تعجيل الندى بشرح قطر الندىباب - في ذكر الأسماء العاملة عمل أفعالها

باب - في ذكر الأسماء العاملة عمل أفعالها

عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الله الفوزان
الكتاب
تعجيل الندى بشرح قطر الندى
المؤلف
عبد الله بن صالح بن عبد الله الفوزان [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

1- اسم الفعل قوله: (يَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ سَبْعَة

ٌ: اسْمُ الفِعْلِ

كَـ (هَيْهَاتَ، وَصَه، وَوَيْ - بِمَعْنَى: بَعُدَ - وَاسْكُتْ، وَأَعْجَبُ) وَلاَ يُحْذَفُ وَلا يَتَأَخَّرُ عَنْ مَعْمُولِهِ، و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ 1 مُتَأَوَّلٌ، وَلاَ يَبْرُزُ ضَمِيرُهُ، وَيُجْزَمُ المُضَارعُ في جَوَابِ الطَّلَبِيِّ مِنْهُ نحْوُ: (مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي) وَلا يُنْصَبُ).
هذا الباب معقود للأسماء التي تعمل عمل أفعالها وقد ذكر المصنف - رحمه الله - منها سبعة: الأول: اسم الفعل.
وهو كلمة تدل على معنى الفعل وتعمل عمله، ولا تقبل علاماته، نحو: صَهْ إذا تكلم غيرك.
فـ (صه) متضمنة معنى فعل الأمر (اسكت)، وتعمل عمله.
فالفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، بَيْدَ أنها لا تقبل علامة فعل الأمر، مثل: ياء المخاطبة.
ولذا لم تُسَمَّ فعل أمر، بل دعيت اسم فعل أمر.
واسم الفعل من حيث زمنه ثلاثة أقسام: الأول: اسم فعل ماض نحو: هيهات الأمل إذا لم يسعده العمل.
فـ (هيهات) اسم فعل ماض، بمعنى: بَعُدَ، مبني على الفتح لا محل له.
(الأمل) فاعل.
الثاني: اسم فعل أمر، نحو: عليك نفسَك فهذبها.
فـ (عليك) اسم فعل بمعنى (الزم) مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنت)، (نفسك) مفعول به لاسم الفعل منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه.

الثالث: اسم فعل مضارع، نحو: وَيْ لشبابٍ لا يعمل.
فـ (وي) اسم فعل مضارع بمعنى (أعجبُ) مبني على السكون لا محل له، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنا).
ووروده بمعنى الأمر كثير.
وبمعنى الماضي والمضارع قليل.
ولاسم الفعل أحكام كثيرة ذكر المصنف - رحمه الله - بعضها ونزيد عليها ما نرى أهميته: 1-أسماء الأفعال سماعية 1 يقتصر فيها على ما ورد عن العرب بلفظه دون تغيير.
والقياسي منها: ما صيغ من فعل ثلاثي تام متصرف على وزن (فَعَال) نحو: حَذارِِ أن تُبتلى بالعجب، سماعِ النَصحَ بمعنى: احذر واسمع.
2-أسماء الأفعال كلها مبنية على ما سمعت عليه عن العرب.
وليس لها محل من الإعراب، فلا تكون مبتدأ ولا خبراً ولا فاعلاً ولا مفعولاً ولا شيئاً آخر يقتضي أن تكون في محل رفع أو نصب أو جر.
3-أنها تعمل عمل الفعل فترفع الفاعل حتماً.
وتساير فعلها في التعدي واللزوم وهذا تقدم بيانه في الأمثلة التي أعربناها.
4-أن اسم الفعل لا يتأخر عن معموله.
فلا تقول: نفسَك عليك، بتقديم المفعول وتأخير اسم الفعل.
وأجاز الكسائي ومن وافقه تأخير اسم الفعل عن معموله مستدلاً بما ذكر المصنف في قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ 2 فـ (كتاب الله) مفعول به مقدم لاسم الفعل (عليكم) منصوب بالفتحة.

وخرجه غيره على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: كتب الله ذلك عليكم كتابًا و (عليكم) جار ومجرور متعلق بالفعل المحذوف، وليس من باب اسم الفعل، وقد دل على المحذوف قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ 1 لأن التحريم يستلزم الكتابة، لأنه لما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ عُلم أن ذلك مكتوب، فكأنه قال: كتب الله ذلك عليكم كتابًا.
5-ومن أحكام اسم الفعل أنه لا يحذف بل لابد من ذكره، وهذا بخلاف الفعل فإنه يعمل مذكورًا ومحذوفًا.
6-أن اسم الفعل لا يبرز معه ضمير إذا أسند لمثنى أو جمع فتقول: صه، بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع.
والمذكر المؤنث.
7-أنه إذا كان دالاً على الطلب جاز جزم المضارع في جوابه تقول: نزالِ نحدثْك.
بجزم المضارع، كما تقول: انزل نحدثك، كما تقدم في جزم المضارع في جواب الطلب، ومنه قول الشاعر: (1) وقولي كلما جشأت وجاشت …مكانِك تحمدي أو تستريحي 2

