شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارةصفحات 114-153

" لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي طَهَارَةٍ وَلَا غَيْرِهَا

لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» ". هَذَا التَّحْرِيمُ يَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ بِخِلَافِ التَّحَلِّي فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ وَيُبَاحُ لَهُمْ مِنْهُ أَشْيَاءُ مُسْتَثْنَاةٌ، وَكُلُّ مَا يُلْبَسُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحِلْيَةِ سَوَاءٌ كَانَ سِلَاحًا أَوْ لِبَاسًا، وَمَا لَمْ يُلْبَسْ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْآنِيَةِ مِثْلُ الْمِكْحَلَةِ وَالْمِحْبَرَةِ وَالْمِرْوَدِ وَالْإِبْرِيقِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " «إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» " وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِأَنَّهُمَا أَغْلَبُ الْأَفْعَالِ وَفِي التَّطْهِيرِ مِنْهَا وَالِاسْتِمْدَادِ وَالِاكْتِمَالِ وَالِاسْتِصْبَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ

مَظِنَّةُ السَّرَفِ بِاسْتِعْمَالِ النَّقْدَيْنِ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَا لَهُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، وَمَظِنَّةُ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنِ امْتِهَانِهِمَا، وَمَظِنَّةُ الْفَخْرِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ صَنْعَتُهَا وَلَا اسْتِصْيَاغُهَا وَلَا اقْتِنَاؤُهَا وَلَا التِّجَارَةُ فِيهَا لِأَنَّهُ مُتَّخَذٌ عَلَى هَيْئَةٍ مُحَرَّمَةِ الِاسْتِعْمَالِ، فَكَانَ كَالطُّنْبُورِ، وَآلَاتِ اللَّهْوِ، وَلِأَنَّ اتِّخَاذَهَا يَدْعُو إِلَى اسْتِعْمَالِهَا غَالِبًا فَحُرِّمَ كَاقْتِنَاءِ الْخَمْرِ وَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَلَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ مِنْهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَسَوَاءٌ اغْتَرَفَ مِنْهَا أَوِ اغْتَمَسَ فِيهَا لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّمِ فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ جَعَلَهَا مَصَبًّا لِمَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ حِينَ التَّوَضُّؤِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُ الصِّحَّةِ وَفِي الثَّانِي يَصِحُّ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعِبَادَةِ وَلَا إِلَى شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِهَا وَأَدَائِهَا فَأَشْبَهَهُ التَّوَضُّؤُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَالصَّلَاةُ بِخَاتَمِ ذَهَبٍ؛ لِأَنَّ الْآنِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْوُضُوءِ وَلَا مِنْ شُرُوطِهِ، بِخِلَافِ الْبُقْعَةِ، وَالسُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمَالِ فِي الْحَجِّ.

[مَسْأَلَةٌ الْمُضَبَّبِ بالذهب والفضة]

مَسْأَلَةٌ: " وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرُهُ مِنَ الْفِضَّةِ ". الضَّبَّةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْكَثِيرَةُ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ فِي إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُبَاحُ الْكَثِيرُ لِلْحَاجَةِ.
وَثَانِيهَا: الْيَسِيرُ لِلْحَاجَةِ كَتَشْعِيبِ التَّاجِ وَشَعِيرَةِ السِّكِّينِ فَيُبَاحُ إِجْمَاعًا وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ».
وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِهِ الْإِصْلَاحَ وَدَفْعَ الْحَاجَةِ دُونَ الزِّينَةِ وَالْحِلْيَةِ، وَلَا يُبَاشِرُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ كَلَحْسِ الطَّعَامِ وَيُبَاشِرُ بِهَا الشُّرْبَ إِذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وَمَعْنَى الْحَاجَةِ أَنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ فَتُبَاحُ.

فَأَمَّا إِنِ احْتِيجَ إِلَى نَفْسِ الْفِضَّةِ بِأَنْ لَا يَقُومَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا فَتُبَاحُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَلَوْ كَانَ مِنَ الذَّهَبِ، وَثَالِثُهَا: الْيَسِيرُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَحَلْقَةِ الْإِنَاءِ فَيَحْرُمُ فِي الْمَنْصُوصِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ " كَانَ يَكْرَهُ الْإِنَاءَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ". وَقِيلَ يُبَاحُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يُبَاحُ مِنْهُ مَا لَمْ يُبَاشِرْهَا بِالِاسْتِعْمَالِ كَرَأْسِ الْمِكْحَلَةِ وَتَحْلِيَةِ الدَّوَاةِ وَالْمِقْلَمَةِ.
وَأَمَّا الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا لِمَا رَوَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يَصْلُحُ مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ وَلَا بَصِيصُهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهِيَ مِثْلُ عَيْنِ الْجَرَادَةِ، فَأَمَّا يَسِيرُهُ فِي اللِّبَاسِ فَفِيهِ وَجْهَانِ يُومِي إِلَيْهِمَا، وَقِيلَ: يُبَاحُ حِلْيَةُ السِّلَاحِ دُونَ حِلْيَةِ اللِّبَاسِ وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْضًا.

[مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الْآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا]

مَسْأَلَةٌ: " وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الْآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا ". سَوَاءٌ كَانَتْ ثَمِينَةً مِثْلَ الْيَاقُوتِ وَالْبَلُّورِ وَالْعَقِيقِ أَوْ غَيْرَ ثَمِينَةٍ كَالْخَزَفِ وَالْخَشَبِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ وَالْجُلُودِ.
لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانَتْ عَادَتَهُمُ اسْتِعْمَالُ أَسْقِيَةِ الْأُدْمِ وَآنِيَةِ الْبِرَامِ وَالْخَشَبِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا الصُّفْرُ وَالنُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
اخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْثَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِيهَا وَيُقَالُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكْرَهُ رِيحَهَا وَالْآخَرُ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ «لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَكَذَلِكَ الثَّمِينُ الَّذِي يُفَوِّتُ قِيمَةَ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّ أَدِلَّةَ الْإِبَاحَةِ تَعُمُّهُ، وَالنَّهْيُ اخْتَصَّ النَّقْدَيْنِ وَلَا يُشْبِهُهُمَا.
لِأَنَّ الثَّمِينَ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ وَلَا يَسْمَحُ النَّاسُ بِاتِّخَاذِهِ آنِيَةً فَلَا يَحْصُلُ سَرَفٌ وَلَا فَخْرٌ وَلَا خُيَلَاءُ، وَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ كَانَ الْمُحَرَّمُ نَفْسَ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، كَمَا إِذَا حَصَلَ فِي الْمُبَاحَاتِ وَالطَّاعَاتِ.
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَإِنَّمَا تَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ فِضَّةً غَالِبَةً كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا لَمَّا حَرَّمَ الْحَرِيرَ أُبِيحُ مَا كَانَ أَغْلَى قِيمَةً مِنْهُ مِنَ الْكَتَّانِ وَنَحْوِهِ.

[مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَثِيَابِهِمْ]

مَسْأَلَةٌ: " وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا ". أَمَّا الْأَوَانِي الَّتِي اسْتَعْمَلُوهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: أَحَدُهَا يُبَاحُ مُطْلَقًا لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُصِيبُ آنِيَةَ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتَهُمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْنَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» " وَرَوَى أَنَسٌ " «أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ فَأَجَابَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَالثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ لِمَا «رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، قَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا

تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَنِبُونَ النَّجَاسَةَ لَا سِيَّمَا الْخَمْرُ لِاسْتِحْلَالِهِمْ إِيَّاهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوَانِيَهُمْ لَا تَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» "، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ مَنْ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ كَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ أَوْ مَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ كَالنَّصَارَى الْمُتَظَاهِرِينَ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا تُبَاحُ أَوَانِيهِمْ وَتُبَاحُ آنِيَةُ مَنْ سِوَاهُمْ، لَكِنْ فِي كَرَاهَتِهَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الْمَذْهَبَ قَوْلًا وَاحِدًا لِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمُتَقَدِّمِ حَمْلًا لَهُ عَلَى مَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ وَحَمْلًا لِغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا.
فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ أَهْلِ كِتَابٍ وَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ، قَالَ: " إِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَاطْبُخُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا» "، قَالَ آدَمُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ

فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ أَكَلْنَا مِنْ طَعَامِهِمْ وَشَرِبْنَا مِنْ شَرَابِهِمْ، وَإِنَّ كَانُوا غَيْرَ أَهْلِ كِتَابٍ انْتَفَعْنَا بِآنِيَتِهِمْ وَغَسَلْنَاهَا " وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِ هَؤُلَاءِ إِلَّا الْفَاكِهَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَمْ يَصْنَعُوهُ فِي آنِيَتِهِمْ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَتَكُونُ آسَارُهُمْ نَسْجَةً ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ تَكُونُ ذَبِيحَتُهُ نَجِسَةً أَوْ مَنْ هُوَ مَشْهُورٌ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ لَا تَسْلَمُ آنِيَتُهُ الْمُسْتَعْمَلَةُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى احْتِمَالٍ نَادِرٍ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ أَوْ شُكَّ فِي اسْتِعْمَالِهِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ.
وَأَمَّا الثِّيَابُ فَمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ لَا تُكْرَهُ قَوْلًا وَاحِدًا سَوَاءٌ نَسَجُوهُ أَوْ حَمَلُوهُ كَالْآنِيَةِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ الثِّيَابِ وَالْآنِيَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ كَانَتْ مِنْ نَسْجِ الْكُفَّارِ وَصَنْعَتِهِمْ، وَمَا لَبِسُوهُ فَفِي كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَلِي الْعَوْرَةَ كَالسَّرَاوِيلِ وَالْأُزُرِ فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ رِوَايَتَانِ.
فَأَمَّا ثِيَابُ الْمَجُوسِ وَنَحْوِهِمْ كَآنِيَتِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ هِيَ كَثِيَابِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

[مَسْأَلَةٌ صُوفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ]

مَسْأَلَةٌ: " وَصُوفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ ". وَكَذَلِكَ الْوَبَرُ وَالرِّيشُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ فَيَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ كَغَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ مِنْ جِنْسِ النَّبَاتِ وَهُوَ النُّمُوُّ وَالِاغْتِذَاءُ، وَلِهَذَا لَا يَنْجُسُ الْمَحَلُّ بِمُفَارَقَتِهَا بِدَلِيلِ

الزَّرْعِ إِذَا يَبِسَ وَالْبَيْضِ الْمُتَصَلِّبِ فِي جَوْفِ الْمَيْتَةِ بِخِلَافِ حَيَاةِ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ فَإِنَّهُمَا بِالْإِحْسَاسِ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ وَهَذِهِ الَّتِي يَنْجُسُ الْمَحَلُّ بِمُفَارَقَتِهَا، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَخْذُهُ حَالَ الْحَيَاةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «مَا أُبِينَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ» " فَلَوْ كَانَ جُزْءًا مِنْهَا لَكَانَ مَيِّتًا بِالْإِبَانَةِ، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَجْزُوزِ.
وَإِذَا نَتَفَ الرِّيشَ وَالشَّعْرَ فَهَلْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ أَسْفَلُهُ الْمُتَرَطِّبُ بِالنَّجَاسَةِ، عَلَى وَجْهَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ جِلْدِ المَيْتَة نجس دبغ أو لم يدبغ]

مَسْأَلَةٌ: " وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ ". هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْأُخْرَى الدِّبَاغُ مُطَهِّرٌ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» ".

رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيَّ لَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الدِّبَاغَ.
وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَوَجْهُ الْأُولَى مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ قَالَ: «كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَقَدِ اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أُصْلِحُ إِسْنَادَهُ، وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيِّ " «كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» " وَهَذَا نَاسِخٌ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ وَمُشْعِرٌ بِنَهْيٍ بَعْدَ رُخْصَةٍ لَا سِيَّمَا وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا، وَقَدِ اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ الِادِّهَانِ بِوَدَكِهَا وَيَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِ مَا رَوَتْ سَوْدَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: " «مَاتَتْ شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ، وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأَتَى عَلَى بَيْتٍ فِرَاءٍ فِيهِ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَسَأَلَ الشَّرَابَ فَقِيلَ

إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ: " ذَكَاتُهَا دِبَاغُهَا» " وَهَذَا قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَلَوْ كَانَ رُخْصَةً أُخْرَى بَعْدَ النَّهْيِ لَزِمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ، وَقِيلَ: الْإِهَابُ اسْمٌ لِلْجِلْدِ قَبْلَ الدِّبَاغِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ رُخْصَةٌ وَلَا عَادَةُ النَّاسِ الِانْتِفَاعُ بِهِ.

فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِتَطْهِيرِ الدِّبَاغِ فَهَلْ يَكُونُ كَالْحَيَاةِ أَوْ كَالذَّكَاةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْحَيَاةِ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ عَلَى الْجِلْدِ وَيُصْلِحُهُ لِلِانْتِفَاعِ كَالْحَيَاةِ، فَعَلَى هَذَا يُطَهَّرُ جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ كَالْهِرِّ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ وَكَذَلِكَ جِلْدُ مَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فِي رِوَايَةٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَالذَّكَاةِ فَلَا يُطَهَّرُ إِلَّا مَا تُطَهِّرُهُ الذَّكَاةُ وَهَذَا أَصَحُّ كَمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا، وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ

مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَقَالَ: " دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» " فَقَدْ شَبَّهَ الدِّبَاغَ بِالذَّكَاةِ، وَحُكْمُ الْمُشَبَّهِ مِثْلُ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَوْ دُونَهُ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» وَلَا تَكَادُ تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مَدْبُوغَةً، وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ لِأَجْلِ الْمَأْكُولِ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْكُولِ فَلَا يُطَهَّرُ جِلْدُهُ بِالذَّكَاةِ لِأَنَّهُ ذَبْحٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَمْ يُفِدْ طَهَارَةَ الْجِلْدِ، كَذَبْحِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ وَالذَّبْحِ فِي غَيْرِ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ لَا يُفِيدُ حِلَّ اللَّحْمِ فَلَمْ يُفِدْ طَهَارَةَ الْجِلْدِ كَذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّنْجِيسَ لَوْ كَانَ لِمُجَرَّدِ احْتِقَانِ الرُّطُوبَاتِ فِي الْجِلْدِ وَإِزَالَتُهُ مَشْرُوعَةٌ بِكُلِّ طَرِيقٍ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ذَابِحٍ وَذَبْحٍ وَمِذْبَحٍ وَمَذْبَحٍ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ لَا بِذَكَاةٍ وَلَا بِدِبَاغٍ، مَا رَوَى أَبُو الْمَلِيحِ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ " «أَنْ تُفْتَرَشَ» ".

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ " «نَهَى عَنْ لُبْسِ صُوفِ النُّمُورِ» " وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعِدِ يكَرِبَ قَالَ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَيَاثِرِ النُّمُورِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَعَنِ الْمِقْدَامِ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ».
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ نُصُوصٌ فِي أَنَّهَا لَا تُبَاحُ بِذَكَاةٍ وَلَا دِبَاغٍ.

فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ فِيمَا يُدْبَغُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا لِلرُّطُوبَةِ مُنَقِّيًا لِلْخَبَثِ عَنِ الْجِلْدِ حَتَّى لَوْ نُقِعَ الْجِلْدُ بَعْدَهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَفْسُدْ سَوَاءٌ كَانَ مِلْحًا أَوْ قَرَظًا أَوْ شَبًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَهَارَتِهِ، وَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ الْجِلْدِ بَعْدَ الدَّبْغِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ إِذَا كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ.
" وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ مَعَ الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُبَاحُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا قَبْلَ الدِّبَاغِ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا لَا يُلْبَسُ جِلْدُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَإِنْ دُبِغَ.

[مَسْأَلَةٌ عَظْمُ الْمَيْتَة وقرنها وظفرها نجس]

مَسْأَلَةٌ: " وَكَذَلِكَ عِظَامُهَا ". عَظْمُ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ قَرْنُهَا وَضُفْرُهَا وَظِلْفُهَا وَحَافِرُهَا وَعَصَبُهَا فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ هُوَ كَالشَّعْرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَاتٌ تُنَجِّسُهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ وَلَا يَأْلَمُ فَيَكُونُ كَالشَّعْرِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ «لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ " لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» ".

