صيام عشر ذي الحجة - إفراد رجب، والجمعة، والسبت، والشك بصوم – ليلة القدر- وعلاماتها – الاعتكاف – وما يشغل به نفسه فيه.
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير أما الحاج فإنه لا يصوم، ولا يسن له ذلك، بل لا يشرع على الصحيح من قولي العلماء، وإن قال بعضهم بشرعيته، وعرف عن بعض الصحابة كابن عمر صوم يوم عرفه بعرفة، النبي -عليه الصلاة والسلام- شرب من لبن بقدح يوم عرفة ضحىً والناس ينظرون إليه، وأما حديث: ((نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة))، [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه]، الحديث فيه كلام، ولو ثبت لكان نصاً في الموضوع، فالأولى: الفطر في يوم عرفة اقتداءً به -عليه الصلاة والسلام- وقال بعض العلماء: بتحريم صومه، وإثم فاعله، النبي - عليه الصلاة والسلام - أفطر ضحىً، شرب من اللبن ضحى، لكي يراه الناس، وهو المشرع، وهو القدوة، قد يقول قائل: روى الإمام مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها-: "أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يكن يصوم العشر"، نعم، فكيف نقول باستحباب صيام عشر ذي الحجة؟ أولاً: هذا إخبار عن علمها - رضي الله عنها - ولعلها أخبرت بذلك بعد طول العهد؛ لأنها عمرت بعده -عليه الصلاة والسلام- ما يقرب من نصف قرن، هي تخبر عن علمها وقوله -عليه الصلاة والسلام- عموم قوله مقدم عن خبرها، ولعله - عليه الصلاة والسلام - أفطر لأمر أهم من أمور يتعدى نفعها، وقد رجح الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- أن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يصوم عشر ذي الحجة، نعم النبي - عليه الصلاة والسلام - قد يحث على العمل ولا يفعله، رفقاً بأمته، كيف يتصور حال الناس لو تظافر عمله مع قوله؟
الرسول - عليه الصلاة والسلام- حث على العمرة في رمضان ولم يعتمر في رمضان، وحال الناس ما ترون، فكيف لو اعتمر النبي - عليه الصلاة والسلام - مع حثه على العمرة في رمضان؟ كان الوضع شديد جداً، قد لا يحتمل، الآن الزحام مثل ما ترون، وأسف النبي - عليه الصلاة والسلام - على دخول الكعبة؛ لئلا يحرج أمته، ولئلا يشق عليها وهذا من رحمته ورأفته - عليه الصلاة والسلام -، فهو يحث على العمل وقد يتركه شفقة بأمته، وأيضاً وضعه - عليه الصلاة والسلام - وهو الإمام الأعظم بالنسبة للأمة، والقائم بمصالحها، لو قدر أن شخصاً قائم على أعمال الأمة، والأمة كلها بحاجة إليه، وإذا صام ضعف عن القيام بهذه المهمة، هل الأفضل له أن يصوم أو يفطر؟ الأفضل له أن يفطر، علماً بأن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - رجح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يصوم العشر وقد ثبت هذا عن بعض أزواجه - عليه الصلاة والسلام - في السنن، وأفضله أفضل صوم التطوع، صوم يوم وفطر يوم، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما- قال: "لأصومن النهار ولا أفطر، ولأقومن الليل ولا أنام" فبلغ ذلك النبي -عليه الصلاة والسلام - فسأله: ((أنت الذي قلت كذا؟ )) قال: نعم، ((أنت الذي قلت كذا؟ )) قال: نعم، فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((صم كذا، صم كذا))، يعرض عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- الأخف الأخف، كما عرض عليه بالنسبة للقرآن، ((اقرأ القرآن في شهر)) قال: إنه يطيق أكثر من ذلك، اقرأه في كذا، اقرأه في كذا، ثم قال: ((اقرأ القرآن في سبع، ولا تزد))، فمثل هذا يقال لمن عرف منه شدة الحرص؛ لئلا يبلغ به حرصه إلى مجاوزة السنة، بخلاف من عرف منه التساهل، فإنه يؤمر بالعزيمة قبل الرخصة، من عرف بالتساهل تعرض عليه الرخصة؟ لا، لا يعان على تساهله، لكن من عرف بشدة الحرص على فعل الخير تعرض عليه الرخص؛ لئلا يحمله زيادة الحرص على مجاوزة السنة.
فالنبي - عليه الصلاة والسلام - بدأ بعبد الله بن عمرو بالأسهل فالأسهل، إلى أن قال له: ((صم يوماً وأفطر يوماً، فذلك أفضل الصيام، وهو صيام داود -عليه السلام-))، الحديث، لا شك أن الإكثار من فعل الخيرات مطلوب، فالإكثار من الصيام مطلوب، الإكثار من الصدقة مطلوب، الإكثار من الجهاد، من الحج، من العمرة، من التلاوة من بذل الخير للناس، النفع العام والخاص، كل هذا مطلوب، وهذا هو الطريق الموصل إلى الجنة، لكن مثل ما ذكرنا، لو أن شخص عرف بشدة الحرص، شخص موسوس تقول له: تراك ما أسبغت الوضوء، نعم، هذا تفرح أنه ينتهي من الوضوء، نعم، لكن شخص متساهل تقول له: أسبغ الوضوء، أسبغ الوضوء، ومثله شخص لا يقرأ القرآن، إلا في المناسبات، أو على حسب التيسير إن جاء إلى المسجد قبل الأذان بخمس دقائق أو عشر دقائق وإلا فلا، تقول له: كان السلف يختمون كل يوم يا أخي، تحفز همته، وتشحذ همته للعمل الصالح، شخص ثري ولا يتصدق تقول له: أبو بكر جاء بجميع ماله، نعم، فتخبره بالعزائم، أما من كان حاله بضد ذلك، عرف بالحرص الشديد، ما في شك أنه بحاجة إلى من يمتص بعض هذا الحرص؛ لئلا يحمله ذلك الحرص على مخالفة السنة، ولذا بدأ النبي - عليه الصلاة والسلام - بعبد الله بن عمرو؛ لأنه عرف بالحرص الشديد، يعني تتصورن لو قال له النبي -عليه الصلاة والسلام- اقرأ القرآن في ثلاث، يكفيه هذا، مع ما عنده من زيادة الحرص؟ قال له: ((أقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) قال: "إني أستطيع أكثر من ذلك"، ومع ذلك ما أخذ بهذه الوصية، فصار يقرأ القرآن في ثلاث فندم بعد ذلك، وتمنى أن لو قبل وصية النبي - عليه الصلاة والسلام-.
على كل حال صيام يوم وفطر يوم أفضل الصيام على الإطلاق، هذا بالنسبة لمن لا يعوقه الصيام عن النفع العام المتعدي، أما من عاقه صيامه عن الواجبات شخص إذا صام النفل أخل بالدوام الواجب، نقول: لا، لا تصوم يا أخي، نعم، شخص متبرع لتعليم الناس وإفتائهم وقضاء حوائجهم، وأجره على الله ما يأخذ أجر، ما أخل بواجب إذا صام، لكن يعوقه صيامه عن مثل هذا النفع المتعدي نقول له: ابذل الخير للناس، وأرشدهم ووجههم، والصيام إن وجدت فرصة وإلا فمثل هذا العمل المتعدي أفضل.
يقول: ويكره إفراد رجب، والجمعة، والسبت، والشك بصوم.
إفراد رجب أولاً نعرف أن كل ما يروى في فضل صومه، أو زيادة الصلاة فيه، أو الصدقة، أو العمرة، جميع ما يذكر من زيادة في العبادات في رجب على وجه الخصوص فإنه لا يصح باتفاق أهل العلم، جميع ما ورد فيه ضعيف، وقد ألف أبو الخطاب ابن دحية كتاباً نفيساً سماه: (أداء ما وجب في بيان وضع الوضاعين في فضل رجب)، (أداء ما وجب في بيان وضع الوضاعين في فضل رجب)، وابن حجر له رسالة صغيرة أصغر بكثير من رسالة أو من كتاب ابن دحية، سماها: (تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب) وهي مطبوعة ومعروفة، وأما كتاب ابن دحية فهو محقق وجاهز للطبع، ما أدري هل طبع أو لم يطبع، ما أدري والله، إن تم طبعه؟
طالب: ...
نعم، ابن دحية.
طالب: ...
يشتغل عليه محمد الفوزان، عندنا بقسم السنة، قديم، قديم من خمسة عشر سنة وأكثر.
طالب: كبير؟
يأتي في مجلد إيه.
على كل حال ما يذكر في فضل رجب من زيادة من صيام، أو قيام، أو زيادة تلاوة، أو عمرة خاصة برجب، لا يثبت وأما ما ذكر عن ابن عمر أن النبي -عليه الصلاة والسلام- اعتمر في رجب فقد أنكرته عليه عائشة، أنكرته عليه عائشة - رضي الله عنها-.
والجمعة أي يكره إفراد الجمعة بالصوم لحديث: ((لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده)) [متفق عليه من حديث أبي هريرة]، وروى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام)).
وعن جويرية بنت الحارث أم المؤمنين - رضي الله عنها-: ((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: ((أصمت أمس)) قالت: لا، قال: ((أتريدين أن تصومي غداً؟ )) قالت: لا، قال: ((فأفطري)) [رواه البخاري]، فدل على أن المكروه إفراد الجمعة، لا أن يضاف إلى الخميس أو السبت.
يقول: والسبت، أي: يكره إفراده، وأما جمعه مع الجمعة لقوله -عليه الصلاة والسلام- لجويرية: ((أتصومين غداً)) يعني السبت مع الجمعة، فدل على أنه لا يكره صيام السبت مع يوم قبله.
