بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَسْحُ الرَّأْسِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ (مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِغُبَارٍ وَاحِدٍ)، فَإِذَا قِيلَ: غُبَارُ الضَّرْبَةِ الْأُولَى يَذْهَبُ بِمَسْحِ الْوَجْهِ، قُلْنَا: إِنَّمَا يُجْزِئُ إِذَا مَسَحَ الْوَجْهَ بِبُطُونِ الْأَصَابِعِ، فَيَبْقَى بَطْنُ الرَّاحَةِ لِلْيَدِ، أَوْ يَمْسَحُ الْوَجْهَ بِالطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التُّرَابِ، وَيَبْقَى عَلَى الْيَدِ غُبَارٌ يَمْسَحُهَا بِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ غُبَارٌ لَزِمَهُ ضَرْبَةٌ ثَانِيَةٌ كَمَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مَاءٌ لِلِاسْتِنْشَاقِ وَلَا بَلَلٌ لِلْأُذُنِ.
وَالْيَدُ الْمُطْلَقَةُ فِي الشَّرْعِ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ، بِدَلِيلِ آيَةِ السَّرِقَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ» "، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ ".»
وَلِأَنَّ الْيَدَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُشْتَرِكَةً بَيْنَ الْمَفَاصِلِ الثَّلَاثَةِ أَوْ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ مَجَازًا فِي الْبَعْضِ أَوْ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَوُجُوبُ الْمَسْحِ إِلَى الْكُوعِ مُتَيَقَّنٌ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْيَدِ إِلَى مَفْصِلِ الْكُوعِ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْمَجَازُ فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَلَا يَنْعَكِسُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمْ نَعْنِ بِالْيَدِ مَا هُوَ إِلَى مَفْصِلِ الْإِبِطِ فِي خِطَابِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثَ فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ إِلَى الْكُوعِ، وَلِأَنَّ الْيَدَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ خِلَافُهَا عِنْدَ التَّقْيِيدِ.
فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا أَقْصَى مَا يُسَمَّى يَدًا أَوْ أَقَلَّ مَا يُسَمَّى يَدًا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي.
فَإِنْ قِيلَ: هِيَ مُطْلَقَةٌ فِي التَّيَمُّمِ مُقَيَّدَةٌ فِي الْوُضُوءِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الطَّهَارَةُ، وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ بَدَلُ الْمُقَيَّدِ فَيَحْكِيهِ، قُلْنَا: إِنْ سَلَّمْنَاهُ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، كَالْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ، وَالْيَمِينِ عَلَى الْعِتْقِ فِي الْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] هِيَ مِنْ نَوْعِ الشَّهَادَةِ الْمُفَسَّرَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] وَالْمَسْحُ بِالتُّرَابِ لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ قَدِ اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ، فَهَذَا فِي عُضْوَيْنِ وَذَلِكَ فِي أَرْبَعَةٍ، وَفِي الصِّفَةِ فَالْوُضُوءُ شُرِعَ فِي التَّثْلِيثِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي التَّيَمُّمِ، وَالْوَجْهُ فِي الْوُضُوءِ يُغْسَلُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ (وَ) بَاطِنُ الْفَمِ وَبَاطِنُ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، وَيُخَلَّلُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُكْرَهُ فِي التَّيَمُّمِ، وَهَذَا الْبَدَلُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، فَكَيْفَ يُلْحَقُ بِمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِسْبَاغِ، ثُمَّ الْبَدَلُ الَّذِي هُوَ مَسْحُ الْخُفِّ وَالْعِمَامَةِ لَمْ يُحْكَ مُبْدَلُهُ فِي الِاسْتِيعَابِ مَعَ أَنَّهُ بِالْمَاءِ، فَأَنْ لَا يَحْكِيَهُ الْمَسْحُ بِالتُّرَابِ أَوْلَى، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا تَيَمَّمُوا إِلَى الْآبَاطِ لَمْ يَفْهَمُوا حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا، وَهُمْ أَهْلُ الْفَهْمِ لِلِّسَانِ، وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ مَا خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَتَمَعَّكْتُ فِي الصَّعِيدِ وَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ هَكَذَا، وَضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» ".
وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيِّ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِكَفَّيْكَ فِي التُّرَابِ ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ إِلَى الرُّسْغَيْنِ.
» وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ الصَّعِيدَ مُفَرَّجَةً أَصَابِعُهُ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ كَفِّهِ الْيُمْنَى بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ الْيُسْرَى بِأَنْ يُمِرَّ الرَّاحَةَ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعِ الْيَدِ الْيُمْنَى حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْكُوعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ ظَاهِرَ إِبْهَامِ الْيُمْنَى بِبَاطِنِ إِبْهَامِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيُخَلِّلُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَلَوْ مَسَحَ الْوَجْهَ بِجَمِيعِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى جَازَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا غُبَارٌ وَاحْتَاجَ إِلَى ضَرْبَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ، هَكَذَا ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " رَأَيْتُ أَحْمَدَ عَلَّمَ رَجُلًا التَّيَمُّمَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى مَسْحًا خَفِيفًا، كَأَنَّهُ نَفَضَ مِنْهُمَا التُّرَابَ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ مَرَّةً، ثُمَّ مَسَحَ كَفَّيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ".
وَقَالَ الْقَاضِي: " لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ بِجَمِيعِ كَفَّيْهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التُّرَابُ الَّذِي عَلَى رَاحَتَيْهِ مُسْتَعْمَلًا، فَإِذَا مَسَحَ بِهِ ظَهْرَ كَفَّيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ ". وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا وَصَلَ إِلَى الْوَجْهِ، أَمَّا مَا يَبْقَى فِي الْيَدِ فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلَ هَذَا فِي الْوُضُوءِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ مِنَ الصَّعِيدِ وَقَدْ حَصَلَ، كَمَا قُلْنَا فِي إِيصَالِ
الطَّهُورِ إِلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ، وَكَذَلِكَ إِنْ مَسَحَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا، لَكِنْ يُكْرَهُ أَنْ يَمْسَحَ زِيَادَةً عَلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ يَمْسَحَ بِثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِمَا دُونَهُمَا، فَأَمَّا الْمَسْحُ بِضَرْبَتَيْنِ فَهَذَا أَفْضَلُ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَمَا دُونَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ خِلَافًا ظَاهِرًا، وَالْأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَالْأَسْلَعِ، قَوْلًا وَفِعْلًا، أَنَّ «التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ»، رَوَاهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرُوِيَ عَنْ
أَبِي أُمَامَةَ أَيْضًا، وَهِيَ وَإِنْ ضَعُفَتْ فَقَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا، وَالْعَمَلُ بِالضِّعَافِ فِي الْفَضَائِلِ جَائِزٌ، مَعَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ " كَانَ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَتَيْنِ " وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ السُّنَّةَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ: " ضَرْبَتَيْنِ " فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: " إِنْ فَعَلَ لَا يَضُرُّهُ ".
وَهَكَذَا اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّ هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الْمُفَسِّرُ لِكِتَابِ اللَّهِ وَالْمُعَبِّرِ عَنْهُ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَحْكَامِ وَالْعُدُولُ عَنِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ بِمِثْلِهَا.
قَالَ الْخَلَّالُ: " الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا " ثُمَّ هُوَ قَوْلٌ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِثْلَ: عَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ هُوَ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا
ذَكَرْنَا، فَإِنَّ التَّمَسُّحَ بِالتُّرَابِ لَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ إِطَالَةُ الْغُرَّةِ فِيهِ وَلَا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَرَّةِ مِنْهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا أَمْكَنَ جَمْعُهُمَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ مَائَيْنِ كَالْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالرَّأْسِ وَالْأُذُنِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْقَصْدِ وَأَبْعَدُ عَنِ السَّرَفِ، فَمَا أَمْكَنَ جَمْعُهُمَا بِتُرَابٍ وَاحِدٍ أَوْلَى.
وَإِذَا كَانَ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قِلَّةُ وُلُوعِهِ بِالْمَاءِ، فَقِلَّةُ وُلُوعِهِ بِالتُّرَابِ أَوْلَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّمَسُّحَ بِالتُّرَابِ فِي الْأَصْلِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ مُلَوَّثٌ مُغَبَّرٌ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَوْرِدُ الْعِبَادَةِ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا مُقْتَضَى لَهُ.
