شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارةمَسْأَلَةٌ:
أهل الأثرالأرشيف العلمي

" خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا

يُطَهِّرُ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ " الطَّهُورُ هُوَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِثْلُ الْفَطُورِ وَالسَّحُورِ وَالْوَجُورِ، فَأَمَّا الطَّهُورُ فَمَصْدَرُ طَهُرَ الشَّيْءُ، وَطَهُرَ طَهَارَةً وَطُهْرًا وَطَهُورًا لَيْسَ الطَّهُورُ هُوَ الطَّاهِرَ وَلَا مُبَالَغَةً فِيهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتُهُ» "، وَقَالَ: " «جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» " أَيْ مُطَهِّرَةً، وَهَذِهِ صِفَةٌ لِلْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ، فَلِذَلِكَ طَهَّرَ غَيْرَهُ وَدَفَعَ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَالْحَدَثُ: هُوَ مَعْنًى يَقُومُ بِالْبَدَنِ تَمْتَنِعُ مَعَهُ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ.
وَالنَّجَاسَةُ: هِيَ أَعْيَانٌ مُسْتَخْبَثَةٌ فِي الشَّرْعِ يَمْتَنِعُ الْمُصَلِّي مِنِ اسْتِصْحَابِهَا، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ نَجُسَ الشَّيْءُ يَنْجُسُ نَجَاسَةً فَهُوَ نَجَسٌ، وَيُقَالُ نَجِسَ الشَّيْءُ يَنْجَسُ نَجَسًا ثُمَّ سُمِّيَ الشَّيْءُ النَّجِسُ نَجَاسَةً وَنَجِسًا فَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْأَنْوَاعَ، وَالْمَاءُ يُطَهِّرُ مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11]

الجزء: 1 - الصفحة: 60

وَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43].
وَتَطَهُّرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِالْمَاءِ مَشْهُورٌ وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَير الماءِ]

مَسْأَلَةٌ: " وَلَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمَائِعٍ غَيْرِهِ " أَمَّا طَهَارَةُ الْحَدَثِ فَهِيَ كَالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ»)، إِلَّا فِي النَّبِيذِ، نَبِيذِ التَّمْرِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَجَازَ الْوُضُوءَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ لَهُمْ لِمَا «رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ لَقِيَ الْجِنَّ فَقَالَ: " أَمَعَكَ مَاءٌ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا فِي هَذِهِ الْإِدَاوَةِ؟ قُلْتُ: نَبِيذٌ، قَالَ: أَرِنِيهَا تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى»، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ، ثُمَّ إِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ كَانَ مَاءً قَدْ طُرِحَ فِيهِ تَمَرَاتٌ تُزِيلُ مُلُوحَتَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ، ثُمَّ هُوَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ

الجزء: 1 - الصفحة: 61

الْمَائِدَةِ الَّتِي فُرِضَ فِيهَا التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، فَإِنَّ قِصَّةَ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا نَجَاسَةُ الْخَبَثِ فَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ تُزَالَ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ يُزِيلُ كَالْخَلِّ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ زَوَالُ النَّجَاسَةِ، وَلِذَلِكَ يَحْصُلُ بِصَوْبِ الْغَمَامِ وَبِفِعْلِ الْمَجْنُونِ وَبِدُونِ النِّيَّةِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْمَاءِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي دَمِ الْحَيْضِ، وَغَسْلِ آنِيَةِ الْمَجُوسِ، وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَعَبُّدًا فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَلِأَنَّ الْمَاءَ أَلْطَفُ وَأَنْفَذُ فِي الْأَعْمَاقِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي نَفْسِهِ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ لِلطَّهَارَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ لِلْأَكْلِ وَلِلدِّهَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَعَمُّهَا وُجُودًا وَهُوَ طَهُورٌ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَتَنَجَّسُ فِي وُرُودِهِ عَلَيْهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا فَلَا يَجُوزُ إِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ إذا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَ جَارِيًا لم ينجسه شيء]

مَسْأَلَةٌ: " فَإِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَ جَارِيًا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَتَنَجَّسُ بِمُخَالَطَتِهِ النَّجَاسَةَ ". أَمَّا الْمَاءُ الدَّائِمُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ طَعْمُ النَّجَاسَةِ أَوْ لَوْنُهَا أَوْ رِيحُهَا وَأَنَّ الْقَلِيلَ يُنَجَّسُ

الجزء: 1 - الصفحة: 62

بِالْمُلَاقَاةِ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْجَمِيعَ لَا يُنَجَّسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحَيْضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتَنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا مَحَائِضُ النِّسَاءِ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَعُذَرُ النَّاسِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِمَا «رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَا مِنَ الْأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: " إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ».

الجزء: 1 - الصفحة: 63

رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ.
وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ " لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَلَوْ كَانَ الْقَلِيلُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ وَلَا يَتَنَجَّسُ لَمْ يَكُنْ لِتَقْدِيرِهِ فَائِدَةٌ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ الِاغْتِسَالِ مِنْهُ، وَنَهَى عَنِ اغْتِسَالِ الْجُنُبِ فِيهِ، وَأَمَرَ الْمُسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ أَلَّا يَغْمِسَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِيهِ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ تُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَلِأَنَّهُ لِقِلَّتِهِ قَدْ تَبْقَى النَّجَاسَةُ فِيهِ غَيْرَ مُسْتَهْلَكَةٍ فَيُفْضِي اسْتِعْمَالُهُ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ " يُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَاتَ الْمَاءِ لَا تَنْقَلِبُ نَجِسَةً بِالْمُلَاقَاةِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَائِعَاتِ حَيْثُ تَنْقَلِبُ نَجِسَةً بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهَا لِأَنَّهُ طَهُورٌ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ فَنَفْسُهُ أَوْلَى، فَأَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ فَإِنَّمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الثَّوْبِ الْمُلَطَّخِ بِالدَّمِ وَالْبَوْلِ، فَإِذَا زَالَ التَّغَيُّرُ كَانَ كَزَوَالِ النَّجَاسَةِ عَنِ الثَّوْبِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ سَائِرُ الْمَائِعَاتِ غَيْرَ الْمَاءِ

الجزء: 1 - الصفحة: 64

يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ اعْتِبَارُ الْقُلَّتَيْنِ فِيهَا كَالْمَاءِ، وَعَنْهُ اعْتِبَارُهَا فِيمَا أَصْلُهُ الْمَاءُ مِنْهَا كَخَلِّ التَّمْرِ دُونَ مَا لَيْسَ أَصْلُهُ الْمَاءَ كَالْعَصِيرِ، وَحَدُّ الْكَثِيرِ هُوَ الْقُلَّتَانِ فِي جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّ الْبَوْلَ مِنَ الْآدَمِيِّ وَالْعَذِرَةَ الرَّطْبَةَ خَاصَّةً يُنَجِّسَانِ الْمَاءَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ كَالْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَأَكْثَرُ نُصُوصِ أَحْمَدَ عَلَى هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ: وَجَدْنَا

الجزء: 1 - الصفحة: 65

بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَبِيٍّ بَالَ فِي بِئْرٍ " فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزَحُوهَا "، وَأَمَّا الْمَاءُ الْجَارِي فَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَالدَّائِمِ إِذَا كَانَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فِي جَرْيِهِ مِنْهُ تَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ فَهِيَ طَاهِرَةٌ وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْهَا فَهِيَ نَجِسَةٌ، وَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ وَاقِعَةً بِكُلِّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرْ إِنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ وَإِلَّا فَهِيَ نَجِسَةٌ، وَالْجِرْيَةُ مَا تُحَاذِي النَّجَاسَةَ مِنْ فَوْقِهَا وَتَحْتِهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا مَا بَيْنَ جَانِبَيِ النَّهْرِ فَأَمَّا (مَا) أَمَامَهَا فَهُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّهَا لَمْ تَلْحَقْهُ وَكَذَلِكَ مَا وَرَاءَهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ وَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْجَرَيَاتُ كُلُّهَا وَفِيهَا جِرْيَةٌ طَاهِرَةٌ تَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ فَالْجَمِيعُ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ فِي الْمَشْهُورِ، وَعَلَى قَوْلِنَا إِنْ ضُمَّ الْقَلِيلُ إِلَى الْقَلِيلِ أَوِ الْكَثِيرِ النَّجِسِ يُوجِبُ طَهَارَةَ الْجَمِيعِ إِذَا زَالَ التَّغَيُّرُ فَهُنَا كَذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَتَى بَلَغَ الْمَجْمُوعُ هُنَا قُلَّتَيْنِ وَكَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي جِرْيَةٍ مِنْهُ فَهُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ السَّامِرِيُّ: " إِنْ كَانَتِ الْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ قُلَّتَيْنِ أَوْ مَجْمُوعُ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِلَّا فَلَا ". وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا لِعُمُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ وَقِيَاسًا لِلْجَارِي عَلَى الدَّائِمِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّ الْجَارِيَ لَا يُنَجَّسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 66

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» " وَفِي لَفْظٍ " يَتَوَضَّأُ مِنْهُ "، وَمَفْهُومُهُ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْجَارِي مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» " وَمَفْهُومُهُ جَوَازُ الِاغْتِسَالِ فِي الْجَارِي وَإِنِ اسْتَدْبَرَ الْجِرْيَةَ، وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَالَ فِي الرَّاكِدِ وَمَفْهُومُهُ الْإِذْنُ فِي الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الْجَارِي وَلَوْ يُنَجِّسُهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَامٌّ، وَمَفْهُومُ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ لَا يُعَارِضُ هَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ: " «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَإِذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ جَارِيهِ وَوَاقَفِهِ حَصَلَتِ الْمُخَالَفَةُ لَا سِيَّمَا وَسَبَبُ الْحَدِيثِ هُوَ السُّؤَالُ عَنِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ الْوَاقِفَ إِنَّمَا يُنَجَّسُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِضَعْفِهِ عَنِ اسْتِهْلَاكِ النَّجَاسَةِ، وَالْجَارِي لِقُوَّةِ جَرَيَانِهِ يُحِيلُهَا وَيَدْفَعُهَا إِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا فَكَانَ كَالْكَثِيرِ.

[مَسْأَلَةٌ مقدار القلتين]

مَسْأَلَةٌ: " وَالْقُلَّتَانِ مَا قَارَبَ مِائَةً وَثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالدِّمَشْقِيِّ " " الْقُلَّةُ " هِيَ الْجُبُّ وَالْخَابِيَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُقَلُّ بِالْيَدِ، وَالتَّقْدِيرُ بِقِلَالِ هَجَرَ، هَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ».

