شرحان على مراح الأرواح في علم الصرفصفحات 46-79

الباب الأول: في بيان بناء الصحيح

صفحات 46-79
عن هذه الطبعة
عَلَم
ديكنقوز
الكتاب
شرحان على مراح الأرواح في علم الصرف
المؤلف
شمس الدين أحمد المعروف بديكنقوز أو دنقوز (المتوفى: 855هـ)
الناشر
شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة
الثالثة، 1379 هـ - 1959 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «شرح مراح الأرواح» لـ (ديكنقوز) بأعلى الصفحة، وبهامشه: «الفلاح في شرح المراح» لابن كمال باشا (المتوفي:940هـ)

[شرح ديكنقوز]

شائعا في أمته، فإنك إذا قلت: جاءني رجل يكون شاملا لكل ذكر من بني آدم جاوز حد البلوغ على سبيل البدل، فإذا قلت: فعل الرجل مشيرا إلى ذلك الرجل الجائي يختص بواحد منهم "كما يختص يضرب بسوف أو السين" فإن يضرب يصلح للحال والاستقبال فإذا دخل عليه أحد الحرفين المذكورين، وقيل: سوف يضرب أو سيضرب يختص بالاستقبال، وإذا دخل عليه اللام، وقيل: ليضرب يختص للحال، وإنما عرف السين إشارة إلى سين الاستقبال؛ لأنه يجيء لمعان أخر كالطلب والتحول والإصابة على صفة والوقف بعد كاف المؤنث، نحو: أكرمتك، والظاهر أن يقول؛ يعني كما أن اسم الجنس يختص بلام العهد يختص يضرب إلى آخره بأن يدخل أداة التشبيه في المشبه به، كما هو قاعدة التشبيه، إلا أنه عكس إيذانا بأن القصد في هذا التشبيه إلى الجمع بين الشيئين في أمر من غير قصد إلى إلحاق ناقص بكامل حتى إذا دخل أداة التشبيه في المشبه به ما ضر ذلك في المقصود كتشبيه غرة الفرس بالصبح وتشبيه الصبح بغرة الفرس متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه من غير قصد إلى المبالغة في وصف غرة الفرس في الضياء والانبساط وفرط التلألؤ ونحو ذلك؛ إذ لو قصد شيء من ذلك لوجب جعل الغرة مشبها والصبح مشبها به؛ لأنه أزيد في ذلك ولما جاز عكسه، وأما تقديم المشبه به هنا فهو على قاعدة تقديمه في بيان تفصيل اتصاف الطرفين بوجه الشبه فإنه بصدد ذلك، وأما في نفس التشبيه فالقاعدة تقديم المشبه، مثلا إذا أردت تشبيه زيد بالأسد قلت: كما أن الأسد يتصف بغاية القوة ونهاية الجراءة وكما البطش والفتك يتصف زيد بها المشبه به ليعرف حاله أولا ثم يقاس حال المشبه عليه، ويحتمل أن يقال إنه لما جعل المشبه به مشبها للإيذان المذكور قدمه لكونه مشبها لا لكونه مشبها به "أو"؛ لأنه مشابه "بالعين في" مطلق "الاشتراك" فكما أن لفظة العين تشترك بين الجارية والباصرة وغيرهما ويشترك يضرب "بين الحال والاستقبال" فإن المستقبل يشترك بين الحال والاستقبال على الأصح "وزيدت على الماضي من حروف أتين حتى يصير" الماضي "مستقبلا" وإنما لم ينقص منه حتى يصير مستقبلا "لأن الماضي بتقدير النقصان منه يصير أقل من القدر الصالح" فلا يصلح أن يصير مستقبلا هذا في الثلاثي، وأما في غير الثلاث فحمل على الثلاثي في الزيادة

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"كما يختص يضرب" بالزمان المستقبل بعد أن كان صالحا للزمان الحاضر والمستقبل "بسوف أو بالسين" أي بسين الاستقبال نحو: سيخرج وسوف يخرج لا بسين الاستفعال وغيره، فالألف واللام فيه إما عوض عن المضاف إليه أو للعهد الذهني.
واعلم أن السين وسوف قد سماهما سيبويه حرفي التنفيس، ومعناه تأخير الفعل إلى الزمان المستقبل وعدم التضييق في الحال، وسوف أكثر تنفيسا من السين، وقيل: إن السين منقوص من سوف دلالة بتقليل الحرف على تقريب الفعل.
قوله: "وبالعين" عطف على قوله: بضارب أو باسم الجنس على اختلاف المذهبين "في الاشتراك بين الحال والاستقبال" يعني كما أن العين يشترك بين المعاني مثل الذهب والباصرة والجارية كذلك المستقبل يشترك بين الحال والمستقبل؛ فهذه المشابهة في الاشتراك فقط لا في الاختصاص بعد الاشتراك كما تفصح عنه عبارته، ولأنه حينئذ يكون كالتكرار بما قبله فبطل ما ذهب إليه بعض الشارحين من أن معناه كما أن العين مشترك بين المعاني ثم يختص بأحد المعاني بالقرينة كذلك المستقبل مشترك بين الزمانين ثم يختص لأحد الزمانين بدخول السين أو سوف.
اعلم أن المستقبل حقيقة في أحد الزمانين مجاز في الآخر، فقال بعضهم: هو حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال؛ لأنه إذا خالف القرائن لم يحمل إلا على الحال، وهذا شأن الحقيقة والمجاز، وقال بعضهم: هو حقيقة في الاستقبال مجاز في الحال لخفة الحال، والأول هو المختار كذا ذكره الرضي، وقال ابن الحاجب في شرح المفصل: المضارع يشترك في الحاضر والمستقبل هذا هو المذهب المشهور، ومنهم من زعم أنه ظاهر في الحال مجاز في المستقبل ومنهم من عكس والصحيح أنه مشترك؛ لأنه يطلق عليهما إطلاقا واحدا كإطلاق المشترك فوجب القول كسائر المشتركات إلى هنا عبارته.
ومما يجب أن يعلم أن كون الحال زمانا اصطلاحي عرفي لا حقيقي؛ إذ الماضي ينتهي إلى آن هو مبدأ المستقبل فلا يوجد زمان هو حال وأيضا لو كان الحال زمانا لكان التنصيف تثليثا كذا حققه الحكماء، فقولك: يصلي في قولنا: زيد يصلي حال مع أن بعض أفعالها ماض وبعضها باق مبني على الاصطلاح، فالآن الحاضر مع جنبيه من الزمان حال في عرفهم.
ولما فرغ من بيان سبب تسمية المستقبل مستقبلا ومضارعا شرع في كيفية مغايرته للماضي فقال: "زيدت على الماضي" حرف "من حروف أتين حتى يصير" الماضي "مستقبلا" يعني لما وجب المخالفة بين لفظي الماضي والمضارع ليدل على مخالفة معناهما وهي لا يمكن بانتقاص حرف من حروف الماضي "لأن" الشأن "بتقدير الانتقاص" منها "يصير أقل من القدر الصالح" وقد عرفت أن القدر الصالح ثلاثة أحرف؛ حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يتوسط بينهما، وأيضا انتقاص حرف واحد منه لا يفيد الوجوه الأربعة من الغيبة والخطاب والتكلم وحده ومع غيره، ولو انتقص لكل وجه حرف لم يبق في الكلمة شيء فتعين أن تكون تلك المخالفة بالزيادة، وهذا الدليل المذكور يجري في الثلاثي وغيره محمول عليه وأما

[شرح ديكنقوز]

"وزيدت" تلك الحروف "في الأول" من الماضي "دون الآخر" منه مع أن الآخر أولى بالزيادة "لأن المستقبل" إذا كان زيادته "في الآخر يلتبس بالماضي" أي بتثنيته في زيادة الألف وبغائبته في زيادة التاء دون مخاطبته؛ إذ لا وجه لإسكان اللام وتحريك التاء؛ لأنها ليست بضمير اللهم إلا أن يقال في الضرورة ويجمع مؤنثه صورة بزيادة النون ولم يزد الباء في الآخر، وإن لم يلتبس حملا للقليل على الكثير "واشتق" أي أخذ المستقبل "من الماضي" إن زيد عليه ولم يشتق الماضي من المستقبل بأن ينقص منه "لأن الماضي يدل على الثبات" والوقوع دون المستقبل وما يدل على الثبات أولى بالأصالة "وزيدت" أي وقعت الزيادة "في المستقبل دون الماضي" يعني لم يوضع المزيد للماضي والمجرد للمستقبل بل عكس "لأن" البناء "المزيد عليه" والظاهر أن يقول المزيد فيه إلا أنه لما اتفقت نسخ الكتاب عليه ووقع أيضا في عبارة غيره من الثقات وجب توجيهه بأن يقال المزيد على مع زيادة "بعد" البناء "المجرد و" الزمان "المستقبل" وكذا الزمان الحاضر "بعد زمان الماضي فأعطى السابق" وهو البناء المجرد "للسابق" وهو الزمان الماضي "و" أعطى "اللاحق" وهو البناء المزيد عليه "للاحق" وهو الزمان المستقبل والزمان الحاضر، ثم لما وجب المخالفة بين صيغتي الماضي والمضارع، وكان الفعل صادرا إما عن المتكلم وحده أو عنه مع غيره أو عن المخاطب أو عن الغائب طلبوا حروفا تدل على المضارعة، وعلى هذه المعاني جريا عن سننهم في طلب الإيجاز فوجدوا أولى الحروف بالزيادة حروف المد واللين لجريانها مجرى النفس واستئناس السامع بها لكثرة دورها في الكلام؛ إذ الكلام لا يخلو عنها أو عن بعضها؛ أعني الحركات فقسموا تلك الحروف على تلك الأفعال على ما تقتضيه المناسبة فشرع يبين أن أي حروف لأي فعل عينت وبين المناسبة بينهما وقال: "وعينت الألف" منها "للمتكلم وحده" أي للشخص الواحد الذي يتكلم مذكرا كان أو مؤنثا ثم حركوها ليتأتي الابتداء بها "لأن الألف" خارج "من أقصى الحلق وهو" أي أقصى الحلق "مبدأ المخارج" كلها "والمتكلم هو الذي يبدأ الكلام به" فناسبه "وقيل" إنما عينت الألف للمتكلم وحده "للموافقة بينه" أي الألف "وبين" أول حروف "أنا" الذي هو ضمير المتكلم "وعينت الواو للمخاطب" أصالة أي لجنس الشخص الذي يخاطب مذكرا كان أو مؤنثا واحدا كان أو اثنين أو جماعة "لكونه" أي الواو خارجا "من منتهى المخارج" كلها "والمخاطب هو الذي ينتهي الكلام به" فناسبه "ثم قلبت الواو تاء"؛ لأنها كثيرا ما تبدل من الواو نحو تراث وتجاه والأصل وراث ووجاه "حتى لا يجتمع الواوات" الثلاث وإن كان في كلمتين وهو مستكره؛ لأنه يشبه نباح الكلب وأما نحو: آووا ونصروا فليس فيه ذلك الاجتماع بمستكره؛ لأن قطع واو العطف عما قبلها لما لم يتعذر فيه صار كأن الواوات لم يجتمعن فيه، ولأن الواو الثانية فيه ساكنة فيندفع الثقل بالإدغام في الوصل "في نحو وووجل" برفع اللام أي فيما وقع فيه الفاء واوا وقلبت فيما لم يقع فيه الفاء واوا أيضا طردا للباب "في العطف" إحدى الواوات الأولى

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

كون حروف الزيادة حروف أتين؛ فلأنهم وجدوا أولى الحروف بها حروف المد واللين لكثرة دورها في الكلام؛ إذ المتكلم لا يخلو عنها أو عن بعضها؛ أعني الحركات ثم قلبوا الواو تاء لما سيذكره وزادوا النون لما سيأتي أيضا "وزيدت" هذه الحروف "في الأول دون الآخر" مع أن محل التغير والزيادة الآخر "لأن" الشأن "في الآخر يلتبس بالماضي"؛ لأنه لو زيدت الألف التبس بتثنية الغائب نحو: ضربا، ولو زيدت التاء التبس بالغائبة المفردة نحو: ضربت، ولو زيدت النون التبس بجمع المؤنث الغائب نحو: ضربن، ولما لزم الالتباس في هذه الثلاثة حملت الياء عليها وإن لم يلتبس بزيادتها في الآخر "واشتق" المستقبل بالذات "من الماضي" والماضي من المصدر فيكون هو من المصدر بواسطة الماضي على قياس ما عرفت في اسمي الفاعل والمفعول "لأنه" أي الماضي "يدل على الثبات" أي التحقق والوقوع بخلاف المستقبل، وما يدل على الثبات فهو جدير بأن يكون أصلا في الاشتقاق "وزيدت" حروف أتين "في المستقبل دون الماضي؛ لأن" اللفظ "المزيد عليه بعد" اللفظ "المجرد و" زمان "المستقبل بعد زمان الماضي فأعطى السابق" من اللفظ "للسابق" من الزمان وهو الماضي "واللاحق للاحق" وهو المستقبل؛ رعاية للتناسب بين اللفظ والمعنى "وعينت الألف" بالزيادة "للمتكلم" وحده "لأن الألف" من أقصى الحلق وهو أي أقصى الحلق "مبدأ المخارج والمتكلم هو الذي يبدأ الكلام به" فيكون بينهما مناسبة في المبدئية فعينت له ثم حركوها ليتأتي الابتداء بها "وقيل" عينت الألف للمتكلم "للموافقة بينه وبين" همزة "أنا" وقيل عينت له؛ لأنها أخف فاستؤثر المتكلم بالأخف "وعينت الواو للمخاطب" مذكرا كان أو مؤنثا مفردا كان أو مثنى أو مجموعا وأيضا للغائبة المفردة والمثناة ولم يذكرهما المصنف لاختلاف فيه؛ إذ عند بعضهم تاء الغائبة ليست منقلبة من الواو كما في المخاطب، بل هي تاء التأنيث، فلما زيدت في الأول لئلا يلتبس بالماضي حركت لتعذر الابتداء بالساكن "لكونه من منتهى المخارج"؛ لأنه من خارج الشفة "والمخاطب هو الذي ينتهي الكلام به" فتتحقق المناسبة بينهما في الانتهاء فعينت له "ثم قلبت الواو تاء حتى لا يجتمع الواوات في وووجل في العطف" يعني أن وجل مثال واوي فلو زيدت واو المخاطب، ثم أدخل الواو العاطفة يجتمع واوات فكأنه يشبه

[شرح ديكنقوز]

فاء الكلمة، وثانيها حرف المضارعة، وثالثها حرف العطف "ومن ثمة" أي ومن أجل استكراههم اجتماع الواوات "قيل الأول من كل كلمة لا يصلح لزيادة الواو" إذ قد تكون فاء الكلمة واوا فلو زيدت قبل الفاء واو وعطفت بواو أخرى يجتمع الواوات لا محالة واطرد في غيره وعطف على قوله قيل قوله "وأن واوا ورنتل أصل" وهو الداهية وزنه فعنلل كجعنفل، ثم أتبعوا الغائبة والغائبتين المخاطب لئلا يلتبس بالغائب والغائبتين بزيادة الياء كما هو اللائق، وإن كان يلتبس بزيادة الياء بالمخاطب، إلا أن هذا أسهل؛ إذ الالتباس بالأقرب أشكل، وإنما أتبعوها إياه دون غيره لاستوائهما في الماضي كما يجيء إن شاء الله تعالى، ولم يجعل جمع الغائبة بالتاء، بل بالياء كما هو مناسب للغائبة لعدم الالتباس بينه وبين جمع المذكر لحصول الفرق بينهما بالواو في أحدهما والنون في الآخر، نحو: يضربون ويضربن "وعينت الياء للغائب" أي لجنس الشخص المذكر الغائب؛ أي لغير جنس المتكلم والمخاطب ليشمل الحاضر الذي ليس بمتكلم ولا مخاطب سواء كان ذلك واحدا أو اثنين أو جماعة إلا أنه عدل عن هذا الأصل في الغائب والغائبتين لما عرفت "لأن الياء من وسط الفم والغائب هو الذي يذكر في وسط الكلام" الجاري "بين المتكلم والمخاطب" فناسبه "وعينت النون للمتكلم إذا كان معه غيره" مطلقا "لتعينها" أي النون "لذلك" أي للمتكلم مع غيره "في" الماضي نحو "نصرنا" فأتبعوا المضارع الماضي في ذلك "وقيل: زيدت النون" في المتكلم مع غيره "لأنه" أي الشأن "لم يبق من حروف العلة" التي هي أولى بالزيادة "شيء وهو" أي النون "قريب من حروف العلة في خروجها" أي النون "من هواء الخيشوم" وهو أقصى الأنف، وقيل: عينت النون له للموافقة بينه وبين نحن على قياس ما قيل في تعيين الأنف للمتكلم وحده ولذلك لم يذكره "وفتحت هذه الحروف" أي حروف المضارعة في جميع الأبواب "للخفة إلا في" أبواب "الرباعي" أي رباعي كان "وهو" أي الرباع "فعلل" وملحقاته "وفاعل وأفعل وفعّل" بتشديد العين فإنها مضمومة فيهن؛ لأن من جملتها الياء والكسر عليه مستكره فحمل الباقي عليه، وفي الفتح التباس لما سنذكره إن شاء الله تعالى فتعين الضم، و"لأن هذه الأربعة رباعية والرباعي فرع الثلاثي" في الاحتياج وقوله: "والضم أيضا فرغ الفتح" في الخفة فناسب الضم الرباعي من حيث الفرعية فأعطى له ليدل على ما قدرناه من قولنا: فإنها مضمومة فيهن "وقيل" إنما ضمت هذه الحروف في

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

نباح الكلب وهو مستكره، فوجب قلبها حرفا آخر لدفع الكراهة فأبدلت التاء منها؛ لأنها كثيرا ما قد تبدل منها نحو: تراث وتجاه، والأصل وراث ووجاه، واعلم أن اجتماع الواوات مستكره إذا كانت في كلمة واحدة لا في كلمتين فلا يرد الإشكال بقوله تعالى: "آووا ونصروا "ومن ثمة" أي من أجل أن اجتماعات الواوات مستكره "قيل الأول من كل كلمة لا يصلح لزيادة الواو"؛ أي لا يجوز زيادة الواو في أول كلمة ما أصلا خوفا من اجتماعات الواوات، أما في المثال الواوي فظاهر، وأما في غيره فللحمل عليه قوله: "وحكى أن واو ورنتل أصل" جواب سؤال مقدر وهو أن قولكم: لا يجوز زيادة الواو في أول كلمة ما منقوض بورنتل لزيادة الواو في أوله، ومعنى الجواب ظاهر والورنتل بالفتحات وسكون النون اسم بلدة وقيل الشدة "وعينت الياء للغائب" أي غير المتكلم والمخاطب فيندرج فيه المذكر والمؤنث مفردين ومثنيين ومجموعين، لكنه سقطت الغائبة المفردة والمثناة بقرينة الحال فبقي الأربعة فسقط الاعتراض بعدم اندراج جمع المؤنث الغائبة فافهم "لأن الياء وسط الفم والغائب هو الذي يكون في وسط الكلام بين المتكلم والمخاطب" فيكون بينهما مناسبة في الوسط فعينت له "وعينت النون للمتكلم إذا كان معه غيره" لتعينها لذلك في ضربنا أي لتعين النون للمتكلم إذا كان معه غيره في الماضي نحو: ضربنا "وقيل زيدت النون" للمتكلم مع الغير "لأنه لم يبق من حروف العلة شيء" أي حرف "وهو" أي الحال والنون "قريب من حروف العلة في خروجها عن هواء الخيشوم" الخيشوم أقصى الأنف وهواء الخيشوم الصوت الذي يخرج منه ويسمى غنة أيضا فمعناه أن النون غنة في الخيشوم، كما أن حروف العلة مدة في الحلق.
واعلم أن النون إنما يكون غنة إذا كانت ساكنة لا مطلقا، بل إنما يكون النون الساكنة غنة في الخيشوم مع خمسة حرفا من حروف الفم، وهي القاف والكاف والجيم والشين والصاد والضاد والسين والراء والطاء والدال والتاء والذال والظاء والياء والفاء، فمتى اتصلت النون الساكنة بحرف من هذه الحروف قبله كانت غنة في الخيشوم، ولم يكن للفم فيها علاج ألبتة، ولهذا لو نطق الناطق بمثل: عنك ومنك وسد أنفه اختل صورتها وربما تلاشى واضمحل "وفتحت هذه الحروف" أي حروف أتين التي للمستقبل "للخفة" أي لخفة الفتحة "إلا في الرباعي" مجردا كان أو مزيدا فيه للثلاثي "وهو" أربعة أبنية "فعلل وأفعل وفاعل وفعل" فإن حروف المضارعة مضمومة في هذه الأربعة "لأن هذه الأربعة رباعية والرباعي فرع للثلاثي" أما الرباعي المجرد الأصيل فلأن حروفه أكثر عددا من حروفه والكثير بعد القليل، وأما الرباعي المزيد فيه للثلاثي فلامتناع بنائه بدون الثلاثي "والضم أيضا" أي كالرباعي "فرع للفتح"؛ لأن الضم ثقيل لاحتياجه إلى تحريك الشفتين والفتح خفيف لعدم احتياجه إليه، والخفيف أصل والثقيل فرع له، فأُعطي الأصل للأصل والفرع للفرع "وقيل" ضمت حروف المضارعة في هذه

[شرح ديكنقوز]

الرباعي "لقلة استعمالهن" أي لأبواب الأربعة وكثرة استعمال الثلاثي فاختص الضم بالأقل استعمالا والفتح بالأكثر استعمالا تعادلا بينهما، واعلم أن هذان الوجهين للترجيح بعد الوقوع، وأما وجه عدم كون القبيلتين على حركة واحدة هي الأصل؛ أعني الفتح فهو أنه لو فتح في مثل يكرم وقيل يكرم يلتبس بمضارع الثلاثي، ثم حمل عليه كل ما كان ماضيه على أربعة أحرف ولم يعكس؛ إذ في العكس يلزم الالتباس ولو في صورة بخلاف العكس فإنه لا التباس فيه أصلا "وتفتح" حروف المضارعة "فيما وراءهن" مما قل استعمالهن "لكثرة حروفهن" فلو ضمت فيهن يلزم زيادة الثقل ولم تكسر للثقل، ولما ذكرنا من جملتها الياء والكسر عليها مستكره "وأما يهريق فأصله يريق" بغير هاء من الإراقة "وهو من الرباعي" في الأصل "فزيدت الهاء" قبل الفاء "على خلاف القياس" فصار خماسيا بسبب الزائد والاعتبار إنما هو بالأصل فلم يوجد ضم حرف المضارعة في غير الرباعي "وتكسر حروف المضارعة" كلها "في بعض اللغات إذا كان ماضيه مكسور العين" كما في بعض الثلاثي المجرد "أو" كان ماضيه "مكسور الهمزة" كما في السداسي وبعض الخماسي "حتى تدل" كسرة حروف المضارعة "على كسرة عين الماضي" أو همزته "مثاله: يعلم وتعلم واعلم ونعلم" في مكسور العين، فإن ماضيها علم بكسر عين الفعل "ويستنصر وتستنصر واستنصر ونستنصر" في مكسور الهمزة، فإن ماضيها استنصر بكسر الهمزة "وفي بعض اللغات" وهو لغة بني أسد "لا تكسر الياء" فيما كان ماضيه مكسور العين أو مكسور الهمزة، بل يكسر غير الياء وإنما لم تكسر الياء "لثقل الكسرة على الياء" إلا إذا كان بعدها ياء أخرى فحينئذ يكسر أهل هذه اللغة الياء أيضا لتقوى إحدى الياءين بالأخرى، نحو: ييئس ويبخل فإنه على لغتهم فيما كان الفاء واوا في غير يبخل، وأما في يبخل فعلى استنائهم بالأخرى لا على أن كسر الياء مطلقا فيما يكسر عينه في لغتهم، فإنهم لما استثقلوا الواو بعد الياء في يوجل قلبوا الفتحة كسرة لينقلب الواو ياء ويزول ذلك الثقل، فلما صار الواو ياء وتقوى الياء بالياء كسروا الياء؛ لأن كسر الياء مطلقا من لغتهم "وعينت حروف المضارعة" في المضارع دون سائر حروفه "للدلالة على كسر عين" أو همزة الماضي" اكتفى بذكر العين عن ذكر الهمزة تعويلا على ما سبق ووجه التخصيص كون العين أصلا في الأصل "لأنها" أي حروف المضارعة "زائدة" والتصرف في الزائد أولى "وقيل" عينت تلك الحروف لتلك الدلالة؛ إذ لا مجال لغيرها لها "لأنه يلزم بكسر الفاء توالي الحركات" الأربع في غير الوقف وهو مرفوض "وبكسر العين يلزم الالتباس بين يفعل" بفتح العين "ويفعل" بكسر العين نحو يعلم ويضرب "وبكسر اللام يلزم إبطال الإعراب"

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

الأربعة "لقلة استعمالهن" أي استعمال الأربعة "ويفتح ما وراءهن" أي يفتح حروف أتين في غير الأربعة المذكورة خماسيا كان أو سداسيا "لكثرة حروفهن" أي حروف ما وراء الأربعة من الخماسي والسداسي، فالأولى أن يقال لكثرة حروفه بتذكير الضمير وإفراده؛ لأنه برجع إلى ما لكن أراد قصد الموافقة اللفظية لسائر الضمار المذكورة التي قبلها، فجعل لفظ ما عبارة عن الكلمات وتركوا الكسر في هذه الحروف؛ لأن الياء منها والكسر ثقيل عليها؛ قوله: "وأما يهريق فأصله يريق" جواب سؤال مقدر وهو أن قولكم حروف المضارعة مفتوحة في غير الرباعي منقوض بيهريق؛ لأنه غير الرباعي مع أن ياءه غير مفتوح.
وحاصل الجواب أنا لا نسلم أنه غير الرباعي؛ لأن أصله يريق "وهو" أي والحال أن يريق "من الرباعي فزيدت الهاء على خلاف القياس" وكذا اسطاع يسطيع أصله أطاع يطيع، فزيدت السين على خلاف القياس "ويكثر حروف المضارعة في بعض اللغة" ياء كان أو غيره "إذا كان ماضيه مكسور العين" كما في بعض الثلاثي المجرد "أو مكسور الهمزة" كما في الخماسي والسداسي "حتى يدل" كسر حروف المضارعة "على كسرة الماضي" أي على كسرة الماضي؛ لأن المضارع فرع على الماضي مثال الأول "نحو يعلم وتعلم واعلم ونعلم"وكذلك يحسب وتحسب وأحسب ونحسب "و" مثال الثاني "يستنصر وتستنصر وأستنصر ونستنصر" هذا من السداسي، وأما الخماسي فنحو يحمر وتحمر وأحمر ونحمر، وإذا كان كسر حروف المضارعة للدلالة على كسر الماضي لم يحتج إلى كسرها فيما لا يكون ماضيه مكسورا "وفي بعض اللغة" وهو لغة غير الحجازيين "يكسر الياء" بل يكسر ما عدا اليء من حروف المضارعة للعلة المذكورة "لثقل الكسرة على الياء" لا على غيرها، واعلم أن أهل هذه اللغة يكسرون الياء أيضا إذا كانت بعدها ياء أخرى كذا قيل "وعينت حروف المضارعة للدلالة على الكسرة في" عين "الماضي" أو همزته دون غيرها من حروف الفعل "لأنها زائدة" والتصرف في الزائد أولى "وقيل" عينت حروف المضارعة للدلالة المذكورة دون غيرها "لأنه يلزم بكسر الفاء توالي الحركات" الأربع في كلمة واحدة، وهو غير جائز وبتقدير كسر الفاء لا يمكن إسكان غيرها لما سيأتي حتى يلزم المحذوف "و" يلزم "بكسر العين الالتباس بين يفعل" بفتح العين "ويفعل" بكسرها إذا لم يعلم حينئذ أنه مكسور العين في الأصل أو مفتوح العين لكنه كسرت للدلالة المذكورة "وبكسر اللام" يلزم "إبطال الأعراب" في المضارع؛ إذ هو قد يكون مجزوما، وقد يكون مرفوعا، وقد يكون منصوبا، فإذا تعين كسرها لم يمكن هذه الوجوه، ولما لم يمكن كسر عين حروف المضارعة للدلالة

[شرح ديكنقوز]

إذ الكسر ثابت حينئذ على توارد العوامل فلا يظهر أثرها "وتحذف التاء الثانية جوازا في مثل: تتقلد وتتباعد وتتبختر" أي فيما اجتمع فيه تاءان في أول مضارع تفعل وتفاعل وتفعلل، وذلك حال كونه فعل المخاطب أو المخاطبة مفردا أو مثنى أو مجموعا، والغائبة المفردة والمثناة دون المجموع إحداهما حرف المضارعة والثانية تاء الباب، واختلف في المحذوف فذهب البصريون إلى أنه هو الثانية؛ لأن الأولى حرف المضارعة وحذفها مخل على ما حكي عن المبرد، وذهب الكوفيون إلى أنه هو الأولى؛ لأن الثانية للمطاوعة وحذفها مخل، ولأنها زائدة وحذفها أهون، واختار المصنف مذهب البصريين؛ لأن رعاية كونه مضارعا أولى؛ لأن الغرض من الاشتقاق إنما هو الدلالة على اختلاف المعنى باختلاف المعنى باختلاف الصيغ وأما المطاوعة وسائر معاني الأبواب فإنما هي بعد هذا الغرض ولأن الثقل إنما يحصل عند الثانية، وأما إثبات التاءين فهو الأصل لدلالة كل واحدة منهما على معنى، وفي قوله: تتقلد وتتباعد وتتبختر بصيغة المبني للفاعل إشارة إلى أن الحذف لا يجوز في المبني للمفعول اتفاقا من الفريقين؛ لأنه خلاف الأصل فلا يرتكب إلا في الأقوى وهو المبني للفاعل، ولأن المبني للفاعل من هذه الأبواب الثلاثة أكثر استعمالا من المبني للمفعول فالتخفيف به أولى، وهذان الوجهان يفيدان ترجيح المبني للفاعل على المبني للمفعول في الحذف، وأما وجه عدم شمول الحذف لهما فهو أنه لو حذفت التاء الأولى المضمومة من المبني للمفعول لالتبس بالمبني للفاعل المحذوف منه التاء؛ لأن الفارق هو التاء المضمومة ولو حذفت التاء الثانية لالتبس بالمبني للمفعول من مضارع فعل وفاعل وفعلل وذلك ظاهر، وإنما تحذف التاء الثانية في مضارع الأبواب الثلاثة "لاجتماع الحرفين من جنس واحد" وهو ثقيل "وعدم إمكان الإدغام" حتى يزول ذلك الثقل لرفضهم الابتداء بالساكن والحذف للتخفيف أولى من إبقاء المتجانسين وإدغامهما والإتيان بالهمزة، مع أن همزة الوصل لا تدخل المضارع؛ لأنه مشابه باسم الفاعل مشابهة تامة حكما لا تدخل عليه لعدم الاحتياج إليها لا تدخل على المضارع بخلاف الماضي؛ فإنه لما قل مشابهته باسم الفاعل جاز دخولها عليه، مثل: استخرج وأثاقل "وعينت التاء الثانية للحذف" مع أن ذلك الاجتماع الثقيل يزول عن توالي الحركات وعينت الفاء للسكون؛ لأن توالي الحركات لزم من زيادة الياء" وإذا لم يمكن إسكانه لرفضهم الابتداء بالساكن "فإسكان الحرف الذي هو قريب منه" أي بقرب الياء "يكون أولى" بالإسكان من غيره كأقرب القريتين في القسامة "ومن ثمة" أي ومن أجل أن إسكان الحرف الذي هو قريب من الحرف الذي لزم منه محذور أولى "عينت الباء في ضربن للإسكان" لئلا يجتمع أربع حركات متواليات فيما هو كالكلمة الواحدة كما مر "لأنه" أي الباء "قريب" أي يقرب "من النون الذي لزم منه" أي من زيادته "توالي الحركات الأربع وسوى بين صيغتي المخاطب والغائبة" مفردين أو مثنيين "في" المستقبل "نحو" أنت "أو هي تضرب" والمناسب ذكره في تعيين التاء للمخاطب إلا أنه لما كان له بحث طويل أخره إلى آخر بحث المستقبل بالنظر إلى أخواته "لاستوائهما" أي المخاطب والغائبة "في الماضي" في مجرد التاء لا في حركاتها وسكناتها "نحو أنت "نصرت" بفتح التاء "وهي نصرت"