فـ (مكانك) اسم فعل أمر بمعنى (اثبتي) وجاء المضارع في جوابه مجزوماً وهو قوله (تحمدي) وعلامة كونه مجزومًا حذف النون منه.
لأنه مسند لياء المخاطبة وهي النفس.
وأما النصب فلا ينصب المضارع بعد الفاء في جواب الطلب منه فلا تقول: نزال فنحدثَك.
بنصب المضارع (نحدثَك) بل يجب رفعه، وقد مضى بيان ذلك في الكلام على نواصب المضارع أول الكتاب.
2- المصدر قوله: (وَالمَصْدَرُ كَضَرْبٍ وَإِكْرَامٍ إِنْ حَلَّ محَلَّهُ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) وَلَمْ يَكُنْ مُصَغَّرًا وَلا مُضْمَرًا وَلا مَحْدُودًا وَلاَ مَنْعُوتًا قَبْلَ العَمَلِ وَلا مَحْذُوفًا وَلا مَفْصُولاً مِنَ المَعْمُولِ وَلا مُؤَخَّرًا عَنْهُ).
النوع الثاني: من الأسماء العاملة عمل الفعل

###: المصدر،

والمصدر هو: الاسم الدال على الحدث المجرد، المشتمل على حروف فعل أو أكثر منها، نحو: بَذْلُ المال في الخير نَفْعٌ لصاحبه.
فـ (بَذْل) مصدر: بَذَلَ، يبذل بذلاً، وهو يدل على حدوث البذل من غير زمن.
وقد اشتمل على جميع حروف الفعل (بَذَلَ).

وفي نحو: إكرام الضيف من آداب الإسلام.
اشتمل المصدر على حروف فعله وزيادة الألف قبل آخره.
1 وقول المصنف: (والمصدر) بالرفع عطف على (اسم الفعل) والتقدير: يعمل عمل فعله سبعة: اسم الفعل والمصدر... فيعمل المصدر عمل فعله الذي اشتق منه.
فيرفع الفاعل وينصب المفعول به بواسطة أو بغيرها، وفي تمثيل المصنف - رحمه الله - للمصدر بقوله: (كضرب وإكرام) إشارة إلى أن المصدر المزيد يعمل عمل المجرد.
وقد ذكر المصنف لعمله ثمانية شروط، واحد منها وجودي، والسبعة الباقية عدمية وهي كما يلي: 1-أن يصح أن يَحِلَّ محله (أن) والفعل.
أو (ما) والفعل، نحو: يسرني أداؤك الواجب.
فـ (أداءُ) فاعل (يسرُّ) وهو مصدر عَمِلَ عَمَل فعله، وقد أضيف إلى فاعله وهو (الكاف)، ونصب المفعول (الواجب)، ويمكن أن يحل محله (أن والفعل) أو (ما والفعل) فتقول: يسرني أن تؤدي الواجب.
إن أردت المضي أو الاستقبال.
أو يسرني ما تؤدي الواجب، إن أردت الحال.

2-ألا يكون مصغرًا فلا يجوز: أُكَيلُكَ الطعام بسرعة مضر.
تريد: أكلك الطعام.
3-ألا يكون ضميرًا.
فلا يجوز: إكرامي الصديق مطلوب وهو جارًا أشد، تريد: وإكرامي جارًا أشد.
4-ألا يكون محدودًا.
أي: مختومًا بالتاء الدالة على المرة الواحدة.
فلا يصح ساءني ضربتك عليًا.
لأن (ضربة) مصدر محدود.
مختوم بتاء زائدة دالة على المرة الواحدة.
فإن كانت التاء من صيغة الكلمة وليست للوحدة جاز أن يعمل المصدر نحو: إغاثتك الملهوف دليل مروءتك.
5-ألا يكون المصدر متبعاً بتابع كالنعت وغيره، قبل تمام عمله.
فلا يجوز: أعجبني إكرامُك الطيِّبُ زيدًا.
لأن (الطيب) صفة للمصدر (إكرام) وهو لم يستكمل عمله بنصب مفعوله (زيدًا).
6- ألا يكون محذوفاً، لأنه إذا حذف لم توجد حروف الفعل الذي هو محمول عليه.
7-ألا يكون مفصولاً عن معموله بفاصل ليس معمولاً لهذا المصدر نحو: إني أقوى على إلقاءٍ في الحفل كلمةً نافعة، والأصل: إني أقوى على إلقاءٍ كلمةً نافعةً في الحفل.
8-ألا يتأخر عن معموله، فلا يجوز: ساءني زيدًا ضربُك.
إلا إن كان المعمول ظرفًا أو جارًا أو مجرورًا فيجوز تأخره عنه، لوروده في القرآن، ولأنه يتوسع فيهما.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ 1 2 وقال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ 3 4. والأصل: بلغ السعي معه.
حِوَلاً عنها.
ولا داعي للتكلف في التأويل من غير داع، ولا سيما في القرآن.