نَعَمْ أَجَزْنَا الضَّرْبَتَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا أَجَزْنَا الْغَرْفَتَيْنِ وَالْمَائَيْنِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَتَيْنِ مَظِنَّةُ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِمَا؛ إِذْ قَدْ لَا يَكْفِي التُّرَابُ الْوَاحِدُ وَلَا يُمْكِنُ بِهِ، وَأَجَزْنَا الْمَسْحَ إِلَى الْمِرْفَقِ لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مَحَلُّ الطَّهَارَةِ مَعَ مَا جَاءَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يُفِيدُ الْجَوَازَ لَا الْفَضِيلَةَ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّمَا يُفْعَلُ احْتِيَاطًا إِذَا لَمْ تُعْرَفِ السُّنَّةُ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ، فَإِذَا زَالَتِ الشُّبْهَةُ وَتَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ، فَلَا مَعْنَى لِمَطْلَبِ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَلِهَذَا كَانَ الْإِيتَارُ بِثَلَاثٍ مَفْصُولَةٍ أَوْلَى مِنَ الْمَوْصُولَةِ، مَعَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِمَا مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ مَعَ الْخِلَافِ فِي كَرَاهَتِهَا، وَإِشْعَارُ الْهَدْيِ سُنَّةٌ مَعَ الْخِلَافِ فِي كَرَاهَتِهِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهِ، وَفَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ يُرِيدُ التَّمَتُّعَ أَوْلَى مِنَ الْبَقَاءِ عَلَيْهِ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْخِلَافِ الشَّائِعِ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَإِعْطَاءُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ أَفْضَلُ مَعَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِ، وَتَرْكُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَأْمُومِ فِي صَلَاةِ
" الْجَهْرِ " أَفْضَلُ بَلْ قِرَاءَتُهَا لَهُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مَعَ الْخِلَافِ فِي الْإِجْزَاءِ، (وَتَفْرِيقُ) قِيمَةِ صَدَقَتِهِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ مَعَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِ فِي الْأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمَأْثُورَةُ فَهِيَ ضَعِيفَةٌ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْعَمَلُ بِالضِّعَافِ إِنَّمَا يُشْرَعُ فِي عَمَلٍ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ (مَشْرُوعٌ) فِي الْجُمْلَةِ، فَإِذَا رُغِّبَ فِيهِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ لِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ، عَمِلَ بِهِ، أَمَّا إِثْبَاتُ سُنَّةٍ فَلَا، ثُمَّ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فَإِنَّمَا تُفِيدُ الْجَوَازَ فَقَطْ، إِذْ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّ كِلَا الصُّورَتَيْنِ قَدْ صَحَّتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْقَصْدِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ نَفْيَ شَرْعِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِرْفَقِ، فَإِنَّ الْيَدَ لَمَّا كَانَتْ مُطْلَقَةً وَقَدْ تُوُهِّمَ أَنَّ مَسْحَهَا إِلَى الْإِبِطِ مَشْرُوعٌ، بَيَّنَ أَنَّ أَقْصَى مَا يُمْسَحُ مِنْهَا إِلَى الْمِرْفَقِ وَأَنَّ مَحَلَّ التَّيَمُّمِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ مَا شُرِعَ التَّيَمُّمُ، فَفِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجُهُ فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ رُخْصَةَ التَّطْهِيرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَنْفُضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
" فَأَمَّا لَا يَنْهَى عَنْهُ أَوْ يَكُونُوا فَعَلُوهُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ نُسِخَ إِلَى الْكُوعِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَنَهَاهُمْ عَمَّا يَقْبَلُ النَّهْيَ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْوُضُوءِ الْجَائِزِ ". يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ تَيَمَّمُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ» ". ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ حَدِيثُ عَمَّارٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ التُّرَابَ يُوَصَّلُ إِلَى مَحَلِّ الْمَاءِ وَأَنَّ الَّذِي عَمِلُوهُ أَوَّلًا هُوَ تَيَمُّمُ الْمُحْدِثِ، وَأَنَّ تَيَمُّمَ الْجُنُبِ يَعُمُّ الْبَدَنَ كَمَا يَعُمُّهُ الْمَاءُ، فَتَمَعَّكَ بِالتُّرَابِ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِفَةَ التَّيَمُّمِ.
وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَبِهِ كَانَ يَقُولُ عَمَّارٌ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا تَيَمَّمَ بِالضَّرْبَتَيْنِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَمْسَحَ بِالضَّرْبَةِ الْأُولَى جَمِيعَ وَجْهِهِ بِهِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ، وَمِمَّا لَا يَشُقُّ، وَبِالثَّانِيَةِ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى وَيُمِرُّهَا إِلَى ظَهْرِ الْكَفِّ، فَإِذَا بَلَغَ إِلَى الْكُوعِ قَبَضَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ عَلَى حَرْفِ الذِّرَاعَ وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ ذِرَاعِهِ وَيُمِرُّهُ عَلَيْهِ وَيَرْفَعُ الْإِبْهَامَ، فَإِذْ بَلَغَ الْكُوعَ أَمَرَّ الْإِبْهَامَ عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَمْسَحُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى وَيُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ، وَالْأَقْطَعُ مِنَ الْكُوعِ يَمْسَحُ بِالتُّرَابِ مَوْضِعَ الْقَطْعِ فِي الْمَنْصُوصِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ كَالْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً مِنَ الذِّرَاعِ مَسَحَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: " يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِسْبَاغِ فِي الْوُضُوءِ ".
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُ مَحَلِّ الْفَرْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: 6]، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («فَتَمْسَحُ بِهَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ»).
وَهَذَا يُزِيحُ مَا لَعَلَّهُ يُتَوَهَّمُ فِي الْبَاءِ مِنْ تَبْعِيضٍ، فَأَمَّا مَا يَشُقُّ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَيْهِ كَبَاطِنِ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ وَالْكَثِيفَةِ، فَلَا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ ضَرْبَةٌ أَوْ بَعْضُ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وَبِذَلِكَ لَا يَصِلُ التُّرَابُ إِلَى أَثْنَاءِ الشَّعْرِ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقُلَ الصَّعِيدَ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدِ فَإِنْ نَسَفَتْهُ الرِّيحُ بِغَيْرِ قَصْدِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَوَى وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِمَا عَلَيْهِ وَيَدَيْهِ بِمَا عَلَيْهِمَا، لَمْ يُجْزِئْهُ، بِخِلَافِ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ الصَّعِيدَ، وَأَنْ يَمْسَحَ بِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ فِي الْوُضُوءِ إِلَّا بِالْمَسْحِ، فَإِنْ نَقَلَ مَا عَلَى الْوَجْهِ إِلَى الْيَدِ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ الصَّعِيدَ وَمَسَحَ بِهِ، وَسَوَاءٌ نَقَلَهُ
بِيَدِهِ أَوْ بِخِرْقَةٍ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، كَمَا لَوْ نَقَلَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ صَمَدَ لِلرِّيحِ حَتَّى نَسَفَتْهُ كَانَ نَقْلًا فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ بِقَصْدِهِ انْتَقَلَ.
ثُمَّ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَهُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الطَّهُورَ إِلَى مَحَلِّهِ، كَمَا لَوْ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ كَمَا فَعَلَ عَمَّارٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَا رَجَّحُوهُ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْحًا، وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُغَبَّرَةَ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَارٍ، أَوْ ذَرَّى التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَمَّا التَّمَرُّغُ فَإِنَّمَا يُجْزِئُ بِهِ فِي الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِمْرَارِ مَحَلِّ التُّرَابِ عَلَى الْوَجْهِ أَوْ إِمْرَارِ الْوَجْهِ عَلَى مَحَلِّ التُّرَابِ، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى التُّرَابِ فَعَلِقَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ جَازَ.
وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَاجِبَانِ فِي التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا، قَالَ أَحْمَدُ: يَبْدَأُ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُجِبْ هُنَا وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ جَائِزٌ، وَإِذَا مَسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَهُ بَعْدَ وَجْهِهِ، بَلْ لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِجَمِيعِ بَاطِنِ يَدَيْهِ وَبَقِيَ بِهِ غُبَارٌ يَكْفِي لِظَاهِرِهِمَا لَمْ يُعِدْ مَسْحَ الْبَاطِنِ بَعْدَ الْوَجْهِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَقَدْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي الْيَدِ، فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِهَا.
وَوَجْهُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّ التَّرْتِيبَ سَقَطَ فِي بَاطِنِ الْيَدِ ضَرُورَةً، فَإِنَّا إِنْ أَوْجَبْنَا مَسْحَهُ مَرَّتَيْنِ كَانَ خِلَافَ قَاعِدَةِ التَّيَمُّمِ فَيَجِبُ مِنَ التَّرْتِيبِ مَا يُمْكِنُ لِقَوْلِهِ: («إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»)، وَلِأَنَّ مَسْحَ بَاطِنِ الْيَدِ لَمَّا حَصَلَ تَبَعًا لِمَسْحِ الْوَجْهِ سَقَطَ التَّرْتِيبُ كَمَا سَقَطَ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا أُدْخِلَتْ فِي الْغُسْلِ تَبَعًا، عَلَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ مُطْلَقًا فِي الْجَمِيعِ
عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ.
فَأَمَّا التَّرْتِيبُ عَنِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ هُنَا اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ، «وَلِأَنَّ عَمَّارًا لَمَّا تَمَعَّكَ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ)» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ («ثُمَّ مَسَحَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبَتِهَا ثُمَّ بِهِمَا وَجْهَهُ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
[مَسْأَلَةٌ شروط التيمم]
مَسْأَلَةٌ: " وَلَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: الْعَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِعَدَمِهِ أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ أَوْ خَوْفِ الْعَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ رَفِيقِهِ أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ أَوْ إِعْوَازِهِ إِلَّا بِثَمَنٍ كَثِيرٍ ". فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّيَمُّمَ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ، إِمَّا لِعَدَمِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَإِمَّا لِضَرَرٍ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، فَذَكَرَ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ الْعَادِمَ، فَهُمَا أَغْلَبُ الْأَعْذَارِ وَأُلْحِقَ الْمُسَافِرُ وَالْمَحْبُوسُ فِي مِصْرٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ عَدِمَ الْمَاءَ، وَالْمَرِيضَ مِثْلَ الْمَجْدُورِ وَالْمَجْرُوحِ مِمَّنْ يَتَضَرَّرُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَنْ يَخَافُ الْبَرْدَ، وَأَمَّا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ إِلَّا بِضَرَرٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، كَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ أَوْ حَرِيقٌ أَوْ فُسَّاقٌ فَقَدْ أُلْحِقَ بِالْمَرِيضِ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ
لِلْمَاءِ وَإِنَّمَا يَخَافُ الضَّرَرَ، وَرُبَّمَا أُلْحِقَ بِالْعَادِمِ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الضَّرَرَ بِنَفْسِ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنَّمَا يَخَافُ التَّضَرُّرَ فِي تَحْصِيلِهِ، فَصَارَ كَالْعَادِمِ عَنْ تَحْصِيلِهِ لَا عَنِ اسْتِعْمَالِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ، فَأَمَّا مَنْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، سَوَاءٌ خَشِيَ فَوْتَ الْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَخْشَهُ إِذَا كَانَ فِي الْحَضَرِ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، وَلِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ فِعْلُهَا بِشُرُوطِهَا، إِلَّا الْجَنَازَةَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ، وَجَاءَ الْإِذْنُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا، رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَلِأَنَّهُ تَيَمُّمٌ لِمَا يَكْثُرُ وَيُخَافُ فَوْتُهُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ رَدَّ الْمُسْلِمِ (عَلَيْهِ) كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ، وَحَدِيثِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ.
