ مِمَّن يهدى إِلَيْهِ قبل الْولَايَة سَوَاء أَكَانَ (من أهل عمله) أم لَا أَو لم يكن لَهُ خُصُومَة لكنه لم يهد لَهُ قبل ولَايَته الْقَضَاء ثمَّ أهدي إِلَيْهِ بعد الْقَضَاء هَدِيَّة حرم عَلَيْهِ قبُولهَا أما فِي الأولى فلخبر هَدَايَا الْعمَّال سحت وَرُوِيَ هَدَايَا السُّلْطَان سحت وَلِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْميل إِلَيْهِ وينكسر بهَا قلب خَصمه وَأما فِي الثَّانِيَة فَلِأَن سَببهَا الْعَمَل ظَاهرا وَلَا يملكهَا فِي الصُّورَتَيْنِ لَو قبلهَا ويردها على مَالِكهَا فَإِن تعذر وَضعهَا فِي بَيت المَال وَقَضِيَّة كَلَامهم أَنه لَو أرسلها إِلَيْهِ فِي مَحل ولَايَته وَلم يدْخل بهَا حرمت وَهُوَ كَذَلِك وَإِن ذكر فِيهَا الْمَاوَرْدِيّ وَجْهَيْن تَنْبِيه يسْتَثْنى من ذَلِك هَدِيَّة أَبْعَاضه كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ إِذْ لَا ينفذ حكمه لَهُم وَلَو أهدي إِلَيْهِ من لَا خُصُومَة لَهُ وَكَانَ يهدى إِلَيْهِ قبل ولَايَته جَازَ لَهُ قبُولهَا إِن كَانَت الْهَدِيَّة بِقدر الْعَادة السَّابِقَة وَالْأولَى إِذا قبلهَا أَن يردهَا أَو يثيب عَلَيْهَا لِأَن ذَلِك أبعد من

التُّهْمَة أما إِذا زَادَت على الْعَادة فَكَمَا لَو لم يعْهَد مِنْهُ ذَلِك كَذَا فِي أصل الرَّوْضَة وَقَضيته تَحْرِيم الْجَمِيع لَكِن قَالَ الرَّوْيَانِيّ نقلا عَن الْمُهَذّب إِن كَانَت الزِّيَادَة من جنس الْهَدِيَّة جَازَ قبُولهَا لدخولها فِي المألوف وَإِلَّا فَلَا وَفِي الذَّخَائِر يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن لم تتَمَيَّز الزِّيَادَة أَي بِجِنْس أَو قدر حرم قبُول الْجَمِيع وَإِلَّا فَالزِّيَادَة فَقَط وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر فَإِن زَادَت فِي الْمَعْنى كَأَن أهْدى من عَادَته قطن حَرِيرًا هَل يبطل فِي الْجَمِيع أَو يَصح مِنْهَا بِقدر الْمُعْتَاد فِيهِ نظر استظهر الْإِسْنَوِيّ الأول وَهُوَ ظَاهر إِن كَانَ للزِّيَادَة وَقع وَإِلَّا فَلَا عِبْرَة بهَا والضيافة وَالْهِبَة كالهدية وَالْعَارِية إِن كَانَت مِمَّا يُقَابل بِأُجْرَة فَحكمهَا كالهدية وَإِلَّا فَلَا كَمَا بَحثه بَعضهم وَبحث بَعضهم أَيْضا أَن الصَّدَقَة كالهدية وَأَن الزَّكَاة كَذَلِك إِن لم يتَعَيَّن الدّفع إِلَيْهِ وَمَا بَحثه ظَاهر وَقبُول الرِّشْوَة حرَام وَهِي مَا يبْذل للْقَاضِي ليحكم بِغَيْر الْحق أَو ليمتنع من الحكم بِالْحَقِّ وَذَلِكَ لخَبر لعن الله الراشي والمرتشي فِي الحكم فروع لَيْسَ للْقَاضِي حُضُور وَلِيمَة أحد الْخَصْمَيْنِ حَالَة الْخُصُومَة وَلَا يحضر وليمتهما وَلَو فِي غير مَحل ولَايَته لخوف الْميل وَله تَخْصِيص إِجَابَة من اعْتَادَ تَخْصِيصه قبل الْولَايَة وَينْدب لَهُ إِجَابَة غير الْخَصْمَيْنِ إِن عمم المولم النداء لَهَا وَلم يقطعهُ كَثْرَة الولائم عَن الحكم وَإِلَّا فَيتْرك الْجَمِيع وَلَا يضيف أحد الْخَصْمَيْنِ دون الآخر وَلَا يلْتَحق فِيمَا ذكر الْمُفْتِي والواعظ ومعلموا الْقُرْآن وَالْعلم إِذْ لَيْسَ لَهُم أَهْلِيَّة الْإِلْزَام وللقاضي أَن يشفع لأحد الْخَصْمَيْنِ ويزن عَنهُ مَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ينفعهما وَأَن يُعِيد المرضى وَيشْهد الْجَنَائِز ويزور القادمين وَلَو كَانُوا متخاصمين لِأَن ذَلِك قربَة (ويجتنب) القَاضِي (الْقَضَاء) أَي يكره لَهُ ذَلِك (فِي عشرَة مَوَاضِع) وأهمل مَوَاضِع كَمَا ستعرفها وَضَابِط الْمَوَاضِع الَّتِي يكره للْقَاضِي الْقَضَاء فِيهَا كل حَال يتَغَيَّر فها خلقه وَكَمَال عقله الْموضع الأول (عِنْد الْغَضَب) لخَبر الصَّحِيحَيْنِ لَا يحكم أحد بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان وَظَاهر هَذَا أَنه لَا فرق بَين الْمُجْتَهد وَغَيره وَلَا بَين أَن يكون لله تَعَالَى أَو لَا وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الْمَقْصُود تشويش الْفِكر وَهُوَ لَا يخْتَلف بذلك نعم تَنْتفِي الْكَرَاهَة إِذا دعت الْحَاجة إِلَى الحكم فِي الْحَال وَقد يتَعَيَّن الحكم على الْفَوْر فِي صور كَثِيرَة (و) الثَّانِي عِنْد (الْجُوع و) الثَّالِث عِنْد (الْعَطش) المفرطين وَكَذَا عِنْد الشِّبَع المفرط وَأَهْمَلَهُ المُصَنّف

(و) الرَّابِع عِنْد (شدَّة الشَّهْوَة) أَي التوقان إِلَى النِّكَاح (و) الْخَامِس عِنْد (الْحزن) المفرط فِي مُصِيبَة أَو غَيرهَا (و) السَّادِس عِنْد (الْفَرح المفرط) وَلَو قَالَ المفرطين لَكَانَ أولى لِأَنَّهُ قيد فِي الْحزن أَيْضا كَمَا مر (و) السَّابِع عِنْد (الْمَرَض) المؤلم كَمَا قيد بِهِ فِي الرَّوْضَة (و) الثَّامِن عِنْد (مدافعة) أحد (الأخبثين) أَي الْبَوْل وَالْغَائِط وَلَو ذكر أحد كَمَا قدرته فِي كَلَامه لَكَانَ أولى لإِفَادَة الِاكْتِفَاء بِهِ وكراهته عِنْد مدافعتهم بِالْأولَى وَكَذَا يكره عِنْد مدافعة الرّيح كَمَا ذكره الدَّمِيرِيّ وَأَهْمَلَهُ المُصَنّف (و) التَّاسِع عِنْد (النعاس) أَي غلبته كَمَا قيد بِهِ فِي الرَّوْضَة (و) الْعَاشِر عِنْد شدَّة (الْحر و) شدَّة (الْبرد) وأهمل المُصَنّف عِنْد الْخَوْف المزعج وَعند الملال وَقد جزم بهما فِي الرَّوْضَة وَإِنَّمَا كره الْقَضَاء فِي هَذِه الْأَحْوَال لتغير الْعقل والخلق فِيهَا فَلَو خَالف وَقضى فِيهَا نفذ قَضَاؤُهُ كَمَا جزم بِهِ فِي الرَّوْضَة لقصة الزبير الْمَشْهُورَة وَلَا ينفذ حكم القَاضِي لنَفسِهِ لِأَنَّهُ من خَصَائِصه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يحكم لرقيقه وَلَا لشَرِيكه فِي المَال الْمُشْتَرك بَينهمَا للتُّهمَةِ وَيحكم للْقَاضِي وَلمن ذكر مَعَه الإِمَام أَو قَاض آخر أَو نَائِبه وَإِذا أقرّ الْمُدعى عَلَيْهِ عِنْد القَاضِي أَو نكل عَن الْيَمين فَحلف الْمُدَّعِي الْيَمين الْمَرْدُودَة وَسَأَلَ القَاضِي أَن يشْهد على إِقْرَاره عِنْده فِي صُورَة الْإِقْرَار أَو على يَمِينه فِي صُورَة النّكُول أَو سَأَلَ الحكم بِمَا ثَبت عِنْده وَالْإِشْهَاد بِهِ لزمَه إجَابَته لِأَنَّهُ قد يُنكر بعد ذَلِك (وَلَا يسْأَل) القَاضِي (الْمُدعى عَلَيْهِ) الْجَواب أَي لَا يجوز لَهُ ذَلِك (إِلَّا بعد كَمَال الدَّعْوَى) الصَّحِيحَة وَيشْتَرط لصِحَّة كل دَعْوَى سَوَاء أَكَانَت بِدَم أم بِغَيْرِهِ كغصب وسرقة وَإِتْلَاف سِتَّة شُرُوط الأول أَن تكون مَعْلُومَة غَالِبا بِأَن يفصل الْمُدَّعِي مَا يَدعِيهِ كَقَوْلِه فِي دَعْوَى الْقَتْل قَتله عمدا أَو شبه عمد أَو خطأ إفرادا أَو شركَة فَإِن أطلق مَا يَدعِيهِ كَقَوْلِه هَذَا قتل ابْني يسن للْقَاضِي استفصاله عَمَّا ذكر وَالثَّانِي أَن تكون ملزمة فَلَا تسمع دَعْوَى هبة شَيْء أَو بَيْعه أَو إِقْرَار بِهِ حَتَّى يَقُول الْمُدَّعِي وقبضته بِإِذن الْوَاهِب وَيلْزم البَائِع أَو الْمقر التَّسْلِيم وَالثَّالِث أَن يعين مدعى عَلَيْهِ فَلَو قَالَ قَتله أحد هَؤُلَاءِ لم تسمع دَعْوَاهُ لإبهام الْمُدعى عَلَيْهِ وَالرَّابِع وَالْخَامِس أَن يكون كل من الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ غير حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ مُكَلّفا وَمثله السَّكْرَان فَلَا تصح دَعْوَى حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ وَلَا صبي وَلَا مَجْنُون وَلَا دَعْوَى عَلَيْهِم وَالسَّادِس أَن لَا تناقضها دَعْوَى أُخْرَى فَلَو ادّعى على أحد انفرادا بِالْقَتْلِ ثمَّ ادّعى على آخر شركَة أَو انفرادا لم تسمع الدَّعْوَى الثَّانِيَة لِأَن الأولى تكذبها نعم إِن صدقه الآخر فَهُوَ مؤاخذ بِإِقْرَار وَتسمع الدَّعْوَى عَلَيْهِ على الْأَصَح فِي أصل الرَّوْضَة وَلَا يُمكن من العودة إِلَى الأولى لِأَن الثَّانِيَة تكذبها (وَلَا يحلفهُ) أَي لَا يجوز للْقَاضِي أَن يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ (إِلَّا بعد سُؤال) أَي طلب (الْمُدَّعِي) تَحْلِيفه فَلَو حلفه قبل طلبه لم يعْتد بِهِ فعلى هَذَا يَقُول القَاضِي للْمُدَّعِي حلفه وَإِلَّا فاقطع طَلَبك عَنهُ قَالَ ابْن النَّقِيب فِي مُخْتَصر الْكِفَايَة وَلَو حلف بعد طلب الْمُدَّعِي وَقبل إحلاف القَاضِي لم يعْتد بِهِ صرح بِهِ القَاضِي حسن اه تَنْبِيه قد علم مِمَّا ذكره المُصَنّف أَنه لَا يجوز للْقَاضِي الحكم على الْمُدعى عَلَيْهِ إِلَّا بعد طلب الْمُدَّعِي وَهُوَ كَذَلِك على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة فِي بَاب الْقَضَاء على الْغَائِب (وَلَا يلقن خصما) مِنْهُمَا (حجَّة) يستظهر بهَا على خَصمه أَي يحرم عَلَيْهِ ذَلِك لإضراره بِهِ (وَلَا يفهمهُ) أَي وَاحِدًا مِنْهُمَا (كلَاما) يعرف بِهِ كَيْفيَّة الدَّعْوَى وَكَيْفِيَّة الْجَواب أَو الْإِقْرَار أَو الانكار لما مر وَخرج بِقَيْد الْخصم فِي كَلَامه الشَّاهِد فَيجوز

