شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارةتعريف الحيض
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْحَيْضُ مَصْدَرُ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا: إِذَا جَرَى دَمُهَا، وَيُسَمَّى الدَّمُ حَيْضًا، وَهُوَ دَمُ خِلْقَةٍ وَجِبِلَّةٍ، وَكَتَبَ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ بِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَنَبَاتِهِ، فَالْوَلَدُ يُخْلَقُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ثُمَّ يُغَذَّى فِي الرَّحِمِ بِدَمِ الطَّمْثِ، فَإِذَا وُلِدَ تَحَوَّلَ الدَّمُ لَبَنًا فَيَرْضَعُ مِنْهُ، فَإِذَا خَلَتِ الرَّحِمُ مِنْ وَلَدٍ اجْتَمَعَ الدَّمُ ثُمَّ خَرَجَ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِذَلِكَ وَصَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِرِّ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَبِبِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْأَصْلُ فِي ثُبُوتِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَسْأَلَةٌ الحيض يمنع عشرة أشياء]

مَسْأَلَةٌ " وَيَمْنَعُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ: فِعْلَ الصَّلَاةِ وَوُجُوبَهَا وَفِعْلَ الصِّيَامِ، وَالطَّوَافَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ، وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ وَسُنَّةَ الطَّلَاقِ وَالِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ، وَيُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْبُلُوغَ وَالِاعْتِدَادَ بِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ أُبِيحَ فِعْلُ الصِّيَامِ وَالطَّلَاقُ وَلَمْ يُبَحْ سَائِرُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَيَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» ". فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَائِضَ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ وَلَا تَصُومَ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، فَإِذَا طَهُرَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ دُونَ

الجزء: 1 - الصفحة: 457

الصَّلَاةِ، وَهَذَا مِمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ.
وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ «عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ لَهَا: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، فَقَالَتْ: " كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» وَمَعْنَى قَوْلِهَا: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ، الْإِنْكَارُ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ حَرُورَاءَ وَهِيَ مَكَانٌ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ، وَإِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ الْخَوَارِجِ مَنْ كَانَ يَأْمُرُهَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ لِفَرْطِ تَعَمُّقِهِمْ فِي الدِّينِ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أَلَيْسَتْ إِحْدَاكُنَّ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ " «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» " وَالصَّوْمُ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا حِينَ الْحَيْضِ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْمُسَافِرِ، وَكُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْعِبَادَةُ قَضَاءً فَإِنَّهَا وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا يَجِبُّ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُهَا قَضَاءً لَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهَا فِيمَا بَعْدُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، فَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا صَحَّ الصَّوْمُ فِي الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَذْهَبِ كَمَا يَصِحُّ صَوْمُ الْجُنُبِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ لِلصَّوْمِ وَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا لَكِنْ تَجِبُ فِي ذِمَّتِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ قَادِرَةً عَلَى فِعْلِهَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 458

الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ.
لِمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا لَمَّا حَاضَتْ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ: " اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ إِلَّا أَنَّكِ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " حَتَّى تَغْتَسِلِي ". «وَلَمَّا قَالَتْ: إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ، قَالَ: " أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ " قَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، قَالَ: " فَلَا، إِذَنْ» فَلَوْ كَانَ طَوَافُهَا " جَائِزًا " لَمْ تَحْبِسْهُمْ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْحَائِضُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ.
وَلِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْحَائِضُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَلْبَثَ فِي الْمَسْجِدِ، تَوَضَّأَتْ أَوْ لَمْ تَتَوَضَّأْ، فَإِنْ خَالَفَتْ وَطَافَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا الطَّوَافُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى تَجْبُرُهُ بِدَمٍ وَيُجْزِؤُهَا مَعَ التَّحْرِيمِ، كَمَا يَجْبُرُ بِالدَّمِ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَفَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ مَعَ التَّحْرِيمِ وَالْإِثْمِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 459

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا كَحَدَثِ الْجُنُبِ وَأَغْلَظَ، لِقِيَامِ سَبَبِ الْحَدَثِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا قَبْلَ الِانْقِطَاعِ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ أَحْسَنَ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ كَالْجُنُبِ، وَلَهَا الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ دَمُهَا جَارِيًا فَإِنَّهَا تَتَلَجَّمُ لِتَأْمَنَ مِنْ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: لَا تَدْخُلُهُ إِلَّا لِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ دُونَ وَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ، لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَأَمَّا اللُّبْثُ فِيهِ بِالْوُضُوءِ فَيَجُوزُ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا، وَأَمَّا قَبْلُ فَلَا يَجُوزُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَصِحُّ " وَسَبَبُ " الْحَدَثِ قَائِمٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهَا الْوُضُوءُ لِنَوْمٍ أَوْ أَكْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 460

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي الْفَرْجِ، فَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِثْلَ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وَالْمَحِيضُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِمَكَانِ الْحَيْضِ كَالْقُبُلِ وَالْمَنْبَتِ، فَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِمَكَانِ الْحَيْضِ وَهُوَ الْفَرْجُ، أَوْ هُوَ الْحَيْضُ وَهُوَ الدَّمُ نَفْسُهُ لِقَوْلِهِ: " أَذًى " أَوْ نَفْسُ خُرُوجِ الدَّمِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: 4] فَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] يَحْتَمِلُ مَكَانَ الْحَيْضِ وَيَحْتَمِلُ زَمَانَهُ وَحَالَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَمَكَانُ الْمَحِيضِ هُوَ الْفَرْجُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي زَمَنِ الْمَحِيضِ، فَهَذَا الِاعْتِزَالُ يَحْتَمِلُ اعْتِزَالَهُنَّ مُطْلَقًا كَاعْتِزَالِ الْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ.
وَيَحْتَمِلُ اعْتِزَالَ مَا يُرَادُ مِنْهُنَّ فِي الْغَالِبِ وَهُوَ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ لِوُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] فَذَكَرَ الْحُكْمَ بَعْدَ الْوَصْفِ بِحَرْفِ الْفَاءِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ هُوَ الْعِلَّةُ لَا سِيَّمَا وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِاعْتِزَالِهِنَّ مِنَ الْإِيذَاءِ إِضْرَارًا أَوْ تَنْجِيسًا وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِالْفَرْجِ فَيَخْتَصُّ بِمَحَلِّ سَبَبِهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ اعْتِزَالَ جَمِيعِ بَدَنِهَا لَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ، كَمَا فَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فَانْتَفَتِ الْحَقِيقَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى

الجزء: 1 - الصفحة: 461

الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَهُوَ الْمَجَازُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ اعْتِزَالُ الْمَوْضِعِ الْمَقْصُودِ فِي الْغَالِبِ وَهُوَ الْفَرْجُ لِأَنَّهُ يُكَنَّى عَنِ اعْتِزَالِهِ بِاعْتِزَالِ الْمَرْأَةِ كَثِيرًا، كَمَا يُكَنَّى عَنْ مَسِّهِ بِالْمَسِّ وَالْإِفْضَاءِ مُطْلَقًا، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] بِقَوْلِهِ: " فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ " رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ حَزْمٍ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ.
فَأَمَّا اعْتِزَالُ الْفَرْجِ وَمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَلَا هُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَلَا مَجَازُهُ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ فَسَّرَتْ هَذَا الِاعْتِزَالَ بِأَنَّهُ تَرْكُ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، فَرَوَى أَنَسٌ " «أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» " وَفِي لَفْظٍ " إِلَّا الْجِمَاعَ " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ.
وَالْجِمَاعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْإِيلَاجُ فِي الْفَرْجِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ فَلَيْسَ هُوَ كَالْجِمَاعِ وَلَا نِكَاحٍ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِهِ تَوَسُّعًا عِنْدَ التَّقْيِيدِ فَيُقَالُ: الْجِمَاعُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؛ لِكَوْنِهِ بِالذَّكَرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجِمَاعِ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْإِيلَاجِ لَا سِيَّمَا الِاسْتِمْتَاعُ فِي الْفَرْجِ، فَمَا فَوْقَ السُّرَّةِ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا شَيْئًا» " وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 462

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ " فَقَالَ: تَجَنَّبْ شِعَارَ الدَّمِ» " رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ.
وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ حُرِّمَ لِلْأَذَى فَاخْتَصَّ التَّحْرِيمُ بِمَحَلِّ الْأَذَى كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا يُخْشَى مِنْهُ مُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ؛ لِأَنَّ الْأَذَى الْقَائِمَ بِالْفَرْجِ يُنْفَرُ عَنْهُ كَمَا يُنْفَرُ عَنِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ إِجْمَاعًا، ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا شَيْئًا كَمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يُصِيبَهُ الْأَذَى، وَلَوْ رُوعِيَ هَذَا فَحَرُمَ جَمِيعُ بَدَنِهَا كَالْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ وَالْمُعْتَكِفَةِ، وَمَعَ هَذَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الِاسْتِمْتَاعِ عَلَى مَا فَوْقَ الْإِزَارِ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى اسْتِمْتَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَزْوَاجِهِ.
«قَالَتْ عَائِشَةُ: " كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ بِإِزَارٍ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى نَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ لَهُ " عَنِ " الْإِلْمَامِ بِالْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ بِخِلَافِ الدُّبُرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ، وَالْفَرْجُ الْمُبَاحُ يُغْنِي عَنِ الدُّبُرِ فَلَا يُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ الْقُرْبُ مِنْهُ ضَرُورِيٌّ وَهُنَا لَيْسَ هُنَاكَ فَرْجٌ مُبَاحٌ وَلَا ضَرُورَةٌ فَنَهَابُ الْإِلْمَامَ بِهِ عَلَى الْعَادَةِ السَّابِقَةِ أَوْ يُلَوِّثُهُ الدَّمُ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ.

فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ حَتَّى تَغْتَسِلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] أَيْ: حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] أَيِ:

الجزء: 1 - الصفحة: 463

اغْتَسَلَتْ بِالْمَاءِ، وَهَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ " وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقْرَؤُونَ " حَتَّى يَطَّهَّرْنَ " بِالتَّشْدِيدِ، وَكُلُّهُمْ يَقْرَؤُونَ الْحَرْفَ الثَّانِي " ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] " وَالتَّطَهُّرُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَكَلَّفُهُ وَيَرُومُ تَحْصِيلَهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الِاغْتِسَالِ، فَأَمَّا انْقِطَاعُ الدَّمِ فَلَا صُنْعَ لَهَا فِيهِ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] فُهِمَ مِنْهُ الِاغْتِسَالُ، فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى قِرَاءَةِ الْأَكْثَرِينَ يَنْتَهِي النَّهْيُ عَنِ الْقِرَاءَتَيْنِ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ هُنَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا لِأَنَّهَا بِحَرْفِ (حَتَّى) فَإِذَا تَمَّ انْقِطَاعُ الدَّمِ فَقَدِ انْتَهَتِ الْغَايَةُ، قُلْنَا: قَبْلَ الِانْقِطَاعِ النَّهْيُ عَنِ الْقُرْبَانِ الْمُطْلَقِ، فَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ زَالَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حِينَئِذٍ مُبَاحَةً إِنِ اغْتَسَلَتْ، حَرَامًا إِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ، وَيُبَيِّنُ هَذَا الشَّرْطَ قَوْلُهُ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْأَكْثَرِ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6] وَأَيْضًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنَّ الْمُطَلِّقَ أَحَقُّ بِزَوْجَتِهِ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَإِذَا كَانَ حَدَثُ الْحَيْضُ مُوجِبَ بَقَاءِ الْعِدَّةِ فَلَأَنْ يَقْتَضِيَ بَقَاءَ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ أَوْلَى وَأَحْرَى، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَتْ، فَإِنْ وَجَدَتِ الْمَاءَ عَادَ التَّحْرِيمُ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 464

فَصْلٌ: وَإِذَا وَطِئَ الْحَائِضَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ لَا تَجِبُ بَلْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى، حَمْلًا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الِاضْطِرَابِ، فَإِنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ لَا لِأَجْلِ عِبَادَةٍ فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً كَالزِّنَا وَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَوَجْهُ الْأُولَى مَا رَوَى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: " يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» ". قَالَ: " أَبُو دَاوُدَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: " مَا أَحْسَنَ حَدِيثَ عَبْدِ الْحَمِيدِ فِيهِ " قِيلَ لَهُ: فَتَذْهَبُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ " وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ": هَذِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غِشْيَانِ الْحَائِضِ ". وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ مِقْسَمٍ، وَلِأَنَّهُ وَطِئَ فَرْجًا يَمْلِكُهُ حَرُمَ لِعَارِضٍ فَجَازَ أَنْ يُوجِبَ الْكَفَّارَةَ كَالْوَطْءِ فِي الصِّيَامِ

الجزء: 1 - الصفحة: 465

وَالْإِحْرَامِ وَطَرْدُهُ الِاعْتِكَافُ، إِنْ قُلْنَا بِهِ، وَإِلَّا قُلْنَا: حَرُمَ لِسَبَبٍ عَارِضٍ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مَاحِيَةٌ لِلذَّنْبِ وَزَاجِرَةٌ عَنْهُ فَلَا تُشْرَعُ فِي الْكَبَائِرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهُ، كَالزِّنَا وَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ، وَالدَّاعِي إِلَيْهِ أَقْوَى مِنْ أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ عَارِضًا فَرُبَّمَا دَعَتِ النَّفْسُ إِلَى الْعَادَةِ، فَشُرِعَتِ الْكَفَّارَةُ مَاحِيَةً لِلذَّنْبِ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ، وَزَاجِرَةً عَنْ مُعَاوَدَتِهِ، وَلِهَذَا أَغْنَى وُجُوبُهَا عَنِ التَّعْزِيرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُشْرَعُ التَّعْزِيرُ فِيمَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَبِهَذَا أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ فِي وَطْءِ رَمَضَانَ وَالْإِحْرَامِ، وَلَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ إِفْسَادَ الْعِبَادَةِ فَقَطْ لِأَنَّا نُوجِبُهَا فِي الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ وَالصَّوْمِ الْفَاسِدِ فِي رَمَضَانَ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْأَصْلِ زَجْرًا وَمَحْوًا وَجَبْرًا وَلَا شَيْءَ فِي الْفَرْعِ يُجْبَرُ، فَلِهَذَا خَفَّتْ.