وَالْأُخْرَى لَا يَتَيَمَّمُ لَهَا كَغَيْرِهَا وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ.
وَأَمَّا الْعِيدُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لِلْعِيدِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّأَهُّبُ لَهُ قَبْلَ الذَّهَابِ.
وَأَمَّا مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ كَرَدِّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِ إِذَا خَشِيَ فَوْتَهُ إِنْ تَوَضَّأَ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ.
الْفَصْلُ الثَّانِي:
أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِعَدَمِهِ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَعْدَمُ فِيهِ الْمَاءَ كَثِيرًا وَهُوَ السَّفَرُ.
وَالثَّانِي: مَا يَنْدُرُ فِيهِ عُدْمُ الْمَاءِ.
فَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَيَتَيَمَّمُ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6].
وَسَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى أَوْ أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِ مِصْرِهِ كَالْحَرَّاثِ وَالْحَصَّادِ وَالْحَطَّابِ وَأَشْبَاهِهِمْ، إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَا مَاءَ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إِلَى الْمِصْرِ إِلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ فِي عَمَلِ مِصْرِهِ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ فِي عَمَلِ قَرْيَةٍ أُخْرَى، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَهُ حَمْلُ الْمَاءِ لِوُضُوئِهِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ لِلْوُضُوءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ لَا يَجِبُ، وَعَنْهُ إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ حَمْلُ الْمَاءِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ حَمْلُ مَاءٍ لِوُضُوئِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ، وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ بَلْ يَجِبُ حَضَرًا وَسَفَرًا، وَيُخَرَّجُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، عَزِيمَةٌ مِنْ حَيْثُ وُجُوبِ فِعْلِ الصَّلَاةِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْعَزِيمَةِ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ الْمُتَبَقِّي بِسَبَبِ الرُّخْصَةِ، وَهَذَا يُشْبُهُ مَا إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ عَدِمَهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ.
الثَّانِي: كَالْمَحْبُوسِ فِي الْمَصْرِ وَأَهْلِ بَلَدٍ قَطَعَ الْمَاءَ عَدُوُّهُمْ، فَهَذَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، وَعَنْهُ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يُسَافِرَ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَذِنَ فِي التَّيَمُّمِ لِلْمُسَافِرِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: («الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسُّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ») رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ فَأَشْبَهَ الْمُسَافِرَ، وَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُعْدَمُ غَالِبًا فِيهِ، وَالْمَنْطُوقُ إِذَا خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ مُرَادٌ.
وَإِذَا صَلَّى لَمْ يُعِدْ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَمَنْ قَالَ: يُعِيدُ فِي الْأَعْذَارِ النَّادِرَةِ مِثْلَ عُدْمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَمَنْ خَشِيَ الْبَرْدَ فَتَيَمَّمَ، قَالَ: يُعِيدُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَعَادَ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ فِيمَا يَكْثُرُ وَيَشُقُّ كَمَا قُلْنَا: إِنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْعُولَةَ عَلَى وَجْهِ الْخَلَلِ غَيْرُ مُبَرِّئَةٍ لِلذِّمَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا فُعِلَتْ إِقَامَةً لِوَظِيفَةِ الْوَقْتِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَاطَبَ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ يَفْعَلُهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَالشَّرْطُ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ سَاقِطٌ بِالْعَجْزِ، وَفِي قَوْلِهِ: («الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ») وَقَوْلِهِ: («التُّرَابُ كَافِيكَ») دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ مُطْلَقًا.
فَصْلٌ: وَلَا يَكُونُ عَادِمًا حَتَّى يَطْلُبَ الْمَاءَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فِي رَحْلِهِ وَرُفْقَتِهِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، وَعَنْهُ لَا يَجِبُ طَلَبُهُ إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُهُ أَوْ رَأَى أَمَارَاتِ
وَجُودِهِ بِأَنْ يَرَى خُضْرَةً أَوْ حُفْرَةً أَوْ رَكْبًا أَوْ طَيْرًا يَتَسَاقَطُ عَلَى مَكَانٍ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ فَجَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَمَا لَوْ طَلَبَ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ طَلَبِ الْمَاءِ وَلَا أَمَارَةَ تُزِيلُ حُكْمَ الْأَصْلِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ كَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ الطَّلَبُ إِذَا رَجَا وُجُودَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنْ لَا مَاءَ فَلَا يَجِبُ الطَّلَبُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6] وَلَا يَنْفِي عَنْهُ الْوُجُودَ إِلَّا بَعْدَ سَابِقَةِ الطَّلَبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196] وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ غَيْرِهِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ كَالصِّيَامِ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ عَنِ الرَّقَبَةِ وَعَنِ الْهَدْيِ وَعَنِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، وَالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ عَنِ النَّصِّ، وَالْمَيِّتِ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ عَنِ الْمُذَكَّى، وَلِأَنَّ الْبَدَلَ فِي مِثْلِ هَذَا إِنَّمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا تُسْتَيْقَنُ الضَّرُورَةُ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يُفَتِّشَ عَلَى الْمَاءِ فِي رَحْلِهِ، وَيَسْأَلَ رُفْقَتَهُ عَنْ مَوَارِدِهِ أَوْ عَنْ مَا مَعَهُمْ لِيَبِيعُوهُ أَوْ يَبْذُلُوهُ.
قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ قَالُوا: لَوْ سَأَلْتَنَا أَعْطَيْنَاكَ أَوْ مَنَعْنَاكَ، وَفِي إِلْزَامِهِ سُؤَالَهُمُ الْبَدَلَ نَظَرٌ، وَيَسْعَى أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ إِلَى حَيْثُ جَرَتْ عَادَةُ السُّفَّارِ بِالسَّعْيِ إِلَيْهِ لِطَلَبِ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى، هَكَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي طَلَبِهِ وَعُدُولُهُ عَنْ طَرِيقِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَقْدِيرِ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْمَشْيِ تَوْقِيفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمِيلُ بِأَوْلَى مِنَ الْمِيلَيْنِ، وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ (لَمْ يَكُنْ يَعْدِلُ إِلَى الْمَاءِ وَهُوَ مِنْهُ غَلْوَةً أَوْ غَلْوَتَيْنِ).
وَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ وَقَدْ قِيلَ لَهُ: وَعَلَى كَمْ يُطْلَبُ الْمَاءُ؟ فَقَالَ: " إِنْ لَمْ
يَصْرِفْهُ عَنْ وَجْهِهِ نَرَاهُ الْمِيلَ وَالْمِيلَيْنِ، وَإِنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الْمِيلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فَلَا يَطْلُبُهُ ".
وَهَذَا فِي السَّائِرِ، فَأَمَّا النَّازِلُ فَلَا تَرَدُّدَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي طَلَبِهِ، وَإِذَا رَأَى بَشَرًا أَوْ حَائِطًا قَصَدَ ذَلِكَ وَطَلَبَ الْمَاءَ عِنْدَهُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ حِينَئِذٍ ظَهَرَ عَجْزُهُ.
قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: وَلَا يُعْتَدُّ بِطَلَبِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ، بَلْ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الطَّلَبِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ فَلَا يَصِحُّ فِي وَقْتٍ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةِ مُخَاطَبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6] وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الطَّمَعِ بِحُصُولِ الْمَاءِ فَأَمَّا مَعَ الْيَأْسِ فَلَا، وَإِذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ فَأَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَاقَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ مَرَّ بِمَاءٍ فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرْجُو وُجُودَ مَاءٍ آخَرَ، فَقَدْ عَصَى بِذَلِكَ، فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَيُعِيدُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا يُعِيدُ فِي الْآخَرِ كَمَا لَوْ كُسِرَ سَاقُهُ فَعَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ، أَوْ حُرِقَ ثَوْبُهُ فَصَارَ عَارِيًا، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ بَاعَهُ، لَمْ يَصِحَّ فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ صَرْفُهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، وَإِذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَهِلَهُ بِمَوْضِعٍ يُنْسَبُ فِيهِ إِلَى التَّفْرِيطِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ بِئْرٌ أَعْلَامُهُ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِعْلِيٌّ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ كَالسُّتْرَةِ، فَلِأَنَّهُ تَطْهِيرٌ وَاجِبٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ كَمَا لَوْ نَسِيَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ أَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَلَمْ يَشْعُرْ، وَهَذَا لِأَنَّ النِّسْيَانَ وَالْجَهْلَ إِذَا كَانَ عَنْ تَفْرِيطٍ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الِاحْتِرَازِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: لَا تَنْسَ، وَإِنْ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ أَوْ أَضَلَّ بِئْرًا كَانَ يَعْرِفُهَا ثُمَّ وَجَدَهَا، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُعِيدُ، وَقِيلَ: يُعِيدُ فِي ضَلَالِ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّ مَكَانَهَا وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَعَ عَبْدِهِ أَوْ وَضَعَهُ فِي رَحْلِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، أَعَادَ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
إِذَا كَانَ وَاجِدُ الْمَاءِ يَخَافُ إِنِ اسْتَعْمَلَهُ أَنْ يَعْطَشَ هُوَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ أَوْ بَهَائِمِ رُفْقَتِهِ الْمُحْتَرَمَةِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَتَيَمَّمُونَ وَيَحْبِسُونَ الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ ".