قوله: (وَإِعْمَالُهُ مُضَافًا أكْثَرُ نَحْوُ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ 1 وقَوْل الشَّاعر: (أَلاَّ إنَّ ظُلْمَ نَفْسِهِ المَرْءُ بَيِّنٌ).
وَمُنَوَّنًا أَقْيَسُ نَحْوُ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا﴾ 2 وبـ (اَلْ) شَاذٌ نَحْوُ: (عجبت من الرزق المسيءَ إلهُهُ)).
ينقسم المصدر العامل إلى ثلاثة أقسام: الأول: المضاف.
وإعماله أكثر من إعمال القسمين الآخرين.
وهو ضربان: (أ) مضاف لفاعله.
نحو: يسرني شكرُكَ المنعمَ.
فـ (شكر) مصدر.
وهو فاعل (يسرُّ)، وهو مضاف والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله.
(المنعمَ) مفعول به للمصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ 3 فـ (دفعُ) مبتدأ حذف خبره وجوبًا.
وهو مضاف إلى فاعله.
و (الناسَ) مفعول به للمصدر.
(ب) مضاف لمفعوله نحو: من سوء التربية عصيانُ الآباءِ بنوهم.
فـ (عصيان) مصدر، وهو مبتدأ مؤخر.
وهو مضاف إلى مفعوله (الآباء) و (بنوهم) فاعل المصدر، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " بني الإسلام على خمس.. وحجِّ البيتِ من استطاع إليه سبيلاً " فـ (حج) مصدر مضاف لمفعوله (البيت) و (من استطاع) فاعل المصدر.
وقول الشاعر: ألا إنَّ ظلمَ نفسِه المرءُ بيّنٌ……إذا لم يَصُنْها عن هوىً يغلب العقلا 4 فأضاف المصدر (ظلم) إلى مفعوله وهو (نفسه) ثم أتى بالفاعل بعد ذلك، وهو قوله: (المرءُ) والأصل: ألا إن ظلمَ المرءِ نفسَه بين...

الثاني: المنون.
وإعماله أقرب إلى القياس من إعمال المضاف، لأنه يشبه الفعل في التنكير، وهو يلي المضاف في الكثرة نحو: واجب علينا تشجيعٌ كلَّ مجتهد، تقديره: واجب علينا أن نشجع كل مجتهد.
ومنه قوله تعالى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا﴾ (1) فـ (إطعام) مصدر، معطوف على ما قبله وهو (فك رقبة) وهو منون نَصَبَ المفعول به وهو قوله (يتيماً).
والتقدير: أو أن يطعم يتيمًا.
الثالث: المعرف بـ (ال).
وإعماله شاذ، لبعده عن مشابهة الفعل باقترانه بـ (ال)، وهو أقل من سابقيه استعمالاً وبلاغة، نحو: المجدُّ سريع الإنجاز أعمالَه.
بنصب (أعماله) على أنه مفعول به للمصدر وهو (الإنجاز).
ومنه قوله الشاعر: عجبت من الرزق المسيءَ إلهُهُ ……ومن ترك بعض الصالحين فقيرًا (2) (2) بنصب (المسيء) على أنه مفعول به للمصدر (3) وهو (الرزق) و (إلهه) بالرفع فاعل له.
3-

اسم الفاعل

123 قوله: (وَاسْمُ الفَاعِلِ كَـ (ضَاربٍ وَمُكْرِمٍ)، فَإِنْ كَانَ بـ (اَلْ) عَمِلَ مُطْلَقًا، أَوْ مُجَرَّدًا فَبِشَرْطَيْنِ كَوْنُهُ حَالاً أَوِ اسْتِقْبَالاً وَاعْتِمَادُهُ عَلَى نَفْيٍ أَوِ اسْتِفْهَامٍ، أَوْ مُخْبَر ٍعَنْهُ، أَوْ مَوْصُوفٍ و ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ 1 عَلَى حِكَايَةِ الحَالِ، خِلافًا لِلْكِسَائي.
وَخَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأخِيرِ، وَتَقْدِيرُهُ خَبِيرٌ كَظَهِيرٍ خِلافًا لِلأخْفَشِ).
النوع الثالث من الأسماء العاملة عمل الفعل (اسم الفاعل) وقوله المصنف: (واسم الفاعل) معطوف على ما قبله كما تقدم في المصدر.
واسم الفاعل: اسم مشتق للدلالة على معنى مجرد حادث وعلى فاعله.
وقولنا: (معنى مجرد) المراد: هو الحدث، كالقيام، والقعود، في قولك: قائم، قاعد.
ومعنى: (حادث) أي: عارض يتغير ويزول.
وهذا هو الغالب في اسم الفاعل نحو: ندم الظالم فهو نادم.
ويصاغ من الفعل الثلاثي على وزن (فاعل) كـ: ضارب، ومن غير الثلاثي على وزن مضارعه بعد إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وكسر ما قبل الآخر كـ: مُكْرِم، وهو يعمل عمل فعله فإن كان لازمًا رفع الفاعل، وإن كان متعديًا رفع الفاعل ونصب المفعول، ويأتي توضيح ذلك إن شاء الله.
واسم الفاعل لا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون مقترنًا بـ (ال).
الثانية: أن يكون مجردًا منها.
فإن كان مقترناً بأل عمل بلا شرط، نحو: الكاتمُ سرَّ إخوانه محبوبٌ، فـ (الكاتمُ) مبتدأ.
وفيه فاعل مستتر.
(سرَّ) مفعول به لاسم الفاعل (محبوب) خبر المبتدأ.