للْقَاضِي تَعْرِيفه كَيْفيَّة أَدَاء الشَّهَادَة كَمَا صَححهُ القَاضِي أَبُو المكارم وَالرُّويَانِيّ وَأقرهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة خلافًا للشرف الْغَزِّي فِي ادعائه الْمَنْع مِنْهُ فَلَعَلَّهُ انْتقل نظره من منع التَّلْقِين إِلَى ذَلِك فَإِن القَاضِي لَا يلقن الشَّاهِد الشَّهَادَة كَمَا جزم بِهِ فِي الرَّوْضَة (وَلَا يتعنت بِالشُّهَدَاءِ) أَي لَا يشق عَلَيْهِم كَأَن يَقُول لَهُم لم شهدتم وَمَا هَذِه الشَّهَادَة وَنَحْو ذَلِك فَرُبمَا يُؤَدِّي إِلَى تَركهم الشَّهَادَة فيتضرر الْخصم الْمَشْهُود لَهُ بذلك (وَلَا يقبل) القَاضِي (الشَّهَادَة) إِذا لم يعرف عَدَالَة الشَّاهِد (إِلَّا مِمَّن ثبتَتْ عَدَالَته) عِنْد حَاكم سَوَاء أطعن الْخصم فِيهِ أم سكت لِأَنَّهُ حكم بِشَهَادَة تَتَضَمَّن تعديله وَالتَّعْدِيل لَا يثبت إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَسَيَأْتِي بَيَان الْعَدَالَة فِي فصل بعد ذَلِك فَإِذا ثبتَتْ عَدَالَة الشَّاهِد ثمَّ شهد فِي وَاقعَة أُخْرَى قَالَ فِي الرَّوْضَة إِن لم يطلّ الزَّمَان حكم بِشَهَادَتِهِ وَلَا يطْلب تعديله ثَانِيًا وَإِن طَال فَوَجْهَانِ أصَحهمَا يطْلب تعديله ثَانِيًا لِأَن طول الزَّمَان يُغير الْأَحْوَال ثمَّ يجْتَهد الْحَاكِم فِي طوله وقصره انْتهى قَالَ فِي الْخَادِم إِن الْخلاف فِي الطول فِي غير الشُّهُود المرتبين عِنْد الْحَاكِم أما هم فَلَا يجب طلب التَّعْدِيل قطعا قَالَه الشَّيْخ عز الدّين فِي قَوَاعِده انْتهى وَهُوَ حسن وَقَالَ فِي الْعدة إِذا استفاض فسق الشَّاهِدين بَين النَّاس فَلَا حَاجَة إِلَى الْبَحْث وَالسُّؤَال (وَلَا تقبل شَهَادَة عَدو على عدوه) لحَدِيث لَا تقبل شَهَادَة ذِي غمر على أَخِيه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن والغمر بِكَسْر الْغَيْن الغل والحقد وَلما فِي ذَلِك من التُّهْمَة تَنْبِيه المُرَاد بالعداوة الْعَدَاوَة الدُّنْيَوِيَّة الظَّاهِرَة لِأَن الْبَاطِنَة لَا يطلع عَلَيْهَا إِلَّا علام الغيوب وَفِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ سَيَأْتِي قوم فِي آخر الزَّمَان إخْوَان الْعَلَانِيَة أَعدَاء السريرة بِخِلَاف شَهَادَته لَهُ إِذْ لَا تُهْمَة ومليحة شهِدت لَهَا ضراتها وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء وعدو الشَّخْص من يحزن لفرحه ويفرح لحزنه وَقد تكون الْعَدَاوَة من الْجَانِبَيْنِ وَقد تكون من أَحدهمَا فَيخْتَص برد شَهَادَته على الآخر وَلَا يشْتَرط ظُهُورهَا بل يَكْفِي مَا دلّ عَلَيْهَا من الْمُخَاصمَة وَنَحْوهَا كَمَا قَالَه البُلْقِينِيّ نَاقِلا لَهُ عَن نَص الْمُخْتَصر أما الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة فَلَا توجب رد الشَّهَادَة فَتقبل بِشَهَادَة الْمُسلم على الْكَافِر وَشَهَادَة السّني على المبتدع وَتقبل من مُبْتَدع لَا نكفره ببدعته كمنكري صِفَات الله تَعَالَى وخلقه أَفعَال عباده وَجَوَاز رُؤْيَته يَوْم الْقِيَامَة لاعتقادهم أَنهم مصيبون فِي ذَلِك لما قَامَ عِنْدهم بِخِلَاف من نكفره ببدعته كمنكري حُدُوث الْعَالم والبعث والحشر للأجسام وَعلم الله بالمعدوم وبالجزئيات لإنكارهم مَا علم مَجِيء الرَّسُول بِهِ ضَرُورَة فَلَا تقبل شَهَادَتهم وَلَا شَهَادَة من يَدْعُو النَّاس إِلَى بدعته كَمَا لَا تقبل رِوَايَته بل أولى وَلَا شَهَادَة خطابي لمثله إِن لم يذكر فِيهَا مَا يَنْفِي احْتِمَال اعْتِمَاده على قَول الْمَشْهُود لَهُ لاعْتِقَاده أَنه لَا يكذب فَإِن ذكر فِيهَا ذَلِك كَقَوْلِه رَأَيْت أَو سَمِعت أَو شهد لمُخَالفَة قبلت لزوَال الْمَانِع

(وَلَا) تقبل (شَهَادَة وَالِد) وَإِن علا (لوَلَده) وَإِن سفل (وَلَا) تقبل شها (ولد) وَإِن سفل (لوالده) وَإِن علا للتُّهمَةِ وَلَو قَالَ المُصَنّف وَلَا تقبل شَهَادَة الشَّخْص لبعضه لَكَانَ أخصر وَأفهم كَلَامه قبُول شَهَادَة الْوَالِد على وَلَده وَعَكسه وَهُوَ كَذَلِك لانْتِفَاء التُّهْمَة تَنْبِيه يسْتَثْنى من ذَلِك مَا لَو كَانَ بَينه وَبَين أَصله أَو فَرعه عَدَاوَة فَإِن شَهَادَته لَا تقبل لَهُ وَلَا عَلَيْهِ كَمَا جزم بِهِ فِي الْأَنْوَار وَإِذا شهد بِحَق لفرع أَو أصل لَهُ وأجنبي كَأَن شهد برقيق لَهما قبلت الشَّهَادَة للْأَجْنَبِيّ على الْأَصَح من قولي تَفْرِيق الصَّفْقَة وَتقبل الشَّهَادَة لكل من الزَّوْجَيْنِ من الآخر لِأَن الْحَاصِل بَينهمَا عقد يطْرَأ وَيَزُول نعم لَو شهد لزوجته بِأَن فلَانا قَذفهَا لم تصح شَهَادَته فِي أحد وَجْهَيْن رَجحه البُلْقِينِيّ وَكَذَا لَا تقبل شَهَادَته عَلَيْهَا بِالزِّنَا لِأَنَّهُ يَدعِي خيانتها فرَاشه وَلَا تقبل شَهَادَة الشَّخْص لأحد أصليه أَو فرعيه على الآخر كَمَا جزم بِهِ الْغَزالِيّ وَيُؤَيِّدهُ منع الحكم بَين أَبِيه وَأمه وَإِن خَالف ابْن عبد السَّلَام فِي ذَلِك مُعَللا بِأَن الْوَازِع الطبيعي قد تعَارض فَظهر الصدْق لضعف التُّهْمَة وَلَا تقبل تَزْكِيَة الْوَالِد لوَلَده وَلَا شَهَادَته لَهُ بِالرشد سَوَاء أَكَانَ فِي حجره أم لَا وَإِن أخذناه بِإِقْرَارِهِ برشد من فِي حجره تَنْبِيه قد علم من كَلَام المُصَنّف أَن مَا عدا الأَصْل وَالْفرع من حَوَاشِي النّسَب تقبل شَهَادَة بَعضهم لبَعض فَتقبل شَهَادَة الْأَخ لِأَخِيهِ وَهُوَ كَذَلِك وَكَذَا تقبل شَهَادَة الصّديق لصديقه وَهُوَ من صدق فِي ودادك بِأَن يهمه مَا أهمك قَالَ ابْن الْقَاسِم وَقَلِيل ذَلِك أَي فِي زَمَانه ونادر فِي زَمَاننَا أَو مَعْدُوم (وَلَا يقبل) القَاضِي (كتاب قَاض) كتب بِهِ (إِلَى قَاض) وَلَو غير معِين أَي لَا يعْمل بِهِ (فِي) مَا أنهاه فِيهِ من (الْأَحْكَام) كَأَن حكم فِيهِ لحاضر على غَائِب بدين (إِلَّا بعد شَهَادَة شَاهِدين) على شَهَادَة (يَشْهَدَانِ) عِنْد من وصل إِلَيْهِ من الْقُضَاة (بِمَا فِيهِ) أَي الْكتاب من الحكم تَنْبِيه صُورَة الْكتاب كَمَا هُوَ حَاصِل كَلَام الرَّوْضَة حضر فلَان وَادّعى على فلَان الْغَائِب الْمُقِيم ببلدة كَذَا بدين وحكمت لَهُ بِحجَّة أوجبت الحكم وسألني أَن أكتب إِلَيْك بذلك فأجبته وأشهدت بالحكم شَاهِدين ويسميهما إِن لم يعدلهما وَإِلَّا فَلهُ ترك تسميتهما وَيسن خَتمه بعد قِرَاءَته على الشَّاهِدين بِحَضْرَتِهِ وَيَقُول أشهدكم أَنِّي كتبت إِلَى فلَان بِمَا سمعتما ويضعان خطيهما فِيهِ وَلَا يَكْفِيهِ أَن يَقُول أشهدكما أَن هَذَا خطي وَأَن مَا فِيهِ حكمي وَيدْفَع للشاهدين نُسْخَة أُخْرَى بِلَا ختم ليطالعاها ويتذكرا عِنْد الْحَاجة ويشهدان عِنْد القَاضِي الآخر على القَاضِي الْكَاتِب بِمَا جرى عِنْده من ثُبُوت أَو حكم إِن أنكر الْخصم

الْمحْضر أَن المَال الْمَذْكُور فِيهِ عَلَيْهِ فَإِن قَالَ لَيْسَ الْمَكْتُوب اسْمِي صدق بِيَمِينِهِ إِن لم يعرف بِهِ لِأَنَّهُ أخبر بِنَفسِهِ وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فَإِن عرف بِهِ لم يصدق بل يحكم عَلَيْهِ أَو قَالَ لست الْخصم وَقد ثَبت بِإِقْرَارِهِ أَو بِحجَّة أَنه اسْمه حكم عَلَيْهِ إِن لم يكن ثمَّ من يشركهُ فِيهِ أَو كَانَ وَلم يعاصر الْمُدَّعِي لِأَن الظَّاهِر أَنه الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فَإِن كَانَ ثمَّ من يشركهُ فِيهِ صرعا وَالْمُدَّعِي فَإِن مَاتَ أَو أنكر الْحق بعث الْمَكْتُوب إِلَيْهِ لِلْكَاتِبِ ليطلب من الشُّهُود زِيَادَة تَمْيِيز للْمَشْهُود عَلَيْهِ ويكتبها وينهيها ثَانِيًا لقَاضِي بلد الْغَائِب فَإِن لم يجد زِيَادَة تَمْيِيز وقف الْأَمر حَتَّى ينْكَشف فَإِن اعْترف المشارك بِالْحَقِّ طُولِبَ بِهِ وَيعْتَبر أَيْضا مَعَ المعاصرة إِمْكَان الْمُعَامَلَة كَمَا صرح بِهِ الْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيره تَتِمَّة لَو حضر قَاضِي بلد الْغَائِب بِبَلَد الْحَاكِم للْمُدَّعِي الْحَاضِر فشافهه بِحكمِهِ على الْغَائِب أَمْضَاهُ إِذا عَاد إِلَى مَحل ولَايَته وَهُوَ حِينَئِذٍ قَضَاء بِعِلْمِهِ بِخِلَاف مَا لَو شافهه بِهِ فِي غير عمله فَلَيْسَ لَهُ إمضاؤه إِذا عَاد إِلَى مَحل ولَايَته كَمَا قَالَه الإِمَام وَالْغَزالِيّ وَلَو قَالَ قَاضِي بلد الْحَاضِر وَهُوَ فِي طرف ولَايَته لقَاضِي بلد الْغَائِب فِي طرف ولَايَته حكمت بِكَذَا على فلَان الَّذِي ببلدك نفذه لِأَنَّهُ أبلغ من الشَّهَادَة وَالْكتاب فِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ والإنهاء وَلَو بِغَيْر كتاب بِحكم يمْضِي مُطلقًا عَن التَّقْيِيد بفوق مَسَافَة الْعَدْوى والإنهاء بِسَمَاع حجَّة يقبل فِيمَا فَوق مَسَافَة الْعَدْوى لَا فِيمَا دونه وَفَارق الإنهاء بالحكم بِأَن الحكم قد تمّ وَلم يبْق إِلَّا الِاسْتِيفَاء بِخِلَاف سَماع الْحجَّة إِذْ يسهل إحضارها مَعَ الْقرب وَالْعبْرَة بالمسافة بِمَا بَين القاضيين لَا بِمَا بَين القَاضِي الْمنْهِي والغريم ومسافة الْعَدْوى مَا يرجع مِنْهَا مبكرا إِلَى مَحَله يَوْمه المعتدل وَسميت بذلك لِأَن القَاضِي يعدي أَي يعين من طلب خصما مِنْهَا على إِحْضَاره وَيُؤْخَذ من تَعْلِيلهم السَّابِق إِنَّه لَو عسر إِحْضَار الْحجَّة مَعَ الْقرب بِنَحْوِ مرض قبل الإنهاء كَمَا ذكره فِي الْمطلب

فصل فِي الْقِسْمَة

بِكَسْر الْقَاف وَهِي تَمْيِيز بعض الْأَنْصِبَاء من بعض والقسام الَّذِي يقسم الْأَشْيَاء بَين النَّاس قَالَ لبيد فرض بِمَا قسم المليك فَإِنَّمَا قسم الْمَعيشَة بَيْننَا قسامها وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة﴾ الْآيَة وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقسم الْغَنَائِم بَين أَرْبَابهَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ

وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَيْهَا ليتَمَكَّن كل وَاحِد من الشُّرَكَاء من التَّصَرُّف فِي ملكه على الْكَمَال ويتخلص من سوء الْمُشَاركَة وَاخْتِلَاف الْأَيْدِي (ويفتقر الْقَاسِم) أَي الَّذِي ينصبه الإِمَام أَو القَاضِي (إِلَى سَبْعَة شَرَائِط) وَزيد عَلَيْهَا شَرَائِط أخر كَمَا ستعرفها وَهِي (الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة وَالْعَدَالَة) لِأَن ذَلِك ولَايَة وَمن لم يَتَّصِف بِمَا ذكر لَيْسَ من أهل الْولَايَة (و) علم المساحة وَعلم (الْحساب) لاستدعائها للمساحة من غير عكس وَإِنَّمَا شَرط علمهما لِأَنَّهُمَا آلَة الْقِسْمَة كَمَا أَن النَّفَقَة آلَة الْقَضَاء وَاعْتبر الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره مَعَ ذَلِك أَن يكون عفيفا عَن الطمع حَتَّى لَا يرتشي وَلَا يخون واقتضاه كَلَام الْأُم وَهل يشْتَرط فِيهِ معرفَة التَّقْوِيم فِيهِ وَجْهَان أوجههمَا لَا يشْتَرط كَمَا جرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ جزم باستحبابه القاضيان الْبَنْدَنِيجِيّ وَأَبُو الطّيب وَابْن الصّباغ وَغَيرهم تَنْبِيه لَو قَالَ المُصَنّف بدل الْعَدَالَة تقبل شَهَادَته لاستفيد مِنْهُ اشْتِرَاط السّمع وَالْبَصَر والنطق والضبط إِذْ لَا بُد من ذَلِك وَاسْتغْنى عَن ذكر الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل بل ويستغني عَن ذكر ذَلِك أَيْضا بِالْعَدَالَةِ وَإِذا لم يكن الْقَاسِم مَنْصُوبًا من جِهَة القَاضِي فَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (فَإِن تَرَاضيا) وَفِي نُسْخَة فَإِن تراضى (الشريكان) أَي المطلقان التَّصَرُّف (بِمن يقسم بَينهمَا) من غير أَن يحكماه فِي المَال الْمُشْتَرك (لم يفْتَقر) أَي هَذَا الْقَاسِم (إِلَى ذَلِك) أَي الشُّرُوط السَّابِقَة لِأَنَّهُ وَكيل عَنْهُمَا لَكِن يشْتَرط فِيهِ التَّكْلِيف فَإِن كَانَ فيهمَا مَحْجُورا عَلَيْهِ فقاسم عَنهُ وليه اشْترط مَعَ التَّكْلِيف الْعَدَالَة أما محكمهما فَهُوَ كمنصوب القَاضِي فَيشْتَرط فِيهِ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة (وَإِن كَانَ فِي الْقِسْمَة تَقْوِيم) هُوَ مصدر قوم السّلْعَة قدر قيمتهَا (لم يقْتَصر فِيهِ على أقل من اثْنَيْنِ) لاشْتِرَاط الْعدَد فِي الْمُقَوّم لِأَن التَّقْدِيم شَهَادَة بِالْقيمَةِ فَإِن لم يكن فِيهِ تَقْوِيم فَيَكْفِي قَاسم وَاحِد وَإِن كَانَ فِيهَا خرص وَهُوَ الْأَصَح لِأَن الخارص يجْتَهد وَيعْمل بِاجْتِهَادِهِ فَكَانَ كالحاكم وَلَا يحْتَاج الْقَاسِم إِلَى لفظ الشَّهَادَة وَإِن وَجب تعدده لِأَنَّهَا تستند إِلَى عمل محسوس وَللْإِمَام جعل الْقَاسِم حَاكما فِي التَّقْوِيم فَيعْمل فِيهِ بعدلين وَيقسم بِنَفسِهِ وللقاضي الحكم فِيهِ فِي التَّقْوِيم بِعِلْمِهِ وَيجْعَل الإِمَام رزق

منصوبه إِن لم يتَبَرَّع بِهِ من بَيت المَال إِذا كَانَ فِيهِ سَعَة وَإِلَّا فأجرته على الشُّرَكَاء لِأَن الْعَمَل لَهُم فَإِن استأجروه وسمى كل مِنْهُم قدرا لزمَه وَإِن سموا أُجْرَة مُطلقَة فِي إِجَارَة صَحِيحَة أَو فَاسِدَة فالأجرة موزعة على قدر الحصص الْمَأْخُوذَة لِأَنَّهَا من مُؤَن الْملك ثمَّ مَا عظم ضَرَر قسمته إِن بَطل نَفعه بِالْكُلِّيَّةِ كجوهرة وثوب نفيسين مَنعهم الْحَاكِم مِنْهَا وَإِن لم يبطل نَفعه بِالْكُلِّيَّةِ كَأَن نقص نَفعه أَو بَطل نَفعه الْمَقْصُود لم يمنعهُم وَلم يجبهم فَالْأول كسيف يكسر وَالثَّانِي كحمام وطاحونة صغيرين فَلَا يمنعهُم وَلَا يُجِيبهُمْ وَلَو كَانَ لَهُ عشر دَار مثلا لَا يصلح للسُّكْنَى وَالْبَاقِي آخر يصلح لَهَا أجبر صَاحب الْعشْر على الْقِسْمَة بِطَلَب الآخر لَا عَكسه وَمَا لَا يعظم ضَرَر قسمته فقسمته أَنْوَاع ثَلَاثَة وَهِي الْآتِيَة لِأَن الْمَقْسُوم إِن تَسَاوَت الْأَنْصِبَاء مِنْهُ صُورَة وَقِيمَة فَهُوَ الأول وَإِلَّا فَإِن لم يحْتَج إِلَى رد شَيْء فَالثَّانِي وَإِلَّا فالثالث النَّوْع الأول الْقِسْمَة بالأجزاء وَتسَمى قسْمَة المتشابهات وَإِلَى هَذَا النَّوْع وَالنَّوْع الثَّانِي أَيْضا أَشَارَ المُصَنّف بقوله (وَإِذا دَعَا أحد الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكه إِلَى قسْمَة مَا لَا ضَرَر فِيهِ) كمثلي من حبوب ودراهم وأدهان وَغَيرهَا ودر متفقة الْأَبْنِيَة وَأَرْض مستوية الْأَجْزَاء (لزم) شَرِيكه (الآخر) الْمَطْلُوب إِلَى الْقِسْمَة إجَابَته إِذْ لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِيهَا فيجزأ مَا يقسم كَيْلا فِي الْمكيل ووزنا فِي الْمَوْزُون وذرعا فِي المذروع وَعدا فِي الْمَعْدُود بِعَدَد الْأَنْصِبَاء إِن اسْتَوَت وَيكْتب مثلا هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي من بَقِيَّة الْأَنْوَاع فِي كل رقْعَة إِمَّا اسْم شريك من الشَّرِيك من الشُّرَكَاء أَو جُزْء من الْأَجْزَاء مُمَيّز عَن الْبَقِيَّة بِحَدّ أَو غَيره وتدرج الرقع فِي بَنَادِق من نَحْو طين مستوية ثمَّ يخرج من لم يحضر الْكِتَابَة والإدراج رقْعَة إِمَّا على الْجُزْء الأول إِن كتبت الْأَسْمَاء أَو على اسْم زيد مثلا إِن كتبت الْأَجْزَاء فَيعْطى ذَلِك الْجُزْء وَيفْعل كَذَلِك فِي الثَّانِيَة وتتعين الثَّالِثَة للْبَاقِي إِن كَانَت الرّقاع ثَلَاثَة فَإِن اخْتلفت الْأَنْصِبَاء كَنِصْف وَثلث وَسدس جُزْء مَا يقسم على أقلهَا ويجتنب إِذا كتبت الْأَجْزَاء تَفْرِيق حِصَّة وَاحِد بِأَن لَا يبْدَأ بِصَاحِب السُّدس النَّوْع الثَّانِي الْقِسْمَة بالتعديل بِأَن تعدل السِّهَام بِالْقيمَةِ كأرض تخْتَلف قيمَة أَجْزَائِهَا بِنَحْوِ قُوَّة إنبات وَقرب مَاء أَو يخْتَلف جنس مَا فِيهَا كبستان بعضه نخل وَبَعضه عِنَب فَإِذا كَانَت لاثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ وَقِيمَة ثلثهما الْمُشْتَمل على مَا ذكر كقيمة ثلثيها الخاليين عَن ذَلِك جعل الثُّلُث سَهْما وَالثُّلُثَانِ سَهْما وأقرع كَمَا مر وَيلْزم شَرِيكه الآخر إجَابَته كَمَا شَمل ذَلِك عبارَة المُصَنّف كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ إِلْحَاقًا للمتساوي فِي الْقيمَة بالمتساوي فِي الْأَجْزَاء فِي الأَرْض الْمَذْكُورَة نعم إِن أمكن قسم الْجيد وَحده والرديء وَحده لم يلْزمه فِيهَا إجَابَته كأرضين يُمكن قسْمَة كل مِنْهُمَا بالأجزاء فَلَا يجْبر على التَّعْدِيل كَمَا بَحثه الشَّيْخَانِ

وَجزم بِهِ جمع مِنْهُم الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ وَيجْبر على قسْمَة التَّعْدِيل فِي منقولات نوع لم يخْتَلف مُتَقَومَة كعبيد وَثيَاب من نوع إِن زَالَت الشّركَة بِالْقِسْمَةِ كثلاثة أعبد زنجية مُتَسَاوِيَة الْقيمَة بَين ثَلَاثَة وعَلى قسْمَة التَّعْدِيل أَيْضا فِي نَحْو دكاكين صغَار متلاصقة مِمَّا لَا يخْتَلف فِي كل مِنْهَا الْقِسْمَة أعيانا إِن زَالَت الشّركَة بهَا للْحَاجة بِخِلَاف نَحْو الدكاكين الْكِبَار وَالصغَار غير المتلاصقة لشدَّة اخْتِلَاف الْأَغْرَاض باخْتلَاف الْمحَال والأبنية النَّوْع الثَّالِث الْقِسْمَة بِالرَّدِّ بِأَن يحْتَاج فِي الْقِسْمَة إِلَى رد مَال أَجْنَبِي كَأَن يكون بِأحد الْجَانِبَيْنِ من الأَرْض نَحْو بِئْر كشجر لَا يُمكن قسمته فَيرد أَخذه بِالْقِسْمَةِ قسط قيمَة نَحْو الْبِئْر فَإِن كَانَ ألفا وَله النّصْف رد خَمْسمِائَة وَلَا إِجْبَار فِي هَذَا النَّوْع لِأَن فِيهِ تَمْلِيكًا لما لَا شركَة فِيهِ فَكَانَ كَغَيْر الْمُشْتَرك وَشرط الْقِسْمَة مَا قسم بتراض من قسْمَة رد وَغَيرهَا رضَا بهَا بعد خُرُوج قرعَة وَالنَّوْع الأول إِفْرَاز للحق لَا بيع والنوعان الْآخرَانِ بيع وَإِن أجبر على الأول مِنْهُمَا كَمَا مر وَلَو ثَبت بِحجَّة غلط أَو حيف فِي قسْمَة إِجْبَار أَو قسْمَة ترَاض وَهِي بالأجزاء نقضت الْقِسْمَة بنوعيها فَإِن لم تكن بالأجزاء بِأَن كَانَت بالتعديل أَو الرَّد لم تنقض لِأَنَّهَا بيع وَإِن لم يثبت ذَلِك فَلهُ تَحْلِيف شَرِيكه وَلَو اسْتحق بعض مقسوم معينا وَلَيْسَ سَوَاء بطلت الْقِسْمَة لاحتياج أَحدهمَا إِلَى الرُّجُوع على الآخر وتعود الإشاعة فَإِن اسْتحق بعضه شَائِعا بطلت فِيهِ لَا فِي الْبَاقِي تَتِمَّة لَو ترافع الشُّرَكَاء إِلَى قَاض فِي قسْمَة ملك بِلَا بَيِّنَة لم يجبهم وَإِن لم يكن لَهُم مُنَازع وَقيل يُجِيبهُمْ وَعَلِيهِ الإِمَام وَغَيره

