زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيهصفحات 207-230
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وطن للأموات.
ثم أنظر إليها وهي ميتة هامدة خاشعة فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، فارتفعت واخضرت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر، بهيج للناظرين كريم للمتناولين.
ثم تأمل كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف نصبها فأحسن نصبها.
وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض، لئلا تضمحل على تطاول السنين، وترادف الأمطار والرياح، بل أتقن صنعها وأحكما وضعها، وأودعها من المنافع والمعادن والعيون ما أودعها.
ثم تأمل هذا الهواء اللطيف المحبوس بين السماء والأرض يدرك بحس اللمس عند هبوبه، يدرك جسمه ولا يرى شخصه فهو يجري بين السماء والأرض والطير محلقة فيه سابحة بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه، وأمواجه عند هيجانه كما تضطرب أمواج البحار.
ثم تأمل كيف ينشء سبحانه بهذا الريح السحاب المسخر بين السماء والأرض فتثيره كسفاً ثم يؤلف بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سماها سبحانه لواقح ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها اهراق ماءه عليها فيرسل سبحانه عليه الريح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه أقلع عنها وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح.
ثم تأمل هذه البحار المكتنفة للأقطار التي هي خلجان من البحر

المحيط الأعظم بجميع الأرض حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء، ولولا إمساك الرب تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء لطفح على الأرض وعلاها كلها.
وتأمل الليل والنهار وهما من أعجب آيات الله كيف جعل الليل سكناً ولباساً يغشى العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم النفوس وتستريح من كد السعي والتعب حتى إذا أخذت منها النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها جاء فالق الإصباح سبحانه وتعالى بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر.
وتأمل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعهما لبطل أمر العالم، وكيف كان الناس يسعون في معاشهم، ويتصرفون في أمورهم، والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانوا يتهنون بالعيش مع فقد النور فـ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ 1.
وتأمل خلق الحيوانات على اختلاف صفاته وأجناسه وأشكاله ومنافعه وألوانه وعجائبه المودعة فيه، فمنه الماشي على بطنه ومنه الماشي 1 سورة الفرقان، الآيتان: 61- 62.

على رجليه، ومنه الماشي على أربع، ومنه ما جعل سلاحه في رجليه وهو ذو المخالب، ومنه ما جعل سلاحه المناقير كالنسر والرخم والغراب، ومنه ما جعل سلاحه الأسنان، ومنه ما جعل سلاحه القرون يدافع عن نفسه.
وتأمل وخذ العبرة عموماً من وضع هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على أحسن نظام وأدله على كمال قدرة خالقه وكمال علمه، وكمال حكمته وكمال لطفه، فإنك إذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع آلاته ومصالحه وكل ما يحتاج إليه، فالسماء سقفه المرفوع عليه، والأرض مهاده بساط وفراش ومستقر للساكن، والشمس والقمر سراجان يزهران فيه، والنجوم مصابيح له وزينة وأدلة للمتنقل في طرق هذه الدار والجواهر والمعادن مخزونة فيه، كالذخائر والحواصل المعدة المهيأة كل شيء منها لشأنه الذي يصلح له وضروب النبات مهيأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه فمنها الركوب ومنها الحلوب ومنها الغذاء ومنها اللباس والأمتعة والآلات، ومنها الحرس، وجعل الإنسان كالملك المخول في ذلك المحكم فيه، المتصرف بفعله وأمره ففي هذا أعظم دلالة وأقوى برهان على الخالق العليم الحكيم الخبير، الذي قدر خلقه أحسن تقدير، ونظمه أحسن تنظيم.
بل وتأمل وخذ العبرة على وجه الخصوص من خلق الله لك أيها الإنسان وتأمل في مبدأ خلقك ووسطه وآخره، فانظر بعين البصيرة، إلى أول خلقك من نطفة من ماء مهين مستقذر كيف استخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته، على ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها ومجمعها، وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى، وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة

والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه، وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قراراً مكيناً لا يناله هواء يفسده ولا برد يجمده ولا عارض يصل إليه، ثم قلب تلك النطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب إلى سواد، ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها، ثم جعلها عظاماً مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيئتها وقدرها وملمسها ولونها، وهكذا تتدرج أطوار خلق الإنسان إلى أن يخرج بهذه الصور التي صوره الله عليها فشق له السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤوسهما بالأصابع، ثم قسم الأصابع بالأنامل، وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه1فسبحان الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى القائل: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ 2.
"فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل متصلة إلى معرفته- تعالى- وحجج بالغة على أزليته، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر

بصائرهم"1.
فتأمل هذه الآيات وغيرها مما خلق الله في السموات والأرض وتدبرها وإمعان النظر وإجالة الفكر فيها من أعظم ما يعود على الإنسان بالنفع في تقوية إيمانه وتثبيته، لأنه يعرف من خلالها وحدانية خالقه ومليكه، وكماله سبحانه وتعالى، فيزداد حبه وتعظيمه وإجلاله له، وتزداد طاعته وانقياده وخضوعه له، وهذه من أعظم ثمرات هذا النظر.
قال ابن القيم رحمه الله:"وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به سبحانه وتعالى، وبوحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكته ورحمته، وإحسانه وبره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه وثوابه وعقابه فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته"2.
وقال ابن سعدي رحمه الله:"ومن أسباب الإيمان ودواعيه، التفكر في الكون في خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان وما هو عليه من الصفات فإن ذلك داع قوي للإيمان، لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدال على قدرة خالقها وعظمته، وما فيها من الحسن والانتظام والإحكام الذي يحير الألباب، الدال على سعة علم الله وشمول حكمته وما فيها من أصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، الدالة على سعة رحمة الله وجوده وبره، وذلك كله يدعوا إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره واللهج 1 انظر ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (1/ 307) وهو من كلام عثمان بن مرزوق القرشي.
2 مفتاح دار السعادة لابن القيم (ص 204).

بذكره وإخلاص الدين له وهذا هو روح الإيمان وسره"1.
ولهذا فإن الله الكريم سجانه ندب عباده في كتاب إلى تأمل هذه الآيات والدلالات، وإلى النظر والتفكر في مواضع كثيرة منه، وذلك لكثرة منافعها للعباد وعظم عوائدها عليهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ 2.
وقال تعالى.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ 3 والآيات بعدها.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ 4.
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ 5.
وغيرها من الآيات، وهي كثيرة في القرآن، يدعو فيها عباده إلى النظر في آياته ومفعولاته التي هي أعظم دليل على توحده وتفرده وعلى

قدرته ومشيئته وعلمه سبحانه وتعالى، وعلى بره ولطفه وكرمه، وهدا أعظم داع للعباد إلى محبة الله وشكره وتعظيمه وطاعته وملازمة ذكره، وبهذا يتبين أن النظر في الكون والتأمل فيه من أعظم أسباب الإيمان وأنفع دواعيه.
ثالثاً- ومن أسباب زيادة الإيمان وتقويته: أن يجتهد المسلم في القيام بالأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى وأن يكثر منها، ويداوم عليها.
فإن كل عمل يقوم به المسلم مما شرعه الله ويخلص نيته فيه يزيد في إيمانه، لأن الإيمان يزيد بزيادة الطاعات وكثرة العبادات.
ثم إن العبودية التي شرعها الله لعباده وطلب منهم القيام بها، فرضها ونفلها منقسمة على القلب واللسان والجوارح وعلى كل منها عبودية تخصه.
فمن عبودية القلب التي تخصه: الإخلاص والمحبة والتوكل والإنابة والرجاء والخوف والخشية والرهبة والرضى والصبر وغيرها من الأعمال القلبية.
ومن عبودية اللسان التي تخصه: قراءة القرآن، والتكبير والتسبيح والتهليل والاستغفار، وحمد الله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله وغيرها من الأعمال التي لا تكون إلا باللسان.
ومن عبودية الجوارح التي تخصها: الصدقة والحج والصلاة والوضوء والخُطا إلى المسجد ونحوها من الأعمال التي تكون بالجوارح.
فهذه الأعمال القلبية والتي باللسان والتي بالجوارح كلها من الإيمان وداخلة في مسماه فالقيام بها والإكثار منها زيادة في الإيمان