وإن كان مجردًا عمل عمل فعله بشرطين 1: الأول: أن يكون للحال أو الاستقبال.
الثاني: أن يعتمد على نفي، أو استفهام، أو على مبتدأ، وهو المراد بقوله: (أو مخبرٍ عنه).
أو يعتمد على موصوف، وذلك بأن يقع اسم الفاعل خبرًا عن المبتدأ أو صفة.
مثال اعتماده على نفي: ما حامدٌ السوقَ إلا من ربح.
فـ (ما) نافية و (حامد) مبتدأ، وهو اسم فاعل.
عمل عمل فعله.
فرفع الفاعل الذي سد مسد الخبر وهو (من) الموصولة.
ونصب المفعول المقدَّم وهو كلمة (السوق).
ومثال الاستفهام: أبالغٌ أنت قصدَك؟ فـ (بالغٌ) مبتدأ (أنت) فاعل سد مسد الخبر، (قصدَك) مفعول به لاسم الفاعل.
والكاف مضاف إليه.
ومثال اعتماده على مبتدأ: أنت حافظٌ غَيْبَةَ جارك.
ومثال اعتماده على موصوف.
صحبت رجلاً عارفًا حقوق الصداقة.
فإن كان مفيدًا للمضي لم يعمل، فلا يصح أن تقول: محمد كاتبٌ واجبَه أمس، بنصب (واجبه) بل يجب فيه الإضافة فتقول: محمد كاتبُ واجبِهِ أمس، وخالف في ذلك الكسائي فأجاز عمله - وإن كان ماضيًا - محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ 2 فـ (باسط) بمعنى الماضي.
وخرجه غيره على أنه حكاية حال ماضية.
ومعنى ذلك: أن يفرض المتكلم حين كلامه أن القصة واقعة الآن فهو يصفها.
وعليه لا يكون (باسطٌ) ماضياً، وإنما هو حاضر.
والسر في ذلك إحضاره في الذهن حتى كأنه مشاهد.

وإن لم يعتمد اسم الفاعل لم يعمل.
وخالف في ذلك الأخفش فأجاز عمله، واحتج بقول الشاعر: خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلا تكُ ملغيًا ……مقالة لِهْبيٍّ إذا الطير مَرَّتِ 1 فإن قوله: (خبير) مبتدأ، وقوله (بنو لهب) فاعل سد مسد الخبر، ولم يعتمد اسم الفاعل على شيء مما ذكر.

والجمهور على اشتراط الاعتماد - كما تقدم - ولا حجة للأخفش في هذا البيت، لجواز حمله على التقديم والتأخير، بجعل الوصف وهو قوله (خبير) خبرًا مقدمًا.
وقوله: (بنو لهب) مبتدأ مؤخر.
والأصل: بنو لهب خبير، ولما كان هذا الحمل يلزم عليه الإخبار بالمفرد عن الجمع، قال المصنف - رحمه الله: (وتقديره (1) خبير كظهير) والمعنى: أن صيغة (فعيل) على وزن المصدر كالصهيل والنعيق.
والمصدر يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد فكذا ما هو على وزنه، وقد ورد ذلك صريحًا في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (2) فـ (الملائكة) مبتدأ و (ظهير) خبر المبتدأ (3). فأُخبر عن الجمع بالمفرد؛ لما تقدم، والله أعلم.
4- أمثلة المبالغة قوله: (وَالمِثَالُ وَهُوَ مَا حُوِّلَ لِلمُبَالَغَةِ مِنْ فَاعِلٍ إِلى فَعَّالٍ، أَوْ فَعُولٍ أَوْ مِفْعَالٍ بِكثْرَةٍ، أَوْ فَعِيلٍ، أَوْ فَعِلٍ بِقِلَّةٍ نَحْوُ: أَمَّا العَسَلَ فَأَنَا شَرَّابٌ).
النوع الأول: من الأسماء العاملة عمل الفعل