فصل فِي الدَّعْوَى والبينات

وَفِي بعض النّسخ أَن هَذَا الْفَصْل مقدم على الَّذِي قبله

وَالدَّعْوَى فِي اللُّغَة الطّلب وَالتَّمَنِّي وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُم مَا يدعونَ﴾ وَشرعا إِخْبَار عَن وجوب حق على غَيره عِنْد حَاكم والبينات جمع بَيِّنَة وهم الشُّهُود سموا بذلك لِأَن بهم يتَبَيَّن الْحق وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم إِذا فريق مِنْهُم معرضون﴾ وأخبار كَخَبَر مُسلم لَو يعْطى النَّاس بدعواهم لادعى نَاس دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ وَلَكِن الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن وَلَكِن الْبَيِّنَة على الْمُدعى وَالْيَمِين على من أنكر وَالَّذِي يتَعَلَّق بِهَذَا الْفَصْل خَمْسَة أُمُور الدَّعْوَى وجوابها وَالْيَمِين وَالْبَيِّنَة والنكول وَتقدم شَرط صِحَة الدَّعْوَى فِيمَا قبل ذَلِك وَأَن لَهَا سِتَّة شُرُوط وَأما الْأَرْبَعَة فمدمجة فِي كَلَام المُصَنّف كَمَا ستراه وَالْمُدَّعِي من خَالف قَوْله الظَّاهِر وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من وَافقه فَلَو قَالَ الزَّوْج وَقد أسلم هُوَ وَزَوجته قبل وَطْء أسلمنَا مَعًا فَالنِّكَاح بَاقٍ وَقَالَت بل مُرَتبا فَلَا نِكَاح فَهُوَ مُدع وَهِي مدعى عَلَيْهَا (فَإِذا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة) بِمَا ادَّعَاهُ (سَمعهَا الْحَاكِم وَحكم لَهُ بهَا) إِن كَانَت معدلة فَيشْتَرط فِي غير عين وَدين كقود وحد قذف وَنِكَاح ورجعة ولعان دَعْوَى عِنْد حَاكم وَلَو محكما فَلَا يسْتَقلّ صَاحبه باستيفائه نعم لَو اسْتَقل الْمُسْتَحق لقود باستيفائه وَقع الْموقع وَإِن حرم وَخرج بذلك الْعين وَالدّين ففيهما تَفْصِيل وَهُوَ إِن اسْتحق شخص عينا عِنْد آخر اشْترط الدَّعْوَى بهَا عِنْد حَاكم إِن خشِي بأخذها ضَرَرا تَحَرُّزًا عَنهُ وَإِلَّا فَلهُ أَخذهَا اسْتِقْلَالا للضَّرُورَة وَإِن اسْتحق دينا على مُمْتَنع من أَدَائِهِ طَالبه بِهِ (فَإِن لم تكن) مَعَه (بَيِّنَة) معدلة (فَالْقَوْل) حِينَئِذٍ (قَول الْمُدعى عَلَيْهِ) لموافقته الظَّاهِر وَلَكِن (بِيَمِينِهِ) فِي غير الْقسَامَة فِي دَعْوَى

الدَّم إِذْ الْيَمين هُنَاكَ فِي جَانب الْمُدَّعِي لوُجُود اللوث كَمَا تقدم هُنَاكَ وَله حِينَئِذٍ أَن يَأْخُذ من مَال الْمُدعى عَلَيْهِ بِغَيْر مُطَالبَة جنس حَقه وَإِذا أَخذه ملكه إِن كَانَ بِصفتِهِ فَإِن تعذر عَلَيْهِ جنس حَقه أَو لم يجد جنس حَقه بِصفتِهِ أَخذ غَيره مقدما النَّقْد على غَيره فيبيعه مُسْتقِلّا كَمَا يسْتَقلّ بِالْأَخْذِ وَلما فِي الرّفْع إِلَى الْحَاكِم من الْمُؤْنَة هَذَا حَيْثُ لَا حجَّة لَهُ وَإِلَّا فَلَا يَبِيع إِلَّا بِإِذن الْحَاكِم وَلمن جَازَ لَهُ الْأَخْذ فعل مَا لَا يصل لِلْمَالِ إِلَّا بِهِ ككسر بَاب ونقب جِدَار وَظَاهر أَن مَحل ذَلِك إِذا كَانَ ملكا للْمَدِين وَلم يتَعَلَّق بِهِ حق لَازم كرهن وَإِجَارَة والمأخوذ مَضْمُون على الْآخِذ إِن تلف قبل تملكه وَلَو بعد البيع لِأَنَّهُ أَخذه لغَرَض نَفسه كالمستلم وَإِن كَانَ الدّين على غير مُمْتَنع من أَدَائِهِ طَالبه بِهِ فَلَا يَأْخُذ شَيْئا لَهُ بِغَيْر مُطَالبَة وَلَو أَخذه لم يملكهُ وَلَزِمَه رده وَيضمنهُ إِن تلف عِنْده (فَإِن نكل) الْمُدعى عَلَيْهِ أَي امْتنع (عَن الْيَمين) بعد عرضهَا عَلَيْهِ كَأَن قَالَ أَنا ناكل أَو يَقُول لَهُ القَاضِي احْلِف فَيَقُول لَا أَحْلف أَو يسكت لَا لدهشة وغباوة (ردَّتْ) أَي الْيَمين حِينَئِذٍ (على الْمُدَّعِي) لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ردهَا على صَاحب الْحق كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَكَذَا فعل عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِمحضر من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم من غير مُخَالفَة كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (فَيحلف) الْمُدَّعِي إِن اخْتَار ذَلِك (وَيسْتَحق) الْمُدَّعِي بِهِ بِيَمِينِهِ لَا بنكول خَصمه وَقَول القَاضِي للْمُدَّعِي احْلِف نَازل منزلَة الحكم بنكول الْمُدعى عَلَيْهِ كَمَا فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا وَإِن لم يكن حكم بِنُكُولِهِ حَقِيقَة وَبِالْجُمْلَةِ فللخصم بعد نُكُوله الْعود إِلَى الْحلف مَا لم يحكم بِنُكُولِهِ حَقِيقَة أَو تَنْزِيلا وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ الْعود إِلَيْهِ إِلَّا بِرِضا الْمُدَّعِي وَيبين القَاضِي حكم النّكُول للجاهل بِهِ بِأَن يَقُول لَهُ إِن نكلت عَن الْيَمين حلف الْمُدَّعِي وَأخذ مِنْك الْحق فَإِن لم يفعل وَحكم بِنُكُولِهِ نفذ حكمه لتَقْصِيره بترك الْبَحْث عَن حكم النّكُول وَيَمِين الرَّد وَهِي يَمِين الْمُدَّعِي بعد نُكُول خَصمه كإقرار الْخصم لَا كالبينة لِأَنَّهُ يتَوَصَّل بِالْيَمِينِ بعد نُكُوله إِلَى الْحق فَأشبه إِقْرَاره بِهِ فَيجب الْحق بعد فرَاغ الْمُدَّعِي من يَمِين الرَّد من غير افتقار إِلَى حكم كَالْإِقْرَارِ وَلَا تسمع بعْدهَا حجَّة بمسقط كأداء أَو إِبْرَاء فَإِن لم يحلف الْمُدَّعِي يَمِين الرَّد وَلَا عذر لَهُ سقط حَقه من الْيَمين والمطالبة لإعراضه عَن الْيَمين وَلَكِن تسمع حجَّته فَإِن أبدى عذرا كإقامة حجَّة وسؤال فَقِيه ومراجعة حِسَاب أمْهل ثَلَاثَة أَيَّام فَقَط لِئَلَّا تطول مدافعته وَالثَّلَاثَة مُدَّة مغتفرة شرعا وَيُفَارق جَوَاز تَأْخِير الْحجَّة أبدا بِأَنَّهَا قد لَا تساعده وَلَا تحضر وَالْيَمِين إِلَيْهِ وَهل هَذَا الْإِمْهَال وَاجِب أَو مُسْتَحبّ وَجْهَان وَالظَّاهِر الأول وَلَا يُمْهل خَصمه لعذر حَتَّى يسْتَحْلف إِلَّا بِرِضا الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ مقهور بِطَلَب الْإِقْرَار أَو الْيَمين بِخِلَاف الْمُدَّعِي وَإِن استمهل الْخصم فِي ابْتِدَاء الْجَواب لعذر أمْهل إِلَى آخر الْمجْلس إِن شَاءَ القَاضِي وَقيل إِن شَاءَ الْمُدَّعِي وَالْأول هُوَ مَا جرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري وَهُوَ الظَّاهِر لِأَن الْمُدَّعِي لَا يتَقَيَّد بآخر الْمجْلس وَمن طُولِبَ بجزية فَادّعى مسْقطًا كإسلامه قبل تَمام الْحول فَإِن وَافَقت دَعْوَاهُ الظَّاهِر كَأَن كَانَ غَائِبا فَحَضَرَ وَادّعى ذَلِك وَحلف فَذَاك وَإِن لم نوافق الظَّاهِر بِأَن

كَانَ عندنَا ظَاهرا ثمَّ ادّعى ذَلِك أَو وَافقه وَنكل طُولِبَ بهَا وَلَيْسَ ذَلِك قَضَاء بِالنّكُولِ بل لِأَنَّهَا وَجَبت وَلم يَأْتِ بدافع أَو بِزَكَاة فَادّعى الْمسْقط كدفعها لساع آخر لم يُطَالب بهَا وَإِن نكل عَن الْيَمين لِأَنَّهَا مُسْتَحبَّة وَلَو ادّعى ولي صبي أَو مَجْنُون حَقًا لَهُ على شخص فَأنْكر وَنكل لم يحلف الْوَلِيّ وَإِن ادّعى ثُبُوته بِسَبَب مُبَاشَرَته بل ينْتَظر كَمَاله لِأَن إِثْبَات الْحق لغير الْحَالِف بعيد (وَإِذا تداعيا) أَي الخصمان أَي ادّعى كل مِنْهُمَا (شَيْئا) أَي عينا وَهِي (فِي يَد أَحدهمَا) وَلَا بَيِّنَة لوَاحِد مِنْهُمَا (فَالْقَوْل) حِينَئِذٍ (قَول صَاحب الْيَد بِيَمِينِهِ) إِنَّهَا ملكه إِذْ الْيَد من الْأَسْبَاب المرجحة (فَإِن كَانَ) الْمُدَّعِي بِهِ وَهُوَ الْعين (فِي يديهما) وَلَا بَيِّنَة لَهما (تحَالفا) على النَّفْي فَقَط على النَّص (وَجعل) ذَلِك (بَينهمَا) نِصْفَيْنِ لقضائه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك كَمَا صَححهُ الْحَاكِم على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلَو أَقَامَ كل من المدعيين بَيِّنَة بِمَا ادَّعَاهُ وَهُوَ بيد ثَالِث سقطتا لتناقض موجبهما فَيحلف لكل مِنْهُمَا يَمِينا وَإِن أقرّ بِهِ لأَحَدهمَا عمل بِمُقْتَضى إِقْرَاره أَو بيدهما أَو لَا بيد أحد فَهُوَ لَهما إِذْ لَيْسَ أَحدهمَا بِأولى بِهِ من الآخر أَو بيد أَحدهمَا وَيُسمى الدَّاخِل رجحت بَينته وَإِن تَأَخّر تاريخها أَو كَانَت شَاهدا ويمينا وَبَيِّنَة الْخَارِج شَاهِدين أَو لم تبين سَبَب الْملك من شِرَاء أَو غَيره تَرْجِيحا لبينته بِيَدِهِ هَذَا إِن أَقَامَهَا بعد بَيِّنَة الْخَارِج وَلَو قبل تعديلها لِأَنَّهَا إِنَّمَا تسمع بعْدهَا لِأَن الأَصْل فِي جَانِبه الْيَمين فَلَا يعدل عَنْهَا مَا دَامَت كَافِيَة وَلَو أزيلت يَده بِبَيِّنَة وأسندت بَيِّنَة الْملك إِلَى مَا قبل إِزَالَة يَده وَاعْتذر بغيبتها مثلا فَإِنَّهَا ترجح لِأَن يَده إِنَّمَا أزيلت لعدم الْحجَّة وَقد ظَهرت لَكِن لَو قَالَ الْخَارِج هُوَ ملكي اشْتَرَيْته مِنْك فَقَالَ الدَّاخِل بل هُوَ ملكي وَأَقَامَا بينتين بِمَا قَالَاه رجح الْخَارِج لزِيَادَة علم بَينته بِمَا ذكر فَلَو أزيلت يَده بِإِقْرَار لم تسمع دَعْوَاهُ بِهِ بِغَيْر ذكر انْتِقَال لِأَنَّهُ مؤاخذ بِإِقْرَارِهِ نعم لَو قَالَ وهبته لَهُ وَملكه لم يكن إِقْرَارا بِلُزُوم الْهِبَة لجَوَاز اعْتِقَاده لُزُوم الْهِبَة بِالْعقدِ ذكره فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا ويرجح بِشَاهِدين

