شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارةصفحات 252-291

مسألة الاجتزاء بالغسل مرة مرة

صفحات 252-291

الْخُفِّ، فَإِنْ مَسَحَ الْجَوْرَبَ وَحْدَهُ أَوِ النَّعْلَ وَحْدَهُ، فَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُمَا أُجْرِيَا مَجْرَى جَوْرَبٍ مُنَعَّلٍ.
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ أَوِ الْوَاسِعِ الَّذِي يُرَى مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ أَوِ الْخَفِيفِ الَّذِي يَصِفُ الْقَدَمَ أَوِ الْقَصِيرِ الَّذِي هُوَ دُونَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ مَتَى بَدَتْ هِيَ أَوْ بَعْضُهَا كَانَ الظَّاهِرُ (مِنْهَا حُكْمُهُ) الْغَسْلُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ لَا يَجُوزُ فَيَتَعَيَّنُ غَسْلُ الْجَمِيعِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْمَخْرُوقِ الَّذِي يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ " جَائِزٌ "؛ لِأَنَّ خِفَافَ الْقَوْمِ لَمْ تَكُنْ تَخْلُو مِنْ مِثْلِ هَذَا، وَلَمْ تُقَيَّدِ الرُّخْصَةُ بِالسَّاتِرِ دُونَ غَيْرِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَنْضَمُّ عَلَى الرِّجْلِ، وَلَا تَبْدُو مِنْهُ الْقَدَمُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورٌ بِالْخُفِّ.
وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِنَفْسِهِ إِمَّا لِسَعَةٍ فِيهِ أَوْ شَرَجٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَدَّهُ أَوْ شَرَّجَهُ لِأَنَّهُ كَاللِّفَافَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ " فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِغَيْرِ نَعْلٍ: إِذَا كَانَ يَمْشِي عَلَيْهِمَا وَيَثْبُتَانِ فِي رَجْلِهِ فَلَا بَأْسَ ". وَقَالَ أَيْضًا: " إِذَا كَانَ يَمْشِي فِيهِ فَلَا يَنْثَنِي فَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الْوُضُوءِ ".

قَالُوا: هَذَا كَانَ الْقِيَاسَ فِي الْجَوْرَبَيْنِ مَعَ النَّعْلَيْنِ لَكِنْ خَالَفْنَاهُ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى لُبْسِ الْجَوْرَبَيْنِ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَدِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُلْبَسُ غَالِبًا (إِلَّا بِشَدِّهِ) وَقَدْ خَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا فِي اللِّفَافَةِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِذَا وَجَدَ مَشَقَّةً بِنَزْعِهَا فَالْخُفُّ وَالْجَوْرَبُ الَّذِي يَثْبُتُ بِالشَّدِّ أَوْلَى، وَهَذَا قِيَاسُ الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا ثَبَتَا بِنَعْلَيْنِ فَإِنْ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِشَدِّهِ أَوْ شَرْجِهِ سَتْرُ الْقَدَمِ مَسَحَ عَلَيْهِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّاتِرِ بِنَفْسِهِ، وَمَشَقَّةُ خَلْعِهِ أَظْهَرُ، وَفِي الْآخَرِ لَا يُجْزِئُهُ اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ يَكْفِ ثُبُوتُهُ بِالشَّدِّ وَالشَّرْجِ فَكَذَلِكَ سَتْرُهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَيْسَ هُوَ مَقْصُودَ اللُّبْسِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَاهُ؛ لِئَلَّا يَجِبَ غَسْلُ الْبَادِي بِخِلَافِ ثُبُوتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَتَرَ الْقَدَمَ بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ لَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَهَذَا أَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخُفُّ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ زُجَاجٍ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي مَلْبُوسٍ مُعْتَادٍ كَمَا لَمْ يَجُزْ فِي اللَّفَائِفِ فَلَا يَجُوزُ فِي الْخَشَبِ وَالزُّجَاجِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إِمَّا لِضِيقِهِ أَوْ ثِقَلِهِ أَوْ تَكَسُّرِهِ بِالْمَشْيِ أَوْ تَعَذُّرِهِ كَرَقِيقِ الْخَرَقِ أَوِ اللُّبُودِ لَمْ يَجُزْ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
وَأَمَّا الْخُفُّ الْمُحَرَّمُ كَالْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبِ فَقِيلَ: هُوَ عَلَى رِوَايَتَيِ الصَّلَاةِ فِي

الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْقِتَالِ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَغْصُوبِ وَلَوْ لَبِسَ جِلْدًا نَجِسًا لِحَاجَةٍ كَبِلَادِ الثَّلْجِ الَّتِي يَخْشَى فِيهَا مِنْ سُقُوطِ أَصَابِعِهِ بِخَلْعِهِ أَجْزَأَهُ مَسْحُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَإِنْ تَنَجَّسَ الْمَاءُ بِالْمُلَاقَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَمَا لَا يَمْنَعُ تَنَجُّسُهُ عَلَى بَدَنِ الْجُنُبِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يُجْزِئُهُ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِخَلْعِهِ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لُبْسُهُ هُنَا لِلضَّرُورَةِ فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ خَلْعَ الْخُفِّ الطَّاهِرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ هَذِهِ حَالَةٌ نَادِرَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ فَرْضِهِ الْغَسْلَ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ لِقُرُوحٍ أَوْ بَرْدٍ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَلَوْ كَانَ بِقَدَمِهِ أَوْ بِبَاطِنِ خُفِّهِ نَجَاسَةٌ لَا تُزَالُ إِلَّا بِنَزْعِهِ فَقَدْ قِيلَ هُوَ كَالْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُمْكِنُ مَعَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ غَالِبًا إِلَّا بِنَقْضِهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ لِطَهَارَتِهِ، وَيَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةَ إِنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ وَعَلَى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ، فَإِنَّهَا لَمَّا أَوْجَبَتْ طَهَارَتَيْنِ جُعِلَتْ إِحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى.
وَمَنْ كَانَ لَابِسًا خُفًّا فَالْمَسْحُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَخْلَعَهُ وَيَغْسِلَ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ عَادَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَلَعَ وَغَسَلَ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَدًّا لِلرُّخْصَةِ وَتَشَبُّهًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ فَيَكُونُ مَفْضُولًا.
وَالثَّانِيَةُ: الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَأَمَّا

مَنْ لَا خُفَّ عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ لِقَصْدِ الْمَسْحِ، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ لِأَنْ يَقْصُرَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَسْحَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى، لِمَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ قَالَ: " «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كُنَّا سَفَرًا - أَوْ مُسَافِرِينَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى يَجِبُ فِيهَا غَسْلُ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ كَبَاطِنِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَمَا هُوَ مَسْتُورٌ بِغَيْرِ الْخِلْقَةِ أَوْلَى، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِيهِ غَسْلُ مَا اسْتَتَرَ بِنَفْسِ الْخِلْقَةِ فَجَازَ أَنْ يُشَبَّهَ بِهِ الْخُفُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ يُشَبَّهُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ مَحَلَّهُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ.
وَلِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَلِّ الشَّعْرِ وَإِنْقَاءِ الْبَشَرِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُقِيمَ يَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً والْمُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ بَطَلَ حُكْمُ الطَّهَارَةِ وَيَحْتَاجُ إِلَى لُبْسٍ ثَانٍ عَلَى طَهَارَةِ غُسْلٍ إِنْ أَحَبَّ الْمَسْحَ ثَانِيًا وَهَلُمَّ جَرَّا؛ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَالُ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ.

وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ «النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: " لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالسَّفَرُ الْمُعْتَبَرُ لِلْمُدَّةِ هُوَ السَّفَرُ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ فِي قَدْرِهِ وَإِبَاحَتِهِ.
فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ كَانَ مُحَرَّمًا مَسَحَ كَالْمُقِيمِ، جَعْلًا لِوُجُودِ هَذَا السَّفَرِ كَعَدَمِهِ، وَقِيلَ فِي السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ لَا يَمْسَحُ أَصْلًا عُقُوبَةً لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ فِي الْأَصْلِ رُخْصَةٌ فَلَا يُعَانُ بِهِ عَلَى سَفَرِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الرُّخَصَ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ السَّفَرَ يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرٍ فِعْلُهَا كَالْفِطْرِ فِي الْمَرَضِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَوَّلُ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ بَعْدَ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي أَشْهَرَ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى مِنْ حِينِ الْمَسْحِ بَعْدَ الْحَدَثِ إِلَي مِثْلِهِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فَلَوْ كَانَ أَوَّلُهُ الْحَدَثَ لَكَانَ

الْمَسْحُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَقَدْ لَا يُمْسَحُ أَصْلًا إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ بَعْدَ الْحَدَثِ ثَلَاثًا، وَقَالَ عُمَرُ: " امْسَحْ إِلَى مِثْلِ سَاعَتِكَ الَّتِي مَسَحْتَ فِيهَا " رَوَاهُ الْخَلَّالُ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمَرَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنُّوْمِ، فَمَفْهُومُهُ إِنَّمَا يُنْزَعُ لِثَلَاثٍ يَضْمَنُهُنَّ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنَّوْمِ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ وَقْتٌ يُبَاحُ فِيهِ الْمَسْحُ فَكَانَ مِنَ الْمُدَّةِ كَمَا بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ.
وَهَذَا لِأَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ مَا جَازَ فِيهِ فِعْلُهَا إِلَّا مَا وَقَعَ فِعْلُهَا كَالصَّلَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ ثَلَاثًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي فَإِنَّهُ مِنَ الْمُدَّةِ، وَقَدْ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْمَسْحِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الْمَسْحِ عَقِيبَ الْحَدَثِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَسْأَلَةٌ متى تبطل طهارة المسح على الخفين]

مَسْأَلَةٌ: " وَمَتَى مَسَحَ ثُمَّ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ أَوْ خَلَعَ قَبْلَهَا بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ " لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ " أَوْ خَلَعَ " قَبْلَهَا بَطَلَ حُكْمُ الْمَسْحِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ؛ سَوَاءٌ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ لَمْ يَنْزِعْهُمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ طَهَارَةَ الْمَسْحِ فِيهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَذِنَ فِي الْمَسْحِ ثَلَاثًا لِمَنْ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةِ غُسْلٍ، وَأَمَرَ بِالْخَلْعِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَمَتَى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ خَلَعَ الْخُفَّ، فَإِنَّهُ شَرْطُ الْمَسْحِ، وَكُلُّ حَالٍ لَا يَجُوزُ فِيهَا ابْتِدَاءُ الطَّهَارَةِ لَا يَجُوزُ فِيهَا اسْتِدَامَتُهَا كَالتَّيَمُّمِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الطَّهَارَةِ خُصُوصًا أَقْوَى مِنَ اسْتِدَامَتِهَا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَذَاكَ حُكْمٌ، وَلِهَذَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ وَطَهَارَةِ

الْمُتَيَمِّمِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَا يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَخَلْعِ الْخُفِّ يَمْتَنِعُ ابْتِدَاءُ طَهَارَةِ الْمَسْحِ، فَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ اسْتِدَامَتُهَا، وَيُفَارِقُ هَذَا إِذَا أَزَالَ شَعْرَهُ أَوْ ظُفْرَهُ أَنَّ طَهَارَتَهَا بِحَالِهَا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحَدَثُ الْأَصْلِيُّ قَبْلَ ظُهُورِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ طَهَارَتُهُ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْحَدَثُ الْأَصْلِيُّ قَبْلَ ظُهُورِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ طَهَارَتُهُ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْحَدَثُ التَّابِعُ كَغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَإِذَا زَالَ الْحَدَثُ عَنْ مَحَلِّ الْوُضُوءِ زَالَ عَنْهُ تَبَعًا فَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا، وَالرِّجْلُ تَعَلَّقَ بِهَا الْحَدَثُ الْأَصْلِيُّ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُشْرَعُ طَهَارَتُهَا فَلَوْ غَسَلَهَا فِي الْخُفِّ أَجْزَأَ؛ وَلِهَذَا يَتَعَدَّى حُكْمُ الْحَدَثِ فِي إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، وَلَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِذَا زَالَ عَنْهَا بِشَرْطٍ عَادَ إِلَيْهَا بِفَوَاتِهِ، وَتَبْطُلُ الطَّهَارَةُ بِذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ، فَإِذَا أَرَادَ عَوْدَهَا احْتَاجَ إِلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَفِي الْأُخْرَى تَبْطُلُ طَهَارَةُ الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً فَيَكْفِيهِ غَسْلُهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ وَاللُّبْسَ إِنَّمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِمَا خَاصَّةً، فَإِذَا زَالَ كَانَتَا كَرِجْلَيْنِ لَمْ تُغْسَلَا فَيَكْفِي غَسْلُهُمَا خَاصَّةً، وَهَذَا بِمَثَابَةِ مَنْ تَوَضَّأَ إِلَّا غَسْلَ رِجْلَيْهِ فَانْقَلَبَ الْمَاءُ فَيَتَيَمَّمَ لَهُمَا فَلَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ أَوْ بِكَثِيرٍ وَقُلْنَا: الْمُوَالَاةُ لَيْسَتْ شَرْطًا كَفَاهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ، وَبَنَوْا هَذَا عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ تَتَبَعَّضُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا كَالْغُسْلِ، فَأَمَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ عَنِ الرِّجْلِ خَاصَّةً فَيَغْسِلُ بِحُكْمِ الْحَدَثِ السَّابِقِ أَوْ نَقُولُ: ارْتَفَعَ عَنْهَا وَعَادَ إِلَيْهَا خَاصَّةً، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا أَبْطَلَ طَهَارَةَ عُضْوٍ أَبْطَلَ طَهَارَةَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ؛ ثُمَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ بَنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ فَإِذَا تَأَخَّرَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ، وَالْتَزَمُوا عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَلْعُ وَانْقِضَاءُ الْمُدَّةِ عَقِيبَ الْمَسْحِ كَفَى غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَبَنَوْا هَذَا عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْحِ لَا تَرْفَعُ حَدَثَ الرِّجْلِ وَإِنَّمَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَلَمْ يَرْتَفِعِ الْحَدَثُ كَالتَّيَمُّمِ وَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَإِذَا طَهُرَتِ الرِّجْلُ وَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ طَهُرَ حُكْمُ

السَّابِقِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ سَوَاءٌ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ قَصُرَ بِنَاءً عَلَى شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ رَفْعًا مُؤَقَّتًا؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّهُمَا عَاجِزَانِ عَنْ رَفْعِ الْحَدَثِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الرِّجْلِ سَرَى إِلَى بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَلَا يَرْتَفِعُ عَنْ عُضْوٍ حَتَّى يَرْتَفِعَ عَنِ الْجَمِيعِ.
بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ بِبَعْضِهِ فَائِدَةٌ أَصْلًا، وَأَنَّ حُكْمَهُ يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ؛ وَذَلِكَ مُعَلَّقٌ عَلَى طَهَارَةِ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ لَكِنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ دُونَ بَعْضٍ فَمَتَى اسْتَبَاحَ الصَّلَاةَ بِمَسْحِ الرِّجْلِ، ثُمَّ زَالَتِ الْإِبَاحَةُ عَنْهَا زَالَتْ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَتَى تَيَمَّمَ لِرِجْلَيْهِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ عَقِيبَ ذَلِكَ أَنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَخَلْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَخَلْعِهِمَا فَيُوجِبُ عَلَيْهِ غَسْلَهُمَا أَوْ جَمِيعُ الطَّهَارَةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ بَعْضُ الْقَدَمِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَخْرَجَ الْقَدَمَ أَوْ بَعْضَهُ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ خُرُوجًا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ مَعَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى إِنْ جَاوَزَ الْعَقِبُ مَوْضِعَ الْغَسْلِ فَهُوَ كَنَزْعِهِ وَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَالْأُولَى أَقْوَى لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْقَدَمِ هُوَ الشَّرْطُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا فَإِنَّهُ لَا يَمْسَحُ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي ابْتِدَاءِ الطَّهَارَةِ كَانَ شَرْطًا فِي بَقَاءِ حُكْمِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.

[مَسْأَلَةٌ مدة المسح لمن مسح مسافرا ثم أقام أو مسح مقيما ثم سافر]

مَسْأَلَةٌ " وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ أَوْ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ " أَمَّا إِذَا مَسَحَ بَعْضَ الْمُدَّةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَحَهُمَا قَبْلَ إِقَامَتِهِ فَيَخْلَعُ، وَهَذَا بِلَا تَرَدُّدٍ، وَأَمَّا إِذَا مَسَحَ بَعْضَ الْمُدَّةِ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْدَثَ، وَلَوْ لَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ تَمَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَإِنْ كَانَ ابْتَدَأَهُنَّ مِنْ حِينِ الْحَدَثِ الْمَوْجُودِ فِي الْحَضَرِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَاتِ عِبَادَاتٌ لَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَلَا يَفْسُدُ أَوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا، فَاعْتُبِرَ كُلُّ مَسْحٍ بِالْحَالِ الْحَاضِرَةِ كَالصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ، وَالْأُخْرَى يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عِبَادَةٌ يَخْتَلِفُ قَدْرُهَا بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ غَلَبَ حُكْمُهُ كَالصَّلَاةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَسْحَاتِ وَإِنَّ كُنَّ عِبَادَاتٍ لَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لَكِنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ مُرْتَبِطٌ بِبَعْضٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ بِنَاءِ أَحَدِ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ فَإِذَا وَقَعَ بَعْضُ الْمُدَّةِ فِي الْحَضَرِ وَجَوَّزْنَا أَنْ يُتِمَّ مَسْحَ ثَلَاثٍ لَكَانَ قَدْ وَقَعَ مَسْحُ الثَّلَاثِ فِي الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ وَهُوَ خِلَافُ الْحَدِيثِ، وَهَذَا أَشْبَهَ بِالصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ لَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي الْوَقْتِ وَلَا فِي الْفِعْلِ وَلَوْ جُعِلَتْ كَالْعِبَادَاتِ لَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُعْطَى كُلٌّ بِحِسَابِهِ، فَإِذَا مَسَحَ ثُلُثَ يَوْمٍ فِي الْحَضَرِ فَقَدْ مَسَحَ ثُلُثَ مُدَّتِهِ فَيَمْسَحُ فِي السَّفَرِ ثُلُثَيْ مُدَّتِهِ وَهِيَ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعِبَادَاتِ وَأَوْقَاتِهَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَحَدِهِمَا لَا بِهِمَا؛ وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى جَعْلِ مُدَّةٍ ثَالِثَةٍ غَيْرَ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثَةِ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَأَمَّا إِذَا أَحْدَثَ فِي