الجزء: 1 - الصفحة: 67

وَهِيَ قِلَالٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهُمْ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ بِهَا الْأَشْيَاءَ وَهِيَ أَكْثَرُ الْقِلَالِ وَأَشْهَرُهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ: " «ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ»، وَأَمَّا قِلَالُ هَجَرَ فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ مِنْهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا " فَأَثْبَتْنَا الشَّيْءَ احْتِيَاطًا وَجَعَلْنَاهُ نِصْفًا لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مُنْكَرٍ فَصَارَتِ الْقُلَّتَانِ خَمْسَ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ، وَقِرَبُ الْحِجَازِ كِبَارٌ مَعْلُومَةٌ تَسَعُ الْقِرْبَةُ مِنْهَا نَحْوَ مِائَةِ رِطْلٍ كَذَا نَقَلَهُ الَّذِينَ حَدَّدُوا الْمَاءَ بِالْقِرَبِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ بَعْدَ التَّجْرِبَةِ فَصَارَتِ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ، وَرِطْلُ الْعِرَاقِ الَّذِي يَعْتَبِرُ بِهِ الْفُقَهَاءُ تِسْعُونَ مِثْقَالًا فَيَكُونُ مِائَةً وَثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةَ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، فَإِذَا حَسَبْتَ ذَلِكَ بِرِطْلِ دِمَشْقَ وَهُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ كَانَتِ الْقُلَّتَانِ مِائَةً وَسَبْعَةَ أَرْطَالٍ وَسُبُعَ رِطْلٍ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا أَرْبَعُمِائَةِ رِطْلٍ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ عَقِيلٍ قَالَ: رَأَيْتُ

الجزء: 1 - الصفحة: 68

قِلَالَ هَجَرَ وَأَظُنُّ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ.
وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ، فَإِنَّ الثَّانِيَ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ ظَنٍّ، وَهَذَا التَّحْدِيدُ تَقْرِيبٌ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَوْ نَقَصَ الْمَاءُ نَقْصًا يَسِيرًا لَمْ يُؤَثِّرْ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْقِلَالِ بِالْقِرَبِ إِنَّمَا كَانَ عَنْ رَأْيٍ وَحِسَابٍ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ، وَتَقْدِيرُ الْقِرَبِ بِالْأَرْطَالِ تَقْرِيبٌ فَإِنَّ الْقِرَبَ وَغَيْرَهَا مِنْ أَوْعِيَةِ الْمَاءِ لَا تَكَادُ تَتَسَاوَى عَلَى التَّحْقِيقِ إِذْ لَا يُقْصَدُ كَيْلُ الْمَاءِ وَوَزْنُهُ غَالِبًا فِي تَطْهِيرِ الْمَاءِ، فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّمَا يَنْجُسُ بِالتَّغَيُّرِ، فَإِذَا زَالَ التَّغَيُّرُ طَهُرَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا، كَالْخَمْرِ إِذَا زَالَتْ عَنْهُ الشِّدَّةُ الْمُسْكِرَةُ صَارَ حَلَالًا طَاهِرًا أَوْ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ إِذَا غُسِلَ طَهُرَ، وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا أَنْ يَزُولَ بِنَفْسِهِ فَيَطْهُرَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَطْهُرُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ بِحَالِهَا لَمْ تُزَلْ وَلَمْ تُسْتَهْلَكْ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهَا تُسْتَهْلَكُ بِمُرُورِ الزَّمَانِ عَلَيْهَا، الثَّانِي: أَنْ يُنْزَحَ الْمَاءُ وَيَزُولَ تَغَيُّرُهُ وَهُوَ قُلَّتَانِ فَصَاعِدًا لِأَنَّ بِالنَّزْحِ زَالَتِ النَّجَاسَةُ فَإِنْ لَمْ يَزُلْ تَغَيُّرُهُ حَتَّى نَقَصَ عَنِ الْقُلَّتَيْنِ كَانَ حِينَئِذٍ نَجِسًا بِالْمُلَاقَاةِ فَلَا يَطْهُرُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ قُلَّتَا مَاءٍ طَهُورٍ جُمْلَةً أَوْ مُتَتَابِعًا بِحَسَبِ الْعَادَةِ بِصَبٍّ أَوْ إِجْرَاءٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ نَبْعٍ وَيَزُولُ تَغَيُّرُهُ فَيَطْهُرُ سَوَاءٌ اخْتَلَطَ الْمَاءَانِ أَوْ لَمْ يَخْتَلِطَا بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صَافِيًا وَالْآخَرُ كِدَرًا لِأَنَّهُمَا قُلَّتَانِ أُضِيفَتَا إِلَى مَائِعٍ نَجِسٍ وَلَمْ يُغَيِّرْهُمَا كَانَ الْجَمِيعُ طَاهِرًا كَمَا لَوْ أُضِيفَتَا إِلَى خَمْرٍ أَوْ دَمٍ، وَأَمَّا الْمَاءُ الْقَلِيلُ فَسَوَاءٌ كَانَ مُتَغَيِّرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يُضَمَّ إِلَيْهِ قُلَّتَا مَاءٍ طَهُورٍ وَيَزُولَ تَغَيُّرُهُ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ تَكُونُ بِمُلَاقَاةِ الْقَلِيلِ لِلنَّجَاسَةِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 69

فَإِذَا كَانَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ كَثِيرًا دَفَعَ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّا يَرِدُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِنْ أُضِيفَ إِلَى الْكَثِيرِ الْمُتَغَيِّرِ أَوْ إِلَى الْقَلِيلِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَزَالَ تَغَيُّرُهُ لَمْ يَطْهُرْ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ يَطْهُرُ فِيهِمَا وَقِيلَ يَطْهُرُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ.
فَأَمَّا إِنْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ فَقَطَعَ تَغَيُّرَهُ لَمْ يَطْهُرْ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَوَانِبِ النَّهْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.

فَصْلٌ: فَإِنْ تَغَيَّرَ بَعْضُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالنَّجَاسَةِ لَمْ تَنْجُسْ بَقِيَّتُهُ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَنْجُسُ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاحِدٌ وَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ الْكَثِيرُ بِالنَّجَاسَةِ وَكَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً فِيهِ كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ جَازَ اسْتِعْمَالُ جَمِيعِهِ وَلَمْ يَجِبْ أَنْ يَبْقَى قَدْرُهَا.
وَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ قَائِمَةً فِيهِ وَهُوَ قَدْرُ الْقُلَّتَيْنِ فَاغْتُرِفَتْ مِنْهُ فِي إِنَاءٍ فَهُوَ طَهُورٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ جَازَ التَّنَاوُلُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ قُلَّتَانِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ فِي نَجَاسَتِهِ مَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَمَا لَا يُدْرِكُهُ، إِذَا تُيُقِّنَ وُصُولُهُ إِلَى الْمَاءِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَلَوْ سَقَطَتْ عَذِرَةٌ أَوْ قِطْعَةٌ مَيِّتَةٌ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ فَانْتُضِحَ مِنْهُ بِسُقُوطِهَا شَيْءٌ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِذَا شَكَّ هَلْ مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ قُلَّتَانِ أَوْ أَنْقَصُ؟ فَهُوَ نَجِسٌ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 70

[مَسْأَلَةٌ إذا طَبَخَ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُورٍ أَوْ خَالَطَهُ]

مَسْأَلَةٌ: " وَإِنْ طَبَخَ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ بِطَهُورٍ أَوْ خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلَى اسْمِهِ أَوِ اسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ سَلَبَ طَهُورِيَّتَهُ " أَمَّا إِذَا طَبَخَ فِيهِ كَمَاءِ الْبَاقِلَّى الْمَغْلِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ صَارَ أُدْمًا وَمَرَقَةً لَيْسَ بِمَاءٍ حَقِيقَةً وَلَا اسْمًا.
وَأَمَّا إِذَا خَالَطَهُ فَغَلَبَ عَلَى اسْمِهِ إِمَّا بِأَنْ سَلَبَ الْمَاءَ رِقَّتَهُ وَجَرَيَانَهُ فَتَصِيرُ صِبْغًا وَحِبْرًا إِنْ كَانَ كَثِيفًا أَوْ تَكُونُ أَجْزَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ إِنْ كَانَ لَطِيفًا حَتَّى يُقَالَ: حَلَّ فِيهِ مَاءٌ أَوْ مَاءُ وَرْدٍ فِيهِ مَاءٌ، فَهَذَا لَمْ تُنْفَ فِيهِ حَقِيقَةً وَلَا اسْمًا.
وَإِنْ غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ سَلَبَهُ التَّطْهِيرَ أَيْضًا فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى هُوَ بَاقٍ عَلَى تَطْهِيرِهِ وَكَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ إِنْ غَيَّرَ صِفَاتِهِ الثَّلَاثَ فِي أَشْهَرِ الطَّرِيقَيْنِ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ طَهُورٌ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُطَلَقَ هَكَذَا حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ، وَحَكَى السَّامِرِيُّ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إِذَا عُدِمَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ فَقَطْ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَعَلَى الْأُولَى فِي التَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا

الجزء: 1 - الصفحة: 71

أَنَّهُ كَالْكَثِيرِ، وَالثَّانِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّائِحَةِ وَغَيْرِهَا، وَالثَّالِثُ الْعَفْوُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَهُوَ أَصَحُّ.