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

المذكورة تعين كسرها "وتحذف التاء الثانية" أي يجوز حذفها كما يجوز إبقاؤها على أصلها "في مثل تتقلد وتتباعد وتتبختر" التبختر في المشي، يقال: فلان يمشي التبخترية وبالفارسية خراميدان؛ يعني إذا اجتمع تاءان في فعل مضارع وكان مبنيا للفاعل حذفت الثانية تخفيفا، وإنما قلنا: وكان مبنيا للفاعل؛ لأنه لو كان مبنيا للمفعول لم يحذف لقلة استعماله "لاجتماع الحرفين من جنس واحد" والتلفظ بهما ثقيل على اللسان "وعدم إمكان الإدغام"؛ لأن الإدغام عبارة عن إسكان الأول وإدراجه في الثاني فيلزم الابتداء بالساكن، ولا يجوز اجتلاب الهمزة في المضارع، كما لا يجوز في اسم الفاعل للمشابهة بينهما "وعينت الثانية للحذف؛ لأن الأول علامة" أي علامة المضارع "والعلامة لا تحذف" ولا علامة أخرى حتى يجوز حذفها، ولأن الاستثقال إنما حصل بالثانية فحذفها أولى هذا ذهب سيبويه، وذهب الكوفيون إلى أن المحذوفة هي الأولى؛ لأنها زائدة والزائد أولى بالحذف "وأسكنت الضاد في يضرب" أي أسكنت الفاء في المضارع نحو الضاد في يضرب "فرارا عن توالي الحركات الأربع" في كلمة واحدة "وعينت الضاد للسكون؛ لأن توالي الحركات" الأربع "لزم من" زيادة "الياء فإسكان الحرف الذي هو قريب منه يكون أولى" إذ لا يمكن إسكان الباء نفسه لتعذر الابتداء بالساكن "ومن ثمة" أي ومن أجل أن إسكان الحرف الذي هو قريب من الحرف الذي لزم منه أربع حركات أولى "عينت الباء في مثل ضربن للإسكان؛ لأنه قريب من النون الذي لزم منه توالي الحركات" الأربع ولا يسكن النون فيه مع أن التصرف في الزائد أولى لئلا يخالف سائر الضمائر القابلة للحركات في تحركها، نحو: ضربت بالحركات الثلاث وفتح الخفة "وسوى بين المخاطب" المفرد "والغائبة" المفردة وكذا بين تثنيتهما "في المستقبل" في نفس التاء لا في التاء باعتبار معناها؛ إذ في الأول للخطاب وفي الثاني للتأنيث "لاستوائهما" أي لاستواء المخاطب والغيبة في نفس التاء "في الماضي" ضربت وضربت "نحو تضرب ونضرب" وقس عليهما تثنيتهما، نحو: تضربان ونضربان

[شرح ديكنقوز]

بسكونها، وإنما أورد المثال هنا من باب نصر مع أن عادته أن يورد من باب ضرب لكونه أصلا في الدعائم، إشارة إلى أن باب تصريفه جهة التقديم في الجملة، ولهذا قدمه بعضهم على باب ضرب نظرا إلى تلك الجهة لما سبق، وأنه ليس ساقطا عن درجة استحقاق التقديم بالكلية كسائر الأبواب، ولذا لم يقدم أحد شيئا منها "ولكن لا يسكن" ما به التسوية أعني "التاء في غائبة المستقبل" كما أسكن في الماضي "لضرورة الابتداء بالساكن" ولهذا قيل: إن غائبة المستقبل ليست بمبدلة من الواو كتاء المخاطب، بل هي تاء التأنيث الساكنة قدمت تفاديا بذلك من وقوع اللبس فلما قدمت حركت لتعذر الابتداء بالساكن، ولايبعد أن يكون ميل المصنف إلى هذا وأن يكون هذا سبب تأخيره ذكر التسوية بين المخاطب والغائبة "ولا يضم" ما به الاستواء فى الغائبة ليزول الاستواء "حتى لا يلتبس المعلوم" منها "بالمجهول" منها "فى مثل تمدح" أى فى باب تفعل بفتح العين "ولا يكسر حتى لا يلتبس المعلوم بلغة تعلم" فيها بكسر عين ماضيه وبفتح عين مضارعه "إن قيل يلزم الالتباس" بين المخاطب والغائبة "أيضا بالفتحة" أى كما يلزم الالتباس بالضمة والكسرة فلم اختير الفتحة "قلنا فى الفتحة موافقة بينها" أى بين الغائبة وبين أخواتها "فى اطراد الأمثلة" من المتكلم والمخاطب فإن حروف المضارعة مفتوحة فيها أو بين ما به الاستواء؛ أعني التاء وبين أخواتها من التاء والهمزة والنون فإنها مفتوحة فيها زيدت فيه "مع خفة الفتحة" بخلاف أختيها؛ إذ لا موافقة فيهما بين الأخوات ولا خفة أيضا "وأدخل فيها آخر المستقبل" يعني بعد الألف والواو والياء ويجوز إطلاق الآخر لما بعد هذه الحروف لشدة اتصالها بالفعل لكونها ضمائر الفواعل "نون" فى يفعلان وتفعلان ويفعلان وتفعلون وتفعلين عوضا عن الحركة فى يفعل ليكون ذلك النون فى كلها "علامة للرفع"؛ لأنه أول أخوات الاعراب لكونه علامة الفاعل ثم حذفوها حال الجزم حذف الحركة التى هى عوض عنها، وحملوا النصب على الجزم كما حمل النصب على الجر فى بعض الأسماء؛ لأنه فى الفعل بمنزلة الجر فى الاسم كما سيجىء إن شاء الله تعالى "لأن آخر الفعل" حقيقة "صار باتصال ضمير الفاعل بمنزلة وسط الكلمة" والإعراب لا يكون فى وسط الكلمة، ولم يمكن أن يجعل الضمائر حروف الإعراب؛ لأنها فى الحقيقة ليست من نفس الكلمة، ولم يمكن زيادة حروف المد لمكان الضمائر فزيدت

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"ولكن لا يسكن" التاء "في غائبة المستقبل" كما تسكن في غائبة الماضي "لضرورة الابتداء بالساكن" أي لتعذره بخلاف الماضي؛ لأن التاء فيه في الآخر "ولا يضم" أي غائبة المستقبل فرقا بينهما "حتى لا يلتبس بالمجهول في مثل تمدح" يعني لو ضمت التاء يلتبس المعلوم بالمجهول في الأفعال التي عينها مفتوح، فلو قيل تمدح أو تعلم بضم التاء لم يعلم أنه مجهول أو معلوم غائبة ضمت تاؤها فرقا بينها وبين المخاطب "ولا يكسر أيضا حتى لا يلتبس بلغة تعلم" في الفعل الذي عين ماضيه أو همزته مكسورة، وأما في غيره فللحمل عليه "فإن قيل يلزم الالتباس أيضا بالفتحة" فلم اختير "قلنا في الفتحة موافقة بينهما وبين أخواتها" يعني وإن لزم الالتباس بالفتح أيضا، لكن فيه فائدة وهو الموافقة بينها وبين أخواتها في كونه كل واحد منها مفتوحا "مع خفة الفتحة" ولما لم يكن الفرق بينهما لفظا أبقيا على حالهما واكتفى بالفرق التقديري، وذلك أن تاء الغائبة تاء التأنيث في الماضي لكنها قدمت للالتباس، فلم تكن مبدلة من شيء بخلاف التاء في المخاطب، فإنها مبدلة من الواو كما مر، وأيضا يفرق بينهما بما تحتهما، فإن الغائبة يستتر تحتها هي والمخاطب يستتر تحته أنت وقس على مفرديهما تثنيتهما في الوجهين "وأدخل في آخر المستقبل" إذا كان تثنية وجمعا مطلقا ومخاطبة مفردة "نون" بعد ضمير التثنية والجمع نحو: يضربان ويضربون، وإنما قال في آخر المستقبل؛ لأن الضمير كالجزء من الفعل وعينت النون بالزيادة مع أن الأصل أن يزاد من حروف المد لعدم إمكان زيادتها وهو ظاهر وقرب النون منها في خروجها عن هواء الخيشوم كما مر "وعلامة للرفع؛ لأن آخر الفعل" في الحقيقة صار "باتصال ضمير الفاعل بمنزلة وسط الكلمة" بناء على أن الضمر كالجزء من الفعل، وحاصله أنه لما كان المستقبل معربا ومرفوعا بعامل معنوي وأصل الإعراب بالحركات ولم يمكن ذلك في آخر التثنية والجمع والمخاطبة حقيقة بسبب اتصال الضمائر لها؛ لأنه صار آخر الفعل حينئذ بمنزلة وسط الكلمة وهو لا يكون متعقب الإعراب ولا الضمائر أوجبت كون ما قبلها على وجه واحد فما قبل الألف مفتوح أبدا وما قبل الواو مضموم أبدا وما قبل الياء مكسور أبدا ولم يمكن أيضا أن يجعل الضمائر حروف الإعراب؛ لأنها في الحقيقة ليست من نفس الكلمة ولأنها يلزم حينئذ سقوطها بالجوازم وسقوط العلامة غير جائز، ولم يكن أيضا الحركة على الضمائر نفسها؛ لأنها أسماء فلا يعرب بإعراب الفعل؛ إذ لا يجوز جعل كلمة محلا لإعراب كلمة أخرى ولأنها مبنية فلم تكن متعقب الإعراب ولأن فيها ما لا يقبل الحركة ألبتة وهو الألف وفيها ما تستثقل وهو الواو والياء لزم زيادة حروف تنوب مناب الحركة في المفرد فأولى الحروف بها النون لما ذكرنا آنفا فهي عوض عن الضمة فحيث ثبت الضمة ثبت النون، كما في حال الرفع سقط الضمة سقط النون أيضا، كما في حال الجزم والنصب، وإنما اختصت النون بحال الرفع؛ لأنه أول أحوال الإعراب وكل ذلك مبين في النحو قوله

[شرح ديكنقوز]

حروف شبيهة بها وهو النون فجميع النونات الداخلة على المستقبل علامة للرفع "إلا نون يضربن وهي علامة للتأنيث" لا علامة الرفع، ولهذا لا تسقط في حالتي الجزم والنصب "كما" أي كما أن النون التي "في" الماضي نحو "فعلن" فإن نونه علامة للتأنيث لا علامة للرفع، ولا ينافيه كونه علامة للجمع أيضا "ومن ثمة" أي ومن أجل أن نونه علامة للتأنيث "يقال" يضربن "بالياء" دون التاء "حتى لا يجتمع علامتا التأنيث" وهي التاء والنون ونون ضربن تمحضت ضميرا وعلامة التأنيث تاؤه "والياء في تضربين ضمير الفاعل" عند الجمهور "كما مر" لا علامة الخطاب كما هو عند الأخفش، وعلامة الخطاب هو التاء فلا يلزم اجتماع علامتي الخطاب عندهم، فلا يرد نقضا على ما ذكرنا من امتناع اجتماع العلامتين مطلقا؛ إذ لا دخل في امتناع اجتماعهما لما أضيفتا إليه أعني التأنيث.
ولما فرغ من البحث الذي تعلق بصيغة المستقبل ولفظه شرع فيما يتعلق بمعناه فقال: "وإذا دخل لفظ لم على المستقبل ينقل معناه إلى الماضي" وينفيه نحو: لم يضرب؛ أي لم يقع الضرب في الزمان الماضي "لأنه" أي لفظ لم "مشابه بكلمة الشرط" أعني أن لم من حيث اختصاصها بالفعل، فكما أن إن إذا دخل على الفعل ماضيا كان أو مضارعا ينقل معناه إلى المستقبل، كذلك كلمة م ينقل معناه بتلك المشابهة.

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"إلا نون يضربن" أي نون جماعة النساء استثناء من قوله: نون علامة للرفع؛ فإنها ليست بعلامة للرفع؛ لأنها لم تسقط حالة الجزم والنصب "وهي علامة للتأنيث" ولا ينافي ذلك كونه ضمير جماعة النساء لجواز إغنائه غناء علامة التأنيث "كما في فعلن" أي كما لا يجوز النون في فعلن علامة للرفع بل للتأنيث؛ لأن الماضي مبني فلم يكن فيه حروف الإعراب ألبتة، وإذا لم يكن نون يضربن علامة للرفع بني الفعل معها على السكون إما لمشابهته يفعلن من حيث إن كل منهما فعل في آخره ضمير جماعة النساء، وإن لم يجتمع فيه أربع حركات متواليات كما هو مذهب سيبويه، وإما لأن إعراب المضارع بالمشابهة لاسم الفاعل وحين دخل عليه نون جماعة النساء لم يبق بينهما مشابهة وزنا، فرجع إلى أصل بنائه الذي هو السكون، وهذا ما اختاره الزمخشري، ومن العرب من يقول إنه معرب لضعف علة البناء وإعرابه تقديري للزوم السكون محل الإعراب، ولم يعوض النون من الإعراب خوفا من اجتماع النونين "ومن ثم" أي ومن أجل أن النون في يضربن علامة للتأنيث "يقال" في جمع المؤنث الغائبة "يضربن بالياء" بنقطتين من تحت لا بالتاء بنقطتين من فوق "حتى لا يجمتع علامتا التأنيث" إذ التاء للتأنيث أيضا واجتماع علامتي التأنيث في الفعل وإن كانا من جنسين غير جائز كما مر، ولا يرد عليه جمع المؤنث المخاطبة نحو: تضربن بالتاء؛ إذ التاء فيه علامة للخطاب فقط وعلامة التأنيث نون جماعة النساء وحده "والياء في تضربين" أي المخاطبة المفردة "ضمير الفاعل" عند العامة ويغني غناء التأنيث أيضا، والتاء علامة الخطاب فقط "كما مر" في المضمرات "وإذا دخل" لفظ "لم على المستقبل ينقل معناه إلى الماضي" وينفيه فإنك إذا قلت: لم يضرب زيد فكأنك قلت: ما ضرب في الزمان الماضي "لأنه" أي لفظ لم "مشابه بكلمة الشرط" في الاختصاص بالفعل؛ يعني كما أن كلمة الشرط تختص بالفعل وتنقل معناه إن كان ماضيا إلى المستقبل، وإن كان مستقبلا تنقل من احتماله للحال إلى محض الاستقبال، كذلك كلمة لم تختص بالفعل وتنقل معناه لكنها مختصة بالمستقبل ونقل معناه إلى الماضي المنفي.

[شرح ديكنقوز]

"فصل: في الأمر والنهي:

الأمر صيغة يطلب بها الفعل": أي بفتح الفعل "من الفاعل" الغائب أو المخاطب خص المبني للفاعل بالتعريف لكونه الأغلب كما خصه ابن الحاجب في تعريف أمر المخاطب

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"فصل: في الأمر": أخر النهي؛ لأنه يعلم بالقياس إلى الأمر مقيسا فيكون الأمر عليه له كما ستطلع عليه، وأخر عن المستقبل لكونه مأخوذا منه، وقدم الغائبة منه لبقاء صيغة المضارع فيه، وقيل: أخر الأمر عن المستقبل؛ لأن المستقبل مشترك بين الحال والاستقبال والأمر مختص بالمستقبل؛ لأن الإنسان إنما يؤمر بما لم يفعله ليفعله فالترتيب بينهما بحسب ترتيب الزمان، والأمر في اللغة يطلق على الفعل والحال يقال: أمر فلان مستقيم أي فعله وحاله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي فعله وهو بهذا المعنى جامد لا مصدر وجمعه أمور وعلى مصدر أمره بكذا؛ أي قال له افعل كذا وجمعه أوامر وعلى مصدر أمرته بمعنى كثرته، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف بقوله: "الأمر صيغة يطلب بها الفعل من الفاعل" فقوله: صيغة بمنزلة الجنس يشمل الأفعال كلها وباقي قيوده كالفصل يخرج ما عدا الأمر من الماضي والمضارع؛ لأنه لا يطلب بهما الفاعل، ولم يقل من المخاطب ليتناول أمر الغائب، والمراد من الفاعل ها هنا الاصطلاحي، وهو ما أسند إليه عامله مقدما عليه لا ما أحدث الفعل بدلالة إطلاق الأمر على الصيغة المأخوذة من قولهم: مات زيد وطاب الخير نحو مت وطب، فيتناول مرفوع الفعل المبني للفاعل والمبني للمفعول أيضا، كذا حقق فظهر بطلان ما قيل: إن التعريف ليس بجامع؛ لأن الأمر قد يكون ببناء المجهول فلا يطلب به حينئذ الفعل من الفاعل، وبطلان جوابه أيضا بأن بناء الأمر للمجهول نادر الوجود وهذا الحد بالنظر إلى الأكثر، فإن قلت: إن الحد منقوص بمثل اترك؛ لأنه أمر مع أنه لا يطلب به الفعل من الفاعل، بل يطلب به تركه، قلت: معنى ترك الضرب مثلا كف النفس عن الضرب، وكف النفس فعل من أفعالها وهو المطلوب بلفظ اترك كذا قيل

[شرح ديكنقوز]

لذلك حيث قال صيغة يطلب بها الفعل من الفاعل المخاطب "نحو ليضرب إلخ" تقول: زيد ليضرب زيدان ليضربا زيدون ليضربوا، هند لتضرب هندان لتضربا هندات ليضربن واضرب أنت اضربا أنتما اضربوا أنتم اضربي أنت اضربا أنتما اضربن أنتن "وهو مشتق من المضارع" بلا واسطة ولذا أخره عنه وبواسطة المضارع مشتق من المصدر فلا ينافي قوله واشتقاق تسعة أشياء من كل مصدر؛ لأن المراد بالاشتقاق المذكور هناك أعم من أن يكون بالذات أو بالواسطة كما أشرنا هناك، وإنما كان هو مشتقا من المضارع دون الماضي "لمناسبة بينهما" أي بين الأمر والمضارع "في الاستقبالية" أي في انتساب معناهما إلى الاستقبال، وذلك ظاهر في المضارع وأما في الأمر؛ فلأن الطلب إنما يكون لما لم يحصل بعد ولا مناسبة بينه وبين الماضي، وهذا وجه التخصيص بالنسبة إلى الماضي، وأما أنه لم يشتق من المصدر ابتداء كالماضي فليكن أقرب إلى الضبط ولهذا ذهب السيرافي إلى أن اسمي الفاعل والمفعول مشتقان من الفعل "زيدت اللام في أمر الغائب" لطلب الفعل دون غيرها "لأنها من وسط المخارج" كما أن الغائب بين المتكلم والمخاطب في الكلام فناسبه اللام "و" الحال أن اللام "أيضا" أي كما أنها في وسط المخارج "من حروف الزوائد" والإضافة بيانية؛ أي من حروف هي الزوائد فتكون خالصة للزيادة "وهي" أي حروف الزوائد الحروف "التي يشملها" قوله: يا أوس هل نمت ولم يأتنا ... سهو فقال اليوم تنساه أو سألتمونيها أو أتاه سليمون، أو أتاه سليمان، أو آنست موليها، أو أمان وتسهيل "قول الشاعر" أبي عثمان المازني "هويت" من باب علم أي أحببت، وأما ما يكون من باب ضرب فهو بمعنى الصعود أو بمعنى السقوط "السمان" جمع سمينة يعني النساء السمان "فشيبنني" أي جعلتني تلك النساء أن أشيب قبل وقت الشيب بمقاساة الشدائد وتحمل الأحزاب والمصائب في مواصلتهن، واستمرت محبتي إياهن إلى أن شبت ويؤيده قوله: "وقد كنت قدما" بكسر القاف وسكون الدال بمعنى الزمان القديم "هويت السمان" وعين حروف الزيادة من بين حروف البيت بقوله: "أي حروف هويت السمان" أي هذه الحروف العشرة التي هي الهاء والواو والياء والتاء

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"نحو ليضرب إلخ" أي ليضرب ليضربا ليضربوا لتضرب لتضربا ليضربن "وهو" أي الأمر المطلق "مشتق بالذات من المضارع" لا من الماضي "لمناسبة بينهما في الاستقبالية" يعني أن كل واحد منهما يدل على الاستقبال، أما المضارع فظاهر، وأما الأمر فلأن الإنسان إنما يؤمر بما لم يفعله ليفعله، وقيل: لا يجوز أن يشتق الأمر من الماضي؛ لأنه يؤدي إلى تحصيل الحاصل، وهو محال فتعين المضارع؛ إذ الأمر لا يؤخذ من الأمر "زيدت اللام في" أول "الأمر الغائب؛ لأنها من حروف الزوائد وأيضا من وسط المخارج" هذا شروع في بيان كيفية أخذ أمر الغائب من المضارع؛ يعني إذا أريد أخذ أمر الغائب من المضارع زيدت في أوله اللام ليحصل الفرق بينه وبين المضارع ويجزم آخره بها؛ وخصت اللام بالزيادة من بين حروف الزوائد؛ لأنها من وسط المخارج والغائب وسط بين المتكلم والمخاطب فيكون ها هنا مناسبة في التوسط فزيدت هي دون غيرها، ولما ذكر أن اللام من حروف الزوائد وجب أن يبينها فقال: "وحروف الزوائد" هي الحروف "التي يشتملها قول الشاعر: هويت السمان فشيبنني ... وقد كنت قدما هويت السمان قال ابن جني حكي أن أبا العباس سأل أبا عثمان المازني عن حروف الزيادة في البيت، فأنشد هويت السمان البيت، فقال له الجواب، فقال: قد أجبتك دفعتين يريد هويت السمان ويجمعه أيضا قولك: يا أوس هل نمت، وأيضا قولك: ولم يأتنا سهو وكذا: اليوم تنساه، وإنما اختصت الحروف العشرة بالزيادة دون غيرها؛ لأن أولى الحروف بالزيادة حروف المد واللين؛ لأنها أخف الحروف وأقلها كلفة لكثرة دورها في الكلام واعتياد الألسنة لها، وأما قول النحاة الواو والياء ثقيلتان فبالنسبة إلى الألف، وأما السبعة الباقية فمشبهة بها أو مشبهة بالمشبهة بها فالهمزة تشبه الألف في المخرج وتنقلب إلى حرف اللين عند التخفيف، والهاء أيضا تشبه الألف في المخرج وأبو الحسن يدعي أن مخرجهما واحد، والميم من مخرج الواو وهو الشفة، والنون تشبه الألف أيضا؛ لأن فيها غنة وترنما ويمتد في الخيشوم امتداد الألف بالحلق، والتاء تشبه الواو من جهة مقاربة مخرجهما، والسين تشبه التاء في الهمس وقرب المخرج فتشبه الواو بالواسطة، ولهذا لم يكثر زيادتها، بل زيدت في مثل استفعل فقط، واللام وإن كان مجهورا لكنه يشبه النون في المخرج ولذلك يدغم فيه النون نحو من لدنه فيشبه الألف بالواسطة، ومما يجب أن يعلم أنه ليس المراد من كون تلك الحروف حروف الزيادة أنها تكون زائدة أبدا؛ لأنها قد تركبت الكلمة منها وكلها أصول، مثل: سأل ونام، بل المراد أنه إذا زيدت حرف لغير الإلحاق والتضعيف فلا يكون إلا منها، ومعنى البيت هويت بمعنى أحببت والسمان بكسر السين جمع سمين بوزن فعيل وهو ضد المهزول وموصوفه محذوف تقديره أحببت النساء السمان فشيبنني، وإسناد الشيب إليهن كناية عن كثرة مصاحبته لهن، فكأنه قال: إني مصاحبهن من أول شبابي إلى زمان شيبي، ويحتمل أن يكون شكاية عن عدم مساعدتهن له، وقدما يكسر القاف وسكون الدال اسم من القدم بوزن العنب، جعل اسما من أسماء الزمان، يقال: قدما كان كذا وكذا أي زمان طويلا، وقوله: "أي حروف هويت السمان" تفسير للحروف الزوائد؛ لأن البيت يشتمل عليها وعلى غيرها فيحتاج إلى تفسير المراد

[شرح ديكنقوز]

والهمزة والاعتبار، إنما هو بالكناية دون اللفظ، ولذلك قالوا وأتاه سليمان يشتملها واللام والسين والميم والألف والنون، وحكي أن أبا العباس المبرد سأل أبا عثمان المازني، فقال له: كيف تجمع حروف الزيادة؟، فأنشد البيت، فقال له: الجواب يرحمك الله، قال المازني: قد أجبتك مرتين يريد قوله: هويت السمان، وليس معنى زيادتها أنها تكون زائدة فى كل مكان، بل معناها أنه إذا أريد زيادة حرف فإنما يزاد منها لا من غيرها؛ إذ قد تكون أصولا ألا يرى أن حروف هويتها أصول كلها، وإنما يعرف كونها زائدة من كونها أصلا بأن تزن الأصلي بالفاء والعين واللام، وتخرج الزائد بلفظة لا يقابل فاء وعينا ولا ما تقول ضرب وزنه فعل، ويضرب وزنه يفعل، وضارب وزنه فاعل، ومضروب وزنه مفعول، ومكرم وزنه مفعل، واستخرج وزنه استفعل، وقضيب وزنه فعيل، وحمار وزنه فعال "و" على هذا "لا يزاد" فى أمر الغائب "من حروف العلة" مع أنها أولى الحروف بالزيادة "حتى لا يجتمع حرفا علة" إحداهما للأمر والثانية للمضارع "وكسرت اللام" أي لام الأمر مع أن من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون "لأنها مشابهة باللام الجارة" فى الصورة، وإنما شبهت بها "لأن الجزم فى الأفعال بمنزلة الجر فى الأسماء" أي بمقابلة الجر فيها؛ لأن فى الفعل الرفع والنصب فى مقابلة الرفع والنصب فى الأسماء وفى الاسم جر وليس فى الفعل لما عرف فى موضعه، بل فيه الجزم فيكون الجزم فى الفعل بمقابلة الجر فى الاسم بمنزلته فيكون الجازم بمنزلة الجار فجعل صورته مثل صورة الجار وعومل به معاملة الجار فى الاسم "أسكنت لام الأمر بالواو والفاء" يعني تسكين اللام بعد الواو والفاء أكثر لكون اتصالهما بما بعدهما أشد لكونهما على حرف واحد فصار الواو واللام بعده وحرف المضارعة وكذا الفاء معهما كلمة واحدة على وزن فخذ وكتف فتخفف بإسكان العين، وأما ثم فمحمول عليهما لكونها حرف عطف مثلهما، لكن لا يكثر السكون بعده كثرته بعدهما لكون حروفها أكثر من واحد "نحو وليضرب وفليضرب وثم ليضرب كما أسكن العين فى فخذ" للتخفيف أصله فخذ بفتح الفاء وكسر العين ويجوز فيه سكون العين مع فتح الفاء للخفة كما ذكره، ويجوز سكون العين مع كسر الفاء بنقل كسر العين إليها ويجوز كسر العين والفاء لكون حرف الحلق قويا فيتبع ما قبله، وكذا يجوز كل ما جاز في فخذ في كل ثلاثي عينه حرف حلق مكسور من اسم أو فعل نحو شهد "ونظيره" أي نظير لام الأمر في الإسكان "في الواو وهو بسكون الهاء" وفي الفاء فهو بسكون الهاء تشبيها له بما ضم عينه من نحو: عضد، فكما يقال: عضد يقال: وهو بالسكون "وحذف حرف الاستقبال في أمر المخاطب" بعد حذف اللام للتخفيف لكثرة استعماله؛ إذ أصل اضرب لتضرب باتفاق الفريقين كما سيجيء إن شاء الله تعالى وكان القياس في الأمر للفاعل المخاطب أن يكون باللام كالأمر الغائب؛ لأن الطلب في الأمر إنما هو بمعنى اللام؛ لأن اللام وضعت لذلك فيه وزيدت لأجله كما أشرنا إليه فكان قياس أمر الفاعل المخاطب أيضا أن يكون باللام، لكن لما كثر استعماله حذف اللام وحذف حرف المضارعة أيضا "للفرق بينه وبين مخاطب المستقبل" لا بينه وبين أمر الغائب بدليل قوله فيما سيأتي للفرق بينه وبين المضارع، وقوله: "وعين الحذف" أي حذف اللام وحذف حرف الاستقبال "في" أمر "المخاطب" دون أمر الغائب "لكثرة استعماله" أي لكثرة

