الهمم العالية
يقول ابن الجوزي متحدثاً عن الأئمة أصحاب العزائم والهمم:
كانت همم القدماء من العلماء علية، تدل عليها تصانيفهم التي هي زبدة أعمارهم.
إلا أن أكثر تصانيفهم دثرت، لأن همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطولات.
ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فدثرت الكتب ولم تنسخ.
فسبيل طالب الكمال في طلب، العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة.
وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدي، ولا صاحب ورع فيستفيد منه الزاهد 1.
رحم الله ابن الجوزي وهو يعتب على أهل زمانه، فكيف به لو رأى أهل زماننا، وقد تيسرت لهم أبواب العلم ولكنهم عزفوا عنها؟ ! هي بين أيديهم وتحت متناولهم، ولكن أصحاب الهمم قلائل، وأهل العزائم نوادر.
هاك أيها الحبيب نبذاً عن صبرهم، وكيف كانوا يطلبون العلم؟
الجزء: 1 - الصفحة: 40
وماذا يجدون من صعوبات في سبيل الحصول عليه؟ لترى الفرق والبون بين أهل ذاك الزمان وبين ما نحن فيه مع الأسف الشديد! !
أراد عبد الله بن القاسم العتكي المصري، السفر من القاهرة إلى المدينة لطلب العلم عند الإمام مالك، وكانت زوجة عبد الله آنذاك حاملاً، فقال لها: إني قد عزمت على الرحلة في طلب العلم، وما أراني عائداً إلى مصر إلا بعد مدة طويلة، فإن شئت أن أطلقك طلقتك فتنكحين من شئت، وإن أردت أبقيك في عصمتي فعلت ولكن لا أدري متى سأرجع إليك، فاختارت البقاء زوجة له، ورحل ابن القاسم إلى مالك، وبقي عنده سبع عشرة سنة ملازماً لمالك لا يبيع ولا يشتري، بل همته مصروفة إلى طلب العلم، وفي هذه المدة ولدت زوجته غلاماً وكبر، ولم يكن يعلم ابن القاسم بولادة ولده؛ لأن أخباره قد انقطعت عن زوجته منذ رحيله.
قال ابن القاسم: فبينا أنا ذات يوم عند مالك في مجلسه، إذ أقبل علينا حاج مصري شاب ملثم فسلم على مالك ثم قال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشاروا إلي، فأقبل علي يعتنقني ويقبل ما بين عيني، ووجدت منه رائحة الولد، فإذا هو ابني الذي تركت زوجتي حاملاً به وقد شب وكبر.
والجد والتعب ليس في تحصيل العلم وتقييده فحسب، بل إن من أنار الله له طريق العلم فعليه واجب نشره والجلوس لطلبة العلم والمتعلمين والعامة.
إنها زكاة العلم وواجب تعليمه.
رحم الله وكيع بن الجراح فقد كان يومه كله في طاعة؛ كان يصوم الدهر، وكان يبكر فيجلس لأصحاب الحديث إلى ارتفاع النهار ثم ينصرف فيقيل إلى وقت صلاة الظهر، ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 41
يخرج فيصلي الظهر ويقصد طريق المشرعة التي كان يصعد منها أصحاب الروايا فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس فيدرس القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل إلى منزله فيقدم إليه إفطاره 2.
وكان الإمام الطبري لا يعدم في الصيف الحيس 3، والريحان واللينوفر 4، فإذا أكل نام في الخيش 5، في قميص قصير الأكمام، مصبوغ بالصندل وماء الورد.
ثم يقوم فيصلي الظهر في بيته، ويكتب في تصنيفه إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ويجلس للناس يقرأ عليه إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه إلى العشاء الآخرة، ثم يدخل منزله.
وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه، ودينه، والخلق، كما وفقه الله عز وجل.
لقد أمسكوا الصبر بزمامه، والعزم بخطامه، يحدوهم أمل عظيم ورجاء واسع وفضل من الله كبير.
سمع الخطيب البغدادي على إسماعيل بن أحمد الحيري بمكة
صحيح البخاري في ثلاثة مجالس: اثنان منها في ليلتين؛ كان يبتدئ
الجزء: 1 - الصفحة: 42
بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، والثلاث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر.
قال الذهبي: وهذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه.
ولعل من أسباب تيسير ذلك بركة الزمان في ذلك الوقت 6.
ولا ريب أن ذلك من توفيق الله لهم وإعانته مع صبرهم وجلدهم، فقد كانوا أصحاب همم وعزائم، يقول ابن الجوزي: كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق 7.