فَصْلٌ: فَأَمَّا إِنْ تَغَيَّرَ بِمَا لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ كَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالطُّحْلُبِ وَوَرَقِ الْأَشْجَارِ الْمُنْجَابَةِ فِيهِ وَمَا يَحْمِلُهُ الْمَدُّ مِنَ الْغُثَاءِ وَمَا يَنْبُتُ فِيهِ وَكَذَلِكَ إِنْ تَغَيَّرَ بِطُولِ مُكْثِهِ وَكَذَلِكَ مَا تَغَيَّرَ بِمَجَارِيهِ كَالْقَارِ وَالنِّفْطِ لِأَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ لَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ ابْتِدَاءً، فَأَشْبَهَ التَّغَيُّرَ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى لَوْ طُرِحَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَمْدًا سَلَبَتْهُ التَّطْهِيرَ إِلَّا الْمِلْحُ الْمُنْعَقِدُ مِنَ الْمَاءِ لِأَنَّهُ مَاءٌ فَهُوَ كَذَوْبِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَفِي التُّرَابِ وَجْهَانِ لِكَوْنِهِ طَهُورًا فِي الْجُمْلَةِ.
وَإِنْ تَغَيَّرَ بِطَاهِرٍ لَا يُخَالِطُهُ كَالْخَشَئبِ وَالْأَدْهَانِ وَقِطَعِ الْكَافُورِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ وَلَا أَثَرَ لِمَا غَيَّرَ الْمَاءَ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَدَنِ الْمُغْتَسِلِ زَعْفَرَانٌ أَوْ سِدْرٌ أَوْ خِطْمِيٌّ فَتَغَيَّرَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِغَسْلِ الْمُحْرِمِ وَغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَمَرَ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَلِأَنَّ هَذَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 72

فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا «رَوَى جَابِرٌ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ» " وَلِأَنَّ بَدَنَ الْمُحْدِثِ طَاهِرٌ فَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ، وَدَلِيلُ طَهَارَتِهِ مَا رَوَى الْجَمَاعَةُ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جُنُبٌ فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» وَهُوَ مَعَ طَهَارَتِهِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ فِي الْمَشْهُورِ أَيْضًا، لِمَا «رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ " قَالُوا يَا أَبَا

الجزء: 1 - الصفحة: 73

هُرَيْرَةَ، كَيْفَ يَفْعَلُ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ فِيهِ يُجْزِئُ وَلَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ مَا زَالُوا تَضِيقُ بِهِمُ الْمِيَاهُ فِي أَسْفَارِهِمْ فَيَتَوَضَّئُونَ وَلَا يَجْمَعُونَ مِيَاهَ وُضُوئِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ مُطَهِّرَةً لَجَمَعُوهَا، وَلِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لِإِزَالَةِ مَانِعٍ مِنَ الصَّلَاةِ فَانْتَقَلَ حُكْمُ الْمَنْعِ إِلَيْهِ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَمَا دَامَ الْمَاءُ يَجْرِي عَلَى بَدَنِ الْمُغْتَسِلِ وَعُضْوِ الْمُتَوَضِّئِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّصَالِ فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ حَتَّى يَنْفَصِلَ.
فَإِنِ انْتَقَلَ مِنْ عُضْوٍ إِلَى عُضْوٍ لَا يَتَّصِلُ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَعْصِرَ الْجُنُبُ شَعْرَ رَأْسِهِ عَلَى لُمْعَةٍ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ يَمْسَحَ الْمُحْدِثُ رَأْسَهُ بِبَلِّ يَدِهِ بَعْدَ غَسْلِهَا فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا لَوِ انْفَصَلَ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ التَّطْهِيرِ مِثْلُ أَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ بِبَلٍّ يَأْخُذُهُ مِنْ لِحْيَتِهِ أَوْ يَعْصِرَ شَعْرَهُ فِي كَفِّهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى اللُّمْعَةِ، وَفِي الْأُخْرَى لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ.
وَهُوَ أَصَحُّ لِمَا رَوَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي يَدَيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «اغْتَسَلَ رَسُولُ

الجزء: 1 - الصفحة: 74

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَنَابَةٍ فَلَمَّا خَرَجَ رَأَى لُمْعَةً عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَعَصَرَ شَعْرَهُ عَلَيْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّهُ مَا زَالَ يَتَنَقَّلُ فِي مَوَاضِعِ التَّطْهِيرِ فَأَشْبَهَ انْتِقَالَهُ إِلَى مَحَلٍّ مُتَّصِلٍ.
وَإِنِ اغْتَمَسَ الْجُنُبُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ بِنِيَّةِ الطَّهَارَةِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَلَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَهَلْ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِانْفِصَالِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ بِمُلَاقَاةِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَنْسَبُهُمَا بِكَلَامِهِ الْأَوَّلُ، وَصَارَ هُنَا مُسْتَعْمَلًا قَبْلَ انْفِصَالِ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِخِلَافِ مَا إِذَا اغْتَسَلَ لَا يَصِيرُ حَتَّى يَنْفَصِلَ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ إِذَا وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ لَمْ يَنْجُسْ حَتَّى يَنْفَصِلَ، وَإِذَا وَرَدَتْ عَلَى قَلِيلِهِ نَجَّسَتْهُ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الِاغْتِسَالَ حَتَّى انْغَمَسَ كَانَ كَمَنْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَتَرْتَفِعُ الْجَنَابَةُ وَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فِي وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا عَنْ أَوَّلِ جُزْءٍ مُنْفَصِلٍ.
وَإِذَا غَمَسَ الْمُتَوَضِّئُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَهَا فِيهِ لَمْ يَصِرْ

الجزء: 1 - الصفحة: 75

مُسْتَعْمَلًا وَقِيلَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا كَمَا لَوِ اغْتَرَفَ بِهَا الْجُنُبُ بَعْدَ النِّيَّةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لَمَّا تَوَضَّأَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَرَفَ بِيَدِهِ مِنَ الْإِنَاءِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ يَتَوَضَّأُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ فِي رِوَايَةٍ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْفَرْقُ لِلْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ الْأَثَرَ جَاءَ فِيهِ: وَإِذَا كَانَ الِانْغِمَاسُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ كَالنَّجَاسَةِ وَأَوْلَى.
وَلَوْ جُمِعَ حَتَّى بَلَغَ قُلَّتَيْنِ كَانَ كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ النَّجِسِ إِذَا جُمِعَ إِلَى مِثْلِهِ حَتَّى بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَا يَصِيرُ طَهُورًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي طُهْرٍ مُسْتَحَبٍّ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ فَهُوَ طَهُورٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَانِعًا، وَفِي الْأُخْرَى هُوَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَأَشْبَهَ الْأَوَّلَ، وَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ وَطْءَ الذِّمِّيَّةِ لَا يَجُوزُ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَاغْتَسَلَتْ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ، وَقِيلَ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.
وَإِذَا غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلًا عَنِ الْمَسْحِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ: فَأَمَّا فَضْلُ الطَّهُورِ وَهُوَ مَا تَبَقَّى فِي الْإِنَاءِ فَهُوَ طَهُورٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَطَهِّرُ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، لِمَا رَوَى

الجزء: 1 - الصفحة: 76

ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَحْفَةٍ فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَقَالَ: " إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
لَكِنْ إِذَا خَلَتْ بِالطَّهَارَةِ مِنْهُ امْرَأَةٌ لَمْ يَجُزْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِهِ فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ»، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا

الجزء: 1 - الصفحة: 77

حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: " أَكْثَرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ إِذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ فَلَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ " وَيُحْمَلُ تَوَضُّؤُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَضْلِ وَضُوءِ مَيْمُونَةَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَإِنْ تَعَارَضَا فَحَدِيثُ الْمَنْعِ أَوْلَى لِأَنَّهُ حَاضِرٌ وَلِأَنَّهُ نَاقِلٌ عَنِ الْأَصْلِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنَ الْمُبْقِي عَلَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ فَالْحَظْرُ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ الْحِلُّ بَعْدَهُ لَزِمَ الْبُعْدُ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْحِلُّ قَبْلَ الْحَظْرِ لَزِمَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَالْخَلْوَةُ لَا يُشَارِكُهَا الرَّجُلُ سَوَاءٌ شَاهَدَهَا أَوْ لَمْ يُشَاهِدْهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ خُصِّصَ مِنْهُ حَالُ الْمُشَارَكَةِ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ

الجزء: 1 - الصفحة: 78

أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ: " اغْتَسِلَا جَمِيعًا هِيَ هَكَذَا وَأَنْتَ هَكَذَا فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبْهُ ". وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَلَّا تُشَاهَدَ عِنْدَ الطَّهَارَةِ وَهِيَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ.
وَمَتَى شَاهَدَتْهَا امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ أَوْ كَافِرٌ فَهُوَ كَالرَّجُلِ عِنْدَ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ كَخَلْوَةِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَصُّ بِهِ بِخِلَافِ خَلْوَةِ النِّكَاحِ، وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ أَوْ يَعُمُّ طَهَارَتَيِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ هَلْ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْخَبَثِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَفِيمَا خَلَتْ بِهِ الْكَافِرَةُ وَجْهَانِ.
فَأَمَّا مَا خَلَا بِهِ خُنْثَى مُشْكِلٌ فَلَا

الجزء: 1 - الصفحة: 79

بَأْسَ بِهِ.
وَلَا يُؤَثِّرُ التَّطْهِيرُ مِنَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا فَضْلُ طَهُورِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْمَنْصُوصِ الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: تُمْنَعُ مِنْهُ.
وَلَا بَأْسَ بِشُرْبِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَيُكْرَهُ فِي الْأُخْرَى إِذَا خَلَتْ بِهِ.
فَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِلَّا مَا غَمَسَ الْقَائِمُ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ يَدَهُ فِيهِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا فَفِي بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ رِوَايَتَانِ فَإِنْ قُلْنَا يُؤَثِّرُ فَسَوَاءٌ غَمَسَهَا قَبْلَ نِيَّةِ غَسْلِهَا أَوْ بَعْدَهُ فِي الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: لَا يُؤَثِّرُ إِلَّا بَعْدَ نِيَّةِ غَسْلِهَا، وَقِيلَ: بَعْدَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ نَوَى غَسْلَهَا أَوْ لَمْ يَنْوِهْ.
وَحَدُّ هَذِهِ الْيَدِ إِلَى الْكُوعِ.
وَفِي غَمْسِ الْيَسِيرِ كَالْأُصْبُعِ وَالْأُصْبُعَيْنِ وَجْهَانِ وَفِي غَمْسِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَجْهَانِ، وَلَا يُؤَثِّرُ الْغَمْسُ فِي الْكَثِيرِ - نَصَّ عَلَيْهِ - بَلْ يَصِحُّ وُضُوؤُهُ فِيهِ وَيُجْزِئُ عَنْ غَسْلِهِمَا

الجزء: 1 - الصفحة: 80

وَكَذَلِكَ مَا لَوْ وَقَفَ تَحْتَ أُنْبُوبٍ أَوْ مِيزَابٍ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَنْقُلِ الْمَاءَ بِيَدِهِ.
فَأَمَّا إِذَا نَقَلَهُ بِيَدِهِ أَوْ صَبَّهُ فِيهِمَا مِنَ الْإِنَاءِ صَبًّا وَتَوَضَّأَ قَبْلَ غَسْلِهِمَا فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ غَسْلِهِمَا وَيَصِحُّ وُضُوؤُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ هَذَا الْمَاءِ فِيمَا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْمِيَاهُ الطَّاهِرَةُ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ يُرَاقُ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِلَّا هَذَا الْمَاءَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ تَوَضَّأَ بِهِ وَتَيَمَّمَ، وَالْمُنْفَصِلُ مِنَ الْيَدِ الْمَغْسُولَةِ كَالْمُغْتَسَلِ بِهِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ إِنْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ وَإِلَّا فَكَالْمُسْتَحَبِّ.

