مسألة الرؤيا:
المسألة التي تلي مسألة الكلام مسألة الرؤيا، وهي آخر المسائل التي يستدل لها المؤلف من القرآن، ثم بعد ذلك ينتهي المؤلف من عرض الأدلة من كتاب الله -جل وعلا- المثبتة للأسماء الصفات، ثم يثني بالسنة بفصل مستقل، وبعض من ينتقد هذه الرسالة العظيمة لشيخ الإسلام يقول: لو يعاد ترتيب هذه الرسالة، وتصاغ من جديد، وتذكر أدلة كل صفة، وكل اسم من الكتاب والسنة في آنٍ واحد، ولا يفرق، أولاً: تذكر أدلة الكتاب، ثم تذكر أدلة السنة، يعني فعلى سبيل المثال لما ذكر الآيات من القرآن على إثبات الرؤيا، يردفها بالأحاديث المثبتة للرؤيا في موضع واحد، وقل مثل هذا في الكلام وغيرها مما سبق من الأسماء والصفات، فيأتي بالدليل من القرآن والدليل من السنة، وشيخ الإسلام لا، فصَل الأدلة من القرآن، ثم أردفها بالأدلة من السنة، وهذا نوع، تفنن في التأليف، وإلا فعادته وطريقته -رحمه الله- في بقية كتبه أنه يسرد الأدلة من الكتاب والسنة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [(23) سورة القيامة] وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [(23) سورة المطففين] وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [(26) سورة يونس] وقوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [(35) سورة ق] وهذا الباب في كتاب الله تعالى كثير, ومن تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما ذكره من الأدلة من الكتاب على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة في الآخرة، أما في الدنيا فنقل الاتفاق على أنه لا يراه أحد قبل أن يموت، ففي شرح الطحاوية يقول: اتفقت الأمة على أنه لا يراه أحدٌ في الدنيا بعينيه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا -صلى الله عليه وسلم- خاصة، منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له -صلى الله عليه وسلم- منهم من نفى رؤيته -عليه الصلاة والسلام- لربه بالعين، الرؤية البصرية، ومنهم من أثبتها له.
وحكى القاضي عياض في كتاب الشفا باختلاف الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم في رؤيته -صلى الله عليه وسلم- وإنكار عائشة -رضي الله عنها- أن يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى ربه بعين رأسه، وقالت لمسروق: (من حدثك أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- رأى ربه فقد كذب) وفي بعض الروايات: (فقد أعظم الفرية) متفقٌ عليه, وبهذا قال ابن مسعود وأبو هريرة.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه رأى ربه بعينه.
فنفي الرؤيا من قبله -عليه الصلاة والسلام- لربه هو المعروف عن عائشة، وشددت في ذلك، وأنكرت على من أثبت، قال: وبهذا قال ابن مسعود وأبو هريرة، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (أنه رأى ربه بعينه) وروى عطاء عنه: (رآه بقلبه) يعني: لا بعينه، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: (سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هل رأيت ربك؟ فقال: ((نورٌ أنى أراه)) يعني استبعاد؛ لأن الله -جل وعلا- حجابه النور -وفي رواية- ((النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجه من انتهى إليه بصره)) والله المستعان.
على كل حال هذه المسألة خلافية بين الصحابة، من أثبتها كابن عباس ومن يقول بقوله لا يثرب عليه، ومن نفاها وهو قول أكثر الصحابة، وهو المرجح لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((نورٌ أنى أراه)) هذا هو المرجح، ولكن هذه المسائل العقدية إذا وجد الخلاف فيها بين السلف لا يكون المخالف فيها مبتدعاً؛ لأنه لا يمكن أن يوصف ابن عباس بأنه مبتدع، بينما المسائل التي اتفقوا عليها لو أن شخصاً أثبت غير ما اتفقوا عليه، ولو تشبث ببعض النصوص وبعض الأدلة، فإنه يوصف حينئذٍ بالابتداع.