بِالْمَطَاعِمِ الَّتِي يَطْعَمُهَا؛ وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَبَائِثَ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ حَرَّمُ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ؛ لِمَا فِي طِبَاعِهَا مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ، فَيُورِثُ بِطِبَاعِ آكِلِهَا مَا فِي طِبَاعِهَا، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ وَمَا يُقَارِبُهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِيمَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا دَعْوَى كَوْنِ الْوُضُوءِ هُوَ غَسْلُ الْيَدِ وَالْفَمِ فَفَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: الْوُضُوءُ الْمُطْلَقُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ هُوَ وُضُوءُ الصَّلَاةِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي سِيَاقِ الصَّلَاةِ مُبَيِّنًا حُكْمَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، وَالْوُضُوءُ الْمَقْرُونُ بِالصَّلَاةِ هُوَ وُضُوءُهَا لَا غَيْرُ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَفَهِمَ مِنْهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، وَأَوْجَبَهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا سَمِعَ.
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَعَ غَيْرِهَا كَمَا يُقَالُ فِي مَسِّ الذَّكَرِ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ نَاهِيًا عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ، أَوْ مُخَيِّرًا بَيْنَ الْوُضُوءِ وَتَرْكِهِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِ الْفَمِ وَالْيَدِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ (وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ) فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ".
فَكَيْفَ يَأْذَنُ فِي تَرْكِ غَسْلِ الْيَدِ وَالْفَمِ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ وَهُوَ يُلْزِمُ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا: مَا كَانَ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ لَهُ رَائِحَةٌ أَوْ زُهُومَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدِ وَالْفَمِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَالْخُبْزِ وَالثَّمَرِ، فَإِنْ شَاءَ غَسَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَوْنُ الْإِبِلِ مُخْتَصَّةً بِزِيَادَةِ زُهُومَةٍ وَدُسُومَةٍ لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَهَا بِالْأَمْرِ، " «فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا» ". وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ دَسَمَهَا دُونَ دَسَمِ لَحْمِ الْغَنَمِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ غَسْلَ الْيَدِ وَالْفَمِ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَبِعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ، وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحُكْمَ فِي جَوَابِ السَّائِلِ، وَالْحُكْمُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا الْإِيجَابُ، كَالْوُضُوءِ مِنَ الصَّوْتِ وَالرِّيحِ وَمَسِّ الذَّكَرِ؛ وَلِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ، وَالنَّهْيُ فِي لَحْمِ الْغَنَمِ إِنَّمَا أَفَادَ نَفْيَ الْإِيجَابِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي لَحْمِ الْإِبِلِ مُفِيدًا لِلْإِيجَابِ؛ لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ، وَلِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِذَلِكَ صِفَةً فِي الْإِبِلِ تَقْتَضِي الْوُضُوءَ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْوُضُوءِ أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً؛ وَلِأَنَّ اسْتِحْبَابَ الْوُضُوءِ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ دُونَ الْغَنَمِ إِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ خَارِجٍ عَنْ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَلَإِنْ قَالَهُ قَائِلٌ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَهَذِهِ عِلَّةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ لَيْسَتْ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِنَفْسِ الْحُكْمِ، وَالشَّارِعُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِالْحُكْمِ لِمَعْنَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى أَنْ يُوجِبَ الْوُضُوءَ أَوْ لَا يُوجِبَهُ، أَوْ لَا يَقْتَضِيَهُ، ثُمَّ لَمْ يُسَلِّمِ اخْتِصَاصُ الْإِبِلِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَنْعَامِ بِوَصْفٍ يُسْتَحَبُّ مَعَهُ الْوُضُوءُ بِطَلَبِ جَمِيعِ أَدِلَّتِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ دَلِيلٌ يُوجِبُ صَرْفَ الْأَمْرِ عَنِ الْوُجُوبِ، وَيُقَالُ: إِنْ جَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ جَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِوُجُوبِهِ، وَهُوَ الْمَعْقُولُ مِنَ الْكَلَامِ، فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ، ثُمَّ الْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ أَنَّهَا احْتِمَالَاتٌ مَرْجُوحَةٌ وَتَأْوِيلَاتٌ بَعِيدَةٌ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ دَلِيلٍ قَوِيٍّ أَقْوَى مِنْ تِلْكَ الدَّلَالَةِ يُوجِبُ الصَّرْفَ عَنِ الظَّاهِرِ وَالْمَصِيرِ إِلَى الْبَاطِنِ، وَلَيْسَ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلُحُومِ الْإِبِلِ دَلِيلٌ يُقَارِبُ تِلْكَ الدَّلَالَةَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِصْحَابُ حَالٍ وَقِيَاسٌ طَرْدِيٌّ يَحْسُنُ اتِّبَاعُهَا عِنْدَ عَدَمِ
الدَّلَالَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَقَدْ تَعَجَّبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِمَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّرِيحَ الصَّحِيحَ، وَيُنْقَضُ الْوُضُوءُ بِالْقَهْقَهَةِ، مَعَ أَنَّهَا أَبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الْعُقُولِ وَالْأُصُولِ، وَحَدِيثُهَا مِنْ أَوْهَى الْمَرَاسِيلِ، وَيَتْرُكُ الْعَمَلَ بِهَذَا أَوْ يَعْمَلُ بِحَدِيثِ مَسِّ الذَّكَرِ مَعَ تَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ النَّقْضِ لَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الصِّحَّةِ وَالظَّنِّ، فَمَنْ يُخَالِفُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِعُوهُ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ، فَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ.
وَكَذَلِكَ فِي انْتِقَاضِ وُضُوءِ الْجَاهِلِ بِهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْجَاهِلِ، وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بَعْدَ أَكْلِهِ بِوُضُوئِهِ الْمُتَقَدِّمِ، قَالَ الْخَلَّالُ: " وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا "؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ فِي شَيْءٍ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، فَعُذِرَ الْجَاهِلُ بِهِ كَمَا يُعْذَرُ فِي الْجَهْلِ بِالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ الْحَدِيثُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَالنَّاشِئُ بِبَادِيَةٍ.
بِخِلَافِ الْوُضُوءِ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ مَنْ لَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ مِنَ الْعَامَّةِ وَنَحْوِهِمْ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ، فَعَنْهُ يُعِيدُ، وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ إِذَا تَرَكَهُ عَلَى التَّأْوِيلِ وَطَالَتِ الْمُدَّةُ، وَعَنْهُ إِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ وَفَحُشَتْ مِثْلَ عَشْرِ سِنِينَ، لَمْ يُعِدْ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ قَصِيرَةً، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَإِنَّ عِلْمَ هَذَا قَدِ انْتَشَرَ، يَعُمُّ طَرْدُ هَذَا أَنَّ مَنْ كَانَ لَا يَرَى النَّقْضَ بِخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ أَوْ بِمَسِّ الذَّكَرِ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ مَا كَانَ صَلَّاهُ، وَقِيلَ عَنْهُ: لَا يُعِيدُ إِذَا تَرَكَهُ مُتَأَوِّلًا بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ مَنْكَانَ صَلَّى بِتَقْلِيدِ عَالِمٍ وَشِبْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَعْذُورُونَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِيمَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَوْ شَرَائِطِهَا الْمُخْتَلِفِ فِيهَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، حَيْثُ يُعْذَرُ بِهِ اجْتِهَادٌ أَوْ تَقْلِيدٌ وَنَحْوُهُ ثُمَّ عَلِمَ، فَأَمَّا مَنْ يُحْكَمُ بِخَطَئِهِ مِنَ الْمُخَالِفِينَ مِثْلَ مَنْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَكْثَرَ مِنَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ
تَقْلِيدًا لِحَدِيثِ عُمَرَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ قَدْ خَالَفَ حَدِيثًا صَحِيحًا لَا مُعَارِضَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ، بِخِلَافِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
وَفِي الْوُضُوءِ مِنْ أَلْبَانِهَا - إِذَا قُلْنَا: يَتَوَضَّأُ مِنْ لَحْمِهَا رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «تَوَضَّأْ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ، وَلَا تَوَضَّأْ مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ» " وَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ فَقَالَ: " تَوَضَّأْ مِنْ أَلْبَانِهَا " وَسُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ فَقَالَ: " لَا تَتَوَضَّأْ مِنْ أَلْبَانِهَا» " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " تَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» " رَوَاهُ الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» " وَفِيهِ جَهَالَةٌ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَنْقُضُ اخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «تَمَضْمَضُوا مِنَ اللَّبَنِ؛ فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَهَذَا يُفِيدُ الِاكْتِفَاءَ بِالْمَضْمَضَةِ فِي كُلِّ لَبَنٍ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِهَا اسْتِحْبَابٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ أُتِيَ بِلَبَنٍ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ فَشَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ: " أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ " فَقَالَ: " لَا أُبَالِيهِ بَالَةً اسْمَحْ يُسْمَحْ لَكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْأَعْرَابَ الَّذِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا مَعَ كَوْنِهِمْ حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْوُضُوءِ».