فَصْلٌ: وَلَا يُكْرَهُ الْمُسَخَّنُ بِالشَّمْسِ فِي الْمَنْصُوصِ الْمَشْهُورِ، وَقَالَ التَّمِيمِيُّ وَحَفِيدُهُ رِزْقُ اللَّهِ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: " لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمُشَمَّسِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ " وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ النَّاسَ مَا زَالُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 81

أَحَدًا بَرِصَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ صَحَّ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَا قُصِدَ بِتَشْمِيسِهِ وَمَا لَمْ يُقْصَدْ، وَالْأَثَرُ إِنْ صَحَّ فَلَعَلَّ عُمَرَ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَنَهَى عَنْهُ كَمَا «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَأْبِيرِ النَّخْلِ وَقَالَ: " مَا أَرَاهُ يُغْنِي شَيْئًا» "، ثُمَّ قَالَ: " «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» " لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعَادَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الْحَرَارَةِ يَمْنَعُ إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ بِالْأُزُرِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقُودُ نَجِسًا فَيُكْرَهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ وُصُولِ بَعْضِ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ إِلَى الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ حَصِينٌ كُرِهَ أَيْضًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ سُخُونَتَهُ إِنَّمَا كَانَتْ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ.
وَإِيقَادُهَا هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَفِي كَرَاهَةِ الِاغْتِسَالِ وَالتَّوَضُّؤِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ رِوَايَتَانِ، وَأَمَّا إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ فَتُكْرَهُ قَوْلًا وَاحِدًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 82

[مسألة إذا شَكَّ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ]

مَسْأَلَةٌ: (وَإِذَا شَكَّ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ).
يَعْنِي إِذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَنَجَّسَ أَمْ لَا بَنَى عَلَى مَا تَيَقَّنَهُ مِنْ طَهَارَتِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَيَقَّنَ النَّجَاسَةَ، وَكَذَلِكَ الْبَدَنُ وَالثَّوْبُ وَالْأَرْضُ وَجَمِيعُ الْأَعْيَانِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُمَهَّدَةٌ فِي الشَّرْعِ وَهِيَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ الْمَعْلُومَةِ وَاطِّرَاحُ الشَّكِّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُكْرَهِ التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ سِقَايَاتِ الْأَسْوَاقِ وَالْحِيَاضِ الْمَوْرُودَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ أَوِ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ بَنَى عَلَى الْمُسْتَيْقَنِ، فَإِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَوِ الْأَطْوَافِ أَوِ الطَّلَقَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ الْأَقَلُّ.
وَكَذَلِكَ إِذَا شَكَّ فِي حَيَاةِ الرَّجُلِ وَمَوْتِهِ لِتَوْرِيثِهِ بَنَى عَلَى يَقِينِ الْحَيَاةِ، وَإِذَا شَكَّ فِي خَلْقِ الْجَنِينِ وَقْتَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ الْعَدَمُ، وَفُرُوعُ هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ عَلَى حَالٍ فَانْتِقَالُهُ عَنْهَا يَفْتَقِرُ إِلَى زَوَالِهَا وَحُدُوثِ الْأُخْرَى، وَبَقَاءُ الثَّانِيَةِ وَبَقَاءُ الْأُولَى لَا يَفْتَقِرُ إِلَّا إِلَى مُجَرَّدِ الْإِبْقَاءِ، فَيَكُونُ الْبَقَاءُ أَيْسَرَ مِنَ الْحُدُوثِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ، وَالْأَصْلُ إِلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِنَجَاسَتِهِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ حَتَّى يُبَيِّنَ السَّبَبَ فَيَقْبَلُ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً مَسْتُورًا أَوْ مَعْرُوفًا بِالْعَدَالَةِ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ، وَخَبَرُ الصَّبِيِّ كَشَهَادَتِهِ.

[مسألة إذا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أو غيره]

مَسْأَلَةٌ: (وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنَ الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ غَسَلَ مَا تَيَقَّنَ بِهِ غَسْلَهَا) لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ فَوَجَبَ اجْتِنَابُ الْجَمِيعِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، إِمَّا

الجزء: 1 - الصفحة: 83

بِالْغَسْلِ أَوِ الْيَقِينِ كَمَا لَوِ اشْتَبَهَ الْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ، وَلِأَنَّا قَدْ تَيَقَّنَّا النَّجَاسَةَ فَلَا يَزُولُ حُكْمُهَا إِلَّا بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ بِنَاءً عَلَى الْيَقِينِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ رَآهَا عَلَى يَدَيْهِ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ الْمَلْبُوسِ غَسَلَ مَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ وَإِنْ رَآهَا عَلَى أَحَدِ كُمَّيْهِ غَسَلَ الْكُمَّيْنِ وَإِنْ رَآهَا عَلَى بُقْعَةٍ غَسَلَهَا جَمِيعَهَا، فَأَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهَا أَصَابَتْ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ وَشَكَّ هَلْ أَصَابَتْ غَيْرَهُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَغْسِلَ إِلَّا مَا تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ.
وَقَدْ نَبَّهَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ اجْتَنَبَهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَتَحَرَّى إِذَا كَانَتْ أَوَانِي الْمَاءِ الطَّهُورِ أَكْثَرَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْدَمَ الطَّهُورَ بِخَلْطِهِ بِالنَّجِسِ أَوْ بِإِرَاقَتِهِمَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ لِلشُّرْبِ وَنَحْوِهِ.
فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُرِيقُهُ، وَيَجِبُ التَّحَرِّي لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.

[مسألة إذا اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِطَاهِرٍ]

مَسْأَلَةٌ: " وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِطَاهِرٍ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا " لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ثُمَّ إِنْ شَاءَ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضُوءًا كَامِلًا

الجزء: 1 - الصفحة: 84

وَإِنْ شَاءَ غَسَلَ الْعُضْوَ مِنْ هَذَا ثُمَّ مِنْ هَذَا ثُمَّ يُصَلِّي صَلَاةً وَاحِدَةً فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إِلَى أَحَدِهِمَا لِلشُّرْبِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ تَوَضَّأَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ الْمُطَّهِّرُ وَإِلَّا بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَيَتَيَمَّمُ فِي الصُّورَتَيْنِ.

[مسألة إذا اشْتَبَهَتِ الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ]

مَسْأَلَةٌ: " وَإِنِ اشْتَبَهَتِ الثِّيَابُ الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ صَلَّى فِي ثَوْبٍ بَعْدَ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزَادَ صَلَاةً ". لِأَنَّهُ إِذَا صَلَّى صَلَاةً زَائِدَةً عَلَى عَدَدِ النَّجِسِ تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ وَلَمْ تَتَعَدَّ إِلَيْهِ النَّجَاسَةُ بِخِلَافِ الْأَوَانِي، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَحَرَّى كَالْقِبْلَةِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، لِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَغْلِبُ اشْتِبَاهُهَا وَعَلَيْهَا دَلَائِلُ مَنْصُوبَةٌ، وَإِصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لَا يَحْصُلُ بِالتَّكْرَارِ، وَسَوَاءٌ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ فِي الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِذَا كَثُرَتْ وَلَمْ يُعْلَمْ عَدَدُهَا أَجْزَأَ التَّحَرِّي، وَهَذَا التَّكْرَارُ فِي الْمِيَاهِ وَالثِّيَابِ إِنَّمَا يُجْزِئُ إِذَا لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا بِيَقِينٍ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِهِ فَلَا يُجْزِئُ إِلَّا بِهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ إِذَا أَمْكَنَ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَرْفَةٍ مِنْ هَذَا وَغَرْفَةٍ مِنْ هَذَا.

[مسألة نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ]

مَسْأَلَةٌ: " وَتُغْسَلُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ". أَمَّا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي نَجَاسَتِهِمَا وَفِي وُجُوبِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ نَجَاسَتِهِمَا سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ

الجزء: 1 - الصفحة: 85

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَلِمُسْلِمٍ: " «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» "، وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا: " «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ» ". فَلَمَّا أُمِرَ بِإِرَاقَةِ الْإِنَاءِ وَسُمِّيَ الْغَسْلُ طَهُورًا دَلَّ عَلَى النَّجَاسَةِ؛ إِذِ الطَّهَارَةُ الْوَاجِبَةُ فِي عَيْنِ الْبَدَنِ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ نَجَاسَةٍ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا ثَمَانِيًا لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَدَّ التُّرَابَ ثَامِنَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَسْلَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: إِذَا كَانَ اسْمُ فَاعِلٍ عَلَى الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَفْعُولِ يَجْعَلُهُ زَائِدًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ جَعَلَهُ أَحَدَهُمْ لِقَوْلِهِ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: 40]، فَلَمَّا قَالَ: " سَبْعَ مَرَّاتٍ " عُلِمَ أَنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 86

التُّرَابَ سَمَّاهُ ثَامِنًا لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَإِلَّا قَالَ: فَاغْسِلُوهُ ثَمَانِيًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ، كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ» ". وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْكَلْبِ فَالْخِنْزِيرُ الَّذِي لَا يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا وَنَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَوْلَى، وَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ التُّرَابَ فِي أَيِّ غَسْلِهِ شَاءَ فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ يَتَضَرَّرُ بِالتُّرَابِ لَمْ يَجِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَيُجْزِئُ مَوْضِعَ التُّرَابِ الْأُشْنَانُ وَالصَّابُونُ وَنَحْوُهُمَا فِي " أَقْوَى الْوُجُوهِ ". وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ التُّرَابِ، وَأَمَّا الْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ فَلَا تُجْزِئُ بَدَلَ التُّرَابِ فِي الْأَصَحِّ وَيَجِبُ التَّسْبِيعُ، وَالتُّرَابُ فِي جَمِيعِ نَجَاسَاتِ الْكَلْبِ مِنَ الرِّيقِ وَالْعَرَقِ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِ نَجَاسَتِهِ الَّتِي لَا تَتَضَرَّرُ بِالتُّرَابِ فِي الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ عَنْهُ: لَا يَجِبُ التُّرَابُ إِلَّا فِي الْإِنَاءِ خَاصَّةً، وَأَمَّا سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ فَعَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهَذَا طَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِشَرَفِهِ وَهُوَ الْإِنْسَانُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَلَا يُكْرَهُ سُؤْرُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ سُؤْرُ الْكَافِرِ.
وَالثَّانِي مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا هُوَ طَوَّافٌ عَلَيْنَا كَالْهِرِّ وَمَا دَوَنَهَا فِي الْخِلْقَةِ مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ وَشِبْهُ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا يُكْرَهُ سُؤْرُهُ إِلَّا مَا تَوَلَّدَ مِنَ النَّجَاسَاتِ كَدُودِ النَّجَاسَةِ وَالْقُرُوحِ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا لِنَجَاسَةِ أَصْلِهِ لِمَا «رَوَتْ كَبْشَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهَا سَكَبَتْ وَضُوءًا لِأَبِي قَتَادَةَ