وَلِأَنَّهُ فِيهِ حَيَاةُ الْحَيَوَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78]؛ وَلِأَنَّ الْعَصَبَ يُحِسُّ وَيَأْلَمُ وَكَذَلِكَ الضِّرْسُ، وَذَلِكَ دَلِيلُ الْحَيَاةِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُحِسُّ مِنْهُ مِثْلُ الْقَرْنِ وَالظُّفُرِ وَالسِّنِّ إِذَا طَالَ فَإِنَّمَا هُوَ لِمُفَارَقَةِ الْحَيَاةِ مَا طَالَ، وَقَدْ كَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ نَجَاسَتَهُ، لَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ اتِّصَالُهُ بِالْجُمْلَةِ تَبَعًا لَهَا وَدَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ بِتَنْجِيسِ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِيمَا حُشِيَ عَلَى الْعَقِبِ وَبُسِطَ عَلَى الْأَنَامِلِ وَسَائِرِ مَا يَمُوتُ مِنَ اللَّحْمِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ، فَإِذَا انْفَصَلَ أَوْ مَاتَ الْأَصْلُ زَالَ الْمَانِعُ فَطَهُرَ عَلَى السَّبَبِ، وَتَعْلِيلُ نَجَاسَةِ اللَّحْمِ بِاحْتِقَانِ الرُّطُوبَاتِ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ.

[مَسْأَلَةٌ كُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلَّا الْآدَمِيَّ]

مَسْأَلَةٌ: " وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلَّا الْآدَمِيَّ ". أَمَّا نَجَاسَةُ الْحَيَوَانِ بِالْمَوْتِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِجْمَاعٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] وَذَلِكَ يَعُمُّ أَكْلَهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ.
فَقَالَ: لَا هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَّلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

وَالْكَلَامُ فِي فَصْلَيْنِ فِي أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ وَفِي أَجْنَاسِهَا؛ أَمَّا أَجْزَاؤُهَا فَاللَّحْمُ نَجِسٌ وَكَذَلِكَ الْجِلْدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْعَظْمِ وَالشَّعْرِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَمُوتُ بِمَوْتِهَا كَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لَكِنْ هَلْ يَنْجُسُ بِنَجَاسَةِ وِعَائِهِ؟ أَمَّا الْبَيْضُ فَإِذَا كَانَ قَدْ تَصَلَّبَ قِشْرُهُ فَهُوَ طَاهِرٌ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ كَمَا لَوْ غُمِسَ فِي مَاءٍ نَجِسٍ، وَكَمَا لَوْ طُبِخَ فِي خَمْرٍ أَوْ مَاءٍ نَجِسٍ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَقَهُ فِي مَاءِ مِلْحٍ أَوْ مُرٍّ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ طَاهِرٌ مُبَاحٌ وَإِنْ لَمْ يَتَصَلَّبْ؛ لِأَنَّ جُمُودَهَا وَغِشَاءَهَا الَّذِي هُوَ كَالْجِلْدِ مَعَ لِينِهِ يَمْنَعُ نُفُوذَ النَّجَاسَةِ إِلَيْهَا.
كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِي مَائِعٍ نَجِسٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَتَنَجَّسُ إِذَا لَمْ تَتَصَلَّبْ؛ لِأَنَّهَا فِي النُّمُوِّ، وَالْحَاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ فَلَا يَنْفَكُّ غَالِبًا مِنْ أَنْ يَشْرَبَ أَجْزَاءً عَقِيبَ الْمَوْتِ قَبْلَ ذَهَابِ حَرَارَةِ الْحَيَاةِ.
وَأَمَّا اللَّبَنُ وَالْإِنْفَحَةُ فَطَاهِرٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فَتَحُوا بِلَادَ الْمَجُوسِ وَأَكَلُوا مِنْ جُبْنِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِنَجَاسَةِ ذَبَائِحِهِمْ، وَأَنَّ الْجُبْنَ إِنَّمَا يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ، وَأَنَّ اللَّبَنَ لَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ؛ إِذْ لَا حَيَاةَ فِيهِ وَلَا بِمُلَاقَاةِ وِعَائِهِ؛ لِأَنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا؛ إِذِ الْحُكْمُ بِالتَّنْجِيسِ إِنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى الْأَجْسَامِ الظَّاهِرَةِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْجُسِ الْمَنِيُّ، وَالنَّجَاسَةُ تَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْمَنِيِّ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَجِلْدُ الْإِنْفَحَةِ نَجِسٌ كَجِلْدِ الضَّرْعِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا فِيهِمَا، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى هُمَا نَجِسٌ وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ؛ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُعِيدَ فِي

