توجيه اللمعالفصل الأول: ابن جني وكتابه «اللمع»

الفصل الأول: ابن جني وكتابه «اللمع»

ابن جني: اسمه ونسبه: هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي, وكان أبوه «جني» مملوكًا روميًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي.
مولده: ولد رحمه الله بالموصل قبل الثلاثين والثلاثمائة للهجرة النبوية الشريفة.
ثقافته: إن القارئ لمؤلفات هذا العالم ليدرك من أول وهلة ويفهم من أول نظرة أنه إمام عالم واسع الثقافة طويل الباع, كثير الاطلاع, غزير العلم, كتب في النحو والتصريف, ودرس الأصوات والحروف دراسة «وألف كتبًا كثيرة أبر بها على المتقدمين وأعجز المتأخرين, ولم يتكلم أحد في التصرف أدق كلامًا منه».
وذكر أبو الفتح رحمه الله أنه أخذ عن شيوخ كثيرين, فقد ذكر في إجازته لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن نصر أنه سمع شيوخًا وقرأ عليهم بالعراق والموصل والشام وغير هذه البلاد التي أتاها وأقام بها.
مكانته العلمية: لقد بلغ أبو الفتح مكانه علمية راقية اعترف له بها المتقدمون والمتأخرون على السواء.
قال الثعالبي فيه: «هو القطب في لسان العرب, وإليه انتهت الرياسة في الأدب... وكان الشعر أقل خلاله لعظم قدره وارتفاع حاله» وقال ياقوت: «عثمان بن جني النحوي... من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف».
شيوخه: سمع ابن جني عن كثير من علماء العراق والموصل والشام, واغترف من منهلهم

العذب, حتى تكونت شخصيته العلمية, وأهم هؤلاء الشيوخ الذين أخذ عنهم واستفاد منهم ما يلي: 1 - أبو علي الفارسي: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الفسوي, وهو أعظم أستاذ تخرج عليه ابن جني وتأثر به, مات سنة (377 هـ). 2 - أبو بكر محمد بن الحسن بن يعقوب المعروف بابن مقسم, وهو أحد القراء ببغداد, وكان عالمًا باللغة والشعر, ومن أحفظ الناس لنحو الكوفيين مات رحمه الله سنة (354 هـ). 3 - أبو الفرج الأصفهاني: هو علي بن الحسين بن الهيثم القرشي من ولد هشام ابن عبد الملك, وكان شاعرًا مصنفًا أديبًا, مات سنة نيف وستين وثلاثمائة.
4 - أحمد بن محمد أبو العباس الموصلي النحوي, ويعرف بالأخفش, قال ابن النجار: «كان إمامًا في النحو, فقيهًا فاضلًا, عارفًا بمذهب الشافعي».
وغير هؤلاء كثير ممن استفاد منهم ابن جني ونقل عنهم.
تلاميذه: لما ذاع صيت ابن جني وطبقت شهرته الآفاق أقبل عليه الناس يأخذون عنه وينهلون من مورده, ومن أشهر هؤلاء ما يأتي: 1 - الشريف الرضي: هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الشاعر المشهور وقد تلقى دروس اللغة على أبي الفتح.
مات ببغداد سنة (406 هـ). 2 - الثمانيني: هو أبو القاسم عمر بن ثابت الثمانيني النحوي الضرير, أخذ عن أبي الفتح, وشرح كتابه «اللمع» مات سنة (442 هـ). 3 - أبو أحمد عبد السلام البصري: هو عبد السلام بن الحسين بن محمد أبو أحمد البصري اللغوي, قرأ على الفارسي والسيرافي وابن جني وغيرهم, مات سنة (405 هـ).

4 - أبو الحسن السمسمي: هو علي بن عبيد الله بن عبد الغفار السمسمي اللغوي كان لغويًا بارعًا, أخذ عن أبي الفتح, مات سنة (415 هـ). 5 - ثابت بن محمد أبو الفتوح الجرجاني الأندلسي النحوي, كان من أئمة اللغة العربية البارزين, وقد روى ببغداد عن ابن جني وعلي بن عيسى الربعي وعبد السلام بن الحسين البصري مات سنة (431 هـ).