الجزء: 1 - الصفحة: 87

الْأَنْصَارِيِّ فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ مِنْهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
«وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَتِ الْهِرَّةُ أَوِ الْفَأْرَةُ أَوِ الْحَيَّةُ مِنْ مَائِعٍ يَسِيرٍ لَمْ تُنَجِّسْهُ فِي الْمَنْصُوصِ وَقِيلَ تُنَجِّسُهُ لِمُلَاقَاةِ دُبُرِهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْحَيَوَانِ جَمْعُ دُبُرِهِ إِذَا دَخَلَ الْمَاءَ خَوْفًا مِنْ دُخُولِهِ فِيهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّنْجِيسُ، وَإِذَا أَكَلَتْ نَجَاسَةً ثُمَّ وَلَغَتْ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ فَقِيلَ طَاهِرٌ، وَقِيلَ هُوَ نَجِسٌ إِلَّا أَنْ تَغِيبَ غَيْبَةً يُمْكِنُ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِيهَا مَاءً يُطَهِّرُ فَاهَا، وَقِيلَ: نَجِسٌ إِلَّا أَنْ تَلْغُوَا بَعْدَ الْأَكْلِ بِزَمَنٍ يَزُولُ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ بِالرِّيقِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 88

وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْمُحَرَّمِ: مَا لَيْسَ بِطَوَّافٍ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا الْوَحْشِيُّ وَهُوَ سِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحُ الطَّيْرِ وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ مِثْلُ الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ فَهَذَا نَجِسٌ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى هُوَ طَاهِرٌ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ، قَالَ: " نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا»، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْيَانِ الطَّهَارَةُ وَيُفَارِقُ الْكَلْبُ بِجَوَازِ اقْتِنَائِهِ مُطْلَقًا وَجَوَازِ بَيْعِهِ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْقُلَّتَيْنِ لَمَّا سُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ.
وَلَوْ كَانَتْ أَسْؤُرُهَا طَاهِرَةً لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْدِيدِ فَائِدَةً وَلَا يُقَالُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ إِذَا بَالَتْ فِيهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا إِنَّمَا تَرِدُهُ لِلشُّرْبِ، وَالْبَوْلُ فِيهِ نَادِرٌ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى الصُّوَرِ الْقَلِيلَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لَبَيَّنَهُ أَيْضًا، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَلَّلَ طَهَارَةَ الْهِرِّ بِأَنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا عُلِمَ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِنَجَاسَتِهَا قَائِمٌ وَهُوَ كَوْنُهَا مُحَرَّمَةً لَكِنْ عَارَضَهُ مَشَقَّةُ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا فَطُهِّرَتْ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّلَ طَهَارَتَهَا بِالطَّوَافِ وَجَبَ التَّعْلِيلُ بِهِ، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ أَنَّهَا طُهِّرَتْ لِأَنَّهَا حَيَوَانٌ لَا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ وَلَيْسَ لِلطَّوَافِ أَثَرٌ عِنْدَهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 89

وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ خَبِيثًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] وَيَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ - إِلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ - بِدَلِيلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ حُرِّمَ لَا لِحُرْمَتِهِ لَيْسَ بِطَوَّافٍ، فَكَانَ نَجِسًا كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَالثَّانِي الْإِنْسِيُّ وَهُوَ الْبَغْلُ وَالْحِمَارُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَجْهُهُمَا مَا تَقَدَّمَ، وَرِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ لِتَعَارُضِ دَلِيلِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَيُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِ وَيُتَيَمَّمُ، وَالطَّهَارَةُ هُنَا أَقْوَى لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الطَّوَافِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا غَالِبًا.

[مسألة يُجْزِئُ فِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثٌ غسلات]

مَسْأَلَةٌ: " وَيُجْزِئُ فِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثٌ مُنَقِّيَةٌ " فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَاتٌ إِحْدَاهُنَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَدَدُ بَلْ يُجْزِئُ أَنْ تُكَاثَرَ النَّجَاسَةُ بِالْمَاءِ حَتَّى تَزُولَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: وَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي»، وَقَالَ لِأَبِي ثَعْلَبَةَ فِي آنِيَةِ الْمَجُوسِ: إِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ، «وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: " إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقَالَ: تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرِضُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 90

وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَمَرَ بِغَسْلِ النَّجَاسَةِ وَلَوْ كَانَ الْعَدَدُ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ فِي جَوَابِ السَّائِلِ عَنِ التَّطْهِيرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ حَاجَةٍ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَإِذَا زَالَتْ لَمْ يَجِبِ الزِّيَادَةُ كَغَسْلِ الطِّيبِ عَنْ بَدَنِ الْمُحْرِمِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ أَنْ تُغْسَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْقَائِمَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ ثَلَاثًا مُعَلِّلًا بِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ، فَوُجُوبُ الثَّلَاثِ مَعَ تَحَقُّقِهَا أَوْلَى، وَاكْتَفَى فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَالِاجْتِزَاءُ بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ أَوْلَى.
وَرُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَغْسِلُ مَقْعَدَتَهُ ثَلَاثًا».
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " فَعَلْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ دَوَاءً وَطَهُورًا " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَجِبُ التَّسْبِيعُ فِي جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَلِكَ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ فَوَجَبَ إِلْحَاقُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ بِهَا لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ النَّصِّ بَلْ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الثَّوْبُ وَالْبَدَنُ وَغَيْرُهُمَا وَكَذَلِكَ أَلْحَقْنَا بِالرِّيقِ الْعَرَقَ وَالْبَوْلَ وَالْخِنْزِيرَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا وَجَبَ التَّسْبِيعُ فِي الْكَلْبِ مَعَ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ وَمُرَخَّصٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ فَفِي النَّجَاسَاتِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَجَاءَ التَّغْلِيظُ بِهَا وَالْوَعِيدُ بِقَوْلِهِ: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» مَعَ أَنَّهَا لَا تَزُولُ غَالِبًا إِلَّا بِالسَّبْعِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 91

وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّسْبِيعَ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَعَبُّدًا أَوْ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْإِزَالَةِ غَالِبًا، فَعُلِّقَ الْحُكْمُ بِهِ كَالْعَدَدِ فِي الِاسْتِجْمَارِ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ حُصُولُ الْإِزَالَةِ بِدُونِهَا مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ، وَكَذَلِكَ جَعْلُهَا الْغَايَةَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَمَهْمَا فُرِضَ مِنْ ذَلِكَ فَالنَّجَاسَاتُ كُلُّهَا سَوَاءٌ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّا لَمَّا أَلْحَقْنَا غَيْرَ الْحَجَرِ بِهِ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ اشْتَرَطْنَا الْعَدَدَ فَإِذَا أَلْحَقْنَا الْمُزِيلَ بِالْمُزِيلِ فِي الْعَدَدِ فَكَذَلِكَ الْمُزَالَ بِالْمُزَالِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ ذِكْرَ الْعَدَدِ اكْتِفَاءً بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بِالْوُلُوغِ أَوْ بِجِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهَا قَضَايَا أَعْيَانٍ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا لَا تُزَالُ فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ إِلَّا بِالتَّسْبِيعِ أَوْ لَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ فَرْضِ الْعَدَدِ فِي غَسْلِ الْوُلُوغِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْأَحَادِيثُ مُطْلَقَةٌ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّغْيِيرُ مَرَّتَيْنِ، وَالِاجْتِزَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِأَنَّهَا مُخَفِّفَةٌ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ النَّجَاسَةَ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ النَّجَاسَةَ وَكَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْإِنْقَاءُ بِدُونِ السَّبْعِ فِي الْغَالِبِ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: يَجِبُ السَّبْعُ فِيمَا عَدَا السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِمَا ثَلَاثٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا تَكَرَّرُ نَجَاسَةِ السَّبِيلَيْنِ وَمَشَقَّةُ السَّبْعِ فِيهِمَا وَكَذَلِكَ اكْتَفَى فِيهِمَا بِالْجَامِدِ، وَعَنْهُ يَجِبُ التَّسْبِيعُ فِي السَّبِيلَيْنِ وَفِيمَا عَدَا الْبَدَنِ فَأَمَّا سَائِرُ الْبَدَنِ فَلَا عَدَدَ لِأَنَّ الْبَدَنَ يَشُقُّ التَّسْبِيعُ فِيهِ لِكَثْرَةِ مُلَاقَاتِهِ النَّجَاسَةَ تَارَةً مِنْهُ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَبِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّ نَجَاسَتَهُمَا مُغَلَّظَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِذَلِكَ نَجَّسَتْ كَثِيرَ الْمَاءِ فِي رِوَايَةٍ.