وفي المسند، وأبي داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه وغيرهم، من حديث: عبد الله بن مسلم عن أخته الصماء - رضي الله عنهما- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجر)) – يعني فيمضغه فيفطر به – يعني: فليفعل، الحديث مختلف في حكمه منهم من حسنه، كالترمذي، وصححه الحاكم ومنهم من ضعفه وحكم عليه بالشذوذ، ومنهم من قال: هو ثابت لكنه منسوخ، ولذا اختار شيخ الإسلام -رحمه الله- تعالى أنه لا يكره إفراد يوم السبت بالصوم، بناءً على أن هذا الحديث لا يثبت.
والشك وقد تقدم الكلام فيه، وقول عمار: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم-".
ويحرم صوم العيدين ولو في فرض، بإجماع العلماء، يحرم صوم العيدين بالإجماع فلا يجوز لإنسان أن يصوم يوم العيد؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام-: ((نهى عن صوم يومي العيدين، عيد الفطر، وعيد الأضحى))، كما أنه لا يجوز صيام أيام التشريق؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال فيها: ((هي أيام أكل وشرب وذكر لله -عز وجل-)) فهذا يدل على أن هذه الأيام لا تصلح أن تكون أيام إمساك، وهي ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى.
يقول: إلا عن دم متعة وقران
طالب: عندنا فطرة الثلاثة ما يقال أنها أيام التشريق من ناحية أنها أيام أكل وفرح وإظهار السرور.
لا، لا ما يلزم، أيام أكل، وهناك فيه أضاحي، وفيه هدي، وفيه، لا تختلف عنها.
طالب: أو يقال: على الأقل أن الأفضل أن يؤخر هذا عن بعد ثلاث؟
لا لا، لفظ وأتبعه يدل على المبادرة.
أيام التشريق ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى، لكن من لم يجد هدي المتعة والقران، يجوز له أن يصوم أيام التشريق، لحديث عائشة وابن عمر -رضي الله عنهم- أنهما قالا: ((لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدي، إلا لمن لم يجد الهدي)).
طالب: ....
يقول بعد هذا: ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه.
من شرع في صوم فرض حرم عليه قطعه، من شرع في أي عمل مفروض حرم قطعه، ولو كان وقته موسعاً، والمضيق من باب أولى، يستثنى من ذلك قطع المنفرد في الصلاة، وتحويل الفرض إلى نفل، وإن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز، يحول الفرض إلى نفل، تحصيلاً لما هو أفضل من ذلك، يصلي في جماعة مثلاً، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد: 33]، فقطع الصوم المفروض إبطال للعمل، قطع الصلاة المفروضة إبطال للعمل.
ولا يلزم في النفل.
أي لا يلزم إتمام صوم النفل لفعله - عليه الصلاة والسلام - في صحيح مسلم عن عائشة وكما جاء في الخبر: ((المتطوع أمير نفسه))، أمير نفسه، ويستثنى من ذلك المتطوع بالحج أو بالعمرة؛ لأن من دخل في النسك يلزمه إتمامه؛ لأن الله - سبحانه وتعالى- يقول: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [سورة البقرة: 196]، وهذا يستوي فيه الفرض والنفل.
ولا يلزم في النفل، ولا قضاء فاسدة أي: لو فسد النفل فإنه لا يلزمه قضاء، يعني لو دعي إلى وليمة وهو صائم، ثم رأى أن من المصلحة أن يجبر خاطر أخيه المسلم ويأكل معه في هذه الدعوة، لا بأس، لكن ما يلزمه أن يقضي ذلك اليوم، إلا الحج، وكذلك العمرة، إذا أفسد الحج أو العمرة بالجماع قبل التحلل الأول فإنه يمضي في فاسده ويلزمه قضاءه، ويلزمه قضاءه.
يقول -رحمه الله-: وترجى ليلة القدر في العشر الأخير أو الأواخر وأوتاره آكد، وليلة سبع وعشرين أبلغ ويدعو فيها بما ورد.
ثبت عن النبي - عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) وجاء في سورة القدر أنها خير من إيش؟ من ألف شهر، من حرم خيرها حرم الخير كله، إذا فاتته هذه الليلة من السنة، طول السنة ليلة واحدة إذا فاتت ماذا يبقى له من الأجر؟ ماذا يحرص عليه من المغانم، والله المستعان.
سميت ليلة القدر بذلك لأنها ليلة ذات قدر، لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو لأن الذي يحييها يصير ذا قدر، وقيل: القدر هنا بمعنى القدر، القدر بإسكان الدال بمعنى القدر بفتحها الذي هو مؤاخي قضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: 4]، وبه صدر النووي كلامه فقال: قال العلماء: "سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ".
قال ابن عباس - رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: يكتب من أم الكتاب ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر، والأرزاق والآجال حتى الحاج وإنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى.
وقال ابن الجوزي في زاد المسير: "أن ذلك ليلة النصف من شعبان، والرواية عنه بذلك مضطربة، وقد خولف الراوي لها، فروي عن عكرمة أنه قال في ليلة القدر، وعلى هذا جرى المفسرون".
يعني ما يذكر أن معنى قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ في ليلة النصف من شعبان ضعيف لا يثبت، قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: ((تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى)) قال: هو حديث مرسل ومثله لا تعارض به النصوص.
وعلى هذا فليس لليلة النصف من شعبان مزية، على غيرها من الليالي، وما رواه ابن ماجه عن علي عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلاً فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا حتى يطلع الفجر)) [فهو حديث ضعيف]، وجمهور العلماء على تضعيف جميع ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان.
قال ابن رجب -رحمه الله تعالى- في اللطائف: أنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء، وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة، لكن من صام يوم النصف من شعبان؛ لأنه من جملة الأيام البيض وقد اعتاد ذلك فلا بأس؛ لأنه من الأيام البيض، وفضل ليلة القدر نزل بفضلها سورة كاملة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾
وقال - عليه الصلاة والسلام-: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) وهذا تقدم.
وقيام ليلة القدر يكون بأي شيء؟ يعني بمجرد الانتباه؟ رجل قائم منتبه، قيامها يكون بالصلاة، والذكر والدعاء، وقراءة القرآن، وغير ذلك من وجوه الخير، وقد دلت سورة القدر على أن العمل في هذه الليلة خير من ألف شهر مما سواها، وهذا فضل عظيم ورحمة من الله بعبادة، فجدير بالمسلمين أن يعظموها وأن يحيوها بالعبادة.
وقد أخبر أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأن أوتار العشر آكد أرجى من غيرها، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في الوتر)) وقال: ((من كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)) وغير ذلك من النصوص التي تدل على أن هذه الليلة متنقلة في العشر، وليست في ليلة معينة تكون فيها دائماً، فقد تكون في ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في ليلة ثلاث وعشرين، وقد تكون في ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في ليلة سبع وعشرين، وقد تكون في تسع وعشرين، وقد تكون في الأشفاع، وقد تكون في الأشفاع، نعم الأوتار آكد، لكن قد تكون في الأشفاع، لأنه لما قال -عليه الصلاة والسلام-: ((التمسوها لخامسة تبقى، لسابعة تبقى)) إلى آخره، يحتمل أن تكون في الأشفاع إذا كان الشهر كاملاً، ويحتمل أن تكون في الأوتار إذا كان الشهر ناقصاً، فمن قام ليالي العشر كلها إيماناً واحتساباً أدرك هذه الليلة بلا شك، وفاز بما وعد الله أهلها، ليحرص أن يقوم هذه الليالي كلها، وأن يحضر قلبه، لا يحضر بجسده وقلبه في أمور الدنيا، هذا لا يفيده مثل هذا القيام؛ لأنه ليس له من صلاته إلا ما عقل، فمن عقل من الصلاة العشر مثلاً، أو - نسأل الله العافية - طرأ عليه شيء من الرياء فأحبط عمله، هذه مصيبة، يتعب الإنسان وأخيراً يرجع بلا فائدة.
فمن قام ليالي العشر كلها إيماناً, احتساباً أدرك هذه الليلة بلا شك وفاز بما وعد الله أهلها، وقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يخص هذه الليالي بمزيد اجتهاد لا يفعله في العشرين الأول.
قالت عائشة - رضي الله عنها-: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها"، وقالت: " كان إذا دخلت العشر أحيا ليله وأيقظ أهله، وجد وشد مئزره"، إلى غير ذلك من النصوص.
هل يلزم العلم بليلة القدر؟ أو يحصل الأجر ولو لم يعلم بذلك؟ إذا صادفها ولو لم يعلم بها يثبت له أجرها أو لا بد من العلم بها؟
اختلف العلماء في ذلك وا لصواب أن من قامها نال أجرها، ولو لم يعلم بها، وقول من قال: أنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها قول ضعيف؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام- رتب الأجر على مجرد القيام، فقال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً)) ولم يقل عالماً بها، ولو كان العلم شرطاً لحصول الثواب لبينه النبي -عليه الصلاة والسلام-.
وذكر العلماء في ليلة القدر علامات منها: زيادة النور في تلك الليلة، ومنها طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فالمؤمن يجد من انشراح الصدر وطمأنينة القلب في تلك الليلة أكثر مما يجده في بقية الليالي، لا شك أن المؤمن كامل الإيمان قد يشعر بها، حديث عائشة دليل على أنها تشعر بها.
من الأمور التي ذكرت من علامات ليلة القدر: أن الرياح تكون فيها ساكنة، فلا يأتي فيها رياح ولا عواصف بل يكون الجو هادئاً، فقد أخرج ابن خزيمة، وابن حبان من حديث جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إني كنت رأيت ليلة القدر ثم نسيتها، وهي في العشر الأواخر وهي طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، أن فيها قمراً يفضح كوكبها، لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها)) الموجود عند ابن حبان وابن خزيمة.