أَو بِشَاهِد وَامْرَأَتَيْنِ لأَحَدهمَا على شَاهد مَعَ يَمِين للْآخر لِأَن ذَلِك حجَّة بِالْإِجْمَاع وَأبْعد عَن تُهْمَة الْحَالِف بِالْكَذِبِ فِي يَمِينه إِلَّا أَن يكون مَعَ الشَّاهِد يَد فَيرجع بهَا على من ذكر وَلَا يرجح بِزِيَادَة شُهُود لأَحَدهمَا وَلَا برجلَيْن على رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا على أَربع نسْوَة لكَمَال الْحجَّة فِي الطَّرفَيْنِ وَلَا بَيِّنَة مؤرخة على بَيِّنَة مُطلقَة ويرجح بتاريخ سَابق وَالْعين بيدهما أَو بيد غَيرهمَا أَو لَا بيد أحد ورجحت بَيِّنَة ذِي الْأَكْثَر لِأَن الْأُخْرَى لَا تعارضها فِيهِ وَلِصَاحِب التَّارِيخ السَّابِق أُجْرَة وَزِيَادَة حَادِثَة من يَوْم ملكه بِالشَّهَادَةِ لِأَنَّهُمَا نَمَاء ملكه ويستثني من الْأُجْرَة مَا لَو كَانَت الْعين بيد البَائِع قبل الْقَبْض فَلَا أُجْرَة عَلَيْهِ للْمُشْتَرِي على الْأَصَح (وَمن حلف على فعل نَفسه) إِثْبَاتًا كَانَ أَو نفيا وَلَو بِظَنّ مُؤَكد كَأَن يعْتَمد على خطه أَو خطّ مُوَرِثه (حلف على الْبَتّ) بِالْمُثَنَّاةِ وَهُوَ الْقطع والجزم مَأْخُوذ من قَوْلهم بت الْحَبل إِذا قطعه فَقَوله حِينَئِذٍ (وَالْقطع) عطف تَفْسِير لِأَنَّهُ يعلم حَال نَفسه ويطلع عَلَيْهَا فَيَقُول فِي البيع وَالشِّرَاء فِي الْإِثْبَات وَالله لقد بِعْت بِكَذَا أَو اشْتريت بِكَذَا وَفِي النَّفْي وَالله مَا بِعْت بِكَذَا أَو اشْتريت بِكَذَا (وَمن حلف على فعل نَفسه) اثباتا أَو نفيا وَلَو بِظَنّ مؤكدا كَانَ يعْتَمد حلف حِينَئِذٍ (على الْبَتّ وَالْقطع) لسُهُولَة الإطلاع عَلَيْهِ (وَإِن كَانَ) فعله (نفيا مُطلقًا حلف) حِينَئِذٍ (على نفي الْعلم) أَي أَنه لَا يعلم فَيَقُول وَالله مَا علمت أَنه فعل كَذَا لِأَن النَّفْي الْمُطلق يعسر الْوُقُوف عَلَيْهِ وَلَا يتَعَيَّن فِيهِ ذَلِك فَلَو حلف على الْبَتّ اعْتد بِهِ كَمَا قَالَه القَاضِي أَبُو الطّيب وَغَيره لِأَنَّهُ قد يعلم ذَلِك أما النَّفْي المحصور فكالإثبات فِي إِمْكَان الْإِحَاطَة بِهِ كَمَا فِي آخر الدَّعَاوَى من الرَّوْضَة فَيحلف فِيهِ على الْبَتّ تَنْبِيه ظَاهر كَلَام المُصَنّف حصر الْيَمين فِي فعله وَفعل غَيره وَقد يكون الْيَمين على تَحْقِيق مَوْجُود لَا إِلَى فعل ينْسب إِلَيْهِ وَلَا إِلَى غَيره مثل أَن يَقُول لزوجته إِن كَانَ هَذَا الطَّائِر غرابا فَأَنت طَالِق فطار وَلم يعرف فادعت أَنه غراب فَأنْكر فقد قَالَ الإِمَام إِنَّه يحلف على الْبَتّ قَالَ الشَّيْخَانِ تبعا للبندنيجي وَغَيره وَالضَّابِط أَن يُقَال كل يَمِين فَهِيَ على الْبَتّ إِلَّا على نفي فعل الْغَيْر وَلَو ادّعى دينا لمورثه فَقَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ أبرأني مورثك مِنْهُ وَأَنت تعلم ذَلِك حلف الْمُدَّعِي على نفي الْعلم بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ حلف على نفي فعل غَيره وَلَو قَالَ جنى عَبدك عَليّ بِمَا يُوجب كَذَا وَأنكر فَالْأَصَحّ حلف السَّيِّد على الْبَتّ لِأَن عَبده مَاله وَفعله كَفِعْلِهِ وَلذَلِك سَمِعت الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَلَو قَالَ جنت بهيمتك على زرعي مثلا فَعَلَيْك ضَمَانه فَأنْكر مَالِكهَا حلف على الْبَتّ لِأَنَّهُ لَا ذمَّة لَهَا وَضَمان جنايتها بتقصيره فِي حفظهَا لَا وَتعْتَبر نِيَّة القَاضِي المستحلف للخصم فَلَو ورى الْحَالِف فِي يَمِينه بِأَن

قصد خلاف ظَاهر اللَّفْظ أَو تَأَول بِأَن اعْتقد الْحَالِف خلاف نِيَّة القَاضِي لم يدْفع إِثْم الْيَمين الْفَاجِرَة لِأَن الْيَمين شرعت ليهاب الْخصم الْإِقْدَام عَلَيْهَا خوفًا من الله تَعَالَى فَلَو صَحَّ تَأْوِيله لبطلت هَذِه الْفَائِدَة تَتِمَّة يسن تَغْلِيظ يَمِين مُدع إِذا حلف مَعَ شَاهده أَو ردَّتْ الْيَمين عَلَيْهِ وَيَمِين مدعى عَلَيْهِ وَإِن لم يطْلب الْخصم تغليظها فِيمَا لَيْسَ بِمَال وَلَا يقْصد بِهِ مَال كَنِكَاح وَطَلَاق ولعان وَفِي مَال يبلغ نِصَاب زَكَاة نقد عشْرين مِثْقَالا ذَهَبا أَو مِائَتي دِرْهَم فضَّة أَو مَا قِيمَته ذَلِك والتغليظ يكون بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان كَمَا مر فِي اللّعان وَبِزِيَادَة أَسمَاء وصفات كَأَن يَقُول وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الرَّحْمَن الرَّحِيم الَّذِي يعلم السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَإِن كَانَ الْحَالِف يَهُودِيّا حلفه القَاضِي بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى ونجاه من الْغَرق أَو نَصْرَانِيّا حلفه بِاللَّه الَّذِي أنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى أَو مجوسيا أَو وثنيا حلفه بِالَّذِي خلقه وصوره وَلَا يجوز لقاض أَن يحلف أحدا بِطَلَاق أَو عتق أَو نذر كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمَتى بلغ الإِمَام أَن قَاضِيا يسْتَحْلف النَّاس بِطَلَاق أَو عتق أَو نذر عَزله عَن الحكم لِأَنَّهُ جَاهِل وَقَالَ ابْن عبد الْبر لَا أعلم أحدا من أهل الْعلم يرى الِاسْتِحْلَاف بذلك وَلَا يحلف قَاض على تَركه ظلما فِي حكمه وَلَا شَاهد أَنه لم يكذب فِي شَهَادَته وَلَا مُدع صبا وَلَو احْتِمَالا بل يمهله حَتَّى يبلغ إِلَّا كَافِرًا مسبيا أنبت وَقَالَ تعجلت إنبات الْعَانَة فَيحلف لسُقُوط الْقَتْل وَالْيَمِين من الْخصم تقطع الْخُصُومَة حَالا لَا الْحق فَتسمع بَيِّنَة الْمُدَّعِي بعد حلف الْخصم وَلَو ادّعى رق غير صبي وَمَجْنُون ومجهول نسب فَقَالَ أَنا حر أَصَالَة صدق بِيَمِينِهِ لِأَن الأَصْل الْحُرِّيَّة وعَلى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة وَلَو ادّعى رق صبي أَو مَجْنُون وليسا بِيَدِهِ لم يصدق إِلَّا بِحجَّة أَو بِيَدِهِ وَجَهل لقطهما حلف وَحكم لَهُ برقهما لِأَنَّهُ الظَّاهِر من حَالهمَا وإنكارهما بعد كمالهما لَغْو فَلَا بُد لَهما من حجَّة وَلَا تسمع دَعْوَى بدين مُؤَجل وَإِن كَانَ بِهِ بَيِّنَة إِذْ لَا يتَعَلَّق بهَا إِلْزَام فِي الْحَال فَلَو كَانَ بعضه حَالا وَبَعضه مُؤَجّلا صحت الدَّعْوَى بِهِ لاسْتِحْقَاق الْمُطَالبَة بِبَعْضِه كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ

فصل فِي الشَّهَادَات

جمع شَهَادَة وَهِي إِخْبَار عَن شَيْء بِلَفْظ خَاص

وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع آيَات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تكتموا الشَّهَادَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ وأخبار كَخَبَر الصَّحِيحَيْنِ لَيْسَ لَك إِلَّا شَاهِدَاك أَو يَمِينه وَخبر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن الشَّهَادَة فَقَالَ للسَّائِل ترى الشَّمْس قَالَ نعم فَقَالَ على مثلهَا فاشهد أَو دع رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وصححا إِسْنَاده وأركانها خَمْسَة شَاهد ومشهود لَهُ ومشهود عَلَيْهِ ومشهود بِهِ وَصِيغَة ثمَّ شرع فِي شُرُوط الرُّكْن الأول فَقَالَ (وَلَا تقبل الشَّهَادَة) عِنْد الْأَدَاء (إِلَّا مِمَّن اجْتمعت فِيهِ خَمْسَة) بل عشرَة (خِصَال) كَمَا ستعرفها الأولى (الْإِسْلَام) فَلَا تقبل شَهَادَة الْكَافِر على الْمُسلم وَلَا على الْكَافِر خلافًا لأبي حنيفَة فِي قبُوله شَهَادَة الْكَافِر على الْكَافِر وَلأَحْمَد فِي الْوَصِيَّة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ وَالْكَافِر لَيْسَ بِعدْل وَلَيْسَ منا وَلِأَنَّهُ أفسق الْفُسَّاق ويكذب على الله تَعَالَى فَلَا يُؤمن من الْكَذِب على خلقه (و) الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة (الْبلُوغ وَالْعقل) فَلَا تقبل شَهَادَة صبي لقَوْله تَعَالَى ﴿من رجالكم﴾ وَلَا مَجْنُون بِالْإِجْمَاع (و) الرَّابِعَة (الْحُرِّيَّة) وَلَو بِالدَّار فَلَا تقبل شَهَادَة رَقِيق خلافًا لِأَحْمَد وَلَو مبعضا أَو مكَاتبا لِأَن أَدَاء الشَّهَادَة فِيهِ معنى الْولَايَة وَهُوَ مسلوب مِنْهَا (و) الْخَامِسَة (الْعَدَالَة) فَلَا تقبل شَهَادَة فَاسق لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَالسَّادِسَة أَن تكون لَهُ مُرُوءَة وَهِي الاسْتقَامَة لِأَن من لَا مُرُوءَة لَهُ لَا حَيَاء لَهُ وَمن لَا حَيَاء لَهُ قَالَ مَا شَاءَ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت وَالسَّابِعَة أَن يكون غير مُتَّهم فِي شَهَادَته لقَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكُم أقسط عِنْد الله وأقوم للشَّهَادَة وَأدنى أَلا ترتابوا﴾ والريبة حَاصِلَة بالمتهم وَالثَّامِنَة أَن يكون ناطقا فَلَا تقبل شَهَادَة الْأَخْرَس وَإِن فهمت إِشَارَته والتاسعة أَن يكون يقظا كَمَا قَالَه صَاحب التَّنْبِيه وَغَيره فَلَا تقبل شَهَادَة مُغفل والعاشرة أَن لَا يكون مَحْجُورا عَلَيْهِ بِسَفَه فَلَا تقبل شَهَادَته كَمَا نقل فِي أصل الرَّوْضَة قبيل فصل التَّوْبَة عَن الصَّيْمَرِيّ وَجزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْوَصِيَّة

وَخرج بِقَيْد الْأَدَاء التَّحَمُّل فَلَا يشْتَرط عِنْده هَذِه الشُّرُوط بِدَلِيل قَوْلهم إِنَّه لَو شهد كَافِر أَو عبد أَو صبي ثمَّ أَعَادَهَا بعد كَمَاله قبلت كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ فِي خادمه قَالَ وَلَا يسْتَثْنى من ذَلِك غير شُهُود النِّكَاح فَإِنَّهُ يشْتَرط الْأَهْلِيَّة عِنْد التَّحَمُّل أَيْضا (وللعدالة) الْمُتَقَدّمَة (خمس شَرَائِط) الأول (أَن يكون مجتنبا للكبائر) أَي لكل مِنْهَا (و) الثَّانِي أَن يكون (غير مصر على الْقَلِيل من الصَّغَائِر) من نوع أَو أَنْوَاع وَفسّر جمَاعَة الْكَبِيرَة بِأَنَّهَا مَا لحق صَاحبهَا وَعِيد شَدِيد بِنَصّ كتاب أَو سنة وَقيل هِيَ الْمعْصِيَة الْمُوجبَة للحد وَذكر فِي أصل الرَّوْضَة أَنهم إِلَى تَرْجِيح هَذَا أميل وَأَن الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا هُوَ الْمُوَافق لما ذَكرُوهُ عِنْد تَفْصِيل الْكَبَائِر انْتهى لأَنهم عدوا الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم وَشَهَادَة الزُّور وَنَحْوهَا من الْكَبَائِر وَلَا حد فِيهَا وَقَالَ الإِمَام هِيَ كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بِالدّينِ انْتهى وَالْمرَاد بهَا بِقَرِينَة التعاريف الْمَذْكُورَة غير الْكَبَائِر الاعتقادية الَّتِي هِيَ الْبدع فَإِن الرَّاجِح قبُول شَهَادَة أَهلهَا مَا لم نكفرهم كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه هَذَا ضَبطهَا بِالْحَدِّ وَأما ضَبطهَا بالعد فأشياء كَثِيرَة قَالَ ابْن عَبَّاس هِيَ إِلَى السّبْعين أقرب وَقَالَ سعيد بن جُبَير إِنَّهَا إِلَى سَبْعمِائة أقرب أَي بِاعْتِبَار أَصْنَاف أَنْوَاعهَا وَمَا عدا ذَلِك من الْمعاصِي فَمن الصَّغَائِر وَلَا بَأْس بعد شَيْء من النَّوْعَيْنِ فَمن الأول تَقْدِيم الصَّلَاة أَو تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا بِلَا عذر وَمنع الزَّكَاة وَترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مَعَ الْقُدْرَة ونسيان الْقُرْآن واليأس من رَحْمَة الله وَأمن مكره تَعَالَى وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والإفطار فِي رَمَضَان من غير عذر وعقوق الْوَالِدين وَالزِّنَا واللواط وَشَهَادَة الزُّور وَضرب الْمُسلم بِغَيْر حق والنميمة وَأما الْغَيْبَة فَإِن كَانَت فِي أهل الْعلم وَحَملَة الْقُرْآن فَهِيَ كَبِيرَة كَمَا جرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري وَإِلَّا فصغيرة وَمن الصَّغَائِر النّظر الْمحرم وهجر الْمُسلم فَوق ثَلَاثَة أَيَّام والنياحة وشق الجيب والتبختر فِي الْمَشْي وَإِدْخَال صبيان أَو مجانين يغلب تنجيسهم الْمَسْجِد وَاسْتِعْمَال نَجَاسَة فِي بدن أَو ثوب لغير حَاجَة فبارتكاب كَبِيرَة أَو إِصْرَار على صَغِيرَة من نوع أَو أَنْوَاع تَنْتفِي الْعَدَالَة إِلَّا إِن تغلب طَاعَته على مَعَاصيه كَمَا قَالَه الْجُمْهُور فَلَا تَنْتفِي عَدَالَته وَإِن اقْتَضَت عبارَة المُصَنّف الانتفاء مُطلقًا فَائِدَة فِي الْبَحْر لَو نوى الْعدْل فعل كَبِيرَة غَدا كزنا لم يصر بذلك فَاسِقًا بِخِلَاف نِيَّة الْكفْر (و) الثَّالِث أَن يكون الْعدْل (سليم السريرة) أَي العقيدة بِأَن لَا يكون مبتدعا لَا يكفر وَلَا يفسق ببدعته فَلَا تقبل شَهَادَة