الجزء: 1 - الصفحة: 92

وَهَلْ يُشْتَرَطُ التُّرَابُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّسْبِيعِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ قَالَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ كَنَجَاسَةِ الْكَلْبِ.
«وَرَوَتْ أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ دَمُ الْحَيْضِ قَالَ: " حُكِّيهِ بِضِلْعٍ وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، فَأَمَرَ بِالسِّدْرِ مَعَ الْمَاءِ وَنَحْنُ نُجِيزُ غَيْرَ التُّرَابِ مِنَ الْجَامِدَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ أَشْهَرُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ، قَالَ: " فَإِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَثَرُهُ؟ قَالَ: " يَكْفِيكِ الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 93

وَعَامَّةُ الْأَحَادِيثِ أَمَرَ فِيهَا بِالْمَاءِ فَقَطْ لَا سِيَّمَا الِاسْتِنْجَاءُ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ قَوْلًا وَفِعْلًا وَنُقِلَ عَنْهُ دَلْكُ يَدِهِ بِالتُّرَابِ بَعْدَهُ وَهُوَ سُنَّةٌ، فَكَيْفَ تُرِكَ نَقْلُ التَّدَلُّكِ بِالتُّرَابِ وَهُوَ وَاجِبٌ؟ لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي السُّقُوطَ فِي نَجَاسَةِ السَّبِيلِ، وَلِأَنَّ اسْتِعْمَالَ التُّرَابِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ لَا سِيَّمَا وَنَحْنُ نَشْتَرِطُ طَهَارَتَهُ بِخِلَافِ الْعَدَدِ فَإِنَّ النَّجَاسَةَ غَالِبًا لَا تَزُولُ إِلَّا بِهِ، وَوُلُوغُ الْكَلْبِ يُقَالُ: فِيهِ لُزُوجَةٌ لَا تَزُولُ غَالِبًا إِلَّا بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ إذا كانت النجاسة على الأرض]

مَسْأَلَةٌ: (وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَصَبَّةٌ وَاحِدَةٌ تُذْهِبُ بِعَيْنِهَا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ»).
النَّجَاسَةُ عَلَى الْأَرْضِ تُفَارِقُ مَا عَلَى الْمَنْقُولَاتِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عَدَدٌ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ غَيْرُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْفِصَالُ الْغُسَالَةِ عَنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْغُسَالَةَ طَاهِرَةٌ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ وَذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صُبُّوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ»

الجزء: 1 - الصفحة: 94

وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُمْ حَفَرُوا التُّرَابَ فَأَلْقَوْهُ وَأَلْقَوْا مَكَانَهُ مَاءً، مِنْ وَجْهٍ مُرْسَلٍ وَوَجْهٍ مُنْكَرٍ، وَلَمْ يُصَحِّحُوهُ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ النَّجِسَ لَوْ كَانَ قَدْ أُخْرِجَ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَطْهِيرِ الطَّاهِرِ.
وَأَبُو هُرَيْرَةَ شَهِدَ الْقِصَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ قَدْ صَبُّوا عَلَى الْمُبَالِ الْمَاءَ، فَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ طَهَّرَهُ وَانْفَصَلَ طَاهِرًا لَكَانَ ذَلِكَ تَكْثِيرًا لِلنَّجَاسَةِ، وَلِأَنَّ الْأَرْضَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنَ الْبِنَاءِ وَالْأَجْرِنَةِ لَوْ لَمْ تَطْهُرْ إِلَّا بِانْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْهَا وَتَكْرَارِ غَسْلِهَا مَعَ نَجَاسَةِ الْمُنْفَصِلِ قَبْلَ الْمَرَّةِ الْآخِرَةِ لَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى انْتِشَارِ النَّجَاسَةِ وَامْتِنَاعِ إِزَالَتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، إِذْ غَالِبُ الْأَرْضِ لَا مَصْرِفَ عِنْدَهَا، وَمَا عِنْدَهُ مَصْرِفٌ فَنَادِرٌ وَالنَّادِرُ مُلْحَقٌ بِالْغَالِبِ، بِخِلَافِ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ وَتَحْوِيلُهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 95

إِلَى الْمَصَارِفِ، وَعَنْهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا كَانَتْ بَوْلًا قَائِمًا لَمْ تَنْشَفْ لَا بُدَّ مِنَ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْهَا وَأَنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا بِخِلَافِ مَا نَشِفَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجَامِدِ؛ لِأَنَّ النَّاشِفَ قَدْ جَفَّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ.

فَصْلٌ: إِذَا كَانَ مَوْرِدُ النَّجَاسَةِ لَمْ تَنْتَشِرْ بِهَا كَالْأَوَانِي كَفَى مُرُورُ الْمَاءِ عَلَيْهَا بَعْدَ إِزَالَةِ الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَرَّبَهَا كَالثِّيَابِ وَالطَّنَافِسِ فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِخْرَاجِهَا بِالْعَصْرِ وَشَبَهِهِ مِنَ الْفَرْكِ وَالتَّنَقُّلِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَلَا يَكْفِي تَجْفِيفُهُ عَنِ الْعَصْرِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ أَثَرُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ لَمْ يَضُرَّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: " «وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» " وَالرِّيحُ قَدْ يَعْبَقُ عَنْ مُجَاوَرَةٍ لَا مُخَالَطَةٍ فَهُوَ بِالْعَفْوِ أَوْلَى مِنَ اللَّوْنِ، وَإِذَا غُمِسَ الْمَحَلُّ النَّجِسُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ مُلِئَ بِمَاءٍ كَثِيرٍ لِكَثْرَةٍ لَمْ يُحْتَسَبْ غَسْلُهُ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْمَاءُ عَنْهُ فِي الْمَنْصُوصِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِذَا عُولِجَ فِي الْمَاءِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ عَصْرٍ وَنَحْوِهِ حَتَّى يَتَبَدَّلَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَتِلْكَ غَسْلُهُ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الِانْفِصَالِ، وَعَلَى هَذَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْعَدَدِ يَجِبُ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْمَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَكْفِي تَبْدِيلُ الْمَاءِ عَلَيْهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ عَلَى الثَّانِي.

الجزء: 1 - الصفحة: 96

وَإِنْ غَمَسَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ وَلَمْ يَطْهُرْ وَلَمْ يُحْتَسَبْ غَسْلُهُ كَمَا لَوْ أَلْقَتْهُ رِيحٌ وَكَمَا لَوِ اغْتَسَلَ فِيهِ الْجُنُبُ، فَأَمَّا إِنْ تَرَكَ الثَّوْبَ النَّجِسَ فِي وِعَاءٍ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَعَصَرَهُ كَانَ غَسْلَةً يَبْنِي عَلَيْهَا وَيَطْهُرُ الْمَحَلُّ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ صَبَّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ إِنَاءٍ، وَكَمَا لَوْ أَخَذَ الْمَاءَ بِفَمِهِ لِتَطْهِيرِ نَجَاسَةٍ فِيهِ ثُمَّ مَجَّهُ، وَهَذَا لَأَنَّ الْمَاءَ إِذَا وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ حَتَّى يَنْفَصِلَ، كَمَا لَا يُحْكَمُ بِاسْتِعْمَالِهِ مَا دَامَ عَلَى الْعُضْوِ وَلَا تَزُولُ طَهُورِيَّتُهُ بِتَغَيُّرِهِ بِالطَّاهِرِ عَلَى الْبَدَنِ حَتَّى يَنْفَصِلَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ فَمَا دَامَ يُتَطَهَّرُ بِهِ فَطَهُورِيَّتُهُ بَاقِيَةٌ.

فَصْلٌ: الْمُنْفَصِلُ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ هُوَ نَجِسٌ سَوَاءٌ كَانَ مُتَغَيِّرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، بِخِلَافِ الْمُتَّصِلِ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لَمْ يُحْكَمْ بِتَنْجِيسِهِ حَتَّى يَنْفَصِلَ، وَإِنْ تَغَيَّرَ فَتَأْثِيرُهُ بَاقٍ مَعَ نَجَاسَتِهِ، فَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ بَعْدَ طَهَارَةِ النَّجَسِ فَنَجِسٌ أَيْضًا عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَهُوَ طَهُورٌ أَيْضًا فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنِ انْتَضَحَ مِنَ الْمُنْفَصِلِ شَيْءٌ قَبْلَ تَكْمِيلِ السَّبْعِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ فَقِيلَ: يَجِبُ تَسْبِيعُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُهُ بِعَدَدِ مَا بَقِيَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ فَيُغْسَلُ مِنَ الْأُولَى سِتٌّ، وَهَذَا أَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 97

فَصْلٌ: مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ لَا يَطْهُرُ كَالتُّرَابِ إِذَا اخْتَلَطَ بِهِ رَمِيمُ الْمَوْتَى وَفُتَاتُ الرَّوْثِ.
فَأَمَّا مَا يَقَعُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ كَاللَّحْمِ وَالْحَبِّ فَهَلْ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِغَسْلِ الْحَبِّ وَغَلْيِ اللَّحْمِ وَالتَّجْفِيفِ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَأَمَّا اللَّبِنُ الْمَنْقُوعُ بِالْمَائِعِ النَّجِسِ كَالْخَمْرِ وَالْبَوْلِ فَإِنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ حَتَّى يُدَاخِلَ أَجْزَاءَهُ وَيَصِيرَ طِينًا وَيَذْهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ لَمْ يُدَاخِلْهُ طَهُرَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ أَعْيَانُ النَّجَاسَةِ كَرَوْثٍ وَرَمِيمٍ لَمْ يَطْهُرْ إِلَّا أَنْ يُطْبَخَ بِالنَّارِ فَيُغْسَلَ فَيَطْهُرَ ظَاهِرُهُ لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتِ النَّجَاسَةَ وَالْمَاءَ أَزَالَ الْأَثَرَ، وَلَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُسْحَقَ سَحْقًا نَاعِمًا فَيَخْلُصَ إِلَيْهِ الْمَاءُ حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ الْمَائِعَاتُ كَالْخَلِّ وَنَحْوِهِ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَايِلُهَا إِلَّا الْمَاءُ فَإِنَّ النَّجَاسَةَ تُفَارِقُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا الْأَدْهَانُ مِثْلُ الزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْحَارُّ وَيُفْتَحَ فِي أَسْفَلِ الْوِعَاءِ ثُقْبٌ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ، وَإِلَّا الزِّئْبَقُ فَإِنَّهُ لَا يَقْوَى شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ عَلَى مُدَاخَلَتِهِ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ فَأَشْبَهَ الْجَامِدَاتِ.