وإهمالها وإنقاصها نقص في الإيمان. أما أعمال القلب: فهي في الحقيقة أصل الدين ورأس الأمر وأهم المطالب، بل إن الأعمال الظاهرة لا تقبل إن خلت من الأعمال القلبية. لأن الأعمال كلها يشترط في قبولها الإخلاص بها لله عز وجل، والإخلاص عمل قلبي، ولهذا كانت الأعمال القلبية واجبة على كل أحد لا يكون تركها محموداً في حال من الأحوال. والناس في القيام بها على ثلاث درجات كما هم في أعمال البدن على ثلاث درجات: منهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات.1
ولذا لزم كل مسلم أن يبدأ بتطهير قلبه وإصلاحه والعناية به، قبل أن يعتني بإصلاح ظاهره، إذ لا عبرة بصلاح الظاهر مع فساد الباطن ومتى ما أصلح المسلم قلبه بالأعمال الزاكية والإخلاص والصدق والمحبة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم استقامت جوارحه وصلح ظاهره، كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"..ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" 2.
فهذا الحديث فيه أعظم إشارة إلى أن صلاح حركات العبد الظاهرة بحسب صلاح حركة قلبه وباطنه، فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات جوارحه كلها، بخلاف ما إذا كان قلبه فاسداً قد استولى

عليه حب الهوى واتباع الشهوات وتقديم حظوظ النفس فإن من كان كذلك فسدت حركات جوارحه كلها. ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحاً كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسداً كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ 1. والقلب السليم هو: السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشية ما يباعد منه.2
قال شيخ الإسلام:"ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب... فإذا كان القلب صالحاً بما فيه من الإيمان علماً وعملاً قلبياً، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق"3.
ولهذا فإن من أعظم ما يزيد في إيمان الشخص الظاهر والباطن أن يجاهد نفسه مجاهدة تامة على إصلاح قلبه وعمارته بمحبة الله عز وجل ومحبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال.
قال ابن رجب:"... فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها

معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ويمتلىء من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى لا إله إلا الله، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو إله واحد لا شريك له، ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ 1 فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معاً حتى تكون حركات أهلها كلها لله، وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب"2.
وقد سبق أن مر معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" 3.
"ومعنى هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان العبد بذلك باطناً وظاهراً، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهه وعما يخشى أن يكون مما يكره وإن لم يتيقن ذلك"4.
فمتى ما صلحت القلوب بالإيمان والصدق والإخلاص والمحبة ولم

يبق فيها إرادة لغير الله، صلحت جميع الجوارح فلم تتحرك إلا لله عز وجل وبما فيه مرضاته. والقلب لا يخلو بحال من الفكر إما في واجب آخرته ومصالحها، وإما في مصالح دنياه ومعاشه، وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة. وجماع إصلاح القلب أن تشغله بالفكر بما فيه صلاحه وفلاحه المحقق، ففي باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه. وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها، وفي باب الإرادات والعزوم تشغله بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرك إرادته.1
وإن أعظم عون للعبد على ذلك هو تكثير الشواهد النافعة في القلب، لتقوى صلته بالله، ولأن الأعمال الصالحة إنما تكون بحسب قيام هذه الشواهد في القلب وكثرتها.
قال ابن القيم رحمه الله:"ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشواهد إشارة يعلم بها حقيقة الأمر: فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة، أن يقوم به شاهد من الدنيا وحقارتها، وقلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها، وسرعة انقضائها... فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها، ترحل قلبه عنها، وسافر في طلب الدار الآخرة، وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها، وأنها هي الحيوان حقاً، فأهلها لا يرتحلون منها، ولا يظعنون عنها بل هي دار القرار، ومحط الرحال ومنتهى السير.. ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرامها، ويعد قعرها، وشدة حرها وعظيم عذاب