كتاب اللمع لأبي الفتح ابن جني: لقد ترك لنا ابن جني رحمه الله ثروة تأليفية ضخمة ذات قيمة علمية عظيمة في النحو والتصريف واللغة والعروض والقراءات وغير ذلك من الفنون, ومن هذه الثروة كتاب اللمع في النحو, جمع فيه صاحبه بين النحو والتصريف, وقد ضمنه الكلام على الأبواب التالية: الكلام, المعرب والمبني, الإعراب والبناء, إعراب الاسم الواحد, إعراب الاسم المعتل, التثنية, جمع التذكير, جمع التأنيث, جمع التكسير, الأفعال معرفة الأسماء المرفوعة, المبتدأ, الخبر, الفاعل, المفعول الذي لم يسم فاعله, كان وأخواتها, إن وأخواتها, باب «لا» في النفي, معرفة الأسماء المنصوبة المفعول المطلق, المفعول به, المفعول فيه, ظروف الزمان, ظروف المكان, المفعول له, المفعول معه, المشبه بالمفعول في اللفظ, الحال, التمييز, الاستثناء, معرفة الأسماء المجرورة, حروف الجرو مذ ومنذ, حتى, الإضافة, معرفة ما يتبع الاسم في إعرابه, الوصف, التوكيد, البدل, عطف البيان, عطف النسق, النكرة والمعرفة, النداء, الترخيم, الندبة, إعراب الأفعال وبناؤها الحروف التي تنصب الفعل, حروف الجزم, الشرط وجوابه, التعجب, نعم وبئس, حبذا, عسى, كم, معرفة ما ينصرف وما لا ينصرف, العدد, الجمع, القسم, الموصول والصلة, النونين, النسب التصغير, ألفات القطع وألفات الوصل, الاستفهام, ما يدخل على الكلام فلا يغيره, الحكاية, الخطاب, الإمالة.
تلك هي الأبواب التي اشتمل عليها كتاب «اللمع» في النحو لابن جني, وهي كما نرى موزعة بين النحو والتصريف, وإن كان النحو قد نال حظه موفورًا منها,

إذا لم يشمل التصريف سوى ستة أبواب هي باب جمع التكسير, وباب النسب, وباب التصغير, وباب ألفات القطع وألفات الوصل, وباب الخطاب, وباب الإمالة, وشمل النحو باقيها.
وبالنظر في كتاب «اللمع» نجد أن أبواب التصريف قد أخذت مكانها في آخر الكتاب, كما هو شأن كتب النحو جميعها, قال ابن جني: «لا تجد كتابًا في النحو إلا والتصريف في آخره» غير أن ابن جني لم يذكر أبواب التصريف متوالية كما هي عادة النحاة جميعًا وإنما ذكرها متداخلة مع بعض أبواب النحو, كما هي واضح من العرض السابق.
ويذكر لنا ابن جني رحمه الله العلاقة بين النحو والتصريف مبينًا السبب الذي دعا إلى تقديم النحو في الذكر مع أن التصريف أحق منه بذلك, فيقول: «فالتصريف إنما هو لمعرفة أنفس الكلم الثابتة, والنحو إنما هو لمعرفة أحواله المتنقلة... وإذا كان ذلك كذلك فد كان من الواجب على من أراد معرفة النحو أن يبدأ بمعرفة التصريف, لأن معرفة ذات الشيء الثابتة ينبغي أن يكون أصلًا لمعرفة حاله المتنقلة, إلا أن هذا الضرب من العلم لما كان عويصًا صعبًا بدئ قبله بمعرفة النحو, ثم جيء به بعد ليكون الارتياض في النحو موطئًا للدخول فيه, ومعينا على معرفة أغراضه ومعانيه».
وبالنظر فيما استعمله ابن جني في كتابه من شواهد نجد أنها متنوعة فتارة يستشهد بالقرآن المجيد, وتارة بالشعر العربي وفصيح كلام العرب.
أما استشهاده بالقرآن فواضح في كتابه, حيث استشهد باثنين وأربعين آية منه, إذ هو ممن يقول: بجواز الاحتجاج بمتواتر القرآن وشاذه.
وأما شواهده الشعرية فقد بلغت في كتابه ثمانية وسبعين شاهدًا نسب بعضها وأغفل نسبة الباقي.
وقد وقع من ابن جني خطأ في نسبة شاهدين من شواهده الشعرية المنسوبة أولهما: قول الشاعر: بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت... إياهم الأرض في دهر الدهارير فقد نسب ابن جني هذا البيت في كتابيه «اللمع والخصائص» إلى أمية بن أبي