وَحَدِيثُ أُسَيْدٍ فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (فِيهِ) بَقِيَّةُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: " فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ " يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا سِوَاهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِمَا اللَّبَنُ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ.
أَمَّا الْمَضْمَضَةُ مِنَ اللَّبَنِ، فَلَا يَنْفِي وُجُوبَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ مَأْمُورٌ بِهَا عِنْدَ الشُّرْبِ لِإِزَالَةِ الدَّسَمِ، وَالْوُضُوءُ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، كَالْأَمْرِ بِغَسْلِ الْيَدِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وَالْأَمْرُ بِالِاسْتِنْشَاقِ وَالسِّوَاكِ لَا يَنْفِي وُجُوبَ غَسْلِ الْيَدِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِسَبَبٍ وَهَذَا لِسَبَبٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ اللَّبَنَ كَاللَّحْمِ، وَاللَّحْمُ تُغْسَلُ مِنْهُ الْيَدُ وَالْفَمُ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْهَا، وَالنَّجَاسَةُ الْخَارِجَةُ يُغْسَلُ مَوْضِعُهَا، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِنْهَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ بَلَاغًا تَقُومُ عَلَيْهِ
بِهِ الْحُجَّةُ، كَمَا لَمْ يَبْلُغْ عَلِيًّا خَبَرُ بَرْوَعِ بِنْتِ وَاشَقٍ، وَلَمْ يَبْلُغِ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - خَبَرُ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَمْ يَبْلُغِ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَحَادِيثُ الْمُتْعَةِ وَالصَّرْفِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَقَدْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَأَحَادِيثُ الْوُضُوءِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ رُوَاتِهَا مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ لَمْ يَصْحَبَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إِلَّا فِي آخِرِ حَيَاتِهِ).
وَقَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ إِنَّمَا أَرَادَا (بِقَوْلِهِمَا) حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاصْطِلَاحِهِمْ.
وَأَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَهُ صَحِيحًا مَعَ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ، يُضَعِّفُ الْحَدِيثَ ثُمَّ يَعْمَلُ بِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ، وَمَعَ هَذَا فَرَاوِيهِ مُقَارِبٌ وَلَيْسَ مُعَارِضٌ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ الْحَسَنُ؛ وَلِهَذَا يُضَعِّفُ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ مَعَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِأَكْثَرِ الْمَرَاسِيلِ.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ فَثِقَةٌ، أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ جَلِيلٌ، إِلَّا أَنَّهُ يُدَلِّسُ عَنْ رِجَالٍ مَجْهُولِينَ، وَالْقِيَاسُ يُوَافِقُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، فَإِنَّ اللَّبَنَ مُتَحَلِّلٌ مِنَ اللَّحْمِ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْطَى حُكْمَهُ كَمَا أُعْطِيَ
حُكْمَهُ فِي التَّطْهِيرِ وَالتَّنْجِيسِ، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْبَوْلَ كَذَلِكَ، لَمْ يُسْتَبْعَدْ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مَأْكُولٌ مُعْتَادٌ، بِخِلَافِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّ الْبَوْلَ وَالْعَرَقَ وَالشَّعْرَ لَا يَنْقُضُ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي أَوْجَبَتِ النَّقْضَ بِاللَّحْمِ لَمْ تَخْلُصْ لَنَا؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، وَاللَّبَنُ يُشَارِكُ اللَّحْمَ فِي عَامَّةِ أَحْكَامِهِ.
وَفِي النَّقْضِ بِالْأَجْزَاءِ الَّتِي لَا تُسَمَّى لَحْمًا كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالسَّنَامِ وَالْكِرْشِ وَالْمَصِيرِ وَالْجِلْدِ - وَجْهَانِ، وَقِيلَ فِيهَا رِوَايَتَانِ:
لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا مُخَرَّجَتَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا (فَمِنْهُمْ) مَنْ يُطْلِقُهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْنِيهِمَا عَلَى اللَّبَنِ.
إِحْدَاهُمَا: لَا تَنْقُضُ وَإِنْ قُلْنَا بِالنَّقْضِ فِي اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ؛ إِذْ لَا نَصَّ فِيهِ قَوِيٌّ وَلَا ضَعِيفٌ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَنْقُضُ سَوَاءٌ إِنْ قُلْنَا يَنْقُضُ اللَّبَنُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ اللَّحْمِ فِي الْحَيَوَانِ يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ اللَّحْمَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ أَغَلَبُ الْأَجْزَاءِ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْخِنْزِيرِ، وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبَعْضِ مِنَ اللَّبَنِ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ اللَّحْمَ وَاللَّبَنَ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ سَائِرَ الْأَجْزَاءِ، وَلِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْجَزُورِ فَنَقَضَتْ كَاللَّحْمِ، وَقِيَاسُ الشَّبَهِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْكَبِدِ وَالسَّنَامِ مَنْ أَبَيْنِ الْأَشْبَاهِ؛ وَلِهَذَا اشْتَرَكَا فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَالدُّسُومَةِ وَالزُّهُومَةِ، وَقَوْلُهُمْ: الْحُكْمُ بَعِيدٌ إِنْ أُرِيدَ بِهِ هُنَا مُجَرَّدُ امْتِحَانٍ وَابْتِلَاءٍ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ إِشَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى التَّعْلِيلِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّا نَحْنُ لَمْ نَعْتَقِدِ الْعِلَّةَ، فَهَذَا مُسَلَّمٌ لِمَنِ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ قِيَاسِ الشَّبَهِ مَعَ أَنَّنَا أَوْمَأْنَا إِلَى التَّعْلِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَا فَهِمْنَاهُ مِنْ إِيمَاءِ الشَّارِعِ، حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْإِبِلَ حِينَ خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ وَأَنَّهَا شَيَاطِينُ، فَأَكْلُ لَحْمِهَا يُورِثُ ضَرْبًا مِنْ طِبَاعِهَا وَنَوْعًا مِنْ أَحْوَالِهَا، وَالْوُضُوءُ يُزِيلُ ذَلِكَ الْأَثَرَ، وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ اللَّحْمُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَلَعَلَّهُ -
وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ قَدْ شَرَعَ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ إِمَّا إِيجَابًا وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا بِالْمَاءِ؛ لِمَا تَكْتَسِبُهُ مِنْ تَأْثِيرِ النَّارِ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْهَا الشَّيَاطِينُ، لَكِنَّ أَثَرَ النَّارِ عَارِضٌ يَزُولُ وَلَا يَبْقَى مَعَ الْإِنْسَانِ، بِخِلَافِ اللَّحْمِ، فَإِنَّ تَأْثِيرَهُ عَنْ طَبِيعَةٍ وَخَلِيقَةٍ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ يُزِيلُهُ، فَكَذَلِكَ صَارَ هُنَا وَاجِبًا دُونَ ذَلِكَ.
وَفِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِاللُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: " تَنْقُضُ " نَصَّ عَلَيْهَا فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَخَصَّ أَبُو بَكْرٍ النَّقْضَ بِهِ لِتَغْلِيظِ تَحْرِيمِهِ، وَعَمَّمَ غَيْرُهُ فِي جَمِيعِ اللُّحُومِ وَالْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّقْضِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تَنْقُضُ، حَكَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ؛ إِذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَيْسَ الْقِيَاسُ بِالْبَيِّنِ حَتَّى تُقَاسَ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَكَذَلِكَ لَا يُنْقَصُ بِمَا يُحَرَّمُ مِنْ غَيْرِ اللُّحُومِ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنْ سَائِرِ الْمَطَاعِمِ مُبَاحًا، وَمُحَرَّمِهَا فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدِ وَالْفَمِ مِنَ الطَّعَامِ كَمَا يُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ إِلَّا مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، فَفِي اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ مِنْهُ أَوْ صُرِفَ عَنِ الْوُجُوبِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي
أُمَيَّةَ وَمَيْمُونَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: " وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» ".
وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ - صَلَّى بِنَا الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِسَوِيقٍ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ النَّاسِخُ (فِعْلُ) الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَوَضَّئُونَ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهَا وَنَاسِخِهَا، وَإِذَا زَالَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهَا، وَقَالَ رِجَالٌ مِنَ التَّابِعِينَ:
الْوُضُوءُ مِنْهَا هُوَ النَّاسِخُ، فَفِي الْوُضُوءِ احْتِيَاطٌ وَخُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى تَرْكِهِ أَخِيرًا وَهُوَ لَا يُدَاوِمُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ قَدِيمًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ الْأَمْرَ بِهِ، وَإِنَّمَا صَحِبَهُ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي تَرْكِهِ كَانَ فِي مَخْرَجِهِ إِلَى خَيْبَرَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ اسْتِحْبَابًا وَيَفْعَلُهُ وَيَتْرُكُهُ أَحْيَانًا، ثُمَّ يَتْرُكُ بِالْكُلِّيَّةِ، بِدَلِيلِ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
فَصْلٌ كَلَامُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْتَضِي أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَغَيْرِهِمَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَيْسَ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجِسٍ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا فِي خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيِّ وَعَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَهُمَا مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ يَمَّمَهُ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ، فَكَذَلِكَ إِذَا غَسَّلَهُ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ
فَلَمْ يَنْتَقِضْ كَغُسْلِ الْحَيِّ وَغُسْلِ نَفْسِهِ، وَحَمَلُوا الْآثَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، قَالَ أَحْمَدُ: " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا فِيهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ " وَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ لَا يَجِبَ الْغُسْلُ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ " وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: " إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْوُضُوءِ ". رَوَى عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ " كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ ". وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " يَكْفِي فِيهِ الْوُضُوءُ " وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي تَرْكِهِ رُخْصَةٌ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ انْتَهَتْ رُخْصَتُهُ إِلَى الْوُضُوءِ، وَكَانَ الْوُضُوءُ مِنْهُ شَائِعًا بَيْنَهُمْ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمُ الْإِخْلَالُ بِهِ، قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " غَسَّلَ أَبَاكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَمَا زَادُوا عَلَى أَنْ حَسِرُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَجَعَلُوا ثِيَابَهُمْ فِي حُجُزِهِمْ، فَغَسَّلُوا ثُمَّ تَوَضَّئُوا ثُمَّ خَرَجُوا " وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ
فَغَسَّلَتْهُ، ثُمَّ أَرْسَلَتْ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ؟ قَالُوا: لَا، فَتَوَضَّأَتْ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي مَسْنَدِهِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ مِنْهُ، كَمَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ.
فَظَاهِرُهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ الَّذِي هُوَ بَعْضُهُ، فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا زَادَ عَلَى الْوُضُوءِ بَقِيَ الْوُضُوءُ بِحَالِهِ، أَوْ يُقَالُ: الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ أَمْرٌ بِالْوُضُوءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَفَحْوَى الْخِطَابِ، فَإِذَا تُرِكَ دَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ لَمْ يَجِبْ أَنْ نَتْرُكَ دَلَالَةَ فَحَوَاهُ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ، وَيَكْفِي فِيهِ الْوُضُوءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ؛ وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ مَشْرُوعٌ لِسَبَبٍ مَاضٍ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْتَزَمَ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنَ الْقَهْقَهَةِ، وَلَا مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، أَوْ يَقُولُ: وُضُوءٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَوْ مَشْرُوعٌ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ؛ وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ عَنْ سَبَبٍ مَاضٍ يُشْرَعُ لَهُ الْغُسْلُ، فَكَانَ وَاجِبًا كَوُضُوءِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ شَرْعَ الْغُسْلِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْمُقْتَضِي لِلطَّهَارَةِ، فَإِذَا نَزَلَ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُوجِبَ الْوُضُوءَ، بِخِلَافِ الْأَسْبَابِ الْمُسْتَقْبِلَةِ كَغُسْلِ الْإِحْرَامِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا النَّظَافَةُ فَقَطْ، وَهَذَا الْقِيَاسُ مِنْ أَقْوَى الْأَشْبَاهِ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ، وَلِأَنَّ بَدَنَ الْمَيِّتِ صَارَ فِي حُكْمِ الْغُرُورِ بِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ كَرَاهَةِ مَسِّهِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ لَا لِحَاجَةٍ، وَهُوَ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ، فَجَازَ أَنْ يُوجِبَ الْوُضُوءَ كَمَسِّ الذَّكَرِ، وَلَا يَنْتَقِضُ بِمَسِّهِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِلنَّوْعِ وَالْجَوَازِ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِأُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ؛ وَلِأَنَّ لَمْسَ النَّاقِضِ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ مَمْسُوسٍ وَمَمْسُوسٍ، فَمَسُّ الْفَرْجِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، وَمَسُّ النِّسَاءِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَمَسُّ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّغْسِيلِ لَهُ سَوَاءٌ مَسَّهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَوْ بَاشَرَهُ، وَهَذَا أَجْوَدُ مِنْ تَعْلِيلِ مَنْ عَلَّلَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْغَاسِلَ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ مَسِّ ذَكَرِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إِنْ صَحَّ، فَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - «حَسْبُكُمْ فِي إِزَالَةِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ نَجَاسَتِهِ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَإِنَّمَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَصَابَ الْيَدَ»، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَفْتَى أَنَّ الَّذِي يَكْفِي مِنْهُ الْوُضُوءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رَوَى.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: " «حَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» " أَيْ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ: يَكْفِيكُمْ فِي الِاسْتِحْبَابِ غَسْلُ أَيْدِيكُمْ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا لَا يُقَالُ بِهِ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ مَشْرُوعٌ، بَلِ الِاغْتِسَالُ أَيْضًا، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: يَكْفِيكُمْ فِي إِزَالَةِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الْخَبَثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَقْيِسَةِ مُنْعَكِسٌ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحِبُّوا الْوُضُوءَ فِي تَيَمُّمِهِ، وَلَا تَغْسِيلَ الْحَيِّ، أَوِ اسْتَحَبُّوهُ هُنَا، وَجَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، فَكُلُّ مَعْنًى اقْتَضَى الْفَرْقَ فِي الِاسْتِحْبَابِ حَصَلَ الْفَرْقُ بِهِ فِي الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ وُضُوءٌ جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا، وَكَانَ وَاجِبًا كَالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَلَحْمِ الْجَزُورِ، بَلْ وَأَوْكَدُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَلَا أَثَرٌ يُعَارِضُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْغَاسِلُ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُهُ وَيُبَاشِرُهُ وَيُعِينُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً، فَأَمَّا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ مُلَامَسَةٍ لِلْمَيِّتِ فَلَيْسَ بِغَاسِلٍ.
فَصْلٌ " وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ عَلَى مَا يَتَيَقَّنُ مِنْهُمَا " سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: " «شُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: " لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ
صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» " أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَيَأْخُذُ شَعْرَةً مِنْ دُبُرِهِ، فَيَمُدُّهَا، فَيَرَى أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَتَى الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ لَهُ: كَذَبْتَ، إِلَّا مَا وَجَدَ رِيحًا بِأَنْفِهِ أَوْ سَمِعَ صَوْتًا بِأُذُنِهِ» " وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: " «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا لَا يَشُكُّ فِيهِ» ". فَلَمَّا نَهَاهُ عَنْ قَطْعِ الصَّلَاةِ وَعَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ مَعَ الشَّكِّ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بِنَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ مُسْتَصْحَبَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الْيَقِينِ، وَلَوْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَجَازَ لَهُ، أَوْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَتَسَاوَىَ الْأَمْرَانِ عِنْدَهُ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الظَّنَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِمَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ عَرَضِيَّةٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، وَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي بَقَاءِ زَاوَلَ طَهَارَتِهِ، فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْبُقْعَةِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ: " إِنْ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ وَهُوَ فِي
الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ خُيِّلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَالْأَحْوَطُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ " وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّا وَإِنْ جَوَّزْنَا لَهُ الْبِنَاءَ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ لِمَا تَرَدَّدَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُجَوِّزُ لَهُ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ مَشْكُوكَةٍ، وَلِأَنَّ التَّجْدِيدَ مَعَ الْيَقِينِ مُسْتَحَبٌّ فَمَعَ الشَّكِّ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ فِيهَا رَيْبٌ وَشُبْهَةٌ، وَلَيْسَ فِي الِاحْتِيَاطِ فِيهَا مَشَقَّةٌ وَلَا فَتْحٌ لِبَابِ الْوَسْوَسَةِ، فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ لَهَا أَفْضَلَ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» " وَقَوْلِهِ: " «فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ» " بِخِلَافِ الشَّكِّ الْعَارِضِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدْ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ أَجْلِهِ»؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالًا لِلصَّلَاةِ بِالرَّيْبِ وَالشُّبْهَةِ وَمُطَاوَعَةِ الشَّيْطَانِ فِي ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ قَطْعَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ لِذَلِكَ مُحَرَّمٌ؛ لِأَجْلِ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِأَنَّ إِبْطَالَ الْفَرْضِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ.