أهلها، فيشاهدهم وقد سبقوا إليها سود الوجوه زرق العيون والسلاسل والأغلال في أعناقهم فلما انتهوا إليها فتحت في وجوههم أبوابها فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع، وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفاً... فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد انخلع من الذنوب والمعاصي واتباع الشهوات، ولبس ثياب الخوف والحذر... وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات، فيذيب هذا الشاهد من قلبه الفضلات والمواد المهلكة، وينضجها نم يخرجها، فيجد القلب لذة العافية وسرورها.
فيقوم به بعد ذلك شاهد الجنة، وما أعد الله لأهلها فيها، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فضلاً عما وصفه الله لعباده على لسان رسوله من النعيم المفصل، الكفيل بأعلى أنواع اللذة، من المطاعم والمشارب والملابس والصور، والبهجة والسرور.
فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم المقيم بحذافبره فيها، تربتها المسك، وحصباؤها الدر، وبناؤها لبن الذهب والفضة، وقصب اللؤلؤ، وشرابها أحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك، وأبرد من الكافور وألذ من الزنجبيل، ونساؤها لو برز وجه إحداهن في هذه الدنيا لغلب على ضوء الشمس، ولباسهم الحرير من السندس والإستبرق، وخدمهم ولدان كاللؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون، وشرابهم عليه خمرة لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون، وشاهدهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متكئون، وفي تلك الرياض يحبرون، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وهم

فيها خالدون.
فإذا انضم إلى هذا الشاهد: شاهد يوم المزيد، والنظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع كلامه، منه بلا واسطة... فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله فهناك سير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابها فلا يلتفت في طريقه يميناً ولا شمالاً... "1. فإذا قامت مثل هذه الشواهد في قلب العبد وأعمل فكره فيها، كانت أعظم عون له على تطهير قلبه وتنزيهه من الأوصاف المذمومة والإرادات السافلة، وعلى تخليته وتفريغه من التعلق بغير الله سبحانه، وكانت أعظم باعث له على العبادة والمحبة والخشية والإنابة والافتقار لله تعالى.
والمقصود أن أعظم باعث للإيمان، وأنفع مقوياته وأهم أسباب زيادته ونمائه هو إصلاح القلب بالإيمان وبالحب لله ولرسوله ولما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتطهيره مما يخالف هذا ويناقضه.
والله الموفق.
وأما أعمال اللسان: كذكر الله عز وجل وحمده والثناء عليه وقراءة كتابه والصلاة والسلام على رسول الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتسبيح والاستغفار والدعاء وغير ذلك من الأعمال التي تكون باللسان، فلا شك أن القيام بها والمداومة عليها والإكثار منها من أعظم أسباب زيادة الإيمان.
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله:"ومن أسباب دواعي الإيمان الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة.

فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها، وكلما ازداد العبد ذكراً لله قوي إيمانه، كما أن الإيمان يدعو إلى كثرة الذكر، فمن أحب الله أكثر من ذكره، ومحبة الله هي الإيمان بل هي روحه"1.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه الوابل الصيب أن للذكر مائة فائدة، عدد منها ثلاثاً وسبعين فائدة2: منها أنه يطرد الشيطان، ويرضي الرحمن، ويزيل الهم والغم، ويجلب الفرح والسرور، ويقوي القلب والبدن، وينور الوجه والقلب، ويجلب الرزق، وغير ذلك مما ذكره رحمه الله من الفوائد العظيمة التي تنال بذكر الله عز وجل ولا شك أن أعظم فوائد ذكر الله وأنفعها أنه يزيد في الإيمان ويقويه ويثبته ولهذا فقد ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة في الأمر به والحث على الإكثار منه، وبيان فضله وأهميته: قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 3.
وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ 4.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ 5 الآية.
وقال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ 6.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جُمدان، فقال: سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون، قيل: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات" 1.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك؟ يا رسول الله.
قال: ذكر الله" 2.
وذكر عبد الله بن بسر أن رجلاً قال: يا رسول الله إن شرائع الإيمان قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال:"لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله تعالى" 3.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يقول الله تبارك وتعالى:"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم.." 1 الحديث.
وغيرها من النصوص، الدالة على فضل الذكر وأهميته، وفضل