وأخرج الإمام أحمد من حديث عبادة من الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمي به فيها حتى تصبح)) [قال الهيثمي: رجاله ثقات].
من الأمور التي ذكرها أهل العلم أن الإنسان قد يجد في هذه الليلة لا سيما في القيام لذة أكثر مما يجده في غيرها، لا سيما إذا أحضر قلبه وتدبر القرآن، ذكر عن بعض الصحابة أنه تسنى له أن يرى الله - سبحانه وتعالى- في تلك الليلة في المنام، وهذا مجرد ذكر.
من علاماتها: بل هو من أصح هذه العلامات أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية، في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: ((أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)).
وفي المسند من حديث عبادة ((وأن أمارتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل لشيطان أن يخرج معها)).
وأما ما يذكره بعض الناس من أن الكلاب لا يسمع لها نباح تلك الليلة، أو أن الماء يسكن، فلا دليل عليه، أما كون الماء يسكن لقلة الرياح هذا ممكن.
والدعاء فيها، يستحب للمسلم أن يغتنم هذه الليلة المباركة، فيكثر من الأدعية المأثورة، أن يصلي عامة الليل، ويتلو ويدعو ولا يغفل في هذه الليلة؛ لأنها ليلة من سنة، من الأدعية المأثور كقوله: ((اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) حديث عائشة في ذلك أنها قالت: " يا رسول الله، أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول فيها؟ " قال: ((قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) [أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح]، وغير ذلك من الأدعية الجوامع الواردة في الكتاب والسنة فيحرص على الأدعية المأثورة، وليبتعد كل البعد من الاعتداء في الدعاء، أو يضيع وقته بما لا ينفع، ويجتنب الأدعية المسجوعة، وما فيه من إثم أو قطيعة رحم.
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسيلماً كثيراً.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب الاعتكاف:
هو لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، مسنون، ويصح بلا صوم، ويلزمان بالنذر، ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها،
يُجْمع وإلا يُجَّمع؟ يُجَّمع، يُجَّمع فيه.
إلا في مسجد يُجَّمع فيه، إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، وأفضلها الحرام، فمسجد المدينة، فالأقصى لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه وعكسه بعكسه، ومن نذر زمناً معينا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره، ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه، ولا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، إلا أن يشترطه، وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه، ويستحب اشتغاله بالقرب واجتناب ما لا يعنيه.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الاعتكاف في اللغة: اللزوم، لزوم الشيء، والمداومة عليه، ومنه قول إبراهيم - عليه السلام- لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 52]، أي: ملازمون، قال تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [سورة الأعراف: 138]، أي: يلازمونها ويداومون عليها، وهو اصطلاح مستعمل، الطلاب حينما يقرب الامتحان يعكفون على دروسهم بالمذاكرة، ومما يؤسف أن اعتكاف غالب المسلمين على ما لا ينفع، من مشاهدة لأفلام خليعة مثيرة، أو كرة أو غيرها، هذه اهتمامات المسلمين وهذا اعتكافهم في الكثير الغالب، وهذا اعتكاف، وهذا عكوف، - نسأل الله العافية -، وهم بهذا يشبهون الذين يعكفون على أصنام لهم، يعكف الوقت الطويل يشاهد المباريات، أو يعكف الوقت الطويل يشاهد أفلاماً تضره في دينه ودنياه ولا تنفعه.
على كل حال على الإنسان أن يحافظ على هذا العمر الذي هو نفسه، فيصرفه فيما يرضي الله -سبحانه وتعالى- ويوصل إلى جنته ومرضاته.
الاعتكاف في الاصطلاح عرفه المؤلف بقوله: هو لزوم مسجد لطاعة الله – تعالى-.
الدليل على مشروعيته قوله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة البقرة: 125]، وفي وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: 187]، فتعين محل الاعتكاف وهو أنه المسجد.
لزوم مسجد لطاعة الله – تعالى-، يدخل في طاعة الله - سبحانه وتعالى- الصلاة دخولاً أولياً، والذكر والتلاوة يعني الطاعات الخاصة اللازمة، وهل يدخل في ذلك الطاعات العامة المتعدية، كطلب العلم؟
أولاً: لا شك أن طلب العلم طاعة بل هو من أفضل القربات، لكن الذي قرره أهل العلم أن الاعتكاف إنما يكون في الطاعات الخاصة، لكن إن زاول شيئاً يسيراً من ذلك بأن اصطحب معه كتاباً غير القرآن ينظر فيه فلا بأس، لكن غالب الوقت يصرف في التلاوة والصلاة والذكر، وإن كان الكتاب المصطحب مما يشوقه إلى العبادة من كتب الرقائق والوعظ كان أنسب؛ لأن هذا يعينه على مقصوده من الطاعات الخاصة، والعلم كله فاضل، لكن الأوقات تتفاوت.
هل يسوغ للمعتكف أن ينظر في كتب البدع ولو كان بقصد الرد عليها؟ لا، هل يسوغ للمعتكف أن ينظر في علوم الآلة ولو كان مما يحتاجها لفهم الكتاب والسنة؟ يقرأ نحو وهو معتكف مثلاً، أو أصول فقه وغيره، نقول: لا، أصل الاعتكاف للعبادات الخاصة، قد يحتاجه في تلاوته وتدبره للقرآن فهم بعض معاني الآيات فيرجع إلى بعض التفاسير الميسرة التي لا تبعده كثيراً عن روح القرآن؛ لأن بعض التفاسير المطولة تبعد به طويلاً عن روح القرآن، وخصوصيته لا سيما في هذا الوقت، نعم، قد يحتاج لفهم الآية والربط بينها وبين غيرها لتفسير ميسر لا بأس، هذا مما يعينه على فهم القرآن، والشهر شهر القرآن، ولذا كان السلف يتركون التعليم في رمضان، والإمام مالك معروف إذا دخل رمضان ترك التحديث، وأقبل على كتاب الله - سبحانه وتعالى-، السلف لهم معاملة خاصة في القرآن، فمنهم من يقرأ القرآن طول العام في سبع، فإذا جاء رمضان قرأه في ثلاث، فإذا دخلت العشر ختم كل ليلة، وقصصهم وأخبارهم مع كتاب الله - سبحانه وتعالى- مستفيضة مشهورة من الصحابة والتابعين فمن دونهم، واغتنام الأوقات، واغتنام الأماكن الفاضلة هذا مما ينبغي أن يكون نصب عيني طالب العلم، فلا تضيع عليه مثل هذه الفرص وهذه المواسم سدى، فعليه أن يغتنمها، قد يقول قائل: إذا أكثرت من قراءة القرآن، أنا لا أتدبر، أنا لا؟ نقول: عليك أن تتدبر فإن أمكن أن تقرأ أكبر قدر ممكن لتحصيل ثواب الحروف، الثواب المرتب على الحروف، يعني: كل حرف له عشر حسنات، مع التدبر، أو شيء من التدبر، الجمع بينهما طيب، لكن إن لم يمكن فالتدبر أفضل، وأهل العلم يختلفون في مثل هذا، الشافعي - رحمه الله تعالى- يرى: أن كثرة الحروف ولو كان من غير تدبر أفضل، وغيره على العكس، والمسألة مفترضة في شخص يقرأ في الساعة خمسة أجزاء من غير تدبر، أو جزأين مع التدبر أيهما أفضل؟ الخمسة أو الجزأين؟ الجمهور على أن الجزأين مع التدبر أفضل، والشافعي: يرى أن الخمسة أفضل ولو كانت بغير تدبر، لتحصيل أجر الحروف، وليس الخلاف مفترض في مثل من يقرأ جزء من القرآن بغير تدبر أو جزء من غير تدبر، هذا لا يختلف فيه، هذا ليس فيه خلاف بين أهل العلم أن التدبر أفضل، لكن
الخلاف بينهم فيمن يقرأ خمسة، أو يقرأ جزأين، هذا مع التدبر، وهذا مع تحصيل أكبر قدر من الحروف؛ لأنه بكل حرف عشر حسنات، المقصود أن على طالب العلم أن يكون له ورد يومي من كتاب الله، لا يفرط فيه سفراً ولا حضراً في المواسم وغيرها، ولا يترك القرآن على الفرغة أو على الراحة إن تيسر وإلا لا حزن عليه، كما يقوله كثير، لا، العمر يمضي، ومن تعرف على الله في الرخاء عرفه في الشدة، ونحن نعرف بعض الإخوان من خيار الناس مخبرا ومظهرا، في أشرف الأوقات، وأشرف الأماكن، تضيع عليهم الأيام سدى، قد يأتي إلى البيت الحرام من صلاة العصر ويمكث فيه إلى أن ينتهي من صلاة التراويح، وقد هجر بلده ووطنه، وتحمل المشقة، والزحام للعبادة، وتحصيل أكبر قدر من الحسنات، إذا صلى العصر مسك المصحف، هذا إن كان معتاد على القراءة في الرخاء وله ورد معين هذا يعان بلا شك، لكن إذا كان ما اعتاد، طول السنة ما يقرأ القرآن إلا في المناسبات، أو إن تيسير أو جاء قبل إقامة الصلاة أو تجده يفتح المصحف يقرأ خمس دقائق عشر دقائق ثم ما يتحمل، يطبق المصحف ويبدأ يتلفت يشوف وين راح فلان، وين جاء فلان، ما تعرف على الله في الرخاء هذا، لكن نعرف أناس تعرفوا على الله في أيام الرخاء، ولهم ورد يومي من القرآن، ما يخلون به لا سفراً ولا حضراً، يجلس بعد إشراق الشمس ما يأذن الظهر إلا وهو خاتم القرآن، لكن من يطيق مثل هذا وهو ما اعتاده؟ هذا أمر لا يطيقه كثير من الناس؛ لأنه ما تعود، المسألة تحتاج إلى مران، وتحتاج إلى دربة، ولا بد أن تري الله - سبحانه وتعالى- من نفسك الخير ليعينك وهو يعلم منك صدق النية، وهذا شيء ملاحظ ومشاهد، فمن تعرف على الله في الرخاء عرفه في الشدة، الإنسان يريد أن يصلي ركعة بالبقرة مثلاً، والثانية بآل عمران، ما يدرك من صلاته، إذا كان ما تعود ما يمكن يصلي هذه، وإن كان معتاد فالأمر سهل، عثمان - رضي الله عنه- وعمره يناهز أو يزيد على السبعين، عرف عنه طول القيام، حتى ذكر عنه أنه يختم القرآن بركعة، وذكر عن السلف ذكر ابن رجب وابن كثير، وجمع من أهل العلم من أهل التحقيق مثل هذه الأخبار، وبعض الناس يقدح فيها، ويجعلها مخالفة لمثل قوله -عليه الصلاة
والسلام-: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) وأهل العلم يحملون ذلك على أوقات السعة، أو على قيام الليل كما يقول بعضهم، أما اغتنام الأوقات والأماكن الفاضلة فالسلف عرف عنهم ذلك، فالذي لا يؤنس من نفسه مثل هذه الأشياء بل يشق عليه أن يتابع القراءة مثل هذا يقدح في مثل هذه الأمور ولا يصدق، هذا ليس بمعقول، حتى قال بعضهم: المؤسف أنه الآن أستاذ في القرآن وعلومه، نعم لكنه ليس من أهل القرآن، لما ذكر له أن الإمام أحمد يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة قال: ليس بمعقول، وكان المدرس يقول: هذا الكلام طالب، المدرس يقول له: ليس بمعقول؛ لأن عنده صالون يجلس فيه ثلاث ساعات يحلق شعره؛ لأنه شخص حليق، ما هو بمعقول، اهتمامهم غير اهتمامك، وجلدهم غير جلدك، وصبرهم غير صبرك، عرف في السلف كثرة العبادة وطول القيام، وأثر عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قام حتى تفطرت قدماه، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، و"من كان بالله أعرف كان منه أخوف"، والذي لا يزاول هذه الأشياء لا يصدق بها، لا يصدق، كيف يقرأ القرآن بيوم؟ لا، يقرأ القرآن بيوم، لكن ما ينبغي أن يكون ديدن وعادة وطول السنة يختم كل يوم؛ لأنه يعوقه عن بعض المصالح التي نفعها أعم.