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"ولا يزاد" في أول أمر الغائب "من حروف العلة" مع أنها أولى الحروف بالزيادة "حتى لا يجتمع حرفا علة" أحدهما للأمر الغائب وثانيهما للمضارعة "وكسرت" تلك "اللام" الزيادة مع أن الأصل في الحروف الواردة على هجاء واحد الفتح لخفته "لأنها مشبهة باللام الجارة" بحسب مشابهة عملها وذلك "لأن الجزم في الأفعال بمنزلة الجر في الأسماء" وإذا كان عامل الجر مكسورا في الأسماء الظاهرة، كذلك عامل ما هو بمنزلته من الجزم يكون مكسورا وأيضا كسرت اللام فرقا بينه وبين لام التأكيد التي يدخل المضارع، نحو: إن زيدا ليضرب "وأسكنت" لام الأمر "بالواو والفاء نحو وليضرب فليضرب" لشدة اتصالهما بما بعدهما لكونهما على حرف واحد فصار الفاء والواو مع اللام بعدهما وحرف المضارعة ككلمة واحدة وعلى وزن فخذ فأسكنت اللام تخفيفا "كما أسكن الخاء في فذ" تخفيفا أصله فخذ بكسر الخاء وهو عضو مخصوص فهذا نظير الإسكان بالفاء "و" أما "نظيره بالواو" فلفظه "وهو بسكون الهاء" أصله بالضم وكذا أسكنت بثم، نحو: ثم ليقضوا حملا عليهما، ولما فرغ من بيان كيفية أخذ الأمر الغائب من المستقبل شرع في كيفية أخذ الأمر الحاضر منه فقال: "وحذفت حروف الاستقبال" ليكون أمرا "في أمر المخاطب" أي الحاضر المعلوم بقرينة مقابلته للمجهول "للفرق" بينه وبين أمر الغائب "وعين الحذف في المخاطب لكثرته" يعني لو لم يحذف حروف الاستقبال في أمر المخاطب كما لا يحذف في أمر الغائب وجب زيادة اللام أيضا في أوله لئلا يلتبس بالمستقبل، وإذا زيدت اللام التبس أحد الأمرين بالآخر في بعض الصور، كما إذا قلت: لتضرب لم يعلم أن المأمور مخاطب أو غائب فوجب الحذف من أحدهما لدفع هذا الالتباس، فوجدوا المخاطب أولى بالحذف لكثرة استعماله؛ لأن المأمور المخاطب هو الواقع كثيرا، وأما الغائب فقل أن يقع له أمر ولكون الحذف نوعا من الاختصار والتخفيف

[شرح ديكنقوز]

استعمال هذا الجنس، فالتخفيف به أولى ناظر إلى قوله وحذفت لا إلى قوله للفرق "ومن ثم" أي ومن أجل أن حذف اللام وحرف المضارعة في أمر المخاطب المعلوم لكثرة الاستعمال "لا يحذف" حرف الاستقبال "مع اللام في مجهوله" أي أمر المخاطب؛ أعني يقال: لتضرب باللام والتاء "لقلة استعماله" أي المجهول "واجتلبت همزة الوصل" وتخصيصها بالاجتلاب لكونها أقوى والابتداء بالأقوى أولى "بعد حذف حرف المضارعة إذا كان ما بعده ساكنا للافتتاح" أي ليمكن الابتداء؛ إذ الابتداء بالساكن متعذر، وأما إذا كان ما بعده متحركا فلا احتياج إليها، نحو: دحرج من تدحرج "وكسرت الهمزة" المجتلبة "لأن الكسر أصل في" تحريك "همزات الوصل"؛ لأنها زيدت ساكنة عند الجمهور لما فيه من تقليل الزيادة ثم لما احتيج إلى تحريكها حركت بالكسرة؛ لأنه أصل في تحريك الساكن؛ لأنه أبعد حركات الإعراب عن الإعراب لامتناع دخوله في قبيلتين من المعربات وهما المضارع وما لا ينصرف ودخول أخويه في المعربات كلها، فلما احتيج إلى التحريك حركت بما هو أقل وجودا في الإعراب وأكثر شبها بالسكون الذي وجد في بعض المعربات دون بعض، ولأن السكون والجزم عوض في الفعل من الكسرة في الاسم فعوض الكسر من السكون أيضا، ولأن وقوع اجتماع الساكنين كثير في الكلام بشهادة الاستقراء وللأفعال منه القدح المعلى، وناهيك نوعا الأوامر من الأفعال المشددة الأواخر وما ينجز منها بأنواع الجوازم، وعندك أن للأكثر حكم الكل فتقدمت الأفعال في اعتبار اجتماع الساكنين والاحتياج إلى التحريك، ومعلوم أن لا مدخل للجر في الأفعال فأفادت الكسر الخلاص من اجتماع الساكنين، وذلك ظاهر وكون الكسرة طارئة بحكم المقدمة المعلومة بخلاف أختيها؛ فإنهما يفيدان الخلاص فقط والمفيد لفائدتين أولى بأن يكون أصلا، فالكسرة أصل في تحريك الساكن، وإنما سميت المجتلبة للافتتاح همزة وصل؛ لأنها اجتلبت للتوصل بها إلى النطق بالساكن، ولذلك سماها الخليل سلم اللسان "ولم تكسر" الهمزة "في مثل اكتب" أي فيما كان عين المضارع فيه مضموما مع أنها همزة وصل، بل وضمت "لأنه" أي الهمزة أو الشأن والثاني أقوى من جهة المعنى وإن كان ضعيفا من جهة اللفظ؛ لأن حذف ضمير الشأن منصوبا ضعيف إلا أنه كثير في عبارات المصنفين "بتقدير الكسر" أي كسرها "يلزم الخروج من الكسرة" أي من كسرتها "إلى الضمة" أي إلى ضمة العين وهو ثقيل "ولا اعتبار للكاف الساكن" في المنع عن ذلك

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"ومن ثم" أي ومن أجل أن حذف حرف المضارعة من أمر المخاطب لكثرة استعماله "لا تحذف اللام في مجهوله" الظاهر أن يقال: لا تحذف التاء، أو يقال: لا تحذف اللام والتاء، ولكن لما كان عدم حذف اللام مستلزما لعدم حذف التاء اكتفى بذكره وإنما قلنا كذلك؛ لأن اللام إنما زيدت على تقدير عدم الحذف لدفع التباس الأمر المضارع كما مر "نحو لتضرب" بضم التاء وفتح الراء "لقلة استعماله" أي استعمال مجهول أمر المخاطب "واجتلبت الهمزة" في أول أمر المخاطب بعد حذف حرف المضارعة "إذا كان ما بعده ساكنا" قيد به؛ لأن ما بعد حرف المضارعة إذا كان متحركا لم يلزم اجتلاب الهمزة بعد حذفه لإمكان الابتداء بما بعده، نحو: هب وخف ودحرج من تهب "للافتتاح" أي ليمكن الافتتاح والابتداء، نحو: اعلم وانصر وانطلق واستخرج من تعلم وتنصر وتنطلق وتستخرج، وإنما تعينت الهمزة لكونها أقوى الحروف أو لابتداء بالأقوى أولى كذا قيل، وقيل إنما تعينت الهمزة لاختصاصها بالمبدأ في المخرج "وكسرت الهمزة" المجتلبة "لأن الكسرة أصل في همزات الوصل"؛ لأن همزة الوصل زيدت ساكنة ثم حركت والأصل في تحريك الساكن الكسر، كما يذهب إليه الرضي وابن الحاجب نقلا عن ابن جني متمسكا بأن قاعدتهم إذا زادوا حرفا زادواها ساكنة ثم حركوها إن احتيج، بخلاف ما إذا أبدلوها وقد غفل صاحب النجاح عن هذه القاعدة فاعترض عليه بأن ما ذكره ابن جني باطل؛ لأنه يلزم العود إلى المهروب عنه وهو الهرب عن حرف ساكن إلى حرف آخر ساكن مثل: الأول والحق زيادتهما متحركة لئلا يلزم المحذور، وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره المصنف؛ أن هذه الهمزة وإن كانت ساكنة لكنه جيء بها قبل الساكن في الابتداء؛ لأنه قد علم أنه إذا اجتمع معه فلا بد من حذف أحدهما أو حركة أحدهما، ولم يجز حذف الثاني ولا حركته لئلا يلزم تغيير البناء ولا حذف الهمزة؛ لأنه يفضي إلى المهروب عنه وهو الابتداء بالساكن، فلم يبق إلا حركة الهمزة فحركت وكسرت على ما هو الأصل في التقاء الساكنين، وإنما يضم ما يضم لعارض، وإنما كان الكسر أصلا في تحريك الساكن؛ لأن الجزم الذي هو السكون في الأفعال عوض عن الجر في الأسماء لتعذر الجر فيها فلما ثبت بين السكون الجزمي في الأفعال وبين الكسر المختص بالأسماء تعويض وتبديل واحتيج ها هنا إلى التعويض عن السكون جعل الكسر عوضه، وإنما سميت همزة الوصل؛ لأنه يتوصل بها إلى النطق بالساكن، ولهذا سماها الخليل سلم اللسان، وقيل: لأنها تسقط في الدرج فيتصل ما قبلها لما بعدها، ولما توجه أن يقال إن قولكم وكسرت الهمزة منقوض بمثل اكتب؛ لأن همزته مضمومة أجاب بقوله: "ولم تكسر" الهمزة بل تضم مع أن الأصل الكسر "في مثل اكتب" أي في الفعل الذي عين مضارعه مضموم "لأن بتقدير الكسرة يلزم الخروج من الكسرة" التحقيقية "إلى الضمة" التحقيقية قوله: "ولا اعتبار للكاف الساكن" جواب لسؤال مقدر تقديره ظاهر

[شرح ديكنقوز]

الخروج "لأن الحرف الساكن لا يكون حاجزا" أي مانعا "حصينا" أي قويا "عندهم" أي عند أهل هذا الفن "ومن ثم" أي ومن أجل أن الحرف الساكن لا يكون حاجزا حصينا "يجعل واو قنوة ياء ويقال قنية" مع أن ما قبلها ليس بمكسور إلا أن النون لما كان ساكنا جعل كأنه معدوم، وأن ما قبل الواو وهو القاف مكسور فقلبت الواو ياء "وقيل" لم تكسر الهمزة في مثل اكتب، بل "تضم للاتباع" أي لاتباعها للعين في الضم؛ لأن خفة الموافقة بين الأثقلين غالبة على ثقل المخالفة بين الثقيل والأثقل "وفتح ألف أيمن" أي همزته ويجوز إطلاق الألف على الهمزة، إما حقيقة بالاشتراك على ما قيل، وإما مجازا لكونها على صورتها في بعض المواضع كما سيجيء إن شاء الله تعالى، أو لكونهما متحدين ذاتا والاختلاف إنما هو بالعارض، ولذلك شبهوهما بالهواء والريح فكما أن الهواء إذا تحرك صار ريحا والريح إذا سكنت صارت هواء، فكذا الألف إذا تحركت صارت همزة والهمزة إذا سكنت ومدت صارت ألفا "مع كونه للوصل" بدليل سقوطه في الدرج، والأصل في ألف الوصل الكسر لما عرفت "لأنه جمع يمين وألفه للقطع"؛ لأنه ألف أفعل وألفه مفتوحة "ثم جعل للوصل" أي عومل معاملة ألف الوصل بأن أسقطت في الدرج "لكثرته" أي لكثرة أيمن استعمالا، وكثرة الاستعمال تقتضي التخفيف والتخفيف يحصل بالوصل؛ إذ بالوصل تسقط الهمزة في اللفظ ولا خفة مثل السقوط "وفتح ألف التعريف" مع كونه للوصل بدليل سقوطه في الدرج "لكثرته" استعمالا "أيضا" أي كأيمن.
واعلم أن حرف التعريف عند سيبويه هو اللام وحده والهمزة للوصل فتحت مع أن أصلها الكسر لكثرة استعمال اللام، وعند الخليل أل كهل علامة للتعريف، وإنما حذفت عنده همزة القطع في الوصل لكثرة استعمال أل، وعند المبرد حرف التعريف هي الهمزة المفتوحة وحدها، وإنما زيدت اللام بعدها للفرق بين همزة التعريف وهمزة الاستفهام، إذا عرفت هذا فقول المصنف ألف التعريف يحتمل أن يكون إشارة إلى مذهب المبرد، والظاهر لإضافة ألف فقط إلى

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"لأن الحرف الساكن" مطلقا "لا يكون حاجزا حصينا" أي مانعا قويا يمنع الخروج المذكور "عندهم ومن ثم" أي ومن أجل أن الحرف الساكن لا يكون حاجزا حصينا "جعل واو قنوة ياء ويقال قنية" بكسر القاف فيهما، وقد يضم فيهما ويبقى الياء على حالها، يقال: قنوت الغنم وغيرها قنوة وقنيتها قنية إذا أقنيتها؛ أي أمسكتها لنفسك للتجارة، فإن قلت: إن ارموا أمر وعينه مضموم مع أن همزته مكسورة، وإن اغزى أمر وعنيه مكسور مع أن همزته مضمومة، قلت: حركة العين فيهما عارضة؛ لأن أصل ارموا ارميوا فأعل بالنقل والحذف، وأصل اغزى اغزوى فأعل أيضا بنقل حركة الواو إلى ما قبلها ثم حذفها لالتقاء الساكنين "وقيل تضم" الهمزة المجتلبة في مثل اكتب "للاتباع" أي لاتباع حركة الهمزة بحركة عين الفعل ويكسر فيما يكون عينه مكسورا للاتباع أيضا ولم يتبع في المفتوح لئلا يلزم الالتباس بينه وبين المضارع الموقوف، فإذا قلت مثلا أعلم بفتح الهمزة وسكون الميم لم يعلم أنه أمر أو مضارع أسكن آخره للوقف ولما توجه أن يقال إن قولكم الكسر أصل في همزة الوصل منقوض بقولنا أيمن؛ لأن همزته مفتوحة مع أنها للوصل أجاب بقوله: "وفتح ألف أيمن" بضم الميم سماها ألفا؛ لأن الهمزة إذا وقعت أولا تكتب على صورة الألف ولأنهما متقاربان في المخرج، ولذلك إذا احتاجوا إلى تحريك الألف قلبوها همزة، وقال في الصحاح: الألف على ضربين لينة ومتحركة، فاللينة تسمى ألفا والمتحركة تسمى همزة، ولهذا المعنى حكم الفقهاء زاد الله رفعة أعلامهم بأن الحروف ثمانية وعشرون "مع كونه للوصل" ومع كون الكسر أصلا في الوصل "لأنه" أي أيمن "جمع يمين" لا يجيء على وزنه واحدة في كلام العرب وأما الآجر والآنك فأعجميان، وهو بمعنى القسم سميت بذلك؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه وإن جعلت اليمين ظرفا فلا تجمعه؛ لأن الظروف لا تكاد تجمع "وألفه للقطع" أي والحال أن ألف الجمع لا يكون إلا للقطع "ثم جعل" ألف أيمن "للوصل" بعد أن كان للقطع في الأصل؛ أي أجرى مجرى ألف الوصل في سقوطه في الدرج لا في الكسر "لكسرته" استعمالا هذا مذهب الكوفيين، وذهب البصريون إلى أنه مفرد على وزن أفعل؛ إذ قد يجيء في كلام العرب على وزنه مفرد مثل آجر وآنك وهو الأسرب وهما ليسا بأعجميين، والمفرد هو الأصل وهمزته للوصل، وإلا لما سقط في الدرج، وقال سيبويه: إنه من اليمن بمعنى البركة، يقال: يمن فلان علينا فهو ميمون قوله: "وفتح ألف التعريف لكثرته أيضا" عطف على قوله: وفتح ألف أيمن فيكون جوابا لسؤال مقدر.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في آلة التعريف فذكر المبرد في كتابه الشافي أن حرف التعريف الهمزة المفتوحة وحدها، وإنما ضم اللام إليها لئلا يشبه ألف التعريف بألف الاستفهام فيكون للقطع، وقال سيبويه: حرف التعريف اللام وحدها والهمزة زائدة للوصل، لكنها فتحت مع أن أصل همزات الوصل الكسر لكثرة استعماله، وقال الخليل: أل بكمالها آلة التعريف ثنائي نحو: هل فيكون همزته للقطع، وإنما حذفت في الدرج لكثرة الاستعمال، والمذاهب الثلاثة مذكورة في شرح الرضي مع أدلتها لكنا قررنا المسائل وتركنا الدلائل لئلا يطول الكلام، فمن رامها فليطالع ثمة، وإذا علمت ما قررناه فاعلم أن قوله: وفتح ألف تعريف لكثرته إنما يستقيم على مذهب سيبويه؛ إذ هو جواب بعد تسليم كونه للوصل وهو ظاهر، وإضافة الألف إلى التعريف لأدنى ملابسة فتدبر

[شرح ديكنقوز]

التعريف فعلى هذا معنى كلامه وفتح ألف التعريف لكونه للقطع؛ لأنه للتعريف لا للوصل إلا أنه عومل معاملة ألف الوصل بأن أسقط في الدرج لكثرة هذه الألف استعمالا، كما أن ألف أيمن عومل به معاملة ألف الوصل بأن سقط في الدرج لكثرته استعمالا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى المذاهب الثلاثة ويكون إضافة الألف إلى التعريف لأدنى ملابسة كإضافة كوكب الخرقاء، وحينئذ معنى كلامه وفتحت الألف الملابسة للتعريف على تقدير كونها للوصل ولم تكسر مع أن الأصل فيه الكسر لكثرته؛ أي لكثرة استعمال اللام فخفف بالفتحة وفتح أيضا على تقدير كونه وحده للتعريف أو مع اللام؛ لأنه للتعريف إما وحده أو مع اللام وليس للوصل حتى يكسر إلا أنه عومل به معاملة ألف الوصل فأسقط في الدرج، كما أن ألف أيمن عومل به معاملة الوصل فأسقط في الدرج لكثرة استعمال الألف "وفتح ألف أكرم" مع أن ما بعد حرف المضارعة من تكرم ساكن وعين المضارع ليست بمضمومة "لأنه ليس من ألف الأمر" أي جنس الألف الذي زيد للأمر حتى يكسر "بل ألف قطع محذوف من تؤكرم" طرد اللباب يعني ليس ما بعد حرف المضارعة من تؤكرم ساكنا، بل متحركا في التقدير؛ إذ أصله تؤكرم بالهمزة لكون ماضيه على أكرم فجاءوا بالأمر على الأصل تفاديا لذلك عن الالتباس بين الأمر من الثلاثي المجرد وبينه من المزيد فيه؛ إذ لو قيل أكرم بكسر الهمزة التبس بالثلاثي المجرد، أو لأن علة حذف الهمزة وهي اجتماع الهمزتين أو الحمل على ما فيه اجتماع الهمزتين لما زالت بحذف حرف المضارعة من تؤكرم؛ إذ سبب الحمل فيه وجود حرف المضارعة ردوها إلى فتحها؛ لأن الاحتياج إلى همزة الوصل إنما هو عند الاضطرار وإنما "حذفت" الهمزة من تكرم "لاجتماع الهمزتين في أأكرم" فإنه مستكره "ولا تحذف ألف الوصل في الخط" مع أن الخط تابع للفظ "حتى لا يلتبس الأمر من باب علم" بكسر العين وتخفيفه "بأمر علم" بفتح العين وتشديده "فإن قيل يعلم بالإعجام" وهي الحركات والسكنات والنقطات والتشديدات والمدات جمع عجم كفرس وأفراس وهو ما يزول به العجمة وهي الالتباس والاشتباه "قلنا الإعجام يترك" تركا أو حينا "كثيرا" فحينئذ يحصل الالتباس

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"وفتح ألف أكرم" هذا جواب عن سؤال مقدر، وهو أن قولكم واجتلبت الهمزة بعد حذف حرف المضارعة إن كان ما بعدها ساكنا للافتتاح وكسر الهمزة منقوض بمثل أكرم؛ لأن ما بعد حرف المضارعة وهو الكاف ساكن وهمزته مجتلبة مع أنها مفتوحة.
وحاصل الجواب مع كون الهمزة مجتلبة وذلك "لأنه ليس من ألف الأمر" أي ليست مجتلبة للافتتاح حتى يكون للوصل فيلزم الكسر "بل ألف قطع"؛ لأنه "محذوف من تؤكرم" قوله: "حذفت لاجتماع الهمزتين في أأكرم" استئناف فيقع جوابا لسؤال مقدر فكأن قائلا يقول: لِمَ حذفت الهمزة من تؤكرم، فأجاب حذف إلخ؛ يعني زيدت همزة مفتوحة في أول كرم لنقله إلى باب آخر فيكون أكرم ومضارعه يؤكرم كيد حرج بالهمزة إذا المضارع هو الماضي مع زيادة حرف المضارعة فيه فاجتمع في الحكاية همزتان فتشبه نباح الكلب أو صوت السكران فحذفت إحداهما وحذفت عن البواقي طردا للباب، وقد ترد في الضرورة كما في قول الشاعر: شيخا على كرسيه معمما فإنه أهل؛ لأن يؤكرما، ثم لما حذف حرف المضارعة لقصد بناء صيغة الأمر أعيدت الهمزة لزوال علة حذفها وهي حرف المضارعة؛ إذ بحذفها زال المضارعة فزال حكم الإطراد، فإن قلت: لِمَ لَمْ تعد الواو في تعد بعد حذف حرف المضارعة للأمر مع أن حذفها للاطراد أيضا وقد زال بزوال علته؟ قلت: لو أعيد لأعل بالحذف إعلال فعله تبعا له فيكون سعي الإعادة ضائعا كذا قالوا.
واعلم أن همزة استخرج وانطلق وغيرهما مما في أوله همزة سوى أكرم للوصل لا للقطع وكذا في مصدره وأمره؛ لأن أصل استخرج خرج فزيد السين والتاء في أوله لنقله إلى باب آخر لكن لما زيد الحرف الأول ساكنا تعذر الابتداء، فاجتلبت همزة للافتتاح ثم زيدت حرف المضارعة على أصل الماضي وحركت، فلم يحتج إلى الهمز فيكون مضارعه يستخرج بلا همزة، فلما حذف حرف المضارعة للأمر بقي الحرف الأول ساكنا فاجتلبت الهمزة للافتتاح وقس عليه غيره، وإنما سمي مثل استخرج سداسيا ومثل انطلق خماسيا نظرا إلى ثبوت الهمزة في الظاهر، وإن لم يكن جزءا من الفعل حقيقة كذا حققه المحققون "ولا يحذف ألف الوصل في الخط" أي في الكتابة "حتى لا يلتبس الأمر" لمخاطب "من باب علم" بالتخفيف "بأمر علم" بالتشديد ولما لم يحذف في الأمر لدفع بالالتباس بين هذين الأمرين حملوا عليه ما لا التباس فيه من همزات الوصل كما في الأسماء والأفعال والمصادر طردا للباب "فإن قيل بعلم" أي لا يلتبس أحد الأمرين بالآخر بل، يفرق بينهما "بالإعجام" بكسر الهمزة وهو مصدر ومعناه وضع النقط على الحروف ومنه حروف المعجم؛ أي حروف الخط المعجم ثم استعمل فيما هو الحاصل بالمصدر، وعمموه فأرادوا به الحركات والنقط والتشديد، وحاصل ما ذكره السائل منع الالتباس على تقدير حذف الهمزة في الكتابة لحصول الفرق بالإعجام؛ لأن العين في الأمر من علم بالتخفيف عند الدرج ساكنة واللام يوضع لها فتحة والعين في الأمر من علم بالتشديد يوضع عليها الفتحة واللام يوضع عليها الكسرة والتشديد فلا يلتبس أحدهما بالآخر في الخط كما لا يلتبس في اللفظ "قلنا الإعجام يترك" في الخط "كثيرا" فيلزم الالتباس المذكور

[شرح ديكنقوز]

"ومن ثم" أي ومن أجل أن الإعجام يترك كثيرا "فرقوا بين عمر" بضم العين وفتح الميم "وعمرو" بفتح العين وسكون الميم "بالواو" بأن يكتبوه في الثاني حالتي الرفع والجر دون النصب؛ لأن ألف التنوين تخلفه حالة النصب؛ لأنه منصرف بخلاف الأول ولم يعكس بأن يكتبوه في الأول؛ لأن الثاني خفيف وذلك ظاهر والزيادة في الخفيف أولى "وحذفت الألف" في الخط "في بسم الله" من بسم الله الرحمن الرحيم مع أنها ألف الوصل "لكثرة الاستعمال" وهي متداعية التخفيف "ولا تحذف" الألف "في اقرأ باسم ربك" من أنها في لفظ الاسم كما في بسم الله "لقلة استعماله" وإن كانت في لفظ الاسم "وينجزم آخره" أي آخر الأمر "في الغالب باللام إجماعا" أي أجمع النحاة من البصريين والكوفيين على انجزامه إجماعا أو حكموا بانجزامه مجمعين "لأن اللام مشابهة بكلمة الشرط" أعني إن؛ لأنها أصل الباب "في النقل" فكما أن إن ينقل معنى الماضي إذا دخل عليه إلى الاستقبال، نحو: إن ضربت ضربت كذلك اللام إذا دخل على الخبر ينقل معناه إلى الإنشاء، نحو: ليضرب زيد فلما شابهتها فيه عملت عملها وهو الجزم "وكذلك المخاطب" أي مثل أمر الغائب أمر المخاطب في كونه معربا مجزوما "عند الكوفيين؛ لأن أصل اضرب لتضرب" بالتاء كما هو القياس؛ لأن الدال على طلب الفعل إنما هو اللام كما سبق "عندهم" أي عند الصرفيين من البصريين والكوفيين "ومن ثمة" أي من أجل أن أصل اضرب لتضرب "قرأ النبي عليه السلام فبذلك فلتفرحوا" بالتاء على الأصل المهجور موضع فافرحوا، وقيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان مبعوثا إلى الحاضر والغائب جمع بين اللام للغائب والتاء للحاضر "فحذفت اللام" من لتضرب أمرا للمخاطب "لكثرة استعماله" أي لكثرة استعمال جنس الأمر المخاطب بالنسبة إلى جنس أمر الغائب "ثم حذفت علامة الاستقبال" وهي التاء "للفرق بينه" أي بين أمر المخاطب "وبين المضارع المخاطب" إذ بعد حذف اللام من لتضرب بقي تضرب "فبقي الضاد ساكنا واجتلبت همزة الوصل" ليمكن الابتداء "ووضعت" الهمزة المجتلبة "موضع علامة الاستقبال" أعني التاء "فأعطى له" أي للموضع موضع علامة الاستقبال أعني الهمزة "أثر" أي حكم "علامة الاستقبال" وهو الإعراب وأما إعرابه بالجزم فباللام المقدرة إعطاء "كما" أي مثل أن "أعطى لفاء رب عمل

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"ومن ثم" أي ومن أجل أن الإعجام يترك كثيرا "فرقوا بين عمر" بضم الأول وفتح الثاني "و" بين "عمرو" بفتح الأول وسكون الثاني "بالواو" في الخط حيث كتبوا حالة الرفع والجر في الثاني وتركوا في الأول؛ لئلا يلتبس أحدهما بالآخر عند ترك الإعجام وخصوا الزيادة بالثاني لخفته وثقل الزيادة ولم يكتبوا في حالة النصب للفرق بألف التنوين في الثاني دون الأول؛ إذ هو غير منصرف فلا يدخله ألف التنوين، ولما توجه أن يقال قولكم ولا تحذف ألف الوصل في الخط منقوض ببسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن همزته للوصل مع أنها حذفت في الخط أجاب بقوله: "وحذفت" أي همزة الوصل في الخط "في بسم الله" أي ببسم الله الرحمن الرحيم "لكثرة استعماله" أي في الكتابة وطول الباء عوضا عنها "ولا يحذف من اقرأ باسم ربك" ومن باسم الله "لقلة استعماله" في الكتابة بالنسبة إلى بسم الله الرحمن الرحيم "وينجزم الأمر" إذا كان ذلك الأمر "باللام" سواء كان أمرا غائبا مطلقا أو أمرا "حاضرا" مجهولا "إجماعا" أي اتفاقا بين البصريين والكوفيين "لأن اللام مشابهة بكلمة الشرط" مثل إن ولو "في النقل" أي في نقل معنى الفعل فكما أن إن تنقل الفعل من كونه مجزوما به إلى كونه مشكوكا فيه كذلك لام الأمر ينقل معنى المضارع من كونه إخبارا إلى كونه إنشاء فلما شابه كلمة الشرط في النقل يعمل عملها وهو الجزم، فلا فرق بين آخر المضارع وبين آخر الأمر باللام في صحيحه ومعتله ومذكره ومؤنثه ومفرده ومثناه ومجموعه فتقول: ليضرب ليضربا ليضربوا لتضرب لتضربا ليضربن، كما تقول: لم يضرب لم يضربا لم يضربوا لم تضرب لم تضربا لم يضربن، وكذا حال ليخش مع لم يخش إلى آخرهما ويرم مع لم يرم إلى آخرهما وليغز مع لم يغز إلى آخرهما "وكذلك المخاطب" أي كالأمر باللام أمر المخاطب في كونه مجزوما باللام "عند الكوفيين؛ لأن أصل اضرب لتضرب" مثلا "عندهم ومن ثم" أي ومن أجل أن أصل اضرب لتضرب "قرأ النبي عليه السلام فبذلك فلتفرحوا" بإثبات اللام وحرف المضارعة على الأصل مكان فافرحوا، وأيضا قد جاء في الحديث باللام كقوله عليه السلام: "لتنهر ولو بشوكة"، وقد جاء في الشعر أيضا كقوله: لتقم أنت يابن خير قريش ... فلتقض حاجة المسلمين وكل ذلك دل على أن أصل أمر المخاطب المعلوم باللام "فحذف اللام تخفيفا لكثرة الاستعمال" فيه بالنسبة إلى الأمر الغائب فيكون اللام مقدرة "ثم حذف علامة الاستقبال" وهو التاء فتكون مقدرة أيضا "للفرق بينه وبين المضارع فبقي الضاد" في أول الكلمة "ساكنا" فتعذر الابتداء "فاجتلبت همزة الوصل" للافتتاح "ووضعت" همزة الوصل "موضع علامة الاستقبال وأعطى له" أي لهمزة الوصل وتذكير الضمير، إما باعتبار الألف أو اللفظ المذكور "أثر علامة الاستقبال" وهو كون المضارع معربا "كما أعطى لفاء رب" أي للفاء الذي وضع موضع رب الذي هو حرف الجر "عمل رب" وهو الجر

[شرح ديكنقوز]