فَصْلٌ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّكْفِيرِ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ، وَعَنْهُ إِنْ كَانَ فِي إِقْبَالِ الدَّمِ فَدِينَارٌ وَإِنْ كَانَ فِي إِدْبَارِهِ فَنِصْفُ دِينَارٍ، حَمْلًا لِلتَّقْسِيمِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: " إِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ وَإِنْ كَانَ صُفْرَةً فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا وَطِئَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ

الجزء: 1 - الصفحة: 466

الْوَجْهَيْنِ إِذْ لَا نَصَّ فِيهِ وَحُرْمَتُهُ أَخَفُّ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: فِيهِ الْكَفَّارَةُ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمِ.
وَلِمَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «جَعَلَ فِي الْحَائِضِ تُصَابُ دِينَارًا، فَإِنْ أَصَابَهَا وَقَدْ أَدْبَرَ الدَّمُ عَنْهَا وَلَمْ تَغْتَسِلْ فَنِصْفُ دِينَارٍ»، كُلُّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمُعْتَمَدُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى لِصِحَّتِهَا.
وَنِصْفُ الدِّينَارِ الزَّائِدُ إِذَا أَخْرَجَ دِينَارًا فَهُوَ مِنَ الْكَفَّارَةِ الْمُقَدَّرَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَإِنْ جَازَ تَرْكُهُ، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ صَدَقَةٌ مَحْضَةٌ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ عَلَى جِهَةِ التَّكْفِيرِ فَهُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ لَيْسَ هُوَ مِنَ الْكَفَّارَةِ الْمُقَدَّرَةِ الْمَأْمُورِ لِقَوْلِهِ: " «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ» " وَقَوْلِهِ: " «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» ". وَقَوْلِ حُذَيْفَةَ " فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ " وَهَذَا كَمَا يُخَيَّرُ الْحَاجُّ بَيْنَ أَنْ يَبِيتَ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ بِمِنًى وَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ مِنَ الْغَدِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَكَمَنَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، فَإِنْ أَخْرَجَ سُبُعَ بَدَنَةٍ جَازَ وَإِنْ أَخْرَجْ بَدَنَةً فَهُوَ هَدْيٌ أَيْضًا وَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَأَخْرَجَ

الجزء: 1 - الصفحة: 467

حِقَّةً جَازَ وَكَانَ الْجَمِيعُ زَكَاةً، وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَا زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ تَطَوُّعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 184]- يَعْنِي أَكْثَرَ مِنْ مِسْكِينٍ - ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: 184] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي وَجَبَتْ فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ: " «ذَلِكَ الَّذِي عَلَيْكَ فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ مِنْهُ قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَآجَرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". وَوَصَفَهُ بَعْضُهُمْ بِالْوُجُوبِ وَإِنْ جَازَ تَرْكُهُ كَمَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الزَّائِدَتَيْنِ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْوَاجِبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ، مِثْلَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِذَا طَوَّلَهُ زِيَادَةً عَلَى مَا يُجْزِئُ.
وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ وَهَذَا جَائِزٌ، كَمَا يَجِبُ إِتْمَامُ الْإِحْرَامِ إِذَا شَرَعَ فِيهِ، وَيَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الْأَخْذُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إِذَا اخْتَارَ تَقْلِيدَ صَاحِبِهِ وَهَذَا لِأَنَّا نُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ أَوْ يَفْعَلَهُ عَلَى صِفَةِ الْوُجُوبِ كَمَا يُخَيَّرُ بَيْنَ تَرْكِ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْعَلَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَتَكُونُ الصِّفَةُ وَاجِبَةً بِشَرْطِ فِعْلِ الْأَصْلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً إِذَا تَرَكَ الْأَصْلَ.

فَصْلٌ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ سَوَاءٌ كَانَ جَاهِلًا بِالْحَيْضِ وَبِالتَّحْرِيمِ أَوْ بِهِمَا، وَكَذَلِكَ النَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ لَا يَجِبُ.
قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ صُغْرَى فَلَمْ تَجِبْ مَعَ السَّهْوِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ، وَقَدْ رَوَى حَرْبٌ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَتَى جَارِيَةً لَهُ فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَكَذَّبَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا حَائِضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَا حَفْصٍ، تَصَدَّقْ بِنِصْفِ

الجزء: 1 - الصفحة: 468

دِينَارٍ».
وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ أَوِ الصَّائِمَ إِذَا وَطِئَ نَاسِيًا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ هُنَا فَإِنْ وَطِئَهَا طَاهِرًا فَحَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ الْوَطْءِ، فَإِنِ اسْتَدَامَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ انْبَنَى عَلَى أَنَّ النَّزْعَ هَلْ هُوَ جِمَاعٌ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا، أَحَدُهُمَا: هُوَ جِمَاعٌ، فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ جَامَعْتُكِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا أَبَدًا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ النَّزْعُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَإِذَا طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُولِجٌ فَنَزَعَ فِي الْحَالِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، فَعَلَى هَذَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ هُنَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْصُوصِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ مَعْذُورٌ وَالْمَعْذُورُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي النَّزْعِ كَمَا تَلْزَمُهُ فِي الصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَيْسَ النَّزْعُ بِجِمَاعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ هُنَا، كَمَا لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِالنَّزْعِ عِنْدَ أَبِي حَفْصٍ، وَلَا يَأْثَمُ بِهِ فِي الْيَمِينِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِوَطْءِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَتَجِبُ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَسَوَاءٌ كَانَ تِبْرًا أَوْ مَضْرُوبًا، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلَّا الْمَضْرُوبُ لِأَنَّ الدِّينَارَ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ خَاصَّةً، وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الدِّيَةِ، وَلَوْ كَانَ مَالُهُ دَنَانِيرَ فَأَخْرَجَ عَنْهَا مُكَسَّرًا لَزِمَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا فِي الزَّكَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهَا لِوَاحِدٍ وَجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى عَدَدٍ فَأَشْبَهَتِ النَّذْرَ، وَإِخْرَاجُ الْقِيمَةِ هُنَا كَإِخْرَاجِهَا فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَكَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ عَنِ الدَّنَانِيرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يُجْزِئْهُ هُنَاكَ كَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ.
وَأَمَّا الْمَصْرِفُ فَهُوَ مَصْرِفُ الْكَفَّارَاتِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَكُلُّ مَنْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ بِخَاصَّةٍ كَابْنِ السَّبِيلِ وَالْغَارِمِ لِمَصْلَحَةِ

الجزء: 1 - الصفحة: 469

نَفْسِهِ وَالْمُكَاتِبِ، وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ هُمُ الْمَسَاكِينُ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَدَقَةٍ مُطْلَقَةٍ هَلْ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي، إِحْدَاهُمَا: تَسْقُطُ وَاخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ لَيْسَ بِبَدَلٍ وَلَا لَهُ بَدَلٌ، فَأَشْبَهَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَالْمَالِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» " وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ، وَاخْتَارَهَا بَعْضُهُمْ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْإِحْرَامِ.

فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، وَهِيَ الَّتِي أُضْجِعَتْ قَهْرًا أَوْ وُطِئَتْ وَهِيَ نَائِمَةٌ؛ إِذْ لَا فِعْلَ لَهَا، فَأَمَّا الْمُطَاوِعَةُ فَفِيهَا وَجْهَانِ، تَخْرِيجًا عَلَى الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ هُنَا هُوَ الْوُجُوبُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ، لَكِنَّ تَمْكِينَهَا مِنْ وَطْءِ الرَّجُلِ بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ فِي الْحَدِّ فَفِي الْكَفَّارَةِ أَوْلَى، وَأَمَّا النَّائِمَةُ وَالَّتِي ضُرِبَتْ حَتَّى مَكَّنَتْ فَهَلْ تُلْحَقُ بِالْمُطَاوِعَةِ أَوِ الْمَغْلُوبَةِ عَلَى نَفْسِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَجِبَ عَلَى الْمُكْرَهَةِ أَيْضًا، وَيَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ، أَوْ لَا يَتَحَمَّلُهَا كَمَا فِي الْحَجِّ وَالصِّيَامِ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَى، وَقِيلَ: الْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا، وَيَجِبُ فِي وَطْءِ النُّفَسَاءِ مَا يَجِبُ فِي وَطْءِ الْحَائِضِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مِثْلُهَا.
فَأَمَّا الْوَطْءُ فِي الدَّمِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَيَنْبَغِي إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ كَالْمُبْتَدِأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ وَالْمُنْتَقِلَةِ عَادَتُهَا أَوِ الْعَائِدِ دَمُهَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، إِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، وَإِلَّا كَانَ كَوَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَوَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ حَرَامٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ؛ لِأَنَّهُ دَمُ أَذًى فَأَشْبَهَ الْحَيْضَ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يَحْرُمُ كَدَمِ الْقُرُوحِ وَالْجُرُوحِ فِي الْفَرْجِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ كَفَّارَةٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 470

الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ سُنَّةَ الطَّلَاقِ، فَإِذَا طَلَّقَهَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ كَانَ مُبْتَدِعًا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] يَعْنِي طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: " لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَلِأَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا لَمْ تُحْسَبْ تَمَامًا الْحَيْضَةُ مِنَ الْقُرُوءِ فَتَتَرَبَّصُ بَعْدَ تِلْكَ الْحَيْضَةِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَفِي ذَلِكَ تَطْوِيلٌ لِلْعِدَّةِ وَذَلِكَ إِضْرَارٌ بِهَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَيْضَ مَظِنَّةُ الزُّهْدِ فِيهَا وَالتَّفْرِقَةِ عَنْهَا، فَرُبَّمَا يَعْقُبُهُ النَّدَمُ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ كَانَ الطَّلَاقُ سُنَّةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِيهَا قَوْلَيْنِ، يَعْنِي رِوَايَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرَ: " «مُرْ عَبْدَ اللَّهِ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا الْأُخْرَى فَلَا يَمَسُّهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ يُمْسِكُهَا فَلْيُمْسِكْهَا فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَفْسِيرُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَتُبَيِّنُ أَنَّ الْمَسِيسَ وَالطَّلَاقَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ فِي حُكْمِ الْحَيْضِ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ

الجزء: 1 - الصفحة: 471

وَبَقَاءِ الْعِدَّةِ وَجَوَازِ الرَّجْعَةِ، فَكَذَلِكَ فِي تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ وَابْتِدَاءِ الْعِدَّةِ، وَطَرْدُ ذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: إِنْ حِضْتِ حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُهَا وَتَجِبُ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَأَشْبَهَ مَا بَعْدَ الِاغْتِسَالِ.

الْفَصْلُ السَّادِسُ: أَنَّهُ يَمْنَعُ الِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ إِذَا حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ فِي الْحَيَاةِ وَيُوجِبُ الِاعْتِدَادَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] فَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ إِنَّمَا هُوَ لِذَوَاتِ الْقُرُوءِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ [الطلاق: 4] ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] أَنَّ مَنْ لَيْسَتْ مِنَ الْآيِسَاتِ وَلَا مِنَ الصِّغَارِ تَعْتَدُّ بِسِوَى ذَلِكَ وَهُوَ الْحَيْضُ، فَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا سَوَاءٌ صَغِيرَةٌ أَوْ آيِسَةٌ أَوْ مِمَّنْ تَحِيضُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 240] الْآيَةَ، فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 472

الْفَصْلُ السَّابِعُ: أَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " إِنَّمَا ذَاكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَمْرُهُ لِلْحَائِضِ بِالِاغْتِسَالِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَغَيْرِهِنَّ، وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الْحَائِضَ لَيْسَتْ بِطَاهِرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222]. وَأَمَرَ بِالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ فِي سِيَاقِ آيَةِ الْوُضُوءِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6] مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ صَلَاتَهَا قَبْلَ التَّطَهُّرِ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ فَلَا تَصِحُّ، وَلِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِ الْجُنُبِ فَهِيَ بِالْغُسْلِ أَوْلَى، وَالْمُوجِبُ لَهُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا انْقِطَاعُ الدَّمِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ اغْتِسَالُهَا فَلَا يَكُونُ الْغُسْلُ وَاجِبًا، وَعِنْدَ بَعْضِهِمُ الْمُوجِبُ لَهُ خُرُوجُ الدَّمِ، وَانْقِطَاعُهُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، كَمَا يَجِبُ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ بِخُرُوجِ الْخَارِجَاتِ قَبْلَ انْقِطَاعِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الطَّهَارَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ انْقِطَاعِهَا، وَهَذَا أَقْيَسُ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا غُسْلُ جَنَابَةٍ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْجَنَابَةُ قَدْ أَصَابَتْهَا قَبْلَ الْحَيْضِ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ ارْتِفَاعَ حَدَثِ الْجَنَابَةِ الْوَاجِبِ قَبْلَ الْحَيْضِ، وَمَتَى اغْتَسَلَتْ صَحَّ وَارْتَفَعَ حَدَثُ الْجَنَابَةِ وَبَقِيَ حَدَثُ الْحَيْضِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 473

الْفَصْلُ الثَّامِنُ: أَنَّهُ يُوجِبُ الْبُلُوغَ، بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَلِأَنَّهُ بِالْحَيْضِ تَصْلُحُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَكُونَ أُمًّا، فَحَصَلَ بِهِ الْإِدْرَاكُ وَالْبُلُوغُ كَالْإِنْزَالِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ اللَّذَيْنِ يُخْلَقُ مِنْهُمَا الْإِنْسَانُ فَحَصَلَ الْبُلُوغُ بِهِ كَالْمَنِيِّ، وَلِأَنَّ بُلُوغَ الْأَشُدِّ هُوَ اسْتِكْمَالُ الْإِنْسَانِ قُوَاهُ، وَالْحَيْضُ وَالْإِمْنَاءُ آخِرُ قُوَى الْبَدَنِ حُصُولًا، فَبِهِ يَحْصُلُ بُلُوغُ الْأَشُدِّ.