الْحَضَرِ وَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ فَإِنَّمَا أَبَحْنَا لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهَا فِي الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَمْ يُفْعَلْ شَيْءٌ مِنْهَا وَلَا وَجَبَتْ فِي الْحَضَرِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ وَقْتُ جَوَازِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَلَى صَبِيٍّ مُقِيمٍ فَبَلَغَ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ سَفَرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ جَمِيعَهُ إِذَا وَقَعَ فِي السَّفَرِ تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ جَمِيعُ مَشَقَّةِ السَّفَرِ بِخِلَافِ مَا إِذَا وُجِدَ بَعْضُهُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ بَعْضُ الْمَشَقَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا شُكَّ فِي أَوَّلِ مُدَّةِ الْمَسْحِ بُنِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَلَوْ شَكَّ الْمُسَافِرُ هَلِ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ أَوِ السَّفَرِ بَنَى عَلَى مَسْحِ حَاضِرٍ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ عَلَى الْيَقِينِ، كَمَا لَوْ شَكَّ الْمُقِيمُ هَلِ ابْتَدَأَ الْمُدَّةَ فِي الْحَضَرِ أَوِ السَّفَرِ فَلَوْ مَسَحَ بَعْدَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَنْشَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَمَا لَوْ صَلَّى إِلَى بَعْضِ الْجِهَاتِ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهَا جِهَةُ الْقِبْلَةِ، أَوْ صَلَّى قُرَيْبَ الزَّوَالِ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ بَعْدَ الزَّوَالِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ بَنَى عَلَى مَسْحِ مُسَافِرٍ فَكَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ مَسْحَهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَكِنَّهُ يَحْسِبُ الْمُدَّةَ مِنْ حِينِ احْتِمَالِ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ أَوْ مِنْ حِينِ احْتِمَالِ الْمَسْحِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ طَاهِرٍ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يَبْنِي حُكْمَ الْمُدَّةِ عَلَى أَوَّلِ أَوْقَاتِ الشَّكِّ، وَيَبْنِي بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ الَّتِي لَبِسَ عَلَيْهَا، وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا عَلَى الصِّحَّةِ أَخْذًا بِالْيَقِينِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُكْمَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ الاستدلال بإجزاء المسح على العمامة عن المسح على الرأس]

مَسْأَلَةٌ: " وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ ذَوَائِبَ سَاتِرَةٍ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ " لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ

عَنْ مَسْحِ مَا وَازَنَهُ مِنَ الرَّأْسِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَالَ: " «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَتَمَّمَ الْمَسْحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ، فَنَقُولُ: الْمُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ اسْتِحْبَابٌ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِلَّا أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ مَعَ الْعِمَامَةِ» ". قُلْنَا: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ إِنَّمَا سَقَطَ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ وَاجِبٌ.
الثَّانِي: مَا رَوَى ثَوْبَانُ قَالَ: " «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ شَكَوْا مَا أَصَابَهُمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْعَصَائِبُ: الْعَمَائِمُ، وَالتَّسَاخِينُ: الْخِفَافُ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُ الرَّأْسِ هُوَ الْمَمْسُوحَ، وَالْفَرْضُ قَدْ سَقَطَ لَمْ يَكُنْ إِلَى الْأَمْرِ بِالْعَصَائِبِ حَاجَةٌ لِقَوْمٍ شَكَوُا الْبَرْدَ وَخَافُوا الْبَرْدَ أَنْ يَلْحَقَ رُءُوسَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِمَسْحِ الْعَصَائِبِ مُطْلَقًا، كَمَا أَمَرَهُمْ بِالْخِفَافِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ مَعَ ذَلِكَ بِمَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهُ بِمَسْحِ الْخُفِّ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَقَلُوا أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ فَهِمُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَا فَهِمُوا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّ لِبَاسَ الْعُضْوِ ثَابِتٌ عَنْهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ: رُوِيَ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ عَنْ ثَمَانِيَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: " مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ " وَلَوْ كَانَ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِي حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِهِ، وَأَنَّ الْفَرْضَ إِنَّمَا هُوَ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ لَمْ يَكُنْ فِي حِكَايَةِ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ فَائِدَةٌ، وَلَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: مَذْهَبُهُمْ جَوَازُ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرُوا مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ أَصْلًا فَكَيْفَ يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ مَا لَمْ يَقُولُوهُ، وَلَاسْتَحَالَ قَوْلُ عُمَرَ: مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ.
فَإِنَّ الْمُخَالِفَ يَقُولُ: إِنَّمَا طَهَّرَهُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ.

الْخَامِسُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ الْعَزِيزِ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ رُدَيْحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ «عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ».
وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: عُمَرُ بْنُ رُدَيْحٍ صَالِحُ الْحَدِيثِ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «يُمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» ". وَأَحَادِيثُ شَهْرٍ حِسَانٌ، وَالتَّوْقِيتُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْبَدَلِ وَاللِّبَاسِ وَالْحَائِلِ.
السَّادِسُ: إِنَّمَا نَقُولُ بِمُوجَبِ دَلِيلِهِمْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِذَا مَسَحَ مَا يَظْهَرُ مِنَ الرَّأْسِ عَادَةً كَمُقَدَّمِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَنْ مَسْحِ مَا سَتَرَتْهُ فَبَقِيَ " الظَّاهِرُ " عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يُقَالُ

فَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَسْحُ الْعِمَامَةِ مَعَ الرَّأْسِ مَشْرُوعٌ إِجْمَاعًا، مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ قِيَاسِ الرِّجْلِ إِمَّا اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَتْرَ جَمِيعِ الرَّأْسِ غَيْرُ مُعْتَادٍ بِخِلَافِ سَتْرِ جَمِيعِ الْقَدَمِ.
فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ بِدُونِ الْعِمَامَةِ هُوَ الْمُجْزِئُ؟ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى وَهِيَ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا يَظْهُرُ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ بِلَالٍ وَثَوْبَانَ أُمِرَ بِمَسْحِ الْخِمَارِ وَالْعَصَائِبِ وَلَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ آخَرُ، وَكَذَلِكَ عَامَّةُ مَنْ حَكَى عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ لَمْ يَذْكُرُوا النَّاصِيَةَ إِلَّا الْمُغِيرَةَ فَيَكُونُ قَدْ فَعَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ إِذْ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُدَاوَمَ عَلَيْهِ لَمَا أَغْفَلَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَلَا يَجِبُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مَعَ مَسْحِ الْعِمَامَةِ.
وَلِأَنَّهُمَا مِنَ الْأَصْلِ تَبَعًا، وَقَدِ انْتَقَلَ الْفَرْضُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ يَسْقُطُ فِي التَّيَمُّمِ وَجَاءَ طُهُورُهُ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الْمَسْحِ فَشُرِعَ الْمَسْحُ عَلَى لِبَاسِهِ كَالرِّجْلَيْنِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ المَسْحَ إِلَى الْمَسْحِ أَقْرَبُ مِنَ الْمَسْحِ إِلَى الْغَسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ مَسْتُورٌ بِلِبَاسِهِ وَاسْتِيعَابُهُ يَشُقُّ؛ وَلِأَنَّ الْعِمَامَةَ مَحَلٌّ لِتَكْمِيلِ وَظِيفَةِ الْمَسْحِ فَكَانَتْ مَحَلًّا لِلْمَسْحِ الْمُجْزِئِ، كَجَوَانِبِ الرَّأْسِ وَعَكْسُهُ مَسْحُ بَاطِنِ الْخُفِّ.
وَفِي مَسْحِ الْمَرْأَةِ عَلَى مِقْنَعَتِهَا وَهِيَ خِمَارُهَا الْمُدَارُ تَحْتَ حَلْقِهَا رِوَايَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نُصُوصَ الرُّخَصِ إِنَّمَا تَنَاوَلَتِ الرَّجُلَ بِيَقِينٍ، وَالْمَرْأَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهَا مَلْبُوسٌ عَلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ فَهُوَ كَالْوِقَايَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، وَهِيَ أَظْهَرُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: " «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ

وَالْخِمَارِ» " وَالنِّسَاءُ يَدْخُلْنَ فِي الْخِطَابِ الْمَذْكُورِ تَبَعًا لِلرِّجَالِ كَمَا دَخَلْنَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهَا كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ " فَلَوْلَا أَنَّهَا عَلِمَتْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً لَمَا عَمِلَتْهُ، وَهِيَ أَفْهَمُ لِمُرَادِهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّأْسَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمَسْحُ عَلَى لِبَاسِهِ فَجَازَ لِلْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ؛ وَلِأَنَّهُ لِبَاسٌ يُبَاحُ عَلَى الرَّأْسِ يَشُقُّ نَزْعُهُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ عِمَامَةَ الرَّجُلِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ خِمَارَهَا يَسْتُرُ أَكْثَرَ مِنْ عِمَامَةِ الرَّجُلِ وَيَشُقُّ خَلْعُهُ أَكْثَرَ وَحَاجَتُهَا إِلَيْهِ أَشَدُّ مِنَ الْخُفَّيْنِ.
فَأَمَّا الْعِمَامَةُ لِلْمَرْأَةِ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالرِّجَالِ، وَإِنْ فُرِضَتِ الْإِبَاحَةُ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ لِحَاجَةٍ، فَهِيَ حَالَةٌ نَادِرَةٌ، فَأَمَّا مَسْحُ الرَّجُلِ عَلَى الْقَلَانِسِ الْمُبَطَّنَاتِ الْكِبَارِ كَالنَّوْمِيَّاتِ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلنَّوْمِ وَالدَّنِّيَّاتِ الَّتِي كَانَتِ الْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا مُسْتَقْدَمًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَأَبَا مُوسَى وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَخَّصُوا فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ مُبَاحٌ مُعْتَادٌ لِلرَّأْسِ أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَهَذَا إِذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً تَحْتَ الذَّقْنِ كَالْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِبَاسٌ لَا يَشُقُّ نَزْعُهُ فَأَشْبَهَ الْقَلَنْسُوَةَ غَيْرَ الْمُبَطَّنَةِ؛ وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِمَامَةِ، وَهَذِهِ لَا تُشْبِهُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ تُلْحَقْ بِهَا

فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ إِلَّا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ مِثْلَ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا يُعْفَى عَنْهُ بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَائِمَ إِنَّمَا تُلْبَسُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ هِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُحَنَّكَةً فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا؛ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى هَذَا لَا مَفْهُومَ لَهُ.
وَالْمُحَنَّكَةُ: هِيَ الَّتِي تُدَارُ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا كَوْرَتَانِ، وَتُسَمَّى الْمُحَنَّكَةُ أَوِ الْمُلْتَحَاةُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كَانَتْ عِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، فَانْصَرَفَ كَلَامُهُ وَكَلَامُ أَصْحَابِهِ إِلَيْهَا وَلَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ يُرْخُونَ الذَّوَائِبَ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ يَشُقُّ نَزْعُهَا فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْخُفِّ.
الثَّانِي: أَنْ لَا تَكُونَ مُحَنَّكَةً وَلَا ذَاتَ ذُؤَابَةٍ فَالْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا مَضَى وَلَا تُلْحَقُ بِهَا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا كَنَزْعِ الْمُحَنَّكَةِ وَلَا تَسْتُرُ سَتْرَهَا فَأَشْبَهَتِ الطَّاقِيَّةَ وَالْكَلْتَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ " كَانَ أَبِي يَكْرَهُ أَنْ يَعْتَمَّ الرَّجُلُ بِالْعِمَامَةِ وَلَا يَجْعَلَهَا تَحْتَ حَلْقِهِ " وَقَالَ أَيْضًا: " يُكْرَهُ أَنْ لَا تَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ

كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: إِنَّمَا يَتَعَمَّمُ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ " وَقَالَ أَيْضًا: " أُحِبُّ الرَّجُلَ إِذَا اعْتَمَّ أَنْ يَتَحَنَّكَ بِهَا وَلَا يَعْتَمَّ إِلَّا بِتَحْنِيكٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ ". وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: " رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَعِمَامَتُهُ تَحْتَ ذَقْنِهِ وَيَكْرَهُ غَيْرَ ذَلِكَ ". وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي آخِرِ الْغَرَائِبِ «عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّحَلِّي، وَنَهَى عَنِ الِاقْتِعَاطِ» " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي لُبْسِ الْعَمَائِمِ إِذَا لَاثَهَا الْمُعْتَمُّ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا تَحْتَ حَنَكِهِ قِيلَ: اقْتَعَطَهَا فَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَإِذَا أَدَارَهَا تَحْتَ الْحَنَكِ قِيلَ: تَلَحَّاهَا فَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ ". وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا يُصَلِّي وَقَدا اقْتَعَطَ بِعِمَامَتِهِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْعِمَامَةُ الْفَاسِقِيَّةُ ثُمَّ دَنَا مِنْهُ فَحَلَّ لَوْثًا مِنْ عِمَامَتِهِ فَحَنَّكَهُ بِهَا وَمَضَى.
وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ فِي الرَّجُلِ يَلْوِي الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا يَجْعَلُهَا تَحْتَ ذَقْنِهِ، قَالَ: " تِلْكَ عِمَّةُ الشَّيْطَانِ ". وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ أَبْصَرَ عَلَى رَجُلٍ عِمَامَةً قَدِ اعْتَمَّ بِهَا لَيْسَ تَحْتَ ذَقْنِهِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا هَذِهِ الْفَاسِقِيَّةُ؟

وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ أَبْصَرَ عَلَى رَجُلٍ عِمَامَةً قَدِ اعْتَمَّ بِهَا لَيْسَ تَحْتَ ذَقْنِهِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا هَذِهِ الْفَاسِقِيَّةُ؟ وَعَنْ عِمْرَانَ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: هَذِهِ الْأَعِمَّةُ الَّتِي لَا تَجْعَلُونَ تَحْتَ الْحَلْقِ مِنْهَا عِمَّةٌ قَوْمِ لُوطٍ يُقَالُ لَهَا الْأَبَّارِيَّةُ.
وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا " كَالْقَلَنْسُوَةِ الْمُبَطَّنَةِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا فِي السَّتْرِ وَمَشَقَّةِ النَّزْعِ لَا تَنْقُصُ عَنْهَا " وَذَلِكَ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْعَمَائِمِ وَالْعَصَائِبِ الَّتِي جَاءَ الْإِذْنُ بِهَا.
وَأَمَّا " حُكْمُ " لُبْسِهَا فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " أَدْرَكْتُ أَبْنَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَانُوا يَعْتَمُّونَ وَلَا يَجْعَلُونَهَا تَحْتَ الْحَنَكِ " لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ الْكَرَاهِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مَا أَدْرِي أَيُّ شَيْءٍ ذَلِكَ الْحَدِيثُ.
وَقَالَ أَيْضًا وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ: " مَا أَدْرِي مَا هُوَ"، وَقِيلَ لَهُ: تَعْرِفُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا " وَرَدُّ أَحْمَدَ لَهُ؛ لِأَنَّ إِجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ، قِيلَ لَهُ

سَمِعْتَ أَنْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَهْبٍ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَلَكِنَّ النَّاسَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي رَوَوْا عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ". وَلِأَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَقَلَ عَنْهُمْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُمْ وَلَعَلَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا لَكِنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا لَفْظُ الْكَرَاهَةِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةٌ تَرْتَقِي إِلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَمْنَعُ التَّرْخِيصَ كَمَا قُلْنَا فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ " أَنَّهُ يُبِيحُ الْقَصْرَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى مَا ذَكَرَ، فَلَا يُخْتَلَفُ بَيْنَ إِرْخَاءِ ذُؤَابَةٍ وَتَرْكِهِ وَمَعَ هَذَا فَيُقَالُ: مَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى الْمَسْحِ عَلَى ذَاتِ الذَّوَائِبِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ بِلَا حَنَكٍ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ إِرْخَاءَ الذُّؤَابَةِ مِنَ السُّنَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ: " يَنْبَغِي أَنْ يُرْخِيَ خَلْفَهُ مِنْ عِمَامَتِهِ كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَعْتَمُّ وَيُرْخِيهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ ". وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: " أَخْبَرَنِي أَشْيَاخُنَا أَنَّهُمْ رَأَوْا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَمُّونَ وَيُرْخُونَهَا تَحْتَ أَكْتَافِهِمْ ".

وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ اعْتَمَّ وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ نَحْوَ ذِرَاعٍ " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ قَالَ: " رَأَيْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عِمَامَةً سَوْدَاءَ قَدْ أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ ". وَقَدْ رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِذَا هُوَ رَمِدٌ فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْخَى طَرَفَ الْعِمَامَةِ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ ثُمَّ قَالَ: سِرْ، فَسَارَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " «عَمَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عِمَامَةً سَوْدَاءَ كَرَابِيسَ وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ، وَقَالَ: هَكَذَا فَاعْتَمَّ فَإِنَّهُ أَعْرَفُ وَأَجْمَلُ» ". فَإِذَا أَرْخَاهَا ذُؤَابَةً وَلَمْ يَتَحَنَّكْ فَقَدْ أَتَى بِبَعْضِ السُّنَّةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الِاقْتِعَاطِ كَانَ لِئَلَّا يُتَشَبَّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ قَطْعُ التَّشَبُّهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَمَائِمِهِمْ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْعَمَائِمَ كَانَتْ بِذَوَائِبَ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عُمُومَ النَّهْيِ يَشْمَلُهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا.
وَيُشْتَرَطُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ مِنْ لُبْسِهَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَمِنَ اعْتِبَارِ الْوَقْتِ، وَإِذَا خَلَعَهَا بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا

انْكَشَفَ رَأْسُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا مِثْلَ أَنْ يَرْفَعَهَا بِقَدْرِ مَا يُدْخِلُ يَدَهُ كَحَكِّ رَأْسِهِ أَوْ لِمَسْحِهِ فِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَفْحُشْ، وَلَوِ انْتَقَضَتْ فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُنْقَضَ بَعْضُهَا كَكَوْرٍ أَوْ كَوْرَيْنِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَا تَبْطُلُ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ مَسْتُورٌ بِبَعْضِ الْمَمْسُوحِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ ظَاهِرُ الْخُفِّ وَبَقِيَتْ بِطَانَتُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: تَبْطُلُ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ؛ لِأَنَّهُ بِانْتِقَاضِ بَعْضِهَا يَنْتَقِضُ سَائِرُهَا، فَلَمْ تَبْقَ عَلَى حَالٍ تَثْبُتُ بِنَفْسِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوِ انْفَتَقَ الْخُفُّ فَتْقًا لَا يَثْبُتُ فِي الرِّجْلِ مَعَهُ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ يَجُوزُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ فِي مَسْلَمَةِ الْخُفِّ يَحْتَاجُ هُنَا إِلَى مَسْحِ رَأْسِهِ وَغَسْلِ رِجْلَيْهِ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ.

فَصْلٌ: السُّنَّةُ أَنْ يَمْسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ مُفَرَّجَةَ الْأَصَابِعِ عَلَى أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَجُرَّهَا إِلَى سَاقِهِ، وَلَوْ بَدَأَ بِأَسْفَلِ السَّاقِ قَبْلَ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ جَازَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: " السُّنَّةُ أَنْ يُمْسَحَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ؛ لِمَا رَوَى الْمُغْيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» "، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ.
وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ فَأَشْبَهَ أَعْلَاهُ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِيعَابٌ بِالْمَسْحِ فَكَانَ مَشْرُوعًا كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْعِمَامَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ.

«لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
«وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَذَاكَ الْحَدِيثُ قَالَ التِّرْمِذِيَّ: " هُوَ مَعْلُولٌ " وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ: " الصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ» " وَلِأَنَّ أَسْفَلَ الْخُفِّ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَكَذَلِكَ لِسُنَّتِهِ كَالسَّاقِ، وَقَدْ بَيَّنَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الرَّأْيَ وَإِنِ اقْتَضَى مَسْحَهُ؛ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْوَسَخِ وَالْأَذَى إِلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ، مَعَ أَنَّ رَأْيًا يُخَالِفُ السُّنَّةَ رَأْيٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ أَسْفَلَهُ مَظِنَّةُ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَكَثْرَةِ الْوَسَخِ فَيُفْضِي إِلَى تَلْوِيثِ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ؛ إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ إِزَالَةَ الْوَسَخِ عَنِ الْخُفِّ وَلِهَذَا لَا يُشْرَعُ

غَسْلُهُ بَلْ غَسْلُهُ كَغَسْلِ الرَّأْسِ؛ وَلِأَنَّ اسْتِيعَابَهُ بِالْمَسْحِ يُفْضِي إِلَى إِخْلَاقِهِ وَإِتْلَافِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وَذَلِكَ لَا يُشْرَعُ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِمَامَةِ فَإِنَّهُ لَا أَذَى هُنَاكَ وَلَا يُخَافُ بَلَلُهَا؛ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الْمَسْحِ تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الْوِتَادِ، وَالصِّفَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا رَوَاهَا ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَغْسِلُ خُفَّيْهِ فَقَالَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ دَفَعَهُ (إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْمَسْحِ هَكَذَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى أَصْلِ السَّاقِ خُطَطًا بِالْأَصَابِعِ)».
وَرَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ وَلَفْظُهُ " «إِنَّمَا لَمْ تُؤْمَرْ بِهَذَا فَأَرَاهُ وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفِّ إِلَى السَّاقِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» " وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى مَسْحِ ظَهْرِ الْخُفِّ بِجَمِيعِ تِلْكَ الْيَدِ؛ بِخِلَافِ لَوْ بَدَأَ بِمَا يَلِي السَّاقَ فَإِنَّ بَعْضَ الْبَلَلِ يَذْهَبُ فِي السَّاقِ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ» " قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: " سُنَّةُ الْمَسْحِ هَكَذَا أَنْ يَمْسَحَ خُفَّيْهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى لِلْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لِلْيُسْرَى " قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: " كَيْفَ مَا فَعَلْتَ فَهُو جَائِزٌ بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ أَوْ

بِالْيَدَيْنِ وَلَا يُسَنُّ تِكْرَارُ الْمَسْحِ، وَلَا يُتْبَعُ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ بِالْمَاءِ، وَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ بِالْمَسْحِ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ أَحْمَدُ: " الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ هُوَ مَسُّ أَعْلَاهُ خُطَطًا بِالْأَصَابِعِ " وَقَالَ: هُوَ أَثْبَتُ عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ، وَمَسَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى رَأَيْتُ آثَارَ أَصَابِعِهِ، وَكَذَلِكَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ وَالتِّكْرَارَ يُوهِيهِ وَيُخْلِقُهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَالْوَاجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ فَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيُسَمَّى مَسْحًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَوْلُهُ: " «إِنَّمَا أُمِرْتُ هَكَذَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى أَصْلِ السَّاقِ» " وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْبَيَانِ لِلْمَسْحِ الْمُسْقِطِ لِفَرْضِ الْغَسْلِ.
وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ " أَنَّهُ مَسَحَ بِكَفِّهِ " وَفِعْلُهُ هُوَ الْمُفَسِّرُ لِلْمَسْحِ الْمَفْرُوضِ، وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي مَسْحَ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَغْسُولٍ فَكَانَ كَالْجَبِيرَةِ وَعُضْوَيِ التَّيَمُّمِ لَكِنْ سَقَطَ أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فَبَقِيَ ظَاهِرُهُ، وَالْأَكْثَرُ يُقَامُ مَقَامَ الْجَمِيعِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ بِخِلَافِ الْأَقَلِّ، وَالْمَفْرُوضُ مَسْحُ أَكْثَرِ ظَهْرِ الْقَدَمِ، فَلَوْ مَسَحَ بَدَلَ ذَلِكَ أَسْفَلَهُ أَوْ عَقِبَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِمَا رَوَى

الْخَلَّالُ «عَنْ عُمَرَ قَالَ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ إِذَا لَبِسَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ».
وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ؛ وَلِأَنَّ عَلِيًّا بَيَّنَ أَنَّ السُّنَّةَ قَدَّمَتْ ظَهْرَ الْخُفِّ عَلَى أَسْفَلِهِ مُخَالِفَةً لِلرَّأْيِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْدِيمَ أَسْفَلِهِ، فَمَتَى مَسَحَ أَسْفَلَهُ فَقَدْ وَافَقَ الرَّأْيَ الْفَاسِدَ؛ وَلِأَنَّ فِعْلَهُ خَرَجَ امْتِثَالًا وَبَيَانًا لِسُنَّةِ الْمَسْحِ الْمَفْرُوضَةِ بَدَلًا عَنِ الْغَسْلِ، وَإِنْ مَسَحَ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ غَسَلَ بَدَلًا عَنِ الْمَسْحِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَأَمَّا الْعِمَامَةُ فَالسُّنَّةُ اسْتِيعَابُهَا، قَالَ أَحْمَدُ: " يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ كَمَا يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ " وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْوَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ؛ لِأَنَّهُ حَائِلٌ شُرِعَ مَسْحُ جَمِيعِهِ فَوَجَبَ كَالْجَبِيرَةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْبَدَلَ يَحْكِي الْمُبْدَلَ لَا سِيَّمَا الْمُبْدَلُ مِنَ الْجِنْسِ، كَقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ بَدَلًا عَنِ الْفَاتِحَةِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْجِنْسِ، كَالتَّسْبِيحِ عَنِ الْقُرْآنِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِهِمْ بَلْ يُجْزِئُ أَكْثَرُهَا كَالْخُفِّ؛ لِمَا «رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَتَبَرَّزَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ جَاءَ» فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَجَانِبَيْ عِمَامَتِهِ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ مَمْسُوحٌ رُخْصَةً فَلَمْ يَجِبِ اسْتِيعَابُهُ كَالْخُفِّ، وَإِنْ أَبَانَ الْبَدَلَ مِنْهُ هُنَاكَ غَسَلَ وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُ وِفَاقًا.