رب في مثل قول الشاعر: فمثلك" أي فرب مثلك فحذف رب وأعطى للفاء عمله وهو الجر، وقوله: "حبلى" صفة مثل: "قد طرقت" أي طرقتها؛ أي أتيتها ليلا قوله: "ومرضع" أي ذات رضيع عطف على حبلى "فألهيتها" أي أشغلتها "عن" صبى لها "ذي تمائم" جمع تميمة وهي التعاويذ التي تعلق في عنق الصبى حفظا من إصابة العين، وقوله: "محول" أي أتى عليه حول كامل صفة ذي ولم يقل محولا لئلا يلتبس بما اشتق من الحوالة؛ أعني المحيل، وفي وصف تلك النساء بالحبل والإرضاع، وفي وصف الصبى بكونه ذي تمائم وذي حول وذي تمائم إشارة إلى كمال ميل النساء إليه، أما في الوصف بالحبل والإرضاع فظاهر، وأما في وصف الصبى بذي تمائم؛ فلأن التميمة إنما تجعل في عنق الصبي إذا كان في غاية الحسن وخيف عليه من إصابة العين، وأما في جمع التميمة؛ فلأن أهله لا يرضون ولا يكتفون بتميمة واحدة أو تميمتين لفرط محبتهم، وأما في الوصف بالمحول؛ فلأنه في تلك الحال يظهر منه الكلمات اللطيفة اللذيذة والحركات المرغوبة الشهية ما لم يظهر قبلها ولا يظهر بعدها فيكون محبوبا في القلوب أكثر مما كان قبلها وبعدها "و" أما "عند البصريين فهو" أي أمر المخاطب بغير اللام "مبني" على السكون "لأن الأصل في الأفعال البناء"؛ لأن المعاني الموجبة للإعراب؛ أعني الفاعلية والمفعولية والإضافة منتقية عنها فوجب أن تبنى، وهذا خلاف لا تظهر ثمرته إلا في إطلاق المجزوم على أمر الغائب، وإطلاق الجزم على سكونه، وفي إطلاق الموقوف على أمر المخاطب، وإطلاق الوقف على سكونه "وإنما أعرب المضارع" مع كونه من الفعل "لمشابهة" تامة "بينه وبين الاسم" كما مر فلا ينتقض بالماضي، وإنما بني الماضي على الحركة لمشابهة بينه وبين الاسم في الجملة؛ أعني وقوعه صفة للنكرة كما مر "و" لما "لم تبق المشابهة" بوجه من الوجوه "بينه" أي بين الاسم "وبين الأمر" للمخاطب "بحذف حرف المضارعة" لا في الحركات ولا في السكنات وهو ظاهر ولا في وقوعه صفة للنكرة ولأنه صار إنشاء الإنشاء لا يقع صفة إلا بتأويل بني على السكون الذي هو أصل في البناء "ومن ثمة" أي ومن أجل أن البناء لأمر المخاطب إنما هو بعدم بقاء المشابهة بحذف حرف المضارعة حكم بأنه معرب فيما لم يحذف منه حرف المضارعة حتى "قيل فلتفرحوا معرب بالإجماع" من الفريقين "لوجود علة الإعراب وهي حرف المضارعة وزيدت في آخر الأمر" مطلقا غائبا كان أو مخاطبا معروفا كان أو مجهولا "نونا التأكيد"

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"في قول الشاعر: فمثلك" بكسر الكاف وجر اللام؛ لأن الفاء عمل عمل رب فتقديره فرب مثلك؛ أي رب امرأة تلك "حبلى" وهي امرأة ذات حمل وهو مجرور تقديرا على أنه صفة؛ لأن المثل لا يتعرف بالإضافة لتوغله في الإبهام كما بين في النحو "قد طرقت" طرق بمعنى جاء ليلا من باب دخل وضمير المفعول محذوف راجع إلى حبلى؛ أي طرقتها بمعنى جئت إليها ليلا، وهو عامل رب المقدر قوله: "ومرضع" عطف على حبلى؛ أي امرأة لها ولد ترضعه فإذا وصفتها إرضاع الولد مرضعة "فألهيتها" أي أشغلتها الضمير يرجع إلى حبلى وإلى مرضع باعتبار كل واحدة منهما "عن ذي تمائم" أي عن صبي ذي تمائم والتمائم جمع تميمة، وهي تعاويذ تعلق على صدر الإنسان، وقد نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: "من علق تميمة فلا أتم الله له" وقيل: هي خرزة، وأما المعاذات إذا كتب فيه القرآن وأسماء الله تعالى فلا بأس بها "محول" اسم فاعل من أحال؛ أي أتى عليه حول كامل وهو صفة ذي تمائم والبيت للهجاء فحاصل كلامهم أن حرف المضارعة مقدر في أمر المخاطب فيكون معربا به، واللام مقدرة أيضا فيكون مجزوما به، فهم لا يفرقون بين المقدر والملفوظ، وقد أجاب الزمخشري عنه فقال الكوفيون هو مجزوم بلام مقدرة، وهذا خلف من القول؛ لأن حرف المضارعة هو علة الإعراب فانتفى بانتفائه كانتفائه في الاسم بانتفاء سببه، فإن زعموا أن حرف المضارعة مقدر فليس بمستقيم؛ لأن حرف المضارعة من صيغة الكلمة كالميم في اسم الفاعل فكما لا يستقيم تقدير الميم فكذا تقدير حرف المضارعة، وهذا حاصل ما ذكره المصنف بقوله: "وعند البصريين" إلى آخر الدليل يعني أمر المخاطب المعلوم عند البصريين "مبني" على السكون لا معرب مجزوم؛ لأن الأصل في الأفعال "البناء" لعدم توارد الفاعلية والمفعولية الإضافة عليها وأصل البناء السكون "وإنما أعرب المضارع منها لمشابهة" تامة عارضة "بينه وبين الاسم" كما مر وبني الماضي على الحركة لقلة المشابهة "ولم تبق المشابهة" أصلا "بين الأمر" المخاطب "وبين الاسم وبحذف حركة المضارعة منه" فرجع إلى أصل بنائه الذي هو السكون، لكنه يعامل معاملة المجزوم في إسقاط الحرف من المفرد الصحيح، نحو: اضرب كما يقال: لم تضرب، وفي إسقاط الحركة من الناقص والأجوف، نحو: ارم وقل كما يقال: لم ترم ولم تقل، وفي إسقاط النون في التثنية والجمع والمفرد المؤنث، نحو: اضربا اضربوا اضربي كما يقال: لم تضربا لم تضربوا لم تضربي، قال الفاضل الرضي: والذي غر الكوفيين حتى قالوا: إنه مجزوم والجازم مقدر معاملة آخر معاملة المجزوم "ومن ثم" أي ومن أجل أن حروف المضارعة سبب الإعراب وجودا وعدما "قيل فلتفرحوا معرب" مع أنه أمر المخاطب "بالإجماع لوجود علة الإعراب وهي حرف المضارعة" ولما فرغ من بيان نفس صيغة الأمر وكيفية أخذه من المضارع شرع فيما يتعلق به وبما يناسبه في كونه طلبا من اتصال نوني التوكيد وكيفية بناء آخره عند اتصالهما فقال: "وزيدت في آخر الأمر" مخاطبا كان أو غائبا معلوما كان أو مجهولا "نونا التأكيد" إحداهما مثقلة متحركة والأخرى مخففة

[شرح ديكنقوز]

إحداهما ثقيلة والأخرى خفيفة "لتأكيد معنى الطلب نحو ليضربن" للغائب "وكذلك ليضربن إلخ" على صيغة المعلوم أو المجهول، وكذلك زيدت في اضربن اضربان اضربن اضربن اضربان اضربنان للمخاطب، وكذلك لتضربن إلخ للمجهول أو المعلوم "أو فتح الباء" يحرك بالفتح في ليضربن مع أن أصله السكون "فرارا من اجتماع الساكنين" هذا علة التحريك، وأما تخصيص الفتح فللخفة والصيانة للفعل عن أخي الجر في الكسر وللاحتراز عن الثقل والالتباس في الضم "وفتح النون" الثقيلة إذ لا مجال للسكون الذي هو الأصل لمكان اجتماع الساكنين، ولا للضم والكسر لمكان الثقل فتعين الفتح "للخفة" والمناسبة للتشديد "وحذف واو ليضربوا" عند اتصال نون التأكيد به فقيل ليضربن "اكتفاء بالضمة" مع استطالة الكلمة بنون التأكيد وإن كان اجتماع الساكنين على حده "و" حذف "ياء اضربي" عنده فقيل: اضربن "اكتفاء بالكسرة" أيضا كذلك "ولم يحذف ألف التثنية اكتفاء بالفتحة" في ليضربان "حتى لا يلتبس" المثنى "بالواحد" في الوقف ولا الالتباس في فليضربوا واضربي للفرق بالضم والكسر "وكسر النون الثقيلة بعد ألف التثنية" مع أن أصلها الفتح للخفة "مشابهة"؛ أي لأجل المشابهة "بنون التثنية" في وقوعها بعد الألف، وهذه العلة موجودة في الألف الفاصلة فيعلم أن حكمها حكم ألف التثنية؛ إذ الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم، فلذلك لم يذكر حكم الألف الفاصلة "وحذفت النون التي هي تدل على الرفع في مثل هذ يضربان"؛ أي في الأمثلة الخمسة التي هي: يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين إذا دخل عليها نون التأكيد، وإنما أورد كلمة هل ليكون يضربان طلبا ويصير محلا لدخول نون التأكيد "لأن ما قبل النون الثقيلة يصير مبنيا"؛ لأنه إنما أعرب لمشابهته بالاسم، ولما اتصل به النون التي لا تتصل إلا بالفعل ورجح جانب الفعلية وصار الفعل بمنزلة جزء من كلمة كما في بعلبك وتعذر الإعراب سواء كان بالحرف أو بالحركة؛ إذ الإعراب في وسط الكلمة رد إلى ما هو أصل الفعل من البناء فحذفت علامة الإعراب لامتناع الجمع بين الإعراب والبناء ولم يحذف نون التأكيد؛ لئلا يبطل الغرض وهو التأكيد

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

ساكنة وفي المثقلة زيادة توكيد، قال الخليل: إذا أتيت بالنون المؤكدة الخفيفة فأنت مؤكد وإذا أتيت بالثقيلة فأنت أشد توكيدا، وإنما زيدتا في آخره لئلا يجتمع في أوله زائدتان، ولأن الزيادة نوع من التغيير ومحل التغيير آخر الكلمة "لتأكيد الطلب" فمثال زيادة النون الثقيلة في أمر الغائب "نحو ليضربن ليضربان ليضربن لتضربن ليضربان ليضربنان" قدم الثقيلة لشموله جميع الصيغ ولزيادة التوكيد فيها "وكذلك" أمر المخاطب نحو "اضربن إلى آخره"؛ أي اضربن اضربان اضربن اضربن اضربان اضربنان "وفتح الباء في" مثل "ليضربن" للغائب معلوما كان أو مجهول ولتضربن للغائبة أيضا وفي أمر المخاطب المجهول بالنون الثقيلة؛ أي حرك بالفتح مع أن الأصل السكون، أما علة نفس التحريك فهو ما صرح به المصنف بقوله: "فرارا من اجتماع الساكنين" وهما الباء والنون الأولى، وأما علة تعيين الفتح فلخفته هذا هو التحقيق، لكن المصنف تسامح وعلل الفتح بعلة نفس التحريك باعتبار تضمن الفتح التحريك قصرا للمسافة "وفتح النون المشددة" في غير التثنية وغير جمع المؤنث فإن فيهما مكسورة كما يجيء "للخفة"؛ أي لخفة الفتحة "وحذفوا واو ليضربوا"؛ أي حذفوا الواو من الجمع المذكر من الأمر الغائب عند زيادة نون التوكيد الثقيلة وكذا من الأمر المخاطب نحو اضربوا للتخفيف "اكتفاء بالضمة" ولأنه لو لم يحذف التقى ساكنان مع أنه لا التباس بالحذف "وياء اضربي"؛ أي وحذفوا الياء من المفرد المؤنث المخاطبة عند زيادة النون الثقيلة أيضا للتخفيف "اكتفاء بالكسرة" ولا يرد أن يقال إن الواو والياء علامتان والعلامة لا تحذف؛ لأن الحركتين اللتين قبلهما تدلان عليهما فكانا كأنهما لم تحذفا، ولما توجه أن يقال إن مقتضى القياس أن تحذف الألف من التثنية اكتفاء بالفتحة كما حذفت الواو من الجمع اكتفاء بالضمة، فلِمَ لَمْ يحذف؟، أجاب بقوله: "ولم يحذف ألف التثنية" مع أن القياس أن يحذف "حتى لا يلتبس" التثنية في المذكر والمؤنث "بالمواحد" فيهما ولا اعتبار بكسرة النون لوقوعها في الطرف "وكسر النون الثقيلة" مع أن الأصل الفتح لخفته "بعد ألف التثنية" مطلقا؛ أي مذكرا كان أو مؤنثا غائبا كان أو مخاطبا معلوما كان أو مجهولا فاجتهد أنت في الأمثلة "تشبيها" لها "بنون التثنية" في وقوعها في الطرف بعد الألف فحركت بحركتها وحمل عليه جمع المؤنث "وحذف النون التي هي تدل على الرفع في مثل هل يضربان" بالنون الثقيلة "لأن ما قبلها"؛ أي النون الثقيلة مطلقا "يصير مبنيا" فهي علامة البناء فوجب حذف علامة الإعراب؛ إذ لا يجتمع في كلمة واحدة إعراب وبناء حتى يجتمع علامتا هما، وإنما كان الفعل مبنيا عند اتصال نون التأكيد لتركبه مع النون والإعراب في الوسط فبني على الحركة والنون حرف لا حظ له من الإعراب فيبقى الجزءان مبنيين كبعلبك، وقيل: إنما بنى؛ لأن ما قبل النون مشتغل بالحركة المجتلبة للفرق بين المفرد المذكر والجمع المذكر والواحد المؤنث ففتحوا في الأول وضموا في الثاني وكسروا في الثالث لأجل الفرق فلم يمكن الإعراب فرجحوا موجب البناء لذلك مع ضعفه، وإنما قال في مثل هل يضربان ولم يقل في التثنية؛ لأن حذف نون الإعراب للعلة التي ذكرها المصنف إنما هو إذا لم يحذف قبل دخول النون بالجوازم، مثلا: إذا قلت: لم يضربا فقد حذفت نون الإعراب بالجوازم قبل دخول

[شرح ديكنقوز]

"وأدخلت الألف الفاصلة في ليضربان" أصله ليضربنن "فرارا من اجتماع النونات"؛ إذ لا يمكن حذف نون الجمع؛ لأنه ضمير الفاعل ولا حذف نون التأكيد للزوم بطلان الغرض فتعين الفصل بشيء واختص بالألف للخفة "وحكم" النون "الخفيفة" من حركات ما قبلها وحذف الضمير وحذف نون الإعراب معها "كحكم" النون "الثقيلة إلا أنها"؛ أي النون الخفيفة "لا تدخل بعد الألفين" ألف التثنية والألف التي وجب فرض دخولها قبل الخفيفة في الجمع المؤنث حملا لها على الشديدة وإن لم تجتمع النونات فيها؛ لئلا يلزم مزية الفرع على الأصل؛ إذ الأصل عدم الزيادة، ألا ترى أن يونس حين أدخلها في فعل الجماعة أدخل الألف وقال: اضربنان دون اضربن، وما قيل إن أصالة الثقيلة إنما هي عند الكوفيين ثم المناسبة المعلومة من قوانينهم تقتضي أصالة الخفيفة إلا أن التأكيد في الثقيلة أكثر، فالمناسبة أن يعدي من الخفيفة إليها ليس بشيء؛ لأن أصالة الثقيلة إنما هي فيما وضعت له؛ أعني التأكيد وهي كذلك إلا أن الثقيلة أفادته أكثر مما أفادته الخفيفة ولا شك أن ما يفيد معنى أصل في إفادة ذلك المعنى بالنسبة إلى ما دونه وأصالتها بذلك المعنى متفق عليه، وما نقل عن الكوفيين فإنما هو بمعنى أن الخفيفة مخففة من الثقيلة لا كلمة برأسها كما هو عند سيبويه، وقوله: مع أن الفرع لا يجب أن يجري على الأصل في جميع الأحكام صحيح إذا لم يلزم من عدم الجريان عليه مفسدة، وأما إذا لزم من عدم الجريان عليه فساد فلا كلام، وها هنا كذلك لما عرفته من لزوم مزية الفرع على الأصل، وقوله: فالمناسبة أن يعدي من الخفيفة إليها مدفوع بما ذكرنا من معنى الأصالة فقوله: "لاجتماع الساكنين على غير حده" شامل لفعل الاثنين وجماعة الإناث وذلك لا يجوز؛ لأن الروابط بين الحروف الحركات فإن فقدت في اثنين منها لا يمكن ربط أحدهما بالآخر ولا يجوز حذف أحدهما؛ إذ في حذف الألف من المثنى يلزم الالتباس بالواحد ومن جمع الإناث يلزم بطلان العمل واجتماع النونين وفي حذف النون يلزم البطلان الغرض وتحريك النون خلاف وضعها وحده؛ أي مرتبتة في الجواز التي لا يجوز أن يتجاوزها فيه ويجوز في غيرها هو أن يكون الأول حرف لين والثاني مدغما، وهذا لا يجوز بالاتفاق؛ لأن اللسان يرفع عنهما دفعة واحدة من غير مشقة والمدغم فيه متحرك فيصير الثاني من الساكنين كلا ساكن فلا يتحقق التقاء الساكنين الخالص سكونها وغير حده خلاف ذلك "وعند يونس" والكوفيين "تدخل" الخفيفة بعد الألفين "قياسا على الثقيلة" باقية على السكون عند يونس اعتبارا بمد الألف حركة كقراءة نافع محياي بسكون ياء الإضافة وصلا ومتحركة بالكسر للساكنين عند غيره، وعليه حمل قوله تعالى: "ولا تتبعان" بتخفيف النون وكسره على قراءة ابن عامر برواية ابن ذكوان "وكلتاهما"؛ أي كلا نوني التأكيد "تدخلات في سبعة مواضع لوجود معنى الطلب فيها" في الجملة ففي بعضها بحسب نفس الأمر ودلالته عليه إما

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

نون التأكيد بخلاف هل يضربان؛ لأن هل لا يجزم الفعل، لكن إذا أدخلت عليه نون التأكيد حذفت نون الإعراب لما ذكره المصنف "وأدخلت الألف الفاصلة"؛ أي الفارقة بين النونات "في ليضربنان فرارا عن اجتماع النونات" أحدهما نون جماعة المؤنث وثانيها وثالثها نون التأكيد الثقيلة فإنهما نونات ساكنة ومتحركة، ولا يمكن حذف نون جماعة النساء كما حذف الواو من الجمع المذكر؛ لأنه علامة ولا يدل حركة ما قبله عليه كما يدل الضمة على الواو في المذكر حتى يجوز حذفه "وحكم" النون "الخفيفة مثل حكم الثقيلة" في جميع ما ذكرنا؛ يعني فتح الباء في ليضربن فرارا من اجتماع الساكنين وحذفت الواو والياء في ليضربوا واضربي اكتفاء بالضمة والكسرة "إلا أنه"؛ أي النون الخفيفة "لا يدخل بعد الألفين" أحدهما ألف التثنية والثاني الفاصلة فلا يدخل التثنية مطلقا ولا الجمع المؤنث فبقي المفرد والجمع المذكر نحو ليضربن ليضربن ليضربن بفتح الاء في الأول وضمها في الثاني وكسرها في الثالث، وقس عليه أمر المخاطب "لاجتماع الساكنين في غير حده" أحدهما الألف والثاني نون التأكيد الساكنة وهو غير جائز ولم يمكن حذف الألف، أما في التثنية فلئلا يلتبس المثنى بالواحد، وأما في الجمع المؤنث فلئلا يلزم اجتماع النونين ولم يمكن أيضا تحريك الألف، أما في الثتنية؛ فلأنه ضمير وهو لا تغير، وأما في الجمع المؤنث؛ فلأنه للفصل وألف الفصل لا يقبل الحركة للزوم سكونه ولا يمكن أيضا تحريك نون التأكيد؛ لأنه خلاف وضعها، اعلم أن قوله في غير حده وهو أن لا يكون الحرف الأول مدا والثاني مدغما احترازا عن اجتماع الساكنين في حده؛ إذ هو جائز عنهم وهو أن يكون الحرف الأول مدا والثاني مدغما في حرف آخر، نحو: اضربنان ودابة وإنما جاز ذلك؛ لأن المد الذي في حرف المد يقوم مقام الحركة والساكن إذا كان مدغما جرى مجرى المتحرك؛ لأن اللسان يرتفع عنهما دفعة واحدة فكانا كأنهما متحركان "وعند يونس تدخل" النون الخفيفة بعد الألفين "قياسا على الثقيلة" فأجاز التقاء الساكنين على غير حده فيما يمكن التلفظ بهما فيه، وعليه قراءة من قرأ محياي بسكون ياء الإضافة "وكلاهما"؛ أي كلا نوني التأكيد "تدخلان" على الوجه المشروح" في سبعة مواضع لوجود معنى الطلب فيها" الضمير يرجع إلى السبعة على سبيل التغليب؛ إذ لا يوجد في النفي معنى الطلب أو على سبيل التحقيق؛ لأن النفي لما شابه النهي أعطي حكمه فيكون إنشاء حكما وفي تعليل المصنف إشعار بأن نوني التأكيد لا يدخلان فيما ليس فيه معنى الطلب كالماضي والمضارع والمضارع الذي خلص للحال؛ لعدم إمكان تأكيده، أما الماضي

[شرح ديكنقوز]

مطابقية وهي الخمس الأول أو التزام وهو السادس، فإن القسم وإن لم يكن فيه معنى الطلب، إلا أن الغالب أن يقسم المتكلم على ما هو مطلوبه فيلزمه الطلب؛ أي طلب جوابه، وأما نحو قوله: والله لأعاقبن فمحمول على الغائب، وفي بعضها لا بحسب نفس الأمر بالمشابهة بما فيه من معنى الطلب في نفس الأمر وهو السابع، ثم إن الغائب إنما يطلب في العادة، وغالب الأمر ما هو مراده فكان ذلك مقتضيا لتأكيده؛ لأنه غرضه في تحصيله والطلب إنما يتوجه إلى المستقبل الغير الموجود، فالتأكيد لا يكون إلا في المستقبل، وقيل: الحاصل في الزمان الماضي لا يحتمل التأكيد، وأما الحاصل في الزمان الحاضر وهو إن كان محتملا للتأكيد بأن يخبر المتكلم بأن الحاصل في الحال متصف بالمبالغة والتأكيد لكنه لما كان موجودا وأمكن للمخاطب في الأغلب الاطلاع على ضعفه وقوته اختص نون التأكيد بغير الوجود والأليق بالتأكيد أعني المستقبل أحدهما "الأمر" مطلقا "كما مر" ليضربن واضرب وليضربن واضربن "و" ثانيهما "النهي" كذلك "نحو لا تضربن" ولا يضربن ولا يضربن "و" ثالثهما "الاستفهام" نحو: "هل تضربن و" رابعها "التمني نحو: ليتك تضربن و" خامسها "العرض" بفتح العين وسكون الراء "نحو: ألا تضربن" فالهمزة فيه للاستفهام دخلت على الفعل المنفي وامتنع حملها على حقيقة الاستفهام؛ لأن المخاطب يعرف عدم الضرب، فالاستفهام عنه يكون طلبا للحاصل فيتولد منه بقرينة الحال عرض على المخاطب وطلبه منه "و" سادسها "القسم"؛ أي جوابه "نحو: والله لأضربن" والجملة القسمية أعني أقسم والله إنشاء وجواب القسم أعني لأضربن خبر "و" سابعها "النفي" ويدخلها نونا التأكيد دخولا "قليلا مشابهة"؛ أي لأجل المشابهة "بالنهي" في الصورة وفي أنهما غير موجبين وفي كون حرفيهما لا "نحو لا تضربن والنهي" وهي صيغة يطلب بها الترك عن الفعل "مثل الأمر في جميع الوجوه" التي ذكرت من كونه مشتقا من المضارع وأحكام نوني التأكيد "إلا أنه"؛ أي لكن النهي مطلقا "معرب بالإجماع" من الفريقين لوجود حرف المضارعة فيه "ويجيء المجهول" وهو ما حذف فاعله وأسند إلى مفعوله "من الأشياء المذكورة" قوله: "من الماضي" وما عطف عليه بيان الأشياء المذكورة "نحو ضرب" زيد في ضربت زيدا "إلى آخره" ومر بزيد في مررت بزيد "ومن المستقبل نحو يضرب" زيد في يضرب خالد زيدا "إلى آخره" ومن الأمر نحو: ليضرب ومن النهي نحو: لا يضرب

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

فلأن ما مضى فات وتأكيد الفائت ممتنع، وأما المضارع فلأن التأكيد إنما يليق بما لم يحصل كما في والله لأضربن، وأما الحاصل في الحال فهو وإن كان محتملا للتأكيد، وذلك بأن يخبر المخاطب أن الحاصل في الحال متصف بالتأكيد، لكنه لما كان موجودا وأمكن للمخاطب في الأغلب أن يطلع على ضعفه أو قوته لم يؤكد كذا ذكره الرضي، وأما المستقبل الذي فيه معنى الطلب فيمكن تأكيده لقصد تحصيل المطلوب على الوجه الأبلغ وما يوجد فيه معنى الطلب سبعة أحدها "الأمر" غائبا كان أو مخاطبا معلوما كان أو مجهولا "كما مر" معناه ومثاله "و" الثاني "النهي نحو: لا تضربن و" الثالث "الاستفهام" ومعناه السؤال عن حصول الفعل "نحو: هل يضربن و" الرابع "التمني" وهو طلب حصول الشيء "نحو: ليتك تضربن و" الخامس "العرض" بفتح العين وسكون الراء ومعناه الحث على الفعل "نحو: ألا تضربن" وهو قريب من التمني؛ لأنك إذا عرضت على المخاطب الضرب فقط حثثته عليه، ولن تحثه إلا على ما تمناه وليس باستفهام؛ لأنك لا تقصد بقولك: ألا تضربن السؤال عن ترك الضرب "و" السادس "القسم"؛ أي الفعل المضارع الذي يدخل عليه اللام الموطئة للقسم فيقع جوابا للقسم "نحو والله ليضربن" وقس عليه الاستفهام والتمني والعرض، فمعنى الأول الفعل المضارع الذي يدخل عليه حرف الاستفهام، ومعنى الثاني يدخل عليه حرف التمني، ومعنى الثالث يدخل عليه حرف التحضيض فهذه الحروف الأربعة تفيد في المستقبل معنى الطلب والتوقع وتؤكده نوع تأكيد، ولهذا جاز دخول نون التأكيد عليه كذا ذكره الرضي حيث قال: إن نوني التأكيد لا يدخل في المستقبل الذي هو خبر محض إلا بعد أن يدخل على أوله ما يدل على التأكيد أيضا كلام القسم نحو: والله ليضربن، وأما المزيدة، نحو: أما تفعلن لتكون ذلك توطئة لدخول نون التأكيد وإيذانا به "و" السابع "النفي قليلا"؛ أي تدخلان عليه دخولا قليلا؛ لأن دخولهما عليه ليس لوجود معنى الطلب بل "مشابهة بالنهي في الصورة نحو لا تضربن والنهي" وهو في اللغة المنع وفي الاصطلاح فعل يطلب به ترك الفعل من الفاعل، فهو ضد الأمر بحسب المفهوم لكنه "مثل الأمر" بحسب الأحكام فهو يماثله "في جميع الوجوه" المذكورة في الأمر من كونه مأخوذا من المستقبل وكيفية دخول نوني لتأكيد عليه وكيفية حركة ما قبل النون "إلا أنه"؛ أي النهي غائبا كان أو مخاطبا معلوما كان أو مجهولا "معربا بالإجماع" لوجود علة الإعراب هو حرف المضارعة.
ولما فرع من أقسام الفعل المبني للفاعل شرع في أقسام الفعل المبني للمفعول وكيفية بنائها له فقال "ويجيء المجهول" وهو فعل غير عن صيغته بعد حذف فاعله وأقيم المفعول مقامه، ويسمى أيضا المبني للمفعول، لكن كثر استعمال المجهول بين أهل الصرف واستعمال والمبني للمفعول بين أهل النحو "من الأشياء المذكورة" فيما سبق "من الماضي نحو: ضُرِب" بضم الضاد وكسر الراء "إلى آخره، ومن المستقبل نحو يُضرَب" بضم الياء وفتح الراء "إلى آخره" ولم يذكر الأمر والنهي والنفي؛ استغناء بذكر المستقبل لكونها مأخوذة منه، فإن قيل: المفعول

[شرح ديكنقوز]

وإنما لم يذكرهما اكتفاء بذكر المستقبل؛ لأن صورتهما لما كانت صورته استغنى بذكره عنهما؛ إذ يعلم من الاشتراك في الصورة أن مجهولهما مثل مجهوله "والغرض من وضعه"؛ أي من وضع المجهول وإقامة المفعول مقام الفاعل "إما" التبيين "لخساسة الفاعل" وإظهار لها فإن نفس خساسة الفاعل لا تصح أن تكون غرضا من وضع المجهول وإقامة المفعول مقام الفاعل، بل منها إنما هو تبيين لخساسته وإظهار لها نحو: شُتم الأمير، إذا كان الشاتم شخصا خسيسا غير كفء للأمير، فيجعل ترك الفاعل تطهيرا للسان عنه "أو" تبيين "لعظمته" نحو ضُرِب اللص فيجعل تركه تطهيرا له عن اللسان "أو" تبيين "لشهرته" خوفا عليه "أو تبيين لجهالته" لذلك الفعل بحيث لا يتصور صدوره إلا عنه نحو: خُلِق الإنسان "واختص" المجهول "بصيغة فُعِل" بضم الفاء وكسر العين "في الماضي؛ لأن معناه"؛ أي معنى المجهول "غير معقول وهو إسناد الفعل إلى المفعول" والمعقول إسناد الفعل لمن صدر عنه أعني الفاعل "فجعل صيغته أيضا"؛ أي كمعناه "غير معقولة وهي فعل" ليناسب اللفظ المعنى، وقيل: إنما غير صيغة الفعل بعد حذف الفاعل؛ إذ لو لم يفعل لالتبس المفعول المرفوع لقيامه مقام الفاعل بالفاعل، وإنما اختير للمفعول هذا الوزن الثقيل دون المبني للفاعل؛ لكونه أقل استعمالا منه، وإنما غير الثلاثي في المجهول إلى وزن فعل دون سائر الأوزان لكونه معناه قريبا في الأفعال؛ إذ الفعل من ضرورة معناه ما يقوم به فلما حذف منه ذلك خيف أن يلحق في أوله وهلة النظر بقسم الأسماء فيحمل على وزن لا يكون في الأسماء، ولو كسر الأول وضم الثاني يحصل هذا الغرض إلا أن الخروج من الكسرة إلى الضمة أثقل من العكس؛ لأن الأول طلب ثقل بعد الخفة بخلاف الثاني "ومن ثمة"؛ أي ومن أجل أن صيغته فعل غير معقول "لا يجيء على هذه الصيغة كلمة في الأسماء" أصلا في كلام العرب "إلا وُعِل" بضم الواو وكسر العين وهو معز الجبل "ودُئل" بالضم والكسر أيضا وهو دويبة تشبه ابن العرس ولو كانت هذه الصيغة معقولة لشاعت في كلامهم "و" يجيء المجهول "في المستقبل على يُفعَل" بضم حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر "لأن هذه الصيغة غير معقولة أيضا؛ لأنها" أعني يفعل "مثل فعلل" بضم الفاء وسكون العين وفتح اللام الأولى "في الحركات والسكنات ولا يجيء عليه"؛ أي على فعلل "كلمة" في كلامهم "أيضا"؛ أي كما لا يجيء على