مُبْتَدع يكفر أَو يفسق ببدعته فَالْأول كمنكري الْبَعْث وَالثَّانِي كساب الصَّحَابَة وَيسْتَثْنى من هَذَا الخطابية فَلَا تقبل شَهَادَتهم وهم فرقة يجوزون الشَّهَادَة لصَاحِبِهِمْ إِذا سَمِعُوهُ يَقُول لي على فلَان كَذَا هَذَا إِذا لم يبينوا السَّبَب كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَإِن بينوا السَّبَب كَأَن قَالُوا رَأَيْنَاهُ يقْرضهُ كَذَا فَتقبل حِينَئِذٍ شَهَادَتهم (و) الرَّابِع أَن يكون الْعدْل (مَأْمُونا) مِمَّا توقع فِيهِ النَّفس الأمارة صَاحبهَا (عِنْد الْغَضَب) من ارْتِكَاب قَول الزُّور والإصرار على الْغَيْبَة وَالْكذب لقِيَام غَضَبه فَلَا عَدَالَة لمن يحملهُ غَضَبه على الْوُقُوع فِي ذَلِك (و) الْخَامِس أَن يكون (محافظا على مُرُوءَة مثله) بِأَن يتخلق الشَّخْص بِخلق أَمْثَاله من أَبنَاء عصره مِمَّن يُرَاعِي مناهج الشَّرْع وآدابه فِي زَمَانه ومكانه لِأَن الْأُمُور الْعُرْفِيَّة قَلما تنضبط بل تخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص والأزمنة والبلدان وَهَذَا بِخِلَاف الْعَدَالَة فَإِنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص فَإِن الْفسق يَسْتَوِي فِيهِ الشريف والوضيع بِخِلَاف الْمُرُوءَة فَإِنَّهَا تخْتَلف فَلَا تقبل شَهَادَة من لَا مُرُوءَة لَهُ كمن يَأْكُل أَو يشرب فِي سوق وَهُوَ غير سوقي كَمَا فِي الرَّوْضَة وَغير من لم يغلبه جوع أَو عَطش أَو يمشي فِي سوق مَكْشُوف الرَّأْس أَو الْبدن غير الْعَوْرَة مِمَّن لَا يَلِيق بِهِ مثله ولغير محرم بنسك أما الْعَوْرَة فكشفها حرَام أَو يقبل زَوجته أَو أمته بِحَضْرَة النَّاس وَأما تَقْبِيل ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أمته الَّتِي وَقعت فِي سَهْمه بِحَضْرَة النَّاس فَقَالَ الزَّرْكَشِيّ كَانَ تَقْبِيل اسْتِحْسَان لَا تمتّع أَو ظن أَنه لَيْسَ ثمَّ من ينظره أَو على أَن الْمرة الْوَاحِدَة لَا تضر على مَا اقْتَضَاهُ نَص الشَّافِعِي وَمد الرجل عِنْد النَّاس بِلَا ضَرُورَة كقبلة أمته بحضرتهم وَمن ذَلِك إكثار حكايات مضحكة بَين النَّاس بِحَيْثُ يصير ذَلِك عَادَة لَهُ وَخرج بالإكثار مَا لم يكثر أَو كَانَ ذَلِك طبعا لَا تصنعا كَمَا وَقع لبَعض الصَّحَابَة وَلبس فَقِيه قبَاء أَو قلنسوة فِي مَحل لَا يعْتَاد الْفَقِيه لبس ذَلِك فِيهِ وإكباب على لعب الشطرنج بِحَيْثُ يشْغلهُ عَن مهامته وَإِن لم يقْتَرن بِهِ مَا يحرمه أَو على غناء أَو استماعه وإكثار رقص وحرفة دنيئة مُبَاحَة كحجامة وكنس زبل وَنَحْوه ودبغ مِمَّن لَا يَلِيق ذَلِك بِهِ وَاعْترض جعلهم الحرفة الدنيئة مِمَّا يخرم الْمُرُوءَة مَعَ قَوْلهم إِنَّهَا من فروض الكفايات وَأجِيب بِحمْل ذَلِك على من اخْتَارَهَا لنَفسِهِ مَعَ حُصُول الْكِفَايَة بِغَيْرِهِ وَأما الحرفة غير الْمُبَاحَة كالمنجم والعراف والكاهن والمصور فَلَا تقبل شَهَادَتهم قَالَ الصَّيْمَرِيّ لِأَن شعارهم التلبيس

تَنْبِيه هَذَا الشَّرْط الْخَامِس إِنَّمَا هُوَ شَرط فِي قبُول الشَّهَادَة لَا فِي الْعَدَالَة فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِك لَا يخرج عَن كَونه عدلا لَكِن شَهَادَته لم تقبل لفقد مروءته وَمن شُرُوط الْقبُول أَيْضا أَن لَا يكون مُتَّهمًا والتهمة أَن يجر إِلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ نفعا أَو يدْفع عَنهُ بهَا ضَرَرا كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامه تَتِمَّة لَو شهد اثْنَان لاثْنَيْنِ بِوَصِيَّة من تَرِكَة فَشهد الِاثْنَان للشاهدين بِوَصِيَّة من تِلْكَ التَّرِكَة قبلت الشهادتان فِي الْأَصَح لانفصال كل شَهَادَة عَن الْأُخْرَى وَلَا تجر شَهَادَته نفعا وَلَا تدفع عَنهُ ضَرَرا وَتقبل شَهَادَة الْحِسْبَة فِي حُقُوق الله تَعَالَى المتمحضة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَفِيمَا فِيهِ لله تَعَالَى حق مُؤَكد وَهُوَ مَا لَا يتأثر بِرِضا الْآدَمِيّ كَطَلَاق وَعتق وعفو عَن قصاص وإبقاء عدَّة وانقضائها وحد لله تَعَالَى وَكَذَا النّسَب على الصَّحِيح وَمَتى حكم قَاض بِشَاهِدين فبانا غير مقبولي الشَّهَادَة ككافرين نقضه هُوَ وَغَيره وَلَو شهد كَافِر أَو عبد أَو صبي ثمَّ أَعَادَهَا بعد كَمَاله قبلت شَهَادَته لانْتِفَاء التُّهْمَة أَو فَاسق تَابَ لم تقبل للتُّهمَةِ وَتقبل من غير تِلْكَ الشَّهَادَة بِشَرْط اختباره بعد التَّوْبَة مُدَّة يظنّ فِيهَا صدق تَوْبَته وقدرها الْأَكْثَرُونَ بِسنة وَيشْتَرط فِي تَوْبَة مَعْصِيّة قولية القَوْل فَيَقُول قذفي بَاطِل وَأَنا نادم عَلَيْهِ وَلَا أَعُود إِلَيْهِ وَيَقُول فِي شَهَادَة الزُّور شهادتي بَاطِلَة وَأَنا نادم عَلَيْهَا وَالْمَعْصِيَة غير القولية يشْتَرط فِي التَّوْبَة مِنْهَا إقلاع عَنْهَا وَنَدم عَلَيْهَا وعزم أَن لَا يعود لَهَا ورد ظلامة آدَمِيّ إِن تعلّقت بِهِ

فصل كَمَا فِي بعض النّسخ يذكر فِيهِ الْعدَد فِي الشُّهُود والذكورة

والأسباب الْمَانِعَة من الْقبُول وَأسْقط ذكر فصل فِي بَعْضهَا (والحقوق) الْمَشْهُود بهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يعْتَبر فِيهَا عددا أَو وَصفا (ضَرْبَان) أَحدهمَا (حق الله تَعَالَى و) ثَانِيهمَا (حق الْآدَمِيّ) وَبَدَأَ بِهِ فَقَالَ (فَأَما حق الْآدَمِيّ) لِأَنَّهُ الْأَغْلَب وقوعا (فَهُوَ على ثَلَاثَة أضْرب) الأول (ضرب لَا يقبل فِيهِ إِلَّا شَاهِدَانِ ذكران) أَي رجلَانِ وَلَا مدْخل فِيهِ للإناث وَلَا للْيَمِين مَعَ الشَّاهِد (وَهُوَ مَا لَا يقْصد مِنْهُ المَال) أصلا كعقوبة لله تَعَالَى والآدمي (و) مَا (يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال) غَالِبا كَطَلَاق وَنِكَاح ورجعة وَإِقْرَار بِنَحْوِ زنا

وَمَوْت ووكالة ووصاية وَشركَة وقراض وكفالة وَشَهَادَة على شَهَادَة لِأَن الله تَعَالَى نَص على الرجلَيْن فِي الطَّلَاق وَالرَّجْعَة والوصاية وروى مَالك عَن الزُّهْرِيّ مَضَت السّنة بِأَنَّهُ لَا يجوز شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود وَلَا فِي النِّكَاح كَالطَّلَاقِ وَقيس بالمذكورات غَيرهَا مِمَّا يشاركها فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور وَالْوكَالَة وَالثَّلَاثَة بعْدهَا وَإِن كَانَت فِي مَال الْقَصْد مِنْهَا الْولَايَة والسلطنة لَكِن لما ذكر ابْن الرّفْعَة اخْتلَافهمْ فِي الشّركَة والقراض قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن رام مدعيهما إِثْبَات التَّصَرُّف فَهُوَ كَالْوَكِيلِ أَو إِثْبَات حِصَّته من الرِّبْح فيثبتان بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ إِذْ الْمَقْصُود المَال وَيقرب مِنْهُ دَعْوَى الْمَرْأَة النِّكَاح لإِثْبَات الْمهْر أَو شطره أَو الْإِرْث فَيثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ إِذْ الْمَقْصُود مِنْهُ المَال وَإِن لم يثبت النِّكَاح بهما فِي غير هَذِه الصُّورَة (و) الثَّانِي (ضرب يقبل فِيهِ شَاهِدَانِ) رجلَانِ (أَو رجل وَامْرَأَتَانِ أَو شَاهد) أَي رجل وَاحِد (وَيَمِين الْمُدَّعِي) بعد أَدَاء شَهَادَة شَاهده وَبعد تعديله وَيذكر حتما فِي حلفه صدق شَاهده لِأَن الْيَمين وَالشَّهَادَة حجتان مختلفتا الْجِنْس فَاعْتبر ارتباط إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى ليصيرا كالنوع الْوَاحِد (وَهُوَ) أَي هَذَا الضَّرْب الثَّانِي فِي كل (مَا كَانَ) مَالا عينا كَانَ أَو دينا أَو مَنْفَعَة أَو كَانَ (الْقَصْد مِنْهُ المَال) من عقد مَالِي أَو فَسخه أَو حق مَالِي كَبيع وَمِنْه الْحِوَالَة لِأَنَّهَا بيع دين بدين وإقالة وَضَمان وَخيَار وَأجل وَذَلِكَ لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ وروى مُسلم وَغَيره أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى بِشَاهِد وَيَمِين زَاد الشَّافِعِي فِي الْأَمْوَال وَقيس بهَا مَا فِيهِ مَال تَنْبِيه من هَذَا الضَّرْب الْوَقْف أَيْضا كَمَا قَالَه ابْن سُرَيج وَقَالَ فِي الرَّوْضَة إِنَّه أقوى من الْمَعْنى وَصَححهُ الإِمَام وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا انْتهى وَصَححهُ أَيْضا الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمُهِمَّات (و) الثَّالِث (ضرب يقبل فِيهِ) شَاهِدَانِ (رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ أَو أَربع نسْوَة) منفردات (وَهُوَ) أَي هَذَا الضَّرْب الثَّالِث فِي كل (مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال) غَالِبا كبكارة وولادة وحيض ورضاع وعيب امْرَأَة تَحت ثوبها كجراحة على فرجهَا حرَّة كَانَت