(أل) في قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: 187]، للجنس، فكل مساجد الدنيا يسن فيها الاعتكاف، وليس خاصاً بالمساجد الثلاثة –أعني المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والأقصى- وما ما يروى عن حذيفة -رضي الله عنه- أن النبي - عليه الصلاة والسلام- قال: ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)) [هذا حديث ضعيف]، ويدل على ضعفه أن ابن مسعود -رضي الله عنه- ضعفه حين ذكر له حذيفة - رضي الله عنه-: " أن قوماً يعتكفون في مسجد بين بيت حذيفة وبيت ابن مسعود فجاء حذيفة إلى ابن مسعود زائراً له، وقال: " إن قوماً كانوا معتكفين في المسجد الفلاني ينتقدهم" فقال له ابن مسعود - رضي الله عنه-: " لعلهم أصابوا فأخطأت، وذكروا فنسيت"، وعلى فرض صحته يحمل على أنه لا اعتكاف أكمل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة.
والاعتكاف مسنون، هذا حكمه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم.
أما الكتاب فقوله تعالى لإبراهيم وإسماعيل: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة البقرة: 125]، ومعلوم أن تطهير البيت التطهير المعنوي من الشرك، والبدع، والمعاصي الظاهرة أولى من تطهيره التطهير الحسي الغسيل، والتنظيف، وإن كان هذا مطلوب، فطلب منهما أن يطهرا بيت الله لمن؟ للطائفين، والعاكفين، والركع السجود، فدل على فضل الاعتكاف، وأنه مقرون بالصلاة والطواف.
وقد اعتكف النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه، وأزواجه من بعده.
والأفضل أن يكون الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ لأنه هو الذي استقر عليه أمر النبي -عليه الصلاة والسلام-.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله -عز وجل- ثم اعتكف أزواجه من بعده" وهذا في الصحيحين وإن اعتكف في غير هذه العشر فلا بأس، العشر الأول، العشر الوسطى، في شوال، في القعدة في غيرها من الأشهر، العبادة ليس لها وقت، لكن أفضلها ما داوم عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو العشر الأواخر من رمضان.
ولا يجب الاعتكاف ولا يلزم إلا بالنذر لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) [رواه البخاري].
والاعتكاف مع الصيام أكمل، لكنه يصح بلا صوم؛ لأن عمر - رضي الله عنه- سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن نذر نذره أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له: ((أوف بنذرك)) ولأن الاعتكاف والصيام عبادتان منفصلتان فلا يشترط لأحدهما وجود الأخرى، ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه أي تقام فيه صلاة الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة واجبة بالنسبة للرجال، فلا يعتكف في مسجد مهجور، كان مسجد ثم ترك، ارتحل عنه أهله، أو في مسجد طريق وإلا شبهه، ما تقام فيه الجماعة، لا، لأن الجماعة واجبة والاعتكاف سنة، لا يفرط بواجب لتحصيل سنة.
هذا بالنسبة للرجال الذين تلزمهم الجماعة، وأما المرأة فيصح الاعتكاف منها.
في كل مسجد سوى مسجد بيتها، مسجد البيت، وإن سمي مسجد إلا أنه لا تثبت له أحكام المسجد، لا تثبت له أحكام المسجد، فلا يصح الاعتكاف فيه، وتجلس فيه وهي حائض، ويباع مع البيت، لكن هو مكان مخصص للصلاة، والتلاوة ينبغي أن ينظف ويطيب من هذه الحيثية وأما بالنسبة لأحكام المسجد فلا.
من نذر زمناً معيناً، دخل المعتكف مع غروب الشمس من ليلة أول يوم وخرج بعد آخره، يدخل مع غروب الشمس؛ لأن اليوم يدخل مع غروب الشمس، إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام، يدخل مع غروب الشمس في اليوم الأول، فإذا غربت الشمس من اليوم العاشر خرج من معتكفه، انتهت العشرة الأيام، ويلازم المتكف معتكفه وهو المسجد ولا يخرج إلا لما لا بد منه، ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، قالت عائشة - رضي الله عنها-: " السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج للحاجة إلا لما لا بد منه"، يعني: لقضاء حاجة أو وضوء أو أكل إن لم يتيسر في المسجد، [رواه أبو داود]، قال ابن حجر في البلوغ: ولا بأس برجاله، إلا أن الراجح وقف أخره، يستحب للمعتكف أن يشتغل بما يقربه إلى الله - سبحانه وتعالى- وأن يجتنب ما لا يعنيه، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وهذا في جميع الأحوال، في جميع الأوقات، في جميع الأماكن، لكن في حق المعتكف من باب أولى، وإذا كان هذا بالنسبة لما أباحه الله -سبحانه وتعالى- فكيف بمعتكف يزال المحرمات، من غيبة ونميمة، وغيرها؟!
يقول: ومن نذره أو الصلاة يعني: نذر الصلاة، في غير الثلاثة، المساجد الثلاثة الفاضلة، لم يلزمه فيه، نذر أن يعتكف في جامع الرياض، لا يلزمه أن يعتكف في جامع، يعتكف في أي جامع، نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لا بد أن يعتكف في المسجد الحرام، نذر أن يعتكف في مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام- لا بد أن يعتكف في مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام- أو في المسجد الحرام لأنه أفضل منه، نذر أن يعتكف في المسجد الحرام عليه أن يعتكف إما فيه، أو في المسجد النبوي؛ لأنه أفضل منه، أو في المسجد الحرام.
يقول: ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، وأفضلها المسجد الحرام، فمسجد المدينة، فالمسجد الأقصى لم يلزمه فيه؛ لأنه ليست له مزية تميزه، لكن إذا نذر أن يعتكف في أحد هذه المساجد الثلاثة الفاضلة لا يجوز له أن يعتكف بغيرها، نعم له أن ينتقل إلى الأفضل دون المفضول، وإن عين الأفضل لم يجب فيما دونه، يعني نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لا يجزئه أن يعتكف في مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام- أو المسجد الأقصى، وعكسه بعكسه، نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى، يجزئه أن يعتكف في مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام- أو في المسجد الحرام من باب أولى، وهكذا.
يقول: ومن نذر زمناً معينا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره،
وانتهى؛ لأن اليوم يبدأ بغروب الشمس.
ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه،
له منه، يخرج لصلاة الجمعة، يخرج للدرة يتوضأ ويأكل، لا بأس، وما زاد على ذلك مما له منه بد، مندوحة لا يجوز له أن يخرج.
ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط، إذا اشترط له ذلك؛ لأن الأمر إليه، ويفسد الاعتكاف بالوطء، ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: 187]، فالمباشرة تبطل الاعتكاف، ولا بأس أن يزار المعتكف في المسجد يزوره أهله وأولاده، على أن لا يطيلوا المكث، ويقطعوا عليه خلوته بربه، يطمئنون عليه، ويطمئن عليهم وينصرفون، وقد كان نسوة النبي -عليه الصلاة والسلام- نسائه يزورنه في المسجد فيقلب إحداهن يرجعها إلى بيتها لا بأس للحاجة.
ويستحب اشتغاله بالقرب واجتناب ما لا يعنيه.
هو اعتكف لماذا؟ لأي شيء؟ لينال الثواب والأجر من الله - سبحانه وتعالى- ويحيي هذه السنة، فعليه أن يشتغل بما يقربه من الله -سبحانه وتعالى-.