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

ضد الفاعل في المعنى فكيف يجوز أن يقام مقامه ويرتفع ارتفاعه، أجيب بأن للفعل طرفين طرف الصدر وهو الفاعل وطرف الوقوع وهو المفعول، فهما متناسبان من حيث إن كل واحد منهما طرف للفعل وبهذه المناسبة جاز وقوع المفعول مقام الفاعل "والغرض من وضعه"؛ أي المجهول "إما لخساسة الفاعل" حق العبارة أن يقال: إما خساسة الفاعل بحذف اللام منه ومما عطف عليه أو يقال: وضعه إما لخساسة الفاعل بحذف الغرض وإثبات اللام فيه وفيما عطف عليه؛ يعني قد يكون الفاعل حقير بالنسبة إلى المفعول فيحذف لتطهير اللسان عن ذكره وأسند الفعل إلى مفعوله؛ لئلا يبقى الفعل بلا مسند إليه نحو: شُتم الخليفة؛ أي شتم الفاسق الخليفة، "أو لعظمته" بالنسبة إلى المفعول فيحذف لتطهيره عن لسانك نحو: عُوقب اللص؛ أي عاقب السلطان "أو لشهرته" عند السامع فيكون ذكره عبثا في الظاهر "أو خوفا عليه"؛ أي على الفاعل نحو قُتل عمرو؛ أي قتل زيد عمرا، فلو لم يحذف الفاعل يعلم أن زيدا قاتل فيقتص منه فيحذف إيهاما بأن القاتل غير معلوم، ولما فرغ من ذكر علل حذف الفاعل في المجهول شرع في ذكر علة العدول من صيغة إلى صيغة فقال: "واختص"؛ أي المجهول "بصيغة فعل" بضم الفاء وكسر العين "في الماضي" من الثلاثي المجرد؛ يعني لما وجب تغيير صيغة الفعل بعد حذف الفاعل لئلا يلتبس المفعول الذي أقيم مقام الفاعل بالفاعل اختير هذا الوزن الثقيل في المجهول دون المعلوم؛ لكون المجهول أقل استعمالا منه للفرق بينهما، واختير ذلك الوزن الذي هو فعل دون سائر الأوزان "لأن معناه"؛ أي معنى المجهول "غير معقول"؛ أي بعيد في قسم الأفعال قوله: "وهو إسناد الفعل إلى المفعول" بيان يفيد التعليل فتقدير الكلام أن معنى المجهول بعيد في الأفعال؛ لأنه إسناد الفعل إلى المفعول وإسناد الفعل إلى المفعول بعيد؛ لأنه خلاف الأصل والظاهر "فجعل صيغته أيضا"؛ أي كمعناه "غير معقولة"؛ أي بعيد في الأسماء، وحاصله أن معنى المجهول لما كان معنى بعيدا في قسم الأفعال، وهو الإسناد إلى المفعول خيف أن يلحق المجهول بقسم الأسماء فجعل صيغته على صيغته لا توجد في الأسماء لئلا يتوهم أنه من قسم الأسماء بسبب بعد معناه عن معنى الفعل، وإذا كان صيغته مما لا توجد في الأسماء علم أنه من الأفعال لا من الأسماء "وهي"؛ أي تلك الصيغة الغير المعقولة "فعل" بضم الفاء وكسر العين، فإن قلت: لو كسر الفاء وضم العين يحصل هذا المقصود؛ إذ لا يوجد في الأسماء هذا الوزن أيضا، قلت: نعم إلا أن الخروج من الكسرة إلى الضمة أثقل من العكس؛ لأن الأول طلب ثقل بعد الخفة بخلاف الثاني "ومن ثم"؛ أي ومن أجل أن هذه الصيغة غير معقولة "لا يجيء على هذه الصيغة كلمة" في كلام العرب "إلا وُعِل" وهو معز الجبل "ودُئل" وهو دويبة تشبه ابن العرس "وفي المستقبل" من الثلاثي المجرد "على يفعل" بضم حرف المضارعة وفتح الحروف؛ أي يجيء صيغة المجهول في المستقبل على يفعل "لأن هذه الصيغة مثل فعلل" بضم الفاء وفتح قبل الآخر "في الحركات والسكنات" لا في الحروف الأصول والزوائد "ولا يجيء عليه"؛ أي والحال أنه لا يجيء على وزن فعلل "كلمة" في كلام العرب إلا جندب، وهو ضرب من

[شرح ديكنقوز]

فعل فتكون هذه الصيغة غير معقولة أيضا فيتناسب اللفظ والمعنى "ويجيء" المجهول "في" الأبواب "الزوائد من الثلاثي المجرد" كلها؛ أي مما زادت حروفه على ثلاثة أحرف، سواء كان رباعيا مجردا أو مزيدا فيه أو ثلاثيا مزيدا فيه "بضم" الحرف "الأول وكسر ما قبل الآخر في الماضي" نحو: دحرج وأكرم "وبضم" الحرف "الأول" أصلية كانت الضمة كما في الرباعيات أو عارضية كما في غيرها "وفتح ما قبل الآخر" أصلية كانت الفتحة كما في يتفعل ويتفاعل ويتفعلل، أو عارضية كما في غيرها "في المستقبل" نحو: يدحرج ويكرم ويتدحرج ويستخرج "تبعا للثلاثي" فيهما "إلا في سبعة أبواب، فإن أول المتحرك يضم مع ضم الأول" فيها في الماضي "ويكسر ما قبل الآخر وهي: تفعل وتفوعل" وعلم حكم تفعلل منهما "وافتعل وانفعل وافتعل واستفعل وأفعل" وحكم افعول وافعلل وافعنلل وملحقة علم منها "وضم الفاء في الأولين"؛ أي تفعل وتفوعل ولم يقتصر على ضم الأول فيهما "حتى لا يلتبسا"؛ أي الأولان ذكر المتعدد في هذه اللفظ على الإجمال كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ "بمضارع فعل" بالتشديد في تفعل "وتفاعل" في تفوعل في الوقف "وضم أول المتحرك منه في الخمسة الباقية حتى لا يلتبس" الماضي المجهول "والأمر" الحاضر "في الوقف؛ يعني إذا قلت: وافتعل بفتح التاء في" الماضي "المجهول في الوقف بوصل الهمزة" وقلت: "وافتعل في الأمر" الواو ها هنا مثله في وافتعل لا لعطف افتعل على افتعل؛ يعني إذا قلت: وافتعل وافتعل أحدهما في الماضي والآخر في الأمر ويحتمل أن يكون للعطف فيكون افتعل معطوفا على افتعل لا على وافتعل فيكون تقديره وافتعل "يلزم الالتباس فيلزم التاء" في الماضي المجهول "لإزالته "فقس الباقي" وهو الأربعة الأخيرة "عليه"؛ أي على افتعل.

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

أي كما لا يجيء كلمة على فعل فيكون هذا الوزن غير معقول، وحاصله أن المستقبل لما حذف فاعله وأسند إلى مفعوله كان بعيدا في الأفعال فخيف أن يلحق بقسم الأسماء فجعل صيغته على صيغته لا توجد في قسم الأسماء؛ لئلا يتوهم أنه من الأسماء، كما جعل كذلك في الماضي، لذلك قيل: إنما ضم أول المضارع حملا على الماضي، وفتح ما قبل آخره ليعدل ضمة الأول بالفتحة في المضارع الذي هو أثقل من الماضي، ولما فرغ من بيان علامة بناء المجهول في الماضي والمستقبل من الثلاثي المجرد شرع في علامته فيما عدا الثلاثي المجرد فقال: "ويجيء" المجهول "في الزوائد من الثلاثي لمجرد" أراد بالزوائد ما كان ماضيه أكثر من ثلاثة أحرف فيتناول الرباعي المجرد الملحق بالربعي والمزيد على بالرباعي أيضا، وحاصله ما عدا الثلاثي المجرد "بضم الأول وكسر ما قبل الآخر في الماضي" نحو: أكرم وفرح وقوتل ودحرج وتدحرج واستخرج وقس عليها ما عداها "وبضم الأول وفتح ما قبل الآخر في المستقبل" نحو: يكرم ويفرح ويقابل ويدحرج ويتدحرج ويستخرج وقس عليها ما عداها "تبعا للثلاثي"؛ أي يجيء المجهول من غير الثلاثي على الوجه المذكور في الماضي أو المضارع فقط اتباعا الغير الثلاثي له لكونه أصلا قوله "إلا في سبعة أبواب" استثناء من قوله الماضي فقط؛ يعني يجيء المجهول من الزوائد على الثلاثي بضم الأول وكسر ما قبل الآخر في جميع الماضي إلا في سبعة أبواب، فإنه لا يكفي فيها هذا القدر من البيان، بل لا بد فيها من قيد زائد وبيانه "أنه يجيء" المجهول في تلك السبعة "بضم أول متحرك منه" هذا هو القيد الزائد الذي قصد بيانه في تلك السبعة، ولهذا قدمه على قوله: "مع ضم الأول وكسر ما قبل الآخر" وقد عرفت أن هذا عام لجميع الأبواب في الماضي "وهي"؛ أي السبعة المذكورة "تفعل وتفوعل وافتعل وانفعل وافعنعلل واستفعل وافعوعل" واعلم أن المراد بأول المتحرك منه الحرف المتحرك أولا من الفعل كالتاء في افتعل؛ لأن الهمزة وإن كانت في أول الكلمة لكنها ليست من الفعل؛ لأنها للوصل كما سبق فعلم أن قوله: إلا في سبعة أبواب بضم أول متحرك منه تغليب؛ إذ لا يمكن أن يقال: إن الفاء في تفعل وتفوعل أول متحرك منه؛ لأن التاء فيهما من الفعل، ولهذا قال عند تفصيل حكمها "وضم الفاء في الأولين" ولم يقل: وضم أول متحرك منه أيضا كما قال ذلك في الخمسة الباقية؛ أي بضم الفاء في تفعل وتفوعل مع ضم الأول وكسر ما قبل الآخر فيهما "حتى لا يلتبسا بمضارعي فعل" بالتشديد "وفاعل" يعني لو اكتفى في تقطع مثلا بضم الأول وهو التاء، وكسر ما قبل الآخر وهو الطاء وأبقى القاف مفتوحا لم يعلم أنه مجهول الماضي من باب التفعل أو مضارع معلوم من باب التفعيل، وكذا لو اكتفى في تباعد مثلا بضم الأول وهو التاء وكسر ما قبل الآخر وهو العين وأبقى القاف مفتوحا لم يعلم أنه مجهول الماضي من باب التفاعل أو مضارع من باب المفاعلة "وضم أول المتحرك منه في الخمسة الباقية حتى لا يلتبس" الماضي المجهول من هذه الخمسة "بالأمر" المخاطب من هذه الخمسة أيضا "في" حال "الوقف" ولما كان في كيفية الالتباس نوع خفاء أراد أن يبينه تفهيما للمبتدي ففسره بقوله: "يعني إذا قلت: افتعل" بفتح التاء "مثلا في المجهول في الوقف بوصل الهمزة وافتعل في الأمر أيضا يلزم اللبس" يعني إذا اكتفى في اقتصر مثلا بضم الأول وهو الهمزة وكسر ما قبل الآخر وهو الصاد وأبقى التاء مفتوحا وقيل: واقتصر بوصل الهمزة وإسكان الراء للوقف لم يعلم أنه ماض مجهول وصل همزته ووقف آخره أو أمر لمخاطب جزم آخره، وإن بين الالتباس بقيدين أحدهما الوقف والآخر وصل الهمزة؛ إذ لو لم يوقف لم يلتبس أحدهما بالآخر؛ لأن آخر الماضي مفتوح وآخر الأمر مجزوم، وأيضا لو قطع الهمزة لم يلتبس؛ إذ هي في المجهول مضمومة وفي الأمر مكسورة "فضم التاء في افتعل لإزالته"؛ أي لإزالة اللبس المذكور.
"فقس الباقي عليه" وقياسه واضح لا نطول الكلام بذكره، وما ذكر من البيان في مجهول الماضي والمضارع إذا لم يكن الفعل معتل العين، أما إذا كان معتل العين فليس صيغة المجهول على ما ذكره ظاهرا؛ إذ يقال في مجهول قال مثلا قيل وسيأتي حكمه في موضعه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن في تخصيص الأبواب السبعة المذكورة بهذا الحكم نظرا؛ إذ كل فعل في أوله همزة وصل فعلامة بناء المجهول منه أن يضم أول المتحرك منه مع ضم الأول وكسر ما قبل الآخر، وذلك أحد عشر بابا لا خمسة، مثل: انطلق واكتسب واحمر واحمار واستخرج واعشوشب واجلوز واقعنسس واسلنقى واحرنجم واقشعر، فإذا ضم إليها تفعل وتفاعل نحو: تقطع وتباعد، صار عدد الأبنية ثلاثة عشر، فالقصر على السبعة تقصير فلا تكن من القاصرين.

[شرح ديكنقوز]

"

فصل في اسم الفاعل

": قال ابن الحاجب: وبه سمي بلفظ الفاعل الذي هو وزن اسم الفاعل عن الثلاثي لكثرة الثلاثي، فجعلوا أصل الباب له فلم يقولوا اسم المفعل والمستفعل وفيما قال نظر؛ لأنه ليس القصد بقولهم اسم الفاعل اسم الصيغة الآتية على وزن فاعل، بل إيراد اسم ما فعل الشيء وهو الفاعل لا المفعول، فإنه اسم من وقع عليه الفعل، والمستفعل بمعنى الذي فعل الشيء إذا لم يأت المفعل والمستفعل بمعنى الذي فعل الشيء بخلاف الفاعل؛ فإنه جاء بمعنى الذي فعل الشيء، وإنما أطلقوا اسم الفاعل على من لم يفعل الفعل كالمنكسر والمتدحرج والجاهل والضامر؛ لأن الأغلب فيما بني له هذه الصيغة؛ أي الصيغة التي تسمى في الاصطلاح اسم الفاعل أن يفعل فعلا كالقائم والقاعد والمخرج والمستخرج "وهو اسم" يتناول غير المقصود وقوله: "مشتق" بالذات "من المضارع" يخرج المصادر وأسماء الذوات، وإنما حكم بكونه مشتقا من المضارع دون غيره لموازنته إياه في الحركات والسكنات والمفهوم من كلام بعضهم أنه مشتق من الماضي فكأنه نظر إلى أن الماضي أصل بالنسبة إلى المضارع، وأن التصرف في الاشتقاق من الماضي أقل وقوله: "لمن قام به الفعل" في الجملة فيدخل فيه نحو: زيد مقابل عمرو أو أنا مقرب من فلان أو مبتعد منه أو مجتمع معه، فإن هذه الأحداث نسبة بين الفاعل والمفعول لا يقوم بأحدهما معينا دون الآخر إلا أن قيامه ينسب إلى ما ينسب إليه الحدث صريحا ولا يعتبر قيامه بما نصب إليه ضمنا فكأنه قام بأحدهما معينا ويخرج أسماء المفعول والموضع والزمان والآلة دون أفعل التفضيل؛ لأن زيادة الكرم مثلا كرم فيصدق عليه أنه قام به الفعل، والأولى أن يقول لما قام، وذلك لأن المجهول أمره يذكر بلفظ ما واسم الفاعل لم يوضع للشيء باعتبار كونه عاقلا، بل وضع لمعنى قائم بذات عاقلة كانت تلك الذات أو غير عاقلة، ولعله قصد تغليب العاقل على غير العاقل وقوله: "بمعنى الحدوث" بحسب الوضع فدخل فيه نحو: مؤمن وكافر وواجب ودائم وباق وضامر في فرس ضامر وعالم في الله عالم يخرج الصفة المشبهة؛ لأن وضعها على الإطلاق لا الحدوث ولا الاستمرار، فإن قصد بها الحدوث ردت إلى صيغة اسم الفاعل فيقال: في حسن حاسن الآن أو غدا، وكذلك يخرج أفعل التفضيل؛ لأن معناه ليس بمقيد بأحد الأزمنة كالصفة المشبهة فمعنى كريم وأكرم شخص ثبت له الكرم وزيادة لا أنهما حدثا له "واشتق" اسم الفاعل "منه"؛ أي من المضارع "لمناسبتهما"؛ أي لمناسبة كل واحد من اسم الفاعل والمضارع الآخر

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"فصل في اسم الفاعل": لما فرغ من قسم الأفعال شرع في قسم الأسماء المشتقة، وقدم منها الفاعل لعدم اختصاصه بفعل دون فعل، ولكثرة استعماله بالنسبة إلى ما عداه "وهو اسم مشتق من المضارع المعلوم لمن قام به الفعل بمعنى الحدوث" قوله: اسم جنس يشمل جميع الأسماء مشتقة أو غير مشتقة، وقوله: مشتق من المضارع يخرج الأسماء الغير المشتقة كالفاعل الذي أسند إليه الفعل وكالمصدر وغيرهما، وقوله: لمن قام به الفعل يخرج اسم المفعول والآلة واسمي الزمان والمكان، وقيل: يخرج أيضا اسم التفضيل ولا يخرج الصفة المشبهة، لكن هذا القيد لا يشمل بعض أسماء الفاعلين، نحو: زيد مقابل عمرو وأنا مقرب من فلان أو مبتعد عنه ومجتمع به، فإن هذه الأحداث نسب بين الفاعل والمفعول لا يقوم بأحدهما معينا دون الآخر كذا قيل، وقوله: بمعنى الحدوث يخرج الصفة المشبهة؛ لأن وضعها على الثبوت والدوام لا على الحدوث ولهذا لو قصد بها الحدوث ردت إلى صيغة اسم الفاعل فيقال في حسن حاسن الآن أو غدا ومنه قوله تعالى في ضيق ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وهذا مطرد في كل صفة مشبهة، ولا ينتقض التعريف بمثل: دائم وباق بناء على أنهما ليسا بمعنى الحدوث، بل بمعنى الاستمرار؛ لأن الاستمرار مدلول جوهر الكلمة لا مدلول الصيغة فيدلان بصيغتها على الحدوث أيضا، كما يدل يدوم ويبقى بحسب الصيغة على الحدوث، اعلم أن قوله: بمعنى الحدوث يخرج ما هو على وزن اسم الفاعل إذا لم يكن بمعنى الحدوث بل بمعنى الاستمرار نحو فرس ضامر؛ أي مهزول خفيف اللحم، وشازب بالشين والزاي المعجمتين بمعنى الضامر، وعذره أن يقال إن قصد الاستمرار فيها عارض ووضعها على الحدوث كما في قولك: الله عالم أو كائن أبدا كذا قرره الفاضل الرضي "واشتق" اسم الفاعل "منه"؛ أي من المضارع دون غيره من الأفعال ومن المصدر "لمناسبتها"؛ أي لمناسبة بينهما

[شرح ديكنقوز]

"في الوقوع صفة للنكرة وغير" من المشابهات التي مر ذكرها وأعمل المصدر المعرف باللام على غير القياس "وصيغته"؛ أي صيغة اسم الفاعل "من الثلاثي" المجرد صحيحا كان أو غيره "على وزن ضارب" غالبا؛ إذ قد يجيء على وزن فعول كصبور وفعيل كرحيم "و" إنما ترك هذا القيد على أنه سيذكر هذين الوزنين "حذف علامة الاستقبال من يضرب" لئلا يتوهم من أول الأمر أنه مستقبل "وأدخل الألف" للفرق بينه وبين الماضي وخص الألف بالزيادة من بين سائر حروف المد "لخفتها بين الفاء والعين؛ لأنه"؛ أي الإدخال "في الأول يصير" اسم الفاعل "مشابها للمتكلم" على تقدير فتح الألف الذي هو الأصل لخفته نحو: أنصر وأضرب وأعلم وعلى تقدير الضم مع كونه ثقيلا يلتبس بالأمر في الوقف وبالمتكلم المجهول في مثل: يعلم ويلزم النزول من الضمة إلى الكسرة في مثل: يضرب، وعلى تقدير الكسر يلتبس بالأمر في مثل: يضرب ويعلم، ويلزم الخروج من الكسرة إلى الضمة في مثل: نصر ولا مجال لإبقائه على السكون وأن الإدخال في الآخر يصير أنه مشابها بتثنية الماضي بعد تحريك الفاء للضرورة "وكسر عينه"؛ أي عين المضارع فيما لم يكن مكسورا وعلم منه حكم ما كان مكسورا، وهو الإبقاء على الكسر ولذا لم يذكره "لأنه"؛ أي اسم الفاعل "بتقدير النصب"؛ أي الفتح أطلق حركة الإعراب على حركة البناء على طريق الاستعارة للمشابهة الصورية؛ أي بتقدير نصب عين المضارع لاستقامة منه فيما لم يكن منصوبا اتباعا لما كان منصوبا حتى يكون كله منصوبا "يصير مشابها لماضي المفاعلة" وكان التزام الزيادة بعد حذف علامة الاستقبال لدفع الالتباس بالماضي وإن كان من غير هذا الباب فلو اختاروا هذه المشابهة لوقعوا فيما فروا منه "وبتقدير الضم" فيما لم يكن مضموما اتباعا لما كان مضموما "يثقل" اسم الفاعل "وبتقدير الكسر" فيما لم يكن مكسورا للاتباع "أيضا"؛ أي كتقدير النصب "يلزم الالتباس بأمر باب المفاعلة ولكن أبقى" اسم الفاعل "مع ذلك" الالتباس "للضرورة" واختيار الالتباس أولى من اختيار الثقل؛ لأن لغتهم سالمة عن كل بشاعة وثقلة "وقيل اختيار

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"في الوقوع" موقعه في كونه "صفة للنكرة وفي غيره" من المناسبات المذكورة في صدر فصل المضارع، وإذا كان مشتقا من المضارع وهو من الماضي وهو من المصدر كان مشتقا من المصدر بواسطة كما هو مذهب السيرافي، وقد سبق منا إشارة إليه في صدر الكتاب "وصيغته من الثلاثي المجرد" صحيحا كان أو معتلا "على وزن فاعل" نحو: ناصر وبائع قيل: ولهذا يسمى به لكثرة الثلاثي؛ أي ولأجل أن اسم الفاعل من الثلاثي على فاعل سمي بلفظ الفاعل لجميع اسم الفاعل كالمنفعل والمستفعل لكثرة الثلاثي ولم يقولوا اسم المنفعل ولا اسم المستفعل، ورد بأنه ليس القصد بقولهم: اسم الفاعل اسم الصيغة الذي يجيء على وزن اسم الفاعل، بل المراد اسم ما فعل الشيء، ولم يأت المنفعل والمستفعل بمعنى الذي فعل الشيء حتى يقال اسم المنفعل والمستفعل.
واعلم أنهم أطلقوا اسم الفاعل على من لم يفعل الفعل كالمنكسر والجاهل والضامر والمائت؛ لأن الأغلب فيما بني له هذه الصيغة أن يفعل فعلا كالقائم والقاعد والمخرج والمستخرج وغير ذلك قوله: "وحذف" شروع في بيان كيفية اشتقاق اسم الفاعل الثلاثي من المضارع المعلوم؛ أي حذف أولا "علامة الاستقبال من يضرب" مثلا ولو قال: من يفعل لكان أوفق لما بعده "فأدخل الألف" عقيب الحذف دون سائر حروف المد "لخفتها بين الفاء والعين" نحو: الضاد والراء في يضرب "لأن في الأول" أي؛ لأن الشأن لو زيد في الأول "يصير" اسم الفاعل "مشابها"؛ أي ملتبسا "بالمتكلم" وحده؛ لأنه لو زيد في الأول تحرك بالفتح لتعذر الابتداء بالساكن وخفة الفتحة فيلتبس بالمتكلم الذي عينه مكسور مثل: اضرب ولو كسر الألف يلتبس أيضا بالأمر من مكسور العين؛ إذ لا اعتبار بحركة الآخر نحو: واصبر، ولو ضم يلتبس أيضا بالأمر من مضموم العين نحو: انصر، ولو زيد في الآخر قيل: يلتبس بتثنية الماضي في مثل فتحا، وقيل: يلزم أن يصير إعرابه تقديريا، ولو زيد بين العين واللام يلتبس بصيغة المبالغة نحو: فتاح وصبار؛ إذ لا اعتبار بالإعجام، وإذا بطل الأقسام بأسرها تعين أن يزاد بين الفاء والعين "وكسر عينه بعد زيادة الألف"؛ أي لا يجوز غير الكسر في عين المضارع، فإن كان مضموما أو مفتوحا في الأصل كسر نحو: ناصر وعالم، وإن كان مكسورا أبقى عليه نحو: ضارب "لأن" الشأن "بتقدير الفتحة" وفي بعض النسخ بتقدير النصب والمراد الفتح "يصير مشابها"؛ أي ملتبسا "بماضي المفاعلة" فإنك إذا قلت: ضارب بفتح الراء لم يعلم أنه اسم الفاعل من يضرب أو فعل ماض من المضاربة "وبتقدير الضمة يثقل"؛ أي يصير ثقيلا وهو ظاهر "وبتقدير الكسرة أيضا"؛ أي كتقدير الفتحة "يلزم الالتباس بأمر باب المفاعلة" فإذا قلت: ضارب بكسر الراء لم يعلم أنه اسم الفاعل من يضرب أو أمر من المضاربة؛ إذ لا اعتبار بحركة الطرف "ولكن أبقى" الكسر "مع ذلك" الالتباس "للضرورة"؛ أي لعدم إمكان الفتح والضم كما بينا ولعدم إمكان السكون لالتقاء الساكنين واعترض عليه بعض الشارحين بأن هذا الجواب ضعيف؛ لأن التزام الثقل أولى من التزام الالتباس فتقول التزام الالتباس سيما في قليل الوقوع سيما فيما يمكن دفعه؛ إذ يمكن ها هنا دفعه بالتنوين وتركه أولى من التزام الثقل بالضمة سيما بعد ألف المد؛ إذ بذلك يكون أثقل، ويدل على ما ذكرنا أنهم قلبوا الياء ألفا في مثل: مختار في الفاعل والمفعول دفعا للثقل مع أنه يلتبس أحدهما بالآخر بعد القلب لا قبله، واكتفوا بالفرق التقديري "وقيل اختيار

[شرح ديكنقوز]

الالتباس بالأمر أولى" من اختيار الالتباس بالماضي "لأن الأمر" مأخوذ "من المستقبل والفاعل مشابه به" بل اسم الفاعل مأخوذ من المستقبل أيضا على ما ذكره المصنف، ولهذه المناسبة اختير اتحادهما في الصيغة "وتجيء الصفة المشبهة" باسم الفاعل مع أنها لمن قام به الفعل ولفظا؛ لأنها تثنى وتجمع وتؤنث كما أن اسم الفاعل كذلك، وهي اسم مشتق من فعل لازم لمن قام به فقط على معنى الثبوت، وقولنا فقط ليخرج أفعل التفضيل؛ إذ كما يقوم الفعل لمن اشتق له يقوم به الزيادة أيضا، وباقي القيود ظاهرة ولم يتعرض لتعريفها، وتعريف أفعل التفضيل لقرب تعريفها من تعريف اسم الفاعل حتى عدا عند أهل هذا الفن من اسم الفاعل ولذلك لم يعدهما في المشتقات من المصدر وأوردهما في فصل اسم الفاعل وإما قدمهما على بيان صيغة اسم الفاعل من غير الثلاثي؛ لأنهما مختصان بالثلاثي "على هذه الأبنية"؛ أي ليست صيغ الصفة المشبهة قياسية كصيغ اسم الفاعل والمفعول؛ لأنهم لم يجروا فيها على قياس يضبط بأصل كما في اسم الفاعل والمفعول، بل أتوا بها مختلفة الصيغ مع اتفاق صيغة الفعل في كثير منها، ولم يأت شيء منها على القياس إلا الألوان والحلي والعيوب الظاهرة، فإنها أتي بها على أفعل كأبيض وأبلج وأعور "نحو فرق" بفتح الفاء وكسر العين وهذا غالب من فعل بكسر العين "وشكس" بفتح الفاء وسكون العين من فعل مكسور العين "وصلب" بضم الفاء وسكون العين "وملح" بكسر الفاء وسكون العين "وجنب" بضمهما "وحسن" بفتحهما "وخشن" بفتح الفاء وكسر العين "وشجاع" بضم الفاء "وجبان" بفتحها وهذه السبعة من فعل مضموم العين ولذلك ذكر خشن