[مَسْأَلَةٌ أَقَلُّ الْحَيْضِ]

مَسْأَلَةٌ (وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) الْأَصْلُ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي عُلِّقَتِ الْأَحْكَامُ بِهَا فِي الشَّرْعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا بُيِّنَ حَدُّهُ وَمِقْدَارُهُ بِالشَّرْعِ كَأَعْدَادِ الصَّلَاةِ وَمَوَاقِيتِهَا وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَفَرَائِضِهَا وَعَدَدِ الطَّوْفَاتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَثَانِيهَا: مَا يُعْلَمُ حَدُّهُ وَمِقْدَارُهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ كَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْبَرْدِ وَالْفَجْرِ وَالسَّنَةِ وَالشَّهْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَثَالِثُهَا: مَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ فَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى مَا تَعْرِفُهُ النَّاسُ وَيَعْتَادُونَهُ كَالْجُودِ وَالْقَبْضِ وَالتَّفَرُّقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْحَيْضُ شَبِيهٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 474

بِهَذَا الْقِسْمِ، فَإِنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنَ الْفَرْجِ قِسْمَانِ: دَمُ حَيْضٍ وَدَمُ عِرْقٍ وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا لِتَرْتِيبِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ دُونَ الدَّمِ الْآخَرِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ مِثْلُ خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ دَمُ فَسَادٍ وَمَرَضٍ وَعِرْقٍ، فَإِذَا خَرَجَ الدَّمُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِي النِّسَاءِ كَانَ دَمَ حَيْضٍ، وَإِنْ خَرَجَ مِنَ الْعَادَةِ كَانَ اسْتِحَاضَةً بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ، وَالْغَالِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَنَّهُنَّ يَحِضْنَ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، وَقَدْ وُجِدَ كَثِيرًا مِنْ تَحِيضُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحَ: " رَأَيْتُ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ كَانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا وَمَنْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا " وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " تَحِيضُ إِمَائِي يَوْمَيْنِ " وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْعُلَا قَالَتْ: " حَيْضَتِي مُنْذُ آبَادِ الدَّهْرِ يَوْمَانِ، فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَعَدَتْ عَنِ الْحَيْضِ ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " رَأَيْتُ امْرَأَةً أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ، وَأُثْبِتَ لِي عَنْ نِسَاءٍ أَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ يَحِضْنُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ " وَقَالَ إِسْحَاقُ: " قَدْ صَحَّ فِي زَمَانِنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ: " حَيْضَتِي يَوْمَانِ "، قَالَ: وَقَالَتِ امْرَأَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ أَهْلِنَا: " لَمْ أُفْطِرْ مِنْهُ عِشْرِينَ سَنَةً فِي رَمَضَانَ إِلَّا يَوْمَيْنِ " وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الزُّبَيْرُ الْمِصْرِيُّ " كَانَ مِنْ نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا وَمَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا " فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ قَدْ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ فِي النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ كَثِيرًا فَصَارَ ذَلِكَ أَمْرًا مَعْرُوفًا مُعْتَادًا فِي النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْخَلَّالُ: " مَذْهَبُ أَبِي

الجزء: 1 - الصفحة: 475

عَبْدِ اللَّهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَأَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ". لَكِنِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَعَنْهُ هُوَ يَوْمٌ بِلَيْلَتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، وَعَنْهُ يَوْمٌ بِدُونِ لَيْلَتِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: " عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ بُكْرَةً وَتَطْهُرُ عَشِيَّةً " وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ دَمٍ خَارِجٍ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ دَمٌ عَارِضٌ لِعِلَّةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَالْأَوْلَى اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ الْيَوْمَ الْمُطْلَقَ هُوَ بِلَيْلَتِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَا ثَبَتَ تَكَرُّرُهُ فِي النِّسَاءِ وَمَا دُونُ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ فَلَا يَثْبُتُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ بِهِ، كَمَا لَمْ تُثْبِتِ الْعَادَةُ حَقَّ الْمَرْأَةِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَمَّا مَا دُونَ الْيَوْمِ إِذَا وُجِدَ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ فَأَشْبَهَ دَمَ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ، وَلِأَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ، وَالْمَجَّةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَمْنَعُ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ أكثر الحيض]

مَسْأَلَةٌ (وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ أَكْثَرَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لِمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ: " أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ ثِقَةٌ مِنْ جِيرَانِي أَنَّهَا تَحِيضُ سَبْعَةَ عَشَرَ " وَحَكَى أَيْضًا " عَنْ نِسَاءِ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُنَّ كُنْ يَحِضْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ " وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ حَيْضَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ هُوَ الَّذِي كَثُرَ وُجُودَهُ فِي النِّسَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ

الجزء: 1 - الصفحة: 476

آدَمَ قَالَ: سَمِعْتُ شَرِيكًا يَقُولُ: " عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ". وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: " كَانَتْ عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ، قَالَ أَحَدُهُمَا: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ الْآخَرُ: تَحِيضُ يَوْمًا وَاحِدًا حَيْضًا مُعْتَدِلًا ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " أُثْبِتَ لِي عَنْ نِسَاءٍ أَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ يَحِضْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ". وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ " سَمِعْنَا مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَحِضْنَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، كُلُّ ذَلِكَ صَحَّ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَاسْتَيْقَنُوا ذَلِكَ عَنْ نِسَائِهِمْ وَغَيْرِهِنَّ ". وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَنَادِرٌ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ " لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً حَاضَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، إِلَّا وَاحِدَةٌ حَاضَتْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: " لَسْتُ أَرَى مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَصِحُّ كَصِحَّةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ". وَقَالَ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ: هِيَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَا عَقَلُوهُ.
وَقَدِ احْتُجَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ، أَمَّا نَاقِصَاتُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، وَأَمَّا نُقْصَانُ دِينِهَا فَإِنَّهَا تَمْكُثُ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» ".

الجزء: 1 - الصفحة: 477

وَالشَّطْرُ: النِّصْفُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ هُوَ مُنْتَهَى نُقْصَانِ دِينِهِنَّ إِذْ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ بَيَانِ نَقْصِ دِينِهِنَّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ لَذَكَرَ إِمَّا الْغَالِبَ أَوِ الْأَقَلَّ، وَهَذَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إِذْ لَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ " لِأَنَّهُ " الْغَايَةُ فِي نَقْصِ الدِّينِ، فَإِنْ قِيلَ بَلِ اعْتَبِرِ الْغَالِبَ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الْأَعْمَارِ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، فَقَرِيبُ الرُّبُعِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَمَا بَقِيَ تَرْكُ الصَّلَاةِ نَحْوَ رُبُعِهِ، فَيَسْلَمُ النِّصْفُ، قُلْنَا: مَا تَرَكَتْ مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ يَشْتَرِكْنَ فِيهِ هُنَّ وَالرِّجَالُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّ مِنْ نَقْصِ دِينِهِنَّ، وَأَمَّا قَبْلَ الْبُلُوغِ لَيْسَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ أَصْلًا فَلَا يُوصَفُ مَنْعُهُ مِنَ الصَّلَاةِ بِنَقْصِ دِينٍ.

[مَسْأَلَة أَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ]

مَسْأَلَةٌ " وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ " أَمَّا أَكْثُرُ الطُّهْرِ فَلَا حَدَّ لَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ النِّسَاءِ مِنْ تَطْهُرُ الشَّهْرَ وَالسَّنَةَ كَمَا أَنَّ مِنْهُنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ أَبَدًا، وَأَمَّا أَقَلُّهُ فَثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ لِمَا سَبَقَ، وَسَلَكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا طَرِيقَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِدَّةَ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي مُقَابَلَةِ الْقُرُوءِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ عِدَّةٌ مِنَ الْحَيْضِ، كُلُّ شَهْرٍ مُقَابِلُ قُرْءٍ، أَوْ لَا

الجزء: 1 - الصفحة: 478

يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابِلِهِ أَقَلُّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّهُمَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا فِي مُقَابَلَةِ أَكْثَرِهَا أَوْ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ لَا غَايَةَ لَهُ فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ أَقَلِّ الطُّهْرِ وَأَكْثَرِ الْحَيْضِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ: أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَأَكْثَرُ الْحَيْضِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ وَهُوَ عَلَى مَا تَعْرِفُ الْمَرْأَةُ مِنْ عَادَتِهَا، وَإِنْ كَانَتِ اثْنَي عَشَرَ يَوْمًا أَوْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَقَّتُ فِي ذَلِكَ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ كَأَكْثَرِ الطُّهْرِ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَيْهِ قَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ طَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَصَلَّتْ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: " إِنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بَاطِنَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ، شَهِدَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ " ثَلَاثًا " وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قَالُونَ: " مَعْنَاهُ بِالرُّومِيَّةِ جَيِّدٌ.
وَذَكَرَ إِسْحَاقُ عَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ كَذَلِكَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ، وَلَا يُمْكِنُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثُ حِيَضٍ إِلَّا بِأَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا كَامِلًا، فَيَثْبُتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ فَاصِلٌ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، وَمَا دُونُ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ تَوْقِيفٌ وَلَا عَادَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَجْعَلَ الدَّمَ الْمَوْجُودَ فِي طَرَفِهِ حَيْضَتَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَعَلْنَاهُ حَيْضَةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَالتَّغَايُرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 479

[مَسْأَلَةٌ أَقَلُّ سِنٍّ الحيض]

مَسْأَلَةٌ " وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ " هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ابْنَةِ عَشْرٍ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، قَالَ الْقَاضِي: فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ أَوَّلُ زَمَنِ الْحَيْضِ أَوَّلَ زَمَنِ الِاحْتِلَامِ وَهُوَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، لِمَا رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «ذَرَارِيُّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ شَافِعٌ وَمُشَفَّعٌ، مَنْ لَمْ يَبْلُغِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» " وَمَنْ بَلَغَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً " فَعَلَيْهِ وَلَهُ " رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْغِيلَانِيَّاتِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إِذَا بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ ". وَرَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا أَتَى عَلَى الْجَارِيَةِ تِسْعُ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ» " وَفِي إِسْنَادِهِ نَوْعُ جَهَالَةٍ، لَكِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً وَحْدَهُ فَقَدْ أَيَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، وَلَوْلَا أَنَّ التِّسْعَ يُمْكِنُ فِيهَا الْبُلُوغُ لَمَا كَانَتِ امَرْأَةً بِبُلُوغِهَا، وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمَوْجُودِ وَالْعَادَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ حَيْضٌ مُعْتَادٌ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ التِّسْعِ فَإِنْ نَدَرَ وُجُودُ دَمٍ فَهُوَ دَمُ فُسَادٍ، فَأَمَّا بَعْدَهَا فَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ وَحَبَلٌ، وَقَالَ

الجزء: 1 - الصفحة: 480

الشَّافِعِيُّ: " أَقَلُّ مَنْ سَمِعْتُهُ مِنْ النِّسَاءِ تَحِيضُ، نِسَاءُ تِهَامَةَ تَحِيضُ لِتِسْعِ سِنِينَ " وَقَالَ أَيْضًا: " رَأَيْتُ جَدَّةً لَهَا إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً حُجِرَ عَلَيْهَا ".

[مَسْأَلَةٌ أكبر سِنٍّ الحيض]

مَسْأَلَةٌ " وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ سَنَةً ". لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ لِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ غَايَةً إِذَا بَلَغَتْهَا الْمَرْأَةُ لَمْ تَحِضْ بَعْدَهَا، بَلْ يَكُونُ الدَّمُ حِينَئِذٍ دَمَ فَسَادٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: 4] وَلَوْ أَمْكَنَ أَنَّ الْحَيْضَ " لَا يَنْقَطِعُ " أَبَدًا لَمْ يَيْئَسْنَ أَبَدًا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ حَيْضٌ مُعْتَادٌ فِي بِنْتِ الْمِائَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ كَالصَّغِيرَةِ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ سِتُّونَ سَنَةً فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ وُجِدَ فِيهِ حَيْضٌ مُعْتَادٌ بِنَقْلِ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ.
وَالثَّانِيَةُ: خَمْسُونَ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " إِذَا بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ " ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَفْظُهُ: " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً " قَالُوا: وَهَذَا تَقْدِيرٌ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ فَيَشْبِهُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا.
وَالثَّالِثَةُ: سِتُّونَ فِي " نِسَاءِ الْعَرَبِ " لِأَنَّ نِسَاءَ

الجزء: 1 - الصفحة: 481

الْعَرَبِ أَشَدُّ جِبِلَّةً وَأَسْرًا.
وَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَّارٍ فِي جُمْلَةِ النَّسَبِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَلِدُ لِخَمْسِينَ إِلَّا عَرَبِيَّةً وَلَا تَلِدُ لِسِتِّينَ إِلَّا قُرَشِيَّةً " وَقَالَ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ وَلَدَتْ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً ". وَجَعَلَ الْخِرَقِيُّ مَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ إِلَى السِّتِّينَ دَمًا مَشْكُوكًا فِيهِ، هَلْ هُوَ حَيْضٌ أَوِ اسْتِحَاضَةٌ؟ لِتُعَارُضِ الْعَادَةِ الَّتِي تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَقَوْلِ عَائِشَةَ الَّذِي ظَاهِرُهُ التَّوْقِيفُ، فَتَصُومَ فِيهِ وَتَصَلِّي لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا صَحِيحًا كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَغْتَسِلُ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا صَحِيحًا.

[مَسْأَلَةٌ الْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيضُ فِي مِثْلِهِ]

مَسْأَلَةٌ " وَالْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ لِوَقْتٍ تَحِيضُ فِي مِثْلِهِ جَلَسَتْ فَإِذَا انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ " وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيْضَ هُوَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ وَلَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْغَالِبِ مِنْهُ، وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ دَمُ فَسَادٍ وَمَرَضٍ لِعَارِضٍ، وَالْأَصْلُ هُوَ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ فَيَجِبُ بِنَاءُ الدَّمِ عَلَى الْأَصْلِ وَإِلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، فَلِذَلِكَ تَجْلِسُ عَنِ الصَّلَاةِ أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ فَإِنِ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَتَقْضِي مَا تَرَكَتْ فِيهِ مِنَ الصَّلَاةِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 482

[مَسْأَلَةٌ إذا جاوز الدم اليوم والليلة للمبتدأة]

مَسْأَلَةٌ " وَإِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهُوَ حَيْضٌ " لَا تَخْلُو الْمُبْتَدَأَةُ إِمَّا أَنْ يَنْقَطِعَ دَمُهَا لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَيَسْتَمِرَّ بِهَا، فَإِنِ انْقَطَعَ فَهُوَ حَيْضٌ، تَغْتَسِلُ لِانْقِطَاعِهِ، وَتَصِيرُ طَاهِرًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَلَا يُكْرَهُ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا؛ كَالْمُعْتَادَةِ إِذَا طَهُرَتْ لِعَادَتِهَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَتَكَرَّرَ بِهَا ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَتَطْهُرَ أَيَّامَ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ فِي حَالِ الْوَطْءِ، وَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي الِامْتِنَاعِ، فَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا؛ كَالنُّفَسَاءِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِدُونِ الْأَرْبَعِينَ، فَعَلَى هَذَا يَتْرُكُ الْوَطْءَ إِلَى تَمَامِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ؛ كَمَا قَالُوا فِي النُّفَسَاءِ.
هَذَا مُوجِبُ تَعْلِيلِ الْقَاضِي، وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ، وَإِنِ اسْتَمَرَّ بِهَا فَالْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، بِأَنَّهَا تَحْتَاطُ، فَتَغْتَسِلُ عَقِبَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِرُّ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ، وَتَصُومُ الْفَرْضَ، وَتُصَلِّي فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، ثُمَّ إِنِ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ فَمَا دُونَهُ اغْتَسَلَتْ غُسْلًا ثَانِيًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، فَإِنِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ، فَتَقْضِي مَا صَامَتْ فِيهِ أَوْ طَافَتْ فِيهِ مِنَ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، فَيُجْعَلُ مَا زَادَ عَلَى الْحَيْضِ الْمُتَيَقَّنِ مَشْكُوكًا فِيهِ؛ حَتَّى يَصِيرَ مُعْتَادًا، وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي لِأَقَلِّ الْحَيْضِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ دَمُ فَسَادٍ، فَلَا تَقْضِي الصَّوْمَ وَالطَّوَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْهُ فِي دَمٍ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعَادَةِ يُؤَثِّرُ فِيمَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَيْضٌ، فَفِيمَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ حَيْضٌ أَوْلَى، وَهَكَذَا إِنْ زَادَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي عَلَى حَيْضِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَوْ تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَكَرَّرْ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ أُخَرَ؛ إِحْدَاهُنَّ: أَنَّهَا تَجْلِسُ الدَّمَ جَمِيعَهُ مَا لَمْ تَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ هُنَا، وَهُوَ أَقْيَسُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّمِ الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِهِ، وَلَا دَلِيلَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ الْمُعْتَادِ، وَلِأَنَّ أَوَّلَ الدَّمِ جَلَسَتْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ، فَكَذَلِكَ آخِرُهُ، وَلِأَنَّهُ كَانَ دَمَ حَيْضٍ قَبْلَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالْأَصْلُ فِي بَقَائِهِ عَلَى مَا كَانَ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَزَلْنَ يَحِضْنَ عَلَى عَهْدِ