فَصْلٌ فَإِنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا، فَيَبْنِي عَلَى خِلَافِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، إِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحْدِثٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّ الْحَالَ قَبْلَهُمَا إِنْ كَانَ طَهَارَةً مَثَلًا فَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَهَا حَدَثٌ وَطَهَارَةٌ، فَزَالَتْ
تِلْكَ الطَّهَارَةُ بِيَقِينٍ، وَالطَّهَارَةُ الثَّانِيَةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْأُولَى دَامَتْ وَاسْتَمَرَّتْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَدَثَتْ بَعْدَ الْحَدَثِ، وَالْحَدَثُ مُتَيَقَّنٌ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
الثَّانِي: يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ طَهَارَةٍ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ السَّابِقَةَ قَدْ وُجِدَ بَعْدَهَا حَدَثٌ نَاقِضٌ، وَذَلِكَ الْحَدَثُ وُجِدَ بَعْدَ طَهَارَةٍ رَافِعَةٍ، وَالْأَفْضَلُ بَقَاؤُهَا، فَأَمَّا إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ لَكِنْ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَتِ الطَّهَارَةُ بَعْدَ طَهَارَةٍ أَوْ بَعْدَ حَدَثٍ، وَذَلِكَ الْحَدَثُ هَلْ كَانَ (بَعْدَ) طَهَارَةٍ أَوْ بَعْدَ حَدَثٍ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَكُونُ عَلَى خِلَافِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ ابْتَدَأَ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ، وَأَنَّهُ كَانَ أَحْدَثَ وَلَا يَدْرِي أَفَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ هُوَ طَاهِرٌ، فَهُنَا هُوَ طَاهِرٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ، وَأَنَّهُ تَوَضَّأَ لَا يَدْرِي أَتَجْدِيدًا أَمْ رَفْعًا، فَهُوَ مُحْدِثٌ بِكُلِّ حَالٍ.
[بَابُ الْغُسْلِ]
[الْأَغْسَالُ عَلَى قِسْمَيْنِ وَاجِبَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ]
الْغُسْلُ مَصْدَرُ غَسَلَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ يَغْسِلُهُ غُسْلًا، وَالْغُسْلُ بِالضَّمِّ اسْمُ مَصْدَرِ اغْتَسَلَ يَغْتَسِلُ اغْتِسَالًا؛ وَلِهَذَا كَانَ الْغَالِبُ فِي اسْتِعْمَالِ غَسْلِ الْمَيِّتِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ الْفَتْحَ؛ لِأَنَّكَ تُرِيدُ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ، وَتَقُولُ: غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ - بِالضَّمِّ - لِأَنَّكَ تُرِيدُ الِاغْتِسَالَ، وَهُوَ الْفِعْلُ اللَّازِمُ، وَلَوْ فَتَحْتَ عَلَى نِيَّةِ أَنَّهُ يَغْسِلُ بَدَنَهُ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ حَسُنَ أَيْضًا، وَالْغُسْلُ بِالضَّمِّ أَيْضًا - الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ، وَالْغِسْلُ بِالْكَسْرِ - مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَنَحْوِهِ.
وَالْأَغْسَالُ عَلَى قِسْمَيْنِ: وَاجِبَةٌ، وَمُسْتَحَبَّةٌ.
فَالْوَاجِبَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: وَلَهَا سِتَّةُ أَسْبَابٍ، غُسْلُ الْجَنَابَةِ، وَغُسْلُ الْحَيْضِ، وَغُسْلُ الْمَيِّتِ، وَغُسْلُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْصُوصِ، فَأَمَّا غُسْلُ الْحَيْضِ وَغُسْلُ الْمَيِّتِ فَيُذْكُرَانِ فِي بَابِهِمَا.
وَأَمَّا الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا، وَسَوَاءٌ أَجْنَبَ أَوْ لَمْ يُجْنِبْ، وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْجَنَابَةِ أَوْ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ، هَذَا مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِهِ.
وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّنْبِيهِ "، وَقَالَ فِي غَيْرِ التَّنْبِيهِ: " لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ أَوْ حَيْضٌ فِي حَالِ كُفْرِهِ، فَيَجِبُ
أَنْ يَغْتَسِلَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ إِذَا أَسْلَمَ " سَوَاءٌ كَانَ قَدِ اغْتَسَلَ فِي حَالِ كُفْرِهِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ أَوْجَبْنَا عَلَى الْمَرْأَةِ الذِّمِّيَّةِ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الْحَيْضِ لِزَوْجِهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ أَسْلَمُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ مَنِ ارْتَدَّ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَوْ أَوْجَبَ الْإِسْلَامُ غُسْلًا لَنُقِلَ ذَلِكَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَحَدُ التَّوْبَتَيْنِ، فَلَمْ يُوجِبْ غُسْلًا كَالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي.
وَلَنَا مَا «رَوَى قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ " فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ أَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اذْهَبُوا إِلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ؛ وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنْ يُسْلِمَا سَأَلَا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَأَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، قَالَا: " نَغْتَسِلُ وَنَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ". وَإِنَّمَا
نَقَلَ الْآحَادُ كَمَا نَقَلَ غُسْلَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ الْآحَادُ، وَذَلِكَ كَافٍ، ثُمَّ لَعَلَّ النَّقْلَ تُرِكَ حِينَ انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ وَقَبْلَ دُخُولِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَالْمُوجِبُ هُوَ الْكُفْرُ السَّابِقُ بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ، كَمَا أَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ خُرُوجُ دَمِ الْحَيْضِ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ شَرٌّ مِنَ الْجُنُبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ عَلَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ سَابِقَةٍ، وَغُسْلُهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ لَا يَصِحُّ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِالْغُسْلِ إِذْ ذَاكَ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ كَنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْكَافِرِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَكَمَا يُسْتَحَبُّ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالْحَائِضِ، وَقِيلَ: يَجِبُ ذَلِكَ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ بِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: " إِذَا أَسْلَمَ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ، وَيَغْتَسِلُ وَيَتَطَهَّرُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ "؛ لِأَنَّ ثِيَابَهُ مَظِنَّةُ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، فَاسْتُحِبَّ تَطْهِيرُهَا، وَيُسْتَحَبُّ حَلْقُ شَعْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ رَجُلًا أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ: " أَلْقِ " وَفِي لَفْظٍ: " احْلِقْ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَإِذَا أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سِوَى غُسْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا مِنَ الْكُفَّارِ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمِ مِنَ الْبَالِغِينَ الْمُتَزَوِّجِينَ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِالْحَقِيقَةِ غُسْلٌ آخَرُ، كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ، وَالْوَطْءِ مَعَ الْإِنْزَالِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ يَجِبُ الْغُسْلُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ فَهُوَ قِسْمَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ الموجب للغسل]
مَسْأَلَةٌ
(وَالْمُوجِبُ لَهُ شَيْئَانِ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ وَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ، وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ)
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ - وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6] يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَرَجُلَانِ جُنُبَانِ، وَرِجَالٌ جُنُبٌ، وَرُبَّمَا قِيلَ: أَجْنَابٌ وَجُنُبُونَ، وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ: أَجْنَابٌ، وَيُقَالُ: جُنُبٌ، يُقَالُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ جَانِبَ مَحَلِّهِ، وَيُقَالُ: لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ الصَّلَاةَ وَمَوَاضِعَهَا وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَتَجْتَنِبُهُ الْمَلَائِكَةُ.