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

الالتباس" على تقدير الكسر "بالأمر"؛ أي بأمر باب المفاعلة "أولى" من اختيار الالتباس بماضي المفاعلة "لأن الأمر مأخوذ من المستقبل والفاعل مشابه به" مشابهة تامة فيكون بين الأمر واسم الفاعل مؤاخاة ومناسبة بخلاف الأمر وماضي باب المفاعلة فاختيار الالتباس بين الأمرين المتناسبين أولى من اختيار بين الأمرين المتباينين إذا تعين اختيار أحدهما، ولما فرغ من بيان كيفية بناء اسم الفاعل من الثلاثي المجرد شرع في كيفية بناء الصفة المشبهة فقال: "ويجيء الصفة المشبهة" ولم يجعل لها فصلا على حدة، بل ذكرها في ذيل اسم الفاعل من الثلاثي للمشابهة التامة بينهما كما يذكره فكأنها منه وقدمها على اسم الفاعل من غير الثلاثي؛ لعدم المناسبة بينهما؛ إذ الصفة المشبهة لا تجيء من غير الثلاثي، وعرفوها بأنها اسم اشتق من فعل لازم لمن قام به على معنى الثبوت، قولنا: اسم جنس يشمل جميع الأسماء مشتقة أو غير مشتقة، وقولنا: اشتق من فعل لازم يخرج غير المشتقات ومشتقات الفعل المتعدي، وقولنا: لمن قام به يخرج اسم المفعول اللازم المتعدي بحرف الجر كمعدول عنه وممرور به، واسم الزمان والمكان والآلة، وقولنا: على الثبوت؛ أي الاستمرار يخرج اسم الفاعل اللازم كقائم وقاعد فإنه مشتق من فعل لازم لمن قام به لكن على معنى الحدوث، ويخرج أيضا مثل ضامر وشازب وطالق وإن كان بمعنى الثبوت؛ لأنه في أصل وضعه للحدوث، وذلك لأن صيغة الفاعل موضوعة للحدوث كما بيناه في اسم الفاعل.
واعلم أن المشابهة بينها وبين اسم الفاعل من حيث المعنى ومن حيث اللفظ أما الأول فلأن الصفة المشبهة ما قام بها الحدث المشتق هي منه، فمعنى زيد حسن، زيد ذو حسن، والحسن حدث أى مصدر قائم بزيد كما أن اسم الفاعل محل للحدث المشتق هو منه، فمعنى زيد ضارب زيد ذو ضرب، فلا فرق بينهما معنى إلا من حيث الحدوث فى إحدهما وضعا والثبوت فى الآخر كما عرفت، وأما الثاني فلأن الصفة المشبهة اسم يثنى ويجمع ويذكر ويؤنث، كما كان اسم الفاعل كذلك فلما كانت مشابهة له سميت مشبهة وعملت عمله، ولما كانت صيغة الصفة المشبهة سماعية ومختلفة لا يضبطها قياس بل أمرها يتوقف على المسموع أشار إلى الأمثلة المسموعة بقوله: وتجيء الصفة المشبهة "على هذه الأبنية" أى تجيء على وزن فَعِل بفتح الفاء وكسر العين "نحو فرق" من الباب الرابع بمعنى الجبان "و" على وزن فَعْل بفتح الفاء وسكون العين نحو: "شكس" من الباب الرابع أيضا بمعنى سيئ الخلق، وحكى الفراء رجل وشكس بكسر الكاف وهو القياس؛ لأن ماضيه بالكسر أيضا والجمع شكس بضم الأول وسكون الفاء "و" على وزن فعل بضم الفاء وسكون العين نحو "صلب" من الباب الخامس بمعنى الشديد وكذا الصليب منه "و" على وزن فعل بكسر الفاء وسكون العين نحو "ملح" من الباب الأول وكذا من الباب الخامس يقال هو ماء ملح ولا يقال مالح إلا فى لغة رديئة "و" على وزن فعل بضمتين نحو "جنب"من الباب الخامس من الجانبة سواء فرده وجمعه ومؤنثه ومذكره وربما قالوا فى جمعه أجناب وجنوب "و" على وزن فعل بفتحتين نحو "حسن" من الباب الخامس وهو ضد القبيح والجمع المحاسن غير قياس ومؤنثه حسنة وحسناء أيضا "و" على وزن فعل بفتح الفاء كسر العين نحو "خشن" من الباب الخامس وهو ضد اللين هذا تكرار لما سبق من المثال الاول؛ إذ وزنه هذا الوزن أيضا أجاب عنه بعض الشارحين بأن الأول من الباب الرابع وهذا من الخامس فلا يتكرر، فنقول هذا الجواب ضعيف؛ إذ المقصود بيان أوزان الصفة من أى باب كان لا بيان وزن الصفة من كل باب، وإلا لوجب أن يذكر صفر مثلا من الباب الرابع بمعنى الخالى بوزن ملح لاختلاف ما بينهما، ويؤيد ما ذكرناه إطلاق قوله: وتجيء الصفة المسبهة على هذه الأبنية إلخ وعدم تقييد شيء منها بأنه من الباب كذا، وأما تخصيص أحوال فلعلة يذكرها "و" على وزن فعال بفتح الفاء نحو "جبان" من الباب الخامس من الجبن وهوت ضد الشجاعة يقال: رجل جبين وامرأة جبان فهو مؤنث، وإن جعلته من الباب الأول يكون وزن الصفة فعال بكسر الفاء نحو: جبان فيكون مذكر أو عبارة المصنف تحتملهما "و" على وزن فعال بضم الفاء نحو: "شجاع" من الباب الخامس بمعنى شديد القلب عند البأس وجمعه شجعة وشجعان بكسر

[شرح ديكنقوز]

"وعطشان" بفتح الفاء وسكون العين من فعل مكسور العين "وأحول" بفتح الهمزة والعين وسكون الفاء "وهو"؛ أي وزن أحول "مختص بباب فعل" مكسور العين "إلا ستة" منه فإنها "تجيء من فعل" بضم العين "نحو أحمق وأخرق وآدم وأرعن وأعجف وأسمر، وزاد الأصمعي" على هذه الستة "الأعجم و" قال إنه من فعل بالضم أيضا "قال الفراء: الأحمق من حمق" بكسر العين "وهو لغة في حمق" بضم العين "وكذلك"؛ أي كما أن حمق يجيء بالضم "يجيء خرق وسمر وعجف أعني فعل" بضم العين "لغة فهن"؛ أي في هذه الثلاثة يعني أن أصلها من فعل بالكسر إلا أنها لغة من فعل بالضم "ويجيء أفعل" بفتح الهمزة والعين وسكون الفاء "لتفضيل الفاعل" على غيره وهو المبني على أفعل لزيادة صاحبه على غيره فى المصدر المشتق هو منه فيخرج عنه نحو فاضل وزائد وغالب ويخرج عنه أيضا نحو طائل؛ أي زائد فى الطول على غيره، ويدخل فيه خير وشر لكونهما فى الأصل أخير وأشرر فخففا بالنقل والاستغناء لكثرة الاستعمال، وقد يستعملان على القياس فى لغة رديئة وعليها جاء قولها: صغراها شراها هذا من قول امرأة قالت لحليلها: إني أتماوت فإذا دفنوني فأتني ليلا فأخرجني واذهب بي إلى مكان لا يعرفنا أهله، ثم فعلت المرأة ما قالت وأخرجها الرجل، وانطلق بها أياما إلى مكان آخر ثم تحولت إلى الحي بعد برهة، فبينا هى ذات يوم قاعدة مرت بها بناتها فنظرت إليها الكبرى، فقالت: أمي والله، وقالت لها الوسطى: صدقت والله، قالت المرأة:

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

الشين وسكون الجيم فيهما ومؤنثه شجاعة، وقال أبو زيد: لا توصف به المرأة ولك أن تكسر الشين فتقول: شجاع، وحينئذ يجيء جمعه شجعة بفتح الشين وسكون الجيم، وشجعة بفتحتين "و" على وزن فعلان بفتح الفاء وسكون العين نحو "عطشان" من الباب الرابع معناه ظاهر وجمعه عطشى بفتح العين وسكون الطاء وعطاش بفتح العين وعطاش بالكسر ومؤنثه عطشى أيضا وجمعه عطاش بالكسر فقط، قال ابن الحاجب: تجيء الصفة المشبهة من جميع الأبواب الثلاثية إذا كان بمعنى الجوع والعطش، وضدهما على فعلان كجوعان وشبعان عطشان وريان "و" على وزن أفعل بفتح الهمزة وفتح العين نحو "أحول" من الباب الرابع "وهو"؛ أي هذا الوزن "مختص بباب فعل"بكسر العين ولم يجئ من مفتوح العين ومضمومه "إلا ستة" كلمات فإنها تجيء من فعل بضم العين يعني أن أفعل يجيء قياسا من فعل مكسور العين من الألوان والعيوب والحلي إلا هذه الكلمات، ولا يجيء شيء من الأبنية المذكورة سوى أفعل قياسا من شيء من الأبواب، فلهذا صرح بأنه مختص بباب فعل، ولم يصرح فيما عداه بأنه مختص بكذا قال ابن الحاجب فى كافية التصريف؛ إن كان الماضى المجرد من فعل بكسر العين من الألوان والعيوب والحلي فيبنى على أفعل قياسا ومثله بعض شارحيه بنحو أسود وأعور وأملح "نحو أحمق"؛ أي قليل العقل "وأخرق" وهو ضد الرفيق "وآدم" فى مختار الصحاح؛ الآدم من الناس الاسم والجمع أدمان، والآدم من الإبل الشديد البياض وقليل هو الأبيض والأسود المقلتين يقال: بعير آدم وناقة أدماء "وأرعن" وهو الأحمق ومؤنثه رعناء "وأعجف" العجف الهزال والإنثى عجفاء والجمع عجاف بالكسر على قياس "وأسمر" وهو لون معروف "وزاد الأصمعى"على هذه الستة "الأعجم" يقال فى لسانه عجمة؛ أي عجز لا يقدر على الكلام أصلا، وبهذا سميت البهيمة عجماء؛ لأنها لا تتكلم والأعجم أيضا من لا يفصح ولا يبين كلامه والأنثى عجماء "وقال الفراء" فى جواب هذه السبعة "أحمق من حمق" بالكسر "وهو لغة فى حمق" بالضم فكان أحمق قياسا وفيه بحث؛ لأن حمق إذا كان بالضم يجيء الصفة منه أحمق، وأما إذا كان بالكسر يجيء الصفة منه حمق بفتح الحاء وكسر الميم لا أحمق كذا فى مختار الصحاح، فلا يغني في الجواب كون الكسر لغة فى الضم "وكذلك"؛ أي كما أن حمق بالكسر لغة في حمق بالضم "يجيء خرق وسمر وعجف" بالكسر في الكل كما يجيء بالضم فيه، فالكسر لغة في الضم أيضا، ثم لما أراد تعميم الحكم للكلمات السبعة بعد ذكر أربعة منها قال "أعني فعل" بالكسر "لغة فيهن"؛ أي فى السبعة المذكورة كلها فيكون كل واحد من الكلمات السبعة قياسيا، واعلم أن أبنية الصفة المشبهة ليست منحصرة فيما ذكره المصنف من الأبنية العشرة، بل يجيء أيضا على وزن فعيل مثل: كريم، وعلى وزن فعول بفتح الفاء وتشديد العين نحو: غيور، وعلى وزن فيعل بفتح الفاء وكسر العين نحو: ضيق، وعلى وزن فعول بفتح الفاء نحو: وقور، وعلى وزن فعال بضم الفاء وتخفيف العين نحو: ملاح، ولما فرغ من بيان أبنية الصفة المشبهة شرع في اسم التفضيل فقال: "ويجيء أفعل التفضيل الفاعل"ولم يجعل لها فصلا على حدة أيضا لقوة مشابهته لاسم الفاعل وللصفة المشبهة أيضا، وبيان المشابهة لهما يعرف مما ذكرناه فى الصفة المشبهة مع أن اسم الفاعل فى المشابهة بحسب المعنى كذا قيل، والأشبه أن يقال لما ذكر أن أفعل يجيء للصفة كان مظنة أن يتوهم أن أفعل لا يجيء لغير الصفة فلدفع هذا الوهم قال: ويجيء أفعل لتفضيل الفاعل؛ أي كما يجيء للصفة المشبهة، وعرفوه بأنه اسم اشتق من فعل لموصوف بزيادة على غيره فقولنا: اسم اشتق من فعل يتناول جميع المشتقات من الأفعال، وقولنا: لموصوف بزيادة على غيره يخرج ما عدا اسم التفضيل، قال الفاضل الرضي: وهو ينتقض بنحو: فاضل وغالب وزائد، ولو احترز عن مثله بأن قال: المراد ما اشتق من فعل لموصوف بزيادة على غيره فيه أى فى الفعل المشتق منه لانتقض بنحو: طائل؛ أي زائد في الطول على غيره، والأولى أن يقال هو المبني على أفعل لزيادة صاحبه على غيره في الفعل؛ أي في الفعل المشتق هو منه، ويدخل فيه خير وشر لكونهما في الأصل أخير وأشرر، فخففتا بالحذف لكثرة الاستعمال، وقد يستعملان على القياس.
ا. هـ. كلامه.

[شرح ديكنقوز]

كذبتما ما أنا لكما بأم، ولا لأبيكما بامرأة، فقالت لهما الصغرى: أما تعرفان محياها وتعلقت وخرجت بها، فقالت الأم عند ذلك: صغراها شراها، وإنما يجيء أفعل التفضيل الفاعل بشرط كونه "من الثلاثى" احترز به عن الرباعى المجرد والمزيد فيه فإنه لا يجيء منهما حال كونه "غير مزيد فيه"؛ أي فى الثلاثى بشرط كونه "مما ليس بلون ولا عيب ولا يجيء من المزيد فيه" ولا مما كان فى حكمه من الرباعى المجرد والمزيد فيه "لعدم إمكان محافظة جميع حروفها فى أفعل" إذا لم تحذف منه شيئا وإن حذفت الزوائد فقلت: هو أخرج من استخرج معلا يلتبس بأفعل من الثلاثى؛ أي لم يعلم أن المراد منه كثير الخروج أو كثير الاستخراج "ولا يجيء" أيضا "من لون ولا عيب"؛ أي لا يجيء من عيب على القياس ظاهرا كان العيب أو باطنا، وأما ما جاء من العيوب الباطنة من نحو: أجهل وأحمق وأضل، فهو على غير قياس فعلى هذا لا يحتاج إلى تقييد العيب بالظاهر كيف وقد عد الزمخشري وصاحب اللباب والمصنف وغيرهم أحمق من الشواذ مع أنه من العيوب الباطنة "لأن" الشأن "فيهما"؛ أي فى اللون والعيب "يجيء أفعل للصفة فيلزم الالتباس"؛ إذ لو جاء فيهما أفعل للتفضيل أيضا فقيل: أسود مثلا لم يعلم أن المراد ذو سواد أو زائد في السواد، وإن قصد تفضيل الزائد على الثلاثة وتفضيل اللون والعيب توصل إليه بأشد ونحوه مثل: هو أشد منه استخراجا وأحسن منه بياضا وأحسن دحرجة وأقبح وأقبح عمى

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"من الثلاثي" الذي "غير مزيد فيه" يعني الثلاثي المجرد "مما ليس بلون ولا عيب" لفظة لا زائدة لتأكيد النفي ولما خص أفعل التفضيل بالفاعل" وبالثلاثي المجرد بما ليس بلون ولا عيب وجب عليه أن يبين عدم مجيئه للمفعول، وعدم مجيئه من غير الثلاثي المجرد، وعدم مجيئه من الألوان والعيوب فبين الثاني بقوله: "ولا يجيء" أفعل التفضيل "من" الفعل "المزيد فيه"؛ أي من غير الثلاثي المجرد "لعدم إمكان محافظة جميع حروفها لضمير يرجع إلى المزيد فيه باعتبار الكلمة التي هو يصدق عليها ولهذا أنث "في" بناء "أفعل"؛ لأن أفعل ثلاثي مزيد في أوله همزة للتفضيل، فاستحال محافظة جميع حروف الكلمات الرباعي والخماسية والسداسية في وزن أفعل على تقدير عدم حذف حرف أو حروف منها، وإن حذفت التبس المعنى؛ إذ لو قلت من دحرج مثلا: أدحر بحذف الجيم من آخره لم يعلم أنه من تركيب دحرج، وكذا لو حذفت الهمزة من أخرج وزيدت في أوله همزة التفضيل وقلت: أخرج لم يعلم أن معناه كثير الخروج أو كثير الإخراج، وقس عليه ما عداه، وكل ما ذكر مبني على أنه لا صيغة للتفضيل إلا أفعل، وإنما اقتصروا عليه اختصارا، واعلم أن بناء أفعل من الزوائد مطلقا غير قياس عند الجمهور، وأما عند سيبويه فغير قياس فيما عدا باب الأفعال، وأما في باب الأفعال فمع كونه ذا زيادة قياس عنده، واختار المصنف مذهب الجمهور وبين الثابت بقوله: "ولا" يجيء "من لون ولا عيب؛ لأن فيهما يجيء أفعل للصفة المشبهة" كما ذكرنا "فيلزم الالتباس" بين الصفة والتفضيل على تقدير بناء أفعل منهما للتفضيل أيضا، فإنك إذا قلت: زيد الأسود ولم يعلم أنه بمعنى ذو سواد أو بمعنى الزائد في السواد، وهذا التعليل إنما يتم إذا بين أن أفعل للصفة يقدم بناؤه على أفعل للتفضيل وهو كذلك؛ لأن ما يدل على ثبوت مطلق الصفة مقدم بالطبع على ما يدل على زيادة على الآخر في الصفة، والأولى موافقة الوضع لما بالطبع.
واعلم أنه أجاز الكوفيون بناء أفعل التفضيل من لفظي السواد والبياض خاصة قياسا وقالوا: لأنهما أصلا الألوان ويحتجون أيضا في البياض بقول الراجز: جارية في درعها الفضفاض ... أبيض من أخت بني إياض وقال المبرد: ليس البيت الشاذ بحجة على الأصل المجمع عليه، وفي السواد بقول الآخر؛ لأنت أسود في عيني من الظلم، والبيتان شاذان عند البصريين، واعلم أنه يجب على المصنف أن يقول وأنه لا يجيء من لون ولا عيب ظاهر؛ لأن العيب الباطن يبنى منه أفعل التفضيل نحو: فلان أبلد من فلان وكذا أرعن وأهوج وأخرق وأعجم وأنوك وأحمق وألد وأشكس وأعين وأجهل وغير ذلك، مع أن بعضها يجيء منها أفعل للصفة أيضا كما مر فلا يطرد تعليلة كما لا يطرد دعواه، والحكم بأن كل هذه الأمثلة مع كثرتها شاذ غير معقول وغير واقع في كلامهم، بل الواقع الجواز قياسا، والجواب عنه بأن المراد من العيب العيب الظاهر ليس بشيء؛ لأن قوله فيما سيأتي وأحمق من هبنقة من العيوب شاذ يدل على أن مراده من العيب ما هو عام للظاهر والباطن فافهم، والتحقيق فيه ما ذكره الفاضل الرضي من أنه لا يفعل التفضيل من الألوان والعيوب الظاهرة؛ لأن غالب الألوان يأتي أفعالها على أفعل وأفعال بتشديد اللام فيهما كأبيض وأسود وأحمر واحمار فحمل ما جاء من الثلاثي عليهما في عدم بناء أفعل التفضيل، وأما العيوب المحسوسة فليس الغالب فيها المزيد فيه، بل الغالب الثلاثي، لكن بعض المزيد فيه أكثر استعمالا فيه من غيره كأحول وأعور فإنهما أكثر استعمالا من حول وعور، ولهذا لم تقلب واوهما ألفا حملا على أحول وأعور، وما لم يجئ منه أفعل ولا أفعال كالعرج والعمى لم يبن منه لكون بعضه مما لا يقبل الزيادة والنقصان كالعمى والبواقي محمولة على القسمين في الامتناع، إذا عرفت هذا فاعلم أنك إذا قصدت التفضيل من الأفعال التي تعذر بناء أفعل منها كالرباعيات والمزيدات وكالألوان والعيوب فطريقة أن تبنى أفعل من فعل يصح بناء أفعل منه على حسب غرضك الذي تقصده، ثم جئت بمصادر تلك الأفعال التي امتنع بناء أفعل منها فتنصب على التمييز مثلا: إذا قصدت كثرة الفعل قلت: أكثر دحرجة، وإذا قصدت حسنه قلت: أحسن انتقاشا، وإذا قصدت قبحه قلت: أقبح عورا، وإذا قصدت شدته أشد بياضا، وقس عليه ما عداه

[شرح ديكنقوز]

"ولا يجيء" أفعل "لتفضيل المفعول حتى لا يلتبس" تفضيل المفعول "بتفضيل الفاعل"؛ إذ لو قيل اضرب لم يعلم أن المراد أكثر ضاربية أو أكثر مضروبية "فإن قيل لم لا يجعل على العكس" بأن يجيء أفعل لتفضيل المفعول دون تفضيل الفاعل "حتى لا يلزم الالتباس قلنا: جعله للفاعل أولى" من عكسه "لأن الفاعل مقصود" حيث لم يتم الكلام بدونه "والمفعول فضلة في الكلام"؛ لأن الكلام يتم بدونه فبناؤه للمقصود أولى "وأيضا يمكن التعميم في الفاعل دون المفعول"؛ إذ لا مفعول إلا وله فاعل في الأغلب ولا ينعكس فلو جعلوه حقيقة في المفعول لبقي اسم الفاعل مع أنه أكثر عريا عن معنى التفضيل إلا بالقرينة لعدم اللفظ الدال عليه حقيقة ويبقى كثير من الأفعال بلا تفضيل؛ لأن المفعول لا يجيء من اللوازم والفاعل عام "ونحو أشغل"؛ أي أثر مشغولية "من" امرأة "ذات النحيين"؛ أي الزقين وقصتها معروفة "لتفضيل المفعول وهو"؛ أي فلان "أعطاهم"؛ أي أكثرهم إعطاء للدينار "وأولاهم"؛ أي أكثرهم إيلاء؛ أي إعطاء للمعروف "من الزوائد"؛ لأنهما من المعطي والمولى بضم الميم وكسر العين "وأحمق"؛ أي أكثر حماقة "من هبنقة" اسم رجل وقصته معروفة "من العيوب شاذ لا يقاس عليه

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

وبين الأول بقوله "ولا يجيء" بناء أفعل "لتفضيل المفعول" بعد بنائه لتفضيل الفاعل "حتى لا يلتبس" تفضيل المفعول "بتفضيل الفاعل، فإن قبل لم لا يجعل الأمر على العكس حتى لا يلزم الالتباس" بين تفضيل الفاعل وتفضيل المفعول "قلنا جعله"؛ أي التفضيل "للفاعل أولى" من جعله للمفعول؛ يعني أنهم لو جعلوه مشتركا لالتبس أحدهما بالآخر لاطراده فأرادوا جعله لأحدهما دون الآخر لدفع الاشتباه، فوجدوا جعله للفاعل أقيس وأولى من المفعول "لأن الفاعل مقصود في الكلام"؛ أي لا يفيد الكلام بدونه لكونه مسندا إليه "والمفعول فضلة" في الكلام لإفادته بدونه، فإن قلت: المراد من الفاعل الذي بني أفعل لتفضيله صيغة الفاعل مثل: ضارب والفاعل الذي هو مقصود في الكلام هو الفاعل في الإعراب، وهو ما أسند إليه الفعل مقدما عليه مثل: زيد في قولنا: ضرب زيد فكم بين المعنيين فلم يلزم من كون الثاني مقصودا في الكلام كون الأول كذلك؛ إذ يجوز أن يقال: قتلت الضارب بجعل ضارب مفعولا وفضلة في الكلام، وكذا المفعول الذي هو فضلة في الكلام هو المفعول في الإعراب لا المفعول في الصيغة؛ إذ يجوز أن يقال: جاءني المضروب بجعل المضروب فاعلا، قلت: المراد أن الفاعل في الإعراب لما كان مقصودا والفاعل في الصيغة عليه هو الدال عليه كان مقصودا أيضا وكذا المفعول في الإعراب لما كان فضلة والمفعول في الصيغة هو الدال عليه كان فضلة أيضا، والضارب في قولنا: قتلت الضارب مفعول بالنسبة إلى قتلت فهو مقتول المتكلم، وإن كان بالنسبة إلى الضرب فاعلا والمضروب في قولنا: جاءني المضروب فاعل بالنسبة إلى جاءني فهو جاء، وإن كان مفعولا بالنسبة إلى الضرب "وأيضا يمكن التعميم في" قسم "الفاعل"؛ لأنه لا مفعول إلا وله فاعل في الأغلب، وإنما قلنا في الأغلب احترازا عن نحو مجنون ومبهوت "دون" قسم "المفعول"؛ إذ لا يقال لا فاعل إلا وله مفعول لعدم مجيء المفعول من الفعل اللازم، فلو جعل التفضيل للمفعول لبقي الفاعل مع كونه مقصودا في الكلام وأكثر وأعم من المفعول خاليا عن معنى التفضيل، وهو معنى القياس وترك الأولى لاستلزامه أن يبقى كثيرا من الأفعال بلا تفضيل كما نقل عن سيبويه، ولما بين أن أفعل لا يجيء من المزيد فيه ولا من عيب ولا لتفضيل المفعول، وكان يرد على كل واحد من هذه الأحكام الثلاثة النقض بأمر ينافيه أشار إلى الجواب عنه فقال "و" نحو "أشغل من ذات النحيين" حال كونه "لتفضيل المفعول" وكذا أشهر وأعذر وألوم، وهذا إشارة إلى ما يرد على الحكم الثالث، ومعنى أشغل من ذات النحيين أشد مشغولية من امأة ذات النحيين والنحي بالكسر زق السمن، قيل: هي امرأة من بني تميم كانت تبيع السمن فأتاها ضراب بن جبير الأنصاري يبتاع منها سمنا فلم ير عندها أحدا "و" نحو "هو أعطاهم" للدينار "وأولاهم" للمعروف حال كونهما "من الزوائد" من باب الأفعال وكذا أنت أكرم لي من فلان، وهذا إشارة إلى ما يرد على الحكم الأول، وإنما حكموا بأنهما من الزوائد لعدم بناء الثلاثي منهما؛ إذ لا يقال عطى وولى "و" نحو "أحمق من هبنقة" حال كونه "من العيوب" الباطنة، وهذا إشارة إلى ما يرد على الحكم الثاني، فإن قلت: لِمَ حكمت أن أحمق ها هنا لتفضيل الفاعل فلم لا يجوز أن يكون صفة مشبهة؟ قلت: استعماله بمن يدل على أنه للتفضيل وهبنقة اسم رجل حكي في حماقته أنه اتخذ لنفسه طوقا من عظام ليعرف به نفسه، وفقد وأصبح ذات يوم ورأى ذلك الطوق على أخيه، فقال: يا أخي أنت أنا فمن أنا "شاذ"؛ أي كل ذلك من الأمور الثلاثة خارج عن القياس ففي الكلام لف ونشر غير مرتب فافهم.
واعلم أن شرط أفعل التفضيل أن يبنى من الثلاثي المجرد الذي جاء من فعل تام غير لازم للنفي متصرف قابل معناه للكثرة، فقولنا: جاء منه فعل احترازا عن أيد وأرجل من اليد والرجل؛ فإنه لم يثبت، وقولهم: أحنك الشاتين؛ أي آكلهما من الحنك وأول شاذ، وقولنا: تام احتراز عن الأفعال الناقصة ككان وصار فإنه لا يقال أكون وأصير، وقولنا: غير لازم للنفي احتراز عن مثل ما نبس بكلمة؛ أي ما تكلم؛ فإنه لا يقال هو أنبس منك؛ لئلا يصير مستعملا في الإثبات، وقولنا: متصرف احتراز عن نحو: نعم وبئس وليس، وقولنا: قابل معناه للكثرة احتراز عن نحو: غربت الشمس وطلعت، فلا يقال الشمس اليوم أغرب منها أمس، وهذه الشروط غير ما ذكره المصنف، وقد ذكرها الفاضل الرضي.
ولما فرغ من بيان صيغة الفاعل القياسي مع ما يتعلق به من الصفة المشبهة وأفعل التفضيل شرع في الفاعل الغير قياسي فقال:

[شرح ديكنقوز]

ويجيء اسم الفاعل على" وزن "فعيل نحو نصير" بمعنى ناصر "ويستوي فيه"؛ أي في فعيل "المذكر والمؤنث" في المفرد والتثنية والجمع في جميع الأوقات "إذا كان" فعيل "بمعنى المفعول" وذكر الموصوف "نحو" رجل "قتيل" وامرأة قتيل بمعنى مقتول ومقتولة "و" رجل "جريج" وامرأة جريح بمعنى مجروح ومجروحة، وأما إذا لم يذكر الموصوف فإنهما لا يستويان، بل يفرقان بالتاء خوف اللبس، نحو: مررت بقتيل فلان وقتيلته اكتفى في الالتباس بالفاعل بالقرائن؛ إذ الالتباس بالأقرب أشكل "فرقا"؛ أي يستويان فيه حينئذ للفرق "بين" الفعيل بمعنى "الفاعل و" بينه بمعنى "المفعول" مع أن القرينة حاصلة بالموصوف، ويعلم من هذا أن فعيلا إذا كان بمعنى الفاعل لا يستوي فيه المذكر والمؤنث سواء أجريا على الموصوف أو لا، تقول رجل نصير وامرأة نصير ومررت بنصير زيد أو نصيرة هند، هذا هو الأكثر والأقل أنه لا يلزمة الهاء ولم يعكس؛ لأن الأصل عدم الاستواء فأعطي للفاعل الذي هو الأصل "إلا إذا جعلت الكلمة" أعني فعيلا من عداد الأسماء" وقبيلتها دون الصفات وحينئذ لا يستوي في فعيل الذي بمعنى المفعول المذكر والمؤنث، بل يفرق بينهما بالتاء ليكون دليلا على النقل من الوصفية إلى الاسمية، وإن كان الموصوف مذكرا نحو: كبش ذبيح ونعجة "ذبيحة" وصبي لقيط "و" صبية "لقيطة" فذبيح اسم لحيوان مذبوحه وعلى هذا ونظيره إطلاق أحمر على شخص له حمرة وإرادة أنه شخص ذو حمرة، ويجوز إطلاقه على شخص آخر له حمرة فيكون حينئذ صفة وتسمية شخص له حمرة بالأحمر وإرادة ذلك الشخص الأحمر، فحينئذ لا يجوز إطلاقه على شخص له حمرة بهذا الوضع فيكون اسما "وقد شبه به"؛ أي بالفعيل الذي بمعنى المفعول "ما"؛ أي الفعيل الذي "هو بمعنى فاعل" فيستوي فيه المذكر والمؤنث لموافقته له في اللفظ نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ و"نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بمعنى قارب والقياس أن يقال قريبة؛ لأنه مسند إلى ضمير الرحمة، وقيل إن قريبا هنا إنما ذكر؛ لأن رحمة مصدر والمصدر المؤنث يجوز تذكيره حملا على لفظ آخر في معناه، فالرحمة بمعنى الترحم أو بمعنى ذو رحمة أو لأن في الكلام حذفا؛ أي أن رحمة الله شيء قريب أو أثر رحمة الله قريب هذا على الأكثر، وأما على الأقل فلا حاجة إلى التأويل "ويجيء" على وزن "فعول للمبالغة"؛ أي لمبالغة الفعل وتكثيره "نحو منوع" بمعنى كثير المنع "ويستوي فيه"؛ أي في فعول "المذكر والمؤنث إذا كان" فعول "بمعنى فاعل" وذكر الموصوف "نحو امرأة صبور ورجل صبور" بمعنى صابرة ورجل صبور بمعنى صابر