الجزء: 1 - الصفحة: 483

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُنَّ كُنْ يُؤْمَرْنَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بِالِاغْتِسَالِ عَقِبَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَوْ فَعَلْنَ ذَلِكَ لَنُقِلَ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا تَجْلِسُ غَالِبَ عَادَاتِ النِّسَاءِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا؛ كَمَا تَجْلِسُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الْمَوْجُودَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَظْهَرُ أَنَّهُ حَيْضٌ؛ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَاحْتَطْنَا لَهُ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهَا تَقْصِدُ عَادَةَ نِسَائِهَا، مِثْلَ أُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ هُوَ مِنْ بَابِ الطَّبَائِعِ وَالْجِبِلَّاتِ، وَبَنُو الْأَبِ الْوَاحِدِ وَالْأُمِّ الْوَاحِدَةِ أَقْرَبُ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ عِنْدِي رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ: أَنَّهَا تَجْلِسُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَاتُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَطَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَثْبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، وَحَكَوْا عَنْهُ أَلْفَاظًا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ قَدْ جُعِلَ مَا زَادَ عَلَى الْأَقَلِّ حَيْضٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ مَعَ انْفِصَالِهِ بِدَمٍ فَاسِدٍ لِكَوْنِهِ صَالِحًا لَهُ، فَالصَّالِحُ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ أَوْلَى، وَهَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةُ لَا تَجِيءُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا مَتَى اسْتُحِيضَتْ فَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ تَرْتَقِبُهُ تُمَيِّزَ فِيهِ دَمَ الْحَيْضِ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَعْلِ الزَّائِدِ مَشْكُوكًا فِيهِ أَبَدًا؛ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْحَرَجِ الْعَظِيمِ، وَلَيْسَ الِاحْتِيَاطُ بِأَنْ تُصَلِّيَ وَتَصُومَ أَوْلَى مِنَ الِاحْتِيَاطِ بِأَنْ لَا تُصَلِّيَ وَتَقْضِيَ الصَّوْمَ، وَقَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ بَعْضَ هَذَا الدَّمِ حَيْضٌ، وَبَعْضَهُ اسْتِحَاضَةٌ، فَلِهَذَا عَدَلْنَا إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَإِنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا أَوِ اسْتِحَاضَةً، فَأَمْكَنَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ؛ لِانْكِشَافِ الْأَمْرِ فِيمَا بَعْدُ، وَهَذَا وَجْهُ الْمَشْهُورِ، وَلِأَنَّ هَذَا الدَّمَ لَا تُبْنَى عَلَيْهِ الِاسْتِحَاضَةُ عَلَى أَصْلِنَا، فَلَمْ يَكُنْ حَيْضًا كَسَائِرِ الدِّمَاءِ الْفَاسِدَةِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ عَادَةٌ، وَلَا نَتَيَقَّنُ أَنَّ بَعْدَهُ عَادَةً، وَالْحَيْضُ الصَّحِيحُ حَاصِلٌ بِدُونِهِ، وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ، فَلِمَ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ الْمُتَيَقَّنَةَ بِشَيْءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ؛ بِخِلَافِ

الجزء: 1 - الصفحة: 484

الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ أَهْلٌ لِلْحَيْضِ، وَقَدْ رَأَتِ الدَّمَ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا هُوَ دَمُ حَيْضٍ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ الْخَارِجُ فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ جَمِيعُهُ اسْتِحَاضَةً، وَأَمَرْنَاهَا أَنْ تَجْلِسَ أَوَّلَ مَا رَأَتْهُ، وَإِنْ جَازَ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَرَيَانُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ، فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ خِلَافُ الْأَصْلِ.

فَصْلٌ فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ أَحْمَدَ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا لَا تَجْلِسُ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ حَتَّى تَصِيرَ عَادَةً، وَقُلْنَا: الْعَادَةُ الْمُعْتَبَرَةُ أَنْ تَتَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ تَعْمَلُ بِهَا - فَعَلَى هَذَا إِذَا تَكَرَّرَ الدَّمُ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ جَلَسَتْهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، وَلَمْ تَغْتَسِلْ إِلَّا حِينَ الِانْقِطَاعِ، وَلَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ، وَتَقْضِي مَا حَاضَتْ مِنَ الْفَرْضِ فِي تِلْكَ الْحَيْضَاتِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الدَّمِ جَلَسَتِ الْقُرُوءَ وَالْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، فَلَوْ رَأَتْ شَهْرًا سَبْعًا وَشَهْرًا سِتًّا وَشَهْرًا خَمْسًا جَلَسَتْ فِي الرَّابِعِ الْخَمْسَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ عَادَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ مُرَتَّبًا أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ، فَالْمُرَتَّبُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عَلَى تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسًا، وَفِي الثَّانِي سِتًّا، وَفِي الثَّالِثِ سَبْعًا، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَتَكُونُ الْعَادَةُ خَمْسًا عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى سِتًّا، وَغَيْرُ الْمُرَتَّبِ مِثْلُ أَنْ تَحِيضَ سِتًّا، ثُمَّ خَمْسًا، ثُمَّ سَبْعًا، فَلَا تَكُونُ الْعَادَةُ إِلَّا الْخَمْسَ، لَا تَرَدُّدَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ لَمْ يَتَكَرَّرْ مُتَوَالِيًا، بَلِ انْقَطَعَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، فَيَبْطُلُ كَوْنُهُ حَيْضًا، وَلَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ مِنَ التَّكَرُّرِ الْمُتَوَالِي، وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ تَجْرِي فِيهِ الرِّوَايَتَانِ، وَلَا يَجُوزُ

الجزء: 1 - الصفحة: 485

وَطْؤُهَا فِي هَذَا الدَّمِ، وَأَجَزْنَا وَطْءَ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ أَسْوَأُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِيهِ، فَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ بِتَرْكِ الْوَطْءِ فِيهِ كَمَا احْتِيطَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، وَلِهَذَا كَانَ صَوْمُهَا وَطَوَافُهَا وَاعْتِكَافُهَا هُنَا مَوْقُوفًا، وَفِي الْمُسْتَحَاضَةِ صَحِيحًا، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: إِذَا أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَإِنَّا نُتْبِعُهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَإِنْ أَثْبَتْنَاهَا بِمَرَّتَيْنِ عَمِلَتْ بِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي هَذَا، وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ كَأَقَلِّ الْحَيْضِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ أَوَّلِ زَمَنِهِ.

[مَسْأَلَةٌ إذا تكرر الدم ثلاثة أشهر بمعنى واحد]

مَسْأَلَةٌ " فَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَةً بِمَعْنًى وَاحِدٍ صَارَ عَادَةً " هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَصِيرُ عَادَةً بِتَكْرَارِ مَرَّتَيْنِ، فَتَبْنِي عَلَيْهِ الْمُبْتَدَأَةُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الطَّرِيقَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَوْدِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَدَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِلَى عَادَتِهَا قَالَ: " «اجْلِسِي قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا» "، وَقَالَ: " اجْلِسِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ "، وَقَالَ: " لِتَنْظُرْ مَا كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ " وَحَيْضُهَا مُسْتَقِيمٌ " فَلْتَعْتَدِدْ " بِذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ: كَانَتْ تَفْعَلُ كَذَا، إِلَّا لِمَا دَامَ وَتَكَرَّرَ، دُونَ مَا وُجِدَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا "، وَأَقَلُّ مَا تَكُونُ الْأَقْرَاءُ ثَلَاثَةً، وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ وَأَوَّلُ حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَلِهَذَا

الجزء: 1 - الصفحة: 486

قُدِّرَ بِهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، مِثْلَ: خِيَارِ الْمُصَارَّةِ، وَخِيَارِ الْمَخْدُوعِ، وَمُدَّةِ الْهِجْرَةِ، وَالْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ، وَإِقَامَةِ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُمُ: " الْعَادَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَوْدِ " إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي عَلَّقَ الْحُكْمَ بِاسْمِ الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ مِنْ أَلْفَاظِ الْفُقَهَاءِ.
وَهَذَا كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَقَلُّ أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ اثْنَانِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الضَّمُّ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الِاثْنَيْنِ.
وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا لَوْ كَانَ الْعَرَبُ سَمَّتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ جُمُوعًا، وَإِنَّمَا هَذِهِ تَسْمِيَةُ النُّحَاةِ، ثُمَّ لَوْ رَاعَيْنَا الِاشْتِقَاقَ فَإِنَّ الْعَادَةَ لَا تَحْصُلُ بِعَوْدِ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا عَوَدَةٌ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلِفًا، وَهَذِهِ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِتَكْرَارِ الْعَوْدِ، وَأَقَلُّ مَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ الْعَوْدُ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْأُولَى، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْأَشْهُرُ الثَّلَاثَةُ مُتَوَالِيَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً؛ حَتَّى لَوْ حَاضَتْ سَبْعًا ثُمَّ سِتًّا ثُمَّ خَمْسًا فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الْخَمْسَ، فَإِنْ حَاضَتْ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ سِتًّا صَارَتْ هِيَ الْعَادَةَ كَتَكَرُّرِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِي الثَّانِي: لَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ إِلَّا بِتَوَالِي أَشْهُرِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ بَعْدَ ذَلِكَ سِتًّا صَارَ الْيَوْمُ السَّادِسُ حَيْضًا مُبْتَدِئًا لَا مُعْتَادًا، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْعَادَةَ إِذَا نَقَصَتْ فِي بَعْضِ الْأَشْهُرِ فَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ عَشْرًا فَحَاضَتْ فِي شَهْرٍ سَبْعًا ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ فِي عَقِبِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَبْنِي عَلَى سَبْعٍ.

الجزء: 1 - الصفحة: 487

[مَسْأَلَةٌ إن عبر الدم أكثر من زمن الحيض]

مَسْأَلَةٌ " وَإِنْ عَبَرَ ذَلِكَ فَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ " الْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا دَمٌ يُشْبِهُ دَمَ الْحَيْضِ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، بَلْ هُوَ دَمُ عِرْقٍ وَفَسَادٍ لِمَرَضٍ أَوِ انْحِلَالِ طَبِيعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا الدَّمُ يُفَارِقُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِدَمِ الْجُرْحِ وَالْفِصَادِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ دَمَ الْجِبِلَّةِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، وَخَلَقَهُ لِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ كَالدَّمِ تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ، أَوِ الَّذِي يُجَاوِزُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَإِنَّ الَّذِي يُجَاوِزُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ يُعْلَمُ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ.
وَثَانِيهَا: أَنْ تَقُومَ الْأَمَارَةُ عَلَى أَنَّهُ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ؛ مِنَ الْعَادَةِ أَوِ التَّمْيِيزِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَلْتَبِسَ الْأَمْرُ وَيَشْتَبِهَ؛ كَمَا سَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا الَّذِي يَشْتَبِهُ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهُ مَا يُعْلَمُ أَنَّ بَعْضَهُ حَيْضٌ وَبَعْضَهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَقَدِ اخْتَلَطَ هَذَا بِهَذَا، وَمِنْهُ مَا لَا يُدْرَى أَدَمُ حَيْضٍ هُوَ أَمْ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، فَصَارَتِ الدِّمَاءُ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: مِنْهَا مَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ، وَمِنْهَا مَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَمِنْهَا مَا يُشَكُّ فِيهِ، فَمَتَى عَبَرَ الدَّمُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَاتِ؛ كَالْمُعْتَادَةِ ثَبَتَ فِي حَقِّهَا حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ - وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي قَدِيمًا - لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهَا حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُرْجَى انْكِشَافُ حَالِهَا قَرِيبًا بِحُدُوثِ عَادَةٍ لَهَا، فَتَجْلِسُ عَلَى قَوْلِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ عَلَى قَوْلِنَا: لَا

الجزء: 1 - الصفحة: 488

تَثْبُتُ الْعَادَةُ إِلَّا بِثَلَاثٍ، وَمِنَ الثَّالِثِ أَوِ الرَّابِعِ تَجْلِسُ كَمَا تَجْلِسُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَهُوَ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ فِي الْمَشْهُورِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ بَعْضَ مَا تَجْلِسُهُ كَانَ حَيْضًا فَتَقْضِي صَوْمَهُ كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا حَتَّى الْقَاضِي أَخِيرًا، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ جَلَسَتْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَتَلْتَزِمُ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي عَلِمَتْ إِمَّا بِالتَّمْيِيزِ أَوْ بِالْغَالِبِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَمَا تَرَكَتْهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهِ اسْتِحَاضَةً، إِمَّا بِالتَّمْيِيزِ أَوْ بِالْغَالِبِ - فَإِنَّهَا تَقْضِيهِ.
وَإِنْ كَانَتْ جَلَسَتْ أَقَلَّهُ فَإِنَّهَا تَقْضِي مَا صَامَتْ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَيْضٌ، فَكَذَلِكَ إِنْ جَلَسَتْ غَالِبَهُ أَوْ عَادَةَ نِسَائِهَا.