وَالْجُنُبُ اسْمٌ يَجْمَعُ الْمُنْزِلَ الْمَاءَ وَالْوَاطِئَ أَيْضًا، وَالسُّنَّةُ فَسَّرَتْ ذَلِكَ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَلِيٍّ: " «فِي الْمَذْيِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» " وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ يَقَظَةٍ أَوْ نَوْمٍ عَنْ تَفَكُّرٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ مَسٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي اسْتَفَاضَتْ بِهِ السُّنَنُ وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَالْمَنِيُّ هُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ إِذَا خَرَجَ بِشَهْوَةٍ، وَمَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ يُشْبِهُ رَائِحَةَ طَلْعِ النَّخْلِ وَرَائِحَةَ الْعَجِينِ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، فَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ دَفْقٍ
وَشَهْوَةٍ مِثْلَ أَنْ يَخْرُجَ لِمَرَضٍ أَوْ إِبْرِدَةٍ، فَلَا غُسْلَ فِيهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ نَصِّهِ وَمَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّ «عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " إِذَا حَذَفْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: " «فَإِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ» " فَاعْتَبَرَ الْحَذْفَ وَالْفَضْخَ وَهُوَ خُرُوجُهُ بِقُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَعَجَلَةٍ كَمَا تَخْرُجُ الْحَصَاةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْحَاذِفِ، وَالنَّوَاةُ مِنْ بَيْنِ مَجْرَى الْفَاضِخِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ قَالُوا: «دَخَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ تَرَى فِي مَنَامِهَا كَمَا يَرَى الرَّجُلُ، أَفَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ؟ قَالَ: " هَلْ تَجِدُ شَهْوَةً؟ قَالَتْ: لَعَلَّهُ، قَالَ: وَهَلْ تَرَى بَلَلًا، قَالَتْ: لَعَلَّهُ، قَالَ: فَلْتَغْتَسِلْ» " وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا جَاءَ مِنَ الْعُمُومَاتِ مِثْلَ قَوْلِهِ: " «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» " وَقَوْلِهِ: " «إِذَا رَأَتِ الْمَنِيَّ فَلْتَغْتَسِلْ» " وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ؛ لِفَسَادِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ، أَوْ وَإِنْ كَانَ مَنِيًّا لَكَانَ لِفَسَادِهِ خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَإِذَا تَغَيَّرَ عَنْ صِفَةِ
الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ لَمْ يُوجِبْ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ مَعَ دَمِ الْحَيْضِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ رِوَايَةً ثَانِيَةً لَهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ خَرَجَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ؛ لِلْعُمُومَاتِ فِيهِ، وَأَخَذَهَا مِنْ نَصِّهِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَامَعَ ثُمَّ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
فَصْلٌ
إِذَا احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ الْمَاءَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَرَأَى الْمَاءَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَرَأَى بَلَلًا لَا يَعْلَمُ مَنِيٌّ هُوَ أَمْ مَذْيٌ، فَإِنْ ذَكَرَ احْتِلَامًا لَزِمَهُ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ نَوْمَهُ بِفِكْرٍ أَوْ مَسِيسٍ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ سَبَبًا قَرِيبًا يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ احْتِلَامًا لَزِمَهُ أَيْضًا الْغُسْلُ، إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ بِفِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ لَمْسٍ، أَوْ تَكُونُ بِهِ إِبْرِدَةٌ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنِيًّا وَأَنْ يَكُونَ مَذْيًا، وَهُوَ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، فَلَا تَزُولُ طَهَارَتُهُ بِالشَّكِّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ: " يَغْتَسِلُ " وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنْ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ: " لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا بُدَّ لِخُرُوجِهِ مِنْ
سَبَبٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ إِلَّا الِاحْتِلَامَ، وَالْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ بِالِاحْتِلَامِ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ الْمَنِيُّ، فَأُلْحِقَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ الْمَجْهُولَةُ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ؛ وَلِهَذَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ يُضَافُ إِلَيْهِ مِثْلَ لَمْسٍ أَوْ تَفْكِيرٍ أَوْ إِبْرِدَةٍ، أَضَفْنَاهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلْنَاهُ مَذْيًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا سِوَاهُ، وَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ الَّذِي لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ مَنِيًّا لَزِمَهُ الْغُسْلُ، وَيُعِيدُ مَا صَلَّى بَعْدَ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ قَبْلَهَا، فَيُعِيدُ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ يُمْكِنُ أَنَّهُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّائِي لِذَلِكَ صَبِيًّا، لَزِمَهُ الْغُسْلُ إِنْ كَانَ سِنُّهُ مِمَّنْ يُمْكِنُ الْبُلُوغُ وَهُوَ اسْتِكْمَالُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ تِسْعِ سِنِينَ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، فَأَمَّا إِنْ وَجَدَ اثْنَانِ مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ نَامَا فِيهِ، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ اثْنَيْنِ تُيُقِّنَ الْحَدَثُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَلَّفٌ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ زَوَالُ طَهَارَتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، وَطَارَ وَلَمْ يُعْلَمْ مَا هُوَ، لَكِنْ لَا يُأَثِّمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُمَا جَمِيعًا الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُمَا تَيَقَّنَا حَدَثَ أَحَدِهِمَا، وَلَيْسَ فِي أَمْرِهِمَا " بِالْغُسْلِ " كَثِيرُ مَشَقَّةٍ.
فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَجَبَ الْغُسْلُ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَفِي الْأُخْرَى: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِذَا حَذَفْتَ وَفَضَخْتَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَلَمْ يَجِبْ
بِتَنَقُّلِهِ فِيهِ طَهَارَةٌ كَالرِّيحِ الْمُتَنَقِّلَةِ مِنَ الْمَعِدَةِ إِلَى قَرِيبِ الْمَخْرَجِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَنِيٌّ انْعَقَدَ وَأَخَذَ فِي الدَّفْقِ وَالْخُرُوجِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ مِنَ الْأَقْلَفِ الْمُرْتَتِقِ إِلَى مَا بَيْنَ الْقَلَفَةِ وَالْحَشَفَةِ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا أَنْزَلَتْ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى ظَاهِرِ فَرْجِهَا؛ وَلِأَنَّ الِانْتِقَالَ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَالْخُرُوجِ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَأَوْلَى مِنْهُ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْخُرُوجُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ، بَلْ وَلَا يَعُودَ إِلَى مَحَلِّهِ.
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إِذَا أَخَذْتَ فِي الْحَذْفِ وَالْفَضْخِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَ الْغُسْلُ إِجْمَاعًا، وَلَا حَذْفَ وَلَا فَضْخَ هَذَا يُخَالِفُ الرِّيحَ الْمُتَرَدِّدَةُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ، بِخِلَافِ الرِّيحِ، فَإِنَّهَا قَدْ تَعُودُ إِلَى مَحَلِّهَا.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ، فَإِذَا خَرَجَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ سَوَاءٌ كَانَ قَدِ اغْتَسَلَ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ انْتَقَلَ بِشَهْوَةٍ وَخَرَجَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجِبَ الْغُسْلَ، كَمَا لَوْ خَرَجَ عَقِيبَ الِانْتِقَالِ، بِخِلَافِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِلَا شَهْوَةٍ، وَإِذَا قُلْنَا: " يَجِبُ الْغُسْلُ " فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ لِمَنِيٍّ خَرَجَ بَعْضُهُ ثُمَّ خَرَجَ بَاقِيهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غُسْلًا ثَانِيًا حَتَّى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُنُبِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَ: " يَتَوَضَّأُ " وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ.
وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ وَاحِدٌ فَلَا يُوجِبُ غُسْلَيْنِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ، وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الْمَنِيُّ الْمُقْتَرِنُ بِالشَّهْوَةِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ خَارِجٌ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ لِإِبْرِدَةٍ أَوْ مَرَضٍ، وَهَذَا تَعْلِيلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَقَالَ: " لَا غُسْلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَاضِيَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدَثٌ لَيْسَ بِجَنَابَةٍ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الْوُضُوءُ " لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ ثَانِيًا لِأَنَّهُ مَنِيٌّ انْتَقَلَ لِشَهْوَةٍ
فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ خَرَجَ عَقِيبَ انْتِقَالِهِ، وَعَنْهُ إِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ اغْتَسَلَ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَهُ لَمْ يَغْتَسِلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الْبَوْلِ هُوَ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ الْأَوَّلِ وَقَدِ انْتَقَلَ بِشَهْوَةٍ وَمَا بَعْدَ الْبَوْلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَّةَ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ خَرَجَ لِإِبْرِدَةٍ أَوْ مَرَضٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ يَدْفَعُ بَقَايَا الْمَنِيِّ، لِأَنَّ مَخْرَجَ الْمَنِيِّ تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ رَقِيقٌ، فَيَنْعَصِرُ مَخْرَجُ الْمَنِيِّ تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، فَيَخْرُجُ مَا فِيهِ، وَالْوُجُوبُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ، وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَلَا يَصِحُّ مَخْرَجُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى الْمُنْتَقِلِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ مَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ يَكُونُ انْتِقَالُهُ إِلَى الذَّكَرِ بِدَفْقٍ وَشَهْوَةٍ كَالْخَارِجِ إِلَى بَاطِنِ الْقَلَفَةِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَخْرُجْ " إِلَّا " بَعْدَ الْبَوْلِ، فَإِنَّهُ حِينَ انْتَقَلَ إِلَى الذَّكَرِ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ عَنْ إِبْرِدَةٍ أَوْ مَرَضٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَكْسُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْبَوْلِ مَنِيٌّ جَدِيدٌ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ بَقِيَّةُ الْأَوَّلِ، فَأَمَّا إِنْ وَجَدَ سَبَبَ الْخُرُوجِ وَلَمْ يَخْرُجْ فَقِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْتَلِمُ ثُمَّ يُنْزِلُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ خَرَجَ لِشَهْوَةٍ وَجَبَ حِينَئِذٍ (وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ ثَبَتْنَا وُجُوبَهُ حِينَ الِاحْتِلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ انْتَقَلَ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ وَسُكُونِ الشَّهْوَةِ، وَقَبْلَ الْخُرُوجِ كَانَ جُنُبًا وَلَمْ يَعْلَمْ) وَعَلَى قَوْلِنَا: " لَا يَجِبُ إِلَّا بِالْخُرُوجِ " يَكُونُ جُنُبًا مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُجَامِعَ وَلَا يَنْزِلَ فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَنْزِلُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهُوَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَشْهُورَةِ لِأَصْحَابِنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وُجِدَتْ شَهْوَةٌ بَعْدَ الْوَطْءِ حِينَ الْإِنْزَالِ أَوْ قَبْلَهُ، فَيَكُونُ الْمَنِيُّ قَدِ انْتَقَلَ بِهَا وَشَهْوَةُ الْجِمَاعِ قَصُرَتْ عَنْهُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَتَجَدَّدْ شَهْوَةٌ فَهُوَ كَالْمَنِيِّ الْمُنْتَقِلِ إِذَا خَرَجَ بَعْدَ انْتِقَالِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّهُ قَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي هَذِهِ أَنَّهُ إِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ يَغْتَسِلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ فِي الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بَعْدَ الْغُسْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جِمَاعٌ أَوْ بَعْدَ إِنْزَالٍ، وَكَلَامُهُ فِي " هَذِهِ " الْمَوَاضِعِ، وَتَعْلِيلُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ مُطْلَقًا، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِتَكَرُّرِ الْوُجُوبِ فِيمَا إِذَا خَرَجَ بَعْدَ انْتِقَالِهِ أَوْ بَعْدَ وَطْئِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ تَامٌّ قَدْ خَرَجَ وَانْتَقَلَ بِشَهْوَةٍ دُونَ مَا إِذَا خَرَجَ بَعْضُهُ ثُمَّ خَرَجَتْ بَقِيَّتُهُ حَيْثُ كَانَ الثَّانِي جُزْءًا مِنَ الْأَوَّلِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الِانْتِقَالِ وَالْخُرُوجِ سَبَبًا، كَمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَطْءِ، وَالْإِنْزَالِ سَبَبٌ وَيُمْكِنُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ فِي الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ هُوَ الْمُوجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْبَسْ، بِخِلَافِ مَنْ أَمْسَكَ ذَكَرَهُ، فَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنَ الْخَارِجِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: " «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» ".
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الْمَاءِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَشْفِيكُمْ، فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَذِنَتْ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ، فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ، قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ - يَعْنِي رِجْلَيْهَا وَشَفْرَيْهَا.
وَمَا رُوِيَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ مِثْلَ «مَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ مَنْسُوخٌ، قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «إِنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ - رُخْصَةٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِيهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: «إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ " أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يَكْسَلُ وَلَا يُنْزِلُ قَالَ: يَغْتَسِلُ قَالَ قُلْتُ: فَإِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ يَقُولُ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، قَالَ زَيْدٌ: إِنَّ أُبَيًّا قَدْ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُثْمَانَ وَالصَّحَابَةِ الْمُسَمِّينَ مَعَهُ الْعَوْدَ إِلَى الْقَوْلِ بِالْغُسْلِ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «سَأَلْتُ عُرْوَةَ عَنِ الَّذِي يُجَامِعُ وَلَا يُنْزِلُ، فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَغْتَسِلُ، وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَمَعْنَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، سَوَاءٌ كَانَا مَخْتُونَيْنِ أَوْ لَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِتَحَاذِي الْخِتَانَيْنِ؛ لِأَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ فِي الْجِلْدَةِ الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْجِ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَمَحَلُّ الْوَطْءِ هُوَ مَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ فِي أَسْفَلِ الْفَرْجِ، فَإِذَا غَابَتِ الْحَشَفَةُ فِيهِ تَحَاذَى الْخِتَانَانِ فَيُقَالُ: الْتَقَيَا.
وَلَوِ الْتَزَقَ الْخِتَانُ بِالْخِتَانِ مِنْ غَيْرِ إِيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ، وَكَذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَكَنَّى عَنْ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ بِمَسِّ الْخِتَانِ الْخِتَانَ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ
مَعَهُ غَالِبًا، وَلَوْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَجَبَ الْغُسْلُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِذَا قُطِعَ ذَكَرُهُ فَأَوْلَجَ مِنَ الْبَاقِي بِمِقْدَارِ الْحَشَفَةِ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالْمَهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا.
فَأَمَّا الْخَصِيُّ إِذَا جَامَعَ فَقَالَ أَحْمَدُ فِي خَصِيٍّ وَمَجْبُوبٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ: " لَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ قَضِيبُهُ، فَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ ". وَقَالَ أَيْضًا: " إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَصِلُ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَإِلَّا إِذَا أَنْزَلَ، قِيلَ: امْرَأَتُهُ، قَالَ: إِذَا أَنْزَلَتْ ". قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ مِقْدَارُ الْحَشَفَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَعَلَيْهَا بِإِيلَاجِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ لِلْمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ، وَسَوَاءٌ أَوْلَجَ فِي فَرْجِ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، فِي حَيَوَانٍ نَاطِقٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ أَصْلٍ، فَأَشْبَهَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُشْتَهَى فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا (لَا) يُشْتَهَى غَالِبًا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الشَّهْوَةِ، وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَدْخَلَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ مَيِّتٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْيَقْظَانُ وَالنَّائِمُ وَالطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَاتِ الطَّهَارَةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ، بِدَلِيلِ احْتِلَامِ النَّائِمِ وَسَبْقِ الْحَدَثِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْفَرْجُ أَصْلِيًّا، فَلَوْ وَطَأَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ أَوْ وُطِئَ فِي قُبُلِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَوْلَجَ بِخِلْقَةٍ زَائِدَةٍ، أَوْ أَوْلَجَ فِي خِلْقَةٍ زَائِدَةٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْلَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخُنْثَيَيْنِ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ الْآخَرِ، لَكِنْ لَوْ وَطَأَ وَوُطِئَ فِي قُبُلِهِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، وَلَزِمَ أَحَدُ الْآخَرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ.
وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الصَّغِيرِ إِذَا جَامَعَ، وَالصَّغِيرَةِ إِذَا جُومِعَتْ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى جُنُبًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِتَوَقُّفِ مُجْزِئِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ، وَوُجُوبُهُ إِذَا بَلَغَ يُوجِبُ الْغُسْلَ كَمَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ، ثُمَّ الصَّغِيرَةُ مِثْلُ الْكَبِيرَةِ فِي إِيجَابِ الْعِدَّةِ
فَكَذَلِكَ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ؛ وَلِأَنَّا نُوجِبُ أَمْرَهَا بِالصَّلَاةِ، فَكَذَلِكَ أَمْرُهَا بِالِاغْتِسَالِ فَإِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَيَجِبُ الْغُسْلُ مِنَ الْإِيلَاجِ عَلَى الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَلَوْ مَكَثَ زَمَانًا لَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْوَطْءِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْغُسْلَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْتَاطُ فِي الصَّلَاةِ فَيُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا اسْتَفَاضَتْ بِهِ الْآثَارُ، فَلَمْ يُعْذَرْ بِهِ الْجَاهِلُ، وَلَمْ يَسُغْ فِيهِ الْخِلَافُ، نَصَّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا قُلْنَاهُ فِي لُحُومِ الْإِبِلِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ لَيْسَتْ فِي الشُّهْرَةِ كَهَذِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا فِي الْعَامِّيِّ الَّذِي لَمْ يُقَلِّدْ، وَنَصُّهُ بِخِلَافِ هَذَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ إِعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا شَكَّ فِي طَهَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ الْوُجُوبَ وَشَكَّ فِي الْأَدَاءِ الْمُجْزِئِ، فَلَا يَجُوزُ تَمَكُّنُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَيَجِبُ الْغُسْلُ إِذَا بَلَغَ وَلَمْ يَكُنِ اغْتَسَلَ، وَيُغَسَّلُ إِذَا مَاتَ شَهِيدًا، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا كُلِّهِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا الْأَغْسَالُ الْمُسْتَحَبَّةُ فَهِيَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُقْصَدُ بِهِ النَّظَافَةُ لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ الْمَشْرُوعِ لَهَا الِاجْتِمَاعُ الْعَامُّ فِي مَجَامِعِ الْمَنَاسِكِ، وَهُوَ غُسْلُ الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالِاغْتِسَالُ لِلْإِحْرَامِ، وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ كُلَّ يَوْمٍ، وَلِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَهَذِهِ تُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهَا.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يُشْرَعُ لِأَسْبَابٍ مَاضِيَةٍ، وَهُوَ غُسْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَالْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، وَغُسْلُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَ مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْحِجَامَةِ.
فَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ فَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْمَشْهُورِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " وَابْنُ عَقِيلٍ: " لَا يَجِبُ
وَلَا يُسْتَحَبُّ مِنْ غُسْلِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " «أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُوَارِيَ أَبَا طَالِبٍ، فَوَارَاهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ اغْتَسِلْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ قَوْلَهُ: " «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ» " وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الَّذِي يُغَسِّلُ الْمَيِّتَ أَيَغْتَسِلُ؟ قَالَ: " وَإِنْ كَانَ صَاحِبُكُمْ نَجِسًا فَاغْتَسِلُوا مِنْهُ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الَّذِي يُغَسِّلُ الْمَيِّتَ: أَيَغْتَسِلُ؟ فَقَالَ: " أَنَجِسٌ هُوَ؟ ". وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " أَأَنْجَاسٌ مَوْتَاكُمْ؟ " رَوَاهُنَّ سَعِيدٌ، فَمُوجِبُ هَذَا التَّعْلِيلِ وُجُوبُهُ مِنَ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ بِالْمَوْتِ وَلَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْحَيِّ مِنْ غُسْلِ الْكَافِرِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجِبُ.
الْأَوَّلُ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: وَقَدْ كُنْتُ حَفِظْتُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْمَدِينَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كَانَ يَرْوِي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَإِسْنَادُهُ شَرْطُ مُسْلِمٍ.
وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى، قَالَ أَبُو حَفْصٍ: أَيْ مَا شُرِعَ لِأَسْبَابٍ مَاضِيَةٍ، وَهُوَ مَنْ أَرَادَ حَمْلَهُ يَتَوَضَّأُ - يَعْنِي لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ، مِنَ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ» " وَهُوَ شَرْطُ مُسْلِمٍ، وَتَضْعِيفُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ حِينَ التَّضْعِيفِ إِلَّا مِنْ وُجُوهٍ " ضَعِيفَةٍ "، أَوْ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ الْحَدِيثِ دُونَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْفُقَهَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ إِلَى وُجُوبِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ
الصَّحَابَةِ هُنَا، وَفِي مَسْأَلَةِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهِ لَنُقِلَ نَقْلًا عَامًّا وَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ هِيَ مِمَّنْ يَرْوِي الِاغْتِسَالَ مِنْهُ وَتُفْتِي بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ هُوَ اسْتِحْبَابٌ.
لَا سِيَّمَا وَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ أَمَرَهُ لِمُوَارَاتِهِ دُونَ تَغْسِيلِهِ، وَتَعْلِيلُهُمْ بِعَدَمِ النَّجَاسَةِ يُفِيدُ غَسْلَ مَا يُصِيبُ الْغَاسِلَ مِنْهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا دُونَ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ مِنَ الْحِجَامَةِ فَمُسْتَحَبٌّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِفِعْلِ عَلِيٍّ.
وَفِي الْأُخْرَى لَا يُسْتَحَبُّ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَقْتَضِيهِ، كَالرُّعَافِ وَالْفِصَادِ، وَحَدِيثُهُ مُضَعَّفٌ.
وَأَمَّا اغْتِسَالُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا فَاقَا، فَإِنْ رَأَيَا مَنِيًّا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الِاغْتِسَالُ، وَإِنْ لَمْ يَرَيَا بَلَلًا أَصْلًا فَفِي وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يَجِبُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ.
قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَذَكَرَتْ إِرْسَالَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي أَفْعَالِهِ الْوُجُوبُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، يُؤَكِّدُ ذَلِكَ فِي الِاغْتِسَالِ أَنَّهُ أَفْتَى السَّائِلَ عَنِ الِاغْتِسَالِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَيَغْتَسِلَ مِنْهُ، وَأَفْتَى عَامَّةُ الصَّحَابَةِ بِقَوْلِهَا: " «فَعَلْتُ ذَلِكَ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاغْتَسَلْنَا» " لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ مَعَ مَشَقَّتِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا
لَتَرَكَهُ؛ وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلْجَنَابَةِ غَالِبًا، فَأُقِيمَ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ، كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ، وَالْوَطْءِ مَعَ الْإِنْزَالِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: " قَلَّ مَا يَكُونُ الْإِغْمَاءُ إِلَّا أَمْنَى " وَقَالَ: " قَلَّ أَنْ يُصْرَعَ إِلَّا احْتَلَمَ " بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِاحْتِلَامُ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمَعَ هَذَا كَانَ يَغْتَسِلُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِغْمَاءَ سَبَبٌ لِلْغُسْلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ الْإِنْزَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَحْفُوظًا فِي مَنَامِهِ مِنَ الْحَدَثِ كَانَ يَنَامُ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ، فَإِذَا وَجَبَ الْوُضُوءُ عَلَى الْأُمَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ، فَوُجُوبُ الِاغْتِسَالِ الَّذِي فَعَلَهُ أَوْلَى.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ، فَلَمْ يُوجِبِ الِاغْتِسَالَ كَالنَّوْمِ، وَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ هُنَا أَمْكَنَ اعْتِبَارُهَا، فَإِنَّ الْمَنِيَّ يَبْقَى فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ فِي النَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَوْ وَجَدَ وَلَمْ يَتَيَقَّنْهُ مَنِيًّا فَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ أَيْضًا، بِخِلَافِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَرَضِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ، وَقِيلَ: يَجِبُ كَالنَّوْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُشْرَعُ لَهُ الِاغْتِسَالُ بِكُلِّ حَالٍ بِخِلَافِ النَّائِمِ، فَوُجُوبُ الِاغْتِسَالِ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَى النَّائِمِ أَوْلَى؛ وَلِهَذَا لَوْ رَأَى الْمَرِيضُ غَيْرُ الْمَبْرُودِ بَلَلًا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ مَنِيٌّ بِخِلَافِ صَاحِبِ الْإِبْرِدَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَاجِبُ فِيِ الغسل النِّيَّةُ وتعميم البدن مع المضمضة والاستنشاق]
مَسْأَلَةٌ " وَالْوَاجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ، وَتَعْمِيمُ بَدَنِهِ بِالْغُسْلِ، مَعَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ " أَمَّا النِّيَّةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ وُجُوبِهَا، وَالنِّيَّةُ الْمُجْزِئَةُ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ حَدَثِ النَّجَاسَةِ وَالِاغْتِسَالِ لِمَا يُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِي الْوُضُوءِ، فَإِنْ تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَلَ بِنِيَّةِ طَهَارَةٍ مَسْنُونَةٍ مِثْلَ أَنْ يَنْوِيَ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ، أَوِ الْوُضُوءَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ لِذِكْرِ اللَّهِ، أَوْ لِلنَّوْمِ، أَوْ لِلْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ يَغْتَسِلَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، وَنَحْوِهَا مِنْ أَغْسَالِ الصَّلَوَاتِ وَالْمَنَاسِكِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ تَطَهَّرَ لِصَلَاةِ نَافِلَةٍ أَوْ مَسِّ الْمُصْحَفِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ، وَلَا مَا وَجَبَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَمَا لَوْ تَطَهَّرَ لِزِيَارَةِ الصَّدِيقِ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: " إِنْ نَوَى الطَّهَارَةَ لِمَا يُشْرَعُ لَهُ رَفْعُ الْحَدَثِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ - أَجْزَأَهُ وَإِنْ نَوَى مَا لَا يُشْرَعُ مَعَهُ رَفْعُ الْحَدَثِ كَالتَّجْدِيدِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ ".