ألاشتغال به.
فإن أعرض الإنسان عن هذا كله ولم يشغل لسانه بذكر الله عز وجل اشتغل لسانه بغير ذلك من الغيبة والنميمة والسخرية والكذب والفحش، لأن العبد لا بد له أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه الأمور.
قال ابن القيم:"فإن اللسان لا يسكت البتة، فإما لسان ذاكر، وإما لسان لاغ، ولا بد من أحدهما، فهي النفس إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل، وهو القلب، إن لم تسكنه محبة الله عز وجل، سكنته محبة المخلوقين ولا بد، وهو اللسان، إن لم تشغله بالذكر، شغلك باللغو، وهو عليك ولا بد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها في إحدى المنزلتين"1.
وأما أعمال الجوارح: من صلاة وصيام وحج وصدقة وجهاد وغير ذلك من الطاعات، فهي كذلك من أسباب زيادة الإيمان، فالاجتهاد في القيام بالطاعات التي افترضها الله على عباده، وبالقربات التي ندب عباده إليها، والإتيان بها على أحسن الوجوه وأكملها من أعظم أسباب قوة الإيمان وزيادته.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ

هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ 1.
فهذه الصفات الثمان، كل واحدة منها تثمر الإيمان وتنميه، كما أنها من صفات الإيمان وداخلة في تفسيره.
فحضور القلب في الصلاة، وكون المصلى يجاهد نفسه في استحضار ما يقوله ويفعله من القراءة والذكر والدعاء فيها، ومن القيام والقعود، والركوع والسجود من أسباب زيادة الإيمان ونموه.
وقد سمى الله الصلاة إيماناً بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ 2 وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ 3 فهي أكبرناه عن كل فحشاء ومنكر ينافى الإيمان، كما أنها تحتوي على ذكر الله الذي يغذي الإيمان وينميه، لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
والزكاة كذلك تنمى الإيمان وتزيده، وهي فرضها ونفلها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"والصدقة برهان" 4 أي: على إيمان صاحبها، فهي دليل الإيمان وتغذيه وتنميه.
والإعراض عن اللغو الذي هو كل كلام لا خير فيه، وكل فعل لا خير فيه، بل يقولون الخير ويفعلونه، ويتركون الشر قولا وفعلا، لا شك أنه من الإيمان ويزداد به الإيمان، ويثمر الإيمان.

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إذا وجدوا غفلة أو تشعث إيمانهم، يقول بعضهم لبعض:"اجلس بنا نؤمن ساعة"1.
فيذكرون الله، ويذكرون نعمه الدينية والدنيوية، فيتجدد بذلك إيمانهم.
وكذلك العفة عن الفواحش خصوصاً فاحشة الزنا، لا ريب أن هذا من أكبر علامات الإيمان ومنمياته، فالمؤمن لخوفه مقامه بين يدي ربه ﴿نهى النفس عن الهوى﴾ إجابة لداعي الإيمان وتغذية لما معه من الإيمان.
ورعاية الأمانات والعهود وحفظها من علائم الإيمان، وفي الحديث "لا إيمان لمن لا أمانة له" 2 وإذا أردت أن تعرف إيمان العبد ودينه، فانظر حاله هل يرعى الأمانات كلها حالية أو قولية، أو أمانات الحقوق؟ وهل يرعى الحقوق والعهود والعقود التي بينه وبين الله والتي بينه وبين العباد؟ فإن كان كذلك فهو صاحب دين وإيمان، وإن لم يكن كذلك نقص من دينه وإيمانه بمقدار ما انتقص من ذلك.
وختمها بالمحافظة على الصلوات على حدودها وحقوقها.
وأوقاتها، لأن المحافظة على ذلك بمنزلة الماء الذي يجري على بستان الإيمان، فيسقيه وينميه، ويؤتي أكله كل حين.
وشجرة الإيمان محتاجة إلى تعاهدها كل وقت بالسقي وهو