فَأَمَّا الْبَهَائِمُ الَّتِي يُشْرَعُ قَتْلُهَا كَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَالْبَهِيمِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، فَلَا يُحْبَسُ لَهَا الْمَاءُ ثُمَّ إِنْ كَانَ هُوَ الْعَطْشَانَ أَوْ يَخَافُ الْعَطَشَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَهَائِمِهِ أَوْ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَجَبَ تَقْدِيمُ الشُّرْبِ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ الْوَاجِبَةِ، فَتُقَدَّمُ عَلَى الْعِبَادَاتِ، كَمَا تُقَدَّمُ نَفَقَةُ النَّفْسِ وَالْأَقَارِبِ الْمُتَعَيِّنَةُ عَلَى الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ الْعَطْشَانُ رُفْقَتَهَ أَوْ بَهَائِمَهُ، فَالْأَفْضَلُ حَبْسُ الْمَاءِ لَهُمْ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا، وَفِي الْآخَرِ: لَا يَجِبُ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: " إِذَا كَانَ مَعَهُ إِدَاوَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَرَأَى عِطَاشًا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْقِيَهُمْ وَيَتَيَمَّمَ ".
وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ (إِلَّا) إِنْ خِيفَ عَلَيْهِمُ التَّلَفُ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ وَأَبِي بَكْرٍ عَلَى عَطَشٍ لَا يُخَافُ مَعَهُ التَّلَفُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا خِيفَ أَنْ يَعْطَشُوا، فَأَمَّا الْعَطَشُ الْحَاضِرُ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ سَقْيِهِمْ لَهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعَطْشَانَ أَوْ
لِخَوْفِ عَطَشِ رَفِيقِهِ الْمُزَامِلِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَهِيَ لَا تَخْتَلِفُ بِالْمُرَافَقَةِ وَعَدَمِهَا، وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ الْمُبَاحَةُ الْمُحْتَرَمَةُ فَإِنَّ فِي سَاقِيهَا أَجْرًا وَثَوَابًا، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءَانِ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ وَ (هُوَ) عَطْشَانٌ شَرِبَ الطَّاهِرَ وَتَيَمَّمَ، وَلَمْ يَشْرَبِ النَّجِسَ.
فَإِنْ خَافَ الْعَطَشَ فَهَلْ يَتَوَضَّأُ بِالطَّاهِرِ وَيَحْبِسُ النَّجِسَ، أَوْ يَتَيَمَّمُ وَيَحْبِسُ الطَّاهِرَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: إِذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ أَوْ سَبُعٌ يَخَافُ أَنَّهُ إِنْ طَلَبَهُ انْقَطَعَ عَنْ رُفْقَتِهِ أَوْ ضَيَاعَ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ شُرُودَ دَوَابِّهِ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ إِذَا كَانَ لِلْخَوْفِ سَبَبٌ مَظْنُونٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَهُ، " فَأَمَّا إِنْ كَانَ جُنُبًا لَزِمَهُ الْوُضُوءُ " " وَلَوْ " رَأَى سَوَادًا فَظَنَّهُ عَدُوًّا أَوْ سَبُعًا فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ، فَلَا إِعَادَةَ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنْ لَمْ (يَرَ) شَيْئًا وَقَدْ دَلَّهُ عَلَى الْمَاءِ ثِقَةٌ لَزِمَهُ طَلَبُهُ، قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غَلَّبَ هُنَا الظَّنُّ وُجُودَهُ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا أَوْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَأَمَّا أَنْ يُمْكِنَهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَالصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ، أَوْ يَخَافَ إِنْ طَلَبَهُ أَنْ يَفُوتَ الْوَقْتُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ قَرِيبًا وَيُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِهِ فِي الْوَقْتِ لَزِمَهُ قَصْدُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا يَخْشَى إِنْ طَلَبَهُ يَفُوتُ الْوَقْتُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ طَلَبُهُ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ حَتَّى تَفُوتَ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِهِ فِي الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلَا مَشَقَّةٍ كَثِيرَةٍ بِأَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِهِ أَوْ مَقْصِدِهِ، وَجَبَ قَصْدُهُ أَيْضًا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَأْدِيَةِ فَرْضِهِ بِالْمَاءِ فِي الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَأَشْبَهَ الْقَرِيبَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ قَصْدُهُ وَلَا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ بَلْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، لِمَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ تَيَمَّمَ عَلَى رَأْسِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَصَلَّى الْعَصْرَ فَقَدِمَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ ".
وَعَنْهُ أَيْضًا " أَنَّهُ تَيَمَّمَ بِمِرْبَدِ النَّعَمِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ " رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَأْخِيرُهَا، وَطَرْدُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي آخِرِهِ، أَنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ قَائِمٌ فِي الْحَالِ فَيَثْبُتُ بِهِ وَإِنْ تَيَقَّنَ زَوَالَهُ فِي (الْحَالِ) كَالْقَصْرِ فِي سَفَرٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْدَمُ مِنْهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَرِيبًا يَخَافُ فَوْتَ الْوَقْتِ إِنْ قَصَدَهُ أَوْ تَشَاغَلَ بِالْوُضُوءِ، أَوْ كَانَ الْوَارِدُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا لَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ النَّوْبَةُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ فِي بِئْرٍ إِنِ اشْتَغَلَ بِالِاسْتِقَاءِ وَنَحْوِهِ خَرَجَ الْوَقْتُ - تَيَمَّمَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ كَانَ هُوَ التَّيَمُّمَ وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِهِ فِي الْوَقْتِ فَاسْتَمَرَّ حُكْمُ الْعَدَمِ فِي حَقِّهِ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُهُ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ الْوُضُوءُ فِي الْوَقْتِ لَا أَثَرَ لَهُ لِأَنَّ الْوَقْتَ لِلصَّلَاةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَشْتَغِلُ بِأَسْبَابِ الْوُضُوءِ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْحَضَرِ، وَإِذَا خَشِيَ دُخُولَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ إِلَيْهِ إِلَّا لِعُذْرٍ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ فِي الْوَقْتِ فَأَخَّرَ ذَلِكَ عَمْدًا حَتَّى خَشِيَ الْفَوَاتَ فَهُوَ كَالْحَاضِرِ لِأَنَّ فَرْضَهُ كَانَ هُوَ الْوُضُوءَ، وَهَلْ حَدُّ الْقَرِيبِ
الَّذِي يَجِبُ قَصْدُ مِائِهِ مَا يَتَرَدَّدُ الْمُسَافِرُ إِلَيْهِ لِلرَّعْيِ أَوْ لِلِاحْتِكَارِ عَادَةً، أَوِ الْفَرْسَخُ فَمَا دُونَهُ كَالْجُمُعَةِ، أَوِ الْمِيلُ فَمَا دُونَهُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: إِذَا أَعْوَزَهُ إِلَّا بِثَمَنٍ كَثِيرٍ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا بُذِلَ لَهُ الْمَاءُ لِطَهَارَتِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَلَا مِنَّةَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ فِي عُرْفِ النَّاسِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بُذِلَ لَهُ ثَمَنُ الْمَاءِ أَوْ بُذِلَتْ لَهُ الِاسْتِطَاعَةُ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ذَا ثَمَنٍ فِي الْمَفَاوِزِ وَأَوْقَاتِ الضَّرُورَةِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ يَحْتَاجُهُ لِلشُّرْبِ؛ إِذْ لَا بُدَّ لَهُ فِي الشُّرْبِ، فَأَمَّا لِلطَّهَارَةِ فَلَا ضَرُورَةَ بِأَحَدٍ إِلَيْهِ لِقِيَامِ التُّرَابِ مَقَامَهُ، وَلِذَلِكَ إِذَا وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ إِيَّاهُ بِثَمَنٍ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَوْ مِثْلِهَا فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ وَوَجَدَ ثَمَنَهُ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي نَفَقَتِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ السُّتْرَةِ لِلصَّلَاةِ وَالرَّقَبَةِ لِلْكَفَّارَةِ وَالْهَدْيِ لِلتَّمَتُّعِ، وَكَذَلِكَ إِنْ زِيدَ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ بِمِثْلِهِ زِيَادَةً يَسِيرهً لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، فَإِنْ كَانَتْ تُجْحِفُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَذَكَرَهَا الْقَاضِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ كَثِيرًا إِذَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِمَالِهِ، كَمَا يَجِبُ بَذْلُ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " إِلَّا بِثَمَنٍ كَثِيرٍ " فَإِنَّ الْكَثِيرَ هُوَ الْمُجْحِفُ وَالَّذِي يَزِيدُ عَلَى غَبَنِ الْعَادَةِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي شِرَاءِ الْهَدْيِ وَالرَّقَبَةِ وَالسُّتْرَةِ وَآلَاتِ الْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا يَجِبُ صَرْفُهُ فِي الْعِبَادَاتِ، فَإِنْ وَجَدَ الثَّمَنَ فِي بَلَدِهِ وَوَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ فِي الذِّمَّةِ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ عِنْدَ الْقَاضِي، كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ لِذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ كَالْمُتَمَتِّعِ إِذَا عُدِمَ الْهَدْيُ فِي مَوْضِعِهِ دُونَ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ بِخِلَافِ الْمُكَفِّرِ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ:
إِذَا كَانَ مَرِيضًا مِثْلَ الْمَجْذُورِ وَالْجَرِيحِ وَغَيْرِهِمَا، وَخَافَ إِنِ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ تَضَرَّرَ، انْتَقَلَ إِلَى التَّيَمُّمِ لِلْآيَةِ وَلِحَدِيثِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ.