[مَسْأَلَةٌ النضح في بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ]

مَسْأَلَةٌ: " وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ " وَذَلِكَ لِمَا «رَوَتْ أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّةُ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ " فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الجزء: 1 - الصفحة: 98

يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «بَوْلُ الْغُلَامِ الرَّضِيعِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ " قَالَ قَتَادَةُ: وَهَذَا مَا لَمْ يُطْعَمَا فَإِذَا أُطْعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْغُلَامَ يَبُولُ زَرْنَقًا مُسْتَلْقِيًا

الجزء: 1 - الصفحة: 99

عَلَى ظَهْرِهِ فَيَنْشُرُ نَجَاسَتَهُ فَتَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ بِغَسْلِهَا فَإِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ قَوِيَ وَاشْتَدَّ ظَهْرُهُ فَقَعَدَ فَيَقِلُّ انْتِشَارُ نَجَاسَتِهِ، وَالْجَارِيَةُ لَا يُجَاوِزُ بَوْلُهَا مَحَلَّهَا، وَقِيلَ أَشْيَاءُ أُخَرُ مِنْهَا أَنَّ الْغُلَامَ يُحْمَلُ عَلَى الْأَيْدِي عَادَةً بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ وَمِنْهَا أَنَّ مِزَاجَهُ حَارٌّ فَبَوْلُهُ رَقِيقٌ بِخِلَافِ الْأُنْثَى فَإِنَّهَا شَدِيدَةُ الرُّطُوبَةِ، وَالنَّضْحُ أَنْ يَعُمَّ الْمَاءُ النَّجَاسَةَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَنْهَا.
وَمَعْنَى أَكْلِهِ الطَّعَامَ أَنْ يَشْتَهِيَهُ لِلِاغْتِذَاءِ بِهِ بِخِلَافِ مَا يُحَنَّكُهُ وَقْتَ الْوِلَادَةِ وَيَلْعَقُهُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ وَنَحْوِهَا.

[مَسْأَلَةٌ حكم المذي]

مَسْأَلَةٌ: " وَكَذَلِكَ الْمَذْيُ " وَهُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ لِابْتِدَاءِ الشَّهْوَةِ إِذَا تَحَرَّكَتْ وَبِتَفَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ مَسٍّ وَبَعْدَ فُتُورِهَا مِنْ غَيْرِ إِحْسَاسٍ بِهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ وَعَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ لِمَا «رَوَى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنَ الِاغْتِسَالِ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي؟ قَالَ: " يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 100

وَأَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: " فَتَمْسَحَ " بَدَلَ قَوْلِهِ فَتَنْضَحَ بِهِ، وَالْأَثْرَمُ وَلَفْظُهُ: " يُجْزِئُكَ أَنْ تَأْخُذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَتَرُشَّ عَلَيْهِ " فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِغَسْلِ فَرْجِهِ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالنَّضْحِ وَبِالْغَسْلِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَنِيِّ إِذْ يَخْرُجُ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ مِنْ مَخْرَجِ الْمَنِيِّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَحْكِمْ بِكَمَالِ الشَّهْوَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، لَكِنْ يَكْفِي نَضْحُ الْمَحَلِّ مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ، وَسُكُوتُهُ عَنْ غَسْلِهِ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا، وَسُكُوتُهُ عَنْ غَسْلِ الْفَرْجِ مِنْهُ قَدْ يَكُونُ لِعِلْمِ الْمُسْتَمِعِ فَإِنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِنَجَاسَتِهِ وَلَكِنْ سَأَلَ عَنْ مُوجَبِ خُرُوجِهِ وَعَنْ كَيْفِيَّةِ التَّطَهُّرِ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَنِيِّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ وَبَيْنَ الْبَوْلِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكْمُلْ وَهُوَ مِمَّا يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَأَجْزَأَ فِيهِ النَّضْحُ كَبَوْلِ الْغُلَامِ، وَالْأُخْرَى لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْغَسْلُ لِمَا «رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ».
وَإِذَا أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَحَالِّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 101

وَالنَّضْحُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَخْرَجِهِ فَأَمَّا مَخْرَجُهُ فَفِي قَدْرِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْهُ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إِحْدَاهُنَّ يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ كَالْبَوْلِ، أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَرَجُلٌ يُنَاجِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ لِأَنَّهُ نَجِسٌ فَأَشْبَهَ سَائِرَ النَّجَاسَاتِ وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «فِي الْمَذْيِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سَهْلٍ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الْوُضُوءَ.
الثَّانِيَةُ: يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَمَا لَمْ يُصِبْهُ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ.
الثَّالِثَةُ: يَغْسِلُ جَمِيعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي.
لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، فَإِنْ قِيلَ: يَرْوِيهِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَهُوَ لَمْ يُدْرِكْهُ، قُلْنَا: مُرْسِلُهُ أَحَدُ أَجِلَّاءِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ رَوَاهُ لِيُبَيِّنَ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِيهِ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْمَرَاسِيلِ، وَقَدْ «رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ

الجزء: 1 - الصفحة: 102

فَقَالَ: " ذَاكَ الْمَذْيُ وَكُلُّ فَحْلٍ يَمْذِي فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ وَتَوَضَّأْ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ بِشَهْوَةٍ فَجَازَ أَنْ يَجِبَ بِغَسْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَحَلِّهِ كَالْمَنِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُنْثَيَيْنِ وِعَاؤُهُ فَغَسْلُهُمَا يَقْطَعُهُ وَيُزِيلُ أَثَرَهُ.

[مَسْأَلَةٌ ما يطهر من النجاسات بالمسح]

مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِالْمَسْحِ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ إِلَّا أَسْفَلَ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ نَّهُ يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُجْزِئُ كَسَائِرِ الْمَلْبُوسَاتِ، وَالثَّالِثَةُ يُجْزِئُ فِي غَيْرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ لِغِلَظِهِمَا، وَوَجْهُ الْأُولَى وَهِيَ أَصَحُّ قَوْلُهُ " «إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 103

وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ يَتَكَرَّرُ إِصَابَةُ النَّجَاسَةِ لَهُ فَأَجْزَأَ فِيهِ الْمَسْحُ كَالسَّبِيلَيْنِ، وَكَذَلِكَ خُرِّجَ فِي طَهَارَتِهِمَا - طَهَارَةُ السَّبِيلَيْنِ بِالِاسْتِجْمَارِ - وَجْهَانِ.
وَذُيُولُ الثِّيَابِ يَتَوَجَّهُ فِيهَا الْجَوَازُ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَذَلِكَ لَا تَزُولُ النَّجَاسَةُ بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ، وَالِاسْتِحَالَةُ فِي الْمَشْهُورِ وَفِي الْجَمِيعِ وَجْهٌ قَوِيٌّ.

[مَسْأَلَةٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ المذي وَيَسِيرِ الدَّمِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ]

مَسْأَلَةٌ: " وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ وَيَسِيرِ الدَّمِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ مَا لَا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ".
النَّجَاسَاتُ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا وَمَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا.
أَمَّا الْمَذْيُ فَيُعْفَى عَنْهُ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى تَعُمُّ بِهِ وَيَشُقُّ

الجزء: 1 - الصفحة: 104

التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَهُوَ كَالدَّمِ بَلْ أَوْلَى لِلِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ، وَالِاجْتِزَاءُ عَنْهُ بِنَضْحِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَنِيُّ إِذَا قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ، وَأَمَّا الْوَدْيُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ كَالْبَوْلِ.
وَأَمَّا الدَّمُ فَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ الْقَيْحُ وَالْمِدَّةُ وَالصَّدِيدُ وَمَاءُ الْقُرُوحِ " إِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا فَهُوَ كَالْقَيْحِ وَإِلَّا فَهُوَ طَاهِرٌ كَالْعَرَقِ " قَالَ أَحْمَدُ: " الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ وَالْمِدَّةُ عِنْدِي أَسْهَلُ مِنَ الدَّمِ الَّذِي فِيهِ شَكٌّ ". يَعْنِي فِي نَجَاسَتِهِ، وَسُئِلَ: الْقَيْحُ وَالدَّمُ عِنْدَكَ سَوَاءٌ؟ فَقَالَ: " الدَّمُ لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ فِيهِ وَالْقَيْحُ قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ". قَالَ الْبُخَارِيُّ: " بَزَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ"، " وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ "، وَحَكَى أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ " أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَ عَلَيْهَا دَمٌ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ " وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي فَامْتَخَطَ فَخَرَجَ مِنْ مُخَاطِهِ شَيْءٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 105

مِنْ دَمٍ، قَالَ: " لَا بَأْسَ بِذَلِكَ يُتِمُّ صَلَاتَهُ ". وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ خَاصَّةً لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ دَمٍ فَأَبَاحَهُ لِلْمَشَقَّةِ فَلَأَنْ يُبِيحَ مُلَاقَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْلَى لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ دَمَامِيلَ، وَجُرُوحٍ، وَقُرُوحٍ فَرَخَّصَ فِي تَرْكِ غَسْلِهَا.
وَالْمَعْفُوُّ عَنْهُ دَمُ الْآدَمِيِّ، وَدَمُ الْبَقِّ، وَالْبَرَاغِيثِ - إِنْ قِيلَ بِنَجَاسَتِهِ - وَدَمُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، فَأَمَّا الْمُحَرَّمُ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلِةٌ فَلَا يُعْفَى عَنْ دَمِهِ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ يُمْكِنُ وَهُوَ مُغَلَّظٌ، لِكَوْنِ لَبَنِهِ نَجِسًا وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَعَلَّلَ بِأَنَّ فِيهِمَا دَمَ حَلَمَةٍ، وَكَذَلِكَ دَمُ الْحَيْضَةِ وَمَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ يَغْلُظُ بِخُرُوجِهِ مِنَ السَّبِيلِ، وَلِذَلِكَ يَنْقُضُ قَلِيلُهُ الْوُضُوءَ، وَالتَّحَرُّزُ مِنْهُ مُمْكِنٌ، وَأَمَّا قَدْرُ الْيَسِيرِ فَعَنْهُ مَا دُونَ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ، وَعَنْهُ مَا دُونَ قَدْرِ الْكَفِّ، وَعَنْهُ الْقَطْرَةُ وَالْقَطْرَتَانِ وَقِيلَ عَنْهُ مَا دُونَ ذِرَاعٍ فِي ذِرَاعٍ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الدَّمِ: إِذَا كَانَ فَاحِشًا أَعَادَ.
وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ مَرْجِعُهُ الْعُرْفُ إِذَا لَمْ يُقَدَّرْ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ، قَالَ الْخَلَّالُ: " الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إِنَّ الْفَاحِشَ مَا يَسْتَفْحِشُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ".
وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَطْرَةً أَوْ قَطْرَتَيْنِ فَيُعْفَى عَنْهُ بِكُلِّ