[مَسْأَلَةٌ على المستحاضة أن تغتسل عند آخر الحيض]

مَسْأَلَةٌ " وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخِرِ الْحَيْضِ " هَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَهُوَ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ عِنْدَ آخِرِ الَّذِي قَعَدَتْهُ أَوَّلًا، فَكَذَلِكَ كُلُّ اسْتِحَاضَةٍ فَإِنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ آخَرِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: " «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِي مُدَّةِ الِاسْتِحَاضَةِ غُسْلٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ " «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» " وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْغُسْلِ، وَحَيْثُمَا جَاءَ الْوُضُوءُ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنِ اغْتَسَلَتْ كُلَّ يَوْمٍ غُسْلًا مِنَ الظُّهْرِ إِلَى

الجزء: 1 - الصفحة: 489

الظُّهْرِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَيُمْكِنُ أَنَّ دَمَ الْحَيْضِ قَدِ انْقَطَعَ فِيهِ، وَالْأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَغْتَسِلَ ثَلَاثَةَ أَغْسَالٍ: غُسْلًا تَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَغُسْلًا تَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَغُسْلًا تُصَلِّي بِهِ الْفَجْرَ، فَتَكُونُ قَدْ صَلَّتْ بِطَهَارَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وَأَشَدُّ مَا قِيلَ فِيهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو اسْتُحِيضَتْ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ بِغُسْلٍ، وَالصُّبْحَ بِغُسْلٍ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّ وَقْتَ كُلِّ صَلَاةٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدِ انْقَطَعَ فِيهِ دَمُ الْحَيْضِ، لَا سِيَّمَا فِي الْمُتَحَيِّرَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ وَالتَّمْيِيزَ لَيْسَا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ؛ لِجَوَازِ انْتِقَالِ الْعَادَةِ وَكَوْنِ الْأَصْفَرِ وَالْأَحْمَرِ دَمَ حَيْضٍ، وَلِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْتِحَاضَةً مُحَقَّقَةً فَهُوَ شَبِيهٌ بِدَمِ الْحَيْضِ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَحَبَّ مَعَهُ الْغُسْلُ؛ كَالْحِجَامَةِ وَأَوْلَى.

[مَسْأَلَةٌ المستحاضة تغسل فرجها وتعصبه]

مَسْأَلَةٌ " وَتَغْسِلُ فَرْجَهَا وَتُعَصِّبُهُ " لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ: " «فَإِذَا أَدْبَرَتِ الْحَيْضَةُ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» "، وَقَالَ لِحَمْنَةَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ "، قَالَتْ: إِنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " فَاتَّخِذِي ثَوْبًا "، قَالَتْ: هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:

الجزء: 1 - الصفحة: 490

" فَتَلَجَّمِي».
وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَمِّ سَلَمَةَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: " «لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ» ". قَالَ الْخَطَّابِيُّ: " هُوَ أَنْ تَشُدَّ ثَوْبًا تَحْتَجِزُ بِهِ يُمْسِكُ مَوْضِعَ الدَّمِ لِمَنْعِ السَّيَلَانِ ". فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِ الدَّمِ، وَأَمَرَ بِمَا يُوجِبُ حَبْسَ الدَّمِ عَنِ السَّيَلَانِ مِنِ احْتِشَاءٍ أَوْ شَدٍّ أَوْ تَعْصِيبٍ حَسَبَ الْإِمْكَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ وَحَدَثٌ أَمْكَنَتِ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، فَوَجَبَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَغَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَإِنْ غَلَبَ الدَّمُ وَخَرَجَ بَعْدَ إِحْكَامِ الشَّدِّ وَالتَّلَجُّمِ لَمْ يَضُرَّ؛ وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: " «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ، وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: " اجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي، وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا طُعِنَ يُصَلِّي، وَجُرْحُهُ يَشْخُبُ دَمًا.
احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: " كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِهِ

الجزء: 1 - الصفحة: 491

سَلَسُ الْبَوْلِ، وَكَانَ يُدَاوِيهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا غَلَبَهُ تَوَضَّأَ وَلَا يُبَالِي مَا أَصَابَ ثَوْبَهُ "، وَلِأَنَّ هَذَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُهُ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ عُذْرٌ يَتَّصِلُ بِهِ وَيَدُومُ، فَفِي إِيجَابِ الْإِعَادَةِ مَشَقَّةٌ، وَيَجِبُ إِعَادَةُ غَسْلِ الدَّمِ وَالتَّعْصِيبِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ؛ كَالْوُضُوءِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، سَوَاءٌ ظَهَرَ الدَّمُ فِي ظَهْرِ الْعِصَابَةِ أَوْ كَانَ بِبَاطِنِهَا، وَالْآخَرُ: لَا يَجِبُ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِأَنَّ فِي غَسْلِ الْعَصَائِبِ كُلَّ وَقْتٍ وَتَجْفِيفِهِ أَوْ إِبْدَالِهِ بِطَاهِرٍ - مَشَقَّةً كَبِيرَةً؛ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ وَعَصْبَ الْفَرْجِ.

[مَسْأَلَةٌ تتوضأ المستحاضة لكل صلاة وتصلي]

مَسْأَلَةٌ " وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي " وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَوَضَّأَ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَإِذَا تَوَضَّأَتْ صَلَّتْ بِهِ مَا شَاءَتْ مِنَ الْفُرُوضِ وَالنَّوَافِلِ، وَعَنْهُ: لَا تَجْمَعُ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ فَرْضَيْنِ، لَكِنْ إِذَا اغْتَسَلَتْ فَلَهَا أَنْ تَجْمَعَ بِالْغُسْلِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ: " «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» "، وَجَوَّزَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ.
وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، جَازَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ قَائِمٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْغُسْلُ أَفْضَلَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ دَمَ حَيْضٍ، وَقَوْلُهُ " «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» " أَيْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَعْهُودَةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ «أَنَّهَا كَانَتْ تُهْرَاقُ

الجزء: 1 - الصفحة: 492

الدَّمَ وَأَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ " فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ».
لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْجَمْعُ بَيْنَ نَوَافِلَ وَفَرْضٍ، وَلَوْ أَرَادَ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِفِعْلِ كُلِّ صَلَاةٍ مُطْلَقًا لَمَا جَازَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الرَّاتِبَةَ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، فَأَمَّا الْفَوَائِتُ وَالْمَجْمُوعَةُ فَنَادِرَةٌ، فَإِذَا قِيلَ " تَوَضَّأَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ " انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إِلَى الْمَعْهُودِ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ أَنَسٌ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» " - لَمْ يُفْهِمْ إِلَّا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَلَا يَجُوزُ طَهَارَتُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ فِي وَقْتِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا كَالتَّيَمُّمِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدَثِ هُنَا خَارِجٌ عِنْدَ التَّطَهُّرِ وَبَعْدَهُ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ الْقَائِمَ هُنَاكَ الْحَدَثٌ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُقَيَّدٌ بِالضَّرُورَةِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ.
وَلِأَنَّ الْحَدَثَ الْخَارِجَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَيُوجِبُ الِاسْتِنْجَاءَ إِلَّا مَا عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهَا كَمَا تَنْتَقِضُ بِدُخُولِهِ لَوْ تَوَضَّأَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا تَبْطُلُ بِدُخُولِهِ، فَإِذَا تَوَضَّأَتْ لِلْفَجْرِ لَمْ يَبْطُلْ وُضُوؤُهَا إِلَّا بِزَوَالِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي بَقَاءَ طَهَارَتِهَا مِنَ الْوَقْتِ إِلَى الْوَقْتِ، وَلِأَنَّ كُلَّمَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ فَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِالْوُضُوءِ لَهَا، فَوَجَبَ عَلَيْهَا، وَجَازَ أَنْ تُصَلِّيَ بِمَا شَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَعًا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَفْعَلُهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ، فَإِذَا تَوَضَّأَتْ فَإِنَّهَا تَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْمُتَقَدِّمِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مِنَ الْحَدَثِ الْمُتَأَخِّرِ، فَإِنْ نَوَتْ رَفْعَ الْحَدَثِ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدَثِ دَائِمٌ فَلَا يَرْتَفِعُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: هَذِهِ الطَّهَارَةُ

الجزء: 1 - الصفحة: 493

تَرْفَعُ بِهَا حَدَثًا سَابِقًا، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا تَجَدُّدُ الْحَدَثِ، بَلْ يَتَعَقَّبُ هَذَا الْحَدَثُ طَهَارَتَهَا، فَتَكُونُ مُحْدِثَةً وَإِنْ أَجَزْنَا لَهَا الصَّلَاةَ مَعَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ فِي حَقِّهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ نَوَتِ الِاسْتِبَاحَةَ فَقَطْ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الِاسْتِبَاحَةَ مِنَ الْحَدَثَيْنِ، وَيَتَضَمَّنُ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ تَنْوِيَ الطَّهَارَةَ لِلْفَرِيضَةِ مِثْلَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الَّذِي أَوْجَبَهَا وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ، وَالْحَدَثُ الْمُتَجَدِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ، فَلَا يُوجِبُ طَهَارَةً أُخْرَى، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُصَلِّيَ فِي عَقِبِ الطَّهَارَةِ احْتِرَازًا عَنِ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ بَعْدَ الْإِمْكَانِ إِلَّا أَنْ تُؤَخِّرَهَا لِبَعْضِ مَصَالِحِهَا كَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ أَوْ إِقَامَةٍ أَوْ تَكْمِيلِ سُتْرَةٍ، فَإِنْ أَخَّرَتْهَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَقَدْ قِيلَ: لَا يُجْزِئُهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُحْكَمِ الشَّدُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُطِيلَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ فِي الصَّلَاةِ، فَجَازَ لَهَا التَّأْخِيرُ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَدُّ الصَّلَاةِ إِلَيْهِ عَمْدًا، وَلِأَنَّ طَهَارَتَهَا بَاقِيَةٌ فِي حَقِّ النَّوَافِلِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّيهَا تَبَعًا مَعَ تَأْخِيرِهَا، فَلَأَنْ يَبْقَى لِفَرْضِ الْوَقْتِ أَوْلَى.

[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ بالنسبة للوضوء والصلاة]

مَسْأَلَةٌ " وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ " يَعْنِي كُلَّ مَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي كَسَلَسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَالرِّيحِ وَالْجُرْحِ الَّذِي لَا يُرْقَأُ وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ.
قَالَ: هَؤُلَاءِ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَيَمْنَعُونَ الْحَدَثَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ حَدَثُهُ بِخُرُوجِ نَجَاسَةٍ، وَجَبَ تَطْهِيرُهَا إِنْ أَمْكَنَ كَالْجَرِيحِ.
وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ عِصَابًا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْغَبُ دَمًا ".

الجزء: 1 - الصفحة: 494

وَلِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ دَائِمٌ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحَاضَةَ، وَيَنْقُضُ طَهَارَتَهُمْ مَا يَنْقُضُ طَهَارَةَ غَيْرِهِمْ سِوَى الْحَدَثِ الدَّائِمِ مِثْلَ أَنْ يَبُولَ أَحَدُهُمْ أَوْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَدَثِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ، فَأَمَّا الْحَدَثُ الدَّائِمُ فَإِنْ كَانَ مُتَوَاصِلًا أَوْ يُقْطَعُ تَارَاتٍ لَا يَتَّسِعُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ - لَمْ تَبْطُلِ الطَّهَارَةُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَ الطَّهَارَةَ مُطْلَقًا لَمَا أَمْكَنَتِ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَإِنِ انْقَطَعَ قَدْرًا يَتَّسِعُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ بُرْءٍ بِأَنْ لَا يَعُودَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ بُطْلَانُ طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الْخَارِجَ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ كَانَ مُبْطِلًا لِلطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ، فَمَتَى زَالَتِ الضَّرُورَةُ ظَهَرَ أَثَرُهُ، وَكَذَلِكَ الْحَدَثُ الْقَائِمُ بِبَدَنِ الْمُتَيَمِّمِ، فَإِنِ انْقَطَعَ وَلَمْ تَعْلَمْ هَلْ هُوَ عَنْ بُرْءٍ أَوْ غَيْرِ بُرْءٍ - لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ بُرْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُرْءِ، وَبَقِيَ بِلَا سَبَبِ الِاسْتِحَاضَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ عَنْ بُرْءٍ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّتْهَا بَعْدَ هَذَا الِانْقِطَاعِ، إِذَا كَانَ قَدْ وُجِدَ قَبْلَهُ حَدَثٌ بَعْدَ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَلَّتْ بَعْدَ انْتِقَاضِ وُضُوئِهَا انْتِقَاضًا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَأَقْصَى مَا فِيهَا أَنَّهَا جَاهِلَةٌ بِالْحَدَثِ، وَلَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْعَالِمِ بِالْحَدَثِ وَالْجَاهِلِ بِهِ، نَعَمْ إِنْ كَانَ صَاحِبُ هَذَا الْحَدَثِ إِمَامًا فَهُوَ كَمَنْ أَمَّ قَوْمًا نَاسِيًا لِحَدَثِهِ أَوْ جَاهِلًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الِانْقِطَاعُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ عَلَى الطَّرِيقَيْنِ الَّذَيْنِ يُذْكَرَانِ فِيمَا بَعْدُ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ، بَلْ يَنْقَطِعُ وَيَعُودُ، فَإِنْ كَانَ زَمَنُ هَذَا الِانْقِطَاعِ مَعْلُومًا، وَقَدْ صَارَ عَادَةً لَزِمَهَا أَنْ تَتَحَرَّى وَتَتَطَهَّرَ وَتُصَلِّيَ فِيهِ، وَمَتَى انْقَطَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا؛ لِأَنَّهَا أَمْكَنَهَا الصَّلَاةُ بِطَهَارَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، فَأَمَّا إِنْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ لِمَنْ عَادَتُهُ اتِّصَالُ الْحَدَثِ، فَكَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ زَالَتْ بِهِ، فَيَظْهَرُ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ، سَوَاءٌ وَجَدَ هَذَا الِانْقِطَاعَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ حَدَثًا خَارِجَ الصَّلَاةِ كَانَ حَدَثًا فِيهَا، وَقَدْ خَرَّجَهَا ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ عَلَى رِوَايَتَيِ الْمُتَيَمِّمِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ، وَأَبَى غَيْرُهُ التَّخْرِيجَ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ هُنَا قَدْ وُجِدَ بَعْدَ الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ عَنْهُ بَدَلٌ يُبْنَى عَلَى حُكْمِهِ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَى شَرْطِ الْعِبَادَةِ فِيهَا، فَأَشْبَهَ الْعَارِيَ إِذَا وَجَدَ