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

ويجيء اسم الفاعل من الثلاثي المجرد "على" وزن "فعيل" فلا يستوي فيه المذكور والمؤنث سواء ذكر موصوفه أو لا، بل يفرق بينهما بتاء التأنيث للمؤنث "نحو نصير" ونصيره عملا بالأصل؛ إذ الأصل التمييز وعدم الالتباس "ويستوي فيه"؛ أي فعيل "المذكر والمؤنث" بترك التاء في المؤنث أيضا "إن كان" فعل "بمعنى المفعول" لا مطلقا بل عند ذكر موصوفه "نحو" رجل "قتيل وجريح" بمعنى مقتول ومجروح وامرأة قتيل وجريح بمعنى مقتولة ومجروحة، وأما إذا لم يذكر الموصوف فيه فالتمييز بينهما بالتاء لازم "فرقا بين الفعيل" الذي "بمعنى الفاعل و" بين الذي بمعنى "المفعول" يعني لو لم يسو بين المذكر المؤنث، بل فرق بينهما بالتاء فقيل: مررت بامرأة قتيلة لم يعلم أنها بمعنى قاتلة وبمعنى مقتولة، وإذا ترك التاء في فعيل يعني مفعول في المؤنث علم أنها بمعنى الفاعل، وإذا قيل بامرأة قتيلة علم أنه بمعنى المفعول فلم يلتبس أحدهما بالآخر، فإن قيل: لِمَ لَمْ يعكس الأمر أجيب بأن الفاعل أصل بالنسبة إلى المفعول والفرق بالتاء أيضا أصل فأعطى الأصل للأصل قوله: "إلا إذا جعلت الكلمة" التي على وزن فعيل "من عداد الأسماء" استثناء من قوه ويستوي فيه المذكر والمؤنث إذا كان بمعنى فعول والمراد من كون الكلمة من عداد الأسماء أن لا يعتبر وصفتيه، بل جعل كأنه اسم لشيء كالأسماء الجامدة "نحو" ناقة "ذبيحة" فالذبيح يستعمل كثيرا اسما لما يذبح من الشاة والإبل، فغلبت الاسمية على الوصفية فصار كأنه اسم لا وصف فلذلك لا يستوي فيه المذكر والمؤنث، بل يفرق بالتاء كما لا يستوي في سائر الأسماء "و" امرأة "لقيطة" واللقيطة اسم أيضا لما يلتقط، في الصحاح اللقيط منبوذ يلتقط، والمنبوذ الصبي تلقيه أمه في الطريق فلما غلبت الاسمية وجب الفرق بالتاء كسائر الأسماء "وقد يشبه" بصيغة المجهول من باب التفعيل "به"؛ أي بالفعيل الذي هو بمعنى مفعول "ما"؛ أي الفعيل الذي "هو بمعنى فاعل" في الصورة فلم يفرق بين المذكر والمؤنث كما لا يفرق فيه "نحو" قريب في "قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ والقياس قريبة؛ لأنه مسند إلى ضمير الرحمة "ويجيء فعول للمبالغة" سواء كان بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، والمراد بالمبالغة التكثير وتكرير أصل الفعل، وفي بعض النسخ ويجيء على فعول؛ أي يجيء اسم الفاعل على وزن فعول وهذا أولى؛ لأنه يناسب قوله فيما سبق ويجيء الفاعل على فعيل ويناسب لما سيأتي أيضا من قوله ويجيء للمبالغة "نحو منوع" لكثير المنع وضروب لكثير الضرب "ويستوي فيه"؛ أي فعول "المذكر والمؤنث إذا كان" فعول "بمعنى فاعل" بترك التاء في المؤنث أيضا لكن لا مطلقا، بل عند ذكر موصوفه "نحو امرأة صبور"؛ أي صابرة كما يقال رجل صبور؛ أي صابر ولا يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا كان بمعنى المفعول سواء ذكر موصوفه أو لم يذكر، بل يفرق

[شرح ديكنقوز]

اكتفاء في الفرق بين المذكر والمؤنث بالموصوف، واكتفاء بالقرائن في الفرق بين الفاعل والمفعول على قياس ما ذكر في الفعيل، وأما إذا لم يذكر الموصوف فلا يستوي فيه لئلا يقع الالتباس بين المذكر والمؤنث "ويقال في فعول بمعنى المفعول نحو: ناقة حلوب" وحلوبة بالتاء في المؤنث وذكر الموصوف أولا فرقا بين المذكر والمؤنث، وأما الفرق بين الفاعل والمفعول فموكول إلى القرائن كما في فعول بمعنى الفاعل إذا ذكر الموصوف، ولما كان الغرض الفرق بين المذكر والمؤنث بدخول التاء في المؤنث اكتفى في صور عدم الاستواء بذكر أمثلة المؤنث نحو: ذبيحة ولقيطة وحلوبة؛ إذ يلزم فيه بقاء المذكر على حاله "فأعطي الاستواء" بين المذكر والمؤنث "في فعيل" إذا ذكر الموصوف "للمفعول" الاستواء لأحدهما وعدم الاستواء للآخر فيهما ولم يعكس؛ لأن في الفعول ثقلا لاشتماله على الضمة والفاعل كثير الاستعمال لجريانه في الأفعال كلها والخفة فيه مطلوبة، ولا شك أن الاستواء خفة فأعطي لما هو كثير الاستعمال "ويجيء للمبالغة" في الفعل من الفاعل قوله: "نحو صبار" فاعل يجيء بفتح الصاد وتشديد العين "وسيف مجزوم" بكسر الميم وسكون الفاء وفتح العين أو بالجيم والخاء المعجمة والحاء الغير المعجمة وبالذال المعجمة في الكل، ومعناه واحد وهو القطع "وهو"؛ أي وزن مجزم "مشترك بين الآلة" كالمثقب، ولهذا ذكر السيف ليتعين كونه مثالا للمبالغة "وبين مبالغة الفاعل" كمجزم "وفسيق" بكسر الفاء وتشديد العين "وكبار" بضم الفاء وتخفيف العين كعجاب "وطوال" بضم الفاء وتشديد العين وهذا مشترك بين الجمع المذكر المكسر لاسم الفاعل وبين مبالغة الفاعل، ولم يذكر اشتراكه بينهما اكتفاء بإرشاده إليه في المجزم مع اشتهار أمره في الجميع "وعلامة ونسابة" بفتح الفاء وتشديد العين فيهما، وأورد مثالين إشارة إلى كثرة استعمال هذا الوزن بالنسبة إلى أخواتها التي بالتاء، ونحو: صبار لشهرة كثرة أمره في كثرة استعماله لم يحتج إلى الإشارة إليها "وراوية" بكسر العين "وفروقه" بفتح الفاء وضم العين "وضحكة" بضم الفاء وفتح العين "وضحكة" بضم الفاء وسكون العين لمبالغة اسم المفعول، والأولى تأخيره عن أوزان مبالغة اسم الفاعل أجمع إلا أنه لما ناسب ضحكة بالفتح أورده عقيبه "ومجذامة ومسقام ومعطير"

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"ويقال في" فعول الذي يراد به "المفعول ناقة حلوبة"؛ أي محلوبة وبعير حلوب؛ أي محلوب "فأعطي الاستواء" بين المذكر والمؤنث "في فعيل للمفعول"؛ أي للفعيل الذي بمعنى المفعول "و" أعطي "في فعول للفاعل"؛ أي للمفعول الذي بمعنى الفاعل "طلبا للعدل" بين الفعيل والمفعول في الاستواء وعدمه، وهذا التعليل إنما يتم إذا بين أن فعيلا يقدم بناؤه على فعول وهو كذلك؛ لأن فعيلا كما يجيء للمبالغة يجيء لمطلق الاتصاف بالفعل من غير مبالغة وفعولا لا يدل إلا على زيادة اتصاف بالفعل لبنائه على المبالغة، والأول مقدم بالطبع على الثاني والأولى موافقة الوضع لما هو بالطبع، وقد مر نظيره في أفعل التفضيل، واعلم أن ذكر كون الفعيل بمعنى المفعول وكون الفعول بمعنى المفعول لمناسبة اشتراك الصفتين بين الفاعل والمفعول وإلا لما ذكر المفعول في فصل الفاعل "ويجيء" اسم الفاعل "للمبالغة" سماعا، ولهذا لم يذكر له ضابطه، بل بادر إلى الأمثلة فيجيء على وزن فعال بفتح الفاء وتشديد العين "نحو صبار"؛ أي كثير الصبر "و" على وزن مفعل بكسر الميم وفتح العين نحو "سيف مجزم" من الباب الرابع؛ أي سريع القطع "وهو"؛ أي أن مجزم "مشترك بين اسم الآلة" نحو منقب "وبين مبالغة الفاعل و" على وزن فعيل بكسر الفاء وتشديد العين "نحو فسيق" من الباب الخامس؛ أي دائم الفسق "و" على وزن فعال بضم الفاء وتشديد العين نحو "كبار" من الباب الخامس "و" كذا "طوال" من الباب الأول مبالغة الطويل "و" على وزن فعالة بفتح الفاء وتشديد العين نحو "علامة" من الباب الرابع؛ أي عالم جدا "ونسابة" من الباب الثاني؛ أي عالم بالأنساب والهاء في الأول للمبالغة في العلم، وفي الثاني للمبالغة في المدح؛ أي في مدح من يعلم الأنساب "و" على وزن فاعلة بكسر العين نحو "راوية" من الباب الثاني من روى الحديث والشعر والهاء للمبالغة "و" على وزن فعولة بفتح الفاء نحو "فروقة" من فرق بمعنى خاف والهاء للمبالغة.
فإن قلت: ما معنى كون الهاء للمبالغة في علامة ونسابة وفروقة مع أن الصيغة فيها بدون الهاء للمبالغة؟ قلت: بوجهين أحدهما أنه إذا أريد إدخال الهاء للمبالغة جردت الصيغة عن معنى المبالغة فأدخل الهاء، والثاني أن معنى المبالغة لا يكون له حد معين فإذا كانت الصيغة للمبالغة وجدت فيها أصل المبالغة، فإذا أدخل هاء المبالغة عليها زاد المبالغة فيها فيكون الهاء له لزيادة المبالغة وهي منها "و" على وزن فعلة بضم الفاء وفتح العين نحو "ضحكة"؛ أي كثير الضحك "و" على وزن فعلة بضم الفاء وسكون العين نحو "ضحكة"؛ أي رجل يضحك منه "و" على وزن مفعالة بكسر الميم وسكون الفاء نحو "مجذامة"؛ أي كثير القطع والكلام في هائها كالكلام في هاء فروقة؛ إذ هذه الصيغة تجيء للمبالغة بغيرها أيضا كما ذكرها بقوله: "ومسقام"؛ أي كثير السقم، وهذا البناء للآلة أيضا نحو: مفتاح ومقراض كما سيجيء "و" على وزن مفعيل بكسر الميم والعين وسكون الفاء نحو "معطير"؛ أي كثير العطر؛ أي الطيب والستة الأخيرة كلها من الباب الرابع

[شرح ديكنقوز]

بكسر الميم ويكون الفاء في الثلاثة "ويستوي المذكر والمؤنث في التسعة الأخيرة" وهو من علامة إلى معطير، إلا أنه في السبعة الأول بالتاء في المذكر والمؤنث، وفي الأخيرين بدون التاء فيهما "لقلتهن" في الاستعمال، فإنها تقتضي أن لا يكون الموصوف بها على الأصل الذي هو عدم الاستواء، ويعلم منه أن غيرها على الأصل الذي هو الفرق بالتاء بين المذكر والمؤنث "وأما قولهم مسكينة" بالتاء في المؤنث مع أنه على وزن معطير وهو من التسعة الأخيرة "فمحمول على فقيرة" حمل النظير على النظير؛ لأنه بمعناه وهذا "كما" حمل النقيض على النقيض وقالوا "هي عدوة الله" بالتاء "وإن لم تدخل الهاء"؛ أي التاء أطلق عليها الهاء لصيروتها هاء في الوقف "في فعول الذي للفاعل حملا له على صديقة" بفتح الصاد وتخفيف الدال، فإنه فعيلة بمعنى الفاعل، وقد سبق أن الهاء يدخل عليه، وإنما حملوه عليه "لأنه"؛ أي صديقة "نقضية"؛ أي عدوة في المعنى؛ لأنه ما ليس بعدوة "وصيغته"؛ أي صيغة اسم الفاعل "من" باب "غير الثلاثي" المجرد؛ أي مما يكون حروفه زائدة على ثلاثة أحرف مطلقا "على صيغة المستقبل"؛ أي مستقبل ذلك الباب كائنة "بميم مضمومة" موضع حرف المضارعة بعد حذفه "وكسر ما قبل الآخر" لفظا "نحو مكرم" أو تقديرا نحو مختار ومحمر تبعا لمستقبله فيما إذا كان المستقبل مكسور العين وتبعا لمكسور العين فيما لم يكن المستقبل فيه مكسور العين كمتدحرج ومتضارب ومتكسر "فاختير الميم" للزيادة "لتعذر" زيادة "حروف العلة" التي هي الأولى بالزيادة، أما الواو فلأنها لا تزاد في الأول كما مر، وأما الياء فلعدم الفائدة في زيادتها؛ إذ لا معنى لحذف الحرف ثم الإتيان بمثله ولو فعله يلزم الالتباس، وأما الألف فللالتباس بالمتكلم "وقرب الميم من الواو في كونها شفويا وضم الميم"؛ إذ لا مجال للكسر؛ لأن الحرف الذي أقيم هو مقامه؛ أعني حرف المضارعة إما مضموم كما في الرباعيات أو مفتوح كما في الخماسيات والسداسيات، فالوجه أن يضم أو يفتح، فاختير الضم دون الفتح "للفرق بينه"؛ أي بين اسم الفاعل "وبين" اسم "الموضع"؛ إذ لو فتح لالتبس باسم المكان من الثلاثي المجرد المكسور العين "ونحو: مسهب للفاعل على صيغة المفعول" والقياس مسهب بكسر ما قبل الآخر؛ لأنه "من أسهب ويافع" على وزن فاعل والقياس موفع بضم الميم وكسر ما قبل الآخر؛ لأنه "من أيفع شاذ" لا يقاس عليه "وبني ما قبل تاء التأنيث على الحركة في نحو ضاربة"؛ أي إذا اتصل بآخر اسم الفاعل مطلقا تاء التأنيث كضاربة ومكرمة مع أن اسم الفاعل معرب وقوله: "لأنه"؛ أي ما قبل تاء التأنيث "صار بمنزلة وسط الكلمة" باتصال التاء به والإعراب لا يجري في الوسط، فبني تعليل للبناء لا للبناء على الحركة "كما" كان آخر الكلمة "في" اتصال "نون التأكيد به" نحو اضربن "و" اتصال "ياء بالنسبة" نحو: بصرى بمنزلة وسط الكلمة مبني وإنما بني على الحركة مع أن الأصل في البناء السكون لعروض البناء "و" بني "على الفتحة للخفة".

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"ويستوي المذكر والمؤنث في التسعة الأخيرة" وهي من قوله علامة إلى معطير، فيقال رجل علامة ومعطير امرأة علامة ومعطير، فالتاء وعدمه سيان معنى وإن كان للتأنيث لفظا وقس عليهما الباقية "لقلتهن" في الاستعمال، ولما توجه أن يقال إن مسكينا لا يستوي فيه المذكر والمؤنث، بل يقال: امرأة مسكينة مع أنه بوزن معطير أجاب بقوله: "وأما قولهم مسكينة فمحمول على فقيرة" الفقير من له أدنى شيء والمسكين من لا شيء له قال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ فقال: لا والله بل مسكين، وقيل هما من لا شيء له يعني أن فعيلا إذا كان بمعنى الفاعل يفرق بين مذكره ومؤنثه بالتاء كما مر، وفقير فعيل بمعنى الفاعل فيكون مؤنثه بالتاء، ومسكين وإن كان بوزن معطير لكنه نظير لفقير بحسب المعنى فحمل في الفرق بالتاء، فكما يقال: امرأة فقيرة يقال: امرأة مسكينة، وقد يستعمل على القياس المذكور، فيقال: امرأة مسكين كذا في مختار الصحاح "كما قالوا هي عدوة الله" بإدخال الهاء "وإن لم تدخل الهاء في فعول الذي للفاعل" كما سبق "حملا على صديقة" يعني أن صديقة فعيل بمعنى الفاعل وهو حينئذ يفرق مؤنثه بالهاء فحمل عليه عدوة مع أنها فعول بمعنى الفاعل وهو لا يفرق "لأنه"؛ أي عدوة "نفضية"؛ أي نقيض صديقة بحسب المعنى، فكما يحمل النظير على النظير يحمل النقيض على النقيض "وصيغته"؛ أي صيغة اسم الفاعل "من غير الثلاثي" المجرد يجيء "على صيغة المستقبل" المبني للفاعل قياسا "بميم مضمومة" في موضع حرف المضارعة "وكسر ما قبل الآخر" إن لم يكن مكسورا في الأصل "نحو مكرم" ومدحرج ومتدحرج وربما كسر الميم في باب الأفعال إتباعا للعين أو يضم عينه إتباعا للميم فيقال: في منتن من أنتن منتن بكسر الميم ومنتن بضم التاء "فاختير الميم" موضع حرف المضارعة بعد حذفه مع أن الأولى بالزيادة حروف العلة "لتعذر حرف العلة" أما الواو؛ فلأنها لا تزاد في أول الكلمة كما مر، ولو قلبت تاء لالتبس بالمضارع المخاطب، وأما الألف؛ فلأنها لو زيدت التبس بالمضارع المتكلم وحده، وأما الياء؛ فلأنها لو زيدت التبس بالمضارع الغائب "وقرب الميم من الواو" التي هي من حروف العلة "في كونها شفوية" فكان كأنه من حروف العلة "وضم الميم" مع أن الفتح أخف "للفرق بينه وبين" اسم "الموضع" من الثلاثي المجرد المكسور العين نحو: مضرب ولم يعكس؛ لأن الثلاثي أصل والفتح أيضا أصل، فاختير الأصل بالأصل تخفيفا ولم يكسر أيضا مع أن الكسر خفيف بالنسبة إلى الضم للفرق بينه وبين اسم الآلة قوله: "ونحو: مسهب للفاعل بصيغة المفعول من أسهب" إلى قوله: شاذ جواب سؤال مقدر تقديره ظاهر يعني المسهب بضم الميم وفتح الهاء فاعل من أسهب، والقياس بكسر الهاء في الصحاح أسهب الرجل؛ أي أكثر الكلام فهو مسهب بفتح الهاء، ولا يقال بكسر الهاء وهو نادر فبطل ما قيل مسهب بفتح الميم والقياس بالضم فهو شاذ، وكذا محصن بفتح الصاد من أحصن والقياس بالكسر، "ويافع من أيفع" بالياء لا بالنون يقال: أيفع الغلام؛ أي ارتفع والقياس موفع، وكذا عاشب ووارس من أعشب وأورس، والقياس معشب ومورس "شاذ"؛ أي كل ما ذكرنا خارج عن القياس "ويبنى ما قبل تاء التأنيث على الفتح في نحو ضاربة" وكذا في مكرمة ومدحرجة

[شرح ديكنقوز]

فصل: في اسم المفعول

: سمي العلم المفعول مع أن اسم المفعول في الحقيقة هو المصدر؛ لأن المراد المفعول به يقال: فعلت به الضرب؛ أي أوقعته عليه، لكنه حذف حرف الجر فصار الضمير مرفوعا فاستتر؛ لأن الجار والمجرور كان مفعول ما لم يسم فاعله "وهو اسم" جنس شامل لغير المقصود "مشتق" فصل يخرج الأسماء الغير المشتقة "من يفعل"؛ أي من المضارع مبنيا للمفعول يخرج اسم الفاعل والصفة المشبهة وأفعل التفضيل والفاعل وأسماء الزمان والمكان والآلة، وإنما اشتق من المضارع دون غيره تبعا لاسم الفاعل لمؤاخاة بينهما وقوله: "لمن وقع عليه الفعل" أو جرى مجرى الواقع عليه نحو: أوجدت ضربا فهو موجد وعلمت عدمت خروجك فهو معلوم يخرج أسماء التفضيل بمعنى المفعول، نحو: أعذر وألوم؛ لأن اشتقاقه من يفعل مبنيا للمفعول، لكن ليس باعتبار وقوع الفعل، بل باعتبار اتصافه بالزيادة على الغير وإن كان واقعا عليه أو نقول هذا القيد لتحقق الماهية لا للاحتراز "وصيغته من الثلاثي" المجرد "على وزن مفعول" غالبا، وإنما ترك هذا القيد اعتمادا على ما سبق من أن فعيلا وفعولا يجيء بمعنى مفعول، وإنما سمي به؛ لأنه اسم ما فعل به على قياس ما ذكرنا في اسم الفاعل "نحو مضروب وهو مشتق من يضرب" مبنيا للمفعول "لمناسبة بينهما" في الإسناد إلى مفعول ما لم يسم فاعله "وأدخل الميم مقام" الحرف "الزائد" للمضارعة بعد حذفه وحركة بحركة لكونه قائما مقامه "لتعذر" إدخال "حرف العلة" لما ذكرنا في اسم الفاعل من غير الثلاثي، وقرب الميم من الواو في المخرج الشفوي "فصار مضرب" بضم الميم وفتح الراء "ثم فتح حتى يلتبس بمفعول باب الأفعال" ولم يكسر لئلا يلتبس باسم الآلة "فصار مضرب" بفتح الميم والراء "ثم ضم الراء حتى لا يلتبس بالموضع" من يفعل ويفعل بفتح العين وضمها على تقدير فتح الراء وبالموضع من يفعل بكسر العين على تقدير كسرها "فصار مضرب ثم أشبع الضم لانعدام مفعل في كلامهم بغير التاء" وأما مفعلة بالتاء نحو مكرمة فكثير في كلامهم فتولد منها الواو "فصار مضروب وغير مفعول الثلاثي دون مفعول سائر الأفعال"

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

ومستخرجه "لأنه" أى ما قبل تاء التأنيث "صار بمنزلة وسط الكلمة" فكما لا يعرب وسط الكلمة كذلك ما هو بمنزلته "كما في نون التأكيد"؛ أي كما يبني ما قبل نون التأكيد "وياء النسبة" لصيرورته بمنزلة الوسط "وعلى الفتح للخفة" ولكون البناء عارضا والله أعلم "فصل: في اسم المفعول.
وهو اسم مشتق من يفعل"؛ أي المضارع المجهول "لمن وقع عليه الفعل" قوله: مشتق يشمل جميع الأسماء المشتقات، قوله: من يفعل يخرج اسم الفاعل؛ لأنه مشتق من المضارع المعلوم، وقوله: لمن وقع عليه الفعل يخرج اسم المكان والزمان والآلة، ولو لم يخرج الفاعل بالقيد الأول يخرج به، لكنه أسند خروجه إليه لتقدمه وليستقل كل قيد بإخراج شيء لا يقال لو قال من المضارع المجهول بدل من يفعل لكان أشتمل؛ لأنا نقول لم يرد بهذا القيد تخصيص اشتقاق اسم المفعول بالثلاثي، بل أراد بيان اشتقاقه من المجهول فاتفق هذا اللفظ لخفته وأصالته تدبر "وصيغته من الثلاثي" المجرد "على وزن مفعول" غالبا قيل به سمي لكثرة الثلاثي "نحو مضروب" ومحبوب، وقد يجيء على وزن فعيل كعظيم، وعلى وزن فعول كشكور "وهو"؛ أي مضروب "مشتق من يضرب" بصيغة المجهول لا من يضرب بصيغة المعلوم "لمناسبة بينهما"؛ أي بين المجهول والمفعول في الحركات والسكنات وعدد الحروف؛ لأن أصل مضروب مضرب بضم الميم وفتح الراء ثم غير للالتباس المذكور، وقيل من حيث إنهما يسندان إلي مفعول ما لم يسم فاعله قوله: "فأدخل الميم" شروع في كيفية اشتقاقه من المضارع المجهول؛ أي زيدت الميم لاسم المفعول "مقام" الحرف "الزائد" بعد حذفه مع أن أولى الحروف بالزيادة حروف العلة "لتعذر" زيادة "حرف العلة" كما ذكرنا في اسم الفاعل من غير الثلاثي "فصار مضرب" بضم الميم وفتح الراء "ثم فتح الميم حتى لا يلتبس" مفعول الثلاثي المجرد "بمفعول باب الأفعال" نحو: مكرم وقيل حتى لا يتوالى ضمتان بعدهما واو "فصار مضرب" بفتح الميم والراء "ثم ضم الراء حتى لا يلتبس المفعول بالموضع" من الثلاثي المفتوح العين نحو: منصر ولو كسر التبس بالموضع من الثلاثي المكسور العين نحو: مضرب، ولو أسكن التقى ساكنان فتعين الضم "فصار مضرب" بضم الراء "ثم أشبع الضمة"؛ أي ضمة الراء" لانعدام مفعل" بضم العين "في كلامهم بغير التاء" كذا قال الفراء، وإنما قلنا كذلك احترازا عن مثل: مكرمة بفتح الميم وضم الراء واحدة المكارم وكذا المسرقة والمقبرة "فصار" اسم المفعول "مضروب" ولما توجه أن يقال لم خص التغير باسم المفعول من الثلاثي لدفع الالتباس دون مفعول باب الأفعال والموضع مع أن القياس يدفع بتغيرهما أيضا أجاب بقوله: "وغير مفعول الثلاثي" المجرد "دون مفعول سائر الأفعال" ولو قال دون مفعول باب الأفعال لكان أوفق لقوله، ثم فتح الميم حتى لا يلتبس بمفعول باب الأفعال

[شرح ديكنقوز]

أي باقي الأفعال في الألتباس على تقدير ضم الميم؛ أعني مفعول باب الأعال فتدبر "و" دون "الموضع"؛ أي لم يغير الموضع؛ إذ يلتبس به على تقدير فتح الراء وكسره مع أن بتغيير أحدهما يزول الالتباس "حتى يصير" مفعول الثلاثي "مشابها في التغيير باسم الفاعل" من الثلاثي "أعني غير الفاعل" من الثلاثي "من يفعل" بفتح العين "ومن يفعل" بضمها "إلى فاعل والقياس فاعل" بفتح العين من يفعل بفتح العين "وفاعل" بضم العين من مضموم العين يعني أن اسم الفاعل في الثلاثي، وإن كان مثل يفعل في مطلق الحركات والسكنات، لكنه ليس الزيادة في موضع الزيادة ولا الحركات في أكثرها كحركاته، نحو: ينصر فهو ناصر ويحمد فهو حامد ففيه تغيير، وأما اسم الفاعل من باب الأفعال فهو كمضارعه في كون الزيادة في موضع الزيادة وفي حركة العين فلا تغيير فيه " فغير المفعول"من الثلاثي "أيضا" كالفاعل "لمؤاخاة بينهما"؛ أي بين الفاعل والمفعول في تعلق الفعل بهما إما من جهة الصدور كما في الفاعل، وإما من جهة الوقوع كما في المفعول فيكون بين اسميهما أيضا فغير أحدهما كما غير الآخر على ما هو مقتضى المؤاخاة "وصيغته"؛ أي صيغة اسم المفعول "من غير الثلاثي المجرد" مطلقا "على صيغة" اسم "الفاعل" منه ملتبسا؛ لأنه "بفتح ماقبل الآخر" لفظا أو تقديرا تبعا لفعله "نحو مستخرج" بفتح العين ومختار أصله مختير بفتح العين والمصدر الميمي واسم الزمان والمكان من غير الثلاثي على صيغة اسم المفعول منه لمشابهة الزمان والمكان بالمفعول في كونهما محلا للفعل، فجعل اسمهما كاسمه واتحاد المصدر الميمي باسمهما في بعض الثلاثي، فجعل صيغته كصيغتهما.

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"و" دون "الموضع" وإن زال الالتباس بتغييرهما أيضا "حتى يصير" اسم المفعول من الثلاثي المجرد "مشابها في التغيير باسم الفاعل منه أيضا" وتحقيق هذا الكلام هو أن القياس في اسم المفعول من الثلاثي المجرد أن يكون على وزن مضارعه، كما في اسم الفاعل، ويقال: من يضرب مضرب بضم الميم وفتح الراء، لكنهم لما أداهم حذف الهمزة في باب الأفعال إلى كون مفعوله مفعل بضم الميم وفتح العين يلزم الالتباس فقصدوا تغيير أحدهما لدفعهما، فغيروا مفعول الثلاثي لما ثبت التغيير في أخيه، وهو اسم الفاعل من الثلاثي أيضا دون مفعول باب الأفعال لعدم التغيير في أختيه وهو اسم الفاعل من هذا الباب أيضا، والتغيير في اسم الفاعل من الثلاثي من وجهين؛ أحدهما أنه وإن كان كمضارعه في مطلق الحركات والسكنات، لكنه ليس الزيادة فيه في موضع الزيادة في المضارع، وهو ظاهر بخلاف فاعل باب الأفعال، والثاني أن الحركات في أكثره ليس كحركة مضارعه كما في مضموم العين، نحو: ينصر وناصر، وكما في المفتوح العين نحو: يعلم وعالم بخلاف الفاعل من باب الأفعال؛ إذ مكرم بوزن يكرم من غير فرق غير أن الميم أقيم مقام الياء، وهذا الوجه الثاني هو معنى قوله: "يعني غير الفاعل من يفعل" بفتح العين "ويفعل" بضم العين "إلى" وزن "فاعل" بالكسر؛ يعني كسر العين في اسم الفاعل الثلاثي سواء كان مفتوحا في الأصل أو مضموما "لقياس" من مفتوح العين "فاعل" بفتح العين "و" من مضموم العين "فاعل" بضم العين "فغير المفعول" من الثلاثي المجرد دون مفعول أفعل "أيضا"؛ أي كالفاعل من الثلاثي "لمؤاخاة بينهما"؛ أي بين الفاعل والمفعول من الثلاثي في أنهما مشتقان من المضارع الثلاثي، وفي كونهما طرفي الفعل طرف الصدور وطرف الوقوع، هذا ما قال في شرح المفصل، وإنما غير مفعل إلى لفظ مفعول؛ لأنه لو بقي على مفعل بضم الميم وفتح العين لم يعلم أهو اسم مفعول لأفعل أو لفعل، فغيروا مفعول فعل ليتبين، وكان أولى بالتغير بهذه الزيادة لقلة حروفه في التقدير بخلاف الرباعي؛ فإنه أكثر منه تقديرا؛ إذ أصل قولك: مكرم مؤكرم باتفاق، ولما زادوا واوا فتحوا الميم تخفيفا إلى هنا عبارته، ولما فرغ من بيان كيفية بناء اسم المفعول من الثلاثي المجرد شرع في كيفية بنائه من غير الثلاثي فقال: "وصيغته من غير الثلاثي" المجرد لا يجيء "على صيغة" اسم "الفاعل" من غير الثلاثي أيضا فلا يفرق بينهما "إلا فتح ما قبل الآخر" إما لفظا أو تقديرا ليتناول مثل: مختار ومجاب "نحو مستخرج" بفتح الراء وقس عليه ما عداه، ونحوه مضعوف من أضعفت الشيء؛ أي جعلته مضاعفا شاذ والقياس مضعف.
"فصل: في اسمي الزمان والمكان:

[شرح ديكنقوز]

"فصل: في اسمي الزمان والمكان":

من الثلاثي المجرد ولم يذكر اسمي الزمان والمكان من غير الثلاثي المجرد؛ لأن الغرض بيان الأبنية وتفضيل أحوالها وأحكامها، وكيفية أخذ بعضها من بعض ولما لم يكن لاسمي الزمان والمكان من غير الثلاثي أحوال وأحكام وتفاصيل، بل كان صيغتهما منه على صيغة اسم المقعول منه كما ذكرنا، لم يحتج إلى ذكرهما مع أن ظهور المناسبة بين المفعول والزمان والمكان استدعت حمل اسميهما على اسم المفعول وأغنت عن ذكرهما، كما أغنى اتحاد المصدر الميمى في بعض الثلاثي معهما عن ذكر صيغته من غير الثلاثي بسبب استدعاء حمله عليهما "اسم المكان اسم مشتق من يفعل" على صيغة المبني للفاعل من المستقبل؛ لأنه لما كان اختلاف صيغته باعتبار اختلاف حركة عين المضارع، والاختلاف في عين المضارع إنما يكون في المبني للفاعل دون المبني للمفعول؛ لأن عينه مفتوح أبدا تعين أن يكون مشتقا من المبنى للفاعل، ولهذا الوجه اشتق من المضارع دون غيره