وَالْخَوْفُ الْمُبِيحُ أَنْ يَخْشَى التَّلَفَ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ يَجُوزُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى خَشِيَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ بِالْأَلَمِ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَبَاطُؤَ الْبُرْءِ إِنِ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، وَتَرْكُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَالطِّيبُ لِلنَّاسِي وَالْحَلْقُ فِي الْإِحْرَامِ، فَجَازَ لَهُ تَرْكُ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ وَأَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَتَى زَادَتْ صِفَتُهُ أَوْ مُدَّتُهُ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِمَنْزِلَةِ مَرَضٍ مُبْتَدِئٍ، وَلَا تَجِبُ عِبَادَةٌ يَخَافُ مِنْهَا الْمَرِيضُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمَخُوفُ هُوَ التَّلَفَ كَفَى فِيهِ الظَّنُّ كَمَا قُلْنَا فِي السَّبُعِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ خِيفَ الْمَرَضُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ تَضَرُّرُهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، إِمَّا بِقَوْلِ الطَّبِيبِ أَوْ نَحْوِهِ، فَأَمَّا مُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ أَوْ يُمْكِنُ تَلَافِيهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الْمَرَضُ لَا يَضُرُّهُ كَالصُّدَاعِ وَالْحُمَّى الَّتِي يُسْتَعْمَلُ لَهَا الْمَاءُ (الْبَارِدُ) أَوِ الْحَارُّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْبَارِدِ أَوِ الْحَارِّ كَانَ كَالصَّحِيحِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنِ الْحَرَكَةِ إِلَى الْمَاءِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يُنَاوِلُهُ فَهُوَ كَالْعَادِمِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُنَاوِلُهُ فِي الْوَقْتِ فَهُوَ وَاجِدُهُ، وَهُنَا بَدَلٌ عَنِ الْمَتْرُوكِ غَسْلُهُ " وَهِيَ " أَشْيَاءُ مُتَرَتِّبَةٌ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ مِنْ أَعْضَائِهِ مَعَ التَّيَمُّمِ " لِكُلِّ " صَلَاةٍ
لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ فِي غَسْلِ الْمَوْضِعِ الْجَرِيحِ فَكَذَلِكَ فِي بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ، هَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ، كَالْوَاجِدِ، وَكَذَلِكَ إِنْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَنَازِلِ فِي الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: يَنْتَظِرُ فِي الْمَنَازِلِ وَإِنْ خَرَجَ.
الْفَصْلُ السَّابِعُ:
إِذَا خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، لِمَا «رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ: (احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ قُلْتُ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَذَكَرُهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَلَمَ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ فَاسْتَفْتَى فَأُفْتِيَ أَنْ يَغْتَسِلَ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ؛ إِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» رَوَاهُ حَرْبٌ، وَلِأَنَّهُ إِذَا خَافَ الْمَرَضَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَهُوَ كَمَا لَوْ خَافَ زِيَادَتَهُ وَأَوْلَى، وَالْمَخُوفُ هُنَا إِمَّا التَّلَفُ وَإِمَّا الْمَرَضُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فَأَمَّا نَفْيُ التَّأَلُّمِ بِالْبَرْدِ فَلَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ ذَلِكَ يَسِيرٌ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ مِمَّا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَمَتَى أَمْكَنَهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ وَاشْتِرَاؤُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَوِ الدُّخُولُ إِلَى الْحَمَّامِ بِالْأُجْرَةِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى الْمَاءِ الْحَارِّ كَقُدْرَةِ الْمُسَافِرِ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ أَوْ يَبِيعُهُ أَوْ
يَكْرِيهِ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَلَهُ مَا يُوَفِّيهِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ زَمَنَ ذَلِكَ يَسِيرٌ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ تَطُولُ وَيُخَافُ تَلَفُ الْمَالِ وَبَقَاءُ الذِّمَّةِ مَشْغُولَةً، وَكَذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ عُضْوًا عُضْوًا وَكُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ، وَإِذَا صَلَّى " بِالتَّيَمُّمِ " لِخَشْيَةِ الْبَرْدِ فَلَا إِعَادَةَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ يُعِيدُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، وَعَنْهُ يُعِيدُ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْحَضَرَ مُظِنَّةُ دَفْعِ الْبَرْدِ بِالْأَكْنَانِ وَالْمِيَاهِ الْفَاتِرَةِ، فَالنُّدْرَةُ فِيهِ مُحَقَّقَةٌ، بِخِلَافِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ الْبَرْدُ خُصُوصًا فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَحَدِيثَا عَمْرٍو وَابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ عَلَى الْإِعَادَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعِدْ وَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعَادَةِ وَلَا لِأَحَدٍ صَلَّى خَلْفَهُ وَقَدْ أَقَرَّهُ عَلَى تَعْلِيلِهِ بِخَشْيَةِ الضَّرَرِ، وَهِيَ عِلَّةٌ تَجْمَعُ الْمُقِيمَ وَالْمُسَافِرَ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ الْعِبَادَةَ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعُذْرِ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ فِيمَا رَجَعَ إِلَى الْإِخْلَالِ بِصِفَاتِ الْعِبَادَةِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي الْحَيْضِ لِأَنَّ الْحَائِضَ تَرَكَتِ الصَّوْمَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ فَعَلُوا الْمَفْرُوضَ فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا وَجَبَ قَضَاؤُهُ لَزِمَهُمْ فِعْلُ الْعِبَادَةِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ يُقَاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ الْحَائِضَ يَجِبُ عَلَيْهَا صَوْمٌ وَاحِدٌ فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ، وَهَؤُلَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ مَعَ الْفَرِيضَةِ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي، فَهُمْ بِقَضَاءِ الْحَائِضِ لِلصَّلَاةِ أَشْبَهُ، وَمَتَى أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ فَالثَّانِيَةُ فِي فَرْضِهِ، وَالْأُولَى نَافِلَةٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، كَالْمُعَادَةِ مَعَ إِمَامِ الْحَيِّ، فَإِنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ هُنَاكَ بِالْأُولَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ حُكْمُ الْأَوْلَى نَافِلَةً عِنْدَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا فَرْضًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ لِاشْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى نَوْعٍ مِنَ النَّقْصِ يَنْجَبِرُ بِالْأُخْرَى.
[مَسْأَلَةٌ إذا أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الماء لبَعْضِ بَدَنِهِ والَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي]
مَسْأَلَةٌ
" فَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَعْضِ بَدَنِهِ أَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ لِبَعْضِ طَهَارَتِهِ اسْتَعْمَلَهُ وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي "
هُنَا مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: إِذَا أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالَهُ فِي بَعْضِ بَدَنِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ صَحِيحًا وَبَعْضُهُ جَرِيحًا، أَوْ يُمْكِنُ الَّذِي يَخَافُ الْبَرْدَ كَأَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَغْسِلَ مَغَابِنَهُ وَشِبْهَ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، لِحَدِيثِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ: يَعْصِبَ - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» ".
وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو " أَنَّهُ غَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ " وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» " وَهَذَا يَسْتَطِيعُ التَّطَهُّرَ بِالْمَاءِ فِي بَعْضِ بَدَنِهِ فَيَلْزَمُهُ، وَيَكُونُ التَّيَمُّمُ عَمَّا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، وَمَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ مَنْ غَسَلَ أَكْثَرَ أَعْضَائِهِ ثُمَّ انْقَلَبَ مَاءُ طَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهُ، هَذَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ غَسْلُ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ وَلَا مَسْحُهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ مَسْحُهُ دُونَ غَسْلِهِ، فَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَلْزَمُهُ، وَالتَّيَمُّمُ بَدَلًا عَنْ تَمَامِ الْغُسْلِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ الْمَسْحُ فَقَطْ لِأَنَّهُ أَقْرَبَ إِلَى مَعْنَى الْغُسْلِ.
وَلِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ حَائِلٌ أَجْزَأَهُ مَسْحُهُ فَمَسْحُ الْبَشَرَةِ أَوْلَى، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ فَقَطْ لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ
الْغَسْلُ وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ فَيَنْتَقِلُ إِلَى بَدَلِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ نَجِسًا أَوْ عَلَيْهِ لُصُوقٌ أَوْ عِصَابَةٌ أَوْ جَبِيرَةٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا.