الجزء: 1 - الصفحة: 106

حَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْهُ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَفْحِشْهُ شَقَّ عَلَيْهِ غَسْلُهُ، وَإِذَا اسْتَفْحَشَهُ هَانَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الِاعْتِبَارُ بِالْفَاحِشِ فِي نُفُوسِ أَكْثَرِ النَّاسِ وَأَوْسَاطِهِمْ.
وَمِمَّا يُعْفَى عَنْهُ أَثَرُ الِاسْتِجْمَارِ إِنْ لَمْ نَقُلْ بِطَهَارَتِهِ، وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ إِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ كَدَمِهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَلِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ يُعْفَى عَنْ (يَسِيرِ) رِيقِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَعَرَقِهَا إِذَا قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى لَا يُعْفَى كَرِيقِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَعَرَقِهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهَا مُطْلَقًا وَيَشُقُّ مَعَهُ التَّحَرُّزُ مِنْ رِيقِهَا وَعَرَقِهَا وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نَجَاسَتِهَا، وَرَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا.
وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ بَوْلِ الْخُفَّاشِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى وَقْتِنَا لَا يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَفِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْقَيْءِ رِوَايَتَانِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَنَّ يَسِيرَ الْقَيْءِ يُعْفَى عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ خُرُوجُهُ، كَيَسِيرِ الدُّودِ وَالْحَصَى، وَالْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجَيْنِ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِهِ كَمَا لَا يَجِبُ التَّوَضُّؤُ مِنْهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْعَفْوِ عَنْ أَرْوَاثِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالسِّبَاعِ رِوَايَتَيْنِ أَقْوَاهُمَا أَنَّهُ لَا

الجزء: 1 - الصفحة: 107

يُعْفَى، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، فَكَالْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «تَنَزَّهُوا عَنِ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» " وَقَوْلِهِ: («إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ») وَلِأَنَّ هَذِهِ نَجَاسَاتٌ مُغَلَّظَةٌ فِي أَنْفُسِهَا وَلَا يَعُمُّ الِابْتِلَاءُ بِهَا وَلَيْسَ فِي نَجَاسَتِهَا اخْتِلَافٌ، فَلَا وَجْهَ لِلْعَفْوِ عَنْهَا مَعَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا لَا أَثَرَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ النَّجَاسَاتِ وَهِيَ إِمَّا حَيَوَانٌ، أَوْ جَمَادٌ، أَمَّا الْحَيَوَانُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَا تَحَلَّلَ مِنْ ظَاهِرِهِ مِثْلُ رِيقِهِ وَدَمْعِهِ وَعَرَقِهِ فَهُوَ مِثْلُهُ، وَأَمَّا رَوْثُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَبَوْلُهُ فَهُوَ نَجِسٌ بِكُلِّ حَالٍ، إِلَّا مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، فَإِنَّ رَوْثَهُ وَبَوْلَهُ وَجَمِيعُ رُطُوبَاتِهِ طَاهِرَةٌ، وَكَذَلِكَ لَبَنُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ كَالْحُمُرِ لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَلَا غَيْرِهِ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِطَهَارَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ لَا، إِلَّا لَبَنُ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.
وَأَمَّا الشَّعْرُ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَيْتَتِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطْلَقًا، وَالْقَيْءُ نَجِسٌ لِأَنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَاءَ فَتَوَضَّأَ» وَسَوَاءٌ أُرِيدَ

الجزء: 1 - الصفحة: 108

غَسْلُ يَدِهِ أَوِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ نَجَاسَةٍ.
فَأَمَّا بَلْغَمُ الْمَعِدَةِ فَطَاهِرٌ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَبَلْغَمِ الرَّأْسِ وَفِي الْأُخْرَى هُوَ نَجِسٌ كَالْقَيْءِ وَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ كَالْوَلَدِ.
وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَكَاللَّبَنِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الْجَمَادُ فَالْمَيْتَةُ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي الْآنِيَةِ، وَالدَّمُ كُلُّهُ نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ الْمِدَّةُ، وَالْقَيْحُ، وَالصَّدِيدُ، وَمَاءُ الْقُرُوحِ الْمُتَغَيِّرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ، إِلَّا الدِّمَاءُ الْمَأْكُولَةُ كَالْكَبِدِ، وَالطِّحَالِ، وَمَا بَقِيَ عَلَى اللَّحْمِ بَعْدَ السَّفْحِ، وَدَمُ السَّمَكِ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
وَإِلَّا الدِّمَاءُ الَّتِي لَيْسَتْ سَائِلَةً كَدَمِ الذُّبَابِ، وَالْبَقِّ، وَالْبَرَاغِيثِ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، إِلَّا دَمُ الشَّهِيدِ مَا دَامَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ بِإِبْقَائِهِ عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَتِهِ فَلَوْ حَمَلَهُ مُصَلٍّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.
وَإِلَّا الْعَلَقَةُ فِي وَجْهٍ كَالطِّحَالِ وَالْمَنِيِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا نَجِسَةٌ.
وَسَوَاءٌ اسْتَحَالَتْ عَنْ مَنِيٍّ أَوْ عَنْ بَيْضٍ، وَالْمَائِعَاتُ الْمُسْكِرَةُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهَا رِجْسًا، وَالرِّجْسُ هُوَ الْقَذَرُ وَالنَّجَسُ الَّذِي يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهَا مُطْلَقًا وَهُوَ يَعُمُّ الشُّرْبَ وَالْمَسَّ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا وَلَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْنَهَا فَهِيَ كَالدَّمِ وَأَوْلَى لِامْتِيَازِهَا عَلَيْهِ بِالْحَدِّ وَغَيْرِهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 109

وَلَا يَجُوزُ الْقَصْدُ إِلَى تَخْلِيلِهَا فَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ فِي الْمَنْصُوصِ الْمَشْهُورِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا قَالَ: " لَا».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَعَنْهُ أَيْضًا «أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا فَقَالَ: " أَهْرِقْهَا " قَالَ: أَفَلَا نَجْعَلُهَا خَلًّا قَالَ: " لَا».
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقِيلَ عَنْهُ تَطْهُرُ، وَقِيلَ بِنَقْلِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ دُونَ إِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهَا، فَأَمَّا إِنِ ابْتَدَأَ اللَّهُ قَلْبَهَا طَهُرَتْ وَإِنْ أَمْسَكَهَا كَذَلِكَ، سَوَاءٌ لِيَتَّخِذَ الْعَصِيرَ لِلْخَلِّ أَوْ لِلْخَمْرِ فِي الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: إِنِ اتَّخَذَهُ لِلْخَمْرِ ثُمَّ أَمْسَكَهُ حَتَّى تَخَلَّلَ لَمْ تَطْهُرْ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِ عُمَرَ: " لَا تَأْكُلْ خَلًّا مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ حَتَّى يَبْدَأَ اللَّهُ بِفَسَادِهَا، وَذَلِكَ حِينَ طَابَ الْخَلُّ، وَلَا بَأْسَ عَلَى امْرِئٍ أَصَابَ خَلًّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَبْتَاعَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا إِفْسَادَهَا ". رَوَاهُ سَعِيدٌ.

[مَسْأَلَةٌ مني الآدمي وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طاهر]

مَسْأَلَةٌ: " وَمَنِيُّ الْآدَمِيِّ، وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ ". وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ طَاهِرٌ لِمَا «رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: " كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ».

الجزء: 1 - الصفحة: 110

رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُجْزِئْ فَرْكُهُ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى هُوَ نَجِسٌ يُجْزِئُ فَرْكُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْفَرْكَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى خِفَّةِ النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَلِهَذَا يُجْزِئُ مَسْحُ رَطْبِهِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي كَفَرْكِ يَابِسِهِ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومُ كَلَامِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْفَرْكُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَيَخْتَصُّ الْفَرْكُ بِمَنِيِّ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ أَبْيَضُ غَلِيظٌ يَذْهَبُ الْفَرْكُ وَالْمَسْحُ بِأَكْثَرِهِ بِخِلَافِ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ الْفَرْكَ وَالْمَسْحَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ طَائِلًا، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغَسْلُ أَوِ الْمَسْحُ أَوِ الْفَرْكُ فِي كَثِيرِهِ، فَأَمَّا يَسِيرُهُ يُعْفَى عَنْهُ كَالدَّمِ وَأَوْلَى، وَإِذَا اشْتَبَهَ مَوْضِعُ الْجَنَابَةِ فُرِكَ الثَّوْبُ كُلُّهُ، أَوْ غَسَلَ مَا رَأَى وَفَرَكَ مَا لَمْ يَرَ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى اسْتِحْبَابًا وَالْأُولَى أَشْهَرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّجَاسَةِ وُجُوبُ الْغَسْلِ؛ وَلِأَنَّ أَثَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ: " أَمِطْهُ عَنْكَ وَلَوْ بِإِذْخَرٍ أَوْ خِرْقَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ أَوِ الْبُزَاقِ " وَنَحْوِهِ عَنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 111

سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
وَأَمَّا الرُّطُوبَةُ الَّتِي فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَطَاهِرٌ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَمَّا بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ فَطَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ».
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِمَا أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ أَوْ قَالَ مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ " فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَقَاحٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا».
رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِغَسْلِ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا يُصِيبُهُمْ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُمْ أَعْرَابٌ مُعْتَادُونَ شُرْبَهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 112

حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةِ، وَسَاقَهُ مَعَ اللَّبَنِ سِيَاقَةً وَاحِدَةً.
وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ.
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِحَائِلٍ، وَطَافَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَذِنَ لِأُمِّ سَلَمَةَ بِالطَّوَافِ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ الْأَعْرَابِيُّ يُدْخِلُ بَعِيرَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَيُنْتِجُهُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا نَجِسَةً - مَعَ أَنَّ عَادَةَ الْبَهَائِمِ أَلَّا تَمْتَنِعَ مِنَ الْبَوْلِ فِي بُقْعَةٍ دُونَ بُقْعَةٍ - لَوَجَبَ صِيَانَةُ الْمَسْجِدِ عَنْ ذَلِكَ، «وَلَمَّا سَأَلَتْهُ الْجِنُّ الزَّادَ لَهُمْ وَلِدَوَابِّهِمْ.
قَالَ: " لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا.
وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ" قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَسْتَنْجُوا بِهَا فَإِنَّهَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ».
فَلَوْ كَانَ قَدْ أَبَاحَ لَهُمُ الرَّوْثَ النَّجِسَ لَمْ يَكُنْ فِي صِيَانَتِهِ عَنْ نَجَاسَةِ مِثْلِهِ مَعْنًى وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَشَجِّ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ وَخُرُوءُ الْبَعِيرِ فِي ثِيَابِهِمْ.

الجزء: 1 - الصفحة: 113

[بَابُ الْآنِيَةِ]

[مَسْأَلَةٌ لا يجوز اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي طَهَارَةٍ وَلَا غَيْرِهَا]

فصول الكتاب · 9 فصل
جارٍ التحميل