الصلت والصحيح أن هذا البيت للفرزدق, فإنه ذكر في ديوانه ولم تعثر عليه في ديوان أمية بن أبي الصلت وقد نبه على هذا الخطأ ابن الخباز في «توجيه اللمع» فقال وقوله: أي ابن جنى في البيت الثاني لأمية تخليط, وقد رأيت البيت في شعر الفرزدق ثانيهما: قول الشاعر: يا حكم الوارث عن عبد الملك نسب ابن جني هذا البيت إلى العجاج, وتبعه في هذه النسبة الخاطئة ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» ولكنه في كتابه «الغرة المخفية» قد صحح هذا الخطأ, وأثبت أن البيت لرؤبة بن العجاج, وتلك هي النسبة الصحيحة.
ومما يلاحظ على ابن جني أيضًا أنه ذكر شاهدًا شعريًا مركبًا من شطري يتبين وهو كما ذكره ابن جني: حاشا أبي ثوبان أن به... ضنا على الملحاة والشتم وقد تنبه ابن الخباز في كتابه «توجيه اللمع» إلى هذا الخلط, فقال: «والبيت الذي أنشده أبو الفتح رحمه الله أنشده المفضل, وقد حرفه فجعل صدر غيره له, والصواب ما أذكره لك, قال: حاشا أبي ثوبان أن أبا... ثوبان ليس بزمل قدم عمرو بن عبد الله أنه به... ضنًا على الملحاة والشتم وقد استشهد ابن جني كذلك بالنثر العربي في كتابه «اللمع» ومن ذلك استشهاده على زيادة الألف بين النونات تخفيفًا بكلام أبي مهدية, وهو قوله: «اخسأنان عني».
شروح كتاب اللمع وجد كتاب اللمع لابن جني اهتمامًا بالغًا لدى كثير من علماء العربية, فقد

حفظ لنا التاريخ منذ القرن الخامس الهجري حتى القرن الثامن أسماء نخبة ممتازة من جلة وكبار العلماء الذين عكفوا على دراسة هذا الكتاب, وبذلوا ما في وسعهم من جهد في شرحه أو تخريج شواهده, وجعلوا منه مدرسة نحوية في مصر والشام والعراق وجزيرة العرب.
وإليك ما أمكن التعرف عليه من هذه الشروح التي حظى بها كتاب اللمع لابن جني: 1 - شرح أبي القاسم عمر بن ثابت الثمانيني النحوي الضرير المتوفى سنة (442 هـ). 2 - شرح أبي نصر الحسن بن أسد بن الحسن الفارقي المتوفى سنة (482 هـ) وأسماء صاحبه بالتصنيف البديع في شرح اللمع.
3 - شرح الحسن بن علي بن محمد بن عبد العزيز الطائي من أهل مرسية ويكنى أبا بكر, توفي سنة (498 هـ). 4 - شرح أبي نصر القاسم بن محمد بن مناذر الواسطي النحوي الضرير.
5 - النظامي في النحو, وهو لمحمود بن حمزة بن نصر الكرماني النحوي المتوفى بعد الخمسمائة اختصره من كتاب اللمع لابن جني.
6 - شرح أبي القاسم ناصر بن أحمد بن بكر الخويي النحوي الأديب توفي سنة (507 هـ). 7 - شرح أبي البركات عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد العلوي الزيدي الكوفي توفي عام (593 هـ). 8 - شرح أبي السعادات هبة الله بن علي عبد الله العلوي المعروف بابن الشجري البغدادي المتوفي سنة (542 هـ). 9 - شرح أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد الحلي المعروف بابن حميدة