أَو أمة واستهلال ولد لما روى ابْن أبي شيبَة عَن الزُّهْرِيّ مَضَت السّنة بِأَنَّهُ يجوز شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ غَيْرهنَّ من ولادَة النِّسَاء وعيوبهن وَقيس بِمَا ذكر غَيره مِمَّا يُشَارِكهُ فِي الضَّابِط الْمَذْكُور وَإِذا قبلت شَهَادَتهنَّ فِي ذَلِك منفردات فقبول الرجلَيْن أَو الرجل والمرأتين أولى تَنْبِيه قيد الْقفال وَغَيره مَسْأَلَة الرَّضَاع بِمَا إِذا كَانَ الرَّضَاع من الثدي فَإِن كَانَ من إِنَاء حلب فِيهِ اللَّبن لم تقبل شَهَادَة النِّسَاء بِهِ لَكِن تقبل شَهَادَتهنَّ بِأَن هَذَا اللَّبن من هَذِه الْمَرْأَة لِأَن الرِّجَال لَا يطلعون عَلَيْهِ غَالِبا وَخرج بِعَيْب امْرَأَة تَحت ثوبها مَا نَقله فِي الرَّوْضَة عَن الْبَغَوِيّ وَأقرهُ الْعَيْب فِي وَجه الْحرَّة وكفيها فَإِنَّهُ لَا يثبت إِلَّا برجلَيْن وَفِي وَجه الْأمة وَمَا يَبْدُو عِنْد المهنة فَإِنَّهُ يثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ المَال فَإِن قيل هَذَا وَمَا قبله إِنَّمَا يأتيان على القَوْل بِحل النّظر إِلَى ذَلِك أما على مَا صَححهُ الشَّيْخَانِ فِي الأولى وَالنَّوَوِيّ فِي الثَّانِيَة من تَحْرِيم ذَلِك فَتقبل النِّسَاء فِيهِ منفردات أُجِيب بِأَن الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ يطلع عَلَيْهِمَا الرِّجَال غَالِبا وَإِن قُلْنَا بِحرْمَة نظر الْأَجْنَبِيّ لِأَن ذَلِك جَائِز لمحارمها وَزوجهَا وَيجوز نظر الْأَجْنَبِيّ لوجهها لتعليم ومعاملة وَتحمل شَهَادَة وَقد قَالَ الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ أطلق الْمَاوَرْدِيّ نقل الْإِجْمَاع على أَن عُيُوب النِّسَاء فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لَا يقبل فِيهِ إِلَّا الرِّجَال وَلم يفصل بَين الْأمة والحرة وَبِه صرح القَاضِي حُسَيْن فيهمَا انْتهى أَي فَلَا تقبل النِّسَاء الخلص فِي الْأمة لما مر أَنه يقبل فِيهَا رجل وَامْرَأَتَانِ لما مر وكل مَا لَا يثبت من الْحُقُوق بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ لَا يثبت بِرَجُل وَيَمِين لِأَن الرجل وَامْرَأَتَيْنِ أقوى وَإِذا لم يثبت بالأقوى لَا يثبت بِمَا دونه وكل مَا يثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ يثبت بِرَجُل وَيَمِين إِلَّا عُيُوب النِّسَاء وَنَحْوهَا كإرضاع فَإِنَّهَا لَا تثبت بِشَاهِد وَيَمِين لِأَنَّهَا أُمُور خطرة بِخِلَاف المَال وَقد علم من تَقْسِيم المُصَنّف الْمَذْكُور أَنه لَا يثبت شَيْء بامرأتين وَيَمِين وَهُوَ كَذَلِك لعدم وُرُود ذَلِك وقيامهما مقَام رجل فِي غير ذَلِك لوروده فرع مَا قبل فِيهِ شَهَادَة النسْوَة على فعله لَا تقبل شَهَادَتهنَّ على الْإِقْرَار بِهِ فَإِنَّهُ مِمَّا يسمعهُ الرِّجَال غَالِبا كَسَائِر الأقارير كَمَا ذكره الدَّمِيرِيّ (وَأما حُقُوق الله تَعَالَى فَلَا تقبل فِيهَا النِّسَاء) أصلا وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ فِي هَذَا وَفِي جَمِيع مَا مر (وَهِي) أَي حُقُوق الله تَعَالَى (على ثَلَاثَة أضْرب) أَيْضا الأول (ضرب لَا يقبل فِيهِ أقل من أَرْبَعَة) من الرِّجَال (وَهُوَ) أَي هَذَا الضَّرْب (الزِّنَا) لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ وَلما فِي صَحِيح مُسلم عَن سعد بن عبَادَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو وجدت مَعَ امْرَأَتي رجلا أمهله حَتَّى آتِي بأَرْبعَة شُهَدَاء قَالَ نعم وَلِأَنَّهُ لَا يقوم إِلَّا من اثْنَيْنِ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ على فعلين وَلِأَنَّهُ

من أغْلظ الْفَوَاحِش فغلظت الشَّهَادَة فِيهِ ليَكُون أستر وَإِنَّمَا تقبل شَهَادَتهم بِالزِّنَا إِذا قَالُوا حانت منا التفاتة فَرَأَيْنَا أَو تعمدنا النّظر لإِقَامَة الشَّهَادَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَإِن قَالُوا تعمدنا لغير الشَّهَادَة فسقوا وَردت شَهَادَتهم انْتهى هَذَا إِذا تكَرر ذَلِك مِنْهُم وَلم تغلب طاعتهم على معاصيهم وَإِلَّا فَتقبل لِأَن ذَلِك صَغِيرَة وَيَنْبَغِي إِذا أطْلقُوا الشَّهَادَة أَن يستفسروا إِن تيَسّر وَإِلَّا فَلَا تقبل شَهَادَتهم وَلَا بُد أَن يَقُولُوا رَأَيْنَاهُ أَدخل حشفته أَو قدرهَا من فاقدها فِي فرجهَا وَإِن لم يَقُولُوا كالأصبع فِي الْخَاتم أَو كالمرود فِي المكحلة تَنْبِيه اللواط فِي ذَلِك كَالزِّنَا وَكَذَا إتْيَان الْبَهِيمَة على الْمَذْهَب الْمَنْصُوص فِي الْأُم قَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة لِأَن كلا جماع ونقصان الْعقُوبَة فِيهِ لَا يمْنَع من الْعدَد كَمَا فِي زنا الْأمة قَالَ البُلْقِينِيّ وَوَطْء الْميتَة لَا يُوجب الْحَد على الْأَصَح وَهُوَ كإتيان الْبَهَائِم فِي أَنه لَا يثبت إِلَّا بأَرْبعَة على الْمُعْتَمد انْتهى وَخرج بِمَا ذكر وَطْء الشُّبْهَة إِذا قصد بِالدَّعْوَى بِهِ المَال أَو شهد بِهِ حسبَة ومقدمات الزِّنَا كقبلة ومعانقة فَلَا تحْتَاج إِلَى أَرْبَعَة وَيقبل فِي الْإِقْرَار بِالزِّنَا وَمَا ألحق بِهِ رجلَانِ كَغَيْرِهِ من الأقارير (و) الثَّانِي (ضرب يقبل فِيهِ اثْنَان) أَي رجلَانِ (وَهُوَ) أَي هَذَا الضَّرْب الثَّانِي (مَا سوى الزِّنَا) وَمَا ألحق بِهِ (من الْحُدُود) سَوَاء أَكَانَ قتلا للمرتد أم لقاطع الطَّرِيق بِشَرْطِهِ أم لقطع فِي سَرقَة أم فِي طَرِيق أم فِي جلد لشارب مُسكر (و) الثَّالِث (ضرب يقبل فِيهِ) رجل (وَاحِد وَهُوَ هِلَال شهر رَمَضَان) بِالنِّسْبَةِ للصَّوْم على أظهر الْقَوْلَيْنِ عِنْد الشَّيْخَيْنِ احْتِيَاطًا للصَّوْم أما بِالنِّسْبَةِ لحلول أجل أَو لوُقُوع طَلَاق فَلَا كَمَا مر ذَلِك فِي الصّيام وَألْحق بذلك مسَائِل مِنْهَا مَا لَو نذر صَوْم رَجَب مثلا فَشهد وَاحِد بِرُؤْيَتِهِ فَهَل يجب الصَّوْم إِذا قُلْنَا يثبت بِهِ رَمَضَان حكى ابْن الرّفْعَة فِيهِ وَجْهَيْن عَن الْبَحْر وَرجح ابْن الْمقري فِي كتاب الصّيام الْوُجُوب مِنْهَا مَا فِي الْمَجْمُوع آخر الصَّلَاة على الْمَيِّت عَن الْمُتَوَلِي أَنه لَو مَاتَ ذمِّي فَشهد عدل بِإِسْلَامِهِ لم يكف فِي الْإِرْث وَفِي الِاكْتِفَاء بِهِ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ وتوابعها وَجْهَان بِنَاء على الْقَوْلَيْنِ فِي هِلَال رَمَضَان وَمُقْتَضَاهُ تَرْجِيح الْقبُول وَهُوَ الظَّاهِر وَإِن أفتى القَاضِي حُسَيْن بِالْمَنْعِ وَمِنْهَا ثُبُوت شَوَّال بِشَهَادَة الْعدْل الْوَاحِد بطرِيق التّبعِيَّة فِيمَا إِذا ثَبت رَمَضَان بِشَهَادَتِهِ وَلم ير الْهلَال بعد الثَّلَاثِينَ فانفطر على الْأَصَح وَمِنْهَا المسمع للخصم كَلَام القَاضِي أَو للْقَاضِي كَلَام الْخصم يقبل فِيهِ الْوَاحِد وَهُوَ من بَاب الشَّهَادَة كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ قبيل الْقَضَاء على الْغَائِب وَمِنْهَا صور زِيَادَة على ذَلِك ذكرتها فِي شرح المنهاح وَغَيره (وَلَا تقبل شَهَادَة) على فعل كزنا وَشرب خمر وغصب وَإِتْلَاف وولادة ورضاع واصطياد وإحياء وَكَون الْيَد على مَال إِلَّا بإبصار لذَلِك الْفِعْل مَعَ فَاعله لِأَنَّهُ يصل بِهِ إِلَى الْعلم وَالْيَقِين فَلَا يَكْفِي فِيهِ السماع من الْغَيْر قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مثلهَا فاشهد أَو دع إِلَّا أَن فِي الْحُقُوق مَا اكْتفى فِيهِ بِالظَّنِّ الْمُؤَكّد لتعذر الْيَقِين فِيهِ وَتَدْعُو الْحَاجة

إِلَى إثْبَاته كالملك فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته يَقِينا وَكَذَا الْعَدَالَة والإعسار وَتقبل فِي الْفِعْل من أَصمّ لإبصاره وَيجوز تعمد النّظر لفرجي الزَّانِيَيْنِ لتحمل الشَّهَادَة كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ لِأَنَّهُمَا هتكا حُرْمَة أَنفسهمَا والأقوال كعقد وَفسخ وَطَلَاق وَإِقْرَار يشْتَرط فِي الشَّاهِد بهَا سَمعهَا وإبصار قَائِلهَا حَال تلفظه بهَا حَتَّى لَو نطق بهَا من وَرَاء حجاب وَهُوَ يتحققه لم يكف وَمَا حَكَاهُ الرَّوْيَانِيّ عَن الْأَصْحَاب من أَنه لَو جلس بِبَاب بَيت فِيهِ اثْنَان فَقَط فَسمع تعاقدهما بِالْبيعِ وَغَيره كفى من غير رُؤْيَة زيفه الْبَنْدَنِيجِيّ بِأَنَّهُ لَا يعرف الْمُوجب من الْقَابِل وَلَا تقبل شَهَادَة (الْأَعْمَى) فِيمَا يتَعَلَّق بالبصر لجَوَاز اشْتِبَاه الْأَصْوَات وَقد يحاكي الْإِنْسَان صَوت غَيره (إِلَّا فِي سِتَّة) وَفِي بعض النّسخ خَمْسَة (مَوَاضِع) وَسَيَأْتِي تَوْجِيه ذَلِك الْموضع الأول (الْمَوْت) فَإِنَّهُ يثبت بِالتَّسَامُعِ لِأَن أَسبَابه كَثِيرَة مِنْهَا مَا يخفى وَمِنْهَا مَا يظْهر وَقد يعسر الإطلاع عَلَيْهَا فَجَاز أَن يعْتَمد على الاستفاضة (و) الْموضع الثَّانِي (النّسَب) لذكر أَو أُنْثَى وَإِن لم يعرف عين الْمَنْسُوب إِلَيْهِ من أَب أَو جد فَيشْهد أَن هَذَا ابْن فلَان أَو أَن هَذِه بنت فلَان أَو قَبيلَة فَيشْهد أَنه من قَبيلَة كَذَا لِأَنَّهُ لَا مدْخل للرؤية فِيهِ فَإِن غَايَة الْمُمكن أَن يُشَاهد الْولادَة على الْفراش وَذَلِكَ لَا يُفِيد الْقطع بل الظَّاهِر فَقَط وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَى إِثْبَات الْإِنْسَان إِلَى الأجداد المتوفين والقبائل الْقَدِيمَة فسومح فِيهِ قَالَ ابْن الْمُنْذر وَهَذَا مِمَّا لَا أعلم فِيهِ خلافًا وَكَذَا يثبت النّسَب بالاستفاضة إِلَى الْأُم فِي الْأَصَح كَالْأَبِ وَإِن كَانَ النّسَب فِي الْحَقِيقَة إِلَى الْأَب (و) الْموضع الثَّالِث (الْملك الْمُطلق) من غير إِضَافَة لمَالِك معِين إِذا لم يكن مُنَازع تَنْبِيه هَذِه الثَّلَاثَة من الْأُمُور الَّتِي تثبت بالاستفاضة وَبَقِي من الْأُمُور الَّتِي تثبت بالاستفاضة الْعتْق وَالْوَلَاء وَالْوَقْف وَالنِّكَاح كَمَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الْمُحَقِّقين لِأَنَّهَا أُمُور مُؤَبّدَة فَإِذا طَالَتْ مدَّتهَا عسر إِقَامَة الْبَيِّنَة على ابتدائها فمست الْحَاجة إِلَى إِثْبَاتهَا بالاستفاضة وَلَا يشك أحد أَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَعَن أَبَوَيْهَا زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بنت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا مُسْتَند غير السماع وَمَا ذكر فِي الْوَقْف هُوَ بِالنّظرِ إِلَى أَصله وَأما شُرُوطه فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ لَا يثبت بالاستفاضة شُرُوط الْوَقْف وتفاصيله بل إِن كَانَ وَقفا على جمَاعَة مُعينين أَو جِهَات مُتعَدِّدَة قسمت الْغلَّة بَينهم بِالسَّوِيَّةِ أَو على مدرسة مثلا وتعذرت معرفَة الشُّرُوط صرف النَّاظر الْغلَّة فِيمَا يرَاهُ من مصالحها انْتهى وَالْأَوْجه حمل هَذَا على مَا أفتى بِهِ ابْن الصّلاح شَيْخه من أَن الشُّرُوط إِن شهد بهَا مُنْفَرِدَة لم يثبت بهَا وَإِن ذكرهَا فِي شَهَادَته بِأَصْل الْوَقْف سَمِعت لِأَنَّهُ يرجع حَاصله إِلَى بَيَان كَيْفيَّة الْوَقْف وَمِمَّا يثبت بالاستفاضة الْقَضَاء وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل والرشد وَالْإِرْث وَاسْتِحْقَاق الزَّكَاة وَالرّضَاع وَحَيْثُ يثبت النِّكَاح بالاستفاضة لَا يثبت الصَدَاق بهَا بل يرجع لمهر الْمثل وَلَا يَكْفِي الشَّاهِد بالاستفاضة أَن يَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ كَذَا وَإِن كَانَت