هذا قبل ما.
يقول: اعتكاف عشر رمضان يبدأ ليلة عشرين أم ليلة إحدى وعشرين؟
أولاً: ليلة عشرين هذه تبع العشر الأواسط، اليوم عشرين المكمل للعشر الأواسط، فالعشر الأواخر تبدأ من غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون تسع وإن كانت يطلق عليها العشر كما يقال: عشر ذي الحجة يسن صيام عشر ذي الحجة، والعاشر هو العيد لا يجوز صيامه؛ لكن هذا تغليب.
وهل للمعتكف الخروج من الحرم ليأتي بالطعام أو يذهب إلى المغسلة ونحو ذلك؟
مغسلة إيش؟ مغسلة الثياب؟ هذا كمال، ينبغي أن يحفظ وقته، أما بالنسبة للطعام وهو ما لا بد له منه مما لا يسمح بدخوله إلى المسجد فلا بأس؛ لأن هذا لا يقوم إلا به.
طالب: لكن بعض الأحيان يا شيخ الرائحة الرائحة مع صوت مرتفع مع كثرة الناس تنبعث رائحة العرق، ويتأذى؟
يغتسل، يغتسل لا بأس.
طالب: تبقى الرائحة على الثياب؟
يكلف، يكلف.
طالب: أصلاً منقطعين يأتي ما يعرف أحد.
على كل حال إذا لم يتمكن من أموره الضرورية إلا بالخروج لا بأس؛ لأن هذا لا بد له منه.
هذا يطلب يقول: لماذا تنهون الدورة قبل موعدها المحدد لها، لماذا لا يكون يوم الغد لقاءاً مفتوحاً تجيبون فيه على ما أشكل علينا، أتمنى ألا تردنا أصفار الأيدي؟
على كل حال أنا عندي درس في موضع آخر والعهد الذي بيننا وبينكم كتاب الصيام، وانتهى، وعلى كل حال ما نرد طلب، ولا، لكنا عطلنا إخواننا في مسجدنا هناك، لهم دروس أحياناً بعد العشاء، ومنها يوم الجمعة بعد العشاء، ودورة شرح كتاب المناسك يعني بعد رمضان، حددت؟
طالب: في ذي القعدة.
في شهر القعدة نتمكن إن شاء الله وقتها أسبوع أو أكثر؟
طالب: ...
يا الله تكفيهم، يا الله تكفيهم ولو أسبوعين.
فإن أنا ألمحت إلى أنه يمكن أن يكون اليوم الأخير لقاء مفتوح، ألمحت بالأمس وقبل الأمس، فإن اعتقتموني وأعفيتموني من ذلك وإلا فالأمر لكم، ولا أرد الطلب إلا بإذن.
لكن من باب التأكيد يا إخوان ترى كتاب المناسك في شهر ذي القعدة إن شاء الله، أخذنا الفسح وإن شاء الله يعلن في وقته، شرح كتاب المناسك من الزاد بإذن الله الشيخ.
الأسئلة ما أدري؛ لأن عندنا مسألة قيام رمضان، وهي مهمة وتشكل على كثير من الإخوان والنصوص فيها أقول: كثيرة ومتواترة، بعضها قد يشكل على بعض طلاب العلم.
المراد بقيام رمضان وهذا تروه استطراد، وهو يدخل في كتاب الصلاة، ولا يدخل في كتاب الصيام، لكن المناسبة بينه وبين الصيام ظاهرة؛ لأنه جاء الخبر ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) و ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) في بعض الروايات ((وما تأخر)) هذه عند النسائي صححها بعضهم.
على كل حال المناسبة ظاهرة، ورمضان قادم فلا مانع أن نعرض لقيام رمضان.
والمراد به قيام لياليه مصلياً، إحياء لياليه بالصلاة، مصلياً تالياً ذاكراً، ذكر النووي -رحمه الله تعالى -: "أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يريد أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، سميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين"، وهذا يدل على أي شيء؟ على الإطالة، وكأن ذلك لطول صلاتهم، روى الإمام البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))، وروى أيضاً عن عروة إن عائشة أخبرته أن ورسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فصلي بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، تركهم النبي -عليه الصلاة والسلام- فلما قضى الفجر ... ".
زاد المستقنع -
كتاب المناسك
(1) شرح: قول المؤلف: "الحج والعمرة واجبان على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرة واحدة على الفور"
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأمينه على وحيه وصفيه من بريته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
ففي هذه الليالي التي نرجو أن تكون مباركة نافعة -إن شاء الله تعالى-، نتعرض باختصار لشرح كتاب المناسك من كتاب زاد المستقنع في اختصار المقنع، الذي ألف أصله الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي المتوفى يوم عيد الفطر سنة (620)، ومختصره لشرف الدين أبي النجاء موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي، المتوفى في الثاني عشر من ربيع الأول سنة (960)، ولست بحاجة إلى أن أعرف بالكتابين أو بمؤلفيهما، فالكتابان كتابان معروفان مشهوران عند أهل العلم، تعرض لشرحهما جمع من أهل العلم، وليس لي مما سألقيه وأذكره لكم إلا الجمع من كلام أهل العلم سواء المتقدمين منهم والمعاصرين، تحريت فيه الإيجاز والوضوح لضيق الوقت، معتنياً بمذهب الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، مشيراً إلى غيره من المذاهب المعتبرة عند أهل العلم، تابعاً فيه للدليل حسب جهدي واستطاعتي، فإن أصبت فمن الله -سبحانه وتعالى-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
ففي البداية يقول -رحمه الله تعالى-:
"كتاب المناسك" الكتاب: مصدر كتب يكتب كتاباً وكتابةً وكتباً، يقول أهل العلم: وهو من المصادر السيالة أي التي تحدث شيئاً فشيئاً، لأن الكَتْب لا يحصل دفعة واحدة مثل القيام مثلاً إنما الكتابة والكتب والكتاب إنما يحصل شيئاً فشيئاً، وأصل المادة التي هي الكَتْب الجمع، وهذا مر عليكم مراراً في تعريف كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، لكن لا مانع من التذكير به، أصل الكتب الجمع، كما يقال: تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل: كتيبة، وفي المقامات الحريرية:
وكاتبين وما خطت أناملهم حرفاً ... ولا قرؤوا ما خُط في الكتبِ
إيش معنى هذا الكلام؟ هؤلاء كاتبون لكنهم لا يقرؤون ولا يكتبون.
. . . . . . . . . ما خطت أناملهم حرفاً ... ولا قرؤوا ما خُط في الكتبِ
هذا من ألغاز الحريري، يريد بذلك الخرازين؛ لأنهم يجمعون بين صفائح الجلود بالخرز فيكتبونها بالأسيار، كما قال الشاعر، وإن كان البيت فيه ما فيه، لكن هو شاهد لما نحن فيه، وهم لا يتورعون في ذكر الشواهد وإن كان فيها ما فيها، يقول:
لا تأمنن.
. . . . . . . . ... . . . . . . . . .
ولعلنا نترك اسم القبيلة.
. . . . . . . . . خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيارِ
على كل حال أصل المادة الجمع، والمراد بالكتاب هنا المكتوب، مصدر يراد به اسم المفعول، الجامع لمسائل المناسك، والمراد بالمناسك هنا الحج والعمرة، فالمناسك جمع منسَك ومنسِك بفتح السين وكسرها، فبالفتح مصدر، وبالكسر اسم لموضع العبادة، ويقال للعابد: ناسك، والتنسك التعبد، تنسك فلان أي تعبد.
وغلب إطلاق المناسك على متعبدات الحج لكثرة أنواعها، والنسيكة هي الذبيحة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(162 - 163) سورة الأنعام] وعبر المؤلف -رحمه الله تعالى- بالمناسك ليشمل كلامه الحج والعمرة، وإن جاء في تعبير كثير من المؤلفين بالحج، ترجموا الباب أو الكتاب بالحج، من اقتصر عليه صار تعبيره قاصراً؛ لأنه لا يحتاج إلى العطف عطف العمرة إليه، ومن عطف عليه العمرة طول بغير طائل، إذ المناسك تشمل الحج والعمرة، والاختصار مطلوب ما لم يكن مخلاً، سم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
كتاب المناسك:
العمرة والحج واجبان على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرة، على الفور، فإن زال الرق والجنون والصبا في الجج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضاً، وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً، والقادر من أمكنه الركوب، ووجد زاداً وراحلة صالحين لمثله، بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية.
يكفي.
يقول -رحمه الله تعالى-: "الحج والعمرة واجبان" الحج بفتح الحاء في الأشهر عكس شهر ذي الحجة، فالشهر بكسر الحاء، والركن بفتحها، الأشهر فتح الحاء، وإن قرئ في السبع: حِج، وعلى كل حال هما لغتان حَج وحِج، لكن الأشهر هو الفتح، والشهر الأشهر فيه الكسر ذي الحِجة، عكس القعدة الشهر الذي قبله فهو بالفتح.
والحج في اللغة: القصد إلى المعظم، أو كثرة القصد إليه هذا في الأصل، في اللغة القصد إلى المعظم أو كثرة القصد إليه، يقول الجوهري: ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك.
والحج في الشرع -في الاصطلاح-: قصد مكة لأداء النسك في زمن مخصوص تقرباً إلى الله -سبحانه وتعالى-، فالتعريف الشرعي له ارتباط وثيق بالتعريف اللغوي، الشرع يستعمل اللفظ في معناه اللغوي ويزيد عليه بعض القيود، كما نص على ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.
ولا ينقل اللفظ اللغوي إلى الاستعمال الشرعي بحيث لا يكون هناك رابطة بين المعنيين الشرعي واللغوي، فالحج في اللغة القصد إلى المعظم، وهنا قصد مكة، وهي معظمة، لكن لأي شيء؟ زيد قيد أو قيود، إنما كان هذا القصد لأداء النسك، الذي هو نسك الحج، في زمن مخصوص على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، تقرباً إلى الله -سبحانه وتعالى-.