(أمثلة المبالغة)

وقول المصنف (والمثال) معطوف على ما قبله كما تقدم.
والمراد به: كل اسم حُوِّلَ للمبالغة والتكثير 4 في الفعل من صيغة (فاعل) إلى إحدى الصيغ المذكورة.
وهي خمس:123

1-فَعَّال: بتشديد العين.
نحو: القائد الناجح ليس بهياب عند الفزع.
ومنه ما حكاه سيبويه: أما العسلَ فأنا شراب.
فـ (شراب) صيغة مبالغة، وقد عملت عمل الفعل.
ففيها ضمير مستتر هو الفاعل.
والمفعول (العسلَ) فهو منصوب.
2-فَعُول: بفتح الفاء، نحو: المؤمن شكورٌ ربَّه على نعمه، فـ (ربَّه) منصوب على التعظيم، والهاء مضاف إليه.
3-مِفْعال: بكسر الميم، نحو: الشجاعُ مِطْعانٌ عَدُوَّهُ.
والتحويل إلى هذه الثلاث بكثرة.
4-فَعِيل: بكسر العين وبعدها ياء.
نحو: المؤمن رحيمٌ بالضعفاء.
5-فَعِل: بكسر العين من غير ياء.
نحو: لا تكن جزعًا عند الشدائد والتحويل إلى هذين بقلة.
1 فهذه الصيغ الخمس تعمل عمل اسم الفاعل - الذي يعمل عمل فعله - لإفادتها ما يفيده مكررًا، ولورود السماع عن العرب بإعمالها كما تقدم فيما حكاه سيبويه.
ومنه قوله الشاعر: حَذِرٌ أمورًا لا تضير وآمنٌ ……ما ليس منجيَه من الأقدار 2 فأعمل الشاعر صيغة المبالغة (حَذِرٌ) عمل الفعل، فنصب بها المفعول وهو قوله: (أمورًا).

وصيغ المبالغة تؤخذ من مصدر الفعل الثلاثي كما في الأمثلة المتقدمة، وأخذها من مصدر غير الثلاثي قليل مثل: معطاء، من الفعل (أعطى)، ومثل: بشير ونذير، من الفعلين: (بَشَّرَ) و (أنذر).
(1) وسميت هذه الصيغ بأمثلة المبالغة لأنها مثال لكل ما جاء على وزنها، مثل: ضَرَّاب، وشَرَّاب، ونَفَّاع.
ونحوها مما هو على وزن (فَعَّال) وكذا الباقي.
5- اسم المفعول قوله: (وَاسْمُ المَفْعُولِ كَمَضْرُوبٍ ومُكْرَمٍ، ويَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ وهُوَ (2) كاسْمِ الفَاعِلِ).
النوع الخامس: مما يعمل عمل الفعل

(اسم المفعول)

وهو معطوف على ما تقدم.
واسم المفعول: اسم مشتق للدلالة على معين مجرد وعلى من وقع عليه ذلك المعنى.
نحو: مُنِحَ الفائزُ جائزةً فهو ممنوح.
فاسم المفعول (ممنوح) يدل على معنى مجرد، وهو (منح الجائزة) غير مقيد بزمان، ويدل على الذات التي وقع عليها منح الجائزة.
وهو يصاغ من الفعل الثلاثي على وزن (مفعول) كـ: مضروب ومن غير الثلاثي على وزن مضارعه بعد إبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وفتح ما قبل الآخر كـ: مُكْرَم.
واسم المفعول يعمل عمل فعله المبني للمجهول، فإن كان محلى بأل عمل مطلقاً بدون شرط نحو: المذمومُ خلقُه مبغض، قال تعالى في مصارف الزكاة ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ 3 فـ (قلوبهم) نائب فاعل لاسم المفعول.
والميم علامة الجمع.
والهاء مضاف إليه.
وإن كان مجردًا عمل إذا تحققت له الشروط التي اشترطت لعمل اسم الفاعل.12

فيرفع نائب الفاعل إن كان فعله متعدياً لواحد فتقول: الخبر منقول.
فـ (الخبر) مبتدأ و (منقول) خبر.
وهو اسم مفعول، وفيه نائب فاعل ضمير مستتر تقديره (هو) كما تقول: نقل الخبر.
وإن كان فعله متعديًا لاثنين فأكثر.
رَفَعَ واحداً بالنيابة ونَصَبَ غيره نحو: المجد ممنوح جائزةً.
فـ (المجد) مبتدأ (ممنوح) خبر.
وهو اسم مفعول، وفيه نائب فاعل ضمير مستتر تقديره.
(هو) وهو المفعول الأول في الأصل.
(جائزة) مفعول ثان.
والأصل: منحت المجدَّ جائزة، ثم بُني للمجهول فقيل: مُنِحَ المجدُّ جائزة.
ومن إعماله في المتعدي قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (1) فـ (جنات) بدل أو عطف بيان مما قبله وهو قوله تعالى: ﴿لَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ (2)، و (مفتحةً) حال من (جناتِ عدنٍ) و (الأبواب) نائب فاعل.
6-