النحوي المتوفي سنة (550 هـ). 10 - شرح أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب النحوي المتوفى سنة (567 هـ). 11 - شرح أبي محمد سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله بن سعيد بن محمد ابن نصر بن عاصم المعروف بابن الدهان, المتوفى بالموصل سنة (569 هـ). 12 - شرح أسعد بن نصر بن أسعد أبي منصور العبرتي المتوفى سنة (589 هـ). 13 - شرح أبي الحسن الباقولي علي بن الحسين بن علي الضرير الأصفهاني النحوي المتوفى سنة (543 هـ). 14 - شرح أبي الحسن علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت الحلي الأديب المعروف بشميم المتوفى سنة (601 هـ) وهذا الشرح قد سماه مؤلفه بالمخترع في شرح اللمع.
15 - شرح أبي البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله النحوي الضرير العكبري الأصلي البغدادي المولد والدار المتوفى سنة (616 هـ). 16 - شرح أبي محمد القاسم بن القاسم بن عمر بن منصور الواسطي النحوي اللغوي المتوفى سنة (626 هـ). 17 - شرح أبي بكر بن يحيى بن عبد الله الجذامي المالقي النحوي المعروف بالخفاف, المتوفى سنة (657 هـ). 18 - شرح أحمد بن عبد الله المهابا ذي الضرير, قال ياقوت: «من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني من مصنفاته: شرح اللمع».

19 - شرح اللمع ليحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن بسطام الشيباني أبي زكريا ابن الخطيب التبريزي المتوفي سنة (502 هـ). 20 - هناك نسخة لأحد شروح اللمع غير منسوبة إلى معين, وهي بدار الكتب تحت رقم (5351 هـ) وكتبت سنة (659 هـ) بخط أبي بكر بن عثمان بن أبي بكر.
21 - أشار بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (2/ 247) إلى وجود نسخة غير منسوبة من شرح اللمع لابن جني بمكتبة بايزيد تحت رقم (1992). 22 - شرح شواهد اللمع لابن هشام الأنصاري, وقد سماه مؤلفه «بالروضة الأدبية في شواهد علوم العربية».
23 - شرح اللمع لابن الخباز وقد أسماه «بالإلماع في شرح اللمع» وهذا الشرح قد أشار إليه العلامة ابن الخباز في ثناينا كتابه «توجيه اللمع» حيث قال عند الكلام على نون الوقاية وفي هذه النون مسائل كثيرة استقصيتها في كتاب «الإلماع في شرح اللمع».
24 - ولعل من أهم هذه الشروح «شرح اللمع» لابن الخباز أبي العباس أحمد ابن الحسين بن أحمد بن معالي بن منصور بن علي الشيخ شمس الدين, المتوفى بالموصل عاشر رجب سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وهذا الشرح أسماه ابن الخباز في مقدمة كتابه «بتوجيه اللمع» وهو موضوع دراستنا, ويوجد منه نسخة وحيدة بمكتبة الأزهر الشرف تحت رقم (2348 السقا) (28676 نحو), والنسخة في مجلد واحد ومكتوبة في سنة (786 هـ) بقلم نسخ قديم وتقع في (208 ورقة), والشرح من الشروح المختصرة.
وسوف أبسط الكلام على هذا الشرح في الفصل الثالث من هذه الدراسة إن شاء الله.


جارٍ التحميل