والعمرة في اللغة: الزيارة، يقال: اعتمره إذا زاره، وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، مأخوذة من عمارة المسجد الحرام، فالعمار يعمرون المسجد الحرام بالتردد إليه لأداء هذا النسك.
واصطلاحاً: زيارة البيت الحرام لعمل مخصوص وهو الطواف والسعي تقرباً إلى الله -سبحانه وتعالى-، الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- يضيف إلى التعاريف الشرعية للعبادات كلها لفظ التعبد لله -عز وجل-، فيقول مثلاً في الحج: التعبد لله -عز وجل- بأداء النسك على ما جاء في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، على كل حال هي عبارة جيدة، لكن إذا قلنا بالحد المعروف عند أهل العلم وأضفنا إليه تقرباً إلى الله -عز وجل- انتهى الإشكال، كل عبارة يفهم منها المقصود فإنها تكفي إذا كانت على سنن الحدود عند أهل العلم بأن تكون جامعة مانعة، على أن تعريف العبادات وغيرها من الأمور المعروفة لدى الخاص والعام المستفيض ذكرها ليس من عادة سلف هذه الأمة وأئمتها، لا تجد الأئمة الكبار يتعرضون لتعريف الصلاة مثلاً أو لتعريف الزكاة، أو لتعريف الحج أو غيرها من العبادات المعروفة عند الناس كلهم، فهي معروفة لدى الخاص والعام، لكن احتيج إليها، احتيج إلى مثل هذه التعاريف لما سلك الناس بالتأليف مسالك الترتيب، فهم يرتبون العلوم، بل تجدهم لا يجيزون ذكر الحكم حتى يتم التعريف على مرادهم، والأصل في هذه الحدود مأخوذة من المنطق، واعتنى بها أهل العلم وتعارفوا عليها، وصارت اصطلاح لهم، وعلى كل حال لا مانع من ذكر تعريف الشيء وإن كان معروفاً، اللهم إلا إن كان تعريفه مما يزيده غموضاً، فتعريف الأرض مثلاً، تعريف السماء، تعريف الماء، كل هذه مما يزيدها غموضاً، فتعريف مثل هذه المعروفات لا طائل تحته.
يقول -رحمه الله-:
"الحج والعمرة واجبان" أما وجوب الحج فلا خلاف فيه، بل هو ركن من أركان الإسلام ومبانيه العظام، ودعائمه الخمس التي بني عليها، قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(97) سورة آل عمران] بل كونه ركن من أركان الإسلام معلوم بالضرورة من الدين، فمن جحد وجوبه كفر إجماعاً، من اعترف به ولم يحج مع الاستطاعة فعلى خطر عظيم، نسأل الله السلامة والعافية، اختلفوا في تكفير من تركه مع اعترافه بوجوبه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان: "اتفق المسلمون على أن من لم يأتِ بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة التي هي الصلاة والزكاة والصيام والحج فاختلفوا في تكفير تاركها، والقول بكفر من ترك واحدة منها، رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحاب مالك، فتارك أحد هذه الأركان مع قدرته على فعله لا شك أنه على خطر عظيم، فقد بني الإسلام على هذه الأركان، وكل بناء ترك بعض أركانه يوشك أن يتهدم، والقول المرجح عند جمهور العلماء أنه لا يكفر إلا من تكر الصلاة على خلاف بينهم في حكم تاركها أيضاً، وقد نقل اتفاق الصحابة -رضي الله عنهم- على كفر تاركها وإن كان معترفاً بوجوبها، وجاء في الحج من النصوص التي تدل على خطر من تركه فهو على خطر عظيم، جاء فيه نصوص مرفوعة وموقوفة، وإن كان بعضها لا يسلم من مقال، لكن يكفينا أنه ركن من أركان الإسلام، وأن الله -سبحانه وتعالى- قال في أية الوجوب: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(97) سورة آل عمران].
جاء في الترمذي من حديث الحارث وهو الأعور عن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [(97) سورة آل عمران] يقول الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعلى كل حال في إسناده الحارث الأعور وهو ضعيف، وهلال بن عبد الله الراوي عنه مجهول، فالحديث ضعيف، في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((بني الإسلام على خمس: شهادة إلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان))، وروى مسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج)) فقال رجل: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا سبقت الإشارة إليه في الحديث على الصيام، وتقديمه على الحج أو العكس، وعلى كل حال لا مانع من التذكير بشيء من ذلك.
في المتفق عليه: ((الحج وصوم رمضان)) في صحيح مسلم عن ابن عمر المخرج واحد قال: ((وصيام رمضان والحج)) فقال رجل: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا قد يستشكله بعض الناس، كيف يقول ابن عمر فيما ثبت عنه وصح عنه في الصحيحين وغيرهما بتقديم الحج على الصيام، ثم يرد على من نبهه إلى تقديم الحج على الصيام، قال: لا صيام رمضان والحج، واختلف العلماء في إنكار ابن عمر -رضي الله عنهما- على الرجل الذي قدم الحج على الصيام مع أن ابن عمر رواه كذلك، يقول النووي في شرح مسلم: الأظهر -والله أعلم- أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- مرتين، مرة بتقديم الحج ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضاً على الوجهين في وقتين، لم رد على الرجل قال: لا صيام رمضان والحج ما نسي الرواية الأخرى، لكنه أراد أن يؤدب هذا الرجل الذي رد عليه وهو لا يعرف السبب.
رواه على الوجهين في وقتين، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج، قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: لا ترد عليّ ما لا علم لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تقدح فيما لا تحققه، بل هو بتقديم الصوم هكذا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، لكن إذا تدخل الشخص فيما لا يعنيه فلا بد من تأديبه بمثل هذا الأسلوب.
يقول الشراح: يحتمل أيضاً أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي رده فأنكره، هذا احتمال، احتمال أن يكون إنكاره على الرجل من باب التأديب وألا يتسرع أحد برد ما لا علم له به، ويحتمل أيضاً أن ابن عمر نسي الوجه الأول الذي ذكره سابقاً، تبعاً لاختلاف هاتين الروايتين عن ابن عمر، جاء ترتيب الأركان في كتب أهل العلم على هذين الوجهين، فمنهم من قدم الصوم وهو الأكثر، ومنهم من قدم الحج كالبخاري قدم الحج على الصيام، وغيره قدموا الصيام على الحج، ولكل وجه، جاء من النصوص التشديد في ترك الحج ما جاء، فلذا قدم الحج على الصوم، وأكثر الرواة على تقديم الصيام على الحج، ولذا اعتمده جمهور أهل العلم ممن صنف في الحديث والفقه.
وأما العمرة فاختار المؤلف وجوبها وهو المذهب عند الحنابلة وفاقاً للجديد من قول الشافعي، يقول الإمام البخاري في صحيحه: "باب: وجوب العمرة وفضلها" وقال ابن عمر -تابع كلام البخاري-: وقال ابن عمر رضي لله عنهما: ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إنها لقرينتها في كتاب الله -عز وجل-: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(196) سورة البقرة] يقول ابن حجر في فتح الباري: جزم المصنف بوجوب العمرة وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوع وهو قول الحنفية، ابن حجر يقول: هو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد، هذا الكلام فيه نظر؛ لأن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أحد الأئمة المجتهدين، بل هو من كبار الفقهاء، من نظر في صحيحه في تراجمه وفي دقة نظره، ودقة استنباطه، وقارن بين أقواله وبين أقوال أهل العلم وجده من نمط الشافعي وأحمد ومالك وسفيان وإسحاق وغيرهم، فليس بمقلد -رحمه الله تعالى-.
فالإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لا يتابع أحداً، وصحيحه وما تضمنه من اختيارات يدور فيها مع النص، يخالف فيها الأئمة أو بعضهم دليل على ذلك.
وسبق في الفتح الجزء الأول هذا الكلام في الجزء الثالث الكلام السابق وهذا في الثالث صفحة (597) سبق في الجزء الأول صفحة (243) من الفتح زلة من الحافظ حيث قال: إن جميع ما يورده البخاري من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل الفن كأبي عبيدة والنضر بن شميل والفراء وغيرهم هذا مقبول لا بأس به؛ لأن اللغة إنما تكون بالتلقي لا بالاستنباط.
يقول: وأما المباحث الفقيه فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبي عبيد، وهذا الذي في الكلام وهو أن الإمام البخاري مجتهد، لا يقلد أحد لا الشافعي ولا أحمد ولا أبا عبيد، وأعظم من ذلك قوله: وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسسي وابن كلاب ونحوهم، هذه زلة وهفوة من الحافظ -رحمه الله-، البخاري مجتهد في الأحكام كما تقدم، كما أنه على معتقد أهل السنة والجماعة كما يظهر ذلك جلياً لمن قرأ الصحيح في مسائل الإيمان والتوحيد وغيرها، من أراد أن يعرف الفرق بين مذهب الإمام البخاري وبين ابن كلاب والكرابيسي وغيرهما فليقرأ في درء تعارض العقل والنقل في الجزء الأول صفحة (270) إلى (76) يعرف الفرق بين الإمام البخاري وبين هؤلاء.
طالب:.
. . . . . . . .
إذا عرفنا هذا فمن أدلة الوجوب يعني وجوب العمرة قوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث عائشة -رضي الله عنها- لما سئل -عليه الصلاة والسلام- على النساء جهاد؟ قال: ((نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)) وهو حديث صحيح، مخرج في المسند بسند صحيح، وأصله في الصحيح، في البخاري، أصله في البخاري، وفي المسند وسنن أبي داود والترمذي من حديث أبي رزين العقيلي: أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: ((حج عن أبيك واعتمر)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الشافعي: لا أعلم في إيجاب العمرة أجود منه، ((حج عن أبيك واعتمر)).
