المائدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن السعدي
- الكتاب
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان
- المؤلف
- عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن معلا اللويحق
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى 1420هـ -2000 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
تسليط أوليائه على أعدائه وتقتيلهم.
﴿ذَلِكُمْ﴾ العذاب المذكور ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيها المشاققون لله ورسوله عذابا معجلا.
﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ .
وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدل على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله حقا.
منها: أن الله وعدهم وعدا، فأنجزهموه.
ومنها: ما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الآية.
ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذكره من الأسباب، وفيها الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض الأسباب التي بها ثبت إيمانهم، وثبتت أقدامهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية.
ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يسهل عليه طاعته، وييسرها بأسباب داخلية وخارجية.
﴿15 - 16﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ﴾ بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابا للكافرين.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مقره ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد.
ومفهوم الآية: أن المتحرف للقتال، وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى، ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك، لأنه لم يول دبره فارا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز، فإن كانت الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمد عاقبة، وأبقى عليهم.
أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد - في هذه الحال -أن تكون من الأحوال المرخص فيها، لأنه - على هذا - لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد.
﴿17 - 19﴾ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ * إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بحولكم وقوتكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو الله، ويناشده في نصرته، ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها الله إلى وجوههم، فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا.
يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا.
﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أي: إن الله تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال، ولكن الله أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله.
﴿18﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾ النصر من الله لكم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل مكرهم محيقا بهم.
﴿19﴾ ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أيها المشركون، أي: تطلبوا من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين.
﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ حين أوقع الله بكم من عقابه، ما كان نكالا لكم وعبرة للمتقين ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الاستفتاح ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ لأنه ربما أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة.
﴿وإن تعودوا﴾ إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين ﴿نَعُدْ﴾ في نصرهم عليكم.
﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ أي: أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين عليهم، شَيئا وأن الله مع الْمؤمنين.
ومن كان الله معه فهو المنصور وإن كان ضعيفا قليلا عدده، وهذه المعية
التي أخبر الله أنه يؤيد بها المؤمنين، تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان.
فإذا أديل العدو على المؤمنين في بعض الأوقات، فليس ذلك إلا تفريطا من المؤمنين وعدم قيام بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلا فلو قاموا بما أمر الله به من كل وجه، لما انهزم لهم راية [انهزاما مستقرا] 1 ولا أديل عليهم عدوهم أبدا.
﴿20 - 21﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ .
لما أخبر تعالى أنه مع المؤمنين، أمرهم أن يقوموا بمقتضى الإيمان الذي يدركون به معيته، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بامتثال أمرهما واجتناب نهيهما.
﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: عن هذا الأمر الذي هو طاعة الله، وطاعة رسوله.
﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ما يتلى عليكم من كتاب الله، وأوامره، ووصاياه، ونصائحه، فتوليكم في هذه الحال من أقبح الأحوال.
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا تكتفوا بمجرد الدعوى الخالية التي لا حقيقة لها، فإنها حالة لا يرضاها الله ولا رسوله، فليس الإيمان بالتمني والتحلي، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.
﴿22 - 23﴾ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ .
يقول تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من لم تفد فيهم الآيات والنذر، وهم ﴿الصُّمُّ﴾ عن استماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن النطق به.
﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ما ينفعهم، ويؤثرونه على ما يضرهم، فهؤلاء شر عند الله من جميع 2 الدواب، لأن الله أعطاهم أسماعا وأبصارا وأفئدة، ليستعملوها في طاعة الله، فاستعملوها في معاصيه وعدموا - بذلك - الخير الكثير، فإنهم كانوا بصدد أن يكونوا من خيار البرية.
فأبوا هذا الطريق، واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شر البرية، والسمع الذي نفاه الله عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب، وأما سمع الحجة، فقد قامت حجة الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته، وإنما لم يسمعهم السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيرا يصلحون به لسماع آياته.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ على الفرض والتقدير ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن الطاعة ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لا التفات لهم إلى الحق بوجه من الوجوه، وهذا دليل على أن الله تعالى لا يمنع الإيمان والخير، إلا لمن لا خير فيه، الذي لا يزكو لديه ولا يثمر عنده.