الضَّرْعِ بَعْدَ الْحَلْبِ أَوْ حَلَبْتَ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ، وَمَا عَلَّلُوا بِهِ يُنْتَقَضُ بِالْمُخِّ فِي الْعَظْمِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ.
وَأَمَّا الْمَنِيُّ وَالنَّجَاسَةُ فَمَيَّزَ لَهُ اللَّبَنُ الْخَارِجُ فِي الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَجُسَ مَا خَلَقَ طَاهِرًا فِي الْبَاطِنِ بِمَا يُلَاقِيهِ لِنَجِسٍ أَبَدًا، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ خُرُوجُهُ نَادِرٌ كَمَا لَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ وَالنَّجَاسَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَمَا ذُكِرَ عَنِ الصَّحَابَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ أَكَلُوا مِنْ جُبْنِ بِلَادِ فَارِسَ؛ فَلِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمْ يَهُودُ وَنَصَارَى يَذْبَحُونَ لَهُمْ فَحِينَئِذٍ لَا تَتَحَقَّقُ نَجَاسَةُ الْجُبْنِ، وَلِهَذَا كَتَبَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى عُمَرَ يَذْكُرُ أَنَّ الْمَجُوسَ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَشْتَرُونَ جُبْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يَشْتَرُونَ جُبْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ عَمَدَ الْمَجُوسُ وَصَلَّبُوا عَلَى الْجُبْنِ كَمَا يُصَلِّبُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِيُشْتَرَى جُبْنُهُمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ مَا تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ مِنْ صَنْعَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ فَكُلُوهُ وَلَا تُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.
رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ.
وَقَالَ: قَدْ تَوَرَّعَ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي خَاصَّةِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ أَكْلِ الْجُبْنِ إِلَّا مَا أَيْقَنُوا أَنَّهُ مِنْ جُبْنِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ، وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَجْبُنَ الْجُبْنُ بِإِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مَيْتَةٌ فَلَا تَأْكُلْ.
وَأَمَّا أَجْنَاسُ الْمَيِّتِ فَكُلُّ مَيِّتٍ نَجِسٌ إِلَّا مَا يُبَاحُ أَكْلُهُ مَيِّتًا وَمَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ وَمَا حُرِّمَ لِشَرَفِهِ وَقَدِ اسْتَثْنَاهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ كَذَلِكَ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْقِيَاسِ، سَوَاءٌ كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ أَوْ نَجِسًا لَكِنْ يَبْقَى نَجِسًا لِسَبَبَيْنِ كَمَا حَرَّمَ السَّبَبَيْنِ.

أَمَّا الْإِنْسَانُ فَلَا يَنْجُسُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى يَنْجُسُ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَوَقَعَ زِنْجِيٌّ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَا تُنْزَحُ.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ كَالشَّاةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيِّ " «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» ". وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ» ". وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ كَالشَّهِيدِ؛ فَإِنَّهُ

مُسْلِمٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ نَجُسَ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ لِطَهَارَتِهِ شَرَفُهُ، وَكَذَلِكَ لَا حَيًّا وَلَا مَيِّتًا، وَإِنْ قُلْنَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ بِحَسَبِ أَعْضَائِهِ بِالِانْفِصَالِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ، فَأَمَّا الشَّعْرُ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْحَيَاةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ نَجِسٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجُمْلَةِ كَالْيَدِ، سَوَاءٌ جُزَّ أَوْ تَسَاقَطَ بِخِلَافِ شَعْرِ الْمَأْكُولِ فَإِنَّهُ لَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ كَانَ جَزُّهُ كَتَذْكِيَةٍ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا يَنْجُسُ الشَّهِيدُ كَمَا لَا يَنْجُسُ دَمُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَكَذَلِكَ أَعْضَاؤُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ تَنْجُسُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُسْ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ لَهَا إِذَا كَانَتْ تَابِعَةً، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَعْضَاءِ كَحُرْمَةِ الْجُمْلَةِ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَنْجُسُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَفِيَ لِلطَّهَارَةِ مِنَ الْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ مَفْقُودٌ فِيهِ، وَسَبَبُ التَّنْجِيسِ مَوْجُودٌ فَعَمِلَ عَمَلَهُ، وَعُمُومُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَقْتَفِي التَّسْوِيَةَ كَمَا فِي الْحَيَاةِ.

[مَسْأَلَةٌ ميتة حيوان الماء الذي لا يعيش الإ فيه طاهر]

مَسْأَلَةٌ: " وَحَيَوَانُ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَعِيشُ إِلَّا فِيهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحْرِ: " «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيتَتُهُ» ". أَمَّا السَّمَكُ إِذَا مَاتَ بِمُفَارَقَةِ الْمَاءِ فَهُوَ حَلَالٌ طَاهِرٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ وَهُوَ الطَّافِي فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ خُرِّجَ فِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ طَاهِرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ دَمَهُ طَاهِرٌ كَالْجَرَادِ هُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحِلُّ إِنْ مَاتَ فِيهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَمَا عَدَا السَّمَكَ مِمَّا يُبَاحُ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ جَمِيعَهُ يُبَاحُ بِلَا ذَكَاةٍ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ لِمَوْتِهِ فِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُبَاحُ مِنْهُ إِلَّا السَّمَكُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَيْتَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» ". وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الْمَاءِ فَهُوَ كَالسَّمَكِ وَمَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا مِنْهُ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيْتَتُهُ» ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الْمَاءِ لَا يُمْكِنُ تَذْكِيَتُهُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ السَّمَكَ بِخِلَافِ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ.

فَأَمَّا حَيَوَانُ الْبَحْرِ الْمُحَرَّمُ كَالضُّفْدَعِ وَالتِّمْسَاحِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْكَوْسَجِ إِذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ فَهُوَ نَجِسٌ بِالْمَوْتِ، وَيُنَجِّسُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ كَمَا يُنَجِّسُ غَيْرَهُ مِنَ الْمَائِعَاتِ.