المحافظة على أعمال اليوم والليلة من الطاعات والعبادات وإلى إزالة ما يضرها من الصخور والنوابت الغريبة الضارة، وهو العفة عن المحرمات قولا وفعلا فمتى تمت هذه الأمور حيي هذا البستان وزها، وأخرج الثمار المتنوعة"1.
وبهذا البيان يتضح لنا شدة أثر الأعمال الصالحة في زيادة الإيمان، وأن القيام بها والإكثار منها سبب عظيم من أسباب زيادته.
قال شيخ الإسلام:"وكمال الإيمان هو فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، فإذا ترك بعض المأمور وعوض عنه ببعض المحظور كان في ذلك من نقص الإيمان بقدر ذلك"2.
فالصلاة إيمان، والحج إيمان، والصدقة إيمان، والجهاد إيمان الطاعات التي أمر الله بها عباده إيمان، فإذا فعلها الصد ازداد عنده الإيمان، وكان فعله لها سببا في زيادة إيمانه، بشرط الإخلاص والمتابعة.
قال الشيخ محمد العثيمين حفظه الله:"ولزيادة الإيمان أسباب منها... - فعل الطاعة فإن الإيمان يزداد به بحسب حسن العمل، وجنسه، وكثرته، فكلما كان العمل أحسن كانت زيادة الإيمان به أعظم، وحسن العمل يكون بحسب الإخلاص والمتابعة، وأما جنس العمل فإن الواجب أفضل من المسنون وبعض الطاعات أوكد وأفضل من البعض الآخر وكلما كانت الطاعة أفضل كانت زيادة الإيمان بها أعظم، وأما كثرة العمل فإن الإيمان يزداد بها لأن العمل من الإيمان فلا جرم أن يزيد

بزيادته"1.
وقد سبق نقل إجماع السلف في الإيمان أنه قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وسبق ذكر جملة من أقوالهم في ذلك في مبحث مستقل فأغنى عن إعادته.
ثم إن من أعظم الأعمال الصالحة التي تزيد في الإيمان- غير ما تقدم-: الدعوة إلى الله، ومجالسة أهل الخير، ولأهمية هذين الأمرين ولعظم نفعهما في زيادة الإيمان لزم الحديث عنهما هنا.
أما الدعوة إلى الله تعالى والى دينه، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والدعوة إلى أصل الدين، والدعوة إلى التزام شرائعه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للمسلمين فإن ذلك من دواعي الإيمان وأسبابه، وبه يكمل العبد نفسه، ويكمل غيره، كما أقسم تعالى بالعصر أن جنس الإنسان- لفي خسر، إلا من اتصف بصفات أربع: الإيمان والعمل الصالح اللذين بهما تكميل النفس، والتواصي بالحق الذي هو العلم النافع والعمل الصالح والدين الحق، وبالصبر على ذلك كله، وبهما يكمل غيره.
وذلك أن نفس الدعوة إلى الله والنصيحة لعباده، من أكبر مقويات الإيمان، وصاحب الدعوة لا بد أن يسعى بنصر هذه الدعوة، ويقيم الأدلة والبراهين على تحقيقها، ويأتي الأمور من أبوابها، ويتوسل إلى الأمور من طرقها، وهذه الأمور من طرق الإيمان وأبوابه.
قال شيخ الإسلام:"وسبب الإيمان وشعبه يكون تارة من العبد، وتارة من غيره، مثل من يقيض له من يدعوه إلى الإيمان، ومن يأمره

بالخير، وينهاه عن الشر، ويبين له علامات الدين وحججه وبراهينه وما يعتبره وينزل به ويتعظ به، وغير ذلك من الأسباب"1. وأيضاً فإن الجزاء من جنس العمل، فكما سعى إلى تكميل العباد ونصحهم وتوصيتهم بالحق، وصبر على ذلك لا بد أن يجازيه الله من جنس عمله، ويؤيده بنور منه وروح وقوة وإيمان، وقوة التوكل فإن الإيمان وقوة التوكل على الله يحصل به النصر على الأعداء من شياطين الإنس وشياطين الجن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ 2. وأيضاً فإنه متصد لنصر الحق، ومن تصدى لشيء فلا بد أن يفتح عليه فيه من الفتوحات العلمية والإيمانية بمقدار صدقه وإخلاصه.3
فينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يلتزم بالصدق والإخلاص في أمره ونهيه، حتى يؤتي أكله، ويثمر الإيمان الخالص فيه وفي المدعوين، وأن يلتزم في دعوته بالحكمة والرفق، والصبر على المدعوين، والعلم بما يدعوهم إليه4فإن تحققت فيه هذه الأوصاف أثمرت دعوته ونفعت بإذن الله، وكانت سبباً لقوة إيمانه وقوة إيمان المدعوين.
أما مجالسة أهل الخير وملازمتهم ومرافقتهم والحرص على الاستفادة منهم، فهو سبب عظيم من أسباب زيادة الإيمان، لما يكون في تلك