الجزء: 1 - الصفحة: 495

السُّتْرَةَ، وَالْمُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ إِذَا قَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، لَا سِيَّمَا وَهُنَا مُبْطِلَانِ: بُطْلَانُ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَحَمْلُ النَّجَاسَةِ.
وَإِذَا خَرَجَ وَتَطَهَّرَ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ، وَقَدْ خَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يَبْنِي، كَمَا خَرَّجَهُ فِي التَّيَمُّمِ، ثُمَّ إِذَا انْقَطَعَ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ انْقِطَاعٌ مُتَّسِعٌ أَوْ غَيْرُ مُتَّسِعٍ - لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ الَّذِي يُوجِبُ الطَّهَارَةَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ لِاحْتِمَالِ دَوَامِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ، وَلَيْسَتْ هُنَا طَهَارَةً مُتَيَقَّنَةً؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ وُجِدَ بَعْدَهَا، وَالْمُسَوِّغُ الصَّلَاةَ مَعَهُ وَهُوَ دَوَامُهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا شَكَّ فِي عَدَمِ الْمَاءِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ، فَإِنْ خَافَ وَصَلَّى وَاتَّسَعَ الِانْقِطَاعُ تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعِ الِانْقِطَاعُ فَالطَّهَارَةُ بِحَالِهَا، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا وَقَعَتْ بِطَهَارَةٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ وَإِنْ أَصَابَ، كَمَنْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَصَلَّى ثُمَّ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَمَاسِحُ الْخُفِّ إِذَا شَكَّ فِي انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ بَقَاؤُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَةِ بِلَا اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ أَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ أَوْ أَفْتَى الْمُفْتِي أَوْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ شَهِدَ الشَّاهِدُ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ، وَإِنْ كَانَ الِانْقِطَاعُ فِي الصَّلَاةِ قَطَعَهَا بِمُجَرَّدِهِ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا مُنِعَ مَنِ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ مَعَهُ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَاتَّسَعَ زَمَنُ الِانْقِطَاعِ تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهَا، وَإِلَّا خُرِّجَ فِيهَا الْوَجْهَانِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُتِمُّهَا هُنَا لِأَنَّ الِانْقِطَاعَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مُتَّسِعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا، فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ الْمُتَيَقَّنَةُ، كَالْمُتَيَمِّمِ إِذَا طَلَعَ عَلَيْهِ رَكْبٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَعَهُمْ مَاءً، وَلَوْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ ضَيِّقٍ، فَاتَّسَعَ الِانْقِطَاعُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ عَرَضَ الِانْقِطَاعُ الْمُتَّسِعُ ابْتِدَاءً، لَكِنْ إِذَا تَطَهَّرَتْ هُنَا كَانَتِ الطَّهَارَةُ صَحِيحَةً فِي نَفْسِهَا، فَلَوْ لَبِسَتْ عَلَيْهَا خُفًّا كَانَتْ قَدْ لَبِسَتْهُ عَلَى طَهَارَةٍ صَحِيحَةٍ، حَتَّى لَوْ عَادَ الدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ انْقَطَعَ انْقِطَاعًا مُتَّسِعًا كَانَ لَهَا الْمَسْحُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَى الدَّمُ قَبْلَ اللُّبْسِ ثُمَّ انْقَطَعَ الِانْقِطَاعَ الْمُعْتَبَرُ، فَإِنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّهُ مَلْبُوسٌ عَلَى حَدَثٍ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا عَرَضَ الِانْقِطَاعُ، فَأَمَّا إِنْ كَثُرَ الِانْقِطَاعُ وَاخْتَلَفَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتٌ مَعْلُومٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 496

وَقَدْرٌ مَعْلُومٌ يُبْنَى عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ مِثْلَ الْعَادَةِ، بَلْ تَقَدَّمَ تَارَةً وَتَأَخَّرَ أُخْرَى، وَضَاقَ مَرَّةً وَاتَّسَعَ أُخْرَى، وَوُجِدَ مَرَّةً، وَعُدِمَ أُخْرَى، فَكَذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَّا أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ وَلَا الْمُضِيِّ فِيهَا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُتَّسِعٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَلْغَتِ الِانْقِطَاعَيْنِ مِنَ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، فَلَيْسَ إِلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَلِأَنَّ الِانْقِطَاعَ الضَّيِّقَ قَدْ صَارَ عَادَةً، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَعْدُ غَيْرَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الِانْقِطَاعَ لَا يُبْطِلُ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ وَيُوَقِّتُونَ بِوَقْتٍ يَقُولُونَ: إِذَا تَوَضَّأَتْ لِلصَّلَاةِ وَقَدِ انْقَطَعَ الدَّمُ ثُمَّ سَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ - تُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَيَقُولُونَ: إِذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا فَتَوَضَّأَتْ ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ - قَوْلًا آخَرَ، قَالَ: " لَسْتُ أَنْظُرُ فِي انْقِطَاعِهِ حِينَ تَوَضَّأَتْ سَالَ الدَّمُ أَمْ لَمْ يَسِلْ، إِنَّمَا آمُرُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَتُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالْفَائِتَةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى ". فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الِانْقِطَاعَ حِينَ الْوُضُوءِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ، وَأَنَّهُ سَالَ بَعْدَهُ دَمٌ أَوْ لَمْ يَسِلْ.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ طَوِيلًا فَتَوَضَّأَتْ فِيهِ وَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى سَالَ الدَّمُ فَطَهَارَتُهَا بَاقِيَةٌ، وَإِنِ اتَّسَعَ الِانْقِطَاعُ - وَأَنَّ السَّائِلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُضُوئِهَا، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَوْ هُوَ سَائِلٌ، وَلَوْ كَانَ الِانْقِطَاعُ قَدْ نَقَضَ الطَّهَارَةَ الْمَاضِيَةَ لَكَانَ الْوُضُوءُ فِيهِ وَاجِبًا بِخِلَافِ السَّيَلَانِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي

الجزء: 1 - الصفحة: 497

هَذَا الْكَلَامِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الْحَدَثِ لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ، فَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِانْقِطَاعِ الْقَلِيلِ الْمُعْتَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُمْ أَهْلُ الْوَجْهِ الثَّانِي، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا أَثَرَ لِهَذَا الِانْقِطَاعِ الْعَارِضِ أَوِ الْمُخْتَلِفِ الْمُعْتَادِ، وَأَنَّ طَهَارَتَهَا صَحِيحَةٌ مَا لَمْ يَنْقَطِعِ انْقِطَاعَ بُرْءٍ أَوْ يَخْرُجِ الْوَقْتُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الِانْقِطَاعِ مَعْلُومًا وَاسِعًا كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَمَّا الِانْقِطَاعُ لِلْعَارِضِ فَإِنَّهَا تَفْعَلُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْمُتَكَرِّرُ وَالْمُخْتَلِفُ فَإِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي الْجُمْلَةِ أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَوِ اخْتَلَفَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ وُجُودًا وَعَدَمًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْتَحَاضَاتِ، فَإِنَّهُ يَعْرِضُ كَثِيرًا لَهُنَّ، ثُمَّ تَكْلِيفُهَا كُلَّمَا انْقَطَعَ الدَّمُ لَحْظَةً أَنْ تَنْظُرَ هَلْ يَعُودُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَّسِعَةٍ أَوْ ضَيِّقَةٍ، فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ فِيهِ تَقْدِيرُ الطَّهَارَةِ بِالْفِعْلِ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ، وَإِنَّ قَوْلَهُمْ: " قَدْرَ مَا يَسَعُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ " يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ بُعْدِ الْمَاءِ مِنَ الْمُتَوَضِّئِ وَقُرْبِهِ وَسُرْعَتِهِ وَبِطَائِهِ وَنَشَاطِهِ وَكَسَلِهِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ، ثُمَّ بِمَاذَا يُقَدِّرُونَ هَذَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ؟ بِأَقَلِّ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْمُتَوَضِّئِ مَرَّةً مَرَّةً، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَمْ بِالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ الْكَامِلَتَيْنِ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَنَحْنُ نُجَوِّزُ لَهَا مَعَ قِيَامِ الدَّمِ أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةً كَامِلَةً، فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إِذَا انْقَطَعَ وَخَشِيَتْ عَوْدَهُ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَكَذَلِكَ الثَّانِي، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا تَطْوِيلُ الْأُولَى، ثُمَّ لَوْ كَانَ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ بِهِ وَلَمْ يَتَّسِعِ الْوَقْتُ لِلْقَدْرِ الْمُجْزِئِ لَمَا جَاءَ تَكْمِيلُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، كَمَنْ خَشِيَ أَنَّهُ إِنْ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا وَصَلَّى صَلَاةً كَامِلَةً خَرَجَ الْوَقْتُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا، ثُمَّ إِنَّهَا لَا

الجزء: 1 - الصفحة: 498

تَعْلَمُ قَدْرَ الزَّمَانِ إِلَّا بِمُضِيِّهِ، وَحِينَئِذٍ يَفُوتُ الْمَقْصُودُ، فَكَيْفَ تُكَلَّفُهُ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ ثَانِيًا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ لِقِيَامِ الْحَدَثِ مَعَهُ، وَهِيَ لَا تُنْسَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَفْرِيطٍ، ثُمَّ تَقْدِيرُ الزَّمَانِ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ لِلْوَاحِدِ، إِنَّمَا يُعْلَمُ بِحَزْرٍ وَفَرْضٍ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ آرَاءِ النَّاسِ، وَمَوَاقِيتُ الْعِبَادَاتِ حُدُودٌ لِلَّهِ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهَا، فَكَيْفَ يُفَوَّضُ إِلَى النَّاسِ.

[مَسْأَلَةٌ إِذَا اسْتَمَرَّ بالمستحاضة الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ]

مَسْأَلَةٌ " فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً، وَلَهَا تَمْيِيزٌ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِينًا، وَبَعْضُهُ رَقِيقًا أَحْمَرَ - فَحَيْضُهَا زَمَنُ الْأَسْوَدِ الثَّخِينِ ". أَمَّا إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ مَحْفُوظَةٌ يُعْلَمُ قَدْرُهَا وَوَقْتُهَا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا فَجَلَسَتْ قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهَا حَيْضَتُهَا، سَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ فِي جَمِيعِهَا أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ، أَوْ بَعْضُهُ أَسْوَدَ، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ، فَإِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ مُحْتَدِمٌ، وَدَمَ الْمُسْتَحَاضَةِ أَحْمَرُ رَقِيقٌ أَوْ أَصْفَرُ، فَتَجْلِسُ زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَلَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ بِأَنْ كَانَ الدَّمُ كُلُّهُ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ، وَزَادَ الْأَسْوَدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ نَقَصَ عَنْ أَقَلِّهِ، رُدَّتْ إِلَى الْعَادَةِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، فَإِنْ كَانَ زَمَنَ الْعَادَةِ كُلُّهُ أَسْوَدَ،

الجزء: 1 - الصفحة: 499

وَمَا سِوَاهُ أَحْمَرُ، عَمِلَتْ بِذَلِكَ بِلَا شُبْهَةٍ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: " إِنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ.
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَيُرْجَعُ إِلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ كَالْمَنِيِّ الْمُشْتَبِهِ بِالْمَذْيِ، وَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ فِي تَمَيُّزِ الدَّمِ حَاضِرَةٌ، وَالْعَادَةُ عَلَامَةٌ مُنْقَضِيَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أُمَّ حَبِيبٍ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّمَ، قَالَ لَهَا: " «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي» "، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنِ الْقَاسِمِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، فَقَالَ: " «تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ الْعَصْرَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَتُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
«وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا

الجزء: 1 - الصفحة: 500

اسْتَفْتَتْ رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةٍ تُهْرَاقُ الدَّمَ، فَقَالَ: " لِتَنْظُرْ قَدْرَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ فَتَدَعُ الصَّلَاةَ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَلْتَسْتَثْفِرْ ثُمَّ تُصَلِّي» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةٍ فَسَدَ حَيْضُهَا وَاهْرِيقَتْ دَمًا لَا تَدْرِي مَا تُصَلِّي، قَالَتْ: " فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَهَا فَلْتَنْتَظِرْ قَدْرَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، ثُمَّ لْتَدَعِ الصَّلَاةَ فِيهِنَّ وَتُقَدِّرُهُنَّ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُحْسِنُ طُهْرَهَا ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ ثُمَّ تُصَلِّي» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ طَبِيعَةٌ ثَابِتَةٌ، فَوَجَبَ الرَّدُّ إِلَيْهَا عِنْدَ التَّغَيُّرِ لِتَمْيِيزِ دَمِ الْجِبِلَّةِ مِنْ دَمِ الْفَسَادِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ مَرَضٌ وَفَسَادٌ، وَالْفَاسِدُ هُوَ مَا خَرَجَ مِنْ عَادَةِ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، وَلِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى سَقَمِ الْأَعْضَاءِ بِخُرُوجِهَا عَنْ عَادَتِهَا، وَقَدَّمْنَا الْعَادَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَى بِهِ فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ بِالتَّمْيِيزِ مُقَدَّمًا لَبَدَأَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ عَنْ حَالِ دَمِهَا، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ يُوجِبُ عَدَمَ الْجَوَابِ لِجَمِيعِ صُوَرِ السُّؤَالِ، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِنَّ مُمَيِّزَةٌ، وَلِأَنَّ الدَّمَ الْمَوْجُودَ فِي الْعِدَّةِ هُوَ حَيْضٌ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ بِكُلِّ حَالٍ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ؛ بِخِلَافِ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَلِأَنَّ الدَّمَ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ حَادِثٌ مَعَ الِاسْتِحَاضَةِ، فَكَانَ اسْتِحَاضَةً، كَمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الدَّمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا حَدَثَ وَهُنَاكَ سَبَبٌ صَالِحٌ لَهُ أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ الدَّمَ الْأَسْوَدَ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الْعَادَةِ فَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ حَيْضٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، وَلِأَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَنَا أَنَّ الدَّمَ إِذَا تَغَيَّرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ عَنْ حَالِهِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ فَيَصِيرَ عَادَةً فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ؛ مَعَ أَنَّهُ صَالِحٌ لَا يَكُونُ حَيْضًا، فَلَأَنْ يُعْمَلَ بِالْعَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ

الجزء: 1 - الصفحة: 501

مَعَ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْلَى، وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: " لَا، إِنَّ ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَقَدْ رَدَّهَا تَارَةً إِلَى التَّمْيِيزِ، وَتَارَةً إِلَى الْعَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْعَادَةِ أَوَّلًا فَلَمْ يَقْطَعْهَا، فَأَمَرَهَا بِالتَّمْيِيزِ، كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: " إِنَّهَا نَسِيَتْ أَيَّامَهَا ". وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعَادَةِ الَّتِي يُرْجَعُ إِلَيْهَا، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِثَلَاثٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ، فَإِذَا رَأَتْ دَمًا أَسُودَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَمَا فِيهِ دَمٌ أَحْمَرُ مُتَّصِلٌ، وَهِيَ مُبْتَدَأَةٌ أَوْ نَاسِيَةٌ، ثُمَّ صَارَ دَمًا مُبْهَمًا - فَإِنَّهَا تَجْلِسُ زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَلَكِنْ هَلْ تُقَدَّمُ هَذِهِ الْعَادَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَعْدَمَا أَثْبَتْنَا التَّمْيِيزَ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مِثْلَ أَنْ تَرَى فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ خَمْسَةً: أَحْمَرَ ثُمَّ أَسْوَدَ وَثَلَاثَةً أَحْمَرَ ثُمَّ أَسْوَدَ، فَقِيلَ: حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ قَدْرَ عَادَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَسْوَدَ يَمْنَعُ الْأَحْمَرَ قَبْلَهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَصْلُ هَذِهِ الْعَادَةِ، فَيَكُونُ أَقْوَى مِنْهَا، وَقِيلَ: حَيْضُهَا مِنَ الْأَحْمَرِ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَانَ الْعَادَةِ، وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْعَادَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّمْيِيزِ.