[مَسْأَلَةٌ ميتة مالا نفس له سائله طاهرة]

مَسْأَلَةٌ: " وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ ". النَّفْسُ هِيَ دَمُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ النُّفَسَاءُ لِجَرَيَانِ نَفَسِهَا يُقَالُ نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ وَنَفِسَتْ إِذَا وَلَدَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظُّبَاتِ نُفُوسُهَا ... وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُتَوَلِّدُ مِنَ النَّجَاسَةِ مِثْلُ صَرَاصِيرِ الْكَنِيفِ فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ نَجِسٍ، فَكَانَ نَجِسًا كَالْكَلْبِ، وَالثَّانِي مَا هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ طَاهِرٍ كَالذُّبَابِ وَالْبَقِّ وَالْعَقْرَبِ وَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالدِّيدَانِ وَالسَّرَطَانِ، سَوَاءٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَمٌ أَوْ كَانَ لَهُ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ، فَهَذَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَلَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَ إِذَا وَقَعَ فِيهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ

فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَأَمَرَ بِغَمْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَمُوتُ بِالْغَمْسِ غَالِبًا، لَا سِيَّمَا فِي الْأَشْيَاءِ الْحَارَّةِ.
فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُ الشَّرَابَ لَمْ يَأْمُرْ بِإِفْسَادِهِ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَا سَلْمَانُ كُلُّ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَوُضُوءُهُ» " وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْقَمْلَ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدْفِنُهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَصَانُوا صَلَاتَهُمْ عَنْ حَمْلِ النَّجَاسَةِ، وَمَسْجِدَهُمْ عَنْ دَفْنِ النَّجَاسَةِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فَأَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ وَالْبَاقِلَّا.
فَصْلٌ: إِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ مَا يُشَكُّ فِيهِ هَلْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا الْوَزَغُ فَهُوَ نَجِسٌ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ دُخُولِ الْخَلَاءِ]

[مَسْأَلَةٌ الذكر المسنون عند دخول الخلاء]

مَسْأَلَةٌ: " يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «سَتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ " «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ» ". وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ

وَالْخَبَائِثِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا يَعْجَزُ أَحَدُكُمْ إِذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
الْحُشُوشُ جَمْعُ حَشٍّ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْبَسَاتِينُ كَانُوا يَقْضُونَ الْحَاجَةَ فِيهَا.
ثُمَّ سُمِّيَ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةَ حَشًّا، وَالْمُحْتَضَرَةُ الَّتِي تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ، وَلِذَلِكَ أُمِرَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَالْخُبْثُ بِسُكُونِ الْبَاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: " وَهُوَ الشَّرُّ وَالْخَبَائِثُ الشَّيَاطِينُ " فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنَ الشَّرِّ، وَمِنْ أَهْلِ الشَّرِّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: " إِنَّمَا هُوَ الْخُبْثُ جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ اسْتَعَاذَ

مِنْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ " وَالْأَوَّلُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ فَعِيلَ إِذَا كَانَ صِفَةً جُمِعَ عَلَى فُعْلٍ مِثْلُهُ ظَرِيفٌ وَظُرْفٌ وَكَرِيمٌ وَكُرْمٌ، وَإِنَّمَا يُجْمَعُ عَلَى فُعُلٍ إِذَا كَانَ اسْمًا مِثْلَ رَغِيفٍ وَرُغُفٍ وَنَذِيرٍ وَنُذُرٍ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَعْنًى، وَالنَّجِسُ بِالْكَسْرِ وَالسُّكُونِ اتِّبَاعٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلَوْ أَفْرَدْتَهُ لَفَتَحْتَهُ، وَالْمُخْبِثُ ذُو الْأَصْحَابِ الْخُبَثَاءِ، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي يُعَلِّمُ غَيْرَهُ الْخُبْثَ.

[مَسْأَلَةٌ الذكر المسنون عند الخروج من الخلاء]

مَسْأَلَةٌ: " وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ". لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَكَ» ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ الْخَلَاءَ مَظِنَّةُ الْغَفْلَةِ وَالْوَسْوَاسِ فَاسْتُحِبَّ الِاسْتِغْفَارُ عَقِيبَهُ.

[مَسْأَلَةٌ يقدم رجله اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج]

مَسْأَلَةٌ: " وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ " وَهَذَا عَكْسُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْيُمْنَى أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ إِلَى الْأَمَاكِنِ الطَّيِّبَةِ

وَأَحَقُّ بِالتَّأْخِيرِ عَنِ الْأَذَى وَمَحَلِّ الْأَذَى، وَكَذَلِكَ قُدِّمَتْ فِي الِانْتِعَالِ دُونَ النَّزْعِ؛ لِأَنَّهُ صِيَانَةٌ لَهَا، وَهَذَا فِيمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعُضْوَانِ، فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يُفْعَلُ بِالْيَمِينِ إِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَبِالشِّمَالِ إِنْ كَانَ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْأَذَى كَالِاسْتِنْجَاءِ وَالسِّوَاكِ.

[مَسْأَلَةٌ لا يدخل الخلاء بشيء فيه اسم الله إلا من حاجة]

مَسْأَلَةٌ: " وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ ". لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ» ". رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
" «وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)» ". فَإِنْ كَانَ مَعَهُ دَرَاهِمُ أَوْ كِتَابٌ أَوْ خَاتَمٌ فِيهِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وَخَافَ عَلَيْهِ اسْتَصْحَبَهُ وَسَتَرَهُ وَاحْتَرَزَ مِنْ سُقُوطِهِ.