فَصْلٌ
وَأَمَّا تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بِالْمَاءِ، فَالْمُرَادُ أَنْ يَغْسِلَ الظَّاهِرَ جَمِيعَهُ وَمَا فِي حُكْمِهِ مِنَ الْبَاطِنِ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَهُوَ مَا يُسَنُّ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ، أَوْ يُغْسَلُ مِنَ النَّجَاسَةِ كَالْبَشَرَةِ الَّتِي تَحْتَ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ، مِثْلَ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَمَوَاضِعِ الْمُبَالَغَةِ مِنْ بَاطِنِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ، هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا.
وَآخَرُونَ أَوْجَبُوا هُنَا مَا يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ يُنْهَى عَنِ الْمُبَالَغَةِ، فَإِنْ بَالَغَ دَخَلَ فِي الْمَنْهِيِّ، وَإِنْ لَمْ يُبَالِغْ لَزِمَ الْإِخْلَالُ بِوَاجِبٍ فِي الْغُسْلِ، وَلِأَنَّ الصَّائِمَ الْمُتَطَوِّعَ لَا يُبَالِغُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا سَقَطَ بِالتَّطَوُّعِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي حَفْصٍ فِي الْوُضُوءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَبُلُّوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» ". احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَعَلَ اللَّهِ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ " قَالَ عَلِيٌّ: " فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ شَعْرِي» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ
تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، فَتَعَلَّقَتْ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ كَطَهَارَةِ الْجُنُبِ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ غَسْلُ حَشَفَةِ الْأَقْلَفِ الْمُنْفَتِقِ إِذَا أَمْكَنَ تَشْمِيرُ الْقَلَفَةِ، كَمَا يَجِبُ تَطْهِيرُهَا مِنَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمُرْتَتِقِ، فَأَمَّا بَاطِنُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ جَنَابَةٍ وَلَا نَجَاسَةٍ.
وَأَقَرَّ النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْبَاطِنِ فَأَشْبَهَ الْحُلْقُومَ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ الْفِطْرُ بِحُصُولِ الْحَشَفَةِ فِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: يَجِبُ غَسْلُهُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ كَحَشَفَةِ الْأَقْلَفِ، وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى مَا عَمُقَ مِنْ فَرْجِهَا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ، وَإِذَا كَانَ عَلَى يَدَيْهِ أَوْ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ نَجَاسَةٌ، ارْتَفَعَ الْحَدَثُ قَبْلَ زَوَالِهَا عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ، فَكَذَلِكَ أَثَّرَ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَأَشْبَهَ تَغَيُّرُهُ بِالطَّاهِرَاتِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ إِلَّا مَعَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمَاءِ قَدْ لَاقَى النَّجَاسَةَ وَانْفَصَلَ نَجِسًا، فَلَا يَكُونُ رَافِعًا لِلْحَدَثِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمِيَاهِ النَّجِسَةِ.
[مَسْأَلَةٌ يسَنُّ في الغسل التَّسْمِيَةُ وتُدَليِّكَ البَدَن]
مَسْأَلَةٌ
" وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ، وَأَنْ يُدَلِّكَ بَدَنَهُ بِيَدَيْهِ، وَيَفْعَلَ كَمَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ قَالَتْ: " «سَتَرْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ أَوِ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» ".
أَمَّا التَّسْمِيَةُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ كَالتَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا مَضَى.
وَأَمَّا دَلْكُ الْبَدَنِ فِي الْغُسْلِ وَدَلْكُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِيهِ " فَيَجِبُ " إِذَا لَمْ يَعْلَمْ
وُصُولَ الطَّهُورِ إِلَى مَحَلِّهِ بِدُونِهِ مِثْلَ بَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ، وَإِنْ وَصَلَ الطَّهُورُ بِدُونِهَا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " «أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ» ". وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ، قَالَ: " تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطْهُرُ، فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتُدَلِّكُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطْهُرُ بِهَا " قَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ تَطْهُرِينَ بِهَا " فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: تَتَّبِعِينَ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.
وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَقَالَ: " تَأْخُذُ مَاءً فَتَطْهُرُ فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتُدَلِّكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ بِالتَّدْلِيكِ يَحْصُلُ الْإِنْقَاءُ وَيُتَيَقَّنُ التَّعْمِيمُ الْوَاجِبُ، فَشُرِعَ، كَتَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَا يَجِبِ الدَّلْكُ وَإِمْرَارُ الْيَدِ فِي الْغُسْلِ بِخِلَافِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِقَوْلِهِ: فِي حَدِيثِ أَمِّ سَلَمَةَ: " «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» ". وَكَذَلِكَ ذَكَرَ " لَا سِيَّمَا " إِفَاضَةَ الْمَاءِ عَلَى سَائِرِ الْجَسَدِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الدَّلْكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الشَّعْرِ لِأَنَّهُ بِهِ يَحْصُلُ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ.
وَقَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: تَذَاكَرْنَا غُسْلَ الْجَنَابَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " «أَمَّا أَنَا فَآخُذُ مِلْءَ كَفِّي ثَلَاثًا، فَأَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أُفِيضُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِي» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَلَوْ كَانَ الدَّلْكُ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ؛ لِيَتَبَيَّنَ الْوَاجِبُ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: " «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» ".
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ وَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ حَثَى عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: " «كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِغَسْلِ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا» " وَلِلْبُخَارِيِّ: " «يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعْرَهُ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» ".
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْغُسْلَ قِسْمَانِ: كَامِلٌ وَمُجْزِئٌ، فَالْمُجْزِئُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْكَامِلُ فَهُوَ اغْتِسَالُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ خَصْلَةً:
أَوَّلُهَا: النِّيَّةُ.
وَثَانِيهَا: التَّسْمِيَةُ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَأَوْكَدَ؛ لِأَنَّ هُنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْهُمَا بِذَلِكَ.
وَرَابِعُهَا: أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيُدَلِّكَ يَدَهُ بَعْدَهُ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ أَزَالَهَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ؛ لِئَلَّا تُمَاعَ بِالْمَاءِ، وَلِئَلَّا يَتَوَقَّفَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ عَلَى زَوَالِهَا فِي الْمَشْهُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا أَخَّرَ غَسْلَ الْفَرْجِ، فَإِنْ مَسَّ انْتَقَضَ وُضُوؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ أَخَلَّ بِسُنَّةِ الدَّلْكِ، وَرُبَّمَا لَا يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إِلَى مَغَابِنِهِ إِلَّا بِالدَّلْكِ، وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَّ ذَكَرَهُ.
وَخَامِسُهَا: أَنْ يَتَوَضَّأَ وَلَا يُكْمِلَ الِاغْتِسَالَ إِلَّا بِالْوُضُوءِ، سَوَاءٌ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ: " «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ
غُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: تَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْسِلْ رَأْسَكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفِضْ عَلَى رَأْسِكَ وَسَائِرِ جَسَدِكَ» ".
وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ يُسَنُّ فِيهِ تَقْدِيمُ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِهَا، بِدَلِيلِ وُجُوبِ تَطْهِيرِهَا فِي الطَّهَارَتَيْنِ، فَإِذَا فَاتَهَا التَّخْصِيصُ فَلَا أَقَلَّ مِنَ التَّقْدِيمِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ وُضُوءُ الْجُنُبِ مُؤَثِّرًا فِي نَوْمِهِ وَأَكْلِهِ وَجِمَاعِهِ وَجُلُوسِهِ فِي الْمَسْجِدِ.
وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، أَوْ يُؤَخِّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكْفِي إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَدَلْكُهُ مِنْ مَسْحِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْوُضُوءِ، وَلِذَلِكَ فِي الْغُسْلِ الْأَفْضَلُ صِفَةُ عَائِشَةَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَإِنِ احْتِيجَ إِلَى غَسْلِهِمَا ثَانِيًا لِكَوْنِهِ بِمُسْتَنْقَعٍ يَقِفُ الْمَاءُ فِيهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ كَذَلِكَ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ غَالِبِ فِعْلِهِ، وَمَيْمُونَةُ أَخْبَرَتْ عَنْ غُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الْأَمْرَ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَأَشْبَهَا الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ، وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ تَقَدَّمَ فِيهِ الْوُضُوءُ جَمِيعُهُ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ.
وَعَنْهُ أَنَّ صِفَةَ مَيْمُونَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ غُسَالَةَ الْبَدَنِ تَنْصَبُّ إِلَيْهَا فَتُنْدِيهِمَا وَتُلَوِّثُهُمَا، فَتُعُيِّنَ عَلَى غَسْلِهِمَا وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