المجالس من التذكير بالله والتخويف منه سبحانه ومن عذابه والترغيب والترهيب وغير ذلك من الأمور التي هي من أعظم أسباب زيادة الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 1 وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ 2.
فهذا يدل على أن أصحاب القلوب المؤمنة تستفيد من التذكير وتستفيد من مجالس الذكرى أعظم الاستفادة ويحدث لهم ذلك نشاطا وهمة، ويوجب لهم الانتفاع والارتفاع، بخلاف مجالس اللهو والغفلة فإنها من أعظم أسباب نقص الإيمان واضمحلاله.
ولهذا كان سلفنا الصالح أشد الناس عناية بمجالس الذكر، وأشدهم بعدًا عن مجالس اللهو والغفلة، وقد مر معنا من أقوالهم ما يدل على ذلك الشيء الكثير مثل أثر عمير بن حبيب الخطمي ومعاذ بن جبل- رضي الله عنهما- وغيرهما.
وسبب أخير نختم به هذه الأسباب ينبغي العناية به وعدم اغفاله وهو أن يعود المسلم نفسه ويوطنها على مقاومة جميع ما من شأنه إنقاص الإيمان أو إضعافه أو الذهاب به"فإنه كما أنه لا بد في الإيمان من فعل جميع الأسباب المقوية المنمية له فلا بد مع ذلك من دفع الموانع والعوائق وهي الإقلاع عن المعاصي والتوبة مما يقع منها، وحفظ الجوارح كلها عن المحرمات، ومقاومة فتن الشبهات المضعفة لإرادات الإيمان التي أصلها الرغبة في الخير ومحبته، والسعي فيه لا تتم إلا بترك إرادات ما ينافيها من رغبة النفس في الشر ومقاومة النفس الأمارة بالسوء، فمتى حفظ العبد من

الوقوع في فتن الشبهات، وفتن الشهوات ثم إيمانه وقوي يقينه"1.

فصول الكتاب · 32 فصل · 743 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه · 743 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةتمهيدالمبحث الأول: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب...المبحث الثانيأدلة زيادة الإيمان ونقصانه من السنةالمبحث الثالث: أقوال السلف في زيادة الإيمان ونقصانه...الفصل الثانيأوجه زيادة الإيمان ونقصانهالفصل الثالثأسباب زيادة الإيمان ونقصانه
المبحث الأولأسباب زيادة الإيمان
المبحث الثانيأسباب نقص الإيمانالفصل الرابعفي الإسلام هل يزيد وينقص؟الفصل الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان...الفصل الثانيقول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص، والرد عليهالفصل الثالث: قول من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص
المبحث الأولذكر القائلين بهذا القول
المبحث الثاني: في ذكر أدلتهم وشبههم وبيان بطلانهاالمبحث الثالث:في بيان موقفهم من النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه، والرد عليهم*...المبحث الأول: في ذكر سبب نشوء الخلاف في هذه المسألةالمبحث الأول: في ذكر سبب نشوء الخلاف في هذه المسألةالمبحث الثاني: في ذكر هل الخلاف في هذه المسألة عائد إلى الخلاف في تعريف الإيمان أو لا؟المبحث الثالث: في الكلام عن الخلاف في هذه المسألة هل هو لفظي أو حقيقي؟الباب الثالث: حكم الاستثناء في الإيمانالفصل الأول: بيان مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الاستثناء في الإيمانالمبحث الأول: بيان قول أهل السنة في الاستثناء ومأخذهم فيه وأدلتهم عليه.المبحث الأول: بيان قول أهل السنة في الاستثناء ومأخذهم فيه وأدلتهم عليهالمبحث الثاني: نقل أقوال السلف في الاستثناء مع التوفيق بينهاالمبحث الثالث: ما ورد عنهم من تبديع السؤال بـ" أنت مؤمن"...المبحث الرابع: حكم الاستثناء في الإسلامالفصل الثاني: فيمن قال بوجوب الاستثناءالفصل الثالث: فيمن قال بعدم جواز الاستثناءمصادر ومراجع...
جارٍ التحميل