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"فصل: في اسمي الزمان والمكان: اسم المكان اسم مشتق من يفعل" على صيغة المعلوم

[شرح ديكنقوز]

"لمكان وقع فيه الفعل" يخرج به غير المحدود، وخص تعريف اسم المكان بالذكر وبيان أحكامه، وأحال تعريف اسم الزمان، وهو مشتق من يفعل لزمان وقع فيه الفعل ومعرفة أحكامه على المقايسة لكثرة استعمال اسم المكان، ولما جاز أن يتوهم لذلك أن هذه الصيغة حقيقة في المكان، ومجاز في الزمان لمناسبة بينهما جرت عادتهم في العنوان على تقدير اسم الزمان؛ دفعا لذلك التوهم، وإشارة إلى أن الصيغة مشتركة بينهما "فزيدت الميم" موضع حرف المضارعة بعد حذفه كما زيدت "في المفعول لمناسبة بينهما"؛ أي صيغة اسم المكان "من باب يفعل" بفتح العين من الأقسام كلها "مفعل" مفتوح العين للموافقة ومفتوح الميم لقيامه مقام حرف المضارعة التي هي مفتوحة "كالمذهب" بالفتح من يذهب "إلا من المثال" الواوي كما يدل عليه منه المثال، ولما خص استثناء حكم المثال الواوي بالذكر علم أن حكم المثال اليائي كحكم الصحيح، فإن كان من يفعل بفتح العين فمفعل بالفتح، نحو: ميئس وميقظ صرح به صاحب المغرب، وإن كان من يفعل بالكسر فمفعل بالكسر للموافقة، نحو: الميسر من اليسر وهو لعب القمار، وإن كان من يفعل بالضم فمفعل بالفتح، نحو: الميسر من اليسر وهو السهولة على ما هو قياس تقسيم موضعه كما يجيء إن شاء الله تعالى، كما أن الصحيح كذلك، وأما المثال الواوي المضاعف فحكمه حكم المضاعف نحو: مود من وديود صرح به صاحب المغرب أيضا، ويدل هذا على أن حكم دمي كما نقل بعضهم التصريح به عن بعض المتأخرين، وفي كلام صاحب المفتاح أيضا إيماء إلى ذلك حيث قال: اسم الزمان في الثلاثي المجرد على مفعل بسكون الفاء وفتح الباقي في المنقوص البتة، وبكسر العين منه في المثال وفي غيره أيضا إن كان من باب يضرب وإلا فتحت تم كلامه، وأراد بباب يضرب الصحيح، ولذا لم يقل من يفعل فبقي قوله: وإلا فتحت شاملا للمعتلات بأسرها غير المذكور، ومن جملتها المعتل الفاء واللام فيكون اسم الزمان مفتوح العين منه، وفي كلام بعضهم تصريح بأن حكم وفي مثل حكم وعد في هذا الباب، إلا أن اعتبارهم بلام الفعل في أمثال هذا الحكم وإن حكم طوى مثل رمى يرجح الأول، وأيضا دليل الناقص يقتضي الحمل عليه، ويرشدك أيضا مجيء مصدره الميمي على مفعل بالفتح كما صرح به في الصحاح "فإنه"؛ أي اسم المكان "بكسر العين فيه"؛ أي في المثال الواوي الغير المضاف من جميع الأبواب "نحو" الموعد في مكسور العين ولم يتعرض لمثاله لكثرته، ولأنه على أصله والموسط في مضموم العين ولم يتعرض لمثاله لقلته و"الموجل" في مفتوح العين، وإنما كسر في الجميع ولم يفتح "حتى لا يظن أن وزنه فوعل" بفتح الفاء والعين؛ إذ لو فتح لظن أن وزنه فوعل "مثل جورب ولا يظن في الكسر" أن وزنه فوعل بالكسر "لأن فوعلا بالكسر لا يوجد في كلامهم" وقيل:

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"لمكان وقع فيه الفعل" قوله: اسم يشمل جميع الأسماء مشتقة وغير مشتقة، قوله: مشتق من يفعل، يخرج غير المشتقات واسم المفعول، وقوله لمكان وقع فيه الفعل يخرج ما عدا اسم المكان، وقوله: "فزيدت الميم كما في المفعول لمناسبة بينهما" إشارة إلى كيفية بناء اسم المكان وتحقيقه لما كان الفعل يدل على المكان بالالتزام اشتق بناء من لفظ الفعل جار عليه في الحركات والسكنات وعدم الحروف، فزادوا ميما في أوله مع أن حروف العلة أولى بالزيادة؛ لأن الأصل فيه الظرف وهو مفعول فيه، فأجري مجرى المفعول به في إلحاق الميم أوله أمارة عليه، كما لحقت في المفعول به أمارة عليه، وإنما اشتق من المعلوم دون المجهول كاسم المفعول وإن اقتضت المناسبة في المفعولية ذلك؛ لأن اسم المكان لما كان اسم الذات لا اسم المعنى لم يعمل عمل الفعل، فيكون وضعه على الإطلاق؛ أي لا من حيث ملاحظة العمل فاشتق مما هو الأصل، وهو المعلوم واسم المفعول للمجهول باعتبار عملهما، ولذلك قالوا: إن اسم الفاعل يجري على المعلوم واسم المفعول يجري على المجهول من المضارع؛ لأن ضمة الميم مقدرة، والواو ناشئ من الإشباع كذا قيل "ولم يزد الواو" في اسم المكان كما زيد في المفعول "حتى لا يلتبس" اسم المكان "به"؛ أي المفعول "وصيغته من باب يفعل"؛ أي مما كان عين مضارعه مفتوحا، وهو بابان الثالث والرابع "مفعل" بفتح العين فلا تباين بينه وبين مضارعه إلا أن الميم المفتوحة تقوم مقام اليام المفتوحة "كالمذهب" من يذهب بالفتح "إلا من المثال فإنه"؛ أي اسم المكان "بكسر العين فيه"؛ أي في المثال مطلقا مع أن القياس الفتح "نحو الموجل" بكسر الجيم من يوجل بالفتح، وإنما كسر العين في المثال مع أنه خلاف القياس "حتى لا يظن أو وزنه فوعل" بفتح الفاء والعين زعما أن الميم من نفس بناء الكلمة لا زائد عليه "مثل جورب"، وإنما لم يجز أن يكون وزن اسم المكان فوعل مثل: جورب "لأنه"؛ أي جورب "ليس من" قسم "اسم المكان و" لا من "الزمان" فيلتبس المكان بما ليس بمكان "ولا يظن في الكسر" أن وزنه فوعل بكسر العين "لأن فوعل لا يوجد في كلامهم" وهذا الدليل ليس بسديد؛ لأن المكان من الفعل الصحيح مثل المذهب قد يظن أن وزنه فعلل مثل جعفر، وهو ليس بمكان مع أنه لم يكسر بل أبقي على حاله، والأولى ما ذكره المحققون من أنهم كسروا العين في المعتل الفاء؛ لأن

[شرح ديكنقوز]

إنما كسر في الجميع ولم يفتح؛ لأن الكسر مع الواو أخف من الفتحة معه؛ إذ موعد بالكسر أخف من موعد بالفتح بالوجدان، وسره أن المسافة بين الفتح والواو منفرجة بعيدة بخلاف الواو والكسر، فإنها قريبة بينهما، ولم يضم أيضا حتى لا يكون عديم النظر في كلامهم؛ لأن مفعلا لا يوجد في كلامهم كما مر "وصيغته من" باب "يفعل" بكسر العين من الأقسام كلها "مفعل" بكسر العين للموافقة "إلا من الناقص" اليائي؛ إذ لا واوي من يفعل بالكسر "فإنه"؛ أي اسم المكان "بفتح العين فيه"؛ أي في الناقص اليائي من يفعل بالكسر وإن كان الأصل مكسورا للموافقة، نحو: المرمى "فرارا من توالي الكسرات"؛ لأن الياء كسرتان وفي الميم كسرة كما يجيء في باب الناقص إن شاء الله تعالى إحداهما تحقيقية وهي كسرة العين، والأخيران تقديران؛ أعني الياء، كما أنه بفتح العين منه فيه واويا كان أو يائيا من يفعل بالفتح للموافقة كما هو الأصل، نحو: المرضى والمخشى، ومن يفعل بضم العين أيضا لانتفاء مفعل بالضم نحو المغزى، وفي الفتح اطراد أو خفة أو للفرار عن توالي الكسرات فيهما أيضا؛ إذ لو كسر العين في المفتوحة والمضمومة يلزم توالي الكسرات لانقلاب الواو ياء حينئذ لتطرفها وانكسار ما قبلها، فقوله: فرارا عن توالي الكسرات ليس تعليلا للثلاثة وإن كان صالحا له كما ذكرنا، بل هو مختص بمكسور العين؛ لأن قوله: إلا من الناقص مستثنى من يفعل مكسور العين، ولذلك اقتصر على إيراد المثال منه، وإنما لم يتعرض لبيان اسم المكان من الناقص من يفعل بالفتح ويفعل بالضم؛ لأنه لما بين أن العدول عن الأصل في يفعل بالكسر من الناقص لمانع أن ما لا مانع فيه باق على الأصل، فإن الأصل في يفعل مفعل بالفتح فيهما وكذلك في يفعل بالضم؛ لأنه لما انتفى في كلامهم مفعل بالضم صار حكمه حكم يفعل بالفتح لخفة الفتحة فلا حاجة إلى التعرض له "ولا يبنى من يفعل" بضم العين "مفعل" بالضم وإن كان هو الأصل للموافقة "لثقل الضمة" ولرفضهم مفعلا في كلامهم ولم يذكر هذا الدليل لسبق الذكر ويجوز أن يكون هذا بسبب رفضهم مفعلا "فقسم موضعه"؛ أي موضع يفعل بالضم "بين مفعل" بالكسر قدمه؛ لأن ما أعطي له محصور مضبوط بخلاف ما أعطي للمفعل بالفتح فإنه غير محصور، وهذا كما يقدم الإعراب التقديري على اللفظي كذلك "ومفعل" بالفتح "فأعطى للمفعل" بالكسر "أحد عشر اسما هي نحو المنسك" وإنما أقحم لفظة نحو مع أن الظاهر أن يقول هي المنسك أو المنسك على البدل لئلا يتوهم قبل ذكر المعطوفات أن ما أعطى للمفعل هو المنسك فقط، أو يتوهم بذلك مخالفة العدد وليكون المخاطب على صدق رجاء بذكر المعدودات أجمع "والمجزر والمنبت والمطلع والمشرق والمغرب والمفرق والمسقط والمسكن والمرفق والمسجد" وتخصيص هذا العدد وهذه المعدودات إنما هو بحكم السماع "و" أعطى "الباقي" من أحد عشر اسما "للمفعل" بالفتح "لخفة الفتحة" فيقاوم خفة الفتحة ثقل الكسرة "واسم الزمان مثل" اسم "المكان" في جميع الأحكام المذكورة لاسم المكان "نحو: مقتل الحسين" رضي الله تعالى عنه لزمان قتله وهو يوم عاشوراء، كما يقال مقتل الحسين لمكان قتله؛ أعني كربلاء.

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

مع الواو أخف من الفتح معه؛ لأن موعدا وموجلا بالكسر أخف من موعد وموجل بالفتح، وذلك لما قيل من أن المسافة بين الفتحة والواو منفرجة بخلاف الكسرة مع الواو لا يقال الفتح أخف الحركات والكسر ثقيل، فاستعمال الأخف مع الواو أخف من استعمال الثقيل معه؛ لأنا نقول جاز أن يكون للثقيل مع الثقيل حالة موافقة يصير التلفظ بها يسيرا مما ليس بين الخفيف والثقيل؛ لجواز كون حالة انفراد الثقيل مغايرة لحالة اجتماعه يعرفه من له ذوق سليم "و" صيغة اسم المكان "من" باب "يفعل"؛ أي مما كان عين مضارعه مكسورا وهو بابان الثاني والسادس "مفعل" بكسر العين فلا تباين بينه وبين مضارعه إلا أن الميم المفتوحة تقوم مقام الياء المفتوحة كالمضرب من يضرب "إلا من الناقص فإنه"؛ أي اسم المكان "بفتح العين فيه"؛ أي في الناقص مطلقا مع أنه خلاف القياس نحو المرمى بفتح الميم من يرمي بكسر الميم، وإنما فتح مع أن القياس أن يكسر "فرارا عن توالي الكسرات" الثلاث؛ لأن تواليها ثقيل؛ لأن الياء كسرتان لتركبها من كسرتين والميم الذي قبلها مكسور فيصير توالي الكسرات الثلاث، ولا يضم العين مع أنه لا يلزم توالي الكسرات لثقل الضمة "ولا يبنى" اسم المكان "من يفعل"؛ أي مما كان عين مضارعه مضمومات وهو بابان الأول والخامس "مفعل" بضم العين مع أن القياس يقتضيه "لثقل الضمة فقسم موضعه بين مفعل" بالكسر "ومفعل" بالفتح "فأعطى للمفعل" بكسر العين "أحد عشر اسما" لكون الكسرة أخت الضمة كذا قيل "نحو المجزر" لمكان الجزر وهو نحر الإبل "والمطلع" لمكان طلوع الشمس "والمشرق" لمكان شروقها "والمغرب" لمكان غروبها "والمنبت" لمكان النبات "والمنسك" لمكان النسك وهو العبادة "والمفرق" لوسط الرأس؛ لأنه موضع فرق الشعر "والمسقط" لموضع السقوط يقال هذا مسقط رأسي؛ أي حيث ولدت "والمسكن" لمكان السكون، قال الفراء: قد روي مسكِن ومسكَن بكسر العين وفتحها "والمرفق" لموضع الرفق وهو ضد العنف "والمسجد" وهو اسم للبيت المبني للعبادة سجد فيه أو لم يسجد، قال سيبويه: أما موضع السجود فالمسجد بالفتح لا غير، وقال الفراء: قد سمعنا المسجِد والمسجَد والمطلِع والمطلَع وقال والفتح في كله جائز وإن لم نسمعه، وبعضهم عدو المحشر من هذا القبيل فكان اثني عشر اسما والأولى أن لا يكون منه؛ لأن يحشُر ويحشِر بالضم والكسر لغتان، فالمحشر بالكسر يكون قياسا "والباقي" من هذه الكلمات من مضموم العين أعطي.

[شرح ديكنقوز]

"فصل: في اسم الآلة.
وهو"؛ أي اسم الآلة "اسم مشتق" خرج به نحو القدوم "من يفعل" مبنيا للفاعل خرج اسم المفعول زيدت الميم موضع حرف المضارعة بعد حذفه، كما مر في اسم المفعول، وإنما حكم بكونه مشتقا من المضارع دون غيره لمثل ما ذكرنا في اسم الفاعل وإنما قلنا مبنيا للفاعل؛ لأن الآلة وإن كانت واسطة بين الفاعل والمفعول ومتعلقة بهما إلا أن تعلقها بالفاعل أقدم وأقوى، ولهذا جعلوا الأدوات من تتمة الفاعل ليصح انحصار العلة الناقصة الخارجة عن المعلول في الفاعل والغاية، فلا جرم في كونه مشتقا من المبني للفاعل، وقوله "للآلة" وهي ما يعالج به الفاعل المفعول لوصول أثره إليه يخرج ما عدا المعرف، فالمعرف هو الاسم المضاف لا من حيث إنه مضاف من نحو محلب وإضافته إلى الآلة لتعيين ذلك الاسم وهو مثل قولك في تعريف رباح غلام زيد؛ أي رباح هو غلام مملوك لزيد فزيد ليس من المعرفة في شيء.
فالحاصل أن الإضافة والمضاف إليه خارجان عن المعرف ومن سلم دخول الآلة في المحدود لا يمكن له أن يدفع الدوريات يقول المراد بما في المحدود الاصطلاحية وبما في الحد اللغوية؛ لأن المراد في كلا الموضعين بالآلة معنى واحد وهو اللغوي؛ إذ ليس في الاصطلاح للآلة معنى آخر، بل التغاير بالاصطلاح واللغة إنما هو في اسم الآلة، فإنه لغة أعم منه اصطلاحا، فإنه لغة يتناول نحو القدوم والإبرة والقلم ولا يتناولها اصطلاحا.
واعلم أن اسم الآلة مختص بالثلاثي المجرد؛ إذ لا يمكن محافظة جميع حروف غيره في مفعل وأن اسم الآلة لا يبنى إلا من الأفعال المتعدية؛ لأن الآلة لا تكون إلا للأفعال المتعدية ولا تكون للأفعال اللازمة كما دل عليه تعريفها؛ إذ لا مفعول للأفعال اللازمة، وإذا لم تكن الآلة إلا للأفعال المتعدية لم يجئ اسمها إلا من الأفعال المتعدية، وفي قوله: "وصيغته مفعل" بكسر الميم وفتح العين إشارة إلى كثرة استعمال هذه الصيغة وأنها الأصل وما عداها

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

"للمفعل" بفتح العين "لخفة الفتحة" وحاصل ما ذكره المصنف هو أن الفعل الثلاثي لا يخلو من أن يكون معتل اللام والفاء أو لا يكون كذلك، فإن لم يكن معتل اللام ولا معتل الفاء، فلا يخلو من أن يكون عين مضارعه مفتوحا أو مكسورا أو مضموما، فإن كان مفتوحا أبقى الفتحة في اسم المكان على حالها، وإن كان مكسورا أبقى الكسرة أيضا على حالها ليكون اسم المكان جاريا على مضارعه الذي اشتق هو منه في حركة عينه، مع أنه لا مانع يمنع منه، وإن كان مضموما لم يبق الضمة على حالها، وإن كان القياس أن يبقى لثقلها فوجب تبديل الضمة تخفيفا وكان تبديلها إلى الفتحة أولى لخفتها فبدلوها إليها، فكان فياس اسم المكان من مضموم العين مفعل بفتح العين كالمقتل من يقتل إلا أحد عشر كلمة، فإن الضمة فيها تبدل إلى الكسرة على خلاف القياس، ولهذا صرحوا بأنها شاذة، ومعتل العين مثل الصحيح فيما ذكرناه هذا إذا لم يكن الفعل معتل اللام ولا معتل الفاء، فإن كان معتل الفاء فاسم المكان بكسر العين لا غير سواء كان عين مضارعه مفتوحا أو مكسورا أو مضموما كالموجل والموعد والموسم؛ لأنه لو فتح التبس مثل جورب وعدم جواز الضم ظاهر لثقله، وإن كان معتل اللام فالاسم بالفتح لا غير سواء كان عين مضارعه مفتوحا أو مكسور أو مضموما كالرمي فرارا عن توالي الكسرات، واللفيف كمعتل اللام فيبنى منه اسم المكان على الفتح مطلقا نحو: المطوى والموقى "واسم الزمان مثل المكان" في كل ما ذكرنا من الأحكام لا في تعريفه فيعرف بأنه اسم مشتق من يفعل لزمان وقع فيه الفعل، وكل مثال يصلح للمكان يصلح للزمان من غير فرق في الصحيح ومعتل الفاء واللام وكذا في اللفيف "نحو مقتل الحسين" وهو يصلح للزمان والمكان وجميع ما ذكره في الثلاثي المجرد، وأما ما عدا الثلاثي المجرد فاسم الزمان والمكان وكذا المصدر الميمي كله منها على وزن اسم المفعول كالمخرج من أخرج والمدحرج من دحرج وكذا ما عداه، قال في شرح المفصل: وما بني من غير الثلاثي فعلى لفظ اسم المفعول فيكون اسم الزمان والمكان والمصدر واسم المفعول على السواء في اللفظ فكأنهم قصدوا مضارعته للفعل في الزنة فأجروه على لفظ المفعول؛ لكونه أخف من لفظ الفاعل؛ لأن الفاعل بالكسر وهو بالفتح، ولأن اسم الزمان والمكان مفعول في المعنى فكان استعمال لفظ المفعول لهما أقيس إلى ها هنا عبارته والمصنف لم يذكر المكان والزمان من غير الثلاثي والأولى ذكره.

"فصل: في اسم الآلة:

وهو اسم مشتق من يفعل" على صيغة المعلوم لما ذكرنا في اسم المكان "للآلة"؛ أي ليدل على الآلة اللغوية للفعل، وهي ما يستعان به في الفعل كالقلم للكتابة فكأنه قال: اسم مشتق من يفعل لما يستعان به في ذلك الفعل، فكان تعريف الآلة الاصطلاحية بالآلة اللغوية فلا يتوجه أن يقال إن تعريف اسم الآلة بالآلة دوري لتوقف معرفة اسم الآلة على معرفة الآلة حينئذ، وقد يطلق اسم الآلة على ما يفعل فيه كالمحلب بكسر الميم وهو الإناء الذي يحلب فيه اللين "وصيغته" المطردة "مفعل" بكسر الميم وفتح العين نحو: مضرب ومقتل ومفتح.
اعلم أن اسم الآلة من الثلاثي الذي

[شرح ديكنقوز]

متفرع منها بزيادة كما هو المفهوم من كلام القوم، ولذلك لم يذكر له مثالا، وقال صاحب المفتاح: وعندي أن مفعلا هو الأصل وما سواه منقوض منه بعوض كمكسحة أو بغير عوض كمثقب، لكن كثرة الاستعمال وكثرة التفرغ بالزيادة يشهدان للأول ومثاله نحو محلب، وهذا في الحقيقة اسم لما يحلب فيه لكن لما كان يستعان به في الحلب جاز إطلاق اسم الآلة عليه "ومن ثمة"؛ أي ومن أجل أن صيغته مفعل "قال" العلماء "الصرفيون المفعل" بفتح الميم والعين "للموضع"؛ أي للمكان "والمفعل" بكسر الميم وفتح العين "للآلة والفعلة" بفتح الفاء وسكون العين "للمرة"؛ أي للواحدة من مرات الفعل "والفعلة" بكسر الفاء وسكون العين "للحالة" التي عليها الفاعل عند صدور الفعل منه، وهذا القول بيتان مربعان من الرجز سالما الأجزاء والاستشهاد في قوله والمفعل للآلة إلا أنه أورد البيت الثاني لبيان بناء المرة، وبناء النوع على سبيل الاستطراد تتميما لبيان بناء الآلة، ولذلك لم يتعرض لتفاصيلهما فاقتفيا أثره "وكسر الميم في اسم الآلة" ولم يبق على الأصل الذي هو الفتح لقيامه مقام الحرف المفتوح "للفرق بينه وبين الموضع" من يفعل ويفعل بالفتح والضم، ولما لم يكن طلب الحكمة موجها إلا في العدول عن الأصل لم يكن طلبها في عدم ضم الميم الذي لا وجه لأصالته هنا وجها، ولو خرج أحد عن الوجه وطلبها في عدم الضم قلنا له للالتباس بمفعول باب الأفعال "ويجيء" اسم الآلة "على وزن مفعال" بكسر اميم وسكون الفاء والإضافة بيانية "نحو: مقراض ومفتاح ويجيء" اسم الآلة عند غير سيبويه حال كونه "مضموم العين و" مضموم "الميم شاذ"؛ أي مخالف للقياس؛ إذ قياسه أن يكون عينه في الحركات مثل عين ما اشتق هو منه؛ أعني المضارع المبني للفاعل كالمضرب بكسر العين والمعلم بفتحه والمنصر بضمه وبفتح الميم في الكل لقيامه مقام الحرف المفتوح إلا أن الميم لما كسرت للفرق بينه وبين الموضع في مفتوح العين ومكسوره ولانتفاء مفعل في مضمومه وفتح العين أيضا في مكسوره ومضمومه للثقل فيما يكثر استعماله، كان القياس أن يكون مكسور الميم ومفتوح العين في الكل فصار ضم الميم والعين خارجا عن القياس "نحو المسعط" لكل ما يجعل فيه السعوط بفتح السين، وهو الدواء الذي يصب في الأنف "والمنخل" لكل ما ينخل به الدقيق "قال سيبويه: هذان من عداد الأسماء" الغير المشتقة "يعني أن المسعط والمنخل" كل واحد منهما "اسم لهذا الوعاء"المخصوص الذي يجعل فيه السعوط لا من حيث إنه يجعل فيه السعوط، فلا يجوز إطلاق المسعط لكل إناء يجعل فيه السعوط كذلك المنخل "وليس بآلة"؛ أي باسم الآلة المصطلح "وكذلك"؛ أي كحكم المسعط والمنخل "أخواته"؛ أي حكم أخوات هذا المذكور من المسعط والمنخل في أنها من عداد الأسماء عند سيبويه، ومن أسماء الآلة عند غيره على غير القياس، وتلك الأخوات هي المدق والمدهن والمكحلة والمحرضة.

[الفلاح شرح المراح] لابن كمال باشا

فيه علاج وانفعال يأتي على مفعل كمنصر ومفعال ومفعلة كمكسحة، فالأولان قياسان والثالث سماعي، والمصنف لم يذكر هذا الوزن السماعي لعدم اطراده وفصل الثاني عن الأول لعدم شهرته بالنسبة إلى الأول، فكأن صيغة الآلة منحصرة عنده في مفعل ومن ثم قال: "ومن ثم"؛ أي ومن أجل أن صيغة اسم الآلة يأتي على وزن مفعل "قال الصرفيون المفعل" بفتح الميم والعين "للموضع والمفعل" بكسر الميم وفتح العين "للآلة والفعلة" بفتح الفاء وسكون العين "للمرة"؛ أي لبناء المرة "والفعلة بكسر الفاء وسكون العين "للحالة"؛ أي لبناء النوع، وإنما عبروا عن النوع بالحالة؛ لأن المراد بالنوع الحالة التي عليها الفاعل عند الفعل تقول: هو حسن الركبة إذا ركب وكان ركوبه حسنا؛ يعني أن ذلك عادته في الركوب، وتقول: هو حسن الطعمة؛ أي إن ذلك لما كان موجودا منه صار حالة له ومثله العذرة الحالة وقت الاعتذار كذا قيل.
اعلم أن معنى قول الصرفيين إن الأوزان الأربعة المذكورة تطلق على هذه المعاني الأربعة المذكورة لا أن المعاني الأربعة ينحصر أوزانها في هذه الأربعة؛ إذ قد علمت أن وزن الموضع إما مفعل بالفتح أو مفعل بالكسر، وكذا أن وزن الآلة إما مفعل بفتح العين أو مفعال أو مفعلة كما أشرنا إليه، وكذا أن وزن المرة إما فعلة بفتح الفاء أو فعلة بكسرها أو فعلة بضمها، وذلك أن الفعل الثلاثي الذي يراد بناء المرة منه إما أن يكون في مصدره تاء كنشدة وكدرة أو لا، فإن كان الثاني فالمرة منه على فعلة بالفتح نحو ضربة، وإن كان الأول فالمرة منه على مصدره المستعمل بلا فرق في اللفظ نحو نشدة وكدرة، والفارق حينئذ القرائن كنشدة واحدة وإذا لم تقيد بمثل الواحدة كان مصدرا مستعملا وشذ قولهم: أتيته إتيانه ولقيته لقاية؛ لأنهما من الثلاثي الذي لا تاء في مصدره؛ إذ مصدرهما إتيان ولقاء، والقياس أتية ولقية بفتح أولهما، وكذا أن وزن النوع إما فعلة أو فعلة أو فعلة بالحركات الثلاث، وذلك أن الفعل الثلاثي الذي يراد به بناء النوع منه إما أن يكون في مصدره تاء أو لا، فإن كان الثاني فالنوع منه على فعلة بالكسر، نحو: ضربة، وإن كان الأول فالنوع على مصدره المستعمل أيضا كنشدة وكدرة ورحمة والفارق القرائن كنشدة لطيفة هذا إذا كان الفعل ثلاثيا، وأما إذا كان غيره فإن كان في مصدره تاء فالمرة والنوع على مصدره المستعمل والفارق والقرائن أيضا نحو استقامة ودحرجة واحدة أو حسنة، وإن لم يكن فيه التاء فالمرة والنوع على وزن مصدره مزيدا عليه تاء المرة والنوع نحو: انطلاقة واحدة وتدحرجة واحدة وحسنة كذا في شرح كافية التصريف، "فكسر الميم" في اسم الآلة "للفرق بينه وبين" اسم "الموضع" ولم يضم لثقله ولئلا يلتبس بمفعول باب الأفعال ولم يعكس الأمر؛ لأن الموضع أكثر استعمالا بالنسبة إلى الآلة والفتح أخف والأخف أولى لما كثر استعماله، ولأن زيادة الميم في الموضع لمناسبته للمفعول والميم مفتوح فيه فزيد في الموضع مفتوحا فبقي الكسرة للآلة للفرق "ويجيء" اسم الآلة "على وزن مفعال" بكسر الميم وسكون الفاء "نحو مقراض" من قرض بمعنى قطع من باب ضرب وجمعه مقاريض "ومفتاح" جمعه مفاتيح، وإن قلت مفتح بالقصر جمعه مفاتح "ويجيء" اسم الآلة "مضموم الميم والعين مع نحو المسعط" وهو الإناء الذى يجعل فيه السعوط، والسعوط بالفتح دواء يصب في الأنف "والمنخل" وهو ما ينخل به الدقيق، وهو الغربال الذي يخرج به النخالة من الدقيق، والمنخل بفتح الخاء لغة فيه، وكذلك المدق لما يدق به "وقال سيبويه: وهذان"؛ أي المسعط والمنخل "من عداد الأسماء" لا اسم الآلة الذي اشتق من الفعل "يعني"؛ أي سيبويه المسعط والمنخل اسم لهذا الوعاء يعني "المسعط" اسم للإناء الذي يجعل فيه السعوط خاصة "والمنخل اسم" للغربال الذي ينخل به "وليس" شيء منهما "بآلة مشتقة" من الفعل جارية عليه "وكذا أخواته"؛ أي كل ما يجيء بضم العين والميم معا كالمدق والمدهن والمحرضة، فإن قلت: ما الفرق بين كون تلك الأشياء أسماء مخصوصة وبين كونها آلة بحسب المعنى؟ قلت: إن المدهن مثلا إذا جعل اسما لوعاء الدهن لا يصح إطلاقه إلا عل وعاء اتخذ في أصل وضعه للدهن، سواء كان فيه دهن أو لا، فلا يصح إطلاقه على وعاء فيه دهن لكنه متخذ لغير الدهن كأوعية الماء مثلا، وإذا جعل آلة يصح إطلاقه على كل وعاء فيه دهن سواء اتخذ له أو لغيره حتى لو كان الدهن في ملعقة أو جلدة أو كاغدة يصح إطلاقه عليها حينئذ كالمفتاح، فإنه يصح إطلاقه على كل ما يفتح به الباب من حديد أو خشب أو غير ذلك وقس عليه ما عداه مما جاء بضمتين سواء ألحقت فيه تاء أو لا كذا قالوا.

[شرح ديكنقوز]

"

جارٍ التحميل