حكم سب الرسول صلى الله عليه وسلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [روى سليمان وهو الأعمش قال: سمعت أبا وائل قال: قال عبد الله: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فاحمر وجهه، وغضب حتى وددت أني لم أخبره، قال شعبة: أحسبه قال: يرحمنا الله وموسى -شك شعبة في (يرحمنا وموسى) - قد أوذي بأكثر من هذا فصبر].
في هذا الحديث يشعر الإنسان بالأسى والحزن عندما يرى التجرؤ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في عصر الصحابة من قبل هذا الأعرابي، أما الصحابة فقد كانوا إذا سمعوا هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم تقوم لهم الثائرة، ويكون أحدهم كالأسد الثائر لا يهنأ بعيش حتى يقتص لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ضرب أروع الأمثلة على ذلك رجل أعمى في امرأته التي هي من العاطفة ومن الود والمحبة منه بمكان، ولكنها كانت تتغنى بسب الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقول الشعر في الرسول صلى الله عليه وسلم، في حين أنها كانت ترعى زوجها هذا، وهو رجل أعمى لا يستطيع أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يذهب ليقضي حاجته إلا مع من يساعده على ذلك، وكانت امرأته هي التي تفعل ذلك به، فلما سمعها تتكلم في رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فبقر بطنها وقتلها، ولما ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمها.
فما بالنا نرى ونسمع الآن ما يحترق له القلب، وما يعتصر له القلب ألماً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسبة وشتم واستهانة واستهزاء به، ولا نجد من يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالألسنة فقط، ففي عصورنا كثر المتجرءون بدعوى حرية الرأي، وحرية النشر، فـ سلمان رشدي سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسب الصحابة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
وآخر أخذ جائزة نوبل، وهو الذي سب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمور كلها تحصل تحت ستار حرية الرأي، فهل من حرية الرأي أن يستهزئ المرء برسول الله صلى الله عليه وسلم أو يطعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن الصحابة عندما سمعوا مثل هذا الكلام كفروا من قاله، وقد قلنا في القاعدة التي قعدناها: إن القول قد يكون كفراً، أو الفعل كفراً، ولكن القائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة، ولكن في هذه المسألة يختلف الأمر، ولا يحتاج فيها إلى إقامة حجة؛ لأن الاستهزاء أو السب معلوم بمجرد الوصف، فمن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر، وارتد عن دين الله.
ويدل على ذلك هذا الحديث العظيم، عندما قام هذا الخارجي غائر العينين يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله! وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد ابتغاء وجه الله جل وعلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مندهشاً (ويحك، أو ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل).
فلما قال هذه الكلمة كفر في وقتها، ويدل على ذلك فعل الصحابة، وذلك أنه قام خالد، وفي رواية أخرى قام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق.
ونستفيد من هذه الكلمة أمرين: الأمر الأول: أنه وصفة بالنفاق، والنفاق كان اعتقادياً لا عملياً، فهو يخرج من الملة، ويدل على ذلك قولهم بضرب العنق، فإن النفاق العملي هو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب)، هل حكم من يكذب في حديثه القتل؟