الثَّانِيَةُ: إِذَا وَجَدَ مَا لَا يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ طَهَارَتِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ وَيَتَيَمَّمُ لِمَا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ يَسْتَعْمِلُ الْجُنُبُ مَا وَجَدَ دُونَ الْمُحْدِثِ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ عَمَّا غَسَلَهُ، وَإِذَا وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَاءً غَسَلَ بَقِيَّةَ بَدَنِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ لَا تَجِبُ فِي الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ، فَإِنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَسْتَفِيدُ بِغُسْلِ الْبَعْضِ فَائِدَةً، وَلِهَذَا شُرِعَ فِي الْجِمَاعِ غَسْلُ بَعْضِ بَدَنِ الْجُنُبِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ، وَلَمْ يُشْرَعْ غَسْلُ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْمُحْدِثِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فَالْعَجْزُ عَنْ بَعْضِهِ لَا يُسْقِطُ الْمُمْكِنَ مِنْهُ كَالسُّتْرَةِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَنَقَضُوا التَّعْلِيلَ بِالْمُوَالَاةِ بِمَا إِذَا كَانَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ جَرِيحًا وَكَمَنَ بَخَسَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ قَدْ يُمْكِنُ الْمُوَالَاةُ إِذَا وَجَدَ مَاءً قَبْلَ جَفَافِ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ عَجَزَ عَنِ الْمُوَالَاةِ، إِذَا أَسْقَطَهَا لَمْ تُسْقِطْ مَا هِيَ شَرْطٌ لَهُ وَهُوَ الْغُسْلُ كَشَرَائِطِ غَيْرِهَا.
فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ الَّذِي وَجَدَهُ الْجُنُبُ يَكْفِي أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ غَسَلَهَا بِهِ نَاوِيًا عَنِ الْحَدَثَيْنِ فَتَحْصُلُ لَهُ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى وَبَعْضُ الْكُبْرَى، كَمَا فَعَلَ عَمْرٌو وَكَمَا أُمِرَ بِهِ النَّائِمُ وَالْآكِلُ، وَإِذَا وَجَدَ مَا لَا يَكْفِيهِ لَمْ يَتَيَمَّمْ حَتَّى يَسْتَعْمِلَ الْمَاءَ لِيَتَحَقَّقَ الْعَدَمُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ التَّيَمُّمِ وَيَتَمَيَّزُ الْمَغْسُولُ عَنْ غَيْرِهِ لِيَعْلَمَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ جَرِيحًا أَوْ مَرِيضًا فَلَهُ أَنْ يَبْدَأَ إِنْ شَاءَ بِالْغُسْلِ وَإِنْ شَاءَ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْجُنُبِ لَا يَجِبُ فِي طَهَارَتِهِ بِالْمَاءِ فَأَنْ لَا يَجِبَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ أَوْلَى، وَلَهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغَسْلَةِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ كَمَا فِي أَصْلِ الْغَسْلَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَمَا يَفْعَلُهُ مِنَ الْوُضُوءِ، كَمَا يَجِبُ فِي نَفْسِ الْوُضُوءِ، فَإِذَا كَانَ الْجُرْحُ فِي وَجْهِهِ بَدَأَ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ غَسَلَ بَقِيَّةَ الْوَجْهِ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَسَلَ الْمُمْكِنَ مِنَ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ ثُمَّ غَسَلَ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ، وَإِنْ كَانَتِ الْجُرُوحُ فِي الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا تَيَمَّمَ لِكُلِّ عُضْوٍ حِينَ يَشْرَعُ فِي غَسْلِهِ، فَإِنْ تَيَمَّمَ لَهَا تَيَمُّمًا وَاحِدًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَيَمَّمَ عَنْ جُمْلَةِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ هُنَاكَ بَدَلٌ عَنْ جُمْلَةِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ طَهَارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُنَا هُوَ بَدَلٌ عَنِ الْمَتْرُوكِ غَسْلُهُ، وَهُوَ أَشْيَاءُ مُرَتَّبَةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ مِنْ أَعْضَائِهِ مَعَ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ فِي غَسْلِ الْمَوْضِعِ الْجَرِيحِ، فَكَذَلِكَ فِي بَدَلِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ، هَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُبْ فِي ذَلِكَ تَرْتِيبٌ وَمُوَالَاةٌ كَتَيَمُّمِ الْجُنُبِ؛ لِأَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ مُفْرَدَتَانِ فَلَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اتَّحَدَ بَيْنَهُمَا كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَوْ كَانَ فِي مَحَلِّ الْجُرْحِ لَكَانَ حَرِيًّا أَنْ لَا يَجِبَ تَرْتِيبُهُ عَلَى " الْوُضُوءِ " لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ، فَأَنْ لَا يَجِبَ تَرْتِيبُهُ مَعَ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْجُرْحِ " أَوْلَى ". وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ إِنَّمَا وَجَبَ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِغَسْلِهِ وَمَسْحِهِ لِيَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، وَهَذَا الْجُرْحُ لَيْسَ مَأْمُورًا بِغَسْلِهِ وَلَا مَسْحِهِ فَلَا تَرْتِيبَ لَهُ، وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ لَهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّرْتِيبُ لِبَدَلِهِ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي غَيْرِ " مَحَلِّ " الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهُوَ أَخَذَ مِنْهُ قَدْرًا وَمَوْضِعًا وَصِفَةً وَمِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، ثُمَّ فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ مَا يَنْفِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وَمَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنَ الصَّحِيحِ إِلَّا بِانْتِشَارِ الْمَاءِ إِلَى الْجُرْحِ، فَلَهُ حُكْمُ الْجَرِيحِ كَمَا قُلْنَا فِي الْجَبِيرَةِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ ضَبْطُهُ بِحَيْثُ لَا يَنْتَشِرُ الْمَاءُ إِلَيْهِ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهُ وَقَدَرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَضْبِطُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا سَقَطَ غُسْلُهُ وَأَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ.
فَصْلٌ:
فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، أَزَالَ بِهِ النَّجَاسَةَ وَتَيَمَّمَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عِنْدَ الْحَدَثِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
حَتَّى لَوْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى ثَوْبِهِ الَّذِي لَا يَجِدُ غَيْرَهُ، أَزَالَهَا بِالْمَاءِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى يَتَوَضَّأُ وَيَدَعُ الثَّوْبَ، وَإِنْ لَمْ يَتَيَمَّمْ لَهُ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الثَّوْبِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَالْوُضُوءَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ غَسَلَ الثَّوْبَ وَتَيَمَّمَ لِلْبَدَنِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَغْسِلَ الْبَدَنَ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: (الْوَقْتُ، فَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَلَا لِنَافِلَةٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عَنْهَا) هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْقَائِمَ إِلَى الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَيَمَّمَ إِلَّا بَعْدَ " الْقِيَامِ " إِلَى الصَّلَاةِ وَإِعْوَازِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ
يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، أَوْ لِأَنَّ الْآيَةَ خِطَابٌ لِلْمُحْدِثِينَ، وَالْمُتَيَمِّمُ دَاخِلٌ فِيهِمْ بِخِلَافِ الْمُتَوَضِّئِ، وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُقَيَّدٌ بِالضَّرُورَةِ فَتَقَيَّدَ بِقَدْرِهَا، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَلِأَنَّهُ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فَلَمْ يَجُزْ كَتَيَمُّمِ الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ» " وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: " «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ» " رَوَاهُمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مُخَرَّجَةٍ أَنَّهُ يُجْزِئُ كَالْمَاءِ، وَهَذَا فِي التَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ، فَأَمَّا التَّيَمُّمُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُبِيحُهُ الطَّهَارَةُ كَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَائِضِ الْمُنْقَطِعِ دَمُهَا لِلْوَطْءِ، فَيَجُوزُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ تُبِيحُهَا الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ فَأُبِيحَتْ بِالتُّرَابِ كَالصَّلَاةِ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» " فَإِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَمْ يَغْلِبْ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ إِلَّا إِذَا تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ عَلَى رِوَايَةٍ تَقَدَّمَتْ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَا فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: " أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ " وَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: " لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» " وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أُمِرَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ إِعَادَةٌ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَكِنْ إِنْ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ، وَفِي الْآخَرِ لَا تُسْتَحَبُّ كَالْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلِلْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَأَمَّا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ فَلَا تُشْرَعُ الْإِعَادَةُ، وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَأَنْ لَا يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَخَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا أَجْنَبَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ تَلَوَّمَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ» " رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
وَلِأَنَّ التَّأْخِيرَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، فَإِذَا كَانَ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةٍ مَرْجُوَّةٍ كَانَ أَفْضَلَ، كَمَا لَوْ أَخَّرَهُ لَطَلَبِ جَمَاعَةٍ أَوْ تَخَفُّفٍ مِنَ الْأَخْبَثَيْنِ وَأَوْلَى، وَهَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا، لِمَنْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ
فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يَكُونُ طَمَعُهُ وَيَأْسُهُ مُتَقَارِبَيْنِ، فَأَمَّا إِنْ يَئِسَ مِنْ وُجُودِهِ فِي غَالِبِ الظَّنِّ فَلَا يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ التَّأْخِيرَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ مُمْكِنٌ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ مُطْلَقٌ فِي اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ، وَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْمَكْتُوبَةِ صَلَّى صَلَاةَ الْوَقْتِ وَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَصَلَّى الْفَوَائِتَ وَالنَّوَافِلَ وَالْجِنَازَةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي الْأُخْرَى يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ نَافِلَةٍ أَيْضًا، وَلِكُلِّ حَالٍ يَسْتَبِيحُ الطَّوَافَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْحَائِضِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَالثَّالِثَةُ يُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ كَالْمَاءِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلَيْنِ مَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى» ".
وَالصَّاحِبُ إِذَا أَطْلَقَ السُّنَّةَ فَإِنَّمَا يَعْنِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ " وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " التَّيَمُّمُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ " وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: " يُجَدِّدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَيَمُّمًا " وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، إِلَّا رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ " عَبَّاسٍ " وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ خِلَافُهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ
كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ لِأَنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ» سَمَّاهُ جُنُبًا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَدْ تَيَمَّمَ لِلْبَرْدِ.
وَلِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ اسْتَعْمَلَهُ بِحُكْمِ الْحَدَثِ السَّابِقِ، فَلَوْ كَانَ الْحَدَثُ قَدِ ارْتَفَعَ لَمَا عَادَ إِلَّا بِوُجُودِ سَبَبِهِ، فَمَنْ قَالَ: يَتَيَمَّمُ لِفِعْلِ كُلِّ صَلَاةٍ، تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآثَارِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ يَتَيَمَّمُ كُلَّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَعْهُودَةِ، هِيَ الْمَكْتُوبَاتُ فِي أَوْقَاتِهَا لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى " وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِفِعْلِ كُلِّ نَافِلَةٍ وَوَاجِبٍ فَمَا قَالَ: يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى، بَلْ قَالَ: يَتَيَمَّمُ لِلرَّوَاتِبِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَقَوْلُ عَلِيٍّ: عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، تَنْبِيهٌ عَلَى الْوَقْتِ، وَلِأَنَّ النَّوَافِلَ تُفْعَلُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَبِتَيَمُّمِ الْفَرِيضَةِ، فَكَذَلِكَ الْفَرَائِضُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ إِنَّمَا تَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مَعَ دَوَامِ الْحَدَثِ وَتَجَدُّدِهِ فَطَهَارَةُ الْمُتَيَمِّمِ أَوْلَى، وَإِذَا نَوَى الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ صَارَ وَقْتُهَا وَقْتًا وَاحِدًا حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَهُمَا أَوِ الْفَائِتَةِ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَإِذَا اسْتَبَاحَ مَا تَمْنَعُ مِنْهُ الْجَنَابَةُ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ حَدَثُ الْحَيْضِ كَالْوَطْءِ، بِتَيَمُّمٍ لَهُ، أَوْ لِصَلَاةٍ، بَطَلَ أَيْضًا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَفِي الْآخَرِ لَا تَبْطُلُ كَمَا لَا تَبْطُلُ إِلَّا بِنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ إِذَا اسْتَبَاحَ ذَلِكَ بِتَيَمُّمِ الصَّلَاةِ دُونَ مَا اسْتَبَاحَهُ بِتَيَمُّمِهِ.
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ بَيْنَ طَوَافَيْنِ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَطَوَافٍ مَنْذُورٍ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ صَلَاتَيْ جِنَازَةٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، كَالْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي الْوَقْتِ وَأَوْلَى، وَتَبْطُلُ كَذَلِكَ بِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ كَالتَّيَمُّمِ لِلْفَرِيضَةِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ لِلنَّافِلَةِ مُقَدَّرٌ بِوَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَطَلَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ بِتَيَمُّمِ الْفَرِيضَةِ، فَمَا سِوَاهُ
أَوْلَى، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ بِتَيَمُّمٍ ثُمَّ جِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى حِينَ سَلَّمَ مِنَ الْأُولَى صَلَّى عَلَيْهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ يُمْكِنُهُ فِيهِ التَّيَمُّمُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْأُخْرَى حَتَّى يُعِيدَ التَّيَمُّمَ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْجِنَازَةِ وَنَحْوِهِا لَا يَتَقَدَّرُ بِوَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْمَكْتُوبَةَ، فَالْفِعْلُ الْمُتَوَاصِلُ فِي هَذِهِ الْعِبَادَاتِ، كَتَوَاصُلِ الْوَقْتِ بِالْوَقْتِ لِلْمَكْتُوبَةِ، فَإِذَا وَجَبَتِ الثَّانِيَةُ بَعْدَ زَمَنٍ يَتَّسِعُ لِلتَّيَمُّمِ صَارَتْ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا وَانْفَصَلَ وَقْتُهَا عَنْ وَقْتِ الْأُولَى كَصَلَاتَيِ الْوَقْتَيْنِ، وَعَلَى قِيَاسِ الْمَنْصُوصِ كُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِمَا، وَحَمَلَ الْقَاضِي هَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَظَاهِرُ الْمَنْصُوصِ خِلَافُهُ؛ فَعَلَى هَذَا النَّوَافِلُ الْمُؤَقَّتَةُ " كَالْوِتْرِ " وَالْكُسُوفِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَصَلَاةِ اللَّيْلِ تَبْطُلُ بِخُرُوجِ وَقْتِ تِلْكَ النَّافِلَةِ، وَأَمَّا النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَالْجِنَازَةِ وَنَحْوِهِا يُقَدَّرُ فِيهِ تُوَاصِلُ الْفِعْلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْتَدَّ وَقْتُهَا إِلَى وَقْتِ النَّهْيِ عَنِ النَّافِلَةِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِلْمَكْتُوبَةِ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِوَقْتِهَا فَيُصَلِّي فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ جَنَائِزَ وَنَوَافِلَ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبِيلُ التَّبَعِ لِلْمَكْتُوبَةِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: (النِّيَّةُ: فَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ لَمْ يُصَلِّ بِهِ فَرِيضَةً، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيضَةٍ فَلَهُ فِعْلُهَا وَفِعْلُ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا) أَمَّا النِّيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَأَوْكَدُ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُطَهِّرًا بِالنِّيَّةِ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ بِالتُّرَابِ إِذَا خَلَا عَنْ نِيَّةٍ كَانَ عَبَثًا وَتَغْبِيرًا مَحْضًا، وَقَدْ قِيلَ: لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الْقَصْدِ بِقَوْلِهِ " ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] " وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ لِلتُّرَابِ لَا لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ.
وَصِيغَةُ النِّيَّةِ هُنَا أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَمْنَعُهَا الْحَدَثُ كَالصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، فَأَمَّا إِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَصِحَّ، وَخَرَّجَ الْأَصْحَابُ رِوَايَةً: أَنَّهُ يَصِحُّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ كَالْوُضُوءِ فِي صِحَّةِ بَقَائِهِ إِلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَعَلَى هَذَا فَصِفَةُ نِيَّتِهِ كَصِفَةِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ، أَنْ يَتَيَمَّمَ لِمَا يَجِبُ لَهُ التَّيَمُّمُ
كَالصَّلَاةِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، ارْتَفَعَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَإِنْ نَوَاهُ لِمَا تُسْتَحَبُّ لَهُ النِّيَّةُ فَفِيهِ وَجْهَانِ، كَالْوُضُوءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ رَافِعًا لِلْحَدَثِ، بَلْ يَرْفَعُ مَنْعَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ رَفْعِ الْحَدَثِ إِزَالَةُ مَنْعِهِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا، فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ عَادَ الْمَنْعُ، وَالْتَزَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ رَفْعًا مُؤَقَّتًا إِلَى حِينِ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ عَادَ بِمُوجِبِ السَّبَبِ السَّابِقِ، كَمَا يَقُولُ: إِنَّ تَخَمُّرَ الْعَصِيرِ يُخْرِجُهُ مِنْ عَقْدِ الرَّهْنِ، فَإِذَا تَخَلَّلَ عَادَ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ السَّابِقِ، وَكَمَا قُلْنَا فِي طَهَارَةِ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ عَلَى أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ نَوَى بِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا صَلَّى بِهِ الْمَكْتُوبَةَ وَإِنْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ فَلَا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا مَا نَوَاهُ وَمَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» " وَلِأَنَّ الْحَدَثَ قَائِمٌ لَمْ يَرْتَفِعْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمُ مَا نَوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ الْأَدْنَى إِبَاحَةُ الْأَعْلَى، فَعَلَى هَذَا إِذَا تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ حَاضِرَةٍ مَفْرُوضَةٍ أَوْ فَائِتَةٍ أَوْ مُطْلَقَةٍ فَعَلَ جَمِيعَ مَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الْمَمْنُوعَاتِ بِالْحَدَثِ الْمُبَاحَةِ بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً بِالشَّرْعِ أَوِ النَّذْرِ، وَعَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا لَا يَسْتَبِيحُ فِعْلَ الْفَرْضِ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَإِذَا نَوَى نَافِلَةَ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ أَوِ الْمُعَيَّنَةٍ فَلَهُ فِعْلُ جَمِيعِ النَّوَافِلِ، وَالطَّوَافُ فَرْضُهُ وَنَفْلُهُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لِلنَّافِلَةِ أَوْكَدُ لَهَا مِنْهُمَا؛ لِاشْتِرَاطِهَا لِلصَّلَاةِ إِجْمَاعًا، وَلَا يُبَاحُ فَرْضُ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْجِنَازَةِ الْوَاجِبَةِ أُبِيحَتِ الصَّلَاةُ النَّافِلَةُ لِأَنَّهَا دُونَهَا، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، إِلَّا أَنَّ أَحْمَدَ جَعَلَ الطَّهَارَةَ لِنَفْلِ الصَّلَاةِ أَوْكَدَ مِنْهُ لِلْجِنَازَةِ، وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلطَّوَافِ أُبِيحَ لَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَسُّ الْمُصْحَفِ أَوْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَسْتَبِحْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَسْتَبِيحُ بِنِيَّةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةِ وَاللُّبْثِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَاللُّبْثِ
بِنِيَّةِ الْآخَرِ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مَا اشْتُرِطَ لَهُ الطَّهَارَةُ أَعْلَى مِمَّا اشْتُرِطَ لَهُ الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى، وَقَالَ الْقَاضِي يَسْتَبِيحُ بِنِيَّةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ جَمِيعَ النَّوَافِلِ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ نَافِلَةٌ فَهِيَ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لِصَلَاةٍ ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لِنَافِلَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا.
وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَهَا إِلَّا السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ لِئَلَّا يَصِيرَ النَّفْلُ مَتْبُوعًا بِخِلَافِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فَإِنَّ نِيَّةَ الْفَرِيضَةِ تَتَضَمَّنُهَا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: (التُّرَابُ، فَلَا يَتَيَمَّمُ إِلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ لَهُ غُبَارٌ) هَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ إِلَّا بِالتُّرَابِ خَاصَّةً، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالرَّمْلِ، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى رَمْلٍ فِيهِ تُرَابٌ وَأَقَرَّهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى ظَاهِرِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: إِنَّا نَكُونُ بِالرِّمَالِ الْأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ وَيَكُونُ فِينَا الْجُنُبُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ وَلَسْنَا نَجِدُ الْمَاءَ فَقَالَ: " عَلَيْكُمْ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ لِوَجْهِهِ ضَرْبَةً وَضَرَبَ الْأُخْرَى فَمَسَحَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " هُوَ تُرَابُ الْحَرْثِ " وَلَفْظُهُ فِيمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ " «أَطْيَبُ الصَّعِيدِ أَرْضُ الْحَرْثِ» "، وَمَعْنَى أَرْضِ الْحَرْثِ الْأَرْضُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الشَّجَرُ وَالزَّرْعُ.
قَالَ أَحْمَدُ: " السِّبَاخُ لَا تُنْبِتُ وَالْحَجَرُ لَا يُنْبِتُ وَالْحَرْثُ يُنْبِتُ "، وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا
كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَلَمَّا خَصَّ التُّرْبَةَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ تَعْمِيمِ الْأَرْضِ بِكَوْنِهَا مَسْجِدًا عُلِمَ اخْتِصَاصُهَا بِالْحُكْمِ، وَحَدِيثُ الرَّمْلِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ، ثُمَّ إِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرِّمَالِ الَّتِي فِيهَا تُرَابٌ، " لِأَنَّهُ جَاءَ " بِلَفْظٍ آخَرَ " عَلَيْكُمْ بِالتُّرَابِ " فَيَدُلُّ عَلَى الَّذِي فِي الرَّمْلِ إِنَّمَا تَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ لِأَنَّ الْعَرَبَ عَادَتُهَا أَنْ تَعْزُبَ إِلَى الْأَرْضِ لَهَا حَشَائِشُ رَطْبَةٌ، وَإِنَّمَا الْحَشَائِشُ الرَّطْبَةُ فِي الرَّمْلِ الَّذِي يُخَالِطُهُ التُّرَابُ، وَلِأَنَّ الرَّمْلَ لَا يَلْصَقُ بِالْيَدِ فَأَشْبَهَ الْحَصَاءَ، وَلِأَنَّ طَهَارَةَ الْوُضُوءِ خُصَّتْ بِالنَّوْعِ الَّذِي " هُوَ " أَصْلُ الْمَائِعَاتِ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ يُخَصُّ بِالنَّوْعِ " الَّذِي " هُوَ أَصْلُ الْجَامِدَاتِ وَهُوَ التُّرَابُ، فَأَمَّا الْأَرْضُ السَّبِخَةُ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: " أَرْضُ الْحَرْثِ أَحَبُّ إِلَيَّ وَإِنْ تَيَمَّمَ مِنْ أَرْضٍ سَبِخَةٍ أَجْزَأَ "، وَقَالَ أَيْضًا: " مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَوَقَّى السَّبَخَةَ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْمِلْحَ "، وَقَالَ أَيْضًا: " لَا يُعْجِبُنِي التَّيَمُّمَ بِالسِّبَاخِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي يَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا " فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَهَا كَالرَّمْلِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا إِذَا كَانَ لَهَا غُبَارٌ فَهِيَ كَالتُّرَابِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا غُبَارٌ فَهِيَ كَالرَّمْلِ، وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ كَلَامُ أَحْمَدَ، فَإِنْ عَدِمَ التُّرَابَ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ بِالرَّمْلِ وَالسَّبَخَةِ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَالرَّمَادِ،
وَكُلِّ طَاهِرٍ تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ» ".
وَيُحْمَلُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ عَلَى حَالِ وُجُودِ التُّرَابِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَزَالُ عِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ وَقَدْ يَعْدَمُ التُّرَابَ فِي أَرْضِ الرِّمَالِ وَالسِّبَاخِ وَغَيْرِهَا، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوِ التُّرَابَ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا لَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَأَوْلَى، وَفِي الْأُخْرَى: يُعِيدُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ إِذَا وَجَدَ التُّرَابَ كَحُكْمِ التَّمَسُّحِ بِالتُّرَابِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَتَيَمَّمُ إِلَّا بِالتُّرَابِ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِطَهُورٍ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ لَا يَكُونُ طَهُورًا مَعَ عَدَمِهِ، كَالْحَشِيشِ وَالْمِلْحِ الْمَائِيِّ، فَإِنْ خَالَطَ التُّرَابَ مَا لَيْسَ بِطَهُورٍ كَالْكُحْلِ وَالنَّوْرَةِ وَالزِّرْنِيخِ فَخَرَّجَهَا الْقَاضِي عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَاءِ إِذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ، إِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ لَمْ تُؤَثِّرْ، وَإِنْ غَيَّرَ اسْمَهُ وَغَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ مُنِعَ، وَإِنْ غَيَّرَ بَعْضَ صِفَاتِهِ فَعَلَى رِوَايَتَيِ الْمَاءِ.
وَالثَّانِي، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: يُمْنَعُ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ فِي الْعُضْوِ فَمَنَعَ وُصُولَ التُّرَابِ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ " كَا .... " وَنُخَالَةِ الذَّهَبِ فَلَا يُؤَثِّرُ مَا لَمْ يَمْنَعْ وُصُولَ غُبَارِ التُّرَابِ إِلَى جَمِيعِ الْيَدِ، وَإِذَا خَالَطَ الرَّمْلُ التُّرَابَ، وَقُلْنَا: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، فَهَلْ يُمْنَعُ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا لِأَنَّ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] وَالطِّيِّبُ هُوَ الطَّاهِرُ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّ نَزْعَ الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ فَيُبْطِلُ التَّيَمُّمَ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْخُفَّ تَتَعَدَّى إِلَيْهِ طَهَارَةُ التَّيَمُّمِ حُكْمًا كَمَا تَتَعَدَّى إِلَى سَائِرِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعُضْوَيْنِ قَائِمٌ مَقَامَ تَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ خُفَّانِ فَكَأَنَّهُ فِي الْحُكْمِ مَسَحَ عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ الْحَدَثَ قَائِمٌ بِالرِّجْلَيْنِ وَإِنَّمَا اسْتَبَاحَ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ سَتْرِهِمَا، إِذَا ظَهَرَتَا ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَيَمُّمٍ حَتَّى لَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ اللُّبْسِ ثُمَّ خَلَعَ لَمْ يَنْتَقِضْ تَيَمُّمُهُ.
وَيَزِيدُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْمَاءِ بِشَيْئَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُبْطِلُهَا فِي الْمَشْهُورِ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ إِلَّا بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُخَاطَبُ بِتَجْدِيدِ التَّيَمُّمِ، فَعَلَى هَذَا يُصَلِّي الضُّحَى بِتَيَمُّمِ الْفَجْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الرِّوَايَتَانِ الْأُخْرَيَانِ.
الثَّانِي: الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إِمَّا أَنْ يَجِدَهُ إِنْ كَانَ عَادِمًا أَوْ يَقْدِرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إِنْ كَانَ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسُّهُ بَشَرَتَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» "، وَقَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ إِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ بَطَلَ التَّيَمُّمُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ إِنْ رَأَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ أَوْ ظَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ وَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ بَطَلَ أَيْضًا فَلَا يُصَلِّي بِهِ صَلَاةً أُخْرَى، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ: يَمْضِي فِيهَا وَلَا يُبْطِلُهَا، فَحَمَلَ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ الْمَسْأَلَةَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَأَثْبَتَ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَالَهُ بِاجْتِهَادٍ فَلَا يَنْتَقِضُ بِاجْتِهَادٍ ثَانٍ بِخِلَافِ نَسْخِ الشَّارِعِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ رِوَايَةٍ عُلِمَ الرُّجُوعُ عَنْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ حَالٌ لَا يَجِبُ فِيهَا اسْتِعْمَالُهُ كَمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ صَحَّ بِالْبَدَلِ فَلَا يَبْطُلُ بِوُجُودِ الْمُبْدَلِ عَنْهُ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ بِشُهُودِ الْفَرْعِ لَا يَبْطُلُ بِوُجُودِ شُهُودِ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ مِنْهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ، فَلَمْ يَجِبِ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْأَصْلَ الْهَدْيَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ، أَوِ الرَّقَبَةَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْوُضُوءِ إِلَّا بِإِبْطَالِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا بِاسْتِيقَانِ الْحَدَثِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا لِنَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ؛ قَوْلًا وَاحِدًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا مَا يَكْفِيهِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ بَطَلَ بِطَلَبِ الْمَاءِ، وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ، وَإِنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، قَالَهُ الْقَاضِي، فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا: لَا يَتَيَمَّمُ فِي الْحَضَرِ أَوْ يُعِيدُ، بَطَلَتْ هُنَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَكَ» " وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ " «وَجُعِلَتْ لَنَا تُرْبَتُهَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» ".