الصفة المشبهة باسم الفاعل

قوله: (وَالصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ بِاسْمِ الفَاعِلِ المُتَعَدِّي لِوَاحِدٍ، وَهِيَ الصِّفَةُ المَصُوغَةُ لِغَيْرِ تَفْضِيلٍ لإفَادَةِ الثُّبُوتِ كَحَسَنٍ وظَرِيفٍ وَطَاهِرٍ وَضَامِرٍ... ). النوع السادس مما يعمل عمل الفعل الصفة المشبهة وهي: الصفة المصوغة من فعل لازم لغير تفضيل، للدلالة على معنى قائم في الموصوف على وجه الثبوت.
نحو: (الصبي فَطِنٌ) فـ (فَطِنٌ) صفة مشبهة.
مأخوذة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم (فَطِنَ) وهي لغير تفضيل قطعاً، لأن الصفات الدالة على التفضيل هي الدالة على أن اثنين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها، كـ: أعلم وأكبر، وهذه ليست كذلك، وإنما صيغت لدلالة على معنى - وهو (الفَطَانة) - قائمٍ في الموصوف، وهو (الصبي)، على وجه الثبوت والدوام في سائر الأوقات، لا التجدد والحدوث في وقت دون آخر.12

وهذا بخلاف اسم الفاعل نحو: خالد قائم.
فهو وصف دال على صفة عارضة، لأن هذا القائم قد يجلس، فهذا الوصف لا يفيد الثبوت، وإنما يفيد التجدد والحدوث.
وهذا شأن اسم الفاعل.
1 والصفة المشبهة لا تصاغ قياساً إلا من مصدر الفعل الماضي الثلاثي اللازم، وهي نوعان: 1-ما وازن المضارع في الحركات والسكنات كـ: طاهر القلب، وضامر البطن، فهما يوازنان: يَظْهُر، ويَضْمُر.
وهذا قليل.
2-ما لم يوازن المضارع في الحركات والسكنات.
كـ (حَسَنٍ) وظريفٍ.
فهما غير موازنين للمضارع: يَحْسُن، ويَظْرُف.
وهذا هو الكثير فيها.
فإن كانت من غير الثلاثي وجبت موازنتها للمضارع نحو: منطلق اللسان، لأنها من غير الثلاثي اسم فاعل أو اسم مفعول أريد بهما الثبوت والدوام.
وإلا فهي لا تصاغ إلا من الثلاثي كما عرفنا.
ويراد بالموازنة: تساوي عدد الحروف المتحركة والساكنة في كل منهما، وأن يكون ترتيب المتحرك والساكن فيهما متماثلاً، ولا يلزم اتفاق نوع الحركة، فلو كان الأول مفتوحاً في أحدهما والثاني مضمومًا حصلت الموازنة والمجاراة.
وسميت بـ (الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد) لوجود التشابه بينهما في أمور أهمها: 1-الدلالة على المعنى وصاحبه.
كما تقدم في المثال، ولهذا لم تشبه اسم المفعول، لأنه لا يدل على الحدث وصاحبه.

2-أنها عملت النصب - كما سيأتي - وكان الأصل أنها لا تنصب، لكونها مأخوذة من فعل لازم.
3-أنها تثنى وتجمع وتذكر وتؤنث مثل: (جميل جميلة) (جميلان، جميلتان) (جميلون، جميلات).
وقول المصنف: (المتعدى لواحد) إشارة إلى أنها لا تنصب إلا اسمًا واحدًا.
ومع أنها توافق اسم الفاعل في هذه الأمور فهي تخالفه في أمور أخرى أهمها: 1-أنها لا تؤخذ إلا من الفعل اللازم.
واسم الفاعل يصاغ من اللازم والمتعدي.
2-أنها تارة لا تجري على حركات المضارع وسكناته.
وتارة تجري - كما تقدم -، واسم الفاعل لا يكون إلا مجاريًا للمضارع كضارب، فإنه مجار لـ (يَضْرِب) و (مُكْرِم) فإنه موافق لـ (يُكْرِم).
3-أنها للزمن الحاضر الدائم، لأنها تفيد الثبوت والدوام.
فلا تكون للماضي وحده.
أو المستقبل وحده.
أو الحاضر وحده.
واسم الفاعل يكون لأحد الأزمنة الثلاثة.
وسأذكر أمرين آخرين - إن شاء الله - في الكلام على معمول الصفة.
قوله: (وَلا يَتَقَدَّمُهَا مَعْمُولُهَا، وَلا يَكُونُ أَجْنَبِيًّا وَيُرْفَعُ عَلَى الفَاعِلِيَّةِ، أَو الإِبْدَالِ ويُنْصَبُ عَلَى التَّمْيِيْزِ أَوِ التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ وَالثَّانِي يَتَعَيَّنُ في المَعْرِفَةِ، ويُخْفَضُ بالإِضَافَةِ).
هذا بحث في معمول الصفة المشبهة.
فله حكمان: الأول: أن لا يتقدم معمولها المنصوب عليها، فنحو: أخوك حسنُ رأيَه، بالنصب، لا تقول: أخوك رأيَه حَسنَ.
بخلاف اسم الفاعل فيجوز تقديم منصوبة عليه نحو: كاتبٌ الدرسَ، فتقول زيد الدرسَ كاتبٌ.

الثاني: أنه لا يكون أجنبيًا بل سببيًا، والمراد بالسببي: الاسم الظاهر المتصل بضمير يعود على صاحبها، كما في المثال السابق (1) بخلاف اسم الفاعل فإن معموله يكون أجنبيًا كما في المثال المتقدم ويكون سببيًا نحو: مررت برجل قائدٍ بعيرَه.
وأما إعراب معمول الصفة، فإن الصفة المشبهة تعمل فيما بعدها، ويأتي معمولها على ثلاث حالات: الأولى: أن يكون مرفوعًا على الفاعلية.
وهذا باتفاق.
وحينئذ فالصفة خالية من ضمير موصوفها؛ لأنه لا يكون للشيء فاعلان.
أو على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة عند أبي عليِّ الفارسي.
مثال ذلك: الخطيبُ طلقٌ لسانُه.
فـ (الخطيب) مبتدأ (طلق) خبر (لسانه) لسان: فاعل للصفة المشبهة على قول الجمهور.
أو الفاعل ضمير مستتر.
و (لسان) بدل من هذا الضمير.
و (الهاء) مضاف إليه.
الثانية: أن يكون منصوبًا على شبه المفعولية إن كان معرفة (2)، وعليه أو على التمييز إن كان نكرة، وإنما لم يكن مفعولاً به؛ لأنه تقدم أن الصفة لا تؤخذ إلا من مصدر الفعل اللازم.
والفعل اللازم لا ينصب مفعولاً به.
فكذا ما أخذ من مصدره، مثال المعرفة: أخوك حسن رأيَه، فـ (رأيه) منصوب على التشبيه بالمفعول به، ومثال النكرة: العدو شديد بأسًا، فـ (بأسًا) تمييز، وهو الأرجح، أو منصوب على التشبيه بالمفعول به.
الثالثة: أن يكون مجرورًا بالإضافة، نحو: جارنا كريمُ الطبعِ.

اسم التفضيل

12 قوله: (واسْمُ التَّفْضِيلِ، وَهُوَ الصِّفَةُ الدَّالَّةُ عَلَى المُشَارَكَةِ وَالزِّيَادَةِ كَأَكْرَمَ، وَيُسْتَعْمَلُ بـ (مِنْ) وَمُضَافًا لِنَكِرَةٍ فَيُفْرَدُ وَيُذَكَّرُ وَبـ (اَلْ) فَيُطَابِقُ، وَمُضَافًا لمَعْرِفَةٍ فَوَجْهَانِ).
هذا النوع السابع مما يعمل عمل الفعل وهو اسم التفضيل وتعريفه: هو الصفة الدالة على المشاركة والزيادة.
ومعنى المشاركة: أي اشتراك شيئين في صفة من الصفات، كالكرم، والشجاعة، والعلم ونحوها.
ومعنى الزيادة: أي زيادة أحدهما على الآخر في هذه الصفة نحو: العلم أنفع من المال.
والذي زاد يسمى (المفضَّل) والآخر يسمى: (المفضَّل عليه) أو (المفضول).
ويدل اسم التفضيل في أغلب صوره على الاستمرار والدوام.
ويصاغ اسم التفضيل على وزن (أفعل) 1 من مصدر الفعل الذي يراد التفضيل في معناه، بشرط أن يكون هذا الفعل من الأفعال التي يجوز التعجب منها، وهي الأفعال الجامعةُ الشروطَ المذكورةَ في باب التعجب.
وستأتي إن شاء الله.
واسم التفضيل له ثلاث حالات: الأولى: وجوب إفراده وتذكيره، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.
وذلك في صورتين:

إحداهما: أن يؤتى بعده بالمفضَّل عليه مجروراً بـ (من) نحو: زيد أشجع من عمرو، والزيدان أشجع من عمرو، والزيدون أشجع من عمرو، وهند أشجع من عمرو، والهندان أشجع من عمرو، والهندات أشجع من عمرو، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ 1 فجاء اسم التفضيل (أحبُّ) مفرداً مع الاثنين.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ 2 فجاء اسم التفضيل (أحبَّ) مفرداً مع الجماعة.
الصورة الثانية: أن يكون مضافاً إلى نكرة، فتقول: عليٌّ أفضل رجل، والعليان أفضل رجلين، والعليون أفضل رجال، وهند أفضل امرأة، والهندان أفضل امرأتين، والهندات أفضل نسوة.
الحالة الثانية: وجوب مطابقته لموصوفه إفرادًا وتذكيراً وفرعيهما، وذلك إذا كان مقترناً بـ (ال) تقول: الولد الأكبر ذكي، والدار الكبرى جميلة... وهكذا البقية، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ 3 وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا﴾ 4.

الحالة الثالثة: جواز المطابقة وعدمها.
وذلك إذا كان مضافًا لمعرفة تقول: الزيدان أفضل القوم.
بعدم المطابقة، وإن شئت قلت: أفضلا القوم، بالمطابقة.
ومن عدم المطابقة قول الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ 1 فـ (هم) مفعول أول لـ (تجد) و (أحرصَ) مفعولٌ ثانٍ.
وقد جاء مفرداً.
ولو طابق لقال: أحرصي، ومن المطابقة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ 2 فـ (أكابر) مضاف إلى (مجرميها) وهو مفعول أول لـ (جعل) التي بمعنى (صيَّر) والمفعول الثاني هو الجار والمجرور (في كل قرية) على أحد الأعاريب، وقد جاء اسم التفضيل المضاف مطابقًا لموصوفه المقدر، أي: قومًا أكابر، ولو لم يطابق لقيل: أكبر مجرميها.
قوله: (وَلا يَنْصِبُ المَفْعُولَ مُطْلَقًا، وَلا يَرْفَعُ في الغَالِبِ ظَاهِرًا إِلا في مَسْأَلَةِ الكُحْلِ).
ذكر المصنف - رحمه الله - عمل اسم التفضيل، وهو يحتاج إلى شيء من التفصيل، فأقول: اسم التفصيل أحد المشتقات العاملة عمل الفعل، فيصح أن يتعلق به الظرف، والجار والمجرور، نحو: هذا الخطيب أفصح في القول لساناً.
فالجار والمجرور (في القول) متعلق بـ (أفصح).
وأما عمله: فقد ذكر المصنف أنه لا ينصب المفعول به (مطلقًا) أي: سواء كان اسمًا ظاهرًا أم ضميرًا، بل يصل إلى مفعوله باللام نحو: خالد أبذل للمعروف وأسرع للنجدة.
أو بالباء نحو: عليٌّ أعرف بالنحو من خالد، أما الحال والتمييز فإن اسم التفضيل ينصبهما، فمثال الحال: خالد مفرداً أنفعُ من عمرو معانًا.
فالعامل في الحالين: (مفرداً، معاناً) هو اسم التفضيل (أنفع).
ومثال التمييز: المتقدمون أكثر صلاحاً من المتأخرين، فـ (صلاحاً) تمييز منصوب باسم التفضيل.

وأما عمله الرفع فإنه يرفع الضمير المستتر باتفاق، نحو: العفة أكرم من الابتذال، فاسم التفضيل (أكرم) رافع ضميراً مستتراً هو فاعله.
ولا يرفع الظاهر قياساً إلا إذا صح أن يقع في موضعه فعل بمعناه، وهذا مطرد في كل موضع يقع فيه اسم التفضيل بعد نفي أو شبهه كالنهي، ويكون مرفوعه أجنبياً مفضلاً على نفسه باعتبارين.
مثال تقدم النفي: ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد.
وهذا المثال يتردد في كتب النحو، وبه عرفت مسألةُ رفعِ اسمِ التفضيلِ الاسمَ الظاهرَ بمسألة الكحل.
ففي المثال يصح وقوع الفعل موقع اسم التفضيل، فيقال: ما رأيت رجلاً يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد.
وقد تقدم في المثال نفي بـ (ما)، ومرفوع اسم التفضيل وهو (الكحل) أجنبي لم يتصل بضمير يعود على الموصوف، وقولنا: مفضلاً على نفسه باعتبارين.
أي: أن هذا الأجنبي مفضل على نفسه باعتبارين مختلفين، فالكحل في عين زيد أحسن من الكحل نفسه في عين غيره من الرجال.
فـ (أحسن) اسم تفضيل نعت لـ (رجل) و (الكحل) فاعل لاسم التفضيل مرفوع.
ومثال النهي: لا يكن غيرُك أقربَ إليه الخيرُ منه إليك، فـ (أقرب) خبر (يكن) منصوب و (الخير) فاعل لاسم التفضيل.
وأما الجر فإن اسم التفضيل يجر المفضول إذا كان مضافاً إليه، نكرةً كان، نحو العالم أقدرُ رجلٍ على إزالة مشكلات الناس، أو معرفة نحو: الذي يرى الأسد بكثرة أجرأُ الناس عليه.

جارٍ التحميل