استدل ابن عباس -رضي الله عنهما- بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(196) سورة البقرة] كما سبق في كلام الإمام البخاري تعليقاً، وهو موصول في الأم للإمام الشافعي، أما قوله: ((حج عن أبيك واعتمر)) في حديث أبي رزين هذا لا يمكن الجواب عنه إذا أمكن الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(196) سورة البقرة] لأن الأمر بالإتمام لا يعني الأمر بالابتداء، حديث جابر المرفوع المخرج عند ابن عدي والبيهقي: ((الحج والعمرة فريضتان)) يستدل به من يقول بوجوب العمرة لكنه حديث ضعيف، يقول ابن عدي: هو غير محفوظ، وله طرق، لكن لا ينجبر بعضها ببعض لشدة ضعفها، استدل من يقول بعدم الوجوب الحنفية والمالكية بما أخرجه الترمذي عن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لا وأن تعتمروا هو أفضل)) لكن في إسناده الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وقد عنعنه الترمذي -رحمه الله تعالى- في بعض النسخ صححه، قال المنذري: في تصحيحه نظر، وقال والبيهقي: رفعه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف، ولذا ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، وعلى كل حال تصحيح الترمذي -رحمه الله تعالى- لا يعتد به جمهور العلماء؛ لأنه متساهل في التصحيح، نعم هو يصحح بالمجموع مجموع الطرق والشواهد التي يذكرها بقوله: وفي الباب، لكن إذا لم يوجد للخبر شاهد وصححه الإمام الترمذي، وفيه الضعف الظاهر دل ذلك عل أنه متساهل كما هنا، ولذا قال الذهبي وغيره: جمهور العلماء لا يتعدون بتصحيح الترمذي؛ لأنه متساهل، منهم من يعتد بتصحيح الترمذي، وهم جمع من أهل العلم، بل بالغ الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- فزعم أن تصحيح الترمذي معتبر، وتصحيحه توثيق لرجاله، على هذا يكون الحجاج هنا ابن أرطأة ثقة عند الترمذي ومن يقلد الترمذي كأحمد شاكر، لكن الشيخ أحمد شاكر واسع الخطو جداً متساهل في التصحيح كما أنه متساهل في توثيق الرواة، وفي حاشيته على الترمذي ما يزيد على عشرين راوياً وثقهم وجمهور العلماء على تضعيفهم، وعلى كل حال الحديث ضعيف.
روى ابن ماجه عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((الحج جهاد، والعمرة تتطوع)) وإسناده ضعيف جداً، عمر بن قيس المكي المعروف بسندل متروك، والراوي عنه الحسن بن يحيى الخشني ضعيف، المفهوم من كلام شيخ الاسم ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: أن العمرة واجبة على الآفاقي دون المكي، ما وجه التفريق بين الآفاقي والمكي؟ النصوص التي تأمر بالحج تأمر الجميع، النصوص التي تأمر بالعمرة تأمر الجميع، ما وجه التخصيص عند شيخ الإسلام؟ نعم؟
طالب:.
. . . . . . . .
العمرة الزيارة، والزيارة تتصور ممن يقدم على المزور، نعم؟ يعني يقدم ويرجع، ولذا لما سمع الأعرابي قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [(1 - 2) سورة التكاثر] استدل بها على البعث، قال: بعث القوم ورب الكعبة؛ لأنه الزائر لا بد له أن يرجع، لكن هل مثل هذا يخصص مثل قوله -عليه الصلاة والسلام- ((حج عن أبيك واعتمر)) نعم النص جاء في آفاقي، لكن العبرة باللفظ نعم إذا تعارضت النصوص وأمكن حمل بعضها على بعض ولو بالتخصيص يقال به، لكن هنا في نص يعارض اللهم إلا أن تعريف العمرة في الأصل الزيارة، فالراجح وجوب العمرة في العمر مرة واحدة، وكون العمرة لم تذكر مع الحج في حديث الدعائم والأركان لا يعني عدم الوجوب، وكون العمرة واجبة لا يعني وجوبها مثل وجوب الحج يأثم بتركها لكن لم يترك ركناً من أركان الإسلام كما لو ترك الحج.
فالواجبات متفاوتة كما هو معلوم، إذا عرفنا هذا فالحج إنما شرع لحكم عظيمة، وأهداف سامية، فقد شرع الله الحكيم العليم لعبادة أن يجتمعوا في العبادات التي أمروا بها، هناك الاجتماعات المتتابعة في اليوم أكثر من مرة كالصلوات الخمس، وفي الأسبوع كالجمعة، وفي السنة إما مرة كالحج أو مرتين كالعيدين وهكذا،
فالإسلام يحرص على الاجتماع والتآلف لما في ذلك من التعارف والتوادد، والتآلف والتناصر، والتساند، وعقد أواصر المحبة والإخاء، وتبادل النصائح والتوجيهات، وتبادل الآراء، بما يعود عليهم بالمصلحة في دينهم ودنياهم، فالحج إن صح التعبير -وهذا يتداوله كثير من الكتاب المعاصرين- يقولون: أعظم مؤتمر ومجتمع إسلامي، لا شك أن تشريع الحج من محاسن الشريعة الإسلامية الكفيلة بمصالح المجتمع، فالذي في أقصى الأرض من جهة الغرب كيف يتسنى له أن يلتقي بمن هو في أقصى الشرق مثلاً لو لم يشرع الحج؟! وكثير من الرواة يثبت أهل العلم سماعهم من بعض وإن تباعدة الأقطار إذا لم يعرف أو لم ينقل أن فلاناً من الرواة لم يحج، يستدلون على الانقطاع بتباعد الأقطار إذا نص على أنه لم يحج، لكن إذا حج احتمال أنه لقيه في الحج وسمع منه.
سبقت الإشارة في شرح كتاب الصيام إلى تنوع العبادات، العبادات متنوعة، منها البدنية المحضة كالصلاة، ومنها المالية المحضة كالزكاة، ومنها المركبة منهما كالحج، وعرفنا الحكمة من هذا التنوع، حتى يتم الامتحان على وجهه، يتبين الكسول من غيره، يتبين الشحيح من الجواد، ربما سهل على بعض الناس بذل المال دون النفس، وبعض الناس بعكس ذلك، يصعب عليه بذل المال، ويسهل عليه خوض المعارك الضارية وهكذا، فجاءت العبادات متنوعة ليتم امتحان المكلفين بهذه الأنواع اللازمة حتى يعرف من يتمثل تعبد لله -سبحانه وتعالى- ومن يتمثل تبعاً لهواه، فإذا وافقت العبادة الهوى امتثل وإلا تخلف امتثاله، وذكرنا فيما تقدم أن لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- رسالة في تنوع العبادات، هذا في العبادات الواجبة فالتنوع لا بد منه في الواجبات، لكن بعض الناس يفتح له في بعض العبادات دون بعض، ويسهل عليه بعضها دون بعض، التنوع مطلوب، لكن إذا كانت نفسه لا تنقاد إلى بعض العبادات من المستحبات لا الواجبات، الواجبات لا خيار فيها، يصعب عليه أن يصوم النوافل، ويسهل عليه أن يقرأ القرآن ويتدبره، يصعب عليه الحج، ويسهل عليه أن يعلم العلم، نقول: إلزم ما يسر لك؛ لأنه في هذه الحالة يكون عطاؤه أكثر، ونفعه أعظم، مع مجاهدة النفس من أجل تذليلها لعمل ما يرضي الله -سبحانه وتعالى- من سائر العبادات، بعض الناس مثلاً في رمضان، بعض الناس جالس في المسجد يقرأ لا يستطيع أن يقدم لغيره شيئاً، وبعض الناس ما شاء الله صائم ولا يثني رجله، يساعد هذا، ويفعل مع هذا، ويفطر هذا، ويذهب إلى المسجد الفلاني يعظ الناس فيه ويتكلم ويفيدهم بما عنده من العلم، وبعض الناس راكد، فتح عليه باب البقاء في المسجد والمكث فيه، وتلاوة القرآن، وأغلق عنه كثير من الأبواب لا يستطيعها إلا بمشقة شديدة، وكل على خير، العبرة بالواجبات، الواجبات لا مندوحة لأحد ولا خيار لأحد فيها لا بد من الإتيان بها، مع القدرة والاستطاعة، أما مع العجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
أهل العلم يذكرون في كتب فقه وقواعد المفاضلة بين العبادات الشاقة والعبادات السهلة وأيهما أفضل من يأتي العبادة وهي شاقة عليه ومن يأتيها وهي سهلة على نفسه محببة إلى قلبه؟ فبعض العلماء يفضل إتيان العبادة مع المشقة على إتيانها مع الراحة، وبعضهم بالعكس، وهو الصواب، إتيان العبادة مع الراحة كون الإنسان إذا جاءت الصلاة لا تأتي الصلاة إلا وهو مشتاق إليها، ويشتاق إلى قيام الليل، ويقوم ويتلذذ به وبمناجاة ربه لا شك أنه أفضل ممن يشق عليه القيام، وإن كان لمن يشق عليه الأجر مضاعف، أجر العمل وأجر المشقة، كما جاء فيمن يقرأ القرآن وهو عليه شاق، يتتعتع فيه له أجران، لكن الذي يقرأه وهو سهل عليه يضبطه ويتقنه مثل هذا مع السفرة الكرام البررة وهذا أفضل بلا شك، يؤتى الإنسان أجر العمل وأجر المشقة، لكن أين أجر المشقة من الوعد الثاني؟ وهذا مطرد في العبادات كلها.