فَصْلٌ وَالْعَادَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُتَّفِقَةٍ وَمُخْتَلِفَةٍ، فَالْمُتَّفِقَةُ: أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ كُلِّ شَهْرٍ، فَيُعْمَلُ بِهَا، وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَةُ فَعَلَى قِسْمَيْنِ: مَضْبُوطَةٍ وَغَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَالْمَضْبُوطَةُ إِنْ كَانَتْ عَلَى تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ثَلَاثَةً، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً، ثُمَّ تَحِيضُ ثَلَاثَةً ثُمَّ أَرْبَعَةً ثُمَّ خَمْسَةً، فَإِذَا اسْتُحِيضَتْ قَعَدَتْ هَكَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَتَجْلِسُ فِي شَهْرِ

الجزء: 1 - الصفحة: 502

الِاسْتِحَاضَةِ بِقَدْرِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ تَبْنِي عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ شَهْرَ الِاسْتِحَاضَةِ جَلَسَتِ الْيَقِينَ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَاغْتَسَلَتْ عَقِيبَهَا غُسْلًا وَاحِدًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الثَّانِي: تَجْلِسُ أَكْثَرَهُ لِأَنَّ هَذِهِ مُتَحَيِّرَةٌ، فَتَجْلِسُ أَغْلَبَ عَادَاتِ النِّسَاءِ، أَوْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي رِوَايَةٍ، لَكِنَّ هُنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا بِيَقِينٍ، وَلَا يَلْزَمُهَا إِلَّا غُسْلٌ وَاحِدٌ كَالْمُتَمَيِّزَةِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ شَيْئًا مَضْبُوطًا مُعْتَادًا عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ خَمْسَةً، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَةً، وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةً، وَتُسَمَّى الْعَادَةَ الدَّائِرَةَ.
وَأَمَّا الَّتِي لَيْسَتْ مَضْبُوطَةً، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ تَارَةً ثَلَاثَةً، وَتَارَةً خَمْسَةً، وَتَارَةً أَرْبَعَةً، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَتَّسِقُ عَلَى نِظَامٍ - فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الْأَقَلَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَةٌ بِيَقِينٍ، وَالزَّائِدُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَوْ نَقَصَتْ عَادَتُهَا، كَمَنْ عَادَتُهَا عَشَرَةٌ فَرَأَتْ سَبْعَةً وَطَهُرَتْ، فَإِنَّهَا طَاهِرٌ، فَإِذَا اسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ جَلَسَتِ السَّبْعَةَ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْعَادَةُ الْقَرِيبَةُ، وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ طُهْرٌ مُتَيَقَّنٌ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَعْقُبُهُ شَهْرُ الِاسْتِحَاضَةِ، فَلَمْ يَكُنْ حَيْضًا كَمَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ.

فَصْلٌ فَإِنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِتَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ أَوْ زِيَادَةٍ لَمْ تُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ فَتَرَى الْحَيْضَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا - لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ يَكُونُ مَشْكُوكًا فِيهِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَقْضِي الصَّوْمَ إِنْ تَكَرَّرَ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنْ يَئِسَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَانْقَطَعَ حَيْضُهَا تَقْضِيهِ كَطُهْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَقِيلَ: تَقْضِيهِ كَصَوْمِ النِّفَاسِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِي آخِرِ الْعَادَةِ إِنْ كَانَ فِي أَثَرِ الْعَادَةِ؛ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ بِمَنْزِلَةِ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَوْلَى.

الجزء: 1 - الصفحة: 503

وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: " إِنَّ نِسَاءَكُنَّ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ، فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ.
تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ " فَاعْتَبَرَتْ حُصُولَ النَّقَاءِ الْخَالِصِ، وَلَمْ تَأْمُرْهُنَّ بِالْعَادَةِ.
وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: " كُنَّا فِي حِجْرِ جَدَّتِي أَسْمَاءَ بَنَاتِ بِنْتِهَا، فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَطْهُرُ مِنَ الْحَيْضَةِ، ثُمَّ لَعَلَّ الْحَيْضَةَ تُنَكِّسُهَا بِالصُّفْرَةِ فَتَأْمُرُنَا أَنْ نَعْتَزِلَ الصَّلَاةَ مَا رَأَيْنَاهَا حَتَّى لَا نَرَى إِلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّمِ الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ؛ لِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ دَمُ مَرَضٍ وَفَسَادٍ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يُرِيبُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ: " إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، أَوْ قَالَ: عُرُوقٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَتْ أَمُّ عَطِيَّةَ: " كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الطُّهْرِ الْمُعْتَادِ لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَلِأَنَّهُ دَمٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَادَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يُمَيَّزَ بِالتَّكْرَارِ؛ كَالزَّائِدِ عَلَى الْعَادَةِ فِي حَقِّ الِاسْتِحَاضَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَخُرُوجُهُ عَلَى الْعَادَةِ يُورِثُ الشَّكَّ فِيهِ، فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ، فَأَمَّا إِنْ نَقَصَ عَنِ الْعَادَةِ فَإِنَّ الطُّهْرَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطَّاهِرَ لَا تَكُونُ حَائِضًا قَطُّ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ قَبْلَ كَمَالِ الْعَادَةِ طُهْرٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 504

صَحِيحٌ إِذَا رَأَتِ النَّقَاءَ الْخَالِصَ، فَإِنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ فِي الْعَادَةِ حَيْضٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إِذَا رَأَتْ بَعْدَ الْغُسْلِ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ ".

فَصْلٌ أَمَّا التَّمْيِيزُ فَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَزِيدَ الدَّمُ الْأَسْوَدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَلَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّهِ، وَأَنْ لَا يَنْقُصَ الْأَحْمَرُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اخْتِلَافِ لَوْنِ الدَّمِ، فَتَكُونُ أَقْرَاؤُهُ هُوَ الْحَيْضَ، وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةً، فَإِذَا رَأَتْ خَمْسَةً أَسْوَدَ وَخَمْسَةً أَحْمَرَ وَخَمْسَةً أَصْفَرَ، فَالْأَسْوَدُ هُوَ الْحَيْضُ، وَالْأَحْمَرُ وَالْأَصْفَرُ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى التَّمْيِيزِ تَكَرُّرُهُ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، بَلْ نَصُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي الْآخَرِ: لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ كَالْعَادَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا، لَا سِيَّمَا إِذَا قَدَّمْنَا الْعَادَةَ عَلَيْهِ، فَلَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أَسْوَدَ، وَالْبَاقِي أَحْمَرُ، فَالْحَيْضُ أَيَّامُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ أَوَّلَ مَرَّةٍ تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ لِأَنَّ اسْتِحَاضَتَهَا لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً، ثُمَّ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي تَجْلِسُ الدَّمَ الْأَسْوَدَ كُلَّهُ، وَتَقْضِي مَا فَعَلَتْهُ فِي مُدَّةِ الدَّمِ الْأَسْوَدِ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ صِيَامٍ وَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ تَكَرَّرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ صَارَ عَادَةً، فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ أَوِ الثَّالِثِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ دَمُهَا أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ؛ لِأَنَّهُ زَمَنُ عَادَةٍ، فَيُقَدَّمُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَلَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَحْمَرَ ثُمَّ أَسْوَدَ، وَلَمْ يَجْرِ الْأَسْوَدُ أَكَثَرَ الْحَيْضِ، فَحَيْضُهَا زَمَنُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَلَا يَضُرُّهُ تَقَدُّمُ الْأَحْمَرِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَضُرُّ زَمَنَ الْعَادَةِ تَقَدُّمُ دَمٍ آخَرَ عَلَيْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا أَنَّ التَّمْيِيزَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَكْرَارٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يَفْتَقِرُ إِلَى تَكْرَارٍ فَإِنَّهَا تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ ثَلَاثَةً، وَإِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ،

الجزء: 1 - الصفحة: 505

فَقِيلَ: تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْأَحْمَرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ، فَكَانَتْ كَمَنِ اتَّفَقَ لَوْنُ دَمِهَا، وَقِيلَ: تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ تَكَوُّنَ دَمِ الْحَيْضِ، وَلَوْ كَانَ الْأَحْمَرُ الْمُتَقَدِّمُ أَكْثَرَ مِنَ الطُّهْرِ الْكَامِلِ بِقَدْرِ حَيْضَةٍ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَبَاقِي الشَّهْرِ أَسْوَدُ - فَعَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
وَالثَّانِي: تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَتَحِيضُ الْأَسْوَدَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا حَيْضَتَيْنِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا تَحِيضُ عَلَى هَذَا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ حُيِّضَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ وَنَحْوَهُ لَنَقَصَ مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَهُوَ يَفْتَقِرُ بِحَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى تَكَرُّرِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْأَحْمَرُ مَعَ الْأَسْوَدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهَرٍ، فَقِيلَ: لَيْسَ لَهَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً وَطُهْرًا، فَإِذَا خَالَفَ التَّمْيِيزُ الْغَالِبَ ضَعُفَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ كَانَ زَمَنُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَالَبِ الْحَيْضِ.

فَصْلٌ وَالْأَحْمَرُ كَالْأَسْوَدِ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ مِثْلُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ السَّوَادُ فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ، فَلَا تَكُونُ بَالِغَةً بِالْأَحْمَرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» "، وَلِأَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ لَا عَادَةَ لَهَا، فَيَكُونُ السَّوَادُ دَلِيلَ الْحَيْضَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ إِذَا جَاءَ فِي الْعَادَةِ بَدَلَ الْأَسْوَدِ كَانَ حَيْضًا، فَإِذَا لَمْ يُخَالِفْ صِفَةً مُتَقَدِّمَةً فَهُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا تَجِيءُ الْحَيْضَةُ مِنْهَا وَحْدَهَا قَطُّ، فَأَمَّا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فَهِيَ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ حَيْضٌ يَتَقَدَّمُهَا حُمْرَةٌ وَسَوَادٌ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمُهَا، وَفِيمَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ لَيْسَتْ بِحَيْضٍ، تَكَرَّرَتْ مِنْهَا أَوْ لَمْ تَتَكَرَّرْ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا الْوُضُوءُ،

الجزء: 1 - الصفحة: 506

وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إِنْ تَكَرَّرَتْ كَانَتْ حَيْضًا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهَا بِالتَّكَرُّرِ تَصِيرُ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ مَا تَرَاهُ بَعْدَ الطُّهْرِ، فَإِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ لَوْ كَانَ دَمًا، وَلِأَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ مِنْ أَلْوَانِ الدَّمِ، فَأَشْبَهَ السَّوَادَ وَالْحُمْرَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي الَّتِي تَرَى مَا يُرِيبُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ: " «إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ أَوْ عُرُوقٌ» "، وَقَالَتْ أَمُّ عَطِيَّةَ: " كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ: " بَعْدَ الطُّهْرِ "، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ قَبْلَ الطُّهْرِ حَيْضٌ.
كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ: " إِنَّ نِسَاءَكُنَّ يُرْسِلْنَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الشَّيْءُ مِنَ الصُّفْرَةِ إِلَيْهَا، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ "، قَالَ أَحْمَدُ: " الْقُصَّةُ شَيْءٌ يَتْبَعُ الْحَيْضَةَ أَبْيَضُ، لَا يَكُونُ فِيهِ صُفْرَةٌ وَلَا كُدْرَةٌ "، وَقَالَ أَيْضًا: " تُدْخِلُ الْقُطْنَةَ، فَتَخْرُجُ عَلَيْهَا نُقْطَةٌ بَيْضَاءُ تَكُونُ عَلَى أَثَرِ الدَّمِ، هِيَ عَلَامَةُ الطُّهْرِ " وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " الْقُصَّةُ الْبَيْضَاءُ: إِذَا اسْتُدْخِلَتِ الْقُطْنَةُ فَخَرَجَتْ بَيْضَاءَ لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ " وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ.
وَالْقُصَّةُ بِضَمِّ الْقَافِ: الْقُطْنَةُ الَّتِي تَحْشُوهَا الْمَرْأَةُ، فَإِذَا خَرَجَتْ بَيْضَاءَ لَا تَغَيُّرَ عَلَيْهَا فَهِيَ الْقُصَّةُ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " فِي الصُّفْرَةِ

الجزء: 1 - الصفحة: 507

وَالْكُدْرَةِ إِذَا كَانَتْ وَاصِلَةً بِالْحَيْضِ فَهِيَ بَقِيَّةٌ مِنَ الْحَيْضِ لَا تُصَلِّي حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ ثُمَّ رَأَتِ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا تِلْكَ التَّرِيَّةُ، تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي ". قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: " إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ ثُمَّ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً مُسْتَلْزِمًا بِحَيْضِهَا فِي أَيَّامِ أَقْرَائِهَا فَذَلِكَ حَيْضٌ كُلُّهُ ". قَالَ: " وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ ". وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إِذَا رَأَتْ بَعْدَ الطُّهْرِ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ، وَإِنْ رَأَتْ دَمًا أَحْمَرَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ " وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ حُكْمَهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الدَّمِ الْأَحْمَرِ، تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَلِأَنَّهُ عَدِمَ اللَّوْنَ وَالْعَادَةَ، فَضَعُفَ كَوْنُهُ حَيْضًا، وَهُوَ وَحْدَهُ لَا يَكَادُ يَتَكَرَّرُ وَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ فَهُوَ نَادِرٌ، وَلَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: " تَجْلِسُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ لِلْمُبْتَدَأَةِ كَالْعَادَةِ لِلْمُعْتَادَةِ ". وَبَنَى عَلَى هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا لَوْ رَأَتِ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ خَارِجَ الْعَادَةِ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الدَّمِ الْعَبِيطِ فِي أَنَّهَا تَحْسِبُهَا حَيْضًا عَلَى رِوَايَةٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ، إِذِ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ لَيْسَتْ بِنَفْسِهَا حَيْضًا، لَا سِيَّمَا إِذَا وَرَدَتْ عَلَى طُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ.

[مَسْأَلَةٌ مدة الحيض إِذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا ولا تمييز]

مَسْأَلَةٌ " وَإِذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ ".