وَبِهَذَا يُفَارِقُ الْجَبِيرَةَ؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ كَالْجِلْدِ فَمُسِحَتْ فِي الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ فَرْعٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ وُجُوبُ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ فَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: يُجْزِئُ الْأَكْثَرُ أَوْ قَدْرُ النَّاصِيَةِ مِنَ الرَّأْسِ وَمِنَ النَّاصِيَةِ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَيَخْتَصُّ مَحَلُّ الْإِجْزَاءِ بِأَكْوَارِهَا، وَهِيَ دَوَائِرُهَا دُونَ وَسَطِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ وَسَطَهَا بَاطِنٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَسْفَلِ الْخُفِّ، وَفِي الْآخَرِ يُجْزِئُ مِنَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَيْسَ بَاطِنُهَا مَحَلًّا لِلْأَوْلَى بِخِلَافِ الْخُفِّ.

[مَسْأَلَةٌ شَرْطِ الْمَسْحِ على العمامة والخف]

مَسْأَلَةٌ: " وَمِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ أَنْ يَلْبَسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ " لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخُفَّيْنِ أَنْ يَكُونَ قَدْ لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ، فَلَوْ كَانَ مُحْدِثًا حِينَ لَبِسَهُمَا أَوْ أَحَدَثَ حِينَ وَضَعَ قَدَمَهُ فِي " الْخُفِّ " قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ تَعَلَّقَ بِالرِّجْلِ فِي حَالِ ظُهُورِهَا فَصَارَ فَرْضُهَا الْغَسْلَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ حِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْهُ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةَ حَضَرٍ فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ فَقَدِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ تَامَّةً فَلَا يَجُوزُ قَصْرُهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا لَبِسَ طَاهِرًا ثُمَّ أَحْدَثَ فَإِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا عَلَى صِفَةٍ يَشُقُّ غَسْلُهَا فَكَانَ الْفَرْضُ فِيهَا عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؛ إِمَّا الْغَسْلُ أَوِ الْمَسْحُ، وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الطَّهَارَةُ قَبْلَ اللُّبْسِ فَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى حَدَثٍ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْلَعَهُ ثُمَّ يَلْبَسَهُ لِيَكُونَ حِينَ اللُّبْسِ مُتَطَهِّرًا.

لِمَا «رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: " دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ: " «دَعِ الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» ". «وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَمْسَحُ أَحَدُنَا عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ، «وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا " وَلَا نَخْلَعَهُمَا مِنْ غَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا نَخْلَعَهُمَا إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: " هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَبِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ حِينَ أَدْخَلَهُمَا الْخُفَّيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا لَبِسَ الْخُفَّ مُحْدِثًا لَبِسَهُ مَعَ قِيَامِ فَرْضِ الْغَسْلِ بِالرِّجْلِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا حَتَّى أَحْدَثَ، وَلَا يُقَالُ النَّزْعُ وَاللُّبْسُ عَبَثٌ بَلْ هُوَ تَحْقِيقٌ لِشَرْطِ الْإِبَاحَةِ كَمَا أَنَّ مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا بِالْكَيْلِ ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنَّهُ يَكِيلُهُ ثَانِيًا.

وَلَا بُدَّ أَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى يَكْفِيهِ أَنْ يُدْخِلَ كُلَّ قَدَمٍ وَهِيَ طَاهِرَةٌ، فَلَوْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْمَسْحُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ حَتَّى يَخْلَعَ مَا لَبِسَهُ قَبْلَ تَمَامِ طُهْرِهِ فَلْيَلْبَسْهُ بَعْدَهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَوَى الْجُنُبُ رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا الْخُفَّ ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُحْدِثُ، وَقُلْنَا: التَّرْتِيبُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْأُولَى، وَجَازَ عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: («أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ») وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَمَا يُقَالُ دَخَلَ الرَّجُلَانِ الدَّارَ وَهُمَا رَاكِبَانِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كِلَيْهِمَا رَاكِبٌ حِينَ دُخُولِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلُ إِذْ ذَاكَ رَاكِبًا أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ الْمُتَقَدِّمِ إِذَا أَدْخَلْنَاهُمَا مَعَ طُهْرٍ وَذَاكَ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الطُّهْرُ الْكَامِلُ.
وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَالتَّطَهُّرُ إِنَّمَا هُوَ كَمَالُ التَّوَضُّؤِ؛ وَلِأَنَّ اللُّبْسَ اعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ فَاعْتُبِرَتِ

الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَمَسْحِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ بِعُضْوٍ غَسَلَهُ حَتَّى يُطَهِّرَ الْجَمِيعَ.
وَلَا يَمْسَحُ عَلَى خُفِّ رِجْلٍ غَسَلَهَا حَتَّى يَغْسِلَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى وَيَلْبَسَ خُفَّهَا، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا " لِإِثْبَاتِ " أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ طَاهِرَةٌ عِنْدَ دُخُولِهَا، وَلَا يَثْبُتُ لَهَا الطَّهَارَةُ حَتَّى يَغْسِلَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الْعُضْوِ إِلَّا بَعْدَ كَمَالِ الْوُضُوءِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِعُضْوٍ مَغْسُولٍ، عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ إِنْ شِئْتُمَا أَوْ إِنْ حِضْتُمَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُوجَدَ الشَّرْطُ مِنْهُمَا.
فَأَمَّا الْعِمَامَةُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ كَالْخُفِّ فَلَوْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ لَبِسَهَا ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ " حَتَّى " يَبْتَدِئَ لُبْسَهَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَفِي الْأُخْرَى يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهَا بَعْدَ طَهَارَةِ مَحَلِّهَا، وَلَوْ لَبِسَهَا مُحْدِثًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَرَفَعَهَا رَفْعًا فَاحِشًا فَكَذَلِكَ كَمَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ مُحْدِثًا فَلَمَّا غَسَلَ رِجْلَيْهِ رَفَعَهُ إِلَى السَّاقِ ثُمَّ أَعَادَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهَا رَفْعًا فَاحِشًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَمَا لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ؛ لَأَنَّ الرَّفْعَ الْيَسِيرَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ هُنَاكَ لِلْمَشَقَّةِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ فِي الْعِمَامَةِ: لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ابْتِدَاءُ اللِّبَاسِ عَلَى طَهَارَةٍ بَلْ يَكْفِي فِيهَا الطَّهَارَةُ الْمُسْتَدَامَةُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْجَارِيَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَوَضَّأَ رَفَعَ الْعِمَامَةَ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنْ يَبْقَى مَكْشُوفَ الرَّأْسِ إِلَى آخِرِ الْوُضُوءِ وَلَا أَنْ يَجْعَلَهَا بَعْدَ وُضُوئِهِ ثُمَّ يَلْبَسَهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ.

فَإِنَّ عَادَتَهُ أَنْ يُبْتَدَأَ لُبْسُهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَغَسْلُهُ فِي الْخُفِّ نَادِرٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ وَقَدْ عَلَّلَ أَصْحَابُنَا الْخُفَّ بِنُدْرَةِ غَسْلِ الرِّجْلِ فِيهِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَنْعَكِسُ فِي الْعِمَامَةِ لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: ابْتِدَاءُ اللُّبْسِ عَلَى كَمَالِ الطَّهَارَةِ وَاجِبٌ، فَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: يَكْفِي لُبْسُهَا عَلَى طَهَارَةِ مَحَلِّهَا وَجَعَلْنَا رَفْعَهَا شَيْئًا يَسِيرًا، ثُمَّ إِعَادَتَهَا ابْتِدَاءَ لُبْسٍ فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا ذَكَرْنَا.

فَصْلٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ وَهُوَ حَاقِنٌ كَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَطَرْدُ ذَلِكَ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافُ بِهَا لِأَنَّ الْحَدَثَ الْقَرِيبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَالْحَاصِلِ فِي الْمَنْعِ فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْكَرَاهَةِ، وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ سُؤْرَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَتَطَهَّرَ مِنْهُ ثُمَّ لَبِسَ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ تَوَضَّأَ مِنْهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَ طَاهِرًا فَقَدْ صَلَّى بِطَهَارَةِ وُضُوءٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَقَدْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَفِي هَذِهِ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهَا وَالطَّهَارَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: غَسْلٌ، وَمَسْحٌ، وَتَيَمُّمٌ، وَطَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ غَسْلٍ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ وَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ مَسْحٍ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْخُفِّ مِثْلَ أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا أَوْ جَوْرَبًا فَيَمْسَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَلْبَسَ فَوْقَهُ خُفًّا أَوْ جُرْمُوقًا فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ لَا يُمْسَحُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مَحْسُوبٌ مِنَ الْمُدَّةِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَبَاحَ الْمَسْحَ عَلَى طُهْرٍ مَسْحَ ثَلَاثٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ التَّحْتَانِيَّ بَدَلٌ عَنِ الرِّجْلِ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ أَنْ " يُحْدِثَ " فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ الْبَدَلِ فَجَازَ أَنْ يَمْسَحَ

وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَمْسَحَ التَّحْتَانِيَّ وَيَدَعَهُ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَغْسِلَ الرِّجْلَ فِي الْخُفِّ، وَإِذَا مَسَحَ الْفَوْقَانِيَّ ثُمَّ نَزَعَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَدَتْ رِجْلُهُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لَأَنَّ الْمَسْحَ تَعَلَّقَ بِالْفَوْقَانِيِّ وَحْدَهُ فَصَارَ التَّحْتَانِيُّ " كَاللِّفَافَةِ " بِخِلَافِ مَا إِذَا نَزَعَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ، فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ جَائِزٌ وَلُبْسُ الْفَوْقَانِيِّ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ بَلْ يَتَطَهَّرُ عَلَيْهِ إِمَّا بِمُجَرَّدِ مَسْحِهِ أَوْ تَكْمِيلِ الطَّهَارَةِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمَمْسُوحَ دُونَ الْفَوْقَانِيِّ، وَلَوْ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ وَقَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى التَّحْتَانِيِّ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ " عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ". وَلَا يُشَبَّهُ بِهَذَا أَنْ يَخِيطَ عَلَى الْخُفِّ جِلْدَةً؛ لِأَنَّ هُنَا خُفَّيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْخُفَّانِ صَحِيحَيْنِ، فَإِنْ كَانَ التَّحْتَانِيُّ مُخَرَّقًا وَالْفَوْقَانِيُّ صَحِيحًا مَسَحَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَبِسَهُ عَلَى لِفَافَةٍ، وَإِنْ كَانَ التَّحْتَانِيُّ صَحِيحًا وَالْفَوْقَانِيُّ مُخَرَّقًا فَالْمَنْصُوصُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ خُرُوقَهُ مَسْتُورَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ لِفَافَةٌ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْجَوَارِبِ مَعَ النَّعْلِ فَإِنْ ثَبَتَ الصَّحِيحُ بِالْمَخْرُوقِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَوْرَبِ مَعَ النَّعْلِ، وَإِنْ ثَبَتَ الصَّحِيحُ بِنَفْسِهِ مَسَحَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَا مُخَرَّقَيْنِ، وَقُلْنَا يَمْسَحُ عَلَى الْمُخَرَّقِ فَوْقَ الصَّحِيحِ فَهُنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُمْسَحُ أَيْضًا كَالْجَوْرَبِ الثَّابِتِ بِنَعْلٍ.
وَالثَّانِي: لَا يُمْسَحُ كَالْمُخَرَّقِ فَوْقَ اللِّفَافَةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا أَوْ عِمَامَةً عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْغَسْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَيْهَا وَالْجَبِيرَةُ بِمَنْزِلَةِ جِلْدِهِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْعِمَامَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ يَشُدَّ جَبِيرَةً عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ أَحَدِهِمَا، وَنَقُولُ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الْجَبِيرَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لُبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاقِصَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى خُفٍّ مَمْسُوحٍ أَوْ لَبِسَ الْعِمَامَةَ عَلَى قَلَنْسُوَةٍ مَمْسُوحَةٍ، وَجَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْحِ تَرْفَعُ الْحَدَثَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالنَّصُّ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ بِعُمُومِهِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي الْمَلْبُوسِ مَعَ الْمَمْسُوحِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْبَدَلِ، وَلِبَعْضِ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ تَيَمُّمٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بَعْدَ لُبْسِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ قَبْلَ لُبْسِهِ فَيَكُونُ فِي التَّقْدِيرِ قَدْ لَبِسَ وَهُوَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مُتَطَهِّرًا فِي مَا لَا يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا إِلَى الْمَسْحِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ غَسْلِ رِجْلَيْهِ وَلُبْسِ الْخُفِّ حِينَئِذٍ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَنْ يَتَيَمَّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ تَيَمَّمَ خَوْفَ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ لِجُرْحٍ أَوْ قُرْحٍ فَإِنَّهُ إِذَا لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى هَذِهِ الطَّهَارَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَعْلِيلُ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الطُّهْرُ الَّذِي مَعَهُ حَدَثٌ دَائِمٌ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا إِذَا لَبِسَتِ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَتِهَا تَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فِي السَّفَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ كَطَهَارَةِ ذِي الْحَدَثِ الْمُنْقَطِعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ كَامِلَةٌ فِي حَقِّهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فَرْضٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ اللُّبْسِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ حِينَ ابْتَدَأَهُ وَقَدْ كَانَتْ طَهَارَتُهُ حُكْمًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ الْمَاءُ زَالَتْ ضَرُورَتُهُ فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ، وَمَظِنَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَنْقَطِعَ دَمُهَا فِي ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ الِانْقِطَاعَ الْمُعْتَبَرَ فَإِنَّ ضَرُورَتَهَا قَدْ زَالَتْ فَكَذَلِكَ قُلْنَا هُنَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهَا مِنْ أَصْلِهَا حَتَّى يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ ظَهَرَ عَمَلُهُ كَمَا يَلْزَمُ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ.

وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: " إِنَّمَا تَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ مَا دَامَتْ فِي الْوَقْتِ فَتَنْتَفِعُ بِذَلِكَ لَوْ أَحْدَثْتَ بِغَيْرِ الْحَدَثِ الدَّائِمِ، فَأَمَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا تَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ كَمَا لَا تَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ ". وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالَ أَحْمَدُ: " الْمُسْتَحَاضَةُ تَمْسَحُ عَلَى خُفِّهَا " وَقَالَ أَيْضًا: " الَّذِي بِهِ الرُّعَافُ إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ".

[مَسْأَلَةٌ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ]

مَسْأَلَةٌ: " وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ بِشَدِّهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ إِلَى أَنْ يَحُلَّهَا " هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ مَعَ مَسْحِهَا، لِمَا «رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ قَالَ: يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ)» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْجَرِيحَ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ الْغُسْلَ خَشْيَةَ الضَّرَرِ وَيُشْبِهُ لَابِسَ الْخُفِّ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِنَزْعِ الْحَائِلِ.

فَلَمَّا أَشْبَهَهُمَا جُمِعَ لَهُ حُكْمُهُمَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ خَرَجَتْ بِإِبْهَامِهِ قُرْحَةٌ فَأَلْقَمَهَا مَرَارَةً فَكَانَ يَتَوَضَّأُ عَلَيْهَا.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " مَنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ مَعْصُوبٌ عَلَيْهِ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْعِصَابَةِ وَيَغْسِلُ مَا حَوْلَ الْعِصَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِصَابٌ مَسَحَ مَا حَوْلَهُ ". وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيٍّ خِلَافُهُ، وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: " انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ.

وَرَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ فَهُوَ مُعْتَضِدٌ بِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ فَأَجْزَأَهُ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ، كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالْعِمَامَةِ وَأَوْلَى، لِأَنَّ هَذَا يَتَضَرَّرُ بِالنَّزْعِ، وَلَابِسُ الْخُفِّ لَا يَتَضَرَّرُ بِالنَّزْعِ، وَلِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَلْحَقَ بِذِي الْجُرْحِ الظَّاهِرِ أَوْ بِلَابِسِ الْخُفِّ أَوْ بِهِمَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَا حَائِلَ هُنَاكَ يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ إِلَيْهِ وَيُجْعَلُ الْجُرْحُ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ.
وَالثَّانِي: أَضْعَفُ مِنْهُ؛ لِأَنَّنَا إِذَا أَلْحَقْنَاهُ بِهِمَا عَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ وَأَوْجَبْنَا طَهَارَتَيْنِ عَنْ مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَجَعَلْنَاهُ أَغْلَظَ مِنْ لَابِسِ الْخُفِّ مَعَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّخْفِيفِ مِنْهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَلْحَقَ بِلَابِسِ الْخُفِّ لَا سِيَّمَا وَطَهَارَةُ الْمَسْحِ تُشَارِكُ الْغَسْلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، وَأَنَّهَا بِالْمَاءِ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ صَاحِبِ الشَّجَّةِ فَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يَكْفِيهِ إِمَّا التَّيَمُّمُ وَإِمَّا أَنْ يَعْصِبَ عَلَى شَجِّهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجُرْحَ الظَّاهِرَ لَا يُوجِبُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَأَنْ يَعْصِبَ ثُمَّ يَمْسَحَ الْعِصَابَةَ، وَالْوَاوُ وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى " أَوْ " كَمَا فِي قَوْلِهِ " ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] " وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ أَيْضًا، وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؟ تُخُرِّجَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا لَا يُعِيدُ، وَفِي عِصَابَةِ الْفِصَادِ يَمْسَحُ وَيَتَيَمَّمُ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ، فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ شَدُّهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَمْ لَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَوْلُهُ: " إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ بِشَدِّهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ " يَعْنِي أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى أَنْ يَتَجَاوَزَ بِهَا مَوْضِعَ الْكَسْرِ، فَإِنَّ الْجَبِيرَةَ تُوضَعُ عَلَى طَرَفَيِ الصَّحِيحِ لِيَنْجَبِرَ الْكَسْرُ، وَقَدْ يَتَجَاوَزُ بِهَا إِلَى جُرْحٍ أَوْ وَرَمٍ أَوْ