يقول -رحمه الله تعالى-:
"الحج العمرة واجبان على المسلم الحر، المكلف، القادر في عمره مرة على الفور" قوله: "على المسلم" يخرج الكافر، قوله: "مسلم" يخرج الكافر، فالكافر لا يجب عليه الحج، الكافر مخاطب بفروع الشريعة، ومنها الحج على الأصح من قولي العلماء، فكيف يقول المؤلف: واجبان على مسلم؟ مفهوم العبارة أن الحج لا يجب على الكافر، والمرجح عند أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، ومنها الصلاة والزكاة والحج وغيرها من شرائع الإسلام، نعم العبادات لا تصح من الكافر؛ لأن الإسلام شرط لصحة كل عبادة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [(54) سورة التوبة] قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [(23) سورة الفرقان] العبادات لا تصح ولا تقبل من الكافر، فلا يطالب بها حال كفره؛ لتخلف الشرط الذي هو الإسلام، كما أنه لا يؤمر بقضائها إذا أسلم، إذاً ما فائدة كونه مخاطباً بفروع الشريعة؟
طالب:.
. . . . . . . .
نعم زيادة الإثم في الآخرة ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [(42 - 44) سورة المدثر] فقوله: "على المسلم" عرفنا أنه يخرج الكافر، هل العبارة هنا دقيقة أو ليست دقيقة؟ يعني كون الكافر لا يصح منه الحج هل يعني هذا أنه لا يجب عليه؟ لأن قوله: "على المسلم" جار ومجرور متعلق بقوله؟ نعم؟ واجبان، معنى هذا يجب الحج والعمرة على المسلم، مفهوم العبارة أنه لا يجب على الكافر، وعرفنا أن الكافر مخاطب بالفروع فكيف نقول: مخاطب بالفروع وهو يقول: لا يجب على الكافر؟ عبارة أنه لا يجب على الكفار نعم لا يصح من الكافر صحيح أما لا يجب فهو واجب عليه كغيره من شرائع الإسلام من فروع الشريعة.
الإسلام شرط لصحة الحج، من أهل العلم من يقول: الكافر مخاطب بترك المنهيات دون فعل المأمورات ويوافق قول من يقول بعدم خطابهم مطلقاً هنا؛ لأن الحج مأمور، وليس بمنهي عنه، فليس بمخاطب به لتخلف الشرط، وعلى كل حال بحث هذه المسألة له موضع أخر، وهنا تكفي الإشارة.
على المسلم الحر ضده العبد والمبعض فلا يجب عليهما الحج؛ لأنهما لا مال لهما، ومن شرط وجوب الحج الاستطاعة، فالذي لا مال له غير مستطيع؛ ولأن الحج يفوت على سيده منافعه، قد يقول قائل: إذا بذل المال للعبد يجب عليه وإلا ما يجب؟ ما هو المسألة مسألة مال قال سيده: هذا مال، نقول: يلزمه ويجب عليه؟ سيده مالك لمنافعه تنازل عنه لمدة أسبوع يروح يحج ويرجع، في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الآتي ((من حج ثم عتق فعليه حجة أخرى)) يعني من حج وهو عبد ثم عتق فعليه حجة أخرى، ((ومن حج وهو صغير ثم بلغ فعليه حجة أخرى)) مخرج عند ابن خزيمة والحاكم والبيهقي، إلا أنهم اختلفوا في رفعه ووقفه، لكن قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إسناده صحيح، صححه الألباني في الإرواء مرفوعاً وموقوفاً، فعلى هذا إذا ألزم بحجة أخرى دل على أن الحجة الأولى غير لازمة له، وحينئذٍ لا يجب عليه أن يحج، إذا ألزم العبد متى عتق، والصغير متى بلغ بحجة أخرى دل على أن الحجة الأولى غير لازمة، لكن لو حج حال رقه صح حجه وإن لم يجزئه، لا بد من الإتيان بحجة أخرى إذا عتق، ومثله الصغير على ما سيأتي.
قوله: "المكلف" البالغ العاقل، فالصغير لا يلزمه الحج، لكن لو حج فحجه صحيح، وأما المجنون فلا يلزمه الحج أيضاً؛ لأنه غير مكلف، لو حج يصح حجه وإلا ما يصح؟ المجنون لا يصح، نعم لأنه لا يتصور منه عقل الحج لحديث: ((رفع القلم عن ثلاثة)) منهم المجنون والصغير والنائم "القادر" القدرة هي الاستطاعة التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى- في آية عمران: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [(97) سورة آل عمران] فقيد الوجوب بالاستطاعة، وسيأتي تفسير القدرة، فعندنا من الشروط الإسلام والحرية والتكليف والقدرة، فالإسلام والعقل شرطان للوجوب والصحة، على ما ذكره المؤلف، الإسلام والعقل شرطان للوجوب والصحة، والبلوغ وكمال الحرية شرطان للوجوب والإجزاء دون الصحة، فالصغير والعبد إذا حج يصح منهما الحج، لكنه لا يجزئ، يصح الحج منهما لكنه لا يجزئ، والاستطاعة شرط للوجوب دون الإجزاء، لو حج غير المستطيع حج غير المستطيع حجه صحيح وإلا لا؟ صحيح، مجزئ وإلا غير مجزئ؟ مجزئ نعم لكنه لا يجب عليه، إذا حج الكافر حجه غير صحيح، إذا حج المجنون حجه غير صحيح، إذا حج الصغير حجه صحيح، لكن لا يجزئ، إذا حج العبد حجه صحيح لكنه لا يجزئ، إذا حج غير المستطيع فحجه صحيح مجزئ، لكنه لا يطالب به حال العجز.
قوله: "في عمره مرة" أي واحدة، وهذا بالإجماع، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)) خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كثر في الأخير زيادة في صيغة الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- وإدخال الآل معه، تجد كثير ممن ينتسب إلى العلم يقول: صلى الله عليه وآله وسلم، أولاً: امتثال الأمر يتم بالصلاة والسلام عليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(56) سورة الأحزاب] والأمر بالصلاة على الآل إنما هو في التشهد خاصة، وسمعتها مراراً من أهل العلم سواء كانت في الإذاعة أو في محاضرات أو في غيرها يقول: صلى الله عليه وآله وسلم، ومعروف أن هذا شعار لبعض أهل البدع، فإذا أردت أن تصلي على الآل صل على الصحب؛ لينتفي هذا الشعار، إذا صليت على الصحب انتفى هذا، انتفت المشابهة، وأما الأمر بالصلاة على آله -عليه الصلاة والسلام- ففي التشهد، وفي غيره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(56) سورة الأحزاب] يصلى على آله وعلى صحبه تبعاً له، ولا يصلى عليهم استقلالاً، وهذا استطراد لكني سمعته مراراً في الأيام الأخيرة هذه، في الإذاعة وفي غيرها، في مقدمة صديق في شرح مختصر البخاري ذكر أن السبب في ترك الصلاة على الآل مع وجوبها كالصلاة عليه -عليه الصلاة والسلام- أن سببه أن أئمة الحديث إنما صنفوا كتبهم في زمن يكثر في النصب، يعني معاداة أهل البيت، فكانوا يتركون الصلاة على الآل تقية، هكذا قال عن أهل الحديث قاطبة الذين لا يقولون: صلى الله عليه وآله وسلم، لا تجد في منصف من مصنفات أهل الحديث من يقول: صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: سبب ذلك التقية؛ لأن أكثر الدول التي تعاقبت الأموية والعباسية كلهم يناوئون أهل البيت، وإن كان العباسيون من أهل البيت، لكنه يقول: إن كون العباسيين لا يعترفون لأهل البيت بحقهم مع أنهم من أهل البيت، يقول: من باب قوله: "اقتلني ومالكاً واقتل مالكاً معي" يعني لا تصلي على الآل الذين هم في عرف بعض الناس علي وذرية علي، يقول: لا تصلّ
عليهم، وإن كان الناهي هذا من العباسيين داخل في الآل، هذا ما أشار إليه صديق -رحمه الله تعالى-، وتبع في ذلك الصنعاني، الصنعاني أشار إلى شيء من هذا في حواشي شرح العمدة، لكن ليس الأمر كذلك، الأمر ليس كذلك، الصلاة عليه -عليه الصلاة والسلام- إنما يتم الامتثال بإفراده -عليه الصلاة والسلام- دون الآل والصحب، لكن إذا صلي على الآل والصحب تبعاً له فهو خير، وإفراد الآل دون الصحب لا شك أن فيه رائحة تشيع، كما إن إفراد الصحب دون الآل فيه رائحة نصب، فمن أراد أن يصلي على الآل يصلي على الصحب والعكس، والأمر بقوله: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) هذا في التشهد، وإن فرق بعضهم حتى في التشهد بين الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- فأوجبها دون الصلاة على الآل، لكن هذا تفريق بغير دليل، تفريق بين ما جاء الشرع بالجمع بينه وبين نظيره، على كل حال هذا استطراد سببه تداول هذه ... ، تداول إفراد الآل بالصلاة دون الصحب.
الصنعاني عاش في بيئة التشيع فيها كثير، وتأثر بالبيئة، ولا شك أن البيئة مؤثرة في الشخص شاء أم أبى، من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر، لا بد أن يتأثر الشخص ببيئته ولو فتشنا على أنفسنا وجدنا أننا تأثرنا بأشياء سواء شعرنا بها أو لم نشعر هي موجودة متداولة في بيئتنا، فكون الصنعاني تأثر والشوكاني يتأثر، وصديق له نهم بتقليد هذين، وإن كان في الجملة من أهل التحقيق، ومن أهل العلم، وعلى مذهب أهل السنة والجماعة في الجملة، حتى في باب الصحابة وما يعتقد تجاه أهل البيت ليس عنده شيء من الغلو ولا التشيع، لكن هو في الغالب يحذو حذو الشوكاني والصنعاني.