شَهَادَته مَبْنِيَّة عَلَيْهَا بل يَقُول أشهد أَنه لَهُ أَو أَنه ابْنه مثلا لِأَنَّهُ قد يعلم خلاف مَا سمع من النَّاس وَلَو صرح بذلك لم تقبل شَهَادَته على الْأَصَح لِأَن ذكره يشْعر بِعَدَمِ جزمه بِالشَّهَادَةِ وَيُؤْخَذ من التَّعْلِيل حمل هَذَا على مَا إِذا ظهر بِذكرِهِ تردد فِي الشَّهَادَة فَإِن ذكره لتقوية أَو حِكَايَة حَال قبلت شَهَادَته وَهُوَ ظَاهر وَلَيْسَ لَهُ أَن يَقُول أشهد أَن فُلَانَة ولدت فلَانا وَأَن فلَانا أعتق فلَانا لما مر أَنه يشْتَرط فِي الشَّهَادَة بِالْفِعْلِ الإبصار وبالقول الإبصار والسمع وَشرط الاستفاضة الَّتِي يسْتَند الشَّاهِد إِلَيْهَا فِي الْمَشْهُود بِهِ سَماع الْمَشْهُود بِهِ من جمع كثير يُؤمن توافقهم على الْكَذِب بِحَيْثُ يَقع الْعلم أَو الظَّن الْقوي بخبرهم كَمَا ذكره الشَّيْخَانِ فِي الشَّرْح وَالرَّوْضَة لِأَن الأَصْل فِي الشَّهَادَة اعْتِمَاد الْيَقِين وَإِنَّمَا يعدل عَنهُ عِنْد عدم الْوُصُول إِلَيْهِ إِلَى ظن يقرب مِنْهُ على حسب الطَّاقَة (و) الْموضع الرَّابِع (التَّرْجَمَة) إِذا اتَّخذهُ القَاضِي مترجما وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ وَهُوَ الْأَصَح فَتقبل شَهَادَته فِيهَا لِأَن التَّرْجَمَة تَفْسِير للفظ فَلَا يحْتَاج إِلَى مُعَاينَة وَإِشَارَة وَقَوله (وَمَا شهد بِهِ قبل الْعَمى) سَاقِط فِي بعض النّسخ فَمن عد الْمَوَاضِع سِتَّة عد ذَلِك وَمن عدهَا خَمْسَة لم يعد ذَلِك وَمَعْنَاهُ أَن الْأَعْمَى لَو تحمل شَهَادَة فِيمَا يحْتَاج لِلْبَصَرِ قبل عرُوض الْعَمى لَهُ ثمَّ عمي بعد ذَلِك شهد بِمَا تحمله إِن كَانَ الْمَشْهُود لَهُ وَعَلِيهِ معروفي الِاسْم وَالنّسب لِإِمْكَان الشَّهَادَة عَلَيْهِمَا فَيَقُول أشهد أَن فلَان ابْن فلَان أقرّ لفُلَان ابْن فلَان بِكَذَا بِخِلَاف مجهولهما أَو أَحدهمَا أخذا من مَفْهُوم الشَّرْط نعم لَو عمي ويدهما أَو يَد الْمَشْهُود عَلَيْهِ فِي يَده فَشهد عَلَيْهِ فِي الأولى مُطلقًا مَعَ تَمْيِيزه لَهُ من خَصمه وَفِي الثَّانِيَة بِالْمَعْرُوفِ الِاسْم وَالنّسب قبلت شَهَادَته كَمَا بَحثه الزَّرْكَشِيّ فِي الأولى وَصرح بِهِ فِي أصل الرَّوْضَة فِي الثَّانِيَة (و) الْموضع الْخَامِس أَو السَّادِس على مَا تقدم مَا تحمله (على المضبوط) عِنْده كَأَن يقر شخص فِي أُذُنه بِنَحْوِ طَلَاق أَو عتق أَو مَال لشخص مَعْرُوف الِاسْم وَالنّسب فَيتَعَلَّق الْأَعْمَى بِهِ ويضبطه حَتَّى يشْهد عَلَيْهِ بِمَا سمع مِنْهُ عِنْد قَاض بِهِ فَتقبل على الصَّحِيح لحُصُول الْعلم بِأَنَّهُ الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَله أَن يطَأ زَوجته اعْتِمَادًا على صَوتهَا للضَّرُورَة وَلِأَن الْوَطْء يجوز بِالظَّنِّ وَلَا يجوز لَهُ أَن يشْهد على زَوجته اعْتِمَادًا على صَوتهَا كَغَيْرِهَا خلافًا لما بَحثه الْأَذْرَعِيّ من قبُول شَهَادَته عَلَيْهَا اعْتِمَادًا على ذَلِك (وَلَا تقبل شَهَادَة جَار لنَفسِهِ نفعا) فَترد شَهَادَته لعَبْدِهِ سَوَاء أَكَانَ مَأْذُونا لَهُ أم لَا ومكاتبه لِأَن لَهُ فِيهِ علقَة نعم لَو شهد بشرَاء شقص لمشتريه وَفِيه شُفْعَة لمكاتبه قبلت ولغريم لَهُ ميت وَإِن لم تستغرق تركته الدُّيُون أَو عَلَيْهِ حجر فلس لِأَنَّهُ إِذا أثبت للْغَرِيم شَيْئا أثبت لنَفسِهِ الْمُطَالبَة بِهِ وَترد شَهَادَته أَيْضا بِمَا هُوَ ولي أَو وَصِيّ أَو وَكيل فِيهِ وَلَو بِدُونِ جعل لِأَنَّهُ يثبت لنَفسِهِ سلطنة التَّصَرُّف وببراءة

من ضمنه بأَدَاء أَو إِبْرَاء لِأَنَّهُ يدْفع بِهِ الْغرم عَن نَفسه وبجراحة مُوَرِثه قبل اندمالها لِأَنَّهُ لَو مَاتَ كَانَ الْأَرْش لَهُ وَلَو شهد لموروث لَهُ مَرِيض أَو جريح بِمَال قبل الِانْدِمَال قبلت شَهَادَته وَالْفرق بَين هَذِه وَالَّتِي قبلهَا أَن الْجراحَة سَبَب للْمَوْت النَّاقِل للحق إِلَيْهِ بِخِلَاف المَال وَاحْتج لمنع قبُول الشَّهَادَة فِي ذَلِك وَأَمْثَاله بقوله تَعَالَى ﴿وَأدنى أَلا ترتابوا﴾ والريبة حَاصِلَة هُنَا وَبِقَوْلِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تقبل شَهَادَة خصم وَلَا ظنين والظنين الْمُتَّهم (و) لهَذَا (لَا) تقبل شَهَادَة (دَافع عَنْهَا) أَي عَن نَفسه (ضَرَرا) كَشَهَادَة عَاقِلَة بفسق شُهُود قتل يحملونه من خطأ أَو شبه عمد وَشَهَادَة غُرَمَاء مُفلس بفسق شُهُود دين آخر ظهر عَلَيْهِ لأَنهم يدْفَعُونَ بهَا ضَرَر الْمُزَاحمَة تَتِمَّة لَا تقبل شَهَادَة مُغفل لَا يضْبط أصلا وَلَا غَالِبا لعدم الوثوق بقوله أما من لَا يضْبط نَادرا والأغلب فِيهِ الْحِفْظ والضبط فَتقبل شَهَادَته قطعا لِأَن أحدا لَا يسلم من ذَلِك وَمن تعادل غلطه وَضَبطه فَالظَّاهِر أَنه كمن غلب غلطه وَلَا شَهَادَة مبادر بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يستشهد للتُّهمَةِ وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يَجِيء قوم يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون فَإِن ذَلِك فِي مقَام الذَّم لَهُم وَأما خبر مُسلم أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهُود الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا فَمَحْمُول على شَهَادَة الْحِسْبَة وَهِي مَأْخُوذَة من الاحتساب وَهُوَ طلب الْأجر فَتقبل سَوَاء أسبقها دَعْوَى أم لَا وَسَوَاء أَكَانَت فِي غيبَة الْمَشْهُود عَلَيْهِ أم لَا وَهِي كَغَيْرِهَا من الشَّهَادَات فِي شُرُوطهَا السَّابِقَة فِي حُقُوق الله تَعَالَى المتمحضة كَصَلَاة وَزَكَاة وَصَوْم بِأَن يشْهد بِتَرْكِهَا وَفِيمَا لله تَعَالَى فِيهِ حق مُؤَكد كَطَلَاق وَعتق وعفو عَن قصاص وَبَقَاء عدَّة وانقضائها وحد لله تَعَالَى بِأَن يشْهد بِمُوجب ذَلِك وَالْمُسْتَحب ستره إِذا رأى الْمصلحَة فِيهِ وإحصان وتعديل وَكَفَّارَة وبلوغ وَكفر وَإِسْلَام وَتَحْرِيم مصاهرة وَثُبُوت نسب وَوَصِيَّة ووقف إِذا عَمت جهتهما وَلَو أخرت الْجِهَة الْعَامَّة فَيدْخل نَحْو مَا أفتى بِهِ الْبَغَوِيّ من أَنه لَو وقف دَارا على أَوْلَاده ثمَّ الْفُقَرَاء فاستولى عَلَيْهَا ورثته وتملكوها فَشهد شَاهِدَانِ حسبَة قبل انْقِرَاض أَوْلَاده بوقفيتها قبلت شَهَادَتهمَا لِأَن آخِره وقف على الْفُقَرَاء لَا إِن خصت جهتهما فَلَا تقبل شَهَادَتهمَا لتعلقهما بِحُقُوق خَاصَّة وَخرج بِحُقُوق الله تَعَالَى حُقُوق الْآدَمِيّين كَالْقصاصِ وحد الْقَذْف والبيوع والأقارير لَكِن إِذا لم يعلم صَاحب الْحق بِهِ أعلمهُ الشَّاهِد بِهِ ليستشهده بعد الدَّعْوَى وَإِنَّمَا تسمع شَهَادَة الْحِسْبَة عِنْد الْحَاجة إِلَيْهَا فَلَو شهد اثْنَان أَن فلَانا أعتق عَبده أَو أَنه أَخُو فُلَانَة من الرَّضَاع لم يكف حَتَّى يَقُولَا إِنَّه يسترقه أَو أَنه يُرِيد نِكَاحهَا وَكَيْفِيَّة شَهَادَة الْحِسْبَة أَن الشُّهُود يجيئون إِلَى القَاضِي وَيَقُولُونَ نَحن نشْهد على فلَان بِكَذَا فَأحْضرهُ لنشهد عَلَيْهِ فَإِن ابتدأوا وَقَالُوا فلَان زنى فهم قذفة وَمَا تقبل فِيهِ شَهَادَة الْحِسْبَة هَل تسمع فِيهِ دَعْوَاهَا وَجْهَان أوجههمَا كَمَا جرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري تبعا للإسنوي وَنسبه الإِمَام للعراقيين لَا تسمع لِأَنَّهُ لَا حق للْمُدَّعِي فِي الْمَشْهُود بِهِ وَمن لَهُ الْحق لم يَأْذَن فِي الطّلب وَالْإِثْبَات بل أَمر فِيهِ الْإِعْرَاض وَالدَّفْع مَا أمكن وَالْوَجْه الثَّانِي وَرجحه البُلْقِينِيّ أَنَّهَا تسمع وَيجب حمله على غير حُدُود الله تَعَالَى وَلذَا فصل بعض الْمُتَأَخِّرين فَقَالَ إِنَّهَا تسمع فِي مَحْض حُدُود الله تَعَالَى

فصول الكتاب · 7 فصل · 663 صفحة
جارٍ التحميل