.وله الحمد تعالى والحكمة في هذا.
﴿24 - 25﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه.
وقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.
ثم حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء.
فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك.
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ بل تصيب فاعل الظلم وغيره، وذلك إذا ظهر الظلم فلم يغير، فإن عقوبته تعم الفاعل وغيره، وتقوى 3 هذه الفتنة بالنهي عن المنكر، وقمع أهل الشر والفساد، وأن لا يمكنوا من المعاصي والظلم مهما أمكن.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن تعرض لمساخطه، وجانب رضاه.
﴿26﴾ ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
يقول تعالى ممتنا على عباده في نصرهم بعد الذلة، وتكثيرهم بعد القلة، وإغنائهم بعد العيلة.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ﴾ أي: مقهورون تحت حكم غيركم ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ أي: يأخذونكم.
﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ فجعل لكم بلدا تأوون إليه، وانتصر من أعدائكم على أيديكم، وغنمتم من أموالهم ما كنتم به أغنياء.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على منته العظيمة وإحسانه التام، بأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا.
﴿27 - 28﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يؤدوا ما ائتمنهم الله عليه من أوامره ونواهيه، فإن الأمانة قد عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولافمن أدى الأمانة استحق من الله الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها بل خانها استحق العقاب الوبيل، وصار خائنا لله وللرسول ولأمانته، منقصا لنفسه بكونه اتصفت نفسه بأخس الصفات، وأقبح الشيات، وهي الخيانة مفوتا لها أكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة.
ولما كان العبد ممتحنا بأمواله وأولاده، فربما حمله محبة 1 ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر الله تعالى أن الأموال والأولاد فتنة يبتلي الله بهما عباده، وأنها عارية ستؤدى لمن أعطاها، وترد لمن استودعها ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
فإن كان لكم عقل ورَأْيٌ، فآثروا فضله العظيم على لذة صغيرة فانية مضمحلة، فالعاقل يوازن بين الأشياء، ويؤثر أولاها بالإيثار، وأحقها بالتقديم.
﴿29﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
امتثال العبد لتقوى ربه عنوان السعادة، وعلامة الفلاح، وقد رتب الله على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئا كثيرا، فذكر هنا أن من اتقى الله حصل له أربعة أشياء، كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها:
الأول: الفرقان: وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة.
الثاني والثالث: تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق وعند الاجتماع يفسر تكفير السيئات بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر.
الرابع: الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
﴿30﴾ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ .
أي: ﴿و﴾ أذكر أيها الرسول، ما منَّ الله به [^fn371] عليك.
﴿إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما يصنعون بالنبي صلى الله عليه وسلم، إما أن يثبتوه عندهم بالحبس ويوثقوه.
وإما أن يقتلوه فيستريحوا - بزعمهم - من شره.
وإما أن يخرجوه ويجلوه من ديارهم.
فكلُّ أبدى من هذه الآراء رأيا رآه، فاتفق رأيهم على رأي: رآه شريرهم أبو جهل لعنه الله، وهو أن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش فتى ويعطوه سيفا صارما، ويقتله الجميع قتلة رجل واحد، ليتفرق دمه في القبائل.
فيرضى بنو هاشم [ثَمَّ] بديته، فلا يقدرون على مقاومة سائر [^fn372] قريش، فترصدوا للنبي صلى الله عليه وسلم في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه.
فجاءه الوحي من السماء، وخرج عليهم، فذرَّ على رءوسهم التراب وخرج، وأعمى الله أبصارهم عنه، حتى إذا استبطؤوه جاءهم آت وقال: خيبكم الله، قد خرج محمد وذَرَّ على رءوسكم التراب.
فنفض كل منهم التراب عن رأسه، ومنع الله رسوله منهم، وأذن له في الهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها، وأيده الله بأصحابه المهاجرين والأنصار، ولم يزل أمره يعلو حتى دخل مكة عنوة، وقهر أهلها، فأذعنوا له وصاروا تحت حكمه، بعد أن خرج