شَيْءٍ يُرْجَى بِهِ الْبُرْءُ وَسُرْعَةُ الْبُرْءِ، وَقَدْ يُضْطَرُّ إِلَى الْجَبْرِ بِعَظْمٍ يَكْفِيهِ أَصْغَرُ مِنْهُ، لَكِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ وَلَا مَا يُصَغَّرَ بِهِ، وَمَتَى تَجَاوَزَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا ضَرُورَةٍ لَزِمَهُ النَّزْعُ إِنْ لَمْ يَضُرُّهُ وَإِنْ خَافَ مِنْهُ الضَّرَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ النَّزْعُ إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي جَبْرِ كَسْرِهِ بِعَظْمٍ نَجِسٍ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ مَا لَمْ يَخْشَ التَّلَفَ، وَهَلْ يُجْزِئُهُ مَسْحُ الزَّائِدِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا لِأَنَّهُ شَدَّهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَيَمْسَحُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَيَتَيَمَّمُ لِلزَّائِدِ، وَقِيلَ يَمْسَحُهُ أَيْضًا مَعَ التَّيَمُّمِ.
وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ مَسْحُهُ، قَالَهُ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِهِ ضَرُورَةٌ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَوْضِعَ الْكَسْرِ، وَتَرْكُ التَّحَرُّزِ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ الرُّخْصَةَ كَمَنْ كُسِرَ عَظْمُهُ ابْتِدَاءً، قَالَ الْخَلَّالُ: " كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتَوَقَّى لِأَنْ يَبْسُطَ الشَّدَّ عَلَى الْجُرْحِ بِمَا يُجَاوِزُهُ ثُمَّ سَهَّلَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَيْمُونِيِّ وَالْمَرْوَزِيِّ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ وَهُوَ شَدِيدٌ جِدًّا وَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ كَيْفَ شَدَّهَا " وَقَوْلُهُ: " إِلَى أَنْ يَحُلَّهَا " " يَعْنِي لَا يَتَوَقَّتُ مَسْحُهَا كَالْخُفِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَسْحَهُ لِضَرُورَةٍ بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ، وَيَجِبُ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ وَاسْتِيعَابُهَا بِالْمَسْحِ لِأَنَّهُ مَسْحٌ مَشْرُوعٌ لِلضَّرُورَةِ فَوَجَبَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْبَدَلَ يَحْكِي مُبْدَلَهُ، بِخِلَافِ الْخُفِّ وَالْعِمَامَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَبَعْضُهَا خَارِجًا عَنْهُ مَسَحَ مَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ ". وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا طَهَارَةٌ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ كَالْخُفِّ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ شَدَّهَا عَلَى حَدَثٍ نَزَعَهَا، فَإِنْ أَضَرَّهُ نَزْعُهَا، تَيَمَّمَ لَهَا كَالْجَرِيحِ وَقِيلَ يَمْسَحُهَا وَيَتَيَمَّمُ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ لَهَا الطَّهَارَةُ قَبْلَ الشَّدِّ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ وَغَيْرُهُمَا، وَأَشَارَ الْخَلَّالُ أَنَّهَا الرِّوَايَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ فِي الْعِمَامَةِ وَالْخُفِّ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجَبِيرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ لَهَا ذَلِكَ، لِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الطَّهَارَةِ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَتُفَارِقُ الْخُفَّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكَسْرَ وَالْفَكَّ يَقَعُ فَجْأَةً وَبَغْتَةً وَيُبَادَرُ إِلَى إِصْلَاحِهِ عَادَةً، فَفِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ حَرَجٌ عَظِيمٌ وَرُبَّمَا تَعَذَّرَتِ الطَّهَارَةُ بِأَنْ يَجْرِيَ دَمٌ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَلَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهَا إِلَّا بِغَسْلِ الْمَحَلِّ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ فَيُضْطَرُّ إِلَى شَدِّهَا عَلَى الْحَدَثِ، فَإِمَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِالتَّيَمُّمِ فَقَطْ، فَالْمَسْحُ خَيْرٌ مِنَ التَّيَمُّمِ، أَوْ بِهِمَا، وَهُوَ خِلَافُ الْأُصُولِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَسْحُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَبِيرَةَ كَالْأَعْضَاءِ، وَتَجْرِي مَجْرَى جِلْدَةٍ انْكَشَطَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُمْسَحُ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي مَسْحِهَا، بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِذَا حَلَّ الْجَبِيرَةَ أَوْ سَقَطَتْ فَهُوَ كَمَا لَوْ خَلَعَ الْعِمَامَةَ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى يَكْفِيهِ غَسْلُ مَوْضِعِهَا وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا قَبْلَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَسَحَهَا فِي غَسْلٍ يَعُمُّ الْبَدَنَ كَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، فَيَسْقُطُ الِاسْتِئْنَافُ بِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ، وَالْمَسْحُ عَلَى حَائِلِ الْجُرْحِ أَوِ الدُّمَّلِ أَوْ غَيْرِهِمَا كَالْمَسْحِ عَلَى حَائِلِ الْكَسْرِ سَوَاءٌ كَانَ عِصَابَةً أَوْ دَوَاءً أَوْ مَرَارَةً أَوْ لُصُوقًا سَوَاءٌ تَضَرَّرَ بِنَزْعِ الْحَائِلِ دُونَ الْغَسْلِ أَوْ بِالْغَسْلِ دُونَ نَزْعِ الْحَائِلِ أَوْ بِهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي رِجْلِهِ شَقٌّ جَعَلَ فِيهِ قِيرًا أَوْ شَمْعًا مُغْلًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَتَضَرَّرَ بِنَزْعِهِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَيِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، حَيْثُ اسْتُعْمِلَ بَعْدَ إِغْلَائِهِ بِالنَّارِ، وَالرُّخَصُ لَا تَثْبُتُ مَعَ النَّهْيِ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَفِي كَرَاهِيَةِ الِاكْتِوَاءِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُكْرَهُ،

وَإِنَّمَا تَرْكُهُ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ، وَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا فِيهِ خَطَرٌ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ نَفْعُهُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ» " وَالثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ فِيهِ، وَالتَّرْخِيصُ بِالسَّبَبِ الْمُبَاحِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا عَلَى الصَّحِيحِ كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ النُّزْهَةِ.

[مَسْأَلَةٌ المرأة في المسح على الخف والجبيرة كالرجل]

مَسْأَلَةٌ: " وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ " يَعْنِي فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ لِأَنَّ بِهَا حَاجَةً إِلَى لُبْسِهِمَا، وَذَلِكَ مُبَاحٌ لَهَا فَأَشْبَهَتِ الرَّجُلَ، وَكَذَلِكَ تَمْسَحُ الْجَبِيرَةَ، وَأَمَّا مَسْحُهَا عَلَى الْخِمَارِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُمَا، وَمَسْحُهَا عَلَى الْعِمَامَةِ لَا يَجُوزُ لِمَا تَقَدَّمَ.

[بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ]

[مَسْأَلَةٌ الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْن سَوَاءٌ كَانَ نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا]

وَهِيَ سَبْعَةٌ: (الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ) مَعَ كُلِّ حَالٍ يَعْنِي: سَوَاءٌ كَانَ نَادِرًا أَوْ مُعْتَادًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا نَجِسًا أَوْ طَاهِرًا، أَمَّا الْمُعْتَادُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ: («وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ») وَقَوْلِهِ فِي الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الصَّلَاةِ («لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا») أَوْ كَحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الْمَذْيِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «(لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: " فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
أَمَّا النَّادِرُ فَكَالدُّودِ وَالْحَصَى وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ فَيَنْقُضُ أَيْضًا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: («فِي الْمَذْيِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ دَائِمِهِ وَمُنْقَطِعِهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ قَالَ: (لَا، إِنَّمَا ذَاكَ دَمُ عِرْقٍ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ)» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَدْ رُوِيَتْ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَلَعَلَّهُ أَفْتَى بِهَا مَرَّةً وَحَدَّثَ بِهَا أُخْرَى، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ عَنْ فَاطِمَةَ نَفْسِهَا لَا عَنْ عَائِشَةَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ ")» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟

جارٍ التحميل