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل عاصفة سكونا
أما ثني الركب عند العلماء والصبر على طلب العلم الذي نسمع به لا نراه فلعلنا نعرض لبعض من حياة علماء الأمة وصبرهم على طلب العلم والحرص عليه.
قال جرير بن حازم: جلست إلى الحسن سبع سنين لم أخرم منها يوماً واحداً 8.
نعم سبع سنين متواصلة لم يخرم منها يوماً واحداً.
إنها حياة، ومراجعة وحفظ ومذاكرة، يزينها الوقار، ويجملها الصبر على شظف العيش وعلى التكرار والمراجعة والبحث والتنقيب بين السطور وفي بطون الكتب.
ومن أمثلة قراءة الاستعراض ما حدث للإمام الشافعي رحمه الله لما
الجزء: 1 - الصفحة: 43
سئل عن دليل مسألة الإجماع؛ فاستعرض القرآن ثلاث مرات في كل ليلة حتى اهتدى إلى الموضع.
وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ 9.
وقال الزهري وكأنه يتحدث عن حالهم ويرى صنيعهم: منهومان لا يشبعان: طالب العلم وطالب الدنيا.
فطالب الدنيا ثار غباره وعلمنا خبره عياناً، أما طالب العلم فهو في بطون الكتب سيرة وذكرى، ولعل الله يحفظ البقية الباقية من علمائنا وطلبة العلم في زماننا.
قرأ ابن حجر ـ رحمه الله ـ السنن لابن ماجه في أربعة مجالس، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم، وذلك في نحو يومين وشيء؛ فإنه كان الجلوس من بكرة النهار إلى الظهر، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات، وأسرع شيء وقع له أنه قرأ معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر؛ وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث، وحدث بالبخاري في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات 10.
الجزء: 1 - الصفحة: 44
يا طالب العلم:
إن للقلوب شهوة وإدباراً؛ فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها 11.
ولأصحب الهمم العالية والعزائم الصادقة وقفات جادة في طلب العلم والسعي له.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجد أحدًا يفتحها علي إلا رجلاً ببرك الغماد 12 لرحلت إليه 13.
وجاء في ترجمة الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ أنه كان يقول: أنا برجال الحديث أعرف مني برجال الدرعية 14.
أما جهودهم ومصنفاتهم فهي ما يعجز عنه المقصرون ويتأخر عنه المتأخرون.
فما أبرك ساعات الطلب عندهم وما أوسعها عند زكاتها! إنها أوقات عمروها طلباً للعلم ثم تبليغاً له.
أين نحن من هؤلاء؟
حسبت تلامذة أبي جعفر محمد بن جرير منذ احتلم إلى أن مات فقسموا على المدة مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة 15.
وما تعلموا من عمل إلا سعوا إلى تطبيقه والعمل به، فقد كان الشيخ أبو عمر المقدسي لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا
الجزء: 1 - الصفحة: 45
يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثاً إلا عمل به، ومات وهو عاقد على أصابعه ليسبح 16.
وهذا ابن جرير ينشط لكتابة التاريخ ويقول لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم؟ قالوا: كم يجيء؟ فذكر نحواً من ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه.
قال: إنا لله، ماتت الهمم 17.
وقال ابن الجوزي محدثاً عن نفسه: كتبت بأصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفاً 18.
يا طالب العلم:
ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعاً لوفاته
وألق سمعك إلى مقالة تحكي واقعنا، وقد قل العلماء وندر طلبة العلم، واتجهت الأمة إلى العلوم العصرية، وتركوا التفقه في الدين وما يجب معرفته من الدين بالضرورة.
فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه: فقهاً وحكمة وعلماً وضياءً ونوراً وهداية ورشداً،
الجزء: 1 - الصفحة: 46
فقد أصبح من بين الخلق مطوياً وصار نسياً منسياً 19. قال ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ: ومن العلوم علوم لو علمها كثير من الناس لضرهم ذلك، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وليس إطلاع كثير من الناس بل أكثرهم على حكمة الله في كل شيء نافعاً لهم، بل قد يكون ضاراً قال تعالى: ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101].
أيها الحبيب:
أليس هذا هو واقعنا وما نراه ونشاهده؟ حتى أنك ترى جهلاً بأمور العقيدة، وخللاً في صلاة كثير من المصلين، وجهلاً بأصول الدين دون فروعه التي لا يعرفها إلا قلة على عدد الأصابع في كل مدينة.
فالله المستعان! !
الجزء: 1 - الصفحة: 47