الجزء: 1 - الصفحة: 508

ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، تَحِيضُ غَالِبَ حَيْضِ النِّسَاءِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَحِيضُ أَقَلَّ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْحَيْضَ وَالِاسْتِحَاضَةَ، وَالصَّلَاةُ ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، فَلَا تَتْرُكُهَا بِالشَّكِّ، لَا سِيَّمَا وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّا نَحْتَاطُ بِذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ، بَقِيَ حَالُ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْلَى.
وَعَنْهُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ: أَنَّهَا تَحِيضُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ، فَتَعْمَلُ بِذَلِكَ مَا لَمْ تَتَيَقَّنْ كَوْنَهُ اسْتِحَاضَةً، وَلَا تَتَيَقَّنُ ذَلِكَ إِلَّا بِمُجَاوَزَةِ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَحِيضُ مِثْلَ حَيْضِ نِسَائِهَا مِنْ أُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاكَ الْأَقَارِبِ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَالْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ أَقْرَبُ، ثُمَّ خَرَّجَ الْقَاضِي فِي النَّاسِيَةِ مِثْلَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، وَامْتَنَعَ غَيْرُهُ مِنَ التَّخْرِيجِ؛ تَفْرِيقًا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ حَيْضَهَا أَكْثَرُ الْحَيْضِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ يُفْضِي إِلَى الْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا إِذَا انْكَشَفَ الْأَمْرُ وَذَكَرَتِ الْعَادَةَ؛ لِأَنَّهَا تَقْضِي حِينَئِذٍ مَا تَرَكَتْهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى انْكِشَافُ حَيْضِهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا رَوَتْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ «أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اسْتُحِضْتُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَرَى فِيهَا، قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ؟ فَقَالَ: " أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ "، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " فَاتَّخِذِي ثَوْبًا "، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " فَتَلَجَّمِي "، قَالَتْ: إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ: " سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيُّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ "، فَقَالَ لَهَا: " إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، فَتَغْتَسِلِينَ ثُمَّ تُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ وَتُصَلِّينَ، فَكَذَلِكَ فَافْعَلِي وَصَلِّي وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ،

الجزء: 1 - الصفحة: 509

وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ: " «تَلَجَّمِي وَتَحَيَّضِي فِي كُلِّ شَهْرٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي غُسْلًا وَصَلِّي وَصُومِي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ» "، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ مُتَمَيِّزَةً وَلَا مُعْتَادَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَرَدَّهَا إِلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ مُبْتَدَأَةً؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً، قَدْ حَاضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ.
هَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، ثُمَّ لَمْ يَسْأَلْهَا هَلْ حَاضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَحِضْ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَسَأَلَهَا، وَلِأَنَّ السِّتَّ أَوِ السَّبْعَ أَغْلَبُ الْحَيْضِ، فَيُلْحَقُ الْمُشْتَبَهُ بِالْغَالِبِ، إِذِ الْأَصْلُ إِلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ دُونَ النَّادِرِ.

فَصْلٌ وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ السِّتِّ وَالسَّبْعِ تَخَيُّرُ تَحَرٍّ وَاجْتِهَادٍ، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ فَعَلَتْهُ وُجُوبًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: " حَتَّى إِذَا رَأَتْ أَنْ قَدْ طَهُرَتْ وَاسْتَنْقَأَتْ "، وَلِئَلَّا تَكُونَ مُخَيَّرَةً فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بَيْنَ كَوْنِ الصَّلَاةِ وَاجِبَةً أَوْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ، وَفِي الثَّانِي تَخَيُّرُ إِرَادَةٍ وَمَشِيئَةٍ، فَأَيُّهُمَا شَاءَتْ فَعَلَتْ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ " أَوْ ".

الجزء: 1 - الصفحة: 510

فَصْلٌ النَّاسِيَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: الْمُتَحَيِّرَةُ: وَهِيَ النَّاسِيَةُ لِلْعَدَدِ وَالْوَقْتِ فَتَحِيضُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَشْهُورِ، ثُمَّ إِنْ عَلِمَتْ شَهْرَهَا وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي لَهَا فِيهِ طُهْرٌ وَحَيْضٌ، مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: كُنْتُ أَحِيْضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً لَا أَعْلَمُ قَدْرَهَا وَلَا وَقْتَهَا، جَعَلْنَا ذَلِكَ شَهْرَ حَيْضٍ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ، ثُمَّ إِنْ ذَكَرَتْ زَمَنَ افْتِتَاحِ الدَّمِ مِثْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْهَا الدَّمُ مُدَّةً ثُمَّ يَعُودَ وَيَسْتَمِرَّ بِهَا، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ مِنْ حِينِ عَوْدَتِهِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، كَأَنَّهُ عَادَةٌ فِي خَامِسِ الشَّهْرِ فَتَجْلِسُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فِي خَامِسِهِ الْمُدَّةَ الْمَضْرُوبَةَ.
" وَالْوَجْهُ الثَّانِي " تَجْلِسُهُ بِالتَّحَرِّي كَغَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ تَذْكُرِ افْتِتَاحَ الدَّمِ وَطَالَ عَهْدُهَا بِهِ جَلَسَتْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ تَجْلِسُهُ بِالتَّحَرِّي، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَهُوَ أَصَحُّ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ هُنَا طَرِيقٌ وَلَا يُعَارِضُهُ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ أَوَّلَ الدَّمِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا مِنْ آخِرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا شَيْءٌ جَلَسَتْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: " «تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي كُلِّ شَهْرٍ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَصُومِي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ» " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ قَبْلَ الطُّهْرِ وَأَنَّهُ مَحْسُوبٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا ذَاكِرَةً لِوَقْتِهَا، مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: كُنْتُ أَحِيْضُ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنَ الشَّهْرِ وَلَا أَعْلَمُ عَدَدَهُ، فَتَجْلِسُ سِتًّا " أَوْ سَبْعًا " فِي الْمَشْهُورِ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَبِالتَّحَرِّي فِي أَقْوَاهُمَا، وَإِنْ قَالَتْ: أَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ حَائِضًا وَلَا أَعْلَمُ آخِرَ الْحَيْضِ، حَيَّضْنَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَا بَعْدُ، وَإِنْ قَالَتْ: كَانَ آخِرُ الشَّهْرِ آخِرَ حَيْضَتِي، حَيَّضْنَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَا قَبْلَهُ، وَإِنْ قَالَتْ: كُنْتُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ حَائِضًا لَا أَدْرِي هَلْ كَانَ أَوَّلَ حَيْضِي أَوْ آخِرَهُ، حَيَّضْنَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَا بَعْدَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ تَتَحَرَّى فِيمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 511

الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ ذَاكِرَةً لِعَدَدِهَا دُونَ وَقْتِهَا، فَإِنْ لَمْ " تُحَدِّدْ " لَهَا وَقْتًا أَصْلًا كَأَنْ تَقُولَ: حَيْضِي خَمْسَةُ أَيَّامٍ لَا أَدْرِي مَتَى هِيَ، فَإِنَّهَا تُحَيَّضُ الْخَمْسَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ تَتَحَرَّى لِوَقْتِهَا وَشَهْرِهَا، إِنْ عَرَفَتْهُ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ فَهُوَ الشَّهْرُ الْغَالِبُ لِلنِّسَاءِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَإِنْ عَلِمَتْ لَهَا وَقْتًا مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: حَيْضَتِي فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوْ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَهِيَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَلَا أَعْلَمُ عَيْنَهَا، فَهَذِهِ كُلُّ زَمَانٍ تَيَقَّنَتْ فِيهِ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ وَكُلُّ زَمَانٍ تَيَقَّنَتْ فِيهِ الْحَيْضَ فَهِيَ حَائِضٌ، وَكُلُّ زَمَانٍ اشْتَبَهَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَجْلِسُ مِنْهُ قَدْرَ عَادَتِهَا إِمَّا بِالتَّحَرِّي أَوْ مِنْ أَوَّلِهِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا تَيَقَّنَتِ الْحَيْضَ فِي أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ الْحَيْضِ بِقَدْرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِهَا فَلَيْسَ هُنَا حَيْضٌ مُتَيَقَّنٌ وَلَا طُهْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَتَجْلِسُ قَدْرَ الْحَيْضِ إِمَّا مِنْ أَوَّلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ أَوْ بِالتَّحَرِّي، وَإِنْ كَانَ الْحَيْضُ أَكْثَرَ مَنْ نِصْفِ تِلْكَ الْأَيَّامِ فَالزَّائِدُ عَلَى النِّصْفِ " وَمِثْلُهُ " مِنْ وَسَطِ تِلْكَ الْأَيَّامِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ لَا بُدَّ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَرَضَتِ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الْوَسَطُ فِيهِ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: كُنْتُ أَحِيْضُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ، فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ الْوُسْطَى حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَهِيَ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَالثَّلَاثُ الْبَاقِيَةُ مِنْ حَيْضِهَا تَجْلِسُهَا إِمَّا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ بِالتَّحَرِّي، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ وَهِيَ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَتَبْقَى الثَّلَاثَةُ الْأُخَرُ وَهِيَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَإِنْ قَالَتْ: حَيْضِي عَشَرَةٌ مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِنَّ الزَّائِدَ عَلَى النِّصْفِ إِذَا " أَضَافَتْهُ " كَانَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَهَذِهِ الْخَمْسُ الْوُسْطَى حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَالْخَمْسُ الْأُوَلُ وَالْأَوَاخِرُ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَتَجْلِسُ إِحْدَى الْخَمْسَتَيْنِ بِالتَّحَرِّي أَوِ الْأَقَلَّ مِنْهُمَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 512

فَصْلٌ وَالطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ إِذَا رَأَتِ النَّقَاءَ الْخَالِصَ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْقُطْنَةِ إِذَا احْتَشَتْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْهُ أَنَّ مَا دُونُ الْيَوْمِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ كَالْفَتَرَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَمَا لَمْ تَرَ فِيهِ " الْقُصَّةَ " الْبَيْضَاءَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ الطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ بِطُهْرٍ صَحِيحٍ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّمِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ يَسْتَمْسِكُ مَرَّةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَلَيْسَ بِدَائِمِ الْجَرَيَانِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ الِانْقِطَاعِ طُهْرًا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهَا الصَّلَاةُ بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طُهْرًا صَحِيحًا كَانَ مَا قَبْلُهُ وَمَا بَعْدَهُ حَيْضًا صَحِيحًا تَامًّا فَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِثَلَاثٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: " إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي فَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ النَّقَاءِ الْخَالِصِ حَيْضًا تَبَعًا لِمَا يَتَخَلَّلُهُ مِنَ الدَّمِ فِي الْعَادَةِ، فَأَمَّا الْلَحَظَاتُ الَّتِي يَسْتَمْسِكُ فِيهَا دَمُ الْحَيْضِ فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا النَّقَاءُ الْخَالِصُ وَلَا تَرَى مَعَهُ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ، فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا وَلَمْ يُجَاوِزْ مَجْمُوعُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ اغْتَسَلَتْ أَيَّامَ النَّقَاءِ، وَصَلَّتْ وَصَامَتْ وَضَمَّتِ النَّقَاءَ إِلَى الدَّمِ، فَكَانَ مَجْمُوعُهَا حَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَأَمَّا إِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ سَوَاءٌ حَصَلَ النَّقَاءُ بَعْدَ أَكَثَرِ الْحَيْضِ أَوِ اتَّصَلَ الدَّمُ بِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً فَإِنَّ النَّقَاءَ فِي السَّادِسِ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ وَلَا خَالَفَ عَادَةً مُتَقَدِّمَةً فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ

الجزء: 1 - الصفحة: 513

هَذَا الدَّمَ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ فَلَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ صَحِيحٍ فَعَارَضَ الْأَمْرَانِ، وَكَانَ كَمَا لَوِ اتَّصَلَ بِهِمَا، وَلَوِ اتَّصَلَ بِهِمَا كَانَ الْجَمِيعُ اسْتِحَاضَةً فَكَذَلِكَ إِذَا انْفَصَلَ عَنْهُمَا، وَهَذِهِ تُسَمَّى الْمُلَفَّقَةُ.

[مَسْأَلَةٌ الحامل لا تحيض]

مَسْأَلَةٌ " وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ إِلَّا أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَيَكُونُ دَمَ نِفَاسٍ " أَمَّا الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ دَمَ الْحَيْضِ غِذَاءً لِلْجَنِينِ فَإِذَا خَرَجَ شَيْءٌ فَقَدْ خَرَجَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَفَعَ الْحَيْضَ عَنِ الْحُبْلَى وَجَعَلَ الدَّمَ رِزْقًا لِلْوَلَدِ " وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ الْحَيْضَ عَنِ الْحُبْلَى وَجَعَلَ الدَّمَ مِمَّا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ " رَوَاهُمَا أَبُو حَفْصِ ابْنُ شَاهِينَ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ فَقَالَتْ: " الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي " فَأَمَرَتْهَا بِالْغُسْلِ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ وَالْمُسْتَحَاضَةُ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْغُسْلُ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْحَيْضَ عَلَامَةً عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الْحَمْلِ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، فَلَوْ جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا لَمَا كَانَ عَلَامَةً عَلَى عَدَمِهِ، وَلِأَنَّ طَلَاقَ الْحَائِضِ مُحَرَّمٌ وَالطَّلَاقُ " بَعْدَ " تَبَيُّنِ الْحَمْلِ جَائِزٌ، فَلَوْ كَانَ الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ حَيْضًا لَمَا جَازَ الطَّلَاقُ فِيهِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْقِيَاسِ، فَأَمَّا الَّذِي تَرَاهُ قَبْلَ الْوَضْعِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ لِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ فَكَانَ نِفَاسًا كَالْخَارِجِ بَعْدَهَا، وَهَذَا

الجزء: 1 - الصفحة: 514

لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَكَادُ تَرَى الدَّمَ فَإِذَا رَأَتْهُ قَرِيبَ الْوَضْعِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِسَبَبِ الْوَلَدِ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ قَدْ ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ وَهَذِهِ الْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَإِنْ جَعَلْنَاهَا نِفَاسًا، فَلَيْسَتْ مِنَ الْمُدَّةِ، بَلْ أَوَّلُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْوَضْعِ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ " كَانَتْ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا " وَفِي الْآخَرِ " كَمْ تَجْلِسُ النُّفَسَاءُ إِذَا وَلَدَتْ؟ " فَأَمَّا إِذَا خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ فَالدَّمُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ مَحْسُوبٌ مِنَ الْمُدَّةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ حَتَّى يَنْفَصِلَ جَمِيعُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 515

[بَابُ النِّفَاسِ]

فصول الكتاب · 9 فصل
جارٍ التحميل