وَإِنْ كَانَ خَاتَمًا أَدَارَ فَصَّهُ إِلَى بَاطِنِ كَفِّهِ، فَإِنْ دَخَلَ بِشَيْءٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ يُصَانُ عَنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِاللِّسَانِ فَعَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمُهُ أَوْلَى؛ بِدَلِيلِ الْمُحْدِثِ يُمْنَعُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ دُونَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ.

[مَسْأَلَةٌ يَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى]

مَسْأَلَةٌ: " وَيَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ". لِمَا رَوَى سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: " «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَيْنَا الْخَلَاءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْحَدَثِ.

فَصْلٌ: وَلَا يَتَكَلَّمُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ " «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَعَنْ أَبِي

سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَوْرَاتِهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ " «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ فَلَمَّا جَاوَزَهُ نَادَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الرَّدِّ عَلَيْكَ خَشْيَةَ أَنْ تَذْهَبَ فَتَقُولَ: إِنِّي سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَإِذَا رَأَيْتَنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْعَلْ لَا أَرُدُّ عَلَيْكَ» ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا مَكْرُوهٌ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِعُذْرٍ، وَإِذَا عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى يَحْمَدُهُ بِلِسَانِهِ خُفْيَةً لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ كَلَامٌ لِحَاجَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ مَعَ تَأَكُّدِهِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْإِنْسَانِ بِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
وَحَكَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَكْرَهُ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى خَلَائِهِ وَيُشَدِّدُ فِيهِ، وَذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ فَلَا يُقَاسُ بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ البعد والتستر عند قضاء الحاجة في الفضاء]

مَسْأَلَةٌ: " وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ ". أَمَّا أَنَّهُ يَبْعُدُ فَلِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَكَانَ لَا يَأْتِي الْبَرَازَ حَتَّى يَغِيبَ فَلَا يُرَى» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: " «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَتَى حَاجَتَهُ فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَأَمَّا الِاسْتِتَارُ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ هَدَفِ حَائِطٍ أَوْ حَائِشِ نَخْلٍ أَوْ كَثِيبِ رَمْلٍ، فَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ، فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ جُهْدُهُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَلِهَذَا كُرِهَ أَنْ يَرْفَعَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ إِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ فَيُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

" «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاحْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

[مَسْأَلَةٌ يرتاد لبوله مكانا رخوا]

مَسْأَلَةٌ: " وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا ". لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى قَالَ: " «مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دَمِثٍ فِي جَنْبِ حَائِطٍ (فَبَالَ ثُمَّ قَالَ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا بَالَ أَحَدُهُمْ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ بَوْلِهِ يَتْبَعُهُ فَيَقْرِضُهُ بِالْمَقَارِيضِ وَقَالَ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ»).
(«وَلَا يَقْضِي حَاجَتَهُ فِي الْمُسْتَحَمِّ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ أَوْ يَغْتَسِلُ فِيهِ»)؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَاسَ، وَرُبَّمَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْهَا؛ وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ

نَجِسٍ إِلَّا الْمَكَانَ الْمُعَدَّ لِلِاسْتِنْجَاءِ خَاصَّةً، وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَإِنْ كَثُرَ وَبَلَغَ حَدًّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ يُفْضِي إِلَى كَثْرَةِ الْبَوْلِ فَيُغَيِّرُهُ، وَهِيَ الْمَوَارِدُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ أَوْ فِي نَقْعِ مَاءٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَأَمَّا الْجَارِي فَيُكْرَهُ فِيهِ التَّغَوُّطُ لِبَقَاءِ أَثَرِهِ، فَأَمَّا الْبَوْلُ فَلَا يُكْرَهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْجَرْيَةُ قَلِيلَةً وَتَحْتَهَا مُسْتَعْمِلٌ يُصِيبُهُ بِيَقِينٍ لِمَفْهُومِ النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْآنِيَةِ

لِلْحَاجَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ يَقُولُونَ: " «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى " إِلَى عَلِيٍّ لَقَدْ دَعَا بِالطِّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا فَانْخَنَثَتْ نَفْسُهُ وَمَا أَشْعُرُ فَإِلَى مَنْ أَوْصَى» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رَقِيقَةَ قَالَتْ: " «كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَلَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ قَائِمًا لِعُذْرٍ، وَيُكْرَهُ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ إِذَا خَافَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ أَوْ يُصِيبَهُ الْبَوْلُ، فَإِنْ أَمِنَ ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا» ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.
وَفِي الْآخَرِ يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنْ

رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا جَالِسًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ كَانَ الْجُلُوسَ، وَأَنَّ بَوْلَهُ قَائِمًا كَانَ لِعُذْرٍ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْجُلُوسِ فِي السُّبَاطَةِ أَوْ لِوَجَعٍ كَانَ بِهِ.
لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «بَالَ قَائِمًا مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبِضِهِ» " أَيْ تَحْتَ رُكْبَتِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: (كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَشْفِي لِوَجَعِ الصُّلْبِ بِالْبَوْلِ قَائِمًا، فَتُرَى لَعَلَّهُ كَانَ بِهِ إِذْ ذَاكَ وَجَعُ الصُّلْبِ) وَلَكِنْ قَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسٍ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ فَمَنِ ادَّعَى الْكَرَاهَةَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.

[مَسْأَلَةٌ حكم استقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة]

مَسْأَلَةٌ: " وَلَا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا ". وَذَلِكَ لِأَنَّ بِهِمَا يَسْتَضِيءُ أَهْلُ الْأَرْضِ فَيَنْبَغِي احْتِرَامُهُمَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَكْتُوبَةٌ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيهِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ فَلَا بَأْسَ.
وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ خَشْيَةَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ رَشَاشُ بَوْلِهِ.

[مَسْأَلَةٌ استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة]

مَسْأَلَةٌ: " وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا " وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ ". هَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ فِي الْفَضَاءِ دُونَ الْبُنْيَانِ وَعَنْهُ يَحْرُمُ فِيهِمَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَلَا

يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ».
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِمَا دُونَ الِاسْتِدْبَارِ؛ لِمَا «رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: " رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَهَذَا يُبِيحُ الِاسْتِدْبَارَ فَيَبْقَى الِاسْتِقْبَالُ عَلَى ظَاهِرِ النَّهْيِ.
وَوَجْهَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ، وَعَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نَاسًا كَرِهُوا أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِفُرُوجِهِمْ " فَقَالَ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا مِقْعَدَتِي قِبَلَ الْقِبْلَةِ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ

هَذَا؟ قَالَ: إِنَّمَا هَذَا فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ.
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ قِيلَ فِي وَجْهِ الْفَرْقِ أَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مَحْظُورٌ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ كَانَ أَفْحَشَ، وَجِهَةُ الْقِبْلَةِ أَشْرَفُ الْجِهَاتِ فَصِينَتْ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إِنَّ الْجُلُوسَ فِي الصَّحْرَاءِ فِي وَهْدٍ أَوْ وَرَاءَ جِدَارٍ أَوْ بَعِيرٍ كَمَا بَيْنَ الْبُنْيَانِ، وَإِنَّ الْجُلُوسَ عَلَى سُطُوحِ الْوُدْيَانِ وَلَا سُتْرَةَ لَهَا كَالْفَضَاءِ.

[مَسْأَلَةٌ الاستبراء من البول]

مَسْأَلَةٌ: " فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلَاثًا ". يَعْنِي يَمْسَحُ مِنْ أَصْلِ الذَّكَرِ تَحْتَ الْأُنْثَيَيْنِ إِلَى رَأْسِهِ وَيَنْتُرُ الذَّكَرَ يَفْعَلُ

ذَلِكَ ثَلَاثًا لِمَا رَوَى عِيسَى بْنُ يَزْدَادُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْسَحْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: إِذَا بُلْتَ فَامْسَحْ أَسْفَلَ ذَكَرِكَ؛ وَلِأَنَّهُ بِالْمَسْحِ وَالنَّتْرِ يَسْتَرْخِي مَا إِذْ عَسَاهُ يَبْقَى وَيُخْشَى عَوْدَتُهُ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى نَحْنَحَةٍ أَوْ مَشْيِ خُطُوَاتٍ لِذَلِكَ فَعَلَ، وَقَدْ أَحْسَنَ.
" وَقِيلَ: بَلْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ وَسْوَاسٌ وَبِدْعَةٌ ". وَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا تَوَضَّأْتَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى سِفْلَتِكَ ثُمَّ اسْلُتْ مَا ثَمَّ حَتَّى يَنْزِلَ وَلَا تَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ هَمِّكَ، وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى ظَنِّكَ "، وَإِنِ اسْتَنْجَى عَقِبَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ جَازَ وَلَا يُطِيلُ

الْمُقَامَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ فِيهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَضَرُ الشَّيَاطِينِ وَمَوْضِعُ إِبْدَاءِ الْعَوْرَةِ.
وَيُقَالُ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ: إِنَّ إِطَالَةَ الْجُلُوسِ يُدْمِي الْكَبِدَ وَيُورِثُ الْبَوَاسِيرَ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِه]

مَسْأَلَةٌ: " وَلَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهَا ". أَمَّا مَسُّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ حَالٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا يَمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحُ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ؛ وَلِأَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ قِيلَ لَهُ: «لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ سَلْمَانُ أَجَلْ؛ لَقَدْ " نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَلَا يَسْتَعِينُ بِيَمِينِهِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، أَمَّا مَسْحُ الدُّبُرِ فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْيَمِينِ.
وَأَمَّا مَسْحُ الْقُبُلِ فَيُسْتَغْنَى عَنْهَا بِأَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِجْمَارَ بِجِدَارٍ أَوْ مَوْضِعٍ نَابٍ أَوْ حَجَرٍ ضَخْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِمْسَاكِهِ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْحِجَارَةِ الصِّغَارِ أَوِ الْحَرْثِ وَنَحْوِهَا جَعَلَ الْحَجَرَ بَيْنَ عَقِبَيْهِ أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ إِنْ

أَمْكَنَ وَتَنَاوَلَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَهُ بِهَا، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْيَمِينِ كَمَا لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا فِي صَبِّ الْمَاءِ وَكَمَا لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى، وَهَلْ يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ وَالْحَجَرَ بِيَمِينِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، وَبِكُلِّ حَالٍ تَكُونُ الْيُسْرَى هِيَ الْمُتَحَرِّكَةَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْحَرَكَةِ، وَلَوِ اسْتَنْجَى بِيَمِينِهِ صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ.

[مَسْأَلَةٌ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ]

مَسْأَلَةٌ: " ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ ". هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: " «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ مِنْ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ» " احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَرَوَى أَيْضًا فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا يُتْبِعُونَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ الْمَاءَ فَنَزَلَتْ (فِيهِ رِجَالٌ)، وَلِأَنَّ الْغَسْلَ بَعْدَ تَجْفِيفِ النَّجَاسَةِ أَبْلَغُ فِي

جارٍ التحميل