الباب الأول: في بيان بناء الصحيح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ديكنقوز
- الكتاب
- شرحان على مراح الأرواح في علم الصرف
- المؤلف
- شمس الدين أحمد المعروف بديكنقوز أو دنقوز (المتوفى: 855هـ)
- الناشر
- شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر
- الطبعة
- الثالثة، 1379 هـ - 1959 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «شرح مراح الأرواح» لـ (ديكنقوز) بأعلى الصفحة، وبهامشه: «الفلاح في شرح المراح» لابن كمال باشا (المتوفي:940هـ)
:
بالفعل يحتاج إليها أيضا لامتناع حصول الشيء بدون شرائطه، وما يتوقف عليه فليس مما يعتد به عرفا؛ إذ لا يقال في متعارف اللغة لمن حصل المطلوب إنه يحتاج إلى شرائطه، بل يقال كان محتاج حين لم يكن حاصلا.
ثم شرع في تعداد تلك الأبواب فقال: "الصحيح والمضاعف والمهموز والمثال والأجوف والناقص واللفيف" ولا يخفى وجه الضبط على من تصور مفهوماتها وستطلع عليها إن شاء الله تعالى في تضاعيف مباحثها "و" كما أن الصراف يحتاج إلى معرفة الأوزان إلى معرفة سبعة أبواب، كذلك يحتاج فيها إلى معرفة "اشتقاق" أي إخراج "تسعة أشياء من كل مصدر" إما بواسطة أو بدونها وتلك الأشياء التسعة المشتقة منه "وهي الماضي والمستقبل والأمر والنهي واسم الفاعل والمفعول والمكان والزمان والآلة" وإذا كان الصراف يحتاج إلى الأنواع السبعة "فكسرته" أي الكتاب وجعلته مشتملا "على سبعة أبواب" كل باب منها في بيان نوع من تلك الأنواع وكان المناسب لسياق كلامه أن يقول على ثمانية أبواب أحدها في الاشتقاق، لكن لما كان معرفة هيآت المفردات إنما تتم شبهة، وإن كان الحق أنه ليس بجزء منه حقيقة، بل هو علم على حدة ولا شك أن أبواب الصرف سبعة أدرجه في تلك الأبواب، ولم يجعله بابا على حدة وذكره في أول تلك الأبواب إشارة إلى ما ذكرنا "الباب الأول" من تلك الأبواب المكسور عليها الكتاب "في" بيان البناء "الصحيح" ولما كان المقصود الأصلي البحث عن أحوال الأبنية وكانت أبنية الصحيح تستحق التقديم لسلامتها عن التغيرات الكثيرة وكونها مقيسا عليها
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
وإنما انحصرت الأبواب في السبعة؛ لأن الكلمة لا يخلو من أن يوجد في حروفها الأصلية حرف علة أو ملحق حرف علة أو لا يوجد شيء منهما الثالث "الصحيح" والثاني وهو ما يوجد فيها ملحق حرف علة إن كان كونه ملحقا لها باعتبار التكرر فهو "المضاعف" وإن كان باعتبار الانفراد سواء كان في الفاء أو العين أو اللام فهو "المهموز" وإنما قلنا: إن حرف التضعيف والهمزة ملحق حرف علة لأنهما قد يقلبان حرف علة في مثل تقضي البازي أصله تقضض فقلبت الضاد الثانية ياء، وفي مثل إيمان أصله إءمان بهمزتين قلبت الثانية ياء والأول وهو ما يوجد فيها حرف علة لا يخلو من أن يكون ذلك الحرف واحدا أو أكثر، فإن كان واحد فإن كان في الفاء فهو "المثال"، وإن كان في العين فهو "الأجوف"، وإن كان في اللام فهو "الناقص"، وإن كان أكثر من واحد فهو "اللفيف" المفروق إن كان في الفاء واللام، والمقرون إن كان في العين واللام، ولم يعتبر المصنف بما كان فاؤه وعينه حرف علة نحو ويل ويوم، وما كان فاؤه وعينه ولامه حرف علة مثل واو وياء في اسمي حرفين، كما اعتبرهما الزنجاني وغيره حتى جعلوا أقسام المعتلات سبعة لا خمسة لعدم بناء الفعل، منهما فمقصود المصنف بيان أو زان المشتقات ويؤيده عطف قوله: "واشتقاق تسعة أشياء" على قوله: سبعة أبواب ومعناه إلى معرفة اشتقاق تسعة أشياء "من كل مصدر" فإن قلت: يرد عليه المصادر التي لا يشتق منها شيء كويل وويح قلت: المراد من اشتقاق تسعة أشياء اشتقاقها منه إن وجدت، ويحتمل أن يكون بناء على الغالب وإنما انحصر الاشتقاق في التسعة؛ لأن ما يشتق من المصدر إما أن يكون فعلا أو اسما فإن كان فعلا فلا يخلو من أن يكون إخباريا أو إنشائيا، فإن كان إخباريا فإن لم يتعاقب في أوله الزوائد الأربع وهي حروف أتين فهو "الماضي" وإن تعاقب فهو "المستقبل" وإن كان إنشائيا فإن دل على طلب الفعل فهو "الأمر" وإن دل على ترك الفعل فهو "النهي" وإن كان اسما فإن دل على ذات من قام به الفعل فهو "اسم الفاعل" وإن دل على ذات من وقع عليه الفعل فهو "اسم المفعول" وإن دل على ما وقع فيه الفعل فإن كان مكانه فهو "اسم المكان" وإن كان زمانا فهو "اسم الزمان" وإن دل على ما وقع الفعل بسببه فهو "اسم الآلة" ولم يذكر النفي والجحد لمشابهة النفي صورة والجحد معنى للنهي فإن قلت: الصفة المشبهة وأفعل التفضيل من المشتقات، ولم يذكرهما المصنف قلت: هما داخلان في اسم الفاعل، فإن قلت: التصغير مشتق من المصدر بزيادة الياء مثل نصر ونصير قلت، لا نسلم أنه مشتق منه وزيادة الياء من قبيل الزيادة لإفادة المعنى لا الاشتقاق كما صر حوابه، ويدل عليه عدم اختصاصه بالمشتقات، بل يجري أيضا في الجوامد رجل ورجيل، فإن قلت: هذا الكلام يدل على أن اسم الفاعل والمفعول مشتقات من المصدر وكذا الزمان والمكان والآلة وكذا الأمر والنهي وقد صرح فيما سيأتي أنها مشتقات من المضارع، أجيب بأنها مشتقات من المصدر بالتوسط لأنها مشتقات من الفعل وهو مشتق من المصدر فتكون هي مشتقة من المصدر كما هو مذهب السيرافي، والفاء في قوله "فكسرته" جواب للشرط المحذوف تقديره إذا احتاج الصراف في معرفة الأوزان إلى سبعة أبواب فكسرت هذا الكتاب "على سبعة" بيان "أبواب" مذكورة إجمالا أي طويته مستعار من كسر الطائر جناحيه إذا ضمهما للوقوع وانقض "الباب الأول" من تلك الأبواب السبعة "في" بيان بناء "الصحيح" قدمه على سائر الأبواب إما لسهولة حفظه عند المبتدي والتعليم من الأسهل إلى الأصعب، وإما لكونه مقيسا عليه للمعتلات، وإما لكونه مفهومه عدميا ومفهوم ما سواه وجوديا وكون العدمي قدما على الوجودي لأصالته، وبعضهم قدم المعتلات على الصحيح نظرا إلى أن مفهومه عدمي ومفهومها وجودي والوجودي لشرفه مقدم
[شرح ديكنقوز]
لسائرها قدم باب الصحيح ولما توقف البحث عنه على تصوره عرفه فقال "الصحيح" واضعا المظهر موضع الضمير إشارة إلى أن المراد به غير الأول، فإن المراد بالأول ما صدق عليه الصحيح وبالثاني مفهومه، وما يقال إن المعرفة إذا أعيدت فهي عين الأول فليس على الإطلاق أي الصحيح في اصطلاح أهل الصرف "هو" البناء "الذي ليس" فيه "في مقابلة الفاء والعين واللام" من فعل "حرف علة" هي الواو والياء والألف وليس في تلك المقابلة أيضا "تضعيف" أي حرفان من جنس واحد "و" ليس فيها أيضا "همزة" فيدخل "نحو ضرب" إذ ليس فيه في مقابلة فاء فعل إلا الضاد، وفي مقابلة عينه إلا الراء، وفي مقابلة لامه إلا الباء، وليس شيء من الضاد والراء والباء حرف علة ولا همزة وليس فيه أيضا حرفان من جنس واحد فيصدق التعريف عليه فيصح التمثيل به، ويدخل فيه أيضا نحو حوقل وضارب ويضرب ومضروب واقعنسس "واختص الفاء والعين واللام" من بين الحروف الباقية "للوزن" والمعيار "حتى يكون فيه" أي في الوزن "من حروف الشفة والوسط والحلق" التي هي المخارج الكلية "شيء" أي حرف وهذا وجه مستقل لاختصاص فعل للوزن ولا ينافيه وجود هذه الحروف في غيره كما أن كونه شاملا للأفعال وجه آخر له مستقل ولا ينافيه شمول غيره إياها لكن إذا طلب لهذا الوجه مرجح على نحو علم جعل الوجه الآخر مرجحا كعكسه على نحو جعل، وإذا طلب المرجح على عمل فيجعل كثرة الاستعمال وفتح العين مرجح؛ لأن فعل من باب فتح وعمل من باب علم؛ وإنما لم يقل واختص فعل للوزن واحتاج إلى تفصيل حروفا ليمكن كونه وزنا للمتحركات بالحركات المختلفة من نحو ضرب وعلم وحسن؛ إذ لو قال: فعل لما صلح لكونه وزنا لعلم وحسن ويزاد في الرباعي لام ثانية نحو فعلل في نحو جعفر ولام ثالثة في الخماسي نحو فعلل في نحو جحمرش، وإما يزاد اللام دون غيره؛ لأن الزيادة بالآخر أولى فالأولى أن يزاد من جنس الآخر، ولما فرغ من تعريف الصحيح وما يتعلق به شرع في بحث الاشتقاق وما يتعلق به فقال: إذا عرفت هذا "فقولنا" أي مقولنا وملفوظنا الذي هو "الضرب مصدر" في اصطلاح هذا الفن أي فرد مما يصدق عليه المصدر والجملة أعنى "يتولد منه الأشياء التسعة" المذكورة إما خبر بعد خبر أو حال من الضرب "وهو" أي المصدر المصطلح كضرب "أصل" للفعل المصطلح كضرب معروفه لمعروفه ومجهوله لمجهوله إلا أن صيغة بناء المعروف والمجهول من المصدر متحدة اكتفاء بصيغ الأفعال، فإذا قيل: ضرب ضربا علم أن المصدر معلوم فإذا قيل: ضرب ضربا علم أن المصدر مجهول، وإذا لم يذكر الفعل علم بالقرائن "في" جنس "الاشتقاق" لا في جنس آخر من العمل وغيره وستعرف مفهوم الاشتقاق عن قريب إن شاء الله تعالى "عند البصريين" من الصرفيين وإنما قلنا إن المصدر أصل للفعل في الاشتقاق "لأن مفهومه" أي معنى المصدر "واحد" وجزء "ومفهوم الفعل" أي المعنى الذي يفهم منه بحسب الوضع "متعدد" وكل وأما تسمع بالمعيدي فليس بحسبه "لدلالته" أي لدلالة الفعل بحسب الوضع "على الحدث والزمان" أي زمان ذلك الحدث من الأزمنة الثلاثة "والواحد قبل
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
على العدم ولكل وجهة هو موليها، ولعدم الفرق بين الصحيح والسالم عند المصنف عرف الصحيح بقوله: "الصحيح هو الذي ليس في مقابلة الفاء والعين واللام حرف علة ولا تضعيف ولا همزة" وإنما اعتبر ألا يكون فيه تضعيف ولا همزة لترتيب بعض أحكام حرف العلة عليهما من الحذف والقلب كما سيأتي، وبعضهم جعل هذا التعريف للسالم وعرف الصحيح بما ليس في مقابلة الفاء والعين واللام حرف علة، فيكون بينهما عموم وخصوص مطلقا فكل سالم صحيح من غير عكس والتعريف المذكور يصدق على ما لا يوجد فيه حرف علة أصلا "نحو ضرب" وعلة ما يوجد فيه، لكن ليس في مقابلة الفاء والعين واللام نحو حوقل وعشير، فإن الواو والياء بهما ليسا في مقابلة شيء منهما، وإنما قال: "واختص الفاء والعين واللام للوزن" ولم يقل واختص فعل ليمكن جعله وزنا للمتحركات المختلفة "حتى يكون فيه" أي الوزن "من حروف الشفة" وهو الفاء "والوسط" وهو اللام "والحلق" وهو العين "شيء" أي حرف فإن قلت: هذا الدليل منقوض بمثل عمل لوجود حروف المخارج الثلاثة المعتبرة فيه.
قلت: نعم لكن لما كان المركب من تلك الحروف وهو فعل شاملا لجميع أفراد الفعل من القولي والفعلي مع الفائدة المذكورة اختصت للوزن، وإنما اختار الثلاثي للوزن دون الرباعي والخماسي؛ لأنه لو كان رباعيا أو خماسيا يكون وزن الثلاثي بحذف حرف أو حرفين ولو كان ثلاثيا يكون وزن الرباعي والخماسي بزيادة حرف أو حرفين، والزيادة أسهل من الحذف عندهم، قوله: "فقولنا" مبتدأ، وقوله: "الضرب" مقول القول باعتبار لفظه لا باعتبار معناه ولهذا لم يجب كونه جملة، وقوله: "مصدر" خبره وقوله: "يتولد منه" أي من ذلك المصدر بطريق الاشتقاق "الأشياء التسعة" المذكورة صفة مصدر "وهو" أي المصدر معلوما كان أو مجهولا "أصل" للفعل معلومات كان أو مجهولا فالمصدر المعلوم أصل للفعل المعلوم، والمصدر المجهول أصل للفعل المجهول "في الاشتقاق" لا في العمل "عند" أصحابنا "البصريين" لا عند الكوفيين "لأن مفهومه" أي مفهوم المصدر "واحد" وهو الحدث فقط "ومفهوم الفعل متعدد" لا واحد "لدلالته على الحدث و" على "الزمان" ماضيا كان أو مضارعا "و" لا شبهة أن "الواحد قبل
[شرح ديكنقوز]
المتعدد" ولا شك أن ما يدل على الواحد أعنى المصدر أيضا يكون قبل ما يدل على المتعدد أعنى الفعل، وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون المصدر باعتبار مفهومه متقدما وباعتبار وضعه متأخر "وإذا كان" المصدر "أصلا للأفعال" في الاشتقاق "يكون أصلا" أيضا "لمتعلقاتها" أي لمتعلقات الأفعات من اسمي الفاعل والمفعول وغيرهما من حيث تعلقها بها، وإن لم تكن تلك العلة موجودة فيها "أو" نقول المصدر أصل "لأنه" أي المصدر "اسم" لصدق التعريف عليه "والاسم مستغن عن الفعل" أي غير محتاج إليه في الإفادة التي هي الغرض من وضع الألفاظ لأن التركيب من اسمين يفيد والفعل محتاج فيها إلى الاسم؛ لأن التركيب من فعلين بدون الاسم لا يفيد ولا شك أن المحتاج إليه أصل للمحتاج وفيه أيضا نظر؛ لأن الأصالة في الإفادة عند التركيب لا تستلزم التقدم في الوضع والكلام فيه "و" نقول "أيضا" كالدليلين الأولين في الاستدلال على أصالة المصدر في الاشتقاق أنه "يقال له" أي يطلق على ما صدق عليه الاسم الذي هو المصدر كضرب "مصدرا" أي هذا الاسم "لأن هذه الأشياء" السبعة المذكورة "تصدر عنه" أي عما صدق عليه المصدر فإن معنى المصدر موضع الصدور فضرب مثلا إنما سمى باسم المصدر لكونه موضع صدور ضرب وغيره من الأشياء الثمانية، وفيه أيضا نظر لأن باب المجاز مفتوح فلم لا يجوز أن يكون لفظ المصدر مصدرا ميميا بمعنى الصدور أو يكون بمعنى الصادر كالمجاز بمعنى الجائز أو يكون بمعنى مصدرية كضرب الأمير ومع هذا الاحتمال لا حجة للبصريين فيه والحجة القوية لهم أن يقولوا كل فرع يصاغ من أصل ينبغي أن يكون فيه ما في الأصل مع زيادة هي الغرض من الصوغ كالباب من الساج والخاتم من الفضة وهكذا حال الفعل فيه معنى المصدر مع زيادة أحد الأزمنة الثلاثة التي هي الغرض من وضع الفعل لأنه كان يحصل في نحو قولك لزيد ضرب نسبة الضرب إلى زيد، لكنهم طلبوا بيان زمان الفعل على وجه أخصر فوضعوا الفعل الدال بجوهر حروفه على المصدر أي على الحدث وبوزنه على الزمان؛ ولما وقع ذكر الاشتقاق على أنه قيد في
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
المتعدد" وأصل له فكذا ما يدل على الواحد قبل ما يدل على المتعدد وأصل له، ولما توجه أن يقال إن الدليل المذكور لا يدل على كون المصدر أصلا لغير الأفعال من الأشياء التسعة لعدم دلالته على الزمان أجاب بقوله: "وإذا كان أصلا للأفعال يكون أصلا لمتعلقاتها" أي من غير نظر إلى جريان الدليل المذكور فيها بل بمجرد كونها متعلقات الأفعال فحاصل معنى كلامه أنه إذا كانت الأفعال أصلا لمتعلقاتها عندهم ودل الدليل على أن المصدر أصل للأفعال ثبت أن المصدر أصل لمتعلقاتها بالواسطة هذا هو الحق، ومن الشارحين من اعترض بأنه لا يلزم من كون المصدر أصلا للأفعال من حيث التعدد المذكور كون المصدر أصلا لمتعلقات الأفعال؛ لأن التعدد المذكور ليس بموجود في بعضها كاسم الفاعل فإنه لا يدل على الزمان وأجاب عنه بعض آخر بقوله نعم إن التعدد المذكور ليس بثابت إلا أن التعدد ثابت فيه باعتبار آخر؛ لأنه يدل على الحدث والذات وكل ذلك ظلمات بعضها فوق بعض "أو لأنه" أي المصدر "اسم والاسم مستغن عن الفعل" أي في الإفادة ينتج أن المصدر مستغن عن الفعل ثم تجعلها صغرى لقولنا فكل مستغن عن الفعل فهو أصل له فنقول المصدر مستغن عن الفعل وكل مستغن عن الفعل فهو أصل له ينتج أن المصدر أصل له، وهو المطلوب فإن قلت مجرد إثبات استغناء المصدر عن الفعل لا يكفي في أصالة المصدر لجواز الاستغناء من الطرفين، بل لا بد من إثبات احتياج الفعل إلى المصدر ليتم المطلوب.
قلت: احتياج الفعل إلى الاسم في الإفادة معلوم معهود ولهذا لم يذكر، ولقائل أن يقول: إن أصالة المصدر في الإفادة لا تدل على أصالته في الاشتقاق؛ لأن الاشتقاق ليس هو الإفادة ولا لازما لها فتأمل اعلم أن هذا الدليل لو تم لدل على أصالة المصدر بطريق الالتزام وكذا الدليل الأول، وأما الدليل الثالث فمبني على التحقيق ولهذا فصله عما قبله فقال: "وأيضا" ولم يقل أو لأنه "إنما يقال له مصدر" أي إنما سمي المصدر مصدرا "لأن هذه الأشياء التسعة" المذكورة "تصدر عنه" لأن معنى المصدر لغة موض يصدر عنه الإبل.
فإن قلت: هذا القول بيان لتسمية المصدر مصدرا لصدور الأشياء التسعة عنه، وذا لا يمكن إلا بعد ثبوت كون المصدر أصلا فيلزم المصادرة قلت: معنى الاستدلال به أنهم جعلوا سبب تسمية المصدر مصدر لصدور الأشياء التسعة عنه، فلو لم يكن المصدر أصلا عنهم لما جعلوا سبب التسمية ذلك هذا وكل ما ذكره المصنف من الاستدلالات كلام ظاهري، والتحقيق ما ذكره الفاضل الرضي حيث قال: قال البصريون كل فرع يصاغ عن أصل ينبغي أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة هي الغرض من الصوغ كالباب من الساج والخاتم من الفضة، وهذا حال الفعل فيه معنى المصدر مع زيادة أحد الأزمنة التي هي الغرض من وضع الفعل؛ لأنه كان يحصل من نحو قولك لزيد ضرب مقصود نسبة الضرب إلى زيد لكنهم طلبوا بيان زمان الفعل على وجه آخر فوضعوا الفعل الدال بجوهر حروفه على المصدر وبوزنه على الزمان ولما ذكر أن المصدر أصل في الاشتقاق عند البصريين وجب عليه أمران بيان ماهية الاشتقاق والاستدلال على أصالة المصدر فيه والأصل أن يقدم التعريف على الاستدلال لكنه قدم الاستدلال لئلا يقع الفصل بين الدعوى ودليلها مع أن معنى الاشتقاق معلوم بوجه ما.
ثم لما فرغ من الاستدلال بادر إلى بيان ماهية الاشتقاق قبل ذكر متمسكات للكوفيين ليتضح المقصود لكنه قدم تعريف مطلق اشتقاق على
[شرح ديكنقوز]
الحكم بأصالة الصدر أو الفعل وإثباتها الذي هو المقصود الأصلي من الكلام في هذا المقام، وكان المراد منه في محل النزاع قسما منه عرفه أولا وقسمه إلى أقسامه، ثانيا وبين ما هو المراد منه في محل النزاع، ثالثا على ما هو مقتضى الترتيب إلا أنه أخر عن أدلة أحد المتخاصمين ولم يبادر إليها عقيب ذكر ذلك الحكم لكونه غير مقصود أصلي كما أشرنا إليه لا أنه قدمها على ذكر مذهب الآخر وأدلته؛ إشارة إلى حقية مذهب الفريق الأول كما نبه عليها بقوله واشتقاق تسعة أشياء من كل مصدر وسينبه عليه أيضا بقوله الأفعال التي تشتق من المصدر فكأنه جعله حكما متفقا عليه لا خلاف فيه لأحد فذكر جميع ما يتعلق به، ثم لما فرغ منه استشعر خلافا فذكره "الاشتقاق" في اللغة أخذ شق الشيء فهو متعد وفي الاصطلاح يحد تارة باعتبار العلم وتارة باعتبار العمل، فإن اعتبرناه من حيث إنه صادر عن الواضع احتجنا إلى العلم به لا إلى عمله فاحتجنا إلى تحديده بحسب العلم، وإن اعتبرناه من حيث يحتاج أحدنا إلى عمله عرفناه باعتبار العمل، أما تعريفه باعتبار العمل فهو أن تأخذ من اللفظ ما يناسبه في التركيب فتجعله دالا على معنى يناسب معناه، وأما تعريفه بحسب العلم فـ"هو" كما قال "أن تجد" أنت أي علمك على أن تجد من أفعال القلوب لا بمعنى المصادفة "بين اللفظين" مفعول ثان لتجد ومفعول الأول قوله: "تناسبا" وهو أعم من الموفقة "في اللفظ" أي في تركيب حروفه الأصول فإن حروف الزيادة كما في الاستعجال والاستباق لا عبرة بها احترز به عن نحو قعد وجلس "والمعنى" احترز به عن نحو ضرب بمعنى الدق وضرب بمعنى ذهب، وهذا تعريف لمطلق الاشتقاق المتناول لأنواعه الثلاثة وقدم التناسب في اللفظ؛ لأن الأخذ المعتبر في الاشتقاق باعتبار العمل الذي هو المقصود من الاشتقاق بحسب العلم إنما يتحقق في اللفظ وللتنبيه على ذلك المقصود اهتم بتقديم بين اللفظين على تناسبا وكذا انقسامه على أقسامه إنما هو باعتبار اللفظ، ولذا لم يتعرض فيها للتناسب المعنوي مع أنه معتبر فيها على ما سنشير إليه إن شاء الله تعالى، ومن قدم التناسب في المعنى كالميداني نظر إلى أن هذا الأخذ إنما هو المعنى فلكل وجهة إلا أن نظر المصنف أنسب للنص.
والحاصل من التعريف العلم بالاشتقاق بقرينة حمل الوجدان عليه فكأنه قيل العلم بالاشتقاق هو أن تجد بين اللفظين تناسبا في التركيب والمعنى فتعرف ارتداد أحدهما إلى الآخر وأخذه منه، فأشار بذكر اللفظين وذكر التناسب في اللفظ والمعنى إلى أنه لا بد بين المشتق والمشتق منه من مغايرة بوجه واتحاد بوجه بحسب المعنى وكذا من مغايرة من جهة ولو تقديرا واتحاد من جهة بحسب اللفظ؛ لأن معنى التناسب يقتضي ذلك فيخرج نحو المقتل مصدرا والقتل إذ لا تغاير بينهما في المعنى، ويخرج أيضا نحو ضرب بمعنى الدق وضرب بمعنى الذهاب إذ لا اتحاد بينهما بوجه في المعنى، وكذلك يخرج نحو ضرب بمعنى المضروب وضرب بمعنى الحدث إذ لا تغاير بينهما في اللفظ، ويخرج أيضا ذئب وسرحان إذ لا اتحاد بينهما بوجه في اللفظ ويدخل فيه ضرب والضرب وجذب وجبذ ونهق ونعق؛ لأن التناسب أعم من الموافقة كما ذكرنا ولا شك أن بين الأولين وبين الأوسطين وبين الأخيرين مناسبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وإنما قلنا في المغايرة اللفظية ولو تقريرا ليدخل فيه نحو الطلب وطلب فإن حركة آخر الفعل بنائية وحركة آخر المصدر إعرابية، والأولى كالجزء من الكلمة لثباتها وبناء الكلمة عليها وإن كان أصلها السكون إلا أنها لم تستعمل على الأصل في غيرها حال الوقف، والثانية عارضة لا اعتداد بها لانتفائها عند عمل العامل وتحقق استعمال الاسم ساكنا في غير حال الوقف أيضا وبهذا سقط ما قيل إن عنيت بالحركة الحركة الشخصية من الرفع وغيره سلمنا أنها غير لازمة في الاسمي، ولكن لم قلت إن مطلق حركة الإعراب غير لازمة ونظير الاشتقاق ليس في حركة معينة، بل في مطلق الحركة وإن عنيت بها مطلق الحركة منعنا
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
تعريف الاشتقاق المتنازع فيه لفائدة نذكرها إن شاء الله تعالى، فقال: "الاشتقاق هو أن تجد بين اللفظين" أي المتغايرين وذلك التغاير قد يكون بزيادة حرف كزيادة الألف في مثل الضارب فإنه مشتق من الضرب، وقد يكون بزيادة الحركة كزيادة فتحة الراء في ضرب فإنه مشتق من الضرب، وقد يكون بنقص حرف كنقص الواو من قل فإنه مشتق من القول كذا قيل "تناسبا في اللفظ" وهو يتناول التناسب في نفس حروف اللفظ نحو ضرب وضارب، والتناسب في مخرج حروف اللفظ نحو نعق ونهق "والمعنى" فإن قلت هذا التعريف غير مستقيم؛ لأن الاشتقاق وصف اللفظ والوجدان المذكور وصف المخاطب فلا يكون وصف المخاطب فلا يكون أحدهما هو الآخر، قلت: معنى كلامه الاشتقاق التناسب الموجود بين اللفظين في اللفظ والمعنى لكنه تسامح فقدم الوجدان عليه تنبيها على أن ذلك التناسب من الموجودات في نفس الأمر لا من الاعتبارات المحضة ونظيره ما قيل في تعريف الوحدة إنها تعقل عدم الانقسام تنبيها على أنها من المعاني العقلية لا من الأمور العينية، فالتناسب بين اللفظين جنس شامل للتناسب في اللفظ والمعنى سعا والتناسب في اللفظ فقط والتناسب في المعنى فقط، وقوله في اللفظ والمعنى فصل يخرج التناسب في اللفظ فقط كما في ضرب بمعنى الدق وضرب بمعنى الذهاب، فإن فعل أحدهما لا يكونن مشتقا من الآخر والتناسب في المعنى فقط كما في القعود
[شرح ديكنقوز]
عدم اللزوم.
ولما فرغ من تعريف الاشتقاق شرع في تقسيمه فقال "وهو" أي الاشتقاق المعرف "على ثلاثة أنواع" أحدها اشتقاق "صغير وهو" علم "أن يكون بينهما" أي بين اللفظين "تناسب" أي توافق "في الحروف والترتيب" أي ترتيب تلك الحروف وفي المعنى أيضا "نحو" اشتقاق "ضرب" ماضيا "من الضرب" مصدرا "و" ثانيها اشتقاق "كبير وهو" علم "أن يكون بينهما تناسب في اللفظ والمعنى دون الترتيب" سواء كان مع الموافقة في المعنى "نحو" اشتقاق "جبذ من الجذب" وهما متوافقان في المعنى أو مع المناسبة فيه بدون الموافقة نحو ثلم من الثلب والأول الإخلال بالحائط والثاني الإخلال بالعرض فهما متناسبان في المعنى "و" ثالثها اشتقاق "أكبر وهو أن يكون بينهما تناسب في المخرج والمعنى" فإن التناسب في المخرج تناسب في الحروف باعتبار المخرج "نحو" اشتقاق "نعق من النهق" والأول صوت الغراب والثاني صوت الحمار فهما متناسبان في المعنى وتناسبهما في المخرج ظاهر؛ إذ العين والهاء كلاهما من الحلق ويعلم من تعريفاتها وجه الحصر فيها لأنه إن اعتبر الموافقة في الحروف مع الترتيب فهو صغير سمي به لكفاية تأمل قليل في العلم بالاشتقاق فيه بسبب قلة العمل وإن اعتبر الموافقة في الحروف بدون الترتيب فهو كبير لاحتياجه إلى تأمل كثير في العلم بالاشتقاق بسبب كثرة العمل فيه وإن اعتبر عدم تناسب الحروف فهو أكبر لاحتياجه إلى تأمل أكثر في العلم بالاشتقاق بسبب تبدل الحروف فيه.
ولما فرغ من تعريف الاشتقاق وتقسيمه إلى أقسامه وتعريف كل قسم منها شرع يبين المراد منه في محل النزاع فقال: "فالمراد بالاشتقاق المذكور ها هنا" أي في قوله وهو أصل في الاشتقاق، وفي قوله واشتقاق تسعة أشياء من كل مصدر "هو اشتقاق صغير" فإنه الكامل والمتبادر عند الإطلاق وإنما كان هو المراد لأن النزاع إنما هو في الأصالة في هذا الاشتقاق.
ولما فرغ من بيان مذهب الفريق الأول وتقرير أدلتهم وما يتعلق به من بحث الاشتقاق شرع في بيان مذهب الفريق الثاني فقال
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
والجلوس فإن فعل أحدهما لا يكون مشتقا من الآخر "وهو" أي الاشتقاق المطلق المعرف "ثلاثة أنواع" عند أصحاب هذا الفن إما بالاستقراء أو بالحصر العقلي؛ لأنه إما بالتقديم والتأخير، وإما بالتبديل، وإما بغيرهما.
الثالث "اشتقاق صغير وهو أن يكون بينهما" أي بين اللفظين "تناسب في الحروف والترتيب" أي في ترتيب تلك الحروف فإن قلت المطلق إنما يتحصل نوعا بانضمام قيد زائد وها هنا ليس كذلك لأن معنى مطلق الاشتقاق كما حققته تناسب اللفظين في اللفظ والمعنى جميعا ومعنى هذا النوع منه على ما ذكرته تناسب اللفظين في اللفظ فقط؛ لأن التناسب في الحروف والترتيب تناسب لفظي فلا يكون تحصيل النوع بانضمام قيد، بل بانتقاص قيد وهو في المعنى وهو غير جائز بالاتفاق قلت قيد في المعنى محذوف مقدر في هذا التعريف وفي تعريفي النوعين الآخرين أيضا بناء على فهم المبتدي مع أنه لا يتعلق به غرض تحصيل نوع، فإن قلت: فعلى هذا لم يبق بين المطلق وبين النوع منه فرق وهو غير جائز أيضا، قلت: معنى المطلق تناسب اللفظين مطلقا أعم من أن يكون التناسب في الحروف والترتيب جميعا وأن يكون في الحروف فقط أو أن يكون في مخرج الحروف، وكل من هذا التناسب الثلاثة تناسب خاص فافتر قائم إن تحقق ذلك المطلق في ضمن الخاص الأول صار نوعا من الاشتقاق المطلق يسمى صغيرا لكونه معلوما بأدنى تأمل بسبب اشتراكهما في الحروف وترتيبها "نحو" اشتقاق "ضرب من الضرب" وإن تحقق في ضمن الثاني صار نوعا آخر منه يسمى كبيرا لكونه معلوما بتأمل قوي لعدم اشتراكهما في الترتيب، وإن تحقق في الثاني صار نوعا ثالثا منه يسمى أكبر لكونه معلوما بتأمل أقوى لعدم اشتراكهما في نفس الحروف.
اعلم أنهم عرفوا الاشتقاق الصغير بالقطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه مع ترتيب الحروف وزيادة المعنى "و" الأول وهو ما يكون بالتقديم والتأخير اشتقاق "كبير وهو أن يكون بينهما في اللفظ والمعنى" حق العبارة أن يكون في الحروف "دون الترتيب" كما يعرفه الذوق السليم من سياق الكلام لكنه تسامح بناء على ظهور المراد "نحو" اشتقاق "جبذ" بتقديم الباء "من الجذب" بتأخيره وفي تعريف هذا النوع وفي النوع الأخير أيضا ما في تعريف النوع المتقدم من السؤال والجواب تدبر.
قيل الكبير أن يكون بين كلمتين تناسب في اللفظ والمعنى فهو أعم من أن يكون اسمين أو فعلين أو أحدهما اسما والآخر فعلا أو مجرد دين أو مزيدين أو أحدهما مجردا والآخر مزيدا وأن يزيد معنى المشتق أولا وأن يترتب الحروف أولا "و" الثاني وهو ما يكون بالتبديل اشتقاق "أكبر وهو أن يكون بينهما تناسب في المخرج" دون نفس حروف اللفظ "نحو" اشتقاق "نعق من النهق" بإبدال العين من الهاء "والمراد من الاشتقاق" المتنازع فيه بين الفريقين "المذكور" في قولنا: وهو أصل في الاشتقاق "ها هنا اشتقاق صغير" قيل: وأما غيره فيجوز أن يجعل كل منها أصلا بالاتفاق، فإن قلت: فما الفائدة حينئذ في تعريف مطلق الاشتقاق ثم تقسيمه إلى ثلاثة أنواع، قلت: الفائدة زيادة اتضاح المراد عند المبتدي وتميزه فضل تميز إذ معرفة حقيقة النوع إنما هي بمعرفة جنسه وفصله، ويمكن أن يقال المراد من الاشتقاق المطلق المذكور المعرف اشتقاق صغير على معنى أن الغرض من تعريف الاشتقاق المطلق معرفة الاشتقاق الصغير على حذف المضاف في الموضعين
[شرح ديكنقوز]
"قال الكوفيون ينبغي أن يكون الفعل أصلا" والمصدر فرعا له "لأن إعلاله" أي إعلال الفعل "مدار" وسبب "لإعلال المصدر وجودا" أي من جهة الوجود، أي إن وجد إعلال الفعل وجد إعلال المصدر "و" مدار "عدما أي إن عدم إعلال الفعل عدم إعلال المصدر والدور إن ترتب الشيء على ما له صلوح العلية وسمي الشيء الأول المترتب الدائر والشيء الثاني المترتب عليه المدار "أما" كون إعلال الفعل مدار الإعلال المصدر "وجودا ففي" مثل "يعد" أصله يوعد "عدة" هي مصدر يعد أصله وعدة، ولما حذف الواو من يوعد لعلة توجب الحذف حذف من وعدة وإن لم توجد فيها تلك العلة تبعا له "و" مثل "قام قيام" أصلهما قوم قواما فلما أعل الأول أعل الثاني، وإن انتفى موجب الإعلال فيه تبعا للأول "وأما" كون إعلال الفعل مدار إعلال المصدر "عدما ففي يوجل وجلا وقاوم قواما" فلما لم يعل الفعلان لم يعل المصدران تبعا لهما "ومداريته" أي مدارية الفعل من جهة الإعلال للمصدر لا شك في أنها "تدل على أصالته" أي على أصالة الفعل للمصدر "وأيضا" أي كما أن الفعل مدار من جهة الإعلال للمصدر كذلك "يؤكد الفعل به" أي بالمصدر "نحو ضربت ضربا" فإن ضربا مصدر مؤكد للفعل أعنى ضربت وكيف لا يكون مؤكدا له
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
لكن الأول أوفق.
ولما فرغ من استدلالات البصريين على أصالة المصدر وبيان ماهية الاشتقاق شرع في استدلالات الكوفيين على أصالة الفعل فيه بطريق المعارضة، لكن لما كان في أدلتهم ضعف لم يقل استدل بل قال "قال الكوفيون ينبغي" أي يجب "أن يكون الفعل أصلا" في الاشتقاق "لأن إعلاله" وهو تغيير حرف العلة للتخفيف، وهو قد يكون بالقلب كما في قال، وقد يكون بالحذف كما في قلت، وقد يكون بالإسكان كما في يقول، "مدار" أي سبب يثبت الأثر بثبوته وينتفي بانتفائه، وهو مصدر ميمي من دار يدور أصله مدور بفتح الواو فأعل بالنقل والقلب "لإعلال المصدر وجودا وعدما" وما يكون إعلاله مدار الإعلال شيء كذلك يكون أصلا له ينتج أن الفعل أصل أما الكبرى فظاهرة، وأما الصغرى فقد أثبتها المصنف بتمثيل مثالي مثالي ومثالي أجوف بقوله "أما وجودا ففي" مثل "يعد" أصله يوعد بوزن يضرب فحذفت الواو ولوقوعها بين ياء وكسرة أصلية "عدة" مصدر بوزن هبة أصله وعدة فأعل بشرطين أحدهما أن يعل فعله، والثاني أن يكون على وزن فعلة بكسر الفاء وسكون العين وإذا كان إعلال فعله شرطا لإعلاله كان مدارا له وكيفية إعلاله أنه نقلت حركة الواو إلى ما بعدها ثم حذفت ساكنة اتباعا للفعل واستثقالا للكسرة على الواو، أو حذفت متحركة وحرك ما بعدها بجنس حركاتها ولزم تاء التأنيث كالعوض منها، فلو انتفى أحد الشرطين لا يجوز حذفها، فلا تحذف من نحو الولدة؛ لأنه اسم فانتفى الشرط الأول، ولا من نحو الوعدة والوعد بفتح الواو فيهما لانتفاء الشرط الثاني "و" مثل "قام" أصله قوم فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار قام "قياما" أصله قواما فقصد بقلب الواو وتبعا لفعله لا لوجود موجب الإعلال، لكن لما كان ما قبلها مكسورا قلبت ياء لا ألفا فيكون المصدر تابعا لفعله في مطلق الإعلال "وأما عدما ففي" مثل "يوجل" معناه وبابه يخاف يعني لم يعل الواو فيه لعدم موجب الإعلال، أما بالحذف فلعدم وقوعها بين ياء وكسرة، وأما بالقلب ألفا أو بنقل الحركة فلسكونها، وأما بالقلب ياء فلعدم انكسار ما قبلها "وجلا" مصدر بوزن وعد لم يعل اتباعا لفعله كما يعل عدة لذلك "و" في مثل "قاوم" يعني لم يعل قاوم إما لوجود مانع الإعلال؛ لأنه لو حذفت الواو وإما ابتداء أو بعد قبلها ألفا التبس بقام، وإما لعدم موجبه؛ لأنها لا يمكن قبلها ياء لعدم انكسار ما قبلها "قواما" مصدر لم يعل اتباعا لفعله وهو قاوم مع أن هذا اللفظ يعل إذا وقع مصدر القام اتباعا له فيقال قياما كما مر "ومداريته" أي مدارية إعلال الفعل وجودا وعدما لإعلال المصدر "تدل على أصالته" أي الفعل لكون المدار متبوعا، وأنت تعلم أن الأصالة في الإعلال لا تدل على الأصالة في الاشتقاق وأيضا إن قوله ففي بعد عدة ويوجيل وجلا يدل على أن المضارع أصل المصدر مشتق منه بالذات، وقوله: وفي قام قياما وقاوم قواما يدل على أن الماضي أصل والمصدر مشتق منه بالذات فاضطربت مقالتهم، وأيضا إن هذا الاستدلال من قبيل إثبات القاعدة بالأمثلة وهو غير جائز نعم تثبت القاعدة بها إذا كان بالاستقراء التام وها هنا ممنوع، وأيضا أن مثل عدة لا يكون إعلاله بمجرد اتباع الفعل، بل بشرطين حتى لا يعل الوعدة والوعد بفتح الواو فيهما مع أن فعلهما وهو يعد كما حققته، وأيضا إن رمى فعل يعل بقلب الياء ألفا ورميا مصدر لا يعل، وأن اعشو شب فعل لا يعل واعشيشا بالمصدر يعديعل بقلب الواو ياء فانتفت دلالة مدارية إعلال الفعل لإعلال المصدر وجودا وعدما "وأيضا" ينبغي أن يكون الفعل أصل لأنه "يؤكد الفعل به" أي بالمصدر "نحو ضربت ضربا" فضربا يؤكد ضربت تأكيدا اسميا لا صناعيا؛ لأنه لم يعهد في العربية أن المصدر تأكيد لفظي أو معنى وأيضا التأكيد الصناعي من التوابع وهي معرفة بأنها الكلمات التي لا يمسها الإعرب إلا على سبيل التبع لغيرها، وإعراب المصدر ليس على سبيل التبع للغير؛ لأنه من المفاعيل وإعرابها أصلي لا تبعي، وأيضا الواقع في محل المعرب الجملة الفعلية لا الفعل المؤكد بالمصدر وحده، وكل ذلك ظاهر ولما لم يكن ضربا في ضربت ضربا من التوكيد الصناعية كان في تأكيد الفعل نوع خفاء بالنسبة إلى بعض الأذهان فشبهوا بالتأكيد اللفظي الصناعي توضيحا فقالوا:
[شرح ديكنقوز]
"وهو" أي هذا التركيب "بمنزلة ضربت ضربت" بتكرير الفعل لأن معنى التركيبين واحد فيكون ضربا مؤكدا لضربت تأكيدا لفظيا، كما كان ضربت الثاني مؤكدا له كذلك "والمؤكد" بفتح الكاف "أصل" لأنه متبوع "دون المؤكد" بكسر الكاف لأنه تابع "وأيضا يقال له" أي للمصدر اسم هو "مصدر لكونه" أي المصدر "مصدورا به" ومخرجا "عن الفعل" وله نظائر في كلامهم "كما قالوا" في الماء "مشرب عذب" أي لذيذ "و" في الفرس "مركب فاره" أي حاذق في المشي لا يتعب راكبه "أي" مرادهم بمشرب "مشروب ومركوب قلنا" معاشر البصريين "في جوابهم" أي في الجواب عن متمسك الكوفيين الأول الذي هو العمدة "إعلال المصدر" إذا أعل فعله إنما هو "للمشاكلة" أي الموافقة والاطراد في الإعلال بسبب المناسبة بينهما في اللفظ والمعنى "لا للمدارية" ولهذا قد يعل كل منهما بدون إعلال الآخر نحو رمى رميا واعشوشب اعشيشابا، فلا تدل الأصالة في الإعلال على الأصالة في الاشتقاق "كحذف الواو في تعد" أصلة توعد فإنه لمشاكلة يعد "و" حذف "الهمزة في يكرم" فإنه لمشاكلة أكرم فكما أن الحذف للمشاكلة لا يدل على الأصالة في الاشتقاق، فكذا الإعلال للمشاكلة لا يدل على الأصالة فيه وقلنا أيضا في الجواب عن متمسكهم الثاني لا نسلم أن ضربت ضربا بمنزلة ضربت ضربت، بل هو بمنزلة أحدثت ضربا ضربا؛ لأن المراد بتأكيد المصدر الذي هو مضمون الفعل بلا زيادة شيء عليه من وصف أو عدد وهو في الحقيقة تأكيد لذلك المصدر المضمون لكنهم سموه تأكيد الفعل توسعا فقولك ضربت بمعنى أحدثت ضربا فلما ذكرت بعده ضربا صار بمنزلة قولك أحدثت ضربا ضربا فظهر أنه تأكيد للمصدر المضمون وحده لا للأخبار والزمان اللذين تضمنهما الفعل فلم يقع المصدر تأكيد الفعل "و" لئن سلمنا أنه بمنزلة ضربت ضربت، وأن المصدر وقع تأكيدا للفعل فنقول "المؤكدية" بفتح الكاف لا تدل على الأصالة في الاشتقاق بل "تدل عليها" في الإعراب "كما في جاءني زيد زيد" فإن الأول أصل اللثاني في الإعراب مع أنه
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"وهو بمنزلة ضربت ضربت" أي في مجرد كون الثاني تأكيد اللأول "والمؤكد" بفتح الكاف "أصل" لكون معناه مقصود بالذات في الكلام "دون المؤكد" بكسر الكاف لكون معناه مقصودا لأجل المؤكد فيكون الفعل أصلا هذا الذي قررناه ما أراده الكوفيون، لكن المصنف غفل عن مرادهم حيث قال في الجواب، بل في الإعراب وتبعه الشراح فحملوا التأكيد على اللفظي فلن يفيد بعضهم بعضا إلا غرورا "وأيضا يقال له مصدر لكونه مصدورا به عن الفعل" فيكون الفعل مصدرا والمصدر مفعولا فيكون الفعل أصلا "كما قالوا مشرب عذب" أي ماء طيب لذيذ "ومركب فاره" أي جيد السير لا تعب راكبه "أي مشروب" عذب "ومركوب" فاره وأيضا قالوا المصدر مفعل بمعنى المصدور نحو قعدت مقعد أي قعودا، والمصدر بمعنى الفاعل أي صادر عن الفعل كالعدل بمعنى العادل وجوابه المنع، وأيضا استدلوا عليها بعمل الفعل في المصدر نحو لعدت قعودا؛ لأن العامل قبل المعمول وهو مغالطة؛ لأن العامل قبل المعمول بمعنى أن الأصل في وقت العمل أن يتقدم لفظ العامل على لفظ المعمول والنزاع في أن وضعه غير مقدم على وضع الفعل فأين أحد التقدمين من الآخر، وإذ قال علمت مذهبي الفريقين في الأصالة في الاشتقاق فاعلم أن الحد التام للمصدر عند البصريين هو اسم الحدث الذي يشتق منه الفعل وعند الكوفيين اسم الحدث الذي يستق من الفعل "قلنا في جوابهم" عن أدلتهم بأسرها أما عن الأول فهو أن "إعلال المصدر" أي عند إعلال الفعل هذا القول إلى قوله سال الميزاب مقول قلنا فيليتقابل الجمعان "للمشاكلة" وهي الموافقة أي ليكون المصدر موافقا ومطردا لفعله في الحذف والإعلال "لا للمدارية" حتى تدل على الأصالة "كحذف الواو في تعد" بنقطتين من فوق وباقي صيغ المضارع التي لا يقع الواو فيها بين ياء وكسرة موافقة ليعد أي لئلا يختلف بناء المضارع بل يجري على وتيرة واحدة وإن لم يوجد موجب الحذف "و" كحذف "الهمزة في يكرم" بنقطتين من تحت وباقي صيغ المضارع سوى أكرم وسائر متصرفاتها من الفاعل والمفعول وغيرهما وإن لم يوجد فيها علة الحذف وهي اجتماع المزتين موافقة لأكرم أي ليطرد الباب.
اعلم أن حاصل هذا الجواب منع مدارية إعلال الفعل لإعلال المصدر وجودا فكأنه قال: إنا لا نسلم أن إعلال الفعل للمدارية لم لا يجوز أن يكون للمشاكلة كحذف الواو في تعد فلا يتوجه أن يقال: إن قوله إعلال المصدر للمشاكلة للمدارية دعوى بلا دليل ولما كان مدار الاستدلال على المدارية وجودا وعدما معا اكتفى بمنع الأول ولم يتعرض لمنع الشق الثاني وقد منعناه أيضا فتذكر "و" أما عن الثاني فهو أن "المؤكدية" بفتح الكاف "لا تدل على الأصالة في الاشتقاق" والكلام فيه "بل" تدل على الأصالة "في الإعراب كما في جاءني زيد زيد" يعني كما أن زيد الأول مؤكد وأصل في الإعراب بالنسبة إلى زيد الثاني لا في الاشتقاق؛ لأنه من الجوامد كذلك الفعل في مثل ضربت ضربا أصل بالنسة إلى المصدر في الإعراب لا في الاشتقاق وأنت تعلم أن هذا الجواب إنما يصح أن لو حمل التأكيد على اللفظي الصناعي وقد عرفت فساده مما قررناه سابقا من الأدلة الدالة على أن مراد الكوفيين من التأكيد هو الاسمي لا الصناعي، فلا يلزم من كون اللفظ الأول أصلا بالنسبة إلى الثاني في الإعراب كونه كذلك في الأول، وأيضا إنا لا نجد في ضربت إعرابا أصليا يتبعه إعراب ضربا هذا.
ونحن نستعين بالله ونقول باستعانة الله الجواب الصحيح أن يقال المؤكدية بالمعنى الذي أرادوه لا تدل على الأصالة في الاشتقاق، بل في عرض
[شرح ديكنقوز]
ليس بمشتق منه وإلا لزم اشتقاق الشيء من نفسه، وكلامنا في الأصالة في الاشتقاق ولا محذور في أن يكون الشيء متقدما على شيء في الاشتقاق، وأصلا له فيه، ومتأخرا عنه في الإعلال، وفرعا عليه فيه للمشاكلة، كما أن الاسم أصل في الإعراب للفعل وفرع عليه في العمل كما يجيء إن شاء الله تعالى، "و" قلنا في الجواب عن متمسكهم الثالث "قولهم مشرب عذب ومركب فاره" ليس بحقيقة في معنى المشروب والمركوب اتفاقا بأن وضع لفظ المشرب بمعنى المشروب ولفظ المركب بمعنى المركوب فيكون لفظ المشرب مراد، فاللفظ المشروب ولفظ المركب مراد، فاللفظ المركوب حتى يكون لفظ المصدر أيضا حقيقة في معنى المصدور ومراد فاللفظ المصدور به بل يكون ذلك "من باب جرى النهر وسال الميزاب" فكما أن هذا من المجاز إما من المجاز اللغوي بأن أطلق اسم المحل الذي هو النهر والميزاب على الحال الذي هو الماء؛ لأن الجاري والسائل هو الماء لا النهر والميزاب، أو من المجاز العقلي بأن أريد بالنهر والميزاب معناهما الحقيقي وأسند إليهما الجريان والسيلان مجازا لملابستهما لما هما له أعني الماء، كذلك قولهم مشرب عذب ومركب فاره من المجاز أيضا ما في المفرد بأن يطلق اسم المحل الذي هو المشرب والمركب على الحال الذي هو الماء والفرس، وإما في النسبة بأن يراد بالمشرب والمركب معناهما الحقيقي وينسب إليهما العذوبة والفراهة مجازا لملابستهما لما هما له أعني الماء والفرس.
وحاصل الجواب أن قياسهم لفظ المصدر على لفظ المشرب والمركب فاسد، أما على تقدير كون المجاز في النسبة فلأن المشرب والمركب حينئذ على معناهما الحقيقي الذي هو محل الشرب محل الركوب فيكون معنى لفظ المصدر قياسا عليهما محل الصدور وهو عليهم لا لهم، وأما على تقدير كون المجاز في المفرد فلأنه لا يلزم من كون اللفظ مستعملا في معنى مجازي على سبيل القطع كون لفظ آخر موازنا له مستعملا في مثل ذلك المعنى على سبيل القطع، بل غايته أن يحتمل استعماله فيه فبمجرد احتمال أن يكون لفظ المصدر مستعملا في معنى المصدور به مجازا مع قيام احتمال أن لا يكون مستعملا فيه، بل مستعملا في معناه الحقيقي الذي هو محل الصدور مع أن الحقيقة أصل والمجاز خلافه لا حجة فيه للكوفيين على أن تشبيه كون المصدر بمعنى المصدور به يكون المشرب بمعنى المشروب والمركوب تشبيه بغير جامع؛ إذ المشرب على المشروب والمركب على المركوب والمصدر لازم فلا يمكن أن يذكر لفظ المصدر ويراد به المصدور به؛ إذ لا دلالة للمصدر على المصدور به على الصادر ولذلك تكلفوا وقالوا في الاستدلال على أصالة الفعل أن المصدر مفعل بمعنى المصدر، أي الصدور نحو قعدت مقعدا حسنا أي قعودا، والمصدر الذي هو لفظ المصدر بمعنى الفاعل أي صادر عن الفاعل كالعدل بمعنى العادل، واستدلوا أيضا بعمل الفعل في المصدر نحو قعدت قعودا والعامل قبل المعمول وهو مغالطة؛ لأنه قبله بمعنى أن الأصل في وقت العمل أن يتقدم لفظ العامل على لفظ المعمول
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
المتكلم في نظم الكلام فهو أمر قد يتبدل عن تبدل الأغراض، كما إذا قلت: زيد قائم لا قاعدا كان قائم مؤكدا وأصلا ولا قاعد مؤكدا وفرعا، فإذا عكست وقلت: زيد لا قاعد بل قائم، صار الأصل فرعا والفرع أصلا، وأمثال ذلك كثيرة والأصالة في الاشتقاق أمر لا يتبدل، وكل ذلك ظاهر بصواب التأمل وأيضا نقول ضربا في ضربت ضربا لا يؤكد الفعل بل المصدر الذي في ضمن الفعل، قال الفاضل الرضى وهو يعني ضربا في ضربت ضربا في الحقيقة تأكيدا للمصدر المضمون لكنهم سموها تأكيدا للفعل توسعا، فقولك: ضربت بمعنى أحدثت ضربا فلما ذكرت بعده ضربا صار بمنزلة قولك: أحدثت ضربا ضربا فظهر أنه تأكيد للمصدر المضمون وحده لا للأخبار والزمان اللذين تضمنهما الفعل.
ا. هـ. وإذا لم يكن الفعل مؤكدا بالمصدر في الحقيقة لم يكن له أصالة بالنسبة إلى المصدر أصلا فضلا عن الأصالة في الاشتقاق "و" أما عن الثالث فهو أن "قولهم مشرب عذب ومركب فاره من باب جرى النهر وسال الميزاب" أي من باب المجاز الذي هو كر المحل وإرادة الحال لا من قبيل ذكر المصدر وإرادة المفعول كما ذكرتم، يعني أن مشربا ومركبا اسما مكان يراد بهما ما حل في ذلك المكان فيراد من مشرب ماء حل فيه ومن مركب فرس حل فيه فمعنى مشرب عذب ماء عذب ومعنى مركب فاره فرس فاره، كما أن النهر موضع يراد به ما حل فيه وهو الماء، فيكون معنى جرى النهر جرى الماء فيه.
فحاصل الجواب أنا لا نسلم أن مشربا ومركبا مصدران بمعنى مشروب ومركوب حتى يكون لفظ المصدر بمعنى المصدور، وأيضا لم لا يجوز أن يكونا من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال كما في جرى النهر وسال الميزاب باعتبار كونهما اسمي مكان.
وأقول المشرب يكون مصدرا ميميا واسم مكان فكلا المعنيين سائغ، لكن ما قاله الكوفيون شائع، وأما المركب فهو لا يكون إلا مصدر بمعنى المفعول حتى كان كأنه اسم لما يركب فلا يكون من باب جرى النهر.
والأولى في الجواب أن يقال لا يلزم من كون المشرب والمركب بمعنى المشروب والمركوب كون لفظ المصدر بمعنى المصدور بمجرد كونه موازنا لهما وهو ظاهر بل لا يلزم كونهما بمعنى المفعول في هذين الاستعمال؛ لجواز أن يقال هو ماء سهل المشرب بمعنى الشرب مع أن لا نسلم ذلك في هذين الاستعمالين، وأيضا يجوز أن يكون من باب جرى النهر.
ولما ذكر المصنف أن الصراف يحتاج في معرفة الأوزان إلى معرفة اشتقاق تسعة أشياء من كل مصدر وجب عليه أمران بيان أصالة المصدر في الاشتقاق وبيان صيغ المصادر وأقسامها فلما فرغ من الأول شرع في الثاني فقال:
[شرح ديكنقوز]
والنزاع في أن وضعه غير مقدم على وضع الفعل فأين أحد المتقدمين من الآخر، وأيضا ينتقض نحو ضربت زيدا وبزيد ولم يضرب، فإنه لا دليل فيها على أن وضع العامل قبل وضع المعمول ولما بين أصالة المصدر وزيف أدلة المخالف جرى في ذكر الأوزان على تقديم الأصل فقال "ومصدر الثلاثي كثير" مختلف فيه "وعند سيبويه" أي ما ذكره سيبويه منه "يرتقي إلى اثنين وثلاثين بابا" أي بناء وضبطه أن تقول عينه إما ساكن أو متحرك، فإن كان ساكنا فأما أن يكون بزيادة شيء أو لم يكن، فإن لم يكن بزيادة شيء فالفاء منه إما مفتوح أو مكسور أو مضموم "نحو قتل وفسق وشغل" وإن كان بزيادة شيء فتلك الزيادة إما تاء أو ألف أو ألف ونون وعلى التقادير فالفاء إما مفتوح أو مكسور أو مضموم، فالحاصل من ضرب الثلاثة في الثلاثة تسعة وهي نحو "رحمة ونشدة وكدرة ودعوى وذكرى وبشرى وليان وحرمان وغفران و" أردف ذلك بقوله "نزوان" لأن المصدر المتحرك العين مزيدا في آخره ألف ونون لم يجئ إلا على هذا البناء فذكره هنا للمناسبة مع ليان في فتح الفاء وزيادة الألف والنون هذا إذا كان العين ساكنا، وإن كان متحركا فأما أن يكون بزيادة شيء أولا فإن كان الثاني فالفاء إما مفتوح أو مكسور أو مضموم فإن كان مفتوحا فعينه إما مفتوح "و" ذلك نحو "طلب" ومكسور "و" ذلك نحو "خنق" ولم يجئ مضموم العين منه بالاستقراء "و" إن كان مسكورا فهو مفتوح العين ليس إلا لكراهة توالي الكسرتين أو لكراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو "صغرو" إن كان مضموما فهو مفتوح العين أيضا ليس إلا لكراهة توالي الضمتين أو لكراهة الانتقال من الضمة إلى الكسرة نحو "هدى" وإن كان الأول فالزيادة فيه إما أن تكون تاء التأنيث فقط أو لا، فعلى الأول فالفاء إما مفتوح أو مكسور أو مضموم بحسب القسمة لكن لم يجئ منه إلا مفتوح الفاء بالاستقراء "و" عينه إما مفتوح نحو "غلبة" أو مكسور "و" ذلك نحو "سرقة" ولم يجئ منه مضموم العين بالاستقراء وعلى الثاني فإما معها زيادة أخرى أو لا، فإن لم تكن فالفاء إما مفتوح "و" ذلك نحو "ذهاب" أو مكسور "و" ذلك نحو "صراف" أو مضموم "و" ذلك نحو "سؤال" وإن كان معها زيادة أخرى فتلك الزيادة إما تاء فقط أو التاء والياء فإن كانت التاء فقط فالفاء إما مفتوح "و" ذلك نحو "زهادة" أو مكسور "و" ذلك نحو "دراية" أو مضموم كبغاية ودعابة ولم يذكره سيبويه لقلته
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"ومصدر الثلاثي" أي المجرد "كثير" أي سماعي لا ضبط له وأما مصدر غير الثلاثي المجرد فله ضبط وقياس سنبينه إن شاء الله تعالى، وقوله: "وعند سيبويه يرتقي" ذلك المصدر "إلى اثنين وثلاثين بابا" أي وزنا مستثنى في المعنى من قوله كثير فكأنه قال: ومصدر الثلاثي المجرد سماعي لا ضبطه ولا ترتقي أوزانه إلى عدد معين عند جميع الصرفيين إلا عند سيبويه فإن ما ذكره نوع من الضبط قيل إن المصادر الثلاثية عند سيبويه أربعة وثلاثون بابا المذكورة وبغاية وكراهية، لكن تركهما المصنف لقلتهما ووجه الضبط أن المصدر عنيه إما ساكن أو متحرك والساكن إما أن لا يزاد فيه شيء أو يزاد تاء التأنيث أو ألف التأنيث أو الألف والنون المشبهتان بهما، وعلى التقادير الأربعة إما مفتوح الفاء أو مكسوره أو مضمومه فما حصل من ضرب الأربعة في الثلاثة الذي هو اثني عشر مذكور على الترتيب المذكور "نحو قتل" من باب الأول "وفسق" من باب الأول "وشغل" من باب الثالث "ورحمة" من باب الرابع "ونشدة" من باب الأول يقال نشد "الضالة أي طلبها "وكدرة من باب الرابع الكدرة ضد الصفو "ودعوى" من باب الأول "وذكرى" من باب الأول وهو ضد النسيان "وبشرى" من باب الأول وهي البشارة "وليان" من باب الثاني مصدر لوى يلوى أصله لويان قلبت الواو ياء وأدغم لاجتماعهما وسبق حداهما بالسكون يقال لوى الحبل أي فتله "وحرمان" مصدر بمعنى منع "وغفران" وهما من باب الثاني وأردف بقوله "وتروان" في باب ذلك الأول بفتحات مصدر نزا بمعنى وثب؛ لأن المصدر المتحرك العين زيد في آخره ألف ونون لم يجئ إلا هذا البناء فذكره هنا للمناسبة مع ليان هذا إذا كان العين ساكنا "و" أما إذا كان متحركات فهو إما مفتوح ولا يزاد فيه شيء فهو إما مفتوح الفاء نحو "طلب" من باب الأول "و" إما مكسورة نحو "صغر" من باب الخامس "و" أما مضمومه نحو "هدى" من باب الثاني "و" إما مكسوره ولا يزاد فيه شيء ولم يجئ منه غير مفتوح الفاء نحو "خنق" من باب الأول، والمصنف قدمه على صغر وهدى لقلة وقوعهما، وإما مضموم ولا يزاد فيه شيء ولم يجئ منه شيء هذا إذا كان العين متحركات ولم يزد فيه شيء "و" أما إذا كان متحركا وزيد فيه شيء، فالعين فيه حينئذ ما مفتوح ويزاد فيه التاء ولم يجئ منه أيضا غير مفتوح الفاء نحو "غلبة" من باب الثاني "و" إما مكسور ويزاد فيه التاء ولم يجئ منه غير مفتوح الفاء نحو "سرقة" من باب الثاني "و" إما مفتوح يزاد فيه الألف هو إما مفتوح الفاء نحو "ذهاب" من باب الثالث "و" إما مكسورة نحو "صراف" من باب الثاني "و" إما مضمومه نحو "سؤال" من باب الثالث "و" إما مفتوح ويزاد فيه الألف والتاء وهو أيضا إما مفتوح الفاء نحو "زهادة" من باب الرابع وهو الزهد وهو ضد الرغبة "و" إما مكسوره نحو "دراية" من باب الثاني ولم يجئ مضمومه.
[شرح ديكنقوز]
وإن كانت التاء والياء فالفاء مفتوح لا غير بالاستقراء نحو كراهية ولم يذكره أيضا لقلته هذا إذا كانت المدة الألف وإن كانت الواو فإما معها زيادة أخرى أولا فإن لم يكن فالفاء إما مضموم "و" ذلك نحو "دخول" أو مفتوح "و" ذلك نحو "قبول" وأخر مفتوح الفاء لقلته حتى لم يسمع له ثان، ولم يجئ منه مكسور الفاء لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمة وإن كانت معها زيادة فتلك الزيادة هي التاء بالاستقراء، ولم يجئ منه إلا مضموم العين كصهوبة وإن كانت المدة، فلم يجئ مما يقتضيه القسمة إلا مفتوح الفاء من غير زيادة شيء آخر "و" ذلك نحو "وجيف" وإنما أخر نحو "صهوبة" مع أن المناسب ذكره مع دخول إذ هو مما فيه المدة واو نظرا إلى قلته بالنسبة إلى المتقدم ونظرا إلى أن معه زيادة أخر.
والحاصل أن لو جيف مناسبة لدخول من جهة عدم الزيادة على المدة وأن لصهوبة مناسبة له من حيث إن المدة واو ورجح وجيف بالكسرة بالنسبة إلى صهوبة وقدم "و" إن كان فيه مكسور نحو "مدخل ومرجح" على الشذوذ وإما مصموم العين منه نحو مكرم ومعون فنادر ولذا لم يذكره حتى جعلهما الفراء جمعين لمكرمة ومعونة اسمين على حد تمرة وتمر استبعاد المجيء المصدر على هذا الوزن وعلى الأول فتلك الزيادة هي التاء لا غير بحكم الاستقراء "و" العين إما مفتوح نحو "مسعاة" أو مكسور "و" ذلك نحو "محمدة" وهو شاذ وإنما ذكر المصدر الميمي مع غير الميمي، مع أن الأول قياسي والثاني سماعي نظرا إلى أن الميمي أيضا مرتبة من مراتب الاختلاف وإن كان قياسيا في نفسه؛ إذ المقصود بيان اختلاف أبنية مصادر الثلاثي المجرد كما أشرنا إليه مع أنه لم يترك الإشارة إلى أنه ليس مثله حيث ذكره بعده ولم يخلط به "ويجيء" المصدر "على وزن اسمي الفاعل والمفعول" إلا أنه مجيئه على وزن اسم الفاعل أقل من مجيئه على وزن اسم المفعول، فالأول "نحو قمت قائما" أي قياما وقوله ولا خارجا من في زور كلام أي خروجا، وقوله: كفى بالنأى من أسماء كاف.
أي كفاية ومنه أفضل فاضلة أي إفضالا وعافاه الله عافية أي معافاة وعقب فلان مكان أبيه عاقبة أي عقبا وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي بقاء وقوله تعالى:
﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي كذب والدالة أي الدلال بمعنى الغنج "و" الثاني "نحو قوله تعالى: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ " أي الفتنة إذا كان الباء غير زائد، وأما إذا كان زائدا فهو بمعنى المفعول ونحو قولهم: دعه إلى ميسوره أو إلى معسوره أي إلى يسره وإلى عسره والمرفوع والموضوع والمعقول والمجلود بمعنى الرفع والوضع والعقل والجلادة ومنه المكروهة والمصدوقة والمخلوف أي الكراهة والصدق والخلف.
واعلم أن استعمال وزني اسم الفاعل والمفعول في معنى المصدر بالاشتراك فهما فيه حقيقة كما يفصح عنه قوله ويجيء على وزن إلخ، وإلا فالواجب أن يقول ويستعمل في معنى اسم الفاعل إلخ، ولذلك قصر على السماع بخلاف استعمال وزن المصدر في معنى الفاعل والمفعول في نحو رجل عدل بمعنى عادل ونسج اليمن بمعنى منسوجه فإنه مجاز، ولذلك لا يقصر على
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"و" إما مضموم ويزاد فيه الواو أو هو أيضا إما مضموم نحو "دخول" من باب الأول "و" إما مفتوح الفاء نحو "قبول" من باب الرابع أخره لقلته، ولم يجئ منه مكسوره "و" إما مكسوره ويزاد فيه الياء، ولم يجئ منه غير مفتوح الفاء نحو وجيف من باب الثاني مصدر وجف بمعنى اضطرب "و" إما مضموم يزاد فيه الواو والتاء، ولم يجئ منه غير مضموم الفاء نحو "صهوبة" من باب الخامس وهي الحمرة في شعر الرأس "و" إما مفتوح ويزاد فيه الميم، ولم يجئ منه أيضا غير مفتوح الميم نحو "مدخل" من باب الأول "و" إما مكسور ويزاد فيه الميم، ولم يجئ منه أيضا غير مفتوح الميم نحو "مرجع" من باب الثاني "و" إما مكسور ويزاد فيه الميم والتاء، ولم يجئ منه غير مفتوح الميم نحو "مسعاة" من باب الثالث من السعي أصله مسعية قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
قال في مختار الصحاح: المسعاة واحدة المساعي في الكرم والجود "و" إما مكسور ويزاد فيه الميم والتاء، ولم يجئ منه غير مفتوح الميم نحو "محمدة" من باب الرابع "ويجيء المصدر" من الثلاثي المجرد "على وزن اسم الفاعل و" على وزن اسم "المفعول" أي يتحد وزنه ووزنها وإن كان مصدرا حقيقة "نحو قمت قائما" فقائما مصدر بمعنى قيام وإن كان وزنه وزن اسم الفاعل لا أنه فاعل حقيقة يراد به معنى المصدر كما يذكر المصدر ويراد به الفاعل نحو رجل عدل أي عادل، "ونحو قوله تعالى: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ " فالمفتون مصدر بمعنى الفتنة على تقدير عدم زيادة التاء، وإن كان وزنه وزن المفعول لا أنه مفعول حقيقة يراد به معنى المصدر، كما يذكر ويراد به المفعول نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي مخلوقه هذا عند غير سيبويه، وأما هو فلم يجوز مجيء المصدر بوزن المفعول، قال في مختار الصحاح: المفتون الفتنة وهو مصدر كالمعقول والمخلوق، وقال: المعقول مصدر عقل، وقال سيبويه: هو صفة وقال: إن المصدر لا يأتي على وزن مفعول ألبتة.
ا. هـ. ومنهم من ظن وبعض الظن إثم أن معنى قوله: ويجيء المصدر على وزن اسم الفاعل والمفعول أن الفاعل والمفعول يذكران ويراد بهما المصدر كما يذكر ويراد به الفاعل والمفعول كما في رجل عدل أي عادل وهذا خلق الله أي مخلوقه، وأنت خبير بأن هذا المعنى لا يفهم من عبارة الكتاب وأنه لا يناسب المقام مع أن المثال المذكور خلاف ما ثبت في اللغة على ظنهم ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت
[شرح ديكنقوز]
استعمال السماع، بل يجوز كل مصدر في معنى اسم الفاعل واسم المفعول إذا قصد فائدة المجاز "ويجيء" المصدر أيضا "للمبالغة" في الفعل والتكثير فيه قياسا مطردا عند سيبويه من الثلاثي المجرد وعند الزمخشري قياسا مطردا في الثلاثي وغيره؛ لأنه قال حين سئل عنه هذا الباب كثير الاستعمال فينبغي أن يكون قياسا ولذلك ذكر في الأمثلة الرميا، وقال: هي الرمي الكثير وهو على ضربين أحدهما التفعال بفتح التاء وسكون الفاء "نحو التهذار" بمعنى الهذر الكثير "والتلعاب" بمعنى اللعب الكثير والترداد والتجوال والتقتال والتسيار للمبالغة للرد والجولان والقتل والسير وثانيهما الفعيلي بكسر الفاء والعين وبتشديده وفتح اللام نحو الحثيثي بمعنى الحث الكثير "والدليلي" بمعنى كثرة العلم بالدلالة والرسوخ فيها والفتيتي بمعنى كثرة النميمة.
ولما فرغ من المصدر الثلاث شرع في مصدر غير الثلاثي فقال: "ومصدر" كل واحد من أبواب "غير الثلاثي" رباعيا مجردا كان أو مزيدا فيه أو ثلاثيا مزيدا فيه وسواء كان المصدر ميميا أو غير ميمي "يجيء على سنن" أي طريق "واحد" على حدة ولم يبين أبنية مصادر تلك الأبواب اعتمادا على أساميها في غير الرباعي المجرد وأما فيه فطردا للباب "إلا في كلم" يجيء المصدر "كلاما" على وزن فعالا بكسر الفاء وبتشديد العين على لغة أهل اليمن فإنه قياس لغتهم ولذلك شاع واطرد فعال بمعنى التفعيل في كلام الفصحاء، وفي التنزيل ﴿وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ "و" إلا "في قاتل" يجيء "قتالا" بكسر القاف وتخفيف العين "وقيتالا" بالياء على لغة من قال في كلم كلاما فإنه أيضا قياس لغتهم، قال سيبويه في قتال: كأنهم حذفوا الياء التي جاء به أولئك في قيتال، ولذلك قيل إن قتالا فرع قيتالا من حيث إن حروف الفعل ثابتة فيه إلا أن الألف قلبت ياء لانكسار ما قبلها وعكس السكاكي حيث جعل الياء إشباع كسرة الفاء "و" ألا يجيء "في تحمل تحمالا" بكسر التاء والحاء وتشديد الميم فيمن قال كلاما فإنه قياس لغتهم أيضا؛ لأنه كسر الأول وزيد قبل الآخر ألف "و" إلا "في ززلزل" يجيء "زلزالا" بفتح الأول فإنه يجوز في مصدر مضاعف الرباعي المجرد فتح الأول وكسره قياسا مطردا لثقل المضاعف بخلاف صحيحه فإنه بالكسر لا غير، إلا أن الكسر أفصح؛ لأنه أصل.
ولما فرغ من بيان أبنية الأصل الذي هو المصدر شرع في بيان أبنية الفرع الذي هو الفعل فقال "الأفعال التي تشتق" على صيغة المبني للمفعول أي تؤخذ "من المصدر" وتستعمل مبنية للفاعل ومبنية للمفعول إما بنفسها أو بزيادة حرف الجر، وإنما لم يقل على مذهب البصريين؛ إشارة إلى أنه الحق فكأنه لا خلاف فيه كما ذكرنا وإنما
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"ويجيء" المصدر "للمبالغة" في الفعل والكثرة فيه على وزن التفعال بفتح الأول وسكون الثاني "نحو التهذار" مبالغة الهذر وهو الهذيان "والتلعاب" أي اللعب الكثير، وكذا الترداد والتجوال بمعنى الرد والجولان، وكذا التعداد والتذكار والتكرار، وأما التبيان والتلقاء بكسر التاء فيهما فشاذان من هذا الوزن كما صرحوا به "و" على وزن فعيلي بكسرتين وتشديد العين "نحو الحثيثي" بكسرتين أي الحث الكثير من الجانبين "والدليلي" مبالغة الدليل، وكذا الرميا تقول كان بينهم رميا أي الترامي الكثير من الجانبين، "والخليفي" قال عمرو رضي الله تعالى عنه زمن خلافته: لولا الخليفي لأذنت أي لولا كثرة الاشتغال بأمر الخلافة والذهول بسببها عن تفقد أوقات الأذان لأذنت، قيل: سئل الزمخشري أهو قياس أم سماعي؟ فقال: هذا الباب كثير الاستعمال فينبغي أن يكون قياسيا، قال سيبويه: أوزان المبالغة لا تجيء إلا من ثلاثي، وأما جمهور الصرفيين فقد جوزوا ذلك مطلقا قيل إن ذكر المصدر للمبالغة استطراد؛ لأن المراد بيان مصدر يشتق منه فعل مشتمل على معناه وزيادة كما يدل عليه السباق والسياق وهو ليس كذلك؛ لأنه ليس في فعله دلالة على هذا التكثير والمبالغة فافهم "ومصدر غير الثلاثي" المجرد "يجيء على سنن" أي طريق "واحد" يعني يجيء قياسا فلكل باب قياس على حدة فتقول مثلا: كل ما كان ماضيه على فعلل فمصدره على فعللة، وكل ما كان ماضه على فعل فأفعال، وكل ما كان ماضيه على فعل فتفعيل، وكل ما كان ماضيه على فاعله فمفاعلة وفعال، وكل ما كان ماضيه افتعل فافتعال وكل ما كان ماضيه فعل فافعلال، وكل ما كان ماضيه تفعل فتفعل، وكل ما كان ماضيه تفاعل فتفاعل، وكل ما كان ماضيه استفعل فاستفعال، وكل ما كان ماضيه افعوعل فافعيعال، وكل ما كان ماضيه أفعول فأفعوال، وكل ما كان ماضيه افعنلل فافعنلال، وكل ما كان ماضيه افعنلي فافعنلاء، وكل ما كان ماضيه تفعلل فتفعلل، وكل ما كان ماضيه افعلل فافعلال وفيه قياس واحد لجميع الرباعي والمزيد، لكن لا يليق بيانه بهذا المختصر "إلا في كلم" فإنه لا يجيء مصدره قياسا وهو تكليما بل بجيء "كلاما" بكسر الكاف وتشديد اللام "و" كذا "في قاتل قتالا وقيتالا" والقياس المشهور المقاتلة والمفهوم من عبارة الرضي أنهما قياسان أيضا حيث قال: وأما فعال في مصدر فاعل كقتال فهو مخفف القياس إذ أصله قيتالا "و" كذا "في تحمل تحمالا" بكسرتين وتشديد الميم والقياس تحملا "و" كذا "في زلزل زلزالا" بفتح الأول والقياس بكسره إلا أنهم جوزوا الفتح لثقل المضاعف.
ولما بين أن المصدر أصل في الاشتقاق وأن المصدر قسمان سماعي وقياسي، وبين السماعي والقياسي منه شرع في المقصود فقال "الأفعال التي تشتق من المصدر" كما هو المذهب.
[شرح ديكنقوز]
قيد بقولنا تستعمل احترازا عن باب فعل يفعل على صيغة المبني للمفعول فيهما؛ لأن المقصود من ذكر الأفعال بيان أحكامها.
ولما لم يختلف حكم هذا الباب بالمعلومية والمجهولية، بل كان مبينا للمفعول أبدا للعلم بفاعلها في غالب العادة أنه هو الله تعالى تركه المصنف، وأيضا لما كان المبني للمفعول فرعا للمبني للفاعل؛ لأن الأول معلوم للثاني والغرض ذكر الأصول تركه وقال "خمسة وثلاثون بابا ستة منها" كائنة "للثلاثي المجرد" وإلا فله سبعة قدم الثلاثي على الرباعي لتقدمه الطبيعي، ووجه ضبطه أن لماضيه ثلاثة أبنية أحدهما فعل يفعل؛ لأن أوله لا يكون إلا مفتوحا حالا لامتناع الابتداء بالسكون واستثقال الضمة والكسرة عليه، والثاني منه لا يكون إلا متحركا لاستلزام سكونه اختلاط الأبنية، وما قيل والالتقاء الساكنين عند اتصال الضمير المرفوع البارز المتحرك بالفعل فلا يخلو عن دور وحركاته لا تزيد على ثلاثة فإن كانت فتحة فلا يلخو من أن يكسر عين مضارعة أو يضم أو يفتح، وإن كانت كسرة فأما أن يفتح عين مضارعه أو يكسر وإن كانت ضمة فعين مضارعه لا يكون إلا مضموما لحصر بحسب الوقوع في ستة وهي "نحو ضرب يضرب" بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر "وقتل يقتل" بفتح العين في الماضي وضم عين المضارع "وعلم يعلم" يكسر العين في الماضي وفتحه في المستقبل "وفتح يفتح" بفتحه فيهما "وكرم يكرم" بضمه فيهما "وحسب يحسب" بكسره فيهما "وتسمى الثلاثة الأول دعائم الأبواب" جمع دعامه وهي عموم البيت أي أصولها "لاختلاف حركاتهن في عين الماضي والمستقبل" فكما أن معنى الماضي مخالف لمعنى المستقبل، كذلك ينبغي أن يكون لفظه مخالفا للفظه ليطابق اللفظ والمعنى في الاختلاف فلا شك أن ما وقع فيه المخالفة أصل بالنسبة إلى غيره "وكثرتهن" أي ولكثرة استعمالهن فإنها سبب لفصاحة الكلمة فيكون سببا لأصالتها ولذلك قدمها على الثلاثة الأخر، وأما تقديم بعض الأول على بعضها؛ فلأن الاختلاف في الأول أكثر؛ لأن مخالفة الفتح للكسر أكثر من مخالفة الفتح للضم؛ لأن الفتح علوي والكسر سفلي والضم بينهما يشهد به الوجدان؛ وأما تقديم الثاني على الثالث فلفتح عين ماضيه ومن قدم الثاني على الأول نظر إلى أن الضم علوي وأنه أقوى أو قصد التدريج في النزول من العلوي إلى السفلي الذي هو الأصل بخفته فهو أحق بالتقديم، وأما تقديم بعض الأخر على بعضها فلفتح عين الأول في الماضي والمضارع ولكثرة استعماله بالنسبة إلى الثاني، وأما الثاني فللنظر إلى أن الضم فوقي
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"خمسة وثلاثون بابا" باتفاق منهم بالاستقراء "ستة منها للثلاثي المجرد" والمراد عن الثلاثي المجرد ما كان ماضيه على ثلاثة أحرف أصول ووجا تقديمه على ما عداه ظاهر، ووجه الضبط فيها أنهم فتحوا أول الماضي للخفة ولامتناع الابتداء بالساكن ولا يشكل بالمجهول ولا بفعل مكسور الأول كشهد كعروض الضم والكسر فيهما ولأن الضم في المجهول للفرق واعتبر في العين ثلاث حركات؛ إذ لو كان ساكنا يلزم التقاء الساكنين عند اتصال الضمير المرفوع مثل ضربت ولم يعتبروا حركة اللام لكونها محل التغيير فكانت للماضي ثلاثة أبنية والتزموا سكون الفاء في المضارع فرارا من توالي الحركات الأربع كما سيأتي في فصله، واعتبروا في عينه أيضا ثلاث حركات؛ لأنه لو كان ساكنا يلزم التقاء الساكنين عند دخول الجوازم عليه مثل لم يضرب فضربوا الثلاثة في الثلاثة فحصل تسعة ثلاثة منها بفتح الأول مع الحركات الثلاث في الثاني وثلاثة بكسر الأول مع الحركات الثلاث في الثاني، لكن لم يعتبروا الكسر مع الضم؛ لأن الكسر مع الضم ثقيل فبقي اثنان وثلاثة بضم الأول مع الحركات الثلاث في الثاني، لكنهم لم يعتبروا الضم مع الكسر وكذا مع الفتح؛ لأن الضم معهما ثقيل فبقي واحد وهو الضم مع الضم فبقي من التسعة الستة، فإن قلت: الكسر مع الكسر وكذا الضم مع الضم ثقيل أيضا، قلت: ما كان الكسر مع الكسر من جنس واحد وكذا الضم مع الضم لم يكن ثقيلا؛ إذ الثقل في اختلافها فتدبر "نحو ضرب يضرب" على وزن فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر، وهو الباب الثاني لكن قدمه في الذكر لزيادة الاختلاف بين الفتح والكسر؛ لأن الأول علي والثاني سفلي والضم متوسط، وإنما استحق التقديم بزيادة اختلاف حركتها؛ لأنها تدل على زيادة اختلاف معناهما فيصير عريقا في كونه من الدعائم "وقتل يقتل" على وزن فعل يفعل بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر وهو الباب الأول "وعلم يعلم" على وزن فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر وهو الباب الرابع، "و" لكن قدمه على "فتح يفتح" على وزن فعل يفعل بفتح العين فيهما وهو الباب الثالث لدخوله في الدعائم "وكرم يكرم" على وزن فعل يفعل بضم العين فيهما وهو الباب الخامس "وحسب يحسب" على وزن فعل يفعل بكسر العين فيهما وهو الباب السادس "وسمى الثلاثة الأول" وهو الباب الثاني والأول والرابع دعائم "الأبواب" أي أصولها وهي جمع دعامة بالكسر، وهي عمود البيت "لاختلاف حركاتهن في عين الماضي والمستقبل" فإن قلت: لِمَ اشترط اختلاف حركة الماضي حركة المضارع في دعائم الأبواب؟ قلت: لأن معنى الماضي لما كان مخالفا لمعنى المستقبل اقتضى ذلك أن يكون لفظ الماضي مخالفا للفظ المستقبل؛ ليطابق اللفظ المعنى على ما هو الأصل في كلامهم "وكثرتهن" أي في الاستعمال فبهذين الشرطين معا يدخل الباب في الدعائم لا بواحد منهما
[شرح ديكنقوز]
وقوي وإلى أن استعماله أكثر بالنسبة إلى الثالث، وإنما لم يجئ من مكسور العين في الماضي مضموم العين في المضارع لئلا يتحرك حرف واحد بالأثقل بعد الثقيل، ولم يجئ من مضموم العين في الماضي مفتوح العين في المضارع لئلا يكون كالطفرة بسبب انتفاء التدريج في الانتقال من الأثقل إلى الأخف، ولا مكسور العين فيه لئلا يلزم الجمع بين الضم الثابت والكسر لا لضرورة.
ولما كان سبب دخول الأبواب الثلاثة الأول في الدعائم أمرين اختلاف الحركات وكثرة الاستعمال، وكان انتفاء أحدهما فقط كافيا في عدم الدخول فيها أشار إلى أن عدم دخول الثلاثة الأخر فيها إنما هو لانتفاء الأمرين معا في نفس الأمر، لا لانتفاء أحدهما فقط؛ إذ لو لم يتعرض لذلك لم يعلم أن عدم الدخول فيها في نفس الأمر لانتفاء أحدهما فقط أو لانتفائهما جميعا، ولما كان انتفاء الأمر الأول فيها ظاهرا اكتفى بذكره مرة في أولها وقال "وفتح يفتح لا يدخل في الدعائم لانعدام اختلاف الحركات في عين الماضي والمستقبل ولعدم مجيئه" أي مجيء باب فتح يفتح "بغير حرف الحلق" عينا أو لاما والتزموا فيه فتح العين في الماضي والمضارع؛ ليقاوم خفة فتحة العين ثقالة حرف الحلق، ولذلك لم يدخلوا الفاء في الترديد ولم يقولوا أو فاء لزوال ثقل الفاء بسكونه في المضارع، ولا يرد مثل دخل يدخل؛ لأنه دليل بعد الوقوع، ولما لم يجئ بغير حرف الحلق انعدم كثرة الاستعمال أيضا "وأما ركن يركن وأبى يأبى" بفتح العين في الماضي والمضارع فيهما من غير حرف الحلق هذا لف وقوله "فمن اللغات المتداخلة والشواذ" نشره على ترتيبه يعني أن ركن يركن بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر وركن يركن بكسرها في الماضي وفتحها في الغابر لغتان، فأخذ الماضي من الأولى والمضارع من الثاني فقيل ركن يكن بالفتح فيهما؛ لأنه من باب فتح يفتح فلا نقض، وعد الزمخشري ركن يركن من الشواذ وأبى يأبى من الشواذ الثابتة عن المواضع فهي في حكم المستثناة فكأنه قال القياس كذا إلا في هذه الصورة فلا نقض "وأما بقى يبقى وفنى يفنى وقلى يقلى" بفتح عين المضارع والمضارع في الكل من غير حرف الحلق "فلغات" قبيلة "طيء قد فروا" أي فارين "من الكسرة
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"وفتح يفتح لا يدخل في الدعائم" وكذا سائر ما يجيء من الباب الثالث "لانعدام اختلاف الحركات في الماضي والمستقبل والعدم" كثرة الاستعمال لانعدام "مجيئه بغير حرف الحلق" أما في عينه أو في لامه فيصير مقيد، أو المقيد أقل وجودا من المطلق فانتفى الشرطان معا وعدم دخوله في الدعائم، وإن كان معلوما بالالتزام عما قبلها من الشرطين لكنه صرح به تقريرا وتوضيحا وليترتب عليه قوله، وأما ركن يركن إلخ وحروف الحلق الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء وإنما فتحوا عين المضارع إذا كان عينه أو لامه حرفا من الحروف؛ لأنها ثقيلة فأعطوها وما قبلها الفتحة للخفة لامتناع السكون في عين المضارع كما مروا، إنما قلنا إذا كان عينه أو لامه؛ لأنه إذا وقع حرف منها فاء نحو أمر يأمر لم يلزم الفتح في مضارعه لسكون حرف اللحق فيه، والساكن لا يجب فتح ما بعده لضعفه بالسكوت، ولا يشكل بمثل يدخل؛ لأن المراد أن شرط الفتح أن يوجد في العين واللام حرف منها لا أن كل ما فيه حرف يكون مفتوحا.
فإن قلت: إن الألف من حروف الحلق أيضا باتفاق منهم فلِمَ لَمْ يعدوه ها هنا؟ قلت: الألف لا تخلو إما أن يقع عينا أو لاما وأيا ما كان لا يمكن فتح العين لأجله، أما إن وقع عينا فللزوم سكونه وأما إن وقع لاما فلأنه إما واو أو ياء في الأصل إذا الألف الأصلي لا يقع في لام الفعل بالاستقراء وإذا كان واوا أو ياء فقلبهما ألف يتوقف على فتح ما قبلها وهو العين فثبت أن فتح العين موجود قبل وجود الألف فلم يكن الفتح لأجل الألف وإلا يلزم الدور وهو المطلوب ثم إن هذا الفتح في العين لما وجد من غير شرط وهو وجود حرف الحلق كان شاذا، ولهذا حكموا بأن أبى يأبى شاذ كذا حققوه.
ولما توجه أن يقال إن عدم مجيء الباب الثالث بغير مجيء الباب الثالث بغير حرف الحلق مشكل بركن يركن وأبى يأبى؛ لأنهما من هذا الباب وليس فيهما حرف الحلق أجاب عنهما بقوله: "وأما ركن يركن وأبى يأبى فمن اللغات المتداخلة والشواذ" يعني أن المثال الأول من المتداخل، والمثال الثاني من الشواذ ففي الكلام لف ونشر مرتب، وقد عرفت آنفا معنى كونه شاذا، ومعنى تداخل اللغتين فيه أن ركن يركن أي مال يميل كنصر ينصر لغة، وركن يركن كعلم يعلم فيه لغة أيضا فأخذ الماضي من الأول والمضارع من الثاني، والمراد بالشاذ في استعمالهم ما يكون بخلاف القياس من غير نظر إلى قلة وجوده وكثرته كالقود.
والنادر ما قل وجوده وإن لم يكن بخلاف القياس، وما قيل من أن أبى بمعنى امتنع وهو فرع منع وفيه حرف حلق فحمل عليه فضعيف؛ لأن وجود حرف الحلق في لفظ معنى الكلمة لا يوجب ثقل تلك الكلمة على اللسان حتى يضطر إلى أن يحمل على فرعه ويفتح لأجله ما بعده.
ولما توجه الإشكال المذكور أيضا بالأمثلة التي ذكرها أجاب بقوله: "وأما بقى يبقى وفنى يفنى وقلى يقلى فلغات طيء" يعني أن بقي يبقى وفني يفنى من باب علم يعلم فعين ماضيهما مكسورة، وقلى يقلي من باب ضرب يضرب فعين مضارعه مكسورة لكن قبيلة طيء "قد فروا من الكسرة" أي من كسرة عين الماضي في الأول والثاني ومن كسرة عين المضارع في الثالث
[شرح ديكنقوز]
إلى الفتحة" يعني أن الأصل فيها كسر العين في الماضي فقلبوا الكسرة فتحة؛ لأن من القياس عندهم أن يقلبوا الكسرة التي قبل الياء فتحة ثم يقلبوا الياء ألفا للتخفيف "و" باب "كرم يكرم لا يدخل في الدعائم لانعدام اختلاف الحركات و" انعدام "كثرة الاستعمال؛ لأنه لا يجيء إلا من الطبائع" أي الأفعال الطبيعية أي الغريزية التي جبل أي خلق الفاعل عليها من غير اختيار منه كالحسن والكرم "و" إلا "من النعوت" أي الصفات اللازمة ولأجل أن هذا الباب للصفات اللازمة اختير للماضي والمضارع منه حركة لا تحصل إلا بلزوم إحدى الشفتين للأخرى وانضمامها بها أعني الضم رعاية للتناسب بين الألفاظ ومعانيها "و" باب "حسب يحسب لا يدخل في الدعائم" لانعدام الاختلاف و"لقلته" في الاستعمال فيه إشارة إلى أن قلة استعمال هذا الباب لذاته لا بسبب من الأسباب ولا بشرط من الشروط "وقد جاء فعل يفعل" بضم العين في الماضي وفتحها في الغابر "على لغة من قال كدت تكاد" أصلهما كودت تكود بضم الماضي وفتح المضارع "وهي شاذة" والقياس كدت تكاد بكسر الكاف في الماضي من باب علم "كفضل يفضل" بكسر العين في الماضي وضمها في المضارع "ودمت" بكسر الدال "تدوم" بضمها يعني كما أن فضل يفضل ودمت تدوم شاذان، والقياس فضل يفضل من باب نصر ودمت تدوم من باب حسن كذلك كدت تكاد شاذا، وقال الزمخشري ثالثها في المتداخلة فكأن المصنف لم يظفر بكدت تكود بالضم فيهما وفضل يفضل بالكسر في الماضي والفتح في الغابر وبدمت تدام بالكسر في الماضي والفتح في المضارع فحكم بشذوذها.
واعلم أن بعضهم قدم الرباعي المجرد على المنشعبات نظرا إلى أن الثلاثي المجرد
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"إلى الفتحة" طلبا للخفة، وكذا فروا من كل كسرة قبل ياء مفتوحة فتحة بناء إلى الفتحة، ثم قلبوا الياء ألفا فقالوا في بني على صيغة المجهول بنى، قال في مختار الصحاح: بقي الشيء بالكسرة بقاء، وكذا بقي الرجل زمانا طويلا أي عاش، وطيء يقول: بقى وبقت مكان بقي وبقيت وكذا أخواتها من المعتل، وقال: فني الشيء بالكسر فناء، وقال: القلى البغض تقول قلاة يقليه وقلاء بالفتح والمد ويقلاه لغة طيء.
ا. هـ. إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أن بعض الشارحين قالوا: إن بقى يبقي وفنى يفني وقلى يقلي بكسر العين في المضارع في الكل أما طيء فروا إلخ، وبعضهم قالوا بكسر العين في الماضي في الكل، أما طيء فروا إلخ، وكل ذلك غلط نشأ من عدم الاهتداء في علم اللغة الحمد لله الذي هدانا لهذا اعلم أنه استصعب على الشارحين ارتباط قوله قد فروا إلخ بما قبله من حيث المعنى، والأمر هين لأنه استئناف لبيان لغة طيء فيقع جوابا للسؤال، فكأن قائلا يقول: ما فعلوا فيها؟ فقال: قد فروا إلخ، "ونحو كرم يكرم لا يدخل في الدعائم؛ لأنه لا يجيء إلا من الطبائع" جمع طبيعة وهي القوة الموجودة في الشيء التي لا شعور لها بما يصدر عنها ويكون الصادر منها أثرا واحدا واقعا على نهج واحد "والنعوت" جمع نعت وهي الصفة أي لا يجيء فعل يفعل بضم العين فيهما إلا من الأفعال الصادرة عن الطبائع من غير شعور واختيار الدالة على صفاتها اللازمة لها كالحسن، فإن المراد بالحسن الحسن الطبيعي وهو كون الأعضاء متناسبة على ما ينبغي أن يكون لا ما يمكن اكتسابه بالزينة من صفاء اللون ولين الملمس، فلا يكثر استعمالها لكونها مقيدة ولا يختلف حركاتها في الماضي والمضارع أيضا؛ لأن هذا البناء لما خالف بقية الأبنية لكونه خلقة وطبيعة صادرة على نهج واحد من غير اختيار خولف في الحركة أيضا بأن يكونا مضمومين إيذانا بعدم اختلاف معناه في نفسه، كما جعلوا الضم علامة لبناء المجهول، ولما كان وضع هذا البناء لمثل هذه الأفعال لا يقتضي متعلقا ومفعولا فيكون لازما أبدا فقوله: لا يجيء إلا من الطبائع دليل على انتفاء كثرة الاستعمال أصالة، وعلى عدم اختلاف الحركة إشارة فافهم "وحسب يحسب لا يدخل" أيضا "في الدعائم" لقلته في الاستعمال ولعدم اختلاف حركتهما "وقد جاء فعل يفعل" بضم العين في الماضي وفتحها في الغابر، يعني إذا كان العين مضموما في الماضي يجب أن يكون مضموما في المضارع أيضا قياسا، لكن قد جاء "على لغة من قال كدت تكاد" لاف ذلك وهو ضم العين في الماضي وكسرها في الغابر؛ لأن أصل كدت كودت بضم الواو فنقلت ضمتها إلى ما قبلها بعد سلب حركته؛ لتدل على أن البناء من مضموم العين وأصل تكاد تكود بفتح الواو فأعل بالنقل والقلب فأجاب بقوله: "وهي" أي هذه اللغة "شاذة" أي خارجة عن القياس "كفضل" بالكسر "يفضل" بالضم أي كما يكون هذا شاذا يعني إن كان العين مكسورا في الماضي وجب أن يكون إما مفتوحا أو مكسور في المضارع قياسا، لكن جاء هذا بخلافه فيكون شاذا وبعض المحققين قالوا: إن فضل يفضل من تداخل اللغتين وذلك لأن العرب تقول فضل بالفتح والكسر ومضارع الفتح بالضم ومضارع الكسر بالفتح فإذا سمع بعد ذلك فضل يفضل علم أنه من التداخل، وبعض الشارحين حكموا بمخالفة القولين وأقول: لا مخالفة بينهما لأن تداخل اللغتين ليس بقياس؛ إذ القياس عدم التداخل فيكون شاذا لا محالة قال في مختار الصحاح: الفضلة والفضالة ما فضل من الشيء وفضل منه شيء من باب نصر وفيه لغة ثانية من باب فهم وفيه لغة ثالثة مركبة منهما فضل بالكسر يفضل بالضم وهو شاذ لا نظير له.
ا. هـ. فعلى هذا لا يتوجه أن يقال إن الفضل من الأفعال الطبيعية كالكرم فلم جاز فيه غير الضم في الماضي والمضارع؛ لأنه من الفضلة لا من الفضل "ودمت تدوم" أي وكما يكون هذا شاذ لأن أصله
[شرح ديكنقوز]
والرباعي المجرد أصلان فراعى مناسبة الأصالة بينهما فلم يفصل بينهما، والمصنف قدم منشعبة الثلاثي المجرد على الرباعي المجرد؛ رعاية لمناسبة الأصالة والفرعية بينهما فقال: "واثنا عشر لمنشبعة الثلاثي" أي المتفرعة عليه إما بزيادة حرف أو حرفين أو ثلاثة أحرف ولم يزد الزيادة على الثلاثة؛ لئلا يلزم زيادة الزائد على الأصل، ثم قدم ما زيد فيه حرف واحد على ما زيد فيه حرفان، وقدم ما زيد فيه حرفان على ما زيد فيه ثلاثة أحرف؛ رعاية للترتيب الطبيعي، فما زيد فيه حرف واحد فثلاثة أبواب وذلك "نحو أكرم" يكرم "إكراما" بزيادة الهمزة المفتوحة في أوله وإنما كسرت في المصدر فرقا بينه وبين الجمع على أفعال ولم يعكس لثقل الجمع وخفة الفتحة، وهذا باب الأفعال قدم؛ لأن الزيادة في الأول "و" نحو "قطع" تقطيعا بتضعيف العين قيل الزيادة هي الأولى؛ لأن الحكم بزيادة الساكن أولى وقيل الثانية؛ لأن الزيادة بالآخر أنسب، وسيبويه أجاز الوجهين لتعارض الدليلين وهذا باب التفعيل قدم؛ لأن الزيادة في الأصول "و" نحو "قاتل" مقاتلة بزيادة الألف بين الفاء والعين وهذا باب المفاعلة "و" ما زيد فيه حرفان فخمسة أبواب نحو "تفضل" تفضيلا بزيادة التاء في أوله وتضعيف العين، وهذا باب التفعل قدمه؛ لأن إحدى الزيادتين من جنس الأصول "وتضارب" تضاربا بزيادة التاء في أوله والألف بين الفاء والعين
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
دومت تدوم بكسر الواو في الأول وضمها في الثاني فأعل الأول بنقل حركة الواو إلى ما قبلها بعد سلب حركته ثم حذفها لالتقاء الساكنين والثاني بنقل حركة الواو إلى ما قبلها "واثنا عشر بابا" منها "لمنشعبة الثلاثي" أي لمزيد الثلاثي بالمجرد والمنشعبة الأبنية المتفرعة من أصل بزيادة حرف أو أكثر ليس من جنس الحروف الأصلية أو بتكرير حرف منهما أو بهن معا لقصد زيادة معنى من التعدية والتكثير وغيرهما، مثل: أخرج وفرح زيد في الأول همزة للتعدية وتكرر العين في الثاني للتكثير، وهو ثلاثة أقسام؛ الأول: ما يزاد فيه حرف واحد، وهو ثلاثة أبواب الأول باب الأفعال "نحو أكرم إكراما" الهمزة زائدة وكسرت في مصدره فرقا بينه وبين الجمع على أفعال نحو إعمال وأعمال، ولم ينعكس لثقل الجمع وبناؤه للتعدية غالبا نحو أجلسته وأكرمته، وللصيرورة نحو أجرب الرجل أي صار ذا جرب وللوجدان نحو أبخلته وأحمدته، أي وجدته بخيلا ومحمودا وللسلب والإزالة نحو أشكيته، أي أزلت عنه الشكاية وللتعريض نحو باع الجارية، أي عرضها للبيع وللحينونة نحو أحصد الزرع أي حان وقت حصادهن وقد يكون بمعنى فعل نحو أقلت البيع فعلته "و" الثاني باب التفعيل "نحو قطع تقطيعا" كررت العين الثاني وهو الزائد عند الجمهور والأول عند الخليل؛ لأن الساكن كالمعدوم فالتصرف فيه أولى وكلاهما شائع عند سيبويه وهذا البناء للتكثير غالبا، وهو إما في الفعل نحو جولت وطوفت وفي الفاعل نحو موت الإبل، وفي المفعول نحو غلقت الأبواب وقطعت الثوب فإن فقد ذلك لم يجز استعمال فلذلك كان موت الشاة لشاة واحدة خطأ؛ لأن هذا الفعل لا يستقيم تكثيره بالنسبة إلى الشاة؛ إذ لا يمكن تكثير الواحد، وليس ثمة مفعول ليكون التكثير له وعدم إمكان تكثير الفعل ظاهر كذا قيل، وللتعدية نحو فرحته، وللسلب نحو جلدت البعير، أي أزلت جلده "و" الثالث: باب المفاعلة نحو "قاتل مقاتلة" الألف زائدة، وهذا البناء للمشاركة بين أمرين في أصل الفعل الذي هو مصدر فعله الثلاثي كالقتل فينسب ذلك الفعل إلى أحد الأمرين متعلقا بالآخر صريحا ويجيء عكس ذلك ضمنا، وهو نسبته إلى الأمر الآخر متعلقا بالأول، مثلا إذا قلت: قاتل زيد عمرا فإنه يدل صريحا على نسبة القتل إلى زيد متعلق بعمرو، وضمنا على نسبته إلى عمرو متعلق بزيد، وقد يجيء للتكثير نحو ضاعفت بمعنى ضعفت وبمعنى فعل أي لنسبة الفعل إلى الفاعل لا غير كقولك سافرت بمعنى نسبة السفر إلى المسافر وعافاك الله بمعنى نسبة العفو إلى الله "و" القسم الثاني ما زيد فيه حرفان وهو خمسة أبواب الأول باب التفعل "نحو تفضل تفضلا" أصله فضل فزيدت التاء في أوله وكررت العين وبناؤه لمطاوعة فعل بالتشديد نحو كسرته فتكسر ولهذا يصير لازما لمطاوعة تقتضي اللزوم ومعنى كون الفعل مطاوعا كونه دالا على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد، كقولك باعدته فتباعد فقولك تباعد عبارة عن معنى حصل عن تعلق فعل متعدو وهو باعدته، أي هذا الذي قام به تباعد، وقد يتلفظ بالمطاوع وإن لم يكن معه مطاوع، كقولك: انكسر الإناء، وقد يجيء للتكلف ومعناه أن الفاعل تكلف ذلك الفعل ليحصل باستعماله كتشجع زيد؛ إذ معناه استعمل الشجاعة وكلف نفسه إياها لتحصل، وقد يجيء للعمل أي ليدل على أن أصل الفعل حصل مرة بعد مرة نحو تجرع أي شرب جرعة بعد جرعة، وقد يجيء للطلب نحو تكبر أي طلب أن يكون كبيرا، وللاتخاذ أي يجعل الفعل المفعول أصل الفعل نحو توسدت التراب، أي اتخذته وسادة وللتجنب أي ليدل على أن الفعل جانب أصل الفعل نحو تأثم أي جانب الإثم "و" الثاني باب التفاعل "نحو تضارب تضاربا" أصله ضرب فزيد في أوله تاء وبين العين والفاء ألف وبناؤه لمشاركة أمرين أو أكثر والفرق بين فاعل وتفاعل من حيث اللفظ أن وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقا بغيره، مع أن الغير مثل ذلك ووضع تفاعل نسبة الفعل إلى أمرين مشتركين في ذلك الفعل من غير قصد إلى تعلقه بغيره، ففي الأول يرفع بالفعل ما ينسب الفعل إليه صريحا وينصب المتعلق، وفي الثاني يرفعان معا بطريق العطف مثل قاتل زيد عمر أو تضارب زيد وعمرو، لهذا جاء الأول زائدا على الثاني بمفعول أبدا، ومن حيث المعنى أن بادئ الفعل في فاعل معلوم دون تفاعل ولذلك يقال
[شرح ديكنقوز]
وهذا باب التفاعل قدمه لمشاركته الأول في زيادة التاء في الأول "و" نحو "انصرف" انصرافا بزيادة الهمزة والنون في أوله، وهذا باب الانفعال قدمه؛ لأن الزيادتين في الأول "و" نحو "احتقر" احتقارا بزيادة الهمزة في الأول والتاء بين الفاء والعين، وهذا باب الافتعال وستعرف وجه تقديمه على باب الأفعال إن شاء الله تعالى "و" ما زيد فيه ثلاثة أحرف فأربعة أبواب نحو "استخرج" استخراجا بزيادة الهمزة والسين والتاء في الأول، وهذا باب الاستفعال قدم؛ لأن الزوائد فيه في الأول "و" نحو "اخشوشن" اخشيشانا بزيادة الهمزة في الأول والواو بين العين واللام وبحرف من جنس العين بعدا الواو بالاتفاق لانعدام سكون الأول وهو باب الافعيعال قدمه؛ لأن إحدى الزوائد من جنس الأصول "و" نحو "اجلوذ" اجلو إذا بزيادة الهمزة في الأول والواوين بين اللام العين، وهذا الباب الافعوال قدمه؛ لأن كل الزوائد فيه قبل الآخر وليلزم تأخر احمار؛ إذ له بحث "ونحوا حمار" احميرارا بزيادة الهمزة في أوله والألف بين العين واللام وحرف من جنس اللام في آخره اتفاقا؛ لأن سكون الأول هنا للإدغام بخلاف سكون فعل وتفعل فإنه للفرار عن توالي الحركات الأربع من أول الأمر، وهذا باب الافعيلال قدمه؛ لأنه في قسمه ولكونه أبلغ من احمر في المعنى "ونحو احمر" احمرارا بزيادة الهمزة في أوله وحرف من جنس اللام في الآخر أيضا، وهذا باب الافعلال، وإنما ذكره في القسم الذي زيد فيه ثلاثة أحرف مع أن الزائد فيه حرفان لمناسبة احمار في البحث والمعنى وتكرار اللام، بل هو منقوص منه ولهذا "قال أصلها" أي أصل احمار واحمر "احمرار واحمرر فأدغما" أي الحرفان المتجانسان أعني الراءين بعد سلب حركة أوليهما في تينك الصيغتين "للجنسية ويدل عليه" أي على أن أصلهما احمارر واحمرر بفك الإدغام على ما صرح به صاحب المفتاح، وهو الظاهر من كلام المصنف أيضا "ارعوى وهو ناقص من باب افعل" فإنه لو كان أصلهما احمارر واحمرر من الأصل بلا إدغام لوجب أن
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
ضارب زيدا عمرا أم ضارب عمرو زيدا بطريق الانكار، ولا يقال ذلك في تضارب، وقد يجيء لإظهار ما ليس فيه نحو تجاهل زيد في كذا أي أظهر الجهل من نفسه وليس عليه في الحقيقة، بل هو عالم له وكذلك تمارض زيد ولمطاوعة فاعل نحو باعدته فتباعد، وبمعنى فعل نحو توانيت، أي ونيت من الونى وهو الضعف "و" الثالث باب الانفعال نحو "انصراف" أصله صرف فزيد في أوله ألف ونون وبناؤه لمطاوعة فعل نحو قطعته فانقطع فيصير لازما، وقد جاء لمطاوعة أفعل قليلا نحو أزعجته، أي أبعدته فانزعج، وهذا البناء مختص بالعلاج والتأثير يعني لا ينبني إلا من بفعال الجوارح المعلومة بالحس كالضرب والكسر فلا يقال علمته فانعلم، وقال في شرح المفصل: عدمته فانعدم ليس بجيد وذلك أنهم لما خصوه للمطاوعة خصوه بالعلاج حتى يكون معنى المطاوعة جليا واضحا "و" الرابع باب الافتعال نحو "احتقر" احتقار؛ أي صغر أصله حقر فزيدت في أوله همزة وبين الفاء والعين تاء وبناؤه للمطاوعة، وقد عرفت معناها، وقد يجيء للاتخاذ نحو اشتوى؛ أي أخذ الشواء لنفسه، وقد يجيء بمعنى التفاعل نحو اجتوروا واختصموا بمعنى تجاوروا وتخاصموا، والخامس باب الافعلال لكن أخر مثاله عن أمثلة السداسي ليجاور ما يناسبه في التكرار فسنبينه ثمة "و" القسم الثالث ما زيد فيه ثلاثة أحرف، وهو أربعة أبواب الأول الاستفعال نحو "استخرج" استخراجا أصله خرج فزيدت في أوله همزة وسين وتاء وبناؤه للطلب ومعناه طلب مصدر الفعل الثلاث الذي ينشعب وهو منه، وذلك قد يكون تخفيفا نحو استكتبته؛ أي طلبت الكتابة منه، وقد يكون تقديرا نحو استخرجت الوتد من الحائط فليس هنا طلب صريح، بل المعنى لم أزل أتلطف وأنحيل حتى خرج، وقد يجيء للتحول نحو استحجر الطين؛ أي تحول إلى الحجر، وقد يجيء بمعنى فعل بالتخفيف نحو استقر بالمكان؛ أي قربه قال أبو سعيد: ومثل هذا يحفظ ولا يقاس عليه "و" الثاني باب الافعيعال نحو "اخشوشن" اخشيشانا أصله خشن من الخشونة، وهي ضد اللين فزيدت في أوله ألف وبين العين واللام واو وشين وبناؤه للبالغة يقال: اخشوشن الشيء اشتد خشونته "اخشوشن الرجل" تعود لبس الخشن وهو لازم أبدا "و" الثالث باب الافعوال نحو "اجلوذ" اجلواذا يقال: اجلوذبهم السير اجلواذا؛ أي دام مع السرعة، وهو من سير الإبل أصله جلذ فزيدت في أوله همزة وبين العين واللام واوان وبناؤه للمبالغة قال: في شرح الهادي إن افعول للمبالغة كافعوعل نحوا خروط بهم السير؛ أي امتد واجلوذبهم السير؛ أي دام مع السرعة واعلوط؛ أي لزم قال الجوهري: وإنما لم تنقلب الواو ياء في مصدر هذا الباب كما انقلبت في اعشوشب اعشيشابا؛ لأنها مشددة "و" الرابع باب الافعيلال نحو "احمار" احميرارا أصله حمر فزيدت في أوله همزة وبين العين واللام ألف وكررت اللام والزائد هو الثاني "واحمار" احمرارا هذا هو الموعد بالبيان أصله حمر زيدت في أوله همزة وكررت اللام والزائد هو الثاني أيضا وهما مختصان بالألوان والعيوب وبناؤه للمبالغة، لكن الأول أبلغ من الثاني قال في مختار الصحاح: تقول شهب الشيء بالكسر شهبا؛ أي صار ذا بياض غالب على السواد ولو قصدت المبالغة قلت: أشهب اشهبابا وإذا قصدت زيادتها قلت: اشهاب اشهيبابا "أصلهما احمار واحمرر" بفك الادغام فيهما "فأدغمتا للجنسية" لأن الجنسية تقتضي الإدغام والتقاء الساكنين في الأول على حده وهو جائز "ويدل عليه" أي على كون الإدغام للجنسية عدم إعلال "ارعوى" يقال ارعوى عن القبيح أي كف "وهو ناقص" أي والحال أن ارعوى ناقص "من باب افعل" كاحمر
[شرح ديكنقوز]
يقال: ارعوى؛ لأنه من بابها فلما قيل ارعوى بلا إدغام لمانع منه علم أن أصلهما احمارر واحمرر، وفائدة كون أصلهما بالفك تظهر في تقطيع الشعر إذا وقعا فيه، وهذا الدليل مخصوص باحمر وأما احمار فحكمه يعلم بالمقايسة عليه؛ لأنه منقوص احمار، وأيضا يدل عليه وجود النظائر وهي افعول وافعوعل وافعلل، يعني لو جعلنا الأصل احمارر ثم سير إلى الإدغام بترك المناسبة بينه وبين نظائره بخلاف ما لو جعلناه مدغما من الأصل، ويحتمل أن يوجه بأن يقال؛ أي على أن أصلهما احمارر واحمرر بفتح ما قبل الآخر حملا على الأخوات بدليل فتح ما قبل الآخر فيما لم يدغم لمانع نحو ارعوى ويحال معرفة حال ما قبل الآخر في المضارع على الحمل على الأخوات، فيكون قوله فأدغمتا للجنسية، وقوله: "لا يدغم لانعدام الجنسية" بيانا للواقع؛ أي لا يقع الإدغام في ارعوى لأن أصله ارعو وقدم الإعلال على الإدغام؛ لأن الإعلال قبل الإدغام فلم تبق المجانسبة؛ وإنما قلنا الإعلال قبل الإدغام؛ لأن سبب الإعلال موجب للإعلال يعني كلما وجد سبب الإعلال وجد الإعلال، وسبب الإدغام ليس بموجب الإدغام ليس بموجب الإدغام؛ يعني ليس كلما وجد سبب الإدغام وجد الإدغام، بل يجوزه ويدل عليه امتناع التصحيح في شيء من باب رضي؛ أي لا يجوز أن لا يعل كلمة من باب رضي، ويقال رضوو وقرو وطرو وغيرها مثلا على الأصل وجواز الفك في باب حيي، ولأن الإعلال فيه تخفيف بالنسبة إلى الإدغام، ولأن الإعلال قد ينظر فيه إلى حرف واحد بخلاف الإدغام فإنه ينظر فيه إلى حرفين ألبتة "و" باب "واحد" من تلك الأبواب الخمسة والثلاثين "للرباعي المجرد" ولم يضعوا له إلا بابا واحدا؛ لأنه لما كثر حروفه التزموا فيه الفتحات طلبا للخفة فلم يبق للتعدد فيه مجال؛ إذ التعدد إنما يكون باختلاف الحركات، ثم لما لم يكن في كلامهم أربع حركات متوالية سكنوا الثاني؛ إذ في إسكان غيره مانع لا يخفى "نحو دحرج" دحرجة ودحراجا "و" أبواب "ثلاثة" منها "لمنشعبة الرباعي" المجرد ولم يضعوا لها أكثر من ثلاثة أبنية طلبا للتخفيف وزادوا فيها حرفا أو حرفين دون أكثر لئلا تخرج عن الاعتدال وقدم ما زيد فيه حرفان؛ لأنه اثنان فهما غالبا "نحو احرنجم" احرنجاما بزيادة الهمزة في الأول والنون بين العين واللام الأولى، وهذا باب الافعنلال قدمه لتقدمه الزيادة فيه "و" نحو "اقشعر" اقشعرارا بزيادة الهمزة في الأول وتكرار اللام الثانية، وهذا باب الافعلال "و" ما زيد فيه حرف واحد "نحو تدحرج" تدحرجا بزيادة التاء في الأول وهذا باب التفعلل "وستة" منها "لملحق دحرج" أي
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
لا يدغم لانعدام الجنسية" ولو حذف قيدنا قص، وقيل: وهو باب أفعل لكفى في المفقود فافهم، وتحقيق انعدام الجنسية أن أصل ارعوى ارعووا بواوين فاجتمع فيه سبب الإدغام كما في احمرر وهو ظاهر وسبب الإعلال بقلب الواو الثانية ياء وهو وقوعها خامسة في الطرف، وبعد الإعلال الثاني لم يجز الإعلال الأول لئلا يلزم الإعلال فأعل بموجب الإعلال؛ لأن الإعلال مقدم على الإدغام فلما انقلبت الواو المتطرفة ياء لم يبق سبب الإدغام لانعدام الجنسية بين الواو والياء فلم يدغم، وإنما قلنا الإعلال مقدم؛ لأن سبب الإعلال موجب وسبب الإدغام ليس بموجب، بل مجوز يدل عليه امتناع التصحيح في باب رمى وجواز الفك في باب حيي كما سيجيء حققه الجار بردى، وما قيل إن الإعلال سابق على الإدغام؛ لأن الإعلال يجب بمجرد النظر إلى الحرف الواحد من حروف العلة بخلاف الإدغام فإنه لم يجب ما لم ينظر إليهما معا فخطأ؛ لأن الإعلال أيضا لم يجب بمجرد النظر إلى الحرف الواحد من حروف العلة وإلا لوجب إعلال وعد، بل يجب النظر إلىما قبلها فلهذا لم تختلف وجوه الإعلال كالحذف والقلب والإسكان وقد وقع في بعض ناقص وهو لفيف وهو النسخ بدل وهو جائز أيضا؛ إذ معناه لفيف بالمعنى اللغوي لا بالمعنى المصطلح، وهذا أولى من نسبته إلى السهو ولما فرغ من بيان المنشعبة للثلاثي المجرد شرع في الرباعي فقال "وواحد" أي باب واحد منها "للرباعي" المجرد اعلم أنهم جوزوا في الاسم رباعيا وخماسيا أصلين للتوسع ولم يجوزوا سداسيا لئلا يتوهم أنه كلمتان، إذ الأصل أن يكون على ثلاثة أحرف ولم يجوزوا في الفعل خماسيا لكثرة تصرفه ولأنه يتصل به الضمير المرفوع المتصل به الضمير المرفوع المتصل وتصير كالجزء منه بدليل إسكان ما قبله مثل دحرجت فالخماسي فيه كالسداسي في الاسم، وقد علمت أنه مرفوض ولم يتصرفوا كما تصرفوا في الثلاثي المجرد من فتح عينه وكسرها وضمها، بل التزموا فيه الفتحات لخفتها وثقل الرباعي، لكن لما لم يكن في كلامهم أربع حركات متوالية في كلمة واحدة سكنوا الثاني؛ لأن إسكانه أولى من إسكان الأول والرابع لامتناع الابتداء بالساكن ووجوب فتح الآخر إذا لم يتصل به الضمير المرفوع ومن إسكان الثالث أيضا؛ لأن الرابع قد يسكن لاتصال الضمير فيلزم التقاء الساكن ووجوب فتح الآخر إذا لم يتصل به الضمير المرفوع ومن إسكان الثالث أيضا؛ لأن الرابع قد يسكن لاتصال الضمير فيلزم التقاء الساكنين "نحو دحرج" يقال دحرجته بمعنى دورته والمدحرج المدور، وهذا الباب يتعدى ويلزم "وثلاثة لمنشعبة الرباعي" المجرد وهو قسمان القسم الأول ما زيد فيه حرف واحد وهو باب واحد وهو باب تفعلل "نحو تدحرج" تدحرجا أصله دحرج فزيدت في أوله تاء "و" القسم الثاني ما زيد فيه حرفان وهو بابان أحدهما باب الافعنلال نحو احرنجم احرنجاما؛ أي اجتمع أصله حرجم فزيدت في أوله همزة وبين العين واللام الأولى نون "و" ثانيهما باب الافعلال نحو "اقشعر" اقشعرارا أصله فزيدت في أوله همزة وكررت اللام والزائد هو الثاني، وهذه الأبواب الثلاثة كلها لوازم ولما فرغ من الرباعي ومنشعبته شرع في الملحق بالرباعي المجرد فقال: "وستة" أبواب منها "لملحق دحرج"
[شرح ديكنقوز]
مزيد على الثلاثي المجرد للإلحاق بدحرج "نحو شملل" شملة بزيادة حرف من جنس اللام في آخره، وهذا باب الفعللة قدم الزائد فيه من جنس حروفه الأصول "و" نحو "حوقل" حوقلة بزيادة الواو بين الفاء والعين، وهذا باب الفوعلة قدمه لقوة الواو "و" نحو "بيطر" بيطرة بزيادة الياء بين الفاء العين، وهذا باب الفعيلة قدمه لتقدم الزائد "ونحو جهور" جهورة بزيادة الواو بين العين واللام، وهذا باب فعول قدمه لاشتراكه مع حول في نفس الزائد ومع بيطر في كونه حرف علة، وأما تقدمهما على ما تقدم عليه جهور فلتقدم الزائد فيهما "و" نحو "قلنس" قلنسة بزيادة النون بين العين واللام، وهذا باب الفعنلة قدم لتقدم الزائد "و" نحو "قلسى" قلساة بزيادة الياء في الآخر ثم القلب ألفا ولا يبطل به الإلحاق لكونه محل التغيير وهذا باب الفعلاة "وخمسة" منها مزيدة على الثلاثي المجرد وهي "لمحلق تدحرج نحو تجلبب" تجلببا بزيادة التاء في الأول وحروف من جنس اللام في الآخر، وهذا باب التفعلل "و" نحو "تجورب" تجوربا بزيادة التاء والواو، وهذا باب تفوعل "و" نحو "تشيطن" تشيطنا بزيادة التاء والياء، وهذا باب التفعيل وجوه تقديمات هذه الثلاثة كوجوه تقديمات الثلاثة الأول ملحقات دحرج "و" نحو "ترهوك" ترهو كابزدة التاء والواو، وهذا باب التفعول قدمه لاشتراكه مع سوابقه في كون الزيادة في الأول، وأما تقديم السوابق على ما تقدم عليه ترهوك فلكثرتها "و" نحو "تمسكن" تمسكنا بزيادة التاء والميم في الأول، وهذا باب التمفعل "واثنان" منهما مزيد على الثلاثي المجرد وهما "لملحق احرنجم نحو اقعنسس" اقعنساسا بزيادة الهمزة في الأول والنون بين العين واللام وحرف من جنس اللام في الآخر، وهذا باب الافعنلال قدمه لتقدم الزائد "و" نحو "اسلنقى" اسلنقاء بزيادة الهمزة في الأول والنون بين العين واللام والياء في الآخر ثم القلب ألفا ولا يبطل به الإلحاق لما مر، وهذا باب الافعنلاء وإنما قدم ملحقات دحرج على ملحقات تدحرج لتقدم دحرج على تدحرج وقدم ملحقات تدحرج على ملحق احرنجم
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
اعلم أن المراد بالإلحاق جعل مثال مساويا لمثال أزيد منه بزيادة حرف أو أكثر ليعامل معاملته في جميع تصرفاته، وذلك قد يكون في الفعل كما هو المراد ها هنا مثلا يجعل شمل مساويا بدحرج بزيادة حرف وهو اللام، فيصير شملل فيعامل معاملة دحرج في جميع تصرفاته من الماضي والمضارع وغيرهما، فيقال: شملل يشملل شمللة، كما يقال: دحرج يدحرج دحرجة، فالمثال الأول الملحق والثاني الملحق به، وقد يكون في الاسم مثلا يجعل قردا مساويا بجعفر بزيادة حرف وهو الدال فيصير قردد، وهو المكان الغليظ فيعامل معاملة جعفر في التصغير والتكبير وغيرهما، فيقال: قردد وقرادد وقريدد، كما يقال: جعفر وجعافر وجعيفر هذا هو حقيقة الإلحاق، فإن قلت: ما الفرق بين منشعبة الثلاثي وبين الملحق بالرباعي مع أن أصلهما ثلاثي زيد فيه حرف أو أكثر، فإن فاعل مثلا ثلاثي زيد فيه الألف وشملل ثلاثي زيد فيه اللام؟ قلت: الفرق أن زيادة الحرف المنشعبة لقصد زيادة معنى كما مرو في الملحق لقصد موافقة لفظ للفظ آخر؛ ليعامل معاملته لا لزيادة معنى، وعلى هذا سائر الملحقات، وهذه هي الستة التي هي ملحق دحرج نوع واحد، وهو ما زيد فيه حرف واحد "نحو شملل" شمللة؛ أي أسرع اللام الثانية زائدة "وحوقل" حوقلة؛ أي ضعف وهرم الواو زائدة "وبيطر" بيطرة؛ أي عمل البيطرة من البطر وهو الشق الباء زائدة "وجهور" جهورة؛ أي جهر الواو زائدة "وقلنس" قلنسة؛ أي لبس القلنسوة النون زائدة "وقلسى" قلساة؛ أي لبس القلنسوة أيضا زيدت الياء بعد اللام، ثم قلبت ألفا ولم يبطل الإلحاق به؛ لأنه في محل التغيير وأصل قلسة قلسية فقلبت الياء ألفا، ولما فرغ من ملحق دحرج شرع في ملحق تدحرج فقال "وخمسة" أبواب منها "لملحق تدحرج" وهو نوع واحد وهو ما زيد فيه حرفان "نحو تجلبب" تجلببا؛ أي لبس الجلباب؛ أي الملحقة التاء والباء الأخيرة زادتان "وتجورب" تجوربا؛ أي لبس الجورب التاء والواو زائدتان "وتشيطن" تشيطنا؛ أي فعل فعلا مكروها والتاء والياء زائدتان "وترهوك" ترهوكا؛ أي تبختر التاء والواو وزائدتان "وتمسكن" تمسكنا؛ أي أظهر الذل والحاجة التاء والميم زائدتان، وينبغي أن يعلم أن تحقق الإلحاق في تجلبب إنما هو بتكرار الباء، وأما التاء إنما دخل لمعنى المطاوعة كما كانت كذلك في تدحرج؛ لأن الإلحاق لا يكون من أول الكلمة، وفي تجورب وتشيطن وترهوك بالواو والياء لا بالتاء بعين ما ذكرنا، وأما تحقق الإلحاق في تمسكن ففيه إشكال، ولذلك قال في شرح الهادي: إنه شاذ ولما فرغ من ملحق تدحرج شرع في ملحق احرنجم فقال: "واثنان" منها "لملحق احرنجم" وهو نوع واحد وهو ما زيد فيه ثلاثة أحرف "نحو اقعنسس" اقعنساسا؛ أي تأخر ورجع إلى خلف من القعس، وهو خروج الصدر ودخول الظهر ضد الحدب زيدت في أوله همزة وبين العين واللام نون وكررت اللام والزائد هو الثاني "واسلنقى" اسلنقاء؛ أي وقع على القفا زيدت في أوله همزة وبين العين واللام نون وبعد اللام ياء فقلبت ألفا ولا يبطل الإلحاق به لما مر وقلبت الياء في مصدره همزة لوقوعها في الطرف بعد ألف زائدة، وإنما حكمنا على اقعنسس بأنه ملحق باحرنجم وعلى استخرج بأنه غير ملحق به مع أنه يوافقه في جميع تصرفاته؛ لأنا لم نعن بالإلحاق مجرد صورة حركات وسكنات بل عنينا به وقوع الفاء والعين واللام في الفرع موقعها في الأصل الملحق به، وإذ كان ثمة زيادة فلا بد من مماثلة في الملحق واستخرج بالنسبة إلى احرنجم خلاف ما ذكرناه في الأصلية والزيادة جميعا أما في الأصلية؛ فلأن الخاء
[شرح ديكنقوز]
فصل في بيان أمثلة الماضي
:
لكثرة ملحق تدحرج.
ولما ذكر أن فعلا يلحق بفعل أراد بيان ما به يعرف ذلك فقال: "ومصداق" حكم "الإلحاق" والمصداق اسم آلة؛ أي آلة صدق الحكم بالحاق فعل يفعل؛ أي طريق معرفة صدق ذلك الحكم "اتحاد المصدرين"؛ أي مصدري ذينك الفعلين فكأنه آلة بين القوة العاقلة وبين صدق الحكم بالحاق؛ وإنما لم يحكم على أخرج بالإلحاق بدحرج مع اتحاد مصدريهما؛ لأنه كما يقال: دحرج دحراجا، يقال: أخرج إخراجا؛ لأن الاعتبار في دحرج بالفعللة لعمومها واطرادها في جميع صور فعلل دون الفعلال لعدم مجيئه في بعض الصور منه، فإنهم لم يقولوا في قحطب وعربد قحطابا وعربا دابل قالوا قحطبة وعربدة ولأن الشرط توافق المصادر أجمع.
واعلم أن المراد بالإلحاق جعل مثال على مثال أزيد منه بزيادة حرف أو أكثر؛ أي جعله موازنا له في عدد الحروف في الحركات والسكنات، ولذلك لا يجوز الإدغام مطلقا في الملحق ولا الإعلال في غير الآخر وبجعل ذلك الحرف الزائد في المزيد فيه مقابلا للأصل في الملحق به فيعامل الملحق معاملة الملحق به في أحكامه من التصغير والتكبير وغيرهما فلا بد أن يكون الملحق مماثلا وموازنا للملحق به، ومعنى الموازنة وقوع الفاء والعين واللام في الفرع موقعها في الأصل الملحق به، وإن كان ثمة حرف زائد فلا بد من مماثلة في الملحق لا مجرد التوافق في الحركات والسكنات، ولذلك حكم على اقعنسس بأنه ملحق باحرنجم ولم يحكم على استخرج؛ لأن الاستخراج بالنسبة إلى احرنجم على خلاف ما ذكرنا في الأصلية والزيادة جميعا أما في الأصلية فلأن الخاء وهو فاء وقعت موقع النون الزائدة في الأصل، وأما في الزيادة؛ فلأن النون واقعة في الأصل بعد الفاء والعين وليس في الفرع نون في موضعها، والفرق بين الأصل والملحق به أن الملحق يجب أن يكون فيه ما زيد للإلحاق دون الملحق به، مثلا يجب في باب حوقل بزيادة الواو بين الفاء والعين دون باب دحرج وفي باب اقعنسس وتجلبب وجلبب تكرير اللام دون باب احرنجم وتدحرج ودحرج وعلى هذا القياس، ثم اعلم أن أحكام الأبواب كلها موكولة على السماع، وأن المصنف لما لم يتعرض لبيان معاني الأبواب اقتفينا أثره، وأيضا لما لم يتعلق الغرض من متعلم هذا الفن لمعاني الأمثلة لم نذكرها "فصل" أي هذا فصل "في" بيان أمثلة "الماضي" هو فعل دل وضعا على معنى وجد قبل زمان أخبارك "وهو يجيء على أربعة عشر وجها" لما يجيء وإن كان القياس يقتضي أن يكون ثمانية عشر وجها، ولم يتعرض لتعريف الماضي والمستقبل؛ لشهرة أمرهما لكونهما أصلي المشتقات من المصدر أو لإغناء اسميهما اللغويين عنه، وإنما قدم الماضي على المستقبل؛ لأنه أصل بالنسبة إليه؛ لأن الماضي مزيد عليه والمستقبل مزيد "نحو ضرب" تقول ضرب ضربا ضربوا ضربت ضربتا ضربن ضربت ضربتما ضربتم ضربت ضربتما ضربتن ضربت منتهيا "إلى ضربنا" وإنما بدأ في اطراد الأمثلة بالغائب نظرا إلى عدم الزيادة فيه، ومن بدأ بالمتكلم نظرا إلى أنه الأصل، ولما كان البحث عن أحوال أواخر بعض وجوه الماضي حركة وسكونا مبنيا على بناء الماضي إذا لم يعرف أن الأصل في آخره ما إذا لم يتصور بيان سبب العدول عن هذا الأصل في بعض وجوه تعرض لبنائه وتعرض أيضا لإعراب المستقبل، وبناء الأمر على سبيل الاستطراد تأييدا لبناء الماضي، وإلا فليس شيء منها من وظيفته فقال: "وإنما بني الماضي لفوات موجب الإعراب فيه" أي الفاعلية والمفعولية والإضافة؛ لأنه فعل والفعل لا يكون عرضة لاعتوار هذه
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
هو فاء وقعت موقع النون الزائدة في الأصل، وأما في الزيادة واقعة في الأصل بعد الفاء والعين وليس في الفرع نون في موقعها تدبر "ومصداق الإلحاق" أي في الفعل؛ أي ما يصدقه ويدل عليه "اتحاد المصدرين" أي اتحاد مصدر الملحق بمصدر الملحق به وزنا، مثل: دحرجة وشمللة، ووجه دلالته عليه أن اتحاد المصدرين يستلزم الاتحاد في جميع التصرفات، وليس المراد من الإلحاق إلا هذا كما مر، فإن قلت: إن أخرج قد يتحد مصدره لمصدر دحرج، فيقال: أخرج إخراجا كما يقال: دحرج دحراجا، فلِمَ لَمْ يقولوا بإلحاقه؟ قلت: إن الاعتبار إنما هو بالفعللة لإطرادها وعمومها في جميع صور فعلل، وأما الفعلان فلا اعتبار به أيضا أن زيادة الهمزة لقصد معنى التعدية لا لمساواته له في تصرفاته اللفظية، وأيضا حرف الإلحاق لا يزيد في الأول كما مر، وقيل: إن الشرط اتحاد المصدر أجمع ولما فرغ من تعداد الأبواب بأنواعها شرع في تصاريفها.
فقال: "فصل في" بيان "الماضي" الفصل مصدر فصل بمعنى قطع وها هنا بمعنى الفاعل وقع خبر المبتدإ محذوف تقديره هذا فصل؛ أي فاصل، وعرفوا الماضي بأنه ما دل على زمان قبل زمانك فقولنا: دل على زمان؛ أي بمجرد صيغته ليتناول الماضي، وبقولنا: قبل زمانك؛ أي قبل زمان تلفظك به خرج منه المضارع، وإنما قلنا بمجرد صيغته ليخرج منه مثل: أمس، فإنه يدل على زمان قبل زمانك لكن لا بصيغته، بل بجوهر حروفه، وإنما قدم الفعل على الاسم لكثرة تصرفات الفعل بالنسبة إلى الاسم، وقدم الماضي منه؛ لأنه مجرد عن الزوائد، ولأنه يدل على الزمان الماضي، ولهذا سمى بالماضي "وهو يجيء على أربعة عشر وجها نحو ضرب إلى ضربنا" أي ضرب ضربا ضربوا ضربت ضربتا ضربن ضربت ضربتما ضربتم ضربت ضربتما ضربتن ضربتن ضربت ضربنا، والقياس ثمانية عشر وجها ستة في الغيبة وستة في الخطاب وستة في التكلم، لكنه اكتفى بلفظين لعدم الالتباس فبقي أربعة عشر وجها كما سيجيء "وإنما بني الماضي لفوات موجب الإعراب فيه" وهو توارد المعاني المختلفة
[شرح ديكنقوز]
المعاني عليه "وبنى على الحركة" مع أن الأصل في البناء السكون؛ لأنه ضد الإعراب كما أن الحركة ضد السكون والأصل في الإعراب الحركة لتدل كل حركة على معنى من المعاني الموجبة للإعراب فأعطى السكون للبناء تحقيقا للتضاد بينهما "لمشابهته بالاسم" في الجملة يعني "في وقوعه صفة للنكرة" وهي ما وضع لشيء لا بعينه كرجل "نحو مررت برجل ضرب أو" مررت برجل "ضارب" قدم ضرب للاهتمام بوقوعه صفة للنكرة وإن كان الأصل فيه الاسم "وبنى على الفتح لأنه" أي الفتح "أخو السكون؛ لأن الفتحة جزء الألف" لما تقرر من أن الألف مركب من الفتحتين "والألف أخو السكون" يعني أن بين الفتح والسكون مناسبة وبين الألف والسكون مناسبة أيضا؛ لأن الألف ملزوم السكون؛ لأنه ساكن أبدا فيكون بين الفتح والسكون مناسبة وحيث تعذر السكون صير إلى ما يناسبه من الحركات عملا بالأصل بقدر الإمكان، ولا يرد على هذا نحو ضربوا وضربن ودعا؛ لأن أحكامها مذكورة بعد هذا، وقوله: "ولم يعرب الماضي" إشارة إلى سؤال وهو أن المستقبل أعرب مع فوات موجب الإعراب فيه، ولم يعرب الماضي، ولو كان سبب بناء الفعل انتفاء موجب الإعراب فيه لوجب أن لا يعرب المستقبل لانتفائه فيه أيضا وأجاب بقوله: "لأن اسم الفاعل لم يأخذ منه" أي من الماضي "العمل" أي لم يعمل إذا كان بمعناه؛ لأن عمله مشروط بكونه بمعنى الحال أو الاستقبال بدليل الاستقراء وحكمه أن اسم الفاعل يشبه المستقبل صورة ومعنى لموافقته له في ذلك، وإذا كان بمعنى الماضي لم يكن موافقا للمضارع في المعنى ولا للماضي في اللفظ يعني لا يكون موافقا في المعنى لما كان موافقا له في اللفظ، ولا يكون موافقا في اللفظ لما كان موافقا له في المعنى فسقطت قوة المشابهة وضعفت في كلا الجانبين حاله فلم يعمل، ولما لم يأخذ منه العمل لم يعطه الإعراب "بخلاف المستقبل" فإنه أعرب وإن كان موجب الإعراب فائتا فيه "لأن اسم الفعل أخذ منه العمل" أي يعمل إذا كان بمعناه "فأعطى" اسم الفاعل "الإعراب له" أي للمستقبل واللام في له زائدة "عوضا" أي لأجل العوض عما أخذ "منه" وهو العمل أو من جهة العوض "أو" تقول بنى الماضي وأعرب المستقبل مع فوات موجب الإعراب فيهما "لكثرة مشابهته له" ولما فهم من ظاهر كلامه أن المقصود الأصلي بيان سبب إعراب المضارع وأن بيان سبب بناء الماضي استطراد مع أن الحال على العكس كما أشرنا إليه فسر كلامه متدرجا في التنزل في شأن المشابهة فقال "يعني يعرب المضارع" وإن كان موجب الإعراب فائتا فيه "لكثرة مشابهته اسم الفاعل" حيث يشابهه في الحركات والسكنات ووقوعه صفة لنكرة وخبرا للمبتدأ ودخول لام اسم الفاعل مع فوات موجب الإعراب فيه نظرا إلى إعراب المضارع لمشابهته الكثيرة باسم الفاعل، وقوله لقلة باعتبار
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
عليه من الفاعلية والمفعولية والإضافية فإن الفعل لا يقع فاعلا ولا مفعولا ولا مضافا إليه كما بين في النحو، وبهذا الدليل حكموا بأن الأصل في الأفعال كلها البناء، وأصل البناء السكون، وإنما أعرب منها ما أعرب كالمضارع لعارض وهو المشابهة التامة للمعرب كما بينه المصنف، هذا هو المراد في هذا المقام وبعض الشارحين قالوا المراد بموجب الإعراب المشابهة التامة لا الفاعلية والمفعولية والإضافة وإلا يلزم أن يكون المضارع مبنيا أيضا لقصور نظرهم عن إحاطة المراد فتدبر "وبني على الحركة" مع أن الأصل في البناء السكون لأنه ضد الإعراب وأصله الحركة وضد الحركة السكون "لمشابهته بالاسم" أي اسم الفاعل "في وقوعه" موقعه في كونه "صفة للنكرة" يعني كما أن اسم الفاعل يقع صفة للنكرة يقع الماضي أيضا صفة لها "نحو مررت برجل ضرب أو ضارب" وقيل: بني الماضي على الحركة لوقوعه موقع المضارع، وهذا الكلام مبني على أن المضارع معرب بالأصالة لا بالمشابهة، كما هو مذهب الكوفيين وستطلع عليه، نحو: مررت برجل ضرب ويضرب "وعلى الفتح" إذا كان مع غير الضمير المتحرك وغير الواو؛ لأنه مع الأول ساكن ومع الثاني مضموم كما يجيء "لأنه" أي الفتح "أخو السكون" أي لا يفارقه، بل يقارنه ويلازمه ذلك "لأن الفتحة جزء الألف" وهو ساكن أبدا وجزء الساكن ساكن، وقيل إنما خص بالفتح لثقل الفعل لفظا؛ إذ لا تجد فعلا ثلاثيا ساكن الأوسط بالأصالة، ومعنى لدلالته على المصدر والزمان ولطلبه المرفوع دائما والمنصوب كثيرا، ولما توجه أن يقال: إن الفعل إذا شابه الاسم المعرب يكون معربا كما في المضارع وأنتم قلتم: إن الماضي يشبه اسم الفاعل وهو معرب، فلِمَ لَمْ يعرب؟ أجاب عنه بقوله: "ولم يعرب لأن اسم الفاعل لم يأخذ منه العمل" يعني أن مجرد المشابهة لا يكفي في كون الفعل معربا، بل لا بد فيه من شرط آخر وذلك الشرط إما أن يأخذ الاسم المعرب الذي شابه الفعل العمل منه، وإما أن تكون تلك المشابهة تامة فإن كان الشرط الأمر الأول لم يعرب الماضي لانتفائه فيه "بخلاف المستقبل؛ لأن اسم الفاعل أخذ منه العمل" فوجد هذا الشرط فيه "فأعطي الإعراب له عوضا عن العمل" الذي أخذ هو منه وإن كان الشرط الثاني لم يعرب الماضي أيضا لانتفائه فيه بخلاف المستقبل وإليه أشار بقوله: "ولكثرة" وجوه "مشابهته له" أي للاسم من حيث اللفظ والمعنى كما سيجيء في بابه، ولما كان هذا كلاما إجماليا فصله وفسره بقوله: "يعني يعرب المضارع لكثرة مشابهته للاسم" مع قطع النظر عن أخذه العمل منه "وبني الماضي" على الحركة "لقلة مشابهته له" لأنها من جهة وقوعه صفة للنكرة فقط فينتفي الشرط فلم يعرب، بل على بني الحركة قال الفاضل الرضي: المضارع لما شابهه بالمشابهة التامة استحق الإعراب، والماضي لمشابهته الناقصة استحق البناء على
[شرح ديكنقوز]
إضافته إلى المشابهة نظر إلى البناء، وقوله: مشابهته لا من حيث إنه مضاف إليه لقلة نظرا إلى البناء على الحركة فتدبر "وبنى الأمر" بالصيغة فإنه المتبادر عند الإطلاق "على السكون لعدم" بقاء "مشابهته له" بوجه ما بحذف حرف المضارعة "وزيدت الألف" في آخر الماضي للتثنية مطلقا نحو ضربا وضربتا وضربتما "و" زيدت "الواو" في آخر الجمع المذكر الغائب "و" زيدت "النون" في آخر الجمع المؤنث الغائبة والمخاطبة "حتى يدللن" أي الحروف المذكورة "على هما وهمو وهن" أي يدل الألف على هما والواو على همو والنون على هن.
واعلم أن أولى الحروف بالزيادة حروف المد لخفتها، ولذلك كثر دورها وخص الألف بالمثنى والواو بالجمع؛ لأن الألف قبل الواو؛ لأنها من أول المخارج أعني الحلق والواو من آخرها؛ أعني الشفة، كما أن المثنى قبل الجمع فاختير الأول للأول والآخر للآخر، ولأن المثنى أكثر استعمالا من الجمع فاختير له ما هو أخف؛ أعني الألف فتعين الواو للجمع؛ إذ لا يمكن زيادة الياء له صونا للفعل عن أخي الجر الذي هو الياء، ولما لم يبق من حروف المد شيء يمكن زيادته زادوا لجمع المؤنث النون التي هي شبيهة بحروف المد في اللين والمد والخفاء ولذلك؛ أي ولأن في حروف المد خفاء يمكن مدها إذا لقبت بعدها همزة مخافة أن لا يظهر في جنب شدة الهمزة لا أنهم لما قالوا: إن الفاعل في زيد ضرب هو لضيق العبارة عليهم كما سيجيء تحقيقه إن شاء الله تعالى، فكأنهم قالوا: إن الفاعل في زيد ضرب هو هو لضيق العبارة عليهم كما سيجيء تحقيقه إن شاء الله تعالى، فكأنهم قالوا: إن الفاعل في زيدان ضربا هو هما، وفي زيدون ضربوا هو همو، وفي الهندات ضربن هو هن، فبنى المصنف الكلام على هذا، فقال: زيدت الألف في ضربا ليدل على أن تحته هما، وزيدت الواو في ضربوا ليدل على أن تحته همو، وزيدت النون في ضربن ليدل على أن تحته هن، ويدل على ما ذكرنا قوله فيما سيأتي وخصت الميم في ضربتما؛ لأن تحته أنتما مضمر مع أن فاعل ضربتما بارز لا مستكن "وضم الباء في" مثل "ضربوا" وإن كان مقتضى القياس المذكور أن يفتح "لأجل الواو" لأن الضمة جنس الواو والجنس إلى الجنس أنسب "بخلاف رموا" أي لم يضم ما قبل الواو "لأن الميم ليست ما قبلها" حقيقة وإن كانت ما قبلها صورة؛ لأن أصله رميوا فما قبله مضموم تقديرا "وضم" ما قبل الواو "في رضوا وإن لم يكن الضاد ما قبلها"
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
الحركة "وبنى الأمر" بغير اللام "على السكون" كما هو الأصل في البناء "لعدم مشابهته للاسم" بوجه من الوجوه فبالحرى أن يبقى على أصل البناء، هذا هو الحق فلا يلتفت إلى ما قيل: إن قوله ولم يعرب شروع في الدليل الثاني على بناء الماضي فافهم.
اعلم أن إعراب المضارع للمشابهة إنما هو عند البصريين، وأما عند الكوفيين فبالأصالة لا بالمشابهة فاختار المصنف مذهب البصريين كما اختاره في الاشتقاق، قال الفاضل الرضي: المضارع معرب للمشابهة عند البصريين لا لأجل توارد المعاني المختلفة عليه كما في الاسم، وقال الكوفيون: أعرب المضارع بالأصالة لا للمشابهة؛ وذلك لأنه قد يتوارد أيضا المعاني المختلفة عليه بسبب اشتراك الحروف الداخلة عليه فيحتاج إلى إعرابه ليتبين ذلك الحرف المشترك، فتعين المضارع تبعا لتعينه وذلك كقولك: لا يضرب فإن رفعه دليل على كون للنفي، وجزمه دليل على كونها للنهي، قوله: "زيدت الألف والواو والنون في آخره" شروع في كيفية استعمال الماضي يعني زيدت الألف في آخر ضرب مثلا إذا قصدت التثنية مذكرا كان أو مؤنثا فصار ضربا وضربتا، والواو إذا قصد الجمع للمذكر فصار ضربوا، والنون إذا قصد الجمع للمؤنث فصار ضربن "حتى يدللن على هما وهمو وهن" يعني يدل الألف على هما والواو على همو والنون على هن، ففي الكلام لف ونشر على الترتيب، فإن قلت: إن كل واحد من الحروف المذكورة ضمير بارز وفاعل للفعل كما سيجيء فإذا كان هما وهمو وهن فاعلا لذلك الفعل أيضا، كما يدل عليه ظاهر العبارة يلزم أن يكون لفعل واحد فاعلان وهو غير جائز، قلت: معنى قوله: حتى يدللن على هما وهمو إلخ، يدل عليه هما وهمو وهن من التثنية والجمع فلا محذور، لكن تسامح بناء على ظهور المراد قال صاحب النجاح: وإنما اختصت هذه الحروف بالزيادة؛ لأن الأصل أن يزاد في الفعل حروف اللين؛ لأن في الزيادة ثقلا وهي أخف الحروف لاعتياد الألسنة لها واستئناس السامع بها لكثرة دورها في الكلام فخصت الألف للتثنية والواو للجمع؛ لأن الألف من أول المخارج والواو من آخرها، والاثنان قبل الجماعة فاختص المقدم بالمقدم والمؤخر بالمؤخر، واخترزوا عن زيادة الياء في جمع النساء؛ لئلا يلزم دخول الكسرة التي هي أخت الجر على الفعل؛ لأن الياء الساكنة تستدعي كثرة ما قبلها فزادوا فيه حرفا شبيها بحروف المد واللين من حيث الخفاء واللين، وهي النون وحركوها لما فيها من قوة الاسمية "وضم الياء في ضربوا" أي وضم ما قبل الواو في مثل ضربوا مع أن الأصل في الماضي البناء على الفتح "لأجل الواو" أي ليكون الواو التي هي مدة محفوظة على مدتها بسبب مجانسة حركة ما قبلها لها "بخلاف رموا" أي الحال بخلاف ذلك في رموا؛ فإن ما قبل الواو وفيه مفتوح لا مضموم "لأن الميم فيه" وإن كانت ما قبلها صور لكنها "ليست بما قبلها" حقيقة؛ لأن أصله رميوا بضم الياء فقلبت ألفا فالتقى الساكنان فحذفت الألف؛ لأن الواو علامة الفاعل فبقي رموا، وكذا الحال في كل ناقص عين ماضيه مفتوح فافهم، ولما توجه أن يقال: إن الضاد في رضوا ليست بما قبل الواو حقيقة فلِمَ ضمت؟ أجاب عنه بقوله: "وضم" ما قبل الواو والذي هو الضاد صورة "في رضوا وإن لم تكن" تلك "الضاد ما قبلها" حقيقة؛ لأن أصله رضيوا بكسر الضاد وضم الباء
[شرح ديكنقوز]
حقيقة كالميم في رموا "لئلا يلزم الخروج من الكسرة التحقيقية إلى الضمة التقديرية" أعني الواو وهو صعب؛ لأنه صعود؛ أي يلزم الخروج من الكسرة إلى الضمة على تقدير عدم ضم الضاد؛ لأن أصله رضيوا فبعد إسكان الياء لثقل الضمة عليها وحذفها لالتقاء الساكنين يلزم ذلك الخروج فضمت الضاد لئلا يلزم ذلك الخروج، لا لأنها ما قبل الواو حقيقة، واختير الضمة للمناسبة وإن كان ذلك الخروج يندفع بالفتحة بخلاف رموا فلأن الفتحة فيه أصلية "وكتب الألف" بعد واو الجمع "في مثل ضربوا" أي فيما لم يتصل به الضمير، وأما إذا اتصل به الضمير فلا يكتب لعدم الالتباس حينئذ "للفرق بين واو الجمع وواو العطف في مثل حضر وتكلم زيد" ولولا قاعدة كتابة الألف بعد واو الجمع لم يعلم أنه حضر وتكلم زيد بضم الراء وسكون الواو ومده والواو للجمع أو حضر وتكلم زيد بفتح الراء وفتح الواو والواو للعطف وكتبت فيما لا يلتبس نحو ضربوا إذ واو العطف لا يتصل لاطراد الباب، ومنهم من يحذف الألف ويلتزم الالتباس لندوره ولزواله بالقرائن "وقيل" كتبت الألف بعدها "للفرق بين واو الجمع و" بين "وواو الواحد في مثل لم يدعوا ولم يدعو" على لغة من لا يسقط الجازم عنده حرف العلة وكتبت في غيره طردا للباب وجاء على هذا قول الشاعر: هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع حيث أثبت الواو في لم تهجو هجوت وجئت بفتح التاء على الخطاب، وزبان اسم رجل، ومعتذرا حال من ضمير جئت، لم تهجو؛ أي كأنك لم تهج حيث اعتذرت منه، ولم تدع؛ أي لم تترك الهجو؛ إذ قد هجوته في الواقع "جعلت التاء علامة للمؤنث في مثل ضربت" فرقا بين المذكر والمؤنث كما جعلت علامة له في ضاربة إلا أنهم خصوا المتحركة بالاسم والساكنة بالفعل تعاد لا بينهما إذ الفعل أثقل بحسب المعنى كما عرفت "لأن التاء من المخرج الثاني" من المخارج الكلية وهو الوسط "والمؤنث أيضا" أي كالتاء "ثان في التخليق" مصدر
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
فاستثقلت الضمة عليها فأسكنت فحذفت لالتقاء الساكنين فبقي رضوا بكسر الضاد ثم ضمت "لئلا يلزم الخروج من الكسرة" الحقيقية "إلى الضمة" التقديرية ولم تفتح لتناسب الواو، ولتدل على الضمة المحذوفة للياء "وكتبت الألف بعد واو الجمع في" مثل "ضربوا" ولم يضربوا إلا في مثل ضربوه ولم يضربوه لعدم الالتباس؛ إذ واو العطف لا يدخل على الضمير المتصل فيعلم أنها واو الجمع "للفرق بين واو الجمع وواو العطف في مثل حضر وتكلم زيد" وفي مثل لم يحضر ويتكلم زيد؛ يعني إذا لم يكتب الألف بعد الواو ولم يعلم أن حضر مفرد عطف عليه تكلم أو جمع لم يعطف عليه تكلم زيد؛ لأن واو العطف لا تتصل بما قبلها إلا أنهم حملوهما عليهما طردا للباب.
فإن قلت: لِمَ لَمْ يحملوا مثل ضربوه ولم يضربوه عليهما أيضا طردا للباب مع أنهما من هذا الباب؟ قلت: لأنه يلزم إدخال الفاصل بين الضمير المتصل وبين ما يتصل به من غير ضرورة، وهو غير جائز هذا هو المراد لكن في عبارته نوع قصور لعدم تناوله للمضارع "وقيل" كتبت الألف بعد واو الجمع "للفرق بين واو الجمع وواو الواحد في مثل لم يدعوا" إذا كان جمعا "ولم يدعو" إذا كان واحدا على لغة من قال: إن الجازم لا يسقط الحروف في الناقص بل يسقط الحركة فقط كما في الصحيح وعليه قول الشاعر:
هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع
بإثبات الواو في تهجوه مع أنه واحد يعني إذا قيل: لم يدعو بغير ألف لم يعلم أنه جمع حذف نونه للجزم أو مفرد لم يحذف واوه على هذه اللغة، بل أسقطت حركته فإذا كتبت الألف زال الالتباس، فإن قلت: إن الواو في يدعو ساكن قبل دخول الازم عليه فكيف يمكن إسقاط الحركة منه على هذه اللغة؟ قلت: قال ابن جني إنه قدر أن يكون في الرفع هو يدعو ويهجو بإثبات الضمة على الواو، كما تقول: هو يضرب فجاء الجازم وأسقط الحركة وبقيت الواو ساكنا، وقال ابن الحاجب: وأما قول قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
بإثبات الياء مع الجازم فيه وجهان: أحدهما أن الياء إشباع كأن الكسرة أشبعت فنشأت عنها الياء، والآخر أنه أجرى الفعل المعتل مجرى الصحيح كأنه قال: هو يأتيك بضم الياء، كما يقول: هو يضربك؛ لأنه من لغة تحريك الياء في الرفع وإسكاته في الجزم حملا للمعتل على الصحيح، وأنت تعلم أن هذا الدليل لا يدل على كتابة الألف بعد الواو في مثل ضربوا؛ أي في الماضي مطلقا، ولا في مثل لم يضربوا؛ أي في المضارع الصحيح، ولا في مثل لم يرموا؛ أي في الناقص اليائي لعدم جريانه فيها اللهم إلا أن يحمل على الإطراد، لكن ضعفه ظاهر ولهذا عبر المصنف عن هذا الدليل بقوله: قيل "جعلت التاء علامة للمؤنث في مثل ضربت" دون سائر الحروف "لأن التاء من المخرج الثاني" وهو الوسط "والمؤنث أيضا" أي كالتاء "ثان في التخليق" لما روي "إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام أولا من طين ثم خلق حواء رضي الله عنها من ضلعه الأيسر" فبهذه المناسبة جعلت علامة له ليحصل الفرق بين فعل المذكر والمؤنث نحو: ضرب وضربت، كما جعلت علامة له في الاسم نحو: قائم وقائمة ولم يعكس الأمر كما لا يعكس في الاسم؛ لأن المجرد أصل وذو الزيادة فرع، وكذا المذكر أصل والمؤنث فرع، فعين الأصل للأصل والفرع والفرع للفرع وأسكنت
[شرح ديكنقوز]
من المبني للمفعول؛ أي المخلوقية؛ لأن الله خلق آدم أولا ثم خلق حواء على نبينا وعليهما الصلاة والسلام من ضلع من أضلاعه، كما قال الله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فناسب التاء المؤنث، ولو جعل زيادة العلامة للمذكر يحصل الفرق أيضا إلا أنهم راعوا مناسبة الفرعية بين الزيادة والمؤنث "وهذه التاء" التي في ضربت "ليست بضمير كما سيجيء" في آخر بحث المضمرات "وأسكنت الباء" أي اللام "في مثل ضربن" بفتح النون "وضربت" بحركات التاء؛ أي إذا اتصل بالفعل ضمير مرفوع متحرك في الثلاثي المجرد وإنما أورد مثالين إشارة إلى أن حركة ذلك الضمير قد تكون للضرورة، نحو: ضربت لما يجيء إن شاء الله تعالى، وقد تكون للتبعية، نحو: ضربن فإنه لا ضرورة في تحريكه؛ إذ لو قيل: ضربن بسكون النون وفتح الباء على الأصل لصح إلا أنهم حركوها طردا على مثل ضربت مع قابليتها للحركة من غير ضعف، واختاروا الفتح لخفتها وإنما أسكنت لام الكلمة في مثل ما ذكر ولم تترك على حركتها "حتى لا يجتمع أربع حركات متواليات" فإنه مستهجن "فيما هو كالكلمة الواحدة" نحو ضربت، فإن التاء فيه كلمة على حدة؛ لأنه ضمير فاعل للفعل إلا أن الفاعل من الفعل بمنزلة الجزء خصوصا إذا كان ضميرا متصلا لشدة اتصاله به لفظا ومعنى، فلو لم يسكن الباء، بل أبقى على الحركة لزم ذلك الاجتماع وأسكن اللام في الرباعي أيضا نحو دحرجت وإن لم يلزم ذلك الاجتماع على تقدير بقائها على الحركة طردا للباب "ومن ثمة" أي ومن أجل أن مثل ضربن كالكلمة الواحدة "لا يجوز العطف على ضميره" أي على ضمير مثل: ضربن أي على الضمير المرفوع المتصل "بغير التوكيد" أي بغير تأكيد ذلك الضمير بمضمر منفصل لئلا يلزم عطف الاسم على جزء الفعل "لا يقال ضربت وزيد" بغير التأكيد "بل يقال: ضربت أنا وزيد" بتأكيد التاء بأنا لأن العطف كأنه على المنفصل، ولما اشترك التأكيد والفصل بغيره في أن العطف فيهما على غير الضمير المذكور صورة اكتفى المصنف بذكر التأكيد، وإنما خصه بالذكر ولم يقل بغير الفصل مع أنه أشمل؛ لأن التأكيد فصل أيضا إشعارا بأن التأكيد هو الأصل في جواز العطف؛ إذ بذلك يظهر أن ذلك المتصل منفصل من حيث الحقيقة بدليل جواز إفراده مما اتصل بتأكيده فيحصل له نوع الاستقلال، ولذلك قال ابن الحاجبي: إلا أن يقع فصل فيجوز تركه ولا يحصل بالفصل نوع استقلاله؛ إذ لا يظهر بذلك أن ذلك المتصل منفصل من حيث الحقيقة وإنما يجوز ترك التأكيد مع الفصل؛ لأن طول الكلام يغني عما هو الواجب فيحذف طلبا للاختصار، نحو قولك: حضر القاضي امرأة والحافظ عورة العشيرة بالنصب، ولذلك لم يذكر الزمخشري في جواز العطف عليه الفصل "بخلاف ضربتا" أي لم يلزم فيه بعدم إسكان التاء وإبقائها على الحركة ذلك الاجتماع المحظور
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
في الفعل فرقا بينه وبين ما كان في الاسم، ولم يعكس لثقل الفعل وخفة الاسم "وهذه التاء" التي جعلت علامة للمؤنث في ضربت "ليست بضمير" كما كانت الألف والواو والنون فيما مر، بل هي حرف جيء به للفرق بين المذكر والمؤنث، قيل: ولهذا أسكنت؛ لأن الأصل في الحروف البناء والأصل في البناء السكون "كما يجيء" عدم كونه ضميرا مع دليله في آخر بحث الضمائر "وأسكنت الباء" مع أن الأصل البناء على الفتح "في مثل ضربت وضربن" أي عند إلحاق الضمائر المتحركة للماضي وهي تسعة أوجه: ضربن ضربت ضربتما ضربتم ضربت ضربتما ضربتن ضربت ضربنا "حتى لا يجتمع أربع حركات متواليات فيما هو كالكلمة الواحدة" يعني كما لا يجوز أن يجتمع أربع حركات متواليات في كلمة واحدة فعلا كان أو اسما لثقلها على اللسان كذلك لا يجوز فيما هو بمنزلة كلمة واحدة لتلك العلة أيضا، والفعل مع ضمير الفاعل كذلك؛ لأنه متصل بالفعل لفظا ومعنى وحكما فيصير كالجزء أما لفظا فظاهر، وأما معنى فمن حيث إنه فاعل والفاعل كالجزء من الفعل لشدة احتياج الفعل إليه، وأما حكما فبدليل وقوعه بين الكلمة المعربة وبين ما قام مقام حركتها الإعرابية من الحروف وهو النون في يفعلان ويفعلون وتفعلين "ومن ثم" بالفتح والتشديد، وقد يكتب بالهاء فرقا بينه وبين ثم العاطفة ولم يعكس؛ لأن العاطفة مضمومة وأكثر استعمالا فالخفة فيها بترك الهاء أولى؛ أي ومن أجل أن الفعل مع تلك الضمائر كالكلمة الواحدة "لا يجوز العطف على ضميره" أي ضمير مثل ضربن ضربت "بغير التأكيد" أي بمنفصل مرفوع آخر فيقال ضربن هن وزيد وضربت أنت وزيدا "لايقال ضربت وزيد" يعني كما لا يجوز العطف على بعض حروف الكلمة، كذلك لا يجوز على ما هو بمنزلتها من غير تأكيد بمنفصل؛ لأنه لو أكده يظهر بذلك أن ذلك المتصل منفصل من حيث الحقيقة بدليل جواز إفراده مما اتصل به بتأكيده فيحصل له نوع استقلال، ولا يظن أن يكون هذا العطف على هذا التأكيد؛ لأن المعطوف في حكم المعطوف عليه فكان يلزم أن يكون هذا المعطوف أيضا تأكيدا للمتصل وهو محال، كذا حققه الرضي فظهر بطلان ما ذهب إليه الشارحون من أنه لو عطف عليه بلا تأكيد يلزم عطف الاسم على الفعل وهو غير جائز "بخلاف ضربتا" أي الحال في ضربتا بخلاف ما ذكرنا في مثل ضربن من إسكان الباء فرارا عن اجتماع حركات متواليات، وإن وجد فيه ذلك الاجتماع صورة
[شرح ديكنقوز]
"لأن التاء فيه" في حكم الساكن لأن حركته "في حكم السكون" لأنها كانت ساكنة فحركت لألف التثنية فحركتها عارضة والعارض كالمعدوم فتكون في حكم السكون فلم يلزم ذلك المحذور "ومن ثمة" أي ومن أجل أن حركة التاء في ضربتا في حكم السكون "تسقط الألف" في كل اللغات "في مثل رمتا أصله رميتا قلبت الباء ألفا ثم حذف لسكونها وسكون التاء "لكون الحركة فيه عارضة" بسبب ألف التثنية كما مر ولا اعتبار للعارض إلا في الضرورة، وكذلك اعتبر حركة التاء في رمتا؛ إذ لا يجوز حذف أحد الساكنين، أما التاء؛ فلأنه علامة التأنيث، وأما الألف؛ فلأنه علامة التثنية فاعتبر صورة الحركة ضرورة "إلا في لغة ردية" أصله رديئة قلبت الهمزة ياء وأدغمت مثل خطية من ردؤ بالضم ضد جاد من الجيد فإن الألف لا تسقط فيها "إذ يقول أهلها رماتا" بإثبات الألف نظرا إلى الحركة الصورية "وبخلاف" مثل "ضربك" أي لم يلزم فيه على تقدير عدم إسكان الباء وإبقائها على الحركة ذلك لاجتماع المستهجن "لأنه" أي مثل ضربك "ليس كالكلمة الواحدة" واستهجان ذلك الاجتماع إنما هو فيما هو كالكلمة الواحدة، وإنما قلنا إنه ليس كالكلمة الواحدة "لأن ضميره" أي كاف الخطاب في ضربك ليس ضمير فاعل، بل "هو ضمير منصوب" والضمير المنصوب ليس كالجزء من الفعل، لأنه مفعول والمفعول فضلة في الكلام يتم الكلام بدونه بخلاف الفاعل "وبخلاف هدبد" وهو اللبن الغليظ "وعلبط" وهو قطيع من الغنم؛ أي لم يلزم من عدم إسكان أحد حروفهما وإبقائهما على الحركة ذلك الاجتماع الممنوع "لأن أصلهما هدابد وعلابط" بالألف "ثم قصرا" أي حذف الألف منهما للتخفيف والتوسعة في الكلام يعني أن ذلك الاجتماع وإن كان ثابتا في الصورة إلا أنه منتف في التقدير فكأنه لم يكن ثابتا وللقصر نظير "كما في مخبط أصله مخياط" بالألف قصر للتخفيف والتوسعة والمقصور القصيرة من الإبرة وخلافه خلافها "وحذفت التاء في ضربن" أصله ضربتن، فلما حذفت التاء أسكنت الباء لما مر "حتى لا يجتمع علامتا التأنيث" إحداهما التاء والأخرى النون فإن النون وإن كان ضميرا إلا أنه ضمير جمع المؤنث "كما حذف التاء في مسلمات" أصله مسلمتان حذفت التاء الأولى لئلا يجتمع علامتا التأنيث من جنس واحد وخصت الأولى بالحذف فيهما؛ لأن في الثانية زيادة معنى وهي الدلالة على الجمعية، فكان حذف الأولى أولى وإنما حذفت في ضربن "وإن لم تكونا" أي العلامتان فيه
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"لأن التاء فيه في حكم السكون" أي الساكن فلا يلزم اجتماع الحركات حكما "ومن ثمة" أي ومن أجل أن التاء في حكم السكون "سقط الألف" المنقلبة من الياء "في رمتا" أصله رميتا قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار رماتا "لكون الحركة" أي حركة التاء "عارضة فيه" لأن هذه التاء هي تاء رمت، وقد عرفت أنها ساكنة فإذا اتصل به ضمير التثنية وهي الألف الساكنة حركت تلك التاء لأجل ذلك الألف؛ إذ إلحاق الساكن بالساكن محال فيكون حرمتها عارضة والعارض المعدوم.
فإن قلت: فعلى هذا يلزم التقاء الساكنين أيضا وهما التاء وألف الضمير، قلت: لحركة التاء اعتبار أن اعتبار عدمها حكما واعتبار وجودها لفظا، فاعتبر عدمها مع ما قبلها لعدم الاحتياج إليها؛ إذ يجوز حذف ما قبلها، واعتبر وجودها مع ما بعدها للاحتياج إليها لامتناع حذف إحداهما؛ إذ التاء علامة والألف فاعل "إلا في لغة ردية" أي غير فصيحة فعية من ردأ بمعنى فسد قلبت همزته ياء فأدغمت كما في خطية "يقول أهلها رماتا" بإثبات الألف اعتبارا بوجود الحرمة في التاء لفظا ولا يعتبر هذا؛ لأن كلامنا في كلام البلغاء لا في المولدين "بخلاف مثل ضربك" أي لم يلزم فيه على تقدير عدم إسكان الباء وإبقائها على الحركة ذلك الاجتماع المستهجن "لأنه" أي في مثل ضربك "ليس كالكلمة الواحدة" واستهجان ذلك الاجتماع لا يكون إلا فيما هو كالكلمة الواحدة وإنما قلنا إنه ليس كالكلمة الواحدة "لأن ضميره" أي الكاف في ضربك ليس ضمير فاعل، بل هو "ضمير منصوب" هذا دليل على عدم استقباح ذلك الاجتماع في مثل ضربك؛ لأن الضمير المنصوب ليس كالجزء من الفعل لعدم شدة اتصاله به؛ لأنه مفعول والمفعول فضلة في الكلام يتم الكلام بدونه بخلاف الفاعل "وبخلاف هدبد" وهو اللبن الغليظ "وعلبط" أصلهما هدابد وعلابط "ثم قصرا" للتخفيف بحذف ألفه تخفيفا وتوسعة كما قصر "في محيط أصله مخياط" المخيط بالقصر الإبرة القصيرة وبالمد الإبرة الكبيرة "قاعدة" إذا اجتمع علامتا التأنيث في كلمة فإن كانتا من جنس واحد تحذف إحداهما سواء كانتا في فعل أو في اسم، وإن كانتا من جنسين تحذف إحداهما أيضا إذا كانتا في فعل ولم تحذف إذ كانتا في اسم لثقل الفعل وخفة الاسم، قوله: "وحذفت التاء في ضربن" جواب عن سؤال مقدر وهو أن يقال إذا جعلت التاء علامة للمؤنث فلم حذفت في ضربن فأجاب عنه به يعني حذفت التاء في ضربن "حتى لا يجتمع علامتا التأنيث" من جنسين في الفعل فإن أصل ضربن ضربتن بسكون التاء فاجتمع علامتا التأنيث إحداهما التاء والأخرى النون فهي وإن كانت ضمير الفاعل لكنها تفيد التأنيث أيضا فحذفت التاء؛ لأنها للتأنيث فقط "كما" حذفت إحدى العلامتين من الاسم "في مسلمات" أصله مسلمات؛ لأن مفرده مسلمة فجمعت بالألف والتاء فاجتمع علامتان من جنس واحد، وهما التاءان فحذفت الأولى؛ لأن الثانية علامة الجمع أيضا "وإن لم تكونا" أي وحذفت التاء في مثل ضربن وإن لم تكن العلامتان فيه
[شرح ديكنقوز]
"ومن جنس واحد" لأن التاء ليست من جنس النون ولم يوجد ثقل التكرار اللفظي كما كانتا من جنس واحد في مسلمتان؛ لأنهما تاءان فيه ووجد ثقل التكرار اللفظي فيه كالمعنوي "لثقل الفعل" فكرهوا اجتماعهما فيه مطلقا "بخلاف حبليات لعدم الجنسية" أي لم يحذف إحدى العلامتين الألف والياء المنقلبة من ألف التأنيث، بل جوزوا اجتماعهما فيه لعدم كونهما من جنس واحد وخفة الاسم، وإنما وجب قلب ألف حبلى ياء في الجمع لئلا يجتمع الساكنان، ولم يجز حذف أحدهما؛ لأن الثانية للجمع والأولى لمعنى في الكلمة وهو لزوم تأنيثها وليست مثل فاء بعد وعين قل ولام غزيت، فإنها ليست لمعنى زائد على كونها أجزاء من الكلمة فافهم، ولا مثل تاء مسلمة فإن الكلمة لم توضع معها، بل هي عارضة على مسلم إذا لم يكن حبل حتى زيد عليه ألف التأنيث، بل وضعت هكذا بالألف فلو حذفت الألف لفات الغرض، ولما جاء الياء للتأنيث في هذي وكانت بالنسبة إلى الواو خفيفة بخلاف الواو قلبت ياء "وسوى بين تثنيتي المخاطب والمخاطبة" لأنك تقول: ضربت ضربتما وضربت ضربتما ولا ينافي هذا قوله في صدر الفصل يجيء على أربعة عشر وجها؛ لأن ضربتما باعتبار كونه تثنية ضربت بفتح التاء صيغة وباعتبار كونه تثنية ضربت بكسر التاء صيغة أخرى تقديرا، وأما نحون فهو تثنية أنا أو جمعه مذكرا أو مؤنثا فلا فرق في التقدير، فلذلك يقال: ضربت ضربتما ضربتم ضربت ضربتما ضربتن بذكر ضربتما مرتين، وهو هما هم هي هما هن أنت أنتما أنتم أنت أنتما أنتن بذكر التثنيتين، بخلاف أنا نحن؛ إذ لا يقال أنا نحن يذكر نحن مرتين "و" سوى "بين الإخبارات" أي كما سوى بين تثنيتي المخاطب والمخاطبة أيضا؛ أي نفس المتكلم وحده مذكرا كان أو مؤنثا حيث يقال فيهما ضربت ومعه غيره مذكرا أو مؤنثا وتثنية وجمعا؛ إذ يقال في كلها ضربنا "لقلة الاستعمال في التثنية" بالنسبة إلى المفرد، وحكمها احتياجها في حصولها إلى ضم أحد المثلين إلى الآخر بخلاف المفرد وبالنسبة إلى الجمع أيضا لعدم الاتساع فيها؛ إذ لا تستعمل حقيقة إلا في الاثنين فقط بخلاف الجمع، فإن صيغة قلته تستعمل في الثلاثة وفي الأربعة وفي الخمسة وفي الستة وفي السبعة إلى العشرة، وصيغة كثرته تستعمل فيما فوق العشرة بالغا ما بلغ فلا تعيين فيما يستعمل فيه الجمع ففيه اتساع وكثرة استعمال بخلاف التثنية.
والحاصل أن في صيغة التثنية نوع حرج ليس في الجمع ذلك وهو حصر المراد على فردين وفيه كلفة بينة، بخلاف الجمع؛ فإن فيه إرسالة المراد، ولما كان استعمال الثتنية قليلا لم يبال بالالتباس فيها بخلاف المفرد والجمع؛ فإنه لما كثر استعمالهما بالنسبة إليها لم يستحسن الالتباس فيهما "و" سوى أيضا بين تثنيتهما لكون "وضع الضمائر للإيجاز" فإن هما مثلا أخصر من زيدان فالتسوية بين الشيئين أن لا يجعل لكل واحد منهما صيغة على حدة تناسب غرض الإيجاز "و" سوى بين الإخبارات لحصول "عدم الالتباس في الإخبارات" لأن المتكلم يرى في أكثر الأحوال أو يسمع صوته فيعلم أنه مذكر أو مؤنث واحد أو جمع كما يجيء، ولم يذكر التسوية بين تثنيتي الغائب والغائبة اكتفاء بذكر التسوية بين تثنيتي المخاطب والمخاطبة أو اكتفاء بذكرها في بحث المضمرات لعدم بحث لهما، وأما تثنيتا المخاطب والمخاطبة والإخبارات فلما كان لهما بحث استوفى أحكامهما ها هنا من التسوية وغيرها، ولم يكتف بذكرها على سبيل الاستطراد
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"من جنس واحد كما" كانتا من جنس واحد في مسلمات؛ لأن إحداهما التاء والثانية النون "لثقل الفعل بخلاف حبليات" فإن إحدى العلامتين لم تحذف فيها لخفة الاسم ولعدم الجنسية فإن إحدى العلامتين فيها الياء المنقلبة من الألف وإنما انقلبت؛ لأنه لو لم تقلب يلزم الحذف لالتقاء الساكنين، ولم تقلب واوا لثقلها والثانية التاء "وسوى" أي لم يفرق لفظا "بين تثنيتي المخاطب والمخاطبة" حيث يقال فيهما: ضربتما "و" سوى أيضا "بين الإخبارات" أي نفس المتكلم صيغ الإخبارات على مقتضى القيس ستة ثلاثة للمذكر مفردا ومثنى ومجموعا وثلاثة للمؤنث كذلك، لكن سوى بين مفردي المذكر والمؤنث فقيل فيهما ضربتن وسوى بين الأربعة الباقية فقيل فيها ضربنا "لقلة الاستعمال في التثنية" أي تثنيتي المخاطب والمخاطبة بالنسبة إلى المفردن فإن قلت: لما سوى بينهما في التثنية وجب أن يسوي بينهما في الجمع بعين ما ذكرت، قلت: إنما لم يسو بينهما في الجمع ليكون اختلاف الصيغة دليلا على تفاوت معنى الجمع باعتبار قلة الأفراد وكثرتها، بخلاف التثنية فإن مفهومها لا يتفاوت بالقلة والكثرة، بل هو نص في فردين كذا قيل "ووضع الضمائر للإيجاز" يعني أنهم وضعوا لتثنية المذكر وتثنية المؤنث ضميرا واحدا وهو أنتما للإيجاز فلما كان ضمير التثنيتين واحدا وجب أن يكون لفظهما الظاهر واحدا وهو ضربتما؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر، وكذا أنهم وضعوا للمفرد المذكر والمفرد المؤنث في الإخبار ضميرا واحدا وهو أنا، ولتثنيتهما وجمعهما ضميرا واحدا آخر وهو نحن للإيجاز والاقتصار، فلما كان ضمير الإخبارات منحصرا فيهما يلزم أن ينحصر الظاهر في لفظين وهما ضربت وضربنا؛ لأن الضمير قائم مقام الظاهر فافهم، فقوله: ووضع الضمائر للإيجاز دليل لتسوية التثنيتين ولتسوية الإخبارات معا، وإن كان المتبادر من ظاهر سوق العبارات أنه دليلا للإخبارات فقط "وعدم الالتباس" عند السامع في الأغلب "في الإخبارات"؛ لأن المخبر المتكلم يرى في أكثر الأحوال فيعلم أنه مذكر أو مؤنث أو مثنى أو مجموع أو يعلم بصوته فذلك أو بغيرهما من القرائن
[شرح ديكنقوز]
في بحث المضمرات، واعلم أن وضع صيغ متعددة لمعان متعددة لما كان للتحرز عن الالتباس على تقدير اشتراك صيغة واحدة بين معنيين، كصيغة ضربتما بين المذكر تأنيثه أو أكثر واستغنى عنه فيما لا يقع فيه الالتباس ولم يحتج إلى الاعتذار فيه في التسوية بقلة الاستعمال والإيجاز وغيرهما وجب صرف قوله ووضع الضمائر للإيجاز إلى التسوية بين التثنيتين، كما هو مقتضى سوق كلامه، وأن لا يجعل شاملا للتسوية بين الإخبارات؛ لأن الالتباس لما لم يقع في الإخبارات بالتسوية لم يحتج فيها إلى عذر من الإيجاز وغيره فليتأمل، وإلا فالواجب أن يقدم أو يؤخر "وزيدت الميم في ضربتما" أي في تثنيتي المخاطب والمخاطبة مع أن قياسهما على سائر التثاني يقتضي أن يقال ضربتما "حتى لا يلتبس" ألف ضربتا "بألف الإشباع" وهو الألف المتولد من الفتحة بإشباعها، فإذا أشبعت فتحة ضربت وقيل: ضربت لم يعلم أنه مفرد والألف للإشباع أو للتثنية فيحصل الالتباس في الوقف، ولا شك أن الالتباس واقع في كلامهم كما في قول الشاعر "أخوك أخو مكاشرة" أي ملازم تبسم "و" أخو "ضحك.
وحياك الإله فكيف أنتا" أصله أنت أشبعت فتحة التاء في الوقف فتولد منها الألف، أي على أي حال أنت يمنعك تلك الحال عن المكاشرة والانبساط مع أهلك تعير زوجها بأخيه وكان زوجها قبل هذا "وخصت الميم في ضربتما" للزيادة لدفع الالتباس مع أنه مندفع بزيادة غيرها "لأن تحته أنتما مضمر" فزيدت الميم فيه الموافقة أنتما، وقد سبق توجيه هذا التسامح، فقوله: أنتما مبتدأ، وقوله: مضمر خبره وقوله: تحته ظرف للخبر قدم للاهتمام "وأدخلت الميم في أنتما" دفعا لذلك الالتباس لعدم إمكان زيادة حروف العلة؛ لأنها مستثقلة قبل الألف وخصت الميم بالزيادة "لقرب الميم من التاء في المخرج" فالتاء مما بين الثنايا وطرف اللسان والميم مما بين الشفتين، ولا شك في قرب الثاني من الأول مع أنها أقرب الحروف الصحيحة إلى حروف العلة؛ لأنها غنة في الخيشوم كما أنها مدة في الحلق، وأنها من مخرج الواو ولذلك ضم ما قبلهما كما يضم ما قبل الواو، "وقيل" إنما خصت الميم بالزيادة في أنتما "تبعا لهما" أي للفظ هما يعني أنهم لما كانوا أبدلوا من الواو في هو ميما "لما يجيء" في بحثه التزموا الميم في جميع الباب طردا له "وضمت التاء في ضربتما لأنها" أي التاء "ضمير الفاعل" وعلامة الفاعل الرفع في المعرب، ولما لم يكن الرفع في المبني حركوه بحركة شبيهة به عملا بالأصل بقدر الإمكان وهو الضم فإنه يشبه الرفع خطأ ولفظا، واعلم أنهم اختلفوا في ضمير الفاعل في مثل: ضربتما وضربتموه وضربتن، فقيل: إنه التاء وحدها وأما الألف والواو والنون فعلامات للتثنية وجمع المذكر وجمع المؤنث، وأشار إليه هنا حيث قال: إن التاء ضمير وقيل: الفاعل هؤلاء الحروف، وأما التاء فعلامة الخطاب، وأشار إليه فيما يجيء بقوله وضمير الجمع فيه محذوف حيث جعل الواو ضميرا وفاعلا وقيل الفاعل وهو مجموع التاء واحد هذه الحروف، وأشار إلى ضعفه بعدم إشارة إليه يكفي أحدهما للفاعل ولا حاجة إلى ضم الآخر إليه، مع أن الأصل الاكتفاء بأحدهما "وفتحت التاء في الواحد" أي لم يضم فيه مع أنه الأصل "خوفا من الالتباس بالمتكلم
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
وإن وقع الالتباس في بعض المواضع قليلا "وزيدت الميم في ضربتما" قبل ألف التثنية "حتى لا يلتبس" أي المثنى بالمفرد "بألف الإشباع" أي بسبب ألفه؛ يعني إذا قيل: ضربنا بسكون الباء لم يعلم أنه مثنى ألفه لأجل التثنية أو المفرد أشبع فتحه للإطلاق، كما أشبع في مثل قول الشاعر: "أخوك أخو مكاشرة وضحك" المكاشرة السرور والفرح وأخو المكاشرة صاحب السرور "وحياك الإله" دعاء للمخاطب بالحياء الإلهي "فكيف أنتا" تعميم للدعاء لجميع أحوال المخاطب أصله أنت فأشبع الفتحة فتولد الألف، ويحتمل أن يعود ضمير يلتبس إلى الألف؛ لأنه مذكر حكما فيكون المعنى حتى لا يلتبس ألف التثنية بألف الإشباع والمآل واحد "وخصت الميم" بالزيادة لدفع الاتباس "في ضربتما" مع الأصل في الزيادة حروف العلة "لأن تحته أنتما مضمر" فزيدت الميم ليناسب لما تحته ومعنى كونه تحته أن يدل على ما يدل عليه ضمير ضربتما من معنى التثنية وكأنه تحته، وإنما قلنا كذلك؛ لأن التاء في ضربتما ضمير بارز فلو استتر تحته أنتما يلزم اجتماع الفاعلين، وهو غير جائز وقد مر مثله هذا، وفيه تكلف لا يخفى مع أنه مخالف لما في شرح الرضي من أنه خصت الميم بالزيادة في ضربتما؛ لأن حروف العلة مستثقلة قبل الألف والميم أقرب الحروف الصحيحة إلى حروف العلة لغنتها لكونها من مخرج الواو شفوية "وأدخلت الميم في أنتما؛ لقرب الميم إلى التاء في المخرج" لأن الميم شفوية والتاء من المخرج الثاني من مخارج الفم، وهو طرف اللسان وأصول الثنايا "وقيل" الميم في أنتما "تبعا لهما بكسر اللام؛ أي لضمير تثنية الغائب "لما يجيء" في المضمرات ما ذكرها علة لتعيين الميم للزايدة، وما سيجيء في بحث المضمرات علة لزيادة الميم فافهم "وضمت التاء في ضربتما" مع أن الضم أثقل "لأنها ضمير الفاعل" والضمة تناسب حركة الفاعل فعلى هذا الألف للفرق بينه وبين المتكلم الواحد والميم زيدت بعد الألف، وقيل: التاء مع الألف ضمير جزؤه الأول متحرك بالضم، وقيل: الألف ضمير والتاء للفرق بينه وبين تثنية المذكر الغائب والميم زيدت بعد التاء وضم التاء حينئذ؛ لأنه فارق للفاعل "وفتحت" تلك التاء "في الواحد المخاطب" نحو ضربت "خوفا من الالتباس" بنفس المتكلم الواحد ولو كسر يلتبس بالواحدة والمخاطبة، وتفصيله أن أول ما يبدأ بوضعه من أنواع الضمائر الضمير المرفوع
[شرح ديكنقوز]
ولا يلزم الالتباس في الثتنية" بوساطة زيادة الميم فبقيت على أصل الحركة، والتفصيل أنهم زادوا تاء للمخاطب وتاء للمخاطبة وتاء للمتكلم وحركوها في الجميع خوف اللباس بتاء التأنيث وضموها للمتكلم؛ لأن الضم أقوى والمتكلم مقدم فأخذه وفتحوها للمخاطب؛ إذ لم يمكن الضمة للالتباس بالمتكلم والفتح راجح لخفته والمذكر مقدم فأخذه فبقيت الكسرة للياء والمخاطبة فأعطيتها، ولأن الياء يقع ضميرها في نحو اضربي والكسرة أخت الياء فناسب إعطاؤها المخاطبة "وقيل" ضمت التاء في ضربتما "اتباعا للميم؛ لأن الميم" حرف "شفوي فجعلوا حركة التاء" التي هي ما قبل الميم "من جنسها وهو" أي جنس الميم من الحركات "الضم الشفوي" ليناسب الميم حركة ما قبلها "زيدت الميم في ضربتم حتى يطرد بتثنيته" في زيادة الميم ولئلا يلتبس بواو الإشباع في الوقف وأسكنت الميم؛ لأنه إنما ضموها لأجل الواو ولما حذف الواو بقي على الأصل الذي هو السكون "وضمير الجمع" أي جمع المذكر المخاطب "فيه" أي في ضربتم "محذوف" وذلك الضمير المحذوف "وهو الواو لأن أصله ضربتموا" بدليل عود الواو، وعند اتصال الضمير نحو ضربتموه فإن الضمائر مما يرد الأشياء إلى أصولها "فحذفت الواو" لأنهم لما ثنوا الضمائر وجمعوها والقصد بوضع متصلها التخفيف لم يأتوا بنوني المثنى والمجموع بعد الألف والواو كما أتوا بهما في هذان واللذان واللذين فوقع الواو في الجمع في الآخر مضموما ما قبلها "فحذفت لأن الميم" مع الواو "بمنزلة الاسم" كهو لأن الميم يجعل كثيرا من الأفعال اسما كمضارعات الزوائد على الثلاثة "ولا يوجد في آخر" جنس "الاسم" متمكنا وغير متمكن "واو ما قبلها مضموم" في كلامهم لكونه مستثقلا حسا مع الأمن من الالتباس بالمثنى بثبوت الألف فيه دون الجمع "إلا" في آخر الاسم من الأسماء غير المتمكنة فإنه لا يوجد في المتمكن اسم بهذا الوصف أصلا وفي غير المتمكن لا يوجد غير "هو" ولو لم يحذف الواو كان على خلاف ما عليه كلامهم، ولما حذفت الواو ولم يبق الاحتياج إلى الألف الذي يكتب بعد الواو فحذف أيضا "ومن ثمة" أي ومن أجل أنه لا يوجد في آخر الاسم واو ما قبلها مضموم غير هو "يقال في جمع دلو أدل أصله أدلو قلبت الواو ياء"
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
المتصل وأول ما يبدأ بوضعه المرفوع المتصل ثم المخاطب ثم الغائب، فنقول: إنما ضموا التاء في المتكلم لمناسبة الضمة لحركة الفاعل، وفتحوا للمخاطب فرقا بينه وبين المتكلم بأخف الحركات، وكسروا للمخاطبة فرقا ولم يعكس الأمر بكسرها للمخاطب وفتحها للمخاطبة؛ لأن خطاب المذكر أكثر فالخفيف به أولى، وأيضا هو مقدم على المؤنث فخص للفرق بالتخفيف فلم يبق للمؤنث إلا الكسر "ولا التباس في التثنية" فبقي مضموما على الأصل "وقيل" ضمت التاء في ضربتما "اتباعا للميم؛ لأن الميم شفوية فجعلوا حركة التاء من جنسها" أي من جنس الميم الشفوي "وهو" أي الحركة التي هي من جنس الميم الشفوي "الضم الشفوي" لأنه جزء الواو وهي شفوية وجزء الشفوي شفوي وكذا ضمت التاء في ضربتم اتباعا لميم أيضا بل في ضربتن بناء على أن أصله ضربتمن "زيدت الميم في ضربتم حتى يطرد بتثنيته" في زيادة الميم لا لوجود علة الزيادة فيه وهي الالتباس هذا، قال الفاضل الرضي: زيدت الميم قبل واو الجمع المخاطب لئلا يلتبس بالمتكلم إذا أشبعت ضمته؛ فإنك إذا قلت: ضربتو لم يعلم أنه متكلم أشبعت ضمته للإطلاق أو جمع المخاطب وخصت الميم بالزيادة؛ لأن حروف العلة مستثقلة قبل الواو والميم أقرب الحروف الصحيحة إلى حروف العلة لقلتها ولكونها من مخرج الواو؛ أي شفوية ولذلك ضم ما قبلها كما يضم ما قبل الواو انتهى "وضمير الجمع فيه" أي في الجمع المخاطب وهو مثل ضربتم "محذوف وهو" أي ضمير الجمع "الواو؛ لأن أصله ضربتموا" فإن قلت: فما فائة التاء إذن؟ قلت: فيه قولان؛ قال بعضهم: إنها للفرق بينه وبين الجمع الغائب؛ لأن الميم زيدت بعد زيادة التاء، وحاصله زيدت للجمع المخاطب على ضرب مثلا أولا الواو فصارت ضربوا فالتبس بالجمع الغائب فزيدت التاء للفرق، ثم زيدت الميم ليطرد بتثنيته فصار ضربتموا، هذا ما اختاره المصنف أو لئلا يلتبس بالمتكلم إذا أشبعت ضمته، وهذا ما اختاره الرضي، وقال بعضهم: التاء مع الواو ضمير الجمع وجزؤه الأول متحرك بالضم؛ لأنه ضمير في الفاعل كما في التثنية وضعفه ظاهر "فحذفت الواو" وأسكنت الميم تخفيفا؛ لأن ضمها لأجل الواو كما أن فتحها في التثنية لأجل الألف هذا إذا لم يلاق الميم بعد حذف الواو ساكنا بعدها، وأما إذا لقي فيضم أيضا ردا لها إلى أصلها نحو: ضربتم القوم، وقيل: قد يكسر "لأن الميم" وحدها "بمنزلة الاسم" لأنها مستقلة؛ أي ليست بجزء من الفعل ولا من الفاعل فكأنها كلمة برأسها يؤيد ذلك قوله بخلاف ضربوا؛ لأن باءه ليست بمنزلة الاسم، وما قيل من أن الميم تجعل المضارع اسما إذا دخل في أوله، كما يقال في يخرج مخرج فيكون بمنزلة الاسم فضعيف؛ إذ المقصود بيان أن الميم في ضربتموا بمنزلة الاسم لا مطلق الميم مع أن الميم الذي يجعل المضارع اسما ليس بمنزلة الاسم فتأمل "ولا يوجد في آخر الاسم واو ما قبلها" حرف "مضموم إلا" كلمة "هو" وذلك لثقل الضم قبل الواو المتطرفة وإذا كان ثقيلا في الاسم كان ثقيلا أيضا فيما هو بمنزلته، وفي هذا الكلام نوع حزازة والأولى ما ذكره صاحب النجاح من أن الميم مع الواو ها هنا اسم ولا يوجد في آخر الاسم واو ما قبلها مضموم إلا كلمة هو "ومن ثمة" أي ومن أجل أنه لا يوجد في آخر الاسم واو ما قبلها مضموم "يقال في جمع دلو أدل" بفتح الهمزة وسكون الدال "أصله أدلو" بضم اللام فأعلت الواو المتطرفة بقلبها ياء ثم أبدلت ضمة اللام كسرة لأجل الياء ثم أعلت إعلال قاض فصار أدل، وفيه إعلال آخر، وهو أنه يكسر
[شرح ديكنقوز]
لوقوعها طرفا بعد ضمة، ثم كسرت اللام لأجل الياء ثم أعل إعلال قاض، ولو حذفت الواو ابتداء بقي بضم اللام؛ إذ لا وجه لزواله فيبقى أثر من ذلك الاستثقال المحسوس "بخلاف ضربوا" أي لم يحذف الواو منه "لأن باءه" مع الواو "ليست بمنزلة الاسم" لأن الباء لم يجعل شيئا من الأفعال اسما كما جعله الميم "وبخلاف ضربتموه" أي لم يحذف واوه وإن كان واوه بعد ميم "لأن الواو قد خرج من" كونه في "الطرف بسبب" اتصال "الضمير" به فلم يوجد شرط حذفه الذي هو وقوعه في الطرف فلم يحذف "كما" خرج الياء من الطرف بسبب اتصال التاء به "في العظاية" بفتح العين الغير المعجمة والظاء المعجمة، ولذلك لم يجب قلبها همزة؛ لأنه كما يقال: عظاءة بالقلب يقال: عظاية بلا قلب مع أنها وقعت بعد الألف الزائدة؛ لأنها من العظى وهو الشدة "وشدة نون ضربتن" أي جمع المؤنث المخاطبة "دون نون ضربن" أي جمع المؤنث الغائبة "لأن أصله" أي أصل ضربتين "ضربتمن" بالميم حملا على تثنيته؛ لأنها ضربتما بالميم "فأدغم الميم" بعد قلبه نونا "في النون لقرب الميم من النون" في المخرج؛ لأن الميم من الشفة والنون مما بين طرف اللسان وقريب الثنايا ولا شك أنهما متقاربان "ومن ثمة" أي من أجل كون الميم قريبا من النون "يبدل الميم من النون في مثل عمبر" أي في كون نون وقعت ساكنة قبل الباء وعنبر يلفظ بالميم ويكتب بالنون تنبيها على أن أصلها بالنون وكتابتها بالميم في الكتاب لتصوير التلفظ "لأن أصله عنبر" وإنما أبدلوها ميما؛ لأنهم لو تركوها والحال أن الحرف الذي بعدها من حروف الشفة وهو الباء فإن أظهرت النون؛ أي تلفظ على حالها على ما هو مصطلح القراء استقبحت ويعرف بالوجدان، وإن أخفيت على ما هو مصطلحهم أيضا استثقلت كما يشهد به الوجدان أيضا، وإن أدغمت في الباء مع قلبها باء لتقاربهما في المخرج ذهب ما في النون من الغنة فوجب قلبها ميما إبقاء لغنتها مع عدم منافاة الميم للباء في المخرج "وقيل أصله" أي ضربتن بالتشديد "ضربتن" بتخفيف البون بلا ميم؛ لأن العلة التي في التثنية لزيادة الميم لم توجد ها هنا، والأصل عدم الحمل "فأريد أن يكون ما قبل النون ساكنا ليطرد بجميع نونات النساء" في سكون ما قبلها نحو ضربن لئلا يجتمع أربع حركات متواليات ويضربن وتضربن حملا على ضربن واضربن وليضربن ولا يضربن ولا تضربن للوقف والجزم "ولا يمكن إسكان تاء المخاطبة لاجتماع الساكنين" أي لئلا يلزم اجتماعهما أحدهما الباء والآخر التاء "ولا يمكن حذفها" أي التاء دفعا لاجتماع العلامتين "لأنها علامة" الخطاب "والعلامة لا تحذف" إلا إذا اجتمعنا لشيء واحد فتحذف إحداهما للاستغناء عنها بالأخرى، وها هنا ليس للخطاب علامة أخرى حتى تحذف التاء فاضطروا إلى زيادة حرف، ولم تكن الزيادة من حرف العلة، أما الألف والياء فلضمة التاء وأما الواو فلكراهتهم اجتماع علامة جمع المذكر مع علامة جمع المؤنث
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
أولا ثم يقلب الواو ياء لكسرة ما قبلها، ثم أعل إعلال قاض ففي الأول يكون قلب الواو سببا لتبديل الضمة كسرة، وفي الثاني يكون تبديل الضمة كسرة سببا لقلب الواو المتطرفة ياء، فكلاهما مما نحن فيه، ولا يجوز الإعلال بحذف الواو ابتداء؛ لأنه لم يبق حينئذ سبب لتبديل الضمة الثقيلة كسرة مع أنه مقصود أيضا "بخلاف ضربوا" أي الحال في ضربوا على خلاف ما ذكرنا في ضربتموه فإنه لم يحذف الواو منه "لأن باءه ليست بمنزلة الاسم" لأنها جزء من الفعل فلا يكون له استقلال ما حتى يكون بمنزلة الاسم "وبخلاف ضربتموه" فإن الواو لم تحذف منه أيضا مع أن الميم بمنزلة الاسم "لأن الواو خرج من الطرف" اتصال "بسبب الضمير" وقد عرفت أن الحذف مشروط بوقوعه في الطرف فانتفى الشرط فلم يحذف ويبقى الميم مضموما لأجلها "كما" لم يقلب الياء همزة مع كونه واقعا بعد ألف زائدة "في العظاية" لانتفاء شرط القلب، وهو وقوعه في الطرف بعد ألف زائدة بسبب اتصال التاء له، والعظاية دويبة أكبر من الوزغة "وشدد نون ضربتن دون ضربن لأن أصله" أي أصل ضربتن "ضربتمن" بالميم بدليل ثبوتها في التثنية نحو ضربتما "فأدغم الميم في النون لقرب الميم من النون" لأن الميم شفوية والنون من المخرج السابع من مخارج الفم، وهو طرف اللسان ومما فوقه من الحنك، والأوجه أن يقال: يدت النون مشددة ليكون بإزاء الميم والواو في المذكر نحو: ضربتموه، وإنما اختاروا النون لمشابهته بسبب الغنة للميم والواو معا مع كون الثلاثة من حروف الزيادة، كذا قرره الرضي وصاحب النجاح "ومن ثمة" أي ومن أجل قرب الميم من النون "تبدل من النون في عمبر" بالميم "لأن أصله عنبر" بالنون ولا يجوز الإبقاء على أصله؛ لأن الحرف الذي بعدها وهو الباء شفوية، فإن أظهر استقبح لعدم توافقهما، وإن أخفي استثقل وإن أدغم النون فيها بعد قلبها ذهب ما في النون من الغنة وهو غير جائز، فوجب قلبها ميما لتوافقه النون في الغنة ولا ينافي الباء في المخرج فلا يستقبح "وقيل أصله ضربتن" بتخفيف النون "فأريد أن يكون ما قبل النون ساكنا ليطرد بجميع نونات النساء" في إسكان ما قبلها في الماضي والمضارع، نحو: ضربن ويضربن وتضربن "ولا يمكن إسكان تاء المخاطبة" التي قبل النون "لاجتماع الساكنين" لأن ما قبل التاء ساكن أيضا "ولا يمكن حذفها" أي حذف التاء "لأنها علامة" للخطاب "والعلامة لا تحذف" ولا علامة غيرها حتى يجوز حذفها
[شرح ديكنقوز]
فصل وتدخل المضمرات في الماضي وأخواته
"فأدخل النون لقرب النون" الزائدة "من النون" العلامة في النونية وفي لفظ القرب إشارة إلى ما ذكرنا من القيدين "ثم أدغم" إحدى النونين في الأخرى للجنسية، ووقع الإدغام بأن أدرج أولاها في الثانية، وقيل: إنما زيد حرف في الجمع المؤنث ليكون بإزاء الميم في جمع المذكر واختير النون لمشابهتها الميم بسبب الغنة "وزيدت التاء" لضمير الشخص المتكلم الواحد مذكرا كان أو مؤنثا "في ضربت" بضم التاء "لأن تحته" أي ضربت "أنا مضمر" وقد مر نظيره في الإعراب والقياس أن يزاد من حروف أنا إلا أنه "لا يمكن الزيادة من حروف أنا للالتباس" لأنه لو زيدت الهمزة وهي حقيقة ألف تحركت التبس بتثنية الغائب، ولو زيدت النون التبس بجمع المؤنث الغائب، ولا يمكن أيضا أن يزاد من حروف العلة؛ أما الألف فلما مر، وأما الواو فللزوم الالتباس بالجمع، وأما الياء فلعدم تحمله علامة الفاعل أعني الضم "فاختير التاء" للزيادة دون غيره من حروف الزيادة "لوجوده" أي التاء "في أخواته" أي أخوات ضربت، وهي ضربت وضربت وضربتما وضربتم وضربتن، وأما زيادة التاء في تلك الأخوات فحكم وضعي، ولعل حكمتها أنه لما كان المخاطب من يلقى إليه الكلام اختير له حرف شديد لينتبه عن سنة الغفلة وألقى سمعه إلى ما يلقى إليه وهو شهيد، والحروف الشديدة هي "أجدك قطبت" ولا يمكن زيادة الألف منها للالتباس بالتثنية وغير التاء مما بقي ليس من حروف الزيادة فتعين التاء "وزيدت النون في ضربتا" لضمير الشخصين المتكلمين مذكرين كانا أو مؤنثين ولضمير الأشخاص المتكلمة سواء كانت على صيغة الذكورة أو الأنوثة "لأن تحته نحن مضمر" وفيه نون فزيدت النون في ضربنا ليوافق ما أضمر تحته "ثم زيدت الألف حتى لا يلتبس بضربن" أي لجمع المؤنث واختص الألف للخفة "وقيل" إنما زيدت النون "لأن تحته أننا مضمر" وفيه نون ثم زيد الألف دفعا للالتباس واختص الألف لوجوده في أننا.
"فصل: وتدخل المضمرات" المرفوعة والمنصوبة؛ أي تتصل، وإنما عبر عن الاتصال بالدخول ليتناول المستكن من المتصل إذا المتبادر من الاتصال اللغوي "في الماضي وأخواته" من الأفعال، وأما الصفات فيدخلها المرفوع والمنصوب كالأفعال والمجرور أيضا ولا يتصل بالحروف إلا المنسوب والمجرور والأسماء إلا المجرور "وهي" أي جميع المضمرات "ترتقي إلى ستين نوعا" وإنما انحصر فيها "لأنها" أي المضمرات "في الأصل ثلاثة" أحدها مضمر "مرفوع و" ثانيها مضمر "منصوب و" ثالثها مضمر "مجرور" وإنما انحصرت في الثلاثة؛ لأنها كناية عن المظهر وهو إما مرفوع أو منصوب أو مجرور
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"فأدخل النون" الساكنة قبل النون الضمير؛ ليكون ما قبلها ساكنا أيضا، وعيلت النون دون غيرها "لقرب النون" الداخلة من النون التي هي ضمير الجمع والتاء ليست بضمير كما في المفرد، بل علامة للخطاب فقط "ثم أدغم النون في النون" فصار ضربتن "زيدت التاء في" مثل "ضربت" أي نفس المتكلم وحده مذكرا كان أو مؤنثا "لأن تحته أنا مضمر" يعني يدل ضمير ضربت على ما يدل عليه أنا وقد مر مثله غير مرة، وإذا كان تحته أنا ناسب أن يراد من حروفه "ولكن لا يمكن الزيادة من حروف أنا للالتباس" لأنه لو زيدت الألف التبس بتثنية الغائب نحو ضربا وإن زيدت النون التبس بجمع الغائبة نحو ضربن "فاختيرت التاء لوجوده في أخواته" المراد بأخوات ضربت أمثلة الخطاب؛ لأن المتكلم يصاحب المخاطب ويكالم معه، فلا يتصور أحدهما بدون الآخر فصار كأنهما أخوان "وزيدت النون في" مثل "ضربنا" أي في نفس المتكلم مع الغير مثنى كان أو مجموعا مذكرا كان أو مؤنثا "لأن تحته نحن مضمر" قد عرفت معنى الإضمار تحته فزيدت النون التي في نحن أولا "ثم زيدت الألف حتى لا يلتبس بضربن" فصار ضربنا "وقيل تحته أننا مضمر" فزيدت الألف والنون اللتان في أننا معا.
ولما فرغ من بيان أمثلة الماضي مع ما يتصل بها من الضمائر ناسب أن يبين مطلق الضمائر فقال "فصل: وتدخل المضمرات في الماضي وأخواته" المراد من أخوات الماضي ها هنا كل ما يمكن أن يستتر فيه الضمير من المستقبل والأمر والنهي وسائر الصفات المشتقة.
اعلم أن المقصود من وضع المضمرات رفع الالتباس؛ فإن أنا لا يصلح إلا لمعين واحد فقط وهو المتكلم المعين، وأنت لا يصلح أيضا إلا لمعين واحد فقط وهو المخاطب المعين، وكذا ضمير الغائب نص في أن المراد هو المذكور بعينه في مثل: جاءني زيد وإياه ضربت، ولا يحصل هذا التعيين للأسماء الظاهرة في قسم من "الأقسام الثلاثة فإنه لو سمى المتكلم نفسه بعلمه لا بلفظة أنا، وقال: مكان أنا قائم زيد قائم ربما التبس عند السامع أهو المتكلم أم زيد آخر بخلاف أنا قائم وهو ظاهر، وكذا لو سمى المتكلم المخاطب بعلمه لا بلفظة أنت، وقال: مكان أنت قائم زيد قائم ربما يحصل الالتباس، وكذا لو كرر المذكور مكان ضمير الغائب، وقيل: مكان جاءني زيد وإياه ضربت جاءني زيد وزيدا ضربت لم يعلم أن زيد الثاني هو الأول بعينه أو زيد آخر، وهذه الفائدة في الضمائر المنفصلة، وأما في المتصلة فيحصل مع رفع الالتباس المذكور الاختصار في اللفظ أيضا كذا حققه الفاضل الرضي "وهي" أي المضمرات "ترتقي إلى ستين نوعا" أي ستين لفظا لتسعين معنى كما ستطلع عليه "لأنها" أي المضمرات "في الأصل ثلاثة" الأول "مرفوع و" الثاني "منصوب و" الثالث "مجرور" لأن المضمرات كما أشرنا قائمة مقام الظاهر لدفع الالتباس إن كان منفصلا وله، وللاختصار إن كان متصلا
[شرح ديكنقوز]
"ثم يصير كل واحد منها" أي من تلك الثلاثة "اثنين" متصلا أو منفصلا "نظرا إلى اتصاله" فكذا الكناية عنه إما مرفوع أو منصوب أو مجرور أي اتصل كل واحد منها "وانفصاله" لأنه إذا استقل في التلفظ فمنفصل وإلا فمتصل "فاضرب الاثنين" أي المتصل والمنفصل "في الثلاثة" أي المرفوع والمنصوب والمجرور؛ أي اجعل كل واحد من المتصل والمنفصل مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، وهذا أي جعل كل واحد من المضروب مثل المضروب فيه هو معنى الضرب فليكن على ذكر منك "حتى يصير" المجموع الحاصل من الضرب "ستة ثم أخرج" أنت من الستة "المجرور المنفصل حتى لا يلزم تقديم المجرور" أي جواز تقديمه "على الجار" فلا يقال: زيد به، بل يقال: بزيد؛ يعني لما احتيج إلى التقديم والتأخير في الضمائر بحسب المقام وضعوا الضمير المنفصل لهذا؛ إذ هو الصالح له دون المتصل، ولما جاز تقديم المرفوع والمنصوب في المظهر، نحو: زيد فعل وعمرا أكرمت وضعوا لهما المنفصل من الضمير جريا بالمضمر مجرى المظهر، ولما لم يجز تقديم المجرور على الجار في المظهر؛ لأنه كالجزء الأخير من الجار، ولذلك لا يجوز الفصل بينهما في السعة، لم يضعوا له المنفصل؛ إذ لو وضعوه له لزم جواز تقديمه على الجار على ما هو شأن المنفصل وبالغرض من وضعه جواز تقديم الجزء الأخير ضروري البطلان "فبقي لك" من تلك الستة بعد إخراجك المجرور المنفصل منها "خمسة" أي خمسة أنواع أحدها "مرفوع متصل و" ثانيها "مرفوع منفصل و" ثالثها "منصوب متصل و" رابعها "منصوب منفصل و" خامسها "مجرور متصل ثم انظرا إلى المرفوع المتصل وهو يحتمل ثمانية عشر وجها" أي صورة ثمانية عشر معنى "في العقل" بحسب اعتبار المراتب العرفية "ستة" منها "في" حق "الغائب مع الغائبة" في مفرد كل منهما وفي تثنية كل منهما وفي جمع كل منهما "وستة" منها "في" حق "المخاطب مع المخاطبة" كذلك "وستة في" حق "الحكاية" أي المتكلم والمتكلمة ثلاثة له وثلاثة لها فمجموع الستات ثمانية عشر "واكتفي بخمسة" من الوجوه الستة "في الغائب والغائبة باشتراك التثنية" فيهما نحو: ضربا وضربتا، ولا اعتبار للتاء في التثنية الغائبة؛ لأنها ثابتة قبل التثنية، بل الضمير هو الألف فقط ولا دخل للتاء في اختلاف الضمير بخلاف ضربت وضربت ضربت وأنت وأنت وأنتما وأنتم حيث عدت الثلاثة الأول ألفاظا متعددة باعتبار اختلاف الحركات، وإن كان الضمير في الكل التاء فقط، وكذا عدت الأربعة الأخيرة ألفاظا متعددة، وإن كان الضمير في كلها أن فقط؛ لأن اقتران الأمور الخارجية المتميزة من الحركات والتاء وغيرهما من هذه الألفاظ إنما هو بعد وضع الضميرين؛ أعني التاء وأن فيكون لها دخل في اختلاف الضمائر "لقلة استعمالها" أي التثنية فلم يبال بالالتباس فيما
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
والظاهر إما مرفوع أو منصوب أو مجرور فكذا ما يقوم مقامه من المضمرات "ثم يصير كل واحد منها" أي من هذه الثلاثة "اثنين نظرا إلى اتصاله وانفصاله" يعني أن كل واحد منها إما متصل أو منفصل؛ لأنه إما أن يستقل بنفسه أو لا يستقل، ومعنى الاستقلال أنه لا يحتاج في التلفظ إلى كلمة أخرى قبله فيكون كالتتمة لها، بل هو كالظاهر نحو: أنت، ومعنى عدم الاستقلال أنه يتصل بعامله الذي قبله فيكون كالتتمة لذلك العامل ولبعض حروفه ولا يمكن التلفظ بدونه، نحو: ضربت فالأول المنفصل والثاني المتصل كذا قيل "فاضرب" ذينك "الاثنين في" تلك "الثلاثة حتى يصير" الحاصل من الضرب "ستة" قوله "ثم أخرج" عطف على اضرب فيكون أمرا أيضا من باب الأفعال "المجرور المتصل" من الستة "حتى لا يلزم تقديم المجرور على الجار" هذا هو الدليل المشهور، لكن فيه نظر؛ إذ الانفصال لا يستلزم التقدم والدليل المطابق القياس على المظهر، كما أشار إليه بعض المحققين بقوله: المضمر المتصل جار مجرى المظهر في استقلاله والتلفظ به وحده فيقع مرفوعا ومنصوبا نحو: هو فعل وإياك أكرمت كما يقع المظهر كذلك ولا يقع مجرورا ألبتة، كما لا يقع المظهر المنفصل مجرور؛ إذ لا يمكن انفصال المجرور عن الجار بخلاف المرفوع والمنصوب وإذا أخرجت المجرور المنفصل "فبقي لك" من الستة "خمسة" الأول "مرفوع متصل و" الثاني "مرفوع منفصل و" الثال "منصوب متصل و" الرابع "منصوب منفصل و" الخامس "مجرور متصل ثم انظر إلى" ضمير "المرفوع المتصل وهو يحتمل ثمانية عشر نوعا" من أنواع ألفاظ الضمائر "في العقل" لأن المعاني التي عبر عنها بالضمير المرفوع المتصل ثمانية عشر فيعتبر العقل لكل معنى منها ضميرا على حدة بالأصالة "ستة" منها "في الغيبة" لأن الغائب إما مذكر أو مؤنث وعلى التقديرين إما مفرد أو مثنى أو مجموع "وستة" منها "في الخطاب" لأن المخاطب أيضا إما مذكر أو مؤنث وعلى التقديرين إما مفرد أو مثنى أو مجموع "وستة" منها "في الحكاية" لأن المتكلم أيضا إما مذكر أو مؤنث، وعلى التقديرين إما مفرد أو مثنى أو مجموع فيصير المجموع ثمانية عشر معنى، فإذا عبر عن كل معنى بضمير على حدة يكون ألفاظ الضمائر أيضا ثمانية عشر "و" لكن "اكتفي" في ستة "من ثمانية عشر معنى بخمسة" من الألفاظ "في الغيبة باشتراك التثنية" الأولى أن يقال باشتراك التثنيتين "لقلة استعمالها" يعني تشترك تثنية الغائب والغائبة في ضمير واحد وهو الألف لا غير اشتراكا لفظيا؛ لقلة استعمال التثنية، نحو: ضربا وضربتا والتاء ليست بضمير، بل حرف التأنيث فقط كذا قرره الفاضل الرضي فظهر بطلان ما قيل من أن المراد من الاشتراك ها هنا الاشتراك
[شرح ديكنقوز]
قل استعماله "وكذلك" اكتفي بخمسة "في المخاطب والمخاطبة" باشتراك التثنية كذلك نحو: ضربتما فيهما "واكتفي في الحكاية بلفظين" أي بلفظ المفرد للمتكلم والمتكلمة وحدهما، نحو: ضربت فيهما وبلفظ الجمع لجماعة المتكلم والمتكلمة مع غيرهما، ولاثنين منهما نحو: ضربنا في جمعهما وتثنيتهما "لأن" الشخص "المتكلم يرى" أي يبصر "في أكثر الأحوال" فيعلم حاله من الذكورة والأنوثة "أو يعلم بالصوت أنه مذكر أو مؤنث" واشتباه الأصوات في غاية القلة فلا اعتداد به فألغى اعتبار التذكير والتأنيث لقلة الفائدة فيه، وأما إلغاء اعتبار التثنية والجمع فلعدم وجود شرطهما وهو اتفاق الاسمين والأسماء في اللفظ؛ لأنه إذا قيل فصل أنتما قلت: يا زيد وأنت يا عمرو وكذا في أنتم قلت: أنت يا زيد وأنت يا عمرو وأنت يا خالد، وأما إذا قلت نحن وأردت المثنى، وقيل لك فصل، قلت: أنا وزيد أو أنا وأنت أو أنا وهو، وكذا إذا أردت المجموع فقيل فصل قلت: عمرو وليس كل أفراده أنا فلما لم يمكنهم إجراء تثنيته وجمعه على ما أجرى عليه سائر المثنى والمجموع ارتجلوا لمثنى صيغة لكونه مقدما وشركوا معه الجمع فيها للأمن من اللبس بسبب القرائن "فبقي لك" بعد الاكتفاءات الثلاث وأسقط الستة من ثمانية عشر وجها في المرفوع المتصل "اثنا عشر نوعا وإذا صار قسم واحد" وهو المرفوع المتصل "من تلك القسمة" أي الأقسام الخمسة أو من تلك الأقسام الخمسة "اثني عشر نوعا فيصير" فلا شك في أنه يصير "كل واحد منها" أي من الأقسام الأربعة الباقية من تلك القسمة، وهي المرفوع المنفصل والمنصوب المتصل والمنفصل والمجرور المتصل "مثل ذلك" القسم الواحد؛ أعني المرفوع المتصل "فيحصل لك بضرب الخمسة" الباقية من الستة الحاصلة من ضرب الاثنين في الثلاثة "في اثني عشر" الباقية من ثمانية عشر "ستون نوعا" الباقية من تسعين الحاصلة من ضرب ثمانية عشر في خمسة فمنها "اثنا عشر نوعا للمرفوع المتصل نحو ضرب إلى ضربنا" كما مر في أول الفصل، وقد مر أيضا له سكون آخر مثل: ضربنا، وإنما قدم الضمير المرفوع على غيره؛ لأن المرفوع مقدم على غيره وقدم المنصوب على المجرور؛ لأن المنصوب مفعول بلا واسطة والمجرور مفعول بواسطة وقدم متصلى المرفوع والمنصوب على منفصليهما؛ لأن المتصل مقدم على المنفصل لكونه أخصر "و" منها "اثنا عشر نوعا للمرفوع المنفصل نحو هو ضربط" تقول: هو ضرب هما ضرباهم ضربوا هي ضربت هما ضربتا هن ضربن أنت ضربت أنتما ضربتما أنتم ضربتم أنت ضربت أنتما ضربتما أنتن ضربتن أنا ضربت منتهيا "إلى نحن ضربنا"
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
المعنوي لا اللفظي لعدم اشتراك لفظيهما؛ لأن الضمير تثنية المذكر المذكر الألف وحده نحو ضربا وضمير تثنية المؤنث الألف مع التاء نحو ضربتما فافترق الحال في اللفظ إلا أن ضمير منفصلهما هما "وكذا" اكتفي في ستة من المعاني بخمسة من الضمائر "في الخطاب" باشتراك التثنية لقلة استعمالها لها نحو ضربتما "و" اكتفي "في الحكاية بلفظين" من الضمائر في ستة من المعاني أحدهما للمفرد مذكرا كان أو مؤنثا نحو: ضربت والآخر للمثنى والمجموع مذكرين كانا أو مؤنثين نحو ضربنا "لأن المتكلم يرى في أكثر الأحوال" فيعلم أنه مذكر أو مؤنث "أو يعلم بصوته أنه مذكر أو مؤنث" وإن اشتبه في بعض الصور ويعلم أيضا أنه مثنى أو مجموع في أكثر الأحوال فلا حاجة إلى كثرة الأمثلة لقلة الالتباس "فبقي لك" بعد إسقاط من ثمانية عشر "اثنا عشر نوعا" لثمانية عشر معنى "فإذا صار قسم واحد" حاصل "من تلك القسمة" وهو المرفوع المتصل "اثنا عشر" نوعا "فيصير كل واحد" حاصل "منها" أي من تلك القسمة وهو المرفوع المنفصل والمنصوب المتصل والمنصوب المنفصل والمنصوب المنفصل والمجرور المتصل "مثل ذلك" أي مثل ذلك القسم الواحد وهو المرفوع المتصل؛ أي يصير كل من الأنواع الأربعة الأخرى اثنا عشر أيضا بعين ما ذكره من قلة استعمال التثنية وعدم الالتباس في الحكاية "فيحصل لك بضرب الخمسة" وهي المرفوع المتصل والمنفصل والمنصوب المتصل والمنفصل والمجرور المتصل "في اثني عشر" خمسة في الغيبة وخمسة في الخطاب ولفظين في الحكاية "ستون نوعا" لستين معنى "اثنا عشر" من تلك الستين "للمرفوع المتصل نحو ضرب إلى ضربنا" أي ضرب ضربا ضربوا ضربت ضربنا ضربوا ضربت ضربنا ضربن ضربت ضربتما ضربتم ضربت ضربتما ضربتن ضربت ضربتا الصيغة المذكورة أربعة عشر، لكن الضمير فيها اثنا عشر بسبب اشتراك النيتين كما عرفت "واثنا عشر للمنفصل" المرفوع "نحو هو ضرب إلى نحن ضربنا" أي هو ضرب هما ضرباهم ضربوا هي ضربت هما ضربتا هن ضربن أنت ضربت أنتما ضربتما أنتم ضربتم أنت ضربت أنتما ضربتما أنتن ضربتن أنا ضربت نحو ضربنا.
اعلم أن أنا للمتكلم المفرد مذكرا كان أو مؤنثا، وهو عند البصريين همزة ونون مفتوحة والألف يؤتى بها بعد النون في الوقف لبيان فتح النون؛ لأنه لولا الألف لسقطت الفتحة للوقف فيلتبس بأن الحرفية لسكون النون، وقال الكوفيون: إن الألف بعد النون من نفس الكلمة فأجاب عنه البصريون بأن سقوطه في الوصل في الأغلب مع فتح النون أو سكونه يدل على زيادته، وأما نحن للمتكلم مع الغير وهو كالمرفوع المتصل في صلاحيته للمثنى والمجموع مذكرين كانا أو مؤنثين، والدليل عليه ما مر
[شرح ديكنقوز]
وتحريك نون نحن إنما هو للساكن وضمه إما لكونه ضميرا مرفوعا، وإما لدلالته على المجموع الذي حقه الواو "والأصل في" اطراد أمثلة لفظة "هو أن يقال هو هوا هوو" على ما هو مذهب البصريين؛ لأن الواو في هو والياء في هي من أصل الكلمة عندهم، وأما عند الكوفيين فللاشباع تقوية للاسم والضمير في هو الهاء وحدها بدليل سقوطها في التثنية والجمع والأول هو الأوجه؛ لأن حرف الاشباع لا يتحرك وأيضا حرف الإشباع لا يثبت في آخر الكلمة إلا لضرورة، وإنما حركت الواو والياء لتصير الكلمة بالفتحة مستقلة حتى يصح كونهما ضميرا منفصلا، إذ لولا الحركة لكانتا كأنهما للإشباع على ما ظن الكوفيون، ولهذا إذا أردت عدم استقلالهما أسكنت الواو والياء نحو إنهو وبهى "لكن جعل الواو ميما في الجمع" وقوله: "لاتحاد مخرجهما" وهو الشفة تعليل للقلب الخاص قدمه على تعليل مطلق القلب؛ أعني قوله: "ولكراهية اجتماع الواوين في الطرف" فإن الواو أثقل حروف العلة فيكون اجتماعهما ثقيلا مع أن اجتماع المجانسين مطلقا ثقيل وخاصة في الضمير؛ لأنه ضعيف بسبب إبهامه نظرا إلى ظاهر قوله جعل الواو ميما، وإلا فاللائق تأخيره "فصار" الجمع بعد الجعل المذكور "همو ثم حذفت الواو كما" أي كحذفها الذي "مر في ضربتمو" في أنه إنما واقع لعدم وجود اسم آخره واو ما قبلها مضموم "وحملت التثنية عليه" أي على الجمع في الجعل في الجعل المذكور، وإن لم يكن علة الجعل موجودة فيها طردا أو مشاكلة "وقيل" إمنا لم يبق الواو على حالها في التثنية "حتى" لا يقع الفتحة على الواو الضعيف وهي وإن كانت خفيفة بالنسبة إلى أختيها إلا أنها في نفسها حركة وهي ثقيلة، وإنما جعل ميما دون غيره لاتحاد مخرجهما مع أنه من حروف الزيادة وهو قوي فالأولى أن "يقع الفتحة على الميم القوي" المتحد المخرج بالواو "وأدخل الميم في أنتما" إذ الأصل أن يقال: أنت أنتا أنتو أنت أنتا أنتن بتخفيف النون "كما" أي كالإدخال الذي "مر في ضربتما" في أنه إنما وقع حتى لا يلتبس ألفه بألف الإشباع في الوقف "وحمل الجمع" للخطاب وهو أنتموا أنتمن "عليه" أي على أنتما في إدخال الميم وإن لم يوجد علة الإدخال فيه وبقي العمل فيهما كما في ضربتم وضربتن "ولا تحذف واو هو" وإن كان في آخر الاسم واو قبلها ضمة
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
المتصل من أن المتكلم يرى في أكثر الأحوال أو يعلم بصوته أنه مذكر أو مؤنث، وتحريك النون لالتقاء الساكنين، وضمه إما لكونه ضميرا مرفوعا، وإما لدلالته على المجموع الذي حقه الواو، وأما أنت إلى أنتن فالضمير عند البصريين أن وأصله أنا وكأن أنا عندهم ضمير صالح لجميع المخاطبين والمتكلم فابتدءوا بالمتكلم، وكان القياس أن يبينوه بالتاء المضمومة نحو أنت إلا أن المتكلم لما كان أصلا جعلوا ترك العلامة له علامة وبينوا المخاطبين بتاء حرفية بعد أن، ومذهب الفراء أن أنت بكماله اسم والتاء من نفس الكلمة، ومذهب بعض الكوفيين وابن كيسان أن الضمير التاء المتصرفة كما كانت عند الاتصال، لكنهم لما أرادوا انفصالها دغموها بأن لتستقل لفظا "والأصل في هو أن يقال" في تثنيته "هوا" وفي جمعه "هووا" كما يقال ضربا ضربوا.
اعلم أن الواو في هو والياء في هي من أصل الكلمة لا للإشباع عند البصريين؛ لأن حرف الإشباع لا يتحرك، وأيضا لا يثبت حرف الإشباع إلا ضرورة، وأما عند الكوفيين هما للإشباع والضمير الهاء وحدها بدليل التثنية والجمع فإنك تحذفهما فيهما، وأنت تعلم أن ما ذكره البصريون من الدليلين حجة على الكوفيين وحذفهما في التثنية والجمع لا ينافي كونهما من أصل الكلمة، فالقياس عند البصريين أن يقال في التثنية والجمع هوا هووا "ولكن جعل الواو ميما في الجمع لاتحاد مخرجهما" وهو الشفة "واجتماع الواوين" واو الضمير والواو الذي هو جزء الضمير واجتماعهما غير جائز؛ لأن الواو أثقل حروف العلة مع أن الأول مضموم فاجتماعهما في غاية الثقل "فصار همو ثم حذفت الواو لما مر" أي لعلة مذكورة "في ضربتمو" وهو أنه لا يوجد اسم آخره واو ما قبلها مضموم وأسكنت الميم؛ لأن ضمها لأجل الواو فصار هم "وحملت التثنية عليه" في جعل الواو ميما فصارت هما "وقيل" جعلت الواو في التثنية ميما "حتى يقع الفتحة على الميم القوي" لا على الواو الضعيف هذا بيان لما في الكتاب.
وقال الفاضل الرضي: وكان القياس في المثنى والمجموع على مذهب البصريين هوما وهيما وهوم وهين فخفف بحذف الواو والياء، والكلام في زيادة الميم وحذف الواو في جمع المذكر وزيادة النونين في جمع المؤنث على ما ذكرنا في المتصل سواء انتهى عبارته؛ يعني زيدت الميم في التثنية لدفع التباس ألف التثنية بألف الإشباع، وفي الجمع لدفع التباس واو الجمع بواو الإشباع، وحذفت واو الجمع في همو؛ لأنه لا يوجد اسم آخره واو ما قبلها مضموم وزيدت في هن نون مشددة لتكون بإزاء الميم واو أو في المذكر فتبصر "وأدخل الميم في أنتما لما مر في ضربتما" يعني أن القياس أيضا في تثنية أنت وجمعه أنتا وأنتو لكن لما التبس ألف التثنية بألف الإشباع في أنتا أدخل الميم فيه لدفع الالتباس، كما في ضربتما فصار أنتما وعلة تعيين الميم بالزياد لدفع الالتباس قد مرت "وحمل الجمع عليه" في زيادة الميم فصار أنتموا فحذفت الواو لما مر وأسكنت الميم فصار أنتم "ولا تحذف واو هو" مع أن القياس الحذف؛ لأنه اسم آخره واو ما قبلها مضموم.
[شرح ديكنقوز]
"لقلة حروفه من القدر الصالح" أي من المقدار الذي يصلح أن يكون ذلك المقدار كلمة وهو ثلاثة أحرف؛ حرف للابتداء به، وحرف للوقف عليه، وحرف للتوسط بينهما "وتحذف واو هو" جواز "إذا تعانق " هو "بشيء آخر" أي اتصل بأوله شيء آخر اتصال تعانق حتى يكون كجزء منه وعاملا فيه ويوجب كونه ضميرا متصلا من مضاف، نحو: غلامه أو حرف جر، نحو: له أو فعل، نحو: ضربه، وإنما قال: إذا تعانق ولم يقل إذا اتصل لئلا يرد عليه نحو "لهو البلاء، ولهي الحيوان" فإن اللام فيهما ليست بمعانقة معهما على ما فسرنا التعانق "لحصول كثرة الحروف بالمعانقة مع وقوع الواو في الطرف" وقبله ضمة، ولذلك لا تحذف ياء هو وإن تعانق بشيء آخر، بل تقلب ألفا كما يجيء "و" حينئذ "يبقى الهاء مضموما على حاله" قبل حذف الواو إن لم يمنع منه مانع "نحو له" وجاءني غلامه وضربه.
واعلم أنهم لما أرادوا وضع المتصل الغائب في الضمير المنصوب اختصروه بفرديه من المرفوع المنفصل الغائب على ما هو مقتضى وضع المتصل فحذفوا حركة الواو والياء من هو وهي، ثم إذا اتصل بشيء فلا يخلو من أن يكون ما قبل الهاء متحركا أو ساكنا؛ فإن كان ساكنا فالجمهور على حذف الواو سواء كان الساكن حرف لين كعليه أو غيره كمنه؛ لأن الهاء حرف خفي فكأنه التقى ساكنان وابن كثير يثبت الواو والياء المنقلبة منه نحو عليهي ومنهو فكأنه نظر إلى وجود الهاء وإن كان متحركا يثبت الواو والياء المقلوبة منه نحو بهى ولهو وضربه؛ لأن الواو في حكم المعدوم بسبب إسكانه؛ لأن الحرف الذي أسكن كالميت فصار كأنه لم يوجد في آخر الاسم واو ولا يرد واو ضربتمو إذ هو ساكن من الأصل، وأما عدم ثبوتهما في الخط حينئذ فللحمل على ما سكن قبل الهاء فيه وبنو عقيل وكلاب يجوزون حذف الواو والياء حال الاختيار مع إبقاء ضمة الهاء وكسرتها نحو به وغلامه حملا له على الساكن فقوله: ويحذف إذا تعانق إلخ، إما إشارة إلى مذهب الجمهور في الساكن وإلى لغة بني لغة بني عقيل وكلاب في المتحرك أو المراد به الحذف من اللفظ في الكل والواو الثابت في المتحرك حينئذ يكون من إشباع الحركة لتحسين اللفظ بعد حذف الواو للعلة المذكورة، وأما إرادة الحذف من الخط فيأباه سياق الكلام "ويكسر الهاء" بعد حذف الواو من هو "إذا كان ما قبله" أي الهاء "مكسورا أو ياء ساكنة حتى لا يلزم الخروج من الكسرة" التحقيقية والتقديرية "إلى الضمة" التحقيقية وهو ثقيل بالوجدان "نحو" عبد "غلامه" فيما كان ما قبله مكسورا "وفيه" فيما كان قبله ياء ساكنة وعليه ولديه وأشباهها وأما ضم الهاء في "وما أنسانيه، وعليه الله" على قراءة عاصم في رواية حفص فلعله على لغة أهل الحجاز فإنهم يبقون ضمة الهاء على الأصل وإن كان ما قبلها ياء أو كسرة نحو بهو ولد يهو، وأما حذف الواو فيهما فلعله على مذهب الجمهور أو نقول لعل ضم الهاء فيهما للحمل على نحو منه "ويجعل ياء هي ألفا" فيصير هاء مع أن الأصل على ما هو مذهب البصريين أن يقال: هي هياهين ويجعل كسرة ما قبلها فتحة للألف إذا تعانق بشيء آخر نحو بها حتى لا يلتبس المؤنس بالذكر؛ لأن ضمير المذكر إذا ولي الياء أو الكسرة قلبت واوه؛ لأن الهاء حرف خفى فهو إذا حاجز غير حصين، وكأن الواو الساكنة وليت الكسرة أو الياء فقلبت ياء وكسرت الهاء لأجل الياء بعدها، فلو لم تقلب ياء هي ألفا لالتبس المؤنث بالمذكر في مثل: بهي وجعل في غيره ألفا أيضا طردا للباب نحو: لها، وإذا لم يكن ما قبل الهاء ياء أو كسرة فهو مضموم على
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"لقلة حروفه من القدر الصالح" أي من المقدار الذي يحتاج إليه في الكلمة وهو ثلاثة أحرف حرف يبتدأ به وحرف يوقف عليه وحرف يتوسط بينهما "ويحذف" واو هو "إذا تعانق" أي اتصل "بشيء آخر" قبله سواء كان فعلا نحو: ضربه أو اسما نحو غلامه أو حرفا نحو به "لحصول كثرة الحروف بالمعانقة مع وقوع الواو على الطرف وتبقى الهاء مضموما على حاله نحو: له" بالاتفاق "إذا لم يكن ما قبلها مكسورا أو ياء ساكنة" إلا ما حكى أبو علي أن ناسا من بكر بن وائل يكسرونها في الواحد والمثنى والجمعين، نحو: منه منهما منهم منهن؛ إتباعا لحركة الميم وعدوا الحاجز غير حصين لسكونه "وتكسر الهاء" بعد حذف الواو منه "إذا كان ما قبلها مكسورا أو ياء ساكنة حتى لا يلزم الخروج من الكسرة" أي التحقيقية في الأول ومن التقديرية في الثاني "إلى الضمة" التحقيقي "في" نحو عبد "غلامه وفيه" هذا عند غير أهل الحجاز، وأما هم فيبقون ضمتهما على أصلها كأن يبقون في غير هذين الصورتين، ويقولون بهن واليهو وعليهو بالإشباع وبغيره وعليه قراءة من قرأ "ومن أوفى بما عاهد عليه الله وهو" أي حذف الواو من هو إذا تعانق بشيء مطرد" عند جميع الألفاظ إلا في لام الابتداء والفاء، نحو: لهو وفهو وتسكين الهاء فيهما للتخفيف جائز كثيرا كما يجوز بعد الواو "نحو وهو وإن جاز ضمها في هذه الثلاثة، ولعل السر في عدم حذف الواو فيهما أنه لما أسكن الهاء حصل التخفيف في الكلمة فلم يحتج إلى حذف الواو تخفيفا "وتجعل ياء هي ألفا" أي عند التعانق والاتصال؛ لأنه لو حذف التبس بضمير المذكر وهو ظاهر، ولو بقي على أصله التبس بالمذكر أيضا؛ لأن ضميره إذا وفى الكسر قلبت واوه ياء في بعض اللغة، نحو: بهي، فلا جرم تجعل ألفا لخفته ويفتح الهاء لأجله
[شرح ديكنقوز]
ما كان عليه نحو له ومنه وغلامه وضربه "كما تجعل الياء" المتطرفة حقيقة أو حكما المكسور ما قبلهما ألفا للتخفيف "في يا غلامي" ويقال: "يا غلاما وفي يا بادية يا باداة" وغير الأسلوب في بادية حيث ذكر لفظة نحو إشارة إلى أن الياء فيه متطرفة حكما "وتجعل ياء هي ميما في التثنية" أي في تثنية هي ويجعل كسرة الهاء ضمة إتباعا للميم كما مر في ضربتما؛ يعني لم يترك الياء على حالها "حتى لا تقع الفتحة على الياء الضعيف مع ضعفها" أي مع بقاء ضعف الياء وعدم عروض القوة لها بأن أسكن ما قبلها كظبي وخصت الميم إتباعا لمذكره "وشدد نون هن"؛ لأن أصله همن "كما مر" من أن الأصل "في ضربتن" ضربتمن "واثنا عشر" نوعا من تلك الأنواع الستين "للمنصوب المتصل نحو ضربه" تقول ضربه ضربهما ضربهم ضربها ضربهما ضربك ضربكما ضربك ضربكما ضربكن ضربني منتهيا "إلى ضربنا" إلى آخرها على الفتحة لانتفاء علة الإسكان لما ذكر في ضربك "ولا يجوز فيه" أي في الضمير المتصل "اجتماع ضميري الفاعل والمفعول" أي ضميرين متصلين متحدين في المعنى "في مثل ضربتك" بفتح التاء "و" في مثل "ضربتني" بضم التاء؛ أي لا يجوز أن يقال: ضربتك وضربتني "حتى لا يصير الشخص الواحد فاعلا ومفعولا" به "في حالة واحدة" بل لو أريد ذلك يقال ضربت نفسك وضربت نفسي؛ فإن النفس بإضافتها إلى الضمير صارت كأنها غيره لغلبة مغايرة المضاف للمضاف إليه بخلاف مثل: ضربتك فإن الضميرين فيه متفقان معنى ومن حيث إن كل واحد منهما ضمير متصل "إلا" أي لكن يجوز ذلك الاجتماع "في أفعال القلوب نحو علمتك" بفتح التاء "فاضلا وعلمتني" بضم التاء "فاضلا؛ لأن المفعول الأول ليس بمفعول في الحقيقة"؛ لأن المفعول الذي تعلق به العلم في الواقع هو المفعول الثاني فذكر
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
نحو بها "كما تجعل" الياء "في" مثل "يا غلامي" ألفا لخفته فيقال: "يا غلاما و" تجعل "في نحو يا بادية" ألفا لخفته فيقال "يا باداة وتجعل ياء هي ميما في التثنية" يعني القياس أن يقال هيا لكن أبدلت من الياء ميم "حتى لا تقع الفتحة على الياء على الضعيف مع ضعفها" أي مع ضعف الفتحة وضمت الهاء لأجل الميم فصارت هما "وشدد نون هن كما مر في ضربتن" فيقال: ها هنا أصل هن همن فأدغم الميم في النون لقرب الميم من النون فصار هن.
ولما فرغ من الضمير المرفوع متصلا أو منفصلا شرع في المنصوب فبدأ بمتصله فقال: "واثنا عشر للمنصوب المتصل" أي اثنا عشر لفظا لثمانية عشر معنى كما في المرفوع، وإنما قدم المنصوب على المجرور؛ لأن النصب علامة المفعول بلا واسطة والجر علامته بواسطة "نحو ضربه إلى ضربنا" أي ضربه ضربهما ضربهم ضربها ضربهما ضربهن ضربك ضربكما ضربكم ضربك ضربكما ضربكن ضربني ضربنا فالصيغة المذكورة أربعة عشر والضمير اثنا عشر بسبب اشتراك التثنيتين كما مر في المرفوع وقس عليه التثنية، نحو: ضرباه ضرباهما ضرباهم إلخ، والجمع نحو ضربوه ضربوهما ضربوهم وقس على الماضي المضارع نحو يضربه ويضرباه ويضربوه "ولا يجوز فيه" أي في المنصوب المتصل "اجتماع ضميري الفاعل والمفعول في" مثل "ضربتك" بفتح الكاف والتاء أو بكسرهما "وضربتني" بضم التاء يعني لا يجوز أن يكون فاعل ومفعوله ضميرين لشخص واحد "حتى لا يصير الشخص الواحد فاعلا ومفعولا في حالة واحدة" وفي هذا الدليل نظر إذ يجوز أن يصير الشخص الواحد فاعلا ومفعولا في حالة واحدة لجواز أن يقال ضربت نفسك وضربت نفسي، والصواب ما ذكره الفاضل الرضي؛ وهو أنه لا يجوز اجتماع ضميري الفاعل والمفعول لشيء واحد في غير أفعال القلوب؛ لأن أصل الفاعل أن يكون مؤثرا والمفعول متأثرا منه، وأصل المؤثر أن يغاير المتأثر، فإن اتحدا معنى كره اتفاقهما لفظا فلهذا لا يقول: ضرب زيد زيدا وأنت تريد ضرب زيد نفسه فلم يقولوا ضربتني ولا ضربتك وإن تخالفا لفظا الضميريين لاتحادهما معنى ولاتفاقهما في كون كل واحد منهما ضميرا متصلا فصدوا مع اتحادهما معنى تغايرهما لفظا بقدر الإمكان، فقالوا: ضرب زيد نفسه وضربت نفسي وضربت؛ لأنه صار النفس بإضافته إلى الضمير فيها كأنه غير لغلبة مغايرة المضاف للمضاف إليه "إلا في أفعال القلوب" وهي سبعة بالاستقراء، نحو: علمت ورأيت ووجدت وظننت وحسبت وخلت وزعمت، وإنما سميت بها؛ لأن الثلاثة الأول لليقين والباقي للشك وكل منهما فعل القلب "نحو علمتك" بفتح التاء والكاف "فاضلا وعلمتني" بضم التاء "فاضلا" فجاز فيهما اجتماع ضميري الفاعل والمفعول لشخص واحد "لأن المفعول الأول" وحده وكذا الثاني وحده "ليس بمفعول في الحقيقة" وإن كان مفعولا في الظاهر؛ إذ المفعول في الحقيقة مضمون الجملة لتعلق معنى الفعل به، فإنك إذا قلت: علمت زيدا فاضلا، فمتعلق علمك ليس زيدا وحده ولا فاضلا وحده، بل هو زيد من حيث إنه فاضل، وهذا معنى قولهم وضع أفعال القلوب لمعرفة الشيء بصفته فلما لم يكن الضمير الأول وحده ولا الثاني وحده مفعولا حقيقة جاز اتفاقهما في كون كل واحد منهما ضميرا متصلا فقوله: إلا في أفعال القلوب استثناء متصل من قوله: ولا يجوز ضميري الفاعل والمفعول بحسب الظاهر لا بحسب الحقيقة تدبر ومما حققناه من المفعول في الحقيقة مضمون الجملة إلخ، ظهر بطلان ما ذكره بعض الشارحين من أن تعلق أفعال القلوب في الحقيقة بالمفعول الثاني لا بالمفعول الأول فكأن الأول غير موجود؛ لأنك إذا قلت: ظننت زيدا قائما فالمظنون هو القيام لا ذات زيد
[شرح ديكنقوز]
الأول إنما هو ليترتب الثاني عليه فلم يؤد الجمع بينهما إلى مكروه؛ لأنهما ليسا في نفس الأمر فاعلا ومفعولا "ولهذا" أي لأجل أن الأول ليس بمفعول في الحقيقة "قيل في تقديره" أي تقدير ما ذكر من علمتك فاضلا "علمت فضلك و" من علمتني" فاضلا "علمت فضلى" فيظهر بهذا التقدير أن الأول ليس بمفعول حقيقة "واثنا عشر" منها "للمنصوب المنفصل نحو إياه ضرب" تقول: إياه ضرب إياهما ضربا إياهم ضربوا إياها ضربت إياهما ضربتا إياهن ضربن إياك ضربت إياكما ضربتما إياكم ضربتم إياك ضربت إياكما ضربتما إياكن ضربتن إياي ضربت منتهيا "إلى إيانا ضربنا و" منها "اثنا عشر نوعا للمحرر المتصل نحو ضاربه" تقول ضاربه ضاربهما ضاربهم ضاربها ضاربهما ضاربهن ضاربك ضاربكما ضاربكم ضاربك ضاربكما ضاربكن ضاربني منتهيا "إلى ضاربنا" ولفظ المجرور كلفظ المنصوب المتصل وذلك بحمله عليه، وإنما حمل عليه؛ لأن المجرور مفعول أيضا لكن بواسطة، وإنما حمل على المتصل؛ لأن المجرور يجب أن يكون متصلا "وفي مثل ضاربي" أي في الجمع المذكر السالم إذا أضيف إلى ياء المتكلم "جعل الواو ياء"؛ لأن الواو والياء إذا اجتمعتا وكانت الأولى ساكنة قلبت الواو ياء؛ لأن مخرجي الواو والياء وإن تباعدا لكنهما يجريان مجرى المثلين لما فيهما من المد وسعة المخرج فكرهوا اجتماعهما كما كرهوا اجتماع المثلين، فقلبوا الواو ياء وأدغموها في الياء، وقيل: إنما قلبوا الواو ياء؛ لأنه لا يخلو من أن يكون الواو هي الأخيرة أو هي الأولى؛ فإن كانت الأولى فإنهم استثقلوا الخروج من واو لازمة إلى ياء لازمة؛ لأنه أثقل من الخروج من ضم لازم إلى كسر لازم، وهذا الخروج مستثقل فكيف بالخروج الأول، وإن كانت الأخيرة فإنهم استثقلوا الخروج من ياء لازمة إلى واو لازمة؛ لأنه أثقل من الخروج من كسر لازم إلى ضم لازم وهذا ثقيل، فكيف بالأول، وإنما اشترط أن تكون الأولى ساكنة ليمكن الإدغام وإنما جعل الانقلاب إلى الياء؛ لأنها أخف، وقيل: لأن الإدغام في حروف الفم أقوى لكثرتها، والواو من حروف الشفة وهي قليلة والإدغام فيها ضعيف "ثم أدغم" الياء المنقلبة في ياء المتكلم للجنسية ثم كسر ما قبل الياء لأجل الياء "كما" أي كالجعل والإدغام اللذين وقعا "في مهدي مهدوي" جعل الواو ياء ثم أدغم وكسر
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"ولهذا" أي ولأجل أن المفعول الأول وكذا الثاني ليس بمفعول في الحقيقة "قيل في تقدير" كل واحد من المثالين "علمت" بفتح التاء "فضلك" بجعل المفعولين مفعولا واحدا مضافا أحدهما إلى الآخر "و" كذا في "علمت فضلى" بضم التاء ومن المنصوب المتصل ما يتصل بإن وسائر الحروف النواصب، نحو: إنه إنهما إنهم إنها إنهما إنهن إنك إنكما إنكم إنك إنكما إنكن إنني "واثنا عشر" لفظا لثمانية عشر معنى "للمنصوب المنفصل، نحو: إياه ضرب إلى إيانا ضربنا" أي إياه ضرب إياهما إياهم ضربوا إياها ضربت إياهما ضربتما إياهن ضربن إياك ضربت إياكما ضربتما إياككم ضربتم إياك ضربت إياكما ضربتما إياكن ضربتن إياي ضربت إيانا ضربنا.
اعلم أنهم اختلفوا في الضمير المنصوب المتصل، فقال سيبويه: إن الضمير هو إيا وما يتصل به بعده حرف يتبدل على حسب أحوال المرفوع إليه من التكلم والغيبة والخطاب؛ لكون إيا مشتركا كما هو مذهب البصريين في التاء التي بعد أن في أنت وأنت وأنتما وأنتم وأنتن كما مر.
وقال الزجاج والسيرافي: إيا اسم ظاهر مضاف إلى المضمرات فكان إياك بمعنى نفسك، وقال قوم من الكوفيين: إياك وإياه وإياي أسماء بكمالها، وهو ضعيف؛ إذ ليس في الأسماء الظاهرة ولا المضمرات ما يختلف آخره كافا وهاء وياء.
وقال بعض الكوفيين وابن كيسان من البصريين: إن الضمائر هي اللاحقة من الكاف والهاء والياء كما كانت عند الاتصال لكن لما أرادوا انفصالها دغموها بابا لتستقل لفظا، كما قالوا في أنت: إن الضمير التاء المتصرفة ولفظ أن دعامة لها.
قال الفاضل الرضي: وما أرى هذا القول بعيدا من الصواب في الموضعين هذا كله بكسر همزة إيا وقد تفتح، وقد تبدل هاء مفتوحة ومكسورة، نحو: هياك، وفي الضمير المنصوب المنفصل أقوال أخر غير ما ذكرنا تركتها لئلا يطول الكلام.
ولما فرغ من المنصوب متصلا ومنفصلا شرع في المجرور فقال: "واثنا عشر" لفظا لثمانية عشر معنى "للمجرور والمتصل نحو ضاربه إلى ضاربنا" أي ضاربه ضاربهما ضاربهم ضاربها ضاربهما ضاربهن ضاربك ضاربكم ضاربك ضاربكما ضاربكن ضاربني ضاربنا وقس عليه تثنية المضاف نحو ضارباه ضارباهما ضارباهم إلى ضاربانا وجمعه، نحو: ضاربوه ضاربوهما ضاربوهم إلى ضاربونا.
واعلم أن الضمير المجرور المتصل على ضربين ضرب بالإضافة كما ذكره المصنف وضرب بالحروف الجارة نحو به بهما إلى بنا وعليه وعليهما وإليه وإليهما "جعل الواو ياء ثم أدغم" الياء في الياء وكسر ما قبله لأجله فصار ضاربي بكسر الياء وفتحها "كما" جعل الواو ياء في "مهدي" لتلك العلة "أصله مهدوي" بوزن مضروب.
ولما فرع من بيان أبنية الضمائر وتعداد أمثلتها بأنواعها الخمسة التي ترتقي جملتها إلى ستين نوعا شرع فيما يستتر منها وفي مواضع استتارها فقال:
[شرح ديكنقوز]
ما قبل الياء لما ذكر "والمرفوع المتصل يستتر في خمسة مواضع" جوازا في بعضها ووجوبا في بعضها، وقوله: "في الغائب" بدل من قوله: في خمسة لا غير وكذا المعطوفات؛ أي يستتر الضمير المتصل جوازا في الغائب المفرد من الماضي "نحو" زيد "ضربت" وفي المضارع نحو زيد "يضرب و" في الأمر نحو زيد لـ "يضرب و" في النهي نحو زيد "لا يضرب و" يستتر جوازا أيضا "في الغائبة" المفردة ماضيا "نحو" هند "ضربت و" مضارعا نحو هند "تضرب و" أمرا نحو هند "لتضرب و" نهيا نحو هند "لا تضرب و" يستتر وجوبا "في المخاطب" المفرد "الذي في غير الماضي" مضارعا "نحو" أنت "تضرب و" نهيا نحو أنت "لا تضرب" وإنما قيد بقوله في غير الماضي؛ لأنه لا يستتر في خطاب الماضي مطلقا كما يجيء، وأما في المخاطبة المفردة من غير الماضي ففيها خلاف فعند بعضهم يستتر فيها، وإليه الإشارة بقوله: "وياء تضربين علامة الخطاب وفاعله مستتر فيه عند" أبي الحسن "الأخفش" إجراء لمفردات المضارع مجرى واحدا في عدم إبراز ضميرها أو استنكار الكون ضمير المفرد؛ أعني الياء أثقل من ضمير المثنى أعني الألف مع أن القياس يقتضي أن يكون أخف، ويرد على قول الأخفش اجتماع علامتي الخطاب، اللهم إلا أن يقال: إن التاء تجردت للتأنيث كاللام في يا ألله فإنها مجردة للتعويض "وعند العامة" أي الجمهور "هي" أي ياء تضربين "ضمير بارز للفاعل" ولا مستتر فيه "كواو يضربون"؛ لأنه ضمير بارز ولا مستتر فيه وعلامة التأنيث والخطاب فيه عندهم هو الياء "وعين الياء" للفاعل "في تضربين للتأنيث" عندهم مع أن القياس أن يعين التاء له إلا أن علامة الخطاب في أوله؛ أعني التاء منعت من زيادة تاء أخرى "لمجيئه في هذي أمة الله للتأنيث" سواء كانت صيغة موضوعة للتأنيث أو كانت الياء بدلا عن الهاء في هذه "ولم يزد في تضربين" للفاعل بدل الياء "من حروف أنت" بكسر التاء مع أن القياس أن يزاد من حروفه؛ لأنه المضمر تحته "للالتباس بالتثنية في زيادة الألف" منها "واجتماع النونين" بغير فاصل "في زيادة النون" منها "وتكرار التاءين في زيادة التاء" منها "وإبراز الياء" في تضربين ولم يستتر "للفرق بينه" أي تضربين "وبين جمعه" وهو تضربن؛ إذ لو استتر الياء وقيل تضربن في المفردة والمخاطبة التبس بتضربن جمع للمخاطبة "ولم يفرق" بينه وبين جمعه "بحركة ما قبل النون" في تضربين على تقدير الاستتار وسكونه في الجمع "حتى لا يلتبس" نونه
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
والمرفوع المتصل يستتر في خمسة مواضع" سيجيء علة استتار المرفوع المتصل في هذه المواضع الخمسة، وعلة عدم استتار المنصوب والمجرور؛ أما عدم استتار المرفوع فلمنافاة الاستتار الانفصال، ومما يجب أن يعلم أن الأصل في الضمائر المرفوعة المتصلة الاستتار؛ لأنه أخصر ثم الإبراز عنه خوف اللبس بالاستتار لكونه أخصر من الانفصال قوله: "في الغائب" مع ما عطف عليه بدل من قوله: في خمسة مواضع؛ أي يستتر الضمير المرفوع المتصل في الغائب المفرد دون مثناة وجمعه ماضيا كان أو مضارعا مثبتا كان أو منفيا "نحو" زيد "ضرب ويضرب وليضرب ولا يضرب" وكذا لم يضرب ولن يضرب "و" في "الغائبة" المفردة ماضيا كان أو مضارعا "نحو" هند "ضربت وتضرب ولتضرب و" كذا "لا تضرب" ولم تضرب ولن تضرب "وفي المخاطب" المفرد "الذي في غير الماضي" مستقبلا كان أوامر أو نهيا، وإنما قال في غير الماضي؛ لأن المخاطب في الماضي لا يستتر فيه الضمير، بل يكون بارزا مفردا أو مثنى أو مجموعا مذكرا أو مؤنثا "نحو" أنت "تضرب واضرب ولا تضرب" وكذا لم تضرب ولن تضرب "وياء تضربين علامة الخطاب" فقط لا فاعل "وفاعلة مستتر" استتارا لازما "عند الأخمش" إما لاجراء مفردات المضارع مجرى واحد في عدم إبراز ضميرها، وإما لئلا يلزم أن يكون ضمير المفرد أثقل من ضمير المثنى مع أن القياس يقتضي أن يكون أخف "وعند العامة" أي جمهور أهل العربية "هي" أي ياء تضربين "ضمير بارز" وفاعل "الفعل كواو يضربون" فالتاء علامة الخطاب عندهم، وأما عند الأخفش فيجوز أن يكون علامة التأنيث فقط فلا يلزم اجتماع علامتي الخطاب عنده واعلم أن ما نقله المصنف عن الأخفش غير مطابق لمذهبه؛ إذ الياء في تضربين عنده علامة التأنيث لا علامة الخطاب؛ إذ علامة الخطاب التاء، قال الفاضل الرضي: قال الأخفش: إن الياء في تضربين ليس بضمير، بل حرف تأنيث كما قيل في هذي "وعين الياء في تضربين" عند العامة للفاعل "لمجيئه في هذي" أي لمجيء الياء في هذي "أمة الله للتأنيث" أي علامة له فقط فلما احتيج إلى إبراز ضمير المؤنث ناسب إبراز ما كان علامة للتأنيث في الأصل واعترض عليه بأن الياء يجوز أن يكون بدلا من الهاء في هذي فلا يكون حينئذ للتأنيث ورد بأنه لا يضر كونه للتأنيث أن يكون بدلا من الهاء؛ إذ يكفي مجرد كونه علامة التأنيث أصيلا كان أو مبدلا، وأقول في هذا الجواب نظر؛ إذ الياء على تقدير كونه مبدلا من هاء هذه لا يدل على التأنيث، بل الدال عليه حينئذ هذي بصيغة كهذه فافهم "ولم يزد في تضربين من حروف أنت" بكسر التاء مع أن المناسب أن يزاد منه لدلالته على المخاطبة "للالتباس" في زيادة الألف "بالتثنية واجتماع النونين في" زيادة "النون وتكرار التاءين في" زيادة "التاء وإبراز الياء" في تضربين ولم يستغرق للفرق "بينه وبين جمعه" وهو تضربن "ولم يفرق" بينهما "بحركة ما قبل النون" في تضربين على تقدير استتار الياء وسكونه في الجمع "حتى لا يلتبس" أي تضربين
[شرح ديكنقوز]
الذي هو الإعراب "بالنون الثقيلة" أو هو بالمذكر المؤكد بالنون الثقيلة "في الصورة" وإن لم يلتبس حقيقة إذ أحد النونين مخفف والآخر مشدد أو إحدى الكلمتين ملتبسة بالنون المخففة والأخرى بالثقيلة "ولا" يفرق أيضا "بحذف النون" من تضربين "حتى لا يلتبس بالمذكر" المخاطب خصه بالذكر وإن كان الالتباس بالمؤنث الغائبة حاصلا لمناسبة المؤنث المخاطبة وبالمذكر المخاطب في الخطاب ومناسبتها بالمؤنث الغائبة في التأنيث وإن كانت حاصلة إلا أن البحث لما كان في الخطاب اعتبر الالتباس بالمذكر والمخاطبة "و" يستتر الضمير المتصل وجوبا "في المضارع المتكلم" مطلقا "نحو" أنا "أضرب" في المتكلم وحده "و" نحن "نضرب" في المتكلم مع غيره "و" يستتر جوازا "في الصفة" مطلقا "نحو" أنا أو أنت أو هو "ضارب" أو نحن أو أنتما أو هما "ضاربان" أو نحن أو أنتم أو هم "ضاربون إلى آخره" أي أنا أو أنت أو هي ضاربة ونحن أو أنتما أو هما ضاربتان ونحن أو أنتن أو هن ضاربات "استتر" أي وقع الاستتار "في" الضمير "المرفوع دون المنصوب والمجرور؛ لأنه" أي المرفوع "بمنزلة جزء الفعل"؛ لأنه فاعل فجوزوا في باب الضمائر المتصلة التي وضعها للاختصار استتار الفاعل؛ لأن الفاعل وخاصة الضمير المتصل كجزء الفعل كما مر، فاكتفوا بلفظ الفعل كما يحذف من آخره الكلمة المشتهرة بشيء ويكون فيما أبقى دليل على ما أبقى كما في الترخيم، وليس المراد أن الدال على الفاعل هو الفعل، وإلا لزم أن يكون نحو: ضرب فعلا واسما؛ لأنه حينئذ كما دل على حدث مقترن بالزمان كذلك دل على ذات الفاعل غير مقترن بالزمان، فاشتمل على حقيقة الفعل والاسم وهما متضادان، بل المراد أن الدال على الفاعل هو ذلك الضمير إلا أنه استتر ولم يتلفظ به اكتفاء عنه في اللفظ بلفظ الفعل، وليس المراد أيضا من قولهم: إن الفاعل في زيد ضرب هو هو أن المقدر ذلك المصرح به؛ لأنه لا بد أن يكون ضمير المفرد أقل من ضمير المثنى مع أن لفظة هو أكثر من ألف الضمير في ضربا، وأيضا لو كان المنوي هو هو المصرح به لزم أن لا يجوز الفصل بين الفعل وبينه مع أن ذلك جائز، نحو: ما ضرب إلا هو، وإنما قالوا ذلك تجوزا منهم لضيق العبارة عليهم في ذلك؛ لأنه لم يوضع للضمير المستتر لفظ فعبر عنه بلفظ المرفوع المنفصل لكونه مرفوعا مثل المقدر
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"بالنون الثقيلة" حق العبارة أن يقال بالمخاطبة المؤكدة بالنون الثقيلة لكنه تسامح بناء على ظهور المراد "في الصورة" أي في صورة الكتابة لا في التلفظ؛ لأن النون الثقيلة التي تدخل المخاطب مشددة ونون المخاطبة مخففة قوله: "ولا بحذف النون" عطف على قوله: بحركة ما قبل النون، ولفظة لا زائدة لتأكيد النفي؛ أي لم يفرق بينه وبين جمعه على تقدير استتار الياء بحذف النون من المفرد حتى لا يلتبس المخاطبة "بالمذكر" المخاطب؛ فإنك إذا قلت: تضرب لم يعلم أنه مخاطب مفرد أو مخاطبة مفردة، وأيضا يلتبس بالغائبة المفردة، لكنه صرح بالمذكر للمناسبة الخطابية بينهما لنفي ما عداه مع أن المقصود يتم به "وفي المضارع المتكلم" سواء كان وحده أو مع غيره "نحو" أنا "أضرب و" نحن "نضرب" وكذا لم أضرب ولن أضرب ولا أضرب ولم أضرب ولن تضرب ولا نضرب "وفي الصفة" المراد بالصفة ها هنا ما يكون اسما مشتقا وهو أربعة اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل، وإنما سميت صفة لدلالتها على اتصاف الذات بالمصدر، فإن معنى قولك: ضارب مثلا ذات متصف بالضرب؛ يعني يستتر الضمير في الصفة مفردا كان أو مثنى أو مجموعا، مذكرا كان أو مؤنثا "نحو" زيد "ضارب و" زيدان "ضاربان و" زيدون "ضاربون" وهند ضاربة وهندان ضاربتان وهندات ضاربات، وقس عليه سائر الصفات، قال بعض المحققين: وإنما استتر في الصفات؛ لأنها غير عريقة في اقتضاء الفاعل، بل اقتضاؤها له لمشابهتها الفعل فلم يظهر فيها ضمير الفاعل، وقال بعضهم: إنما استتر في الصفات؛ لأن الألف والواو في التثنية والجمع ليسا بضمير كما يجيء، فلو برز الألف في التثنية والواو في الجمع يلزم اجتماع الألفين والواوين فاستتر الألف في المثنى والواو في الجمع المذكورين وكذا استتر النون في ضاربات ومضروبات تبعا للمذكر؛ إذ هو الأصل فإذا استتر في المثنى والجمع كان الاستتار في المفرد أجدر وأولى فيلزم الاستتار في الكل فلا ترى ضميرا بارزا في الصفات وهو المطلوب" ومما يجب أن يعلم أن الصفات كالجوامد الخالية عن الضمير من حيث إنها لا تتغير عند تبديل ضمائرها غيبة وخطابا وتكلما فالمستتر فيه جاز أن يكون غائبا ومخاطبا ومتكلما، فيجوز أن يقال: زيد ضارب وأنت ضارب وأنا ضارب وكذا في التثنية والجمع، فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر المصنف الظروف والجار والمجرور وأسماء الأفعال مع أن الضمير المرفوع المتصل يستتر فيها؟ قلت: إنما لم يذكرها؛ لأن نظره مقصور على المشتقات كما أشرنا إليه في صدر الكتاب، وهذه الثلاثة ليست منها "واستتر في المرفوع" أي وقع الاستتار في الضمير المرفوع "دون" الضمير "المنصوب والمجرور؛ لأنه بمنزلة جزء الفعل" يعني لا يستتر من المضمرات إلا المرفوع؛ لأن المنصوب والمجرور فضلة في الكلام فإنهما مفعولان والمرفوع فاعل، والفاعل كالجزء من الفعل كما مر فيكون أشد اتصالا وامتزاجا فاستتر هو دونهما.
ولما فرغ من تعداد مواضع استتار المرفوع المتصل شرع في بيان علة استتارة في تلك المواضع فقال:
[شرح ديكنقوز]
"واستتر في الغائب" المفرد "والغائبة" المفردة "دون التثنية والجمع" منهما؛ لأنه لو استتر فيهما أيضا أو لم يستتر في المفردين أيضا يلزم الالتباس، ويفهم هذا من بيان رجحان الاستتار في الغائب والغائبة، واختص الاستتار بالمفرد "لأن الاستتار خفيف" وذلك ظاهر "فإعطاء الخفيف للمفرد السابق" لكثرة الاستعمال "أولى دون المتكلم" وحده أو مع غيره "و" دون "المخاطب اللذين في الماضي؛ لأن الاستتار" حالة "قرينة" أي مقرونة بالفعل ودالة على وجوده، فإن أحد المقارنين يلزمه الدلالة على وجود الآخر ولذلك سمى الدلالة قرينة، وهي من عداد الأسماء ولذلك دخلتها التاء لكنها "ضعيفة والإبراز قرينة" دالة عليه "قوية"؛ لأن الأصل كون الفاعل ظاهرا والبارز إنما هو نائب عنه ودال على وجود الفاعل دلالة قوية؛ لأنه قريب من الظاهر من حيث كونه ملفوظا والمستتر نائب عن البارز ودال على الفاعل دلالة ضعيفة؛ إذ لا يشارك الظاهر بوجه "فاعطاء الإبراز القوي للمتكلم القوي" لكونه مبدأ الكلام "والمخاطب القوي" لكونه منتهي الكلام "أولى" من إعطائه الغائب الضعيف الذي لا دخل له في تحصيل الكلام قوله في الغائب حاصل المعنيين الإفراد والغيبة، وقوله دون التثنية والجمع ناظر إلى الأول، وقوله دون المتكلم والمخاطب ناظر إلى الثاني وبدل من دون التثنية والجمع قيل: إنما استتر في الغائب والغائبة دون المتكلم والمخاطب اللذين في الماضي؛ لأنه لما كان مفسرهما لفظا متقدما في الأصل دون المتكلم والمخاطب أريد أن يكون ضمير الغائب أخصر من ضمير بهما فحذف اللفظ من المفرد؛ إذ لا أخف من المحذوف "واستتر في مخاطب المستقبل" المفرد المذكر "ومتكلمه" مطلقا، وإنما ذكر الاستتار فيهما، وإن كان حكمها مفهوما مما سبق من القيد بيانا لعلته وهي قوله: "للفرق" بينهما؛ أي في الماضي وبينهما؛ أي في المستقبل ولم يعكس؛ لأن الماضي أصل والإبراز قوي فأخذه، ولما ذكر عدم الاستتار في المخاطبة فيما يبق وبين سببه هناك لم يتعرض له هنا ولما ذكر أن وقوع الاستتار في بعضهما هو عريق أي أصل في اقتضاء الفاعل أعني الفعل وبين أن سبب الاستتار فيه ضعيف علم بالطريق الأولى أنه يقع الاستتار في الصفة التي هي أضعف من الفعل، وأنها غير عريقة في اقتضاء الفاعل، بل اقتضاؤها إنما هو لمشابهتها الفعل فلم يحتج إلى بيان سبب الاستتار فيها فلذلك لم يذكره "وقيل يستتر في هذه المواضع"
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"واستتر في الغائب والغائبة" أي استتر المرفوع في الغائب المفرد ماضيا كان أو مضارعا، نحو: ضرب ويضرب والغائبة المفردة ماضيا كان أو مضارعا، نحو: ضربت وتضرب "دون التثنية والجمع" منهما "لأن الاستتار خفيف"؛ لأنه تقدير محض من غير تلفظ الشيء، وقد عرفت أن المفرد سابق على المثنى والمجموع "وإعطاء الخفيف للمفرد السابق أولى" من عكسه هذا إجمال لا يسمن من جوع، وإن أردت كلاما مشبعا فاستمع نتلو عليك، وإنما استتر في المرفوع الغائب المفرد والغائبة المفردة في الماضي والمضارع دون تثنيتهما وجمعهما؛ لأن الغائب لما كان مفسرا بغائب مظهر متقدم أرادوا أن يكون ضمائر الغيب أخصر فابتدءوا بالغائب والغائبة المفردين بغاية التخفيف، وهي التقدير من غير أن يتلفظ بشيء منه، ثم جعلوا لمثناهما ولمجموعهما ضمائر بارزة لئلا يلتبس بالمفردين واقتصروا المثنى مذكرا أو مؤنثا على الألف، الذي هو علامة التثنية في كل مثنى والجمع المذكر على الواو والجمع المؤنث على نون واحدة في مقابلة الواو والواحدة، وقول النحاة الفاعل في نحو زيد ضرب وهند ضربت هو وهي تدريس وتفهيم لضيق العبارة عليهم؛ لأنه لم يوضع لهذين الضميرين لفظ فعبروا عنهما بلفظ المرفوع المنفصل لكونه مرفوعا مثل ذلك المقدر لا أن المقدر هو ذلك المصرح به "دون المتكلم" سواء كان وحده أو مع غير، نحو: ضربت وضربنا، هكذا وجدنا عبارة الكتاب من غير عاطف، والحق أن يعطف على قوله دون التثنية، فيقال: ودون المتكلم ولا يمكن إبداله من دون الأول؛ إذ هو مقصود أيضا والمبدل منه لا يكون مقصودا، وقد يتكلف بأن يقال: ها هنا محذوف فتقدير الكلام واستتر المرفوع في الغائب دون المتكلم، لكنه حذف بقرينة سبقه في الكلام، أو يقال حرف العاطف محذوف تخفيفا لدلالة الكلام عليه كما يحذف في نحو قولك: اشتريت ما بين الموضع الفلاني إلى دار زيد إلى دار عمرو إلى دار بكر؛ أي وإلى دار عمرو وإلى دار بكر "والمخاطب" المفرد نحو ضربت "اللذين في الماضي؛ لأن الاستتار قرينة" للفاعل "ضعيفة" أي خفية؛ لأنه تقدير من غير أن يتلفظ بشيء "والإبراز قرينة قوية" أي ظاهرة ملفوظة "فإعطاء الإبراز القوي للمتكلم القوي والمخاطب أولى" من إعطاء الاستتار الضعيف لهما، ولما توجه أن يقال هذا الدليل منقوض بمخاطب المستقبل ومتكلمه لجريانه فيهما مع أنه لا يبرز الضمير فيهما أجاب عنه بقوله: "واستتر في مخاطب المستقبل" نحو: تضرب "ومتكلمه" وحده أو مع غيره نحو: أضرب ونضرب "للفرق" أي بين ما كان في المضارع من المتكلم والمخاطب، وهذا الكلام في غاية الضعف؛ إذ لا حاجة للفرق بينهما بالاستتار وعدمه؛ إذ حرف المضارعة يدفع اللبس وهو ظاهر، والوجه الصحيح ما حققه الرضي حيث قال: واستتر في تفعل مخاطبا إجراء لمفردات المضارع مجرى واحدا في عدم إبراز ضميرها، واستتر في أفعل ونفعل لإشعار حرف المضارعة بالفاعل فأفعل مشعر بأن فاعله أنا بسبب إشعار همزته بهمزة أنا، ونفعل مشعر بأن فاعله نحن بسبب إشعار نونه بنون نحن، وقد أشار المصنف إليه نقلا بعيد هذا بقوله: والهمزة في مثل أضرب والنون في مثل نضرب "وقيل يستتر في هذه المواضع" أي المواضع
[شرح ديكنقوز]
الخمسة "دون غيرها لوجود الدليل فيها" دون غيرها "وهو" أي ذلك الدليل "عدم الإبراز في مثل" زيد "ضرب" أي عدم ظهور الفاعل؛ إذ لا بد أن يكون للفعل من فاعل ظاهر، وإن لم يكن فمضمر بارز، فإن لم يكن فمضمر مستتر، فلما لم يكن الفاعل في مثل ضرب في زيد ضرب ظاهرا ولا بارزا علم أن فاعله مستتر، فلما كان عدم الإبراز دليلا ضروريا أسند الحكم إلى دليل آخر فيما وجد فيه دليل آخر، وإن كان عدم الإبراز شاملا للكل فقال: "والتاء في مثل" هند "ضربت" فإنها تدل على أن فاعله مفرد مؤنث غائبة "والياء في" مثل زيد "بضرب" فإنها تدل على أن فاعله مفرد مذكر غائب مع عدم علامة التثنية والجمع "و" عينت التاء "في مثل" هند أو أنت "تضرب" غائبة ومخاطبة، فإنها تدل على أن الفاعل مفرد مؤنث غائبة أو مفرد مذكر مخاطب بحسب القرائن مع عدم علامة التثنية والجمعين نحو: يضربون ويضربن "والهمزة في مثل" أنا "أضرب" فإنها تدل على أن الفاعل متكلم وحده "والنون في مثل" نحو "نضرب" فإنها تدل على أن الفاعل متكلم مع غيره "وهذه" أي حروف المضارعة "الحروف ليست بأسماء" فلا تكون فواعل للأفعال المذكورة، وإنما ذكر هذا وإن لم يذهب أحد إلى أنها أسماء؛ لأنه لما ذكر أن التاء في ضربت بحركات التاء والنون في ضربن والألف في ضربا والواو في ضربوا والياء في تضربين أسماء، وكان مظنة أن يتوهم متوهم أن هذه الحروف أيضا أسماء رفع ذلك التوهم "والصفة" نفسها "في مثل" زيد "ضارب و" زيدان "ضاربان و" زيدون "ضاربون" يعني أن في لفظها ما يدل على من هي له فإن ضارب للمفرد المذكر وضاربان للمثنى المذكر وضاربون للجمع المذكر وكذا ضاربة وضاربتان وضاربت "ولا يجوز أن يكون تاء ضربت" بسكون التاء "ضميرا كتاء ضربت" بحركات التاء "لوجود عدم حذفها بالفاعل الظاهر نحو ضربت هند" ولو كانت التاء فاعلة لزم حذفها عند وجود الفاعلة الظاهرة؛ إذ لا يجوز أن يكون لفعل واحد فاعلان من غير عطف أو بدل "ولا يجوز أن يكون ألف ضاربان" وواو ضاربون "ضميرا ضاربين؛ لأنه يتغير في حالة النصب" نحو: رأيت ضاربين "و" في حالة "الجر" أيضا نحو: مررت بضاربين وضاربين "والضمير لا يتغير" بتغير العوامل "كألف يضربان وواو يضربون" تقول: زيدان يضربان زيدون يضربون في الرفع، ولن يضربا ولن يضربوا في النصب، ولم يضربا ولم يضربوا في الجزم "والاستتار واجب في افعل" مثل اضرب أمر للمخاطب "و" في مثل "تفعل" مخاطبا "و" في مثل "أفعل" متكلما وحده "و" في مثل "نفعل" متكلما مع غيره "لدلالة الصيغة" أي صيغة الفعل في
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
الخمسة المذكورة "دون غيرها" من المواضع "لوجود الدليل" للاستتار فيها دون غيرها "وهو عدم الإبراز بعد" أن لم يكن مظهرا، يعني أن الفعل لا بد له من فاعل، وهو إما مظهر أو مضمر بارز أو مضمر مستتر فحيث لم يوجد الأول والثاني وجب الحكم بالاستتار لئلا يبقى الفعل بلا فاعل، وهذا القدر كاف في الاستدلال في الكل لكنه أراد التفصيل "و" قال "في مثل ضرب" أي الدليل عدم الإبراز في مثل: ضرب "والتاء في مثل ضربت والياء في مثل: يضرب والتاء في مثل: تضرب" وأنت تعلم أن التاء في ضربت وفي تضرب والياء في يضرب لا يدلان على الاستتار "والهمزة في مثل أضرب والنون في مثل نضرب" أي الهمزة بالهمزة والنون بالنون كما مر "وهي" أي التاء والياء والهمزة والنون "حروف" مضارعة "ليست بأسماء" وضمائر؛ إذ لو كانت ضمائر لكانت فاعلة فلا يمكن الاستتار لاجتماع الفاعلين وحينئذ قوله "والصفة في مثل ضارب ضاربان ضاربون" مرفوع طفا على عدم أي دليل الاستتار عدم الإبراز والصفة وأنت تعلم أن هذا الكلام لا معنى له يعتد به، وقد وقع في بعض النسخ وفي الصفة وهو سهو "ولا يجوز أن يكون تاء ضربت" بسكون التاء ضميرا "كتاء ضربت" بالحركات الثلاث، أي كما يكون تاء ضربت ضميرا "لوجود عدم حذفها بالفاعلة الظاهرة نحو: ضربت هند" يعني لو كان ضميرا لكان فاعلا فلو لم يحذف مع الفاعل الظاهر يلزم اجتماع الفاعلين وهو غير جائز فهو غير ضمير، وهذا ما وعده في صدر الفصل بقوله: وهذه التاء ليست بضمير كما يجيء "ولا يجوز أن يكون ألف ضاربان ضميرا" وكذا الواو في ضاربون، وكذا الألف والواو في اسم المفعول والصفة المشبهة نحو: مضروبان ومضروبن وحسنان وحسنون، وبالجملة لا يجوز أن يكون الألف والواو في تثنية الصفات وجمعها ضميرا "إلا أنه يتغير في حال النصب والجر" أي يقلبان ياء نحو: لقيت ضاربين "والضمير" الذي هو الفاعل "لا يتغير" بالعوامل الداخلة على عامله "كألف يضربان" فإنه لا يتغير هو بالحروف الناصبة والجازمة، نحو: لن يضربا ولم يضربا، وأيضا إن الألف والواو في مثنيات الأسماء الجامدة وجموعها كالزيدان والزيدون حروف بلا ريب زيدت للمثنى والمجموع، فجعلت مثنيات الصفات ومجموعها على نهج مثنيات الجامدة ومجموعها؛ لأن الصفات فروع الجامدة لتقدم الذوات على صفاتها فصارت الألف والواو فيها علامتي المثنى والجمع فقط لا ضميرا لهما "والاستتار واجب" اعلم أن استتار الضمير بمعنى عدم الإبراز عند اتصاله واجب في جميع المواضع الخمسة المذكورة، وأما استتار الفاعل المضمر بمعنى أنه لا يجوز إظهار الفاعل ولا إبرازه، بل يكون مستترا أبدا ففي أربعة أفعال "في مثل أفعل" أي في أمر المخاطب "وتفعل" أي في المخاطب المفرد، ولعل النهى يندرج فيه، وإلا لم ينحصر وجوب الاستتار في الأربعة المذكورة "وأفعل ونفعل" أي في المتكلم وحده ومع غيره "لدلالة الصيغة" في الأربعة كلها
[شرح ديكنقوز]
فصل في المستقبل
:
كل واحد منها "عليه" أي الفاعل المستتر، فإن التاء في تفعل يدل على الفاعل المخاطب وحكم افعل أمرا ولا تفعل نهيا وحكم تفعل مخاطبا؛ لأنهما مأخوذان منه، وإلى أن الهمزة في أفعل متكلما وحده تشعر بأن فاعله أنا، والنون في نفعل تشعر بأن فاعله نحن، فلا يحتاج في هذه الصيغ الأربع إلى العدول عن الاستتار الخفيف والإتيان بالضمير البارز "و" لما كان الاستتار واجبا في هذه المواضع الأربع "قبح" ظهور فواعلها مظهرا كان أو مضمرا وأن تقول "افعل زيد وتفعل زيد" أو لا تفعل إلا أنت "وأفعل زيد" ولا أفعل إلا أنا "ونفعل زيدون" أو لا نفعل إلا نحن وما ظهر في نحو: اسكن أنت تأكيد للمستتر لا فاعل، وأما في غير هذه الأربعة فالاستتار جائز، كما أشرنا إليه نحو زيد ضرب وضرب زيد وزيد ضارب غلامه.
المشهور فتح الباء بناء على أنك تستقبل الفعل الآتي بعد زمانك أو أن الزمان يستقبله، إلا أن الصحيح ومقتضى القياس على تسمية الماضي بالماضي كسر الباء "وهو أيضا" أي كالماضي "يجيء على أربعة عشر وجها، نحو: يضرب إلى آخره" أي إلى نضرب، تقول: يضرب يضربان يضربون تضرب يضربان يضربن تضرب تضربان تضربون تضربان تضربن أضرب نضرب "ويقال له" أي لما صدق عليه المستقبل من نحو: يضرب "مستقبل لوجود معنى الاستقبال" على أحد الوجهين المذكورين "في معناه ويقال له أيضا: مضارع"؛ لأن معنى المضارعة في اللغة المشابهة مشتقة من الضرع، كأن كلا الشبيهين ارتضعا من ضرع واحد فهما أخوان رضاعا، فلما ضارع المستقبل بالاسم قيل له مضارع، وإنما قلنا: إنه مضارع بالاسم "لأنه مشابه بضارب في الحركات والسكنات" وفي ترتيبهما فإن عدد الحركة والسكون في يضرب على عدد الحركة والسكون في ضارب وعلى ترتيبها فيه، وجمع السكنات للمشاكلة "و" مشابه في "وقوعه صفة للنكرة" فإنك كما تقول: مررت برجل ضارب، تقول: مررت برجل يضرب ولم يذكر مثاله اكتفاء بما ذكر في الماضي "وفي دخول لام الابتداء" عليه "نحو إن زيدا لقائم و" إن زيدا "ليقوم أو"؛ لأنه مشابه "باسم الجنس في العموم والخصوص" ولما كان ثبوت وجه التشبيه؛ أعني العموم والخصوص في كل من الطرفين؛ أعني المضارع واسم الجنس غير بينه بقوله: "يعني أن اسم الجنس يختص" الواحد "بلام العهد" بعد أن كان
[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا
"على الاستتار" بسبب دلالة الحروف في الثلاثة الأخيرة كما عرفت، واشتقاق الأمر من المخاطب "وقبح" بالواو والأولى بالفاء؛ يعني لما كان استتار الضمير واجبا في هذه الأربعة قبح أن تسند إلى الفاعل الظاهر ويقال: افعل زيد وتفعل زيد وأفعل زيد ونفعل زيدون" وأما ما عدا هذه الأربعة فيجوز أن يسند إلى فاعل ظاهر أيضا فلا يقبح أن يقال: ضرب زيد وضربت هند ومررت برجل ضارب غلامه.
"فصل في المستقبل":
الاستقبال في اللغة ضد الاستدبار وهو التوجه فالمستقبل في اللغة ما يتوجه إليه، فالقبلة في قولنا: زيد يستقبل القبلة هو المستقبل؛ لأنه يتوجه إليه والمستقبل من الزمان هو الآتي منه؛ لأنه يتوجه إليه ويتوقع مجيئه، وفي الاصطلاح فعل يتعاقب على أوله الزوائد الأربع، والمراد من الزوائد الأربع حروف أتين كما يجيء فبقولنا: فعل يسقط الاعتراض بمثل يزيد ويشكر علمين، وبقولنا: يتعاقب على أوله الزوائد خرج مثل أمر ونصر وترك ويسر.
واعلم أنه لا شك في أن زيادة هذه الحروف على الماضي والمستقبل لقصد معنى غير معنى الماضي، وهو الزمان الحاضر والزمان الآتي أو هما معا، وإلا لما احتيج إلى تلك الزيادة فلا ينتقض الحد بمثل أكرم وتدحرج وتقاعد؛ لأن زيادة هذه الحروف فيها لنقل الفعل من باب إلى باب؛ إما لقصد التعدية أو للمبالغة أو لغيرهما لا لقصد معنى غير الماضي فتدبر "وهو" أي المستقبل "أيضا" كالماضي "يجيء على أربعة عشر وجها" والقياس أن يجيء على ثمانية عشر وجها أيضا؛ ستة للغيبة وستة للمخاطب وستة للمتكلم، لكنه اكتفى بلفظين في المتكلم لعدم الالتباس كما في الماضي، فبقي أربعة عشر وجها "نحو يضرب إلى آخره" أي يضربان يضربون تضرب تضربان يضربن تضرب تضربان تضربن أضرب نضرب "ويقال له مستقبل وجود معنى الاستقبال في معناه" فإن يضرب مثلا يدل على الحدث وعلى الزمان الآتي "ويقال له مضارع؛ لأنه مشابه" ومعنى المضارعة في اللغة المشابهة مشتقة من الضرع كأن كلا الشبيهين ارتضعا من ضرع واحد فهما أخوان رضاعا، فيكون المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي مرعية "بضارب" يعني يقال للمستقبل مضارع؛ لأنه مشابه باسم الفاعل لفظا واستعمالا أما لفظا فهو "في الحركات" أي الثلاثة "والسكنات" وأيضا في عدد الحروف، وإنما جمع السكنات إما للمشاركة للحركات وإما لإضمحلال معنى الجمعية بدخول الألف واللام، كما بين في الأصول كما إذا حلف لا أشتري العبيد يحنث باشتراء عبد واحد، ولا يلزم اعتبار ذلك في الحركات ولو سلم لا يضر المقصود فافهم، وأما استعمالا فمن وجهين عبر عن أولهما بقوله: "ووقوعه" أي موقعه في كونه "صفة للنكرة" نحو: مررت برجل ضارب وضرب وعن ثانيهما بقوله: "وفي دخول لام الابتداء" عليه "نحو: إن زيد القائم و" إن زيد "ليقوم" وأيضا يشبه اسم الفاعل في مبادرة الفهم في كل منهما إلى الحال عند الاطلاق نحو: زيد مصل وزيد يصلي قوله: "أو باسم الجنس" عطف على بضارب؛ يعني يقال للمستقبل مضارع؛ لأنه مشابه باسم الجنس معنى "في العموم والخصوص؛ يعني أن اسم الجنس يختص بلام العهد" يعني أن اسم الجنس مثل: رجل شائع في أمته ثم يختص بواحد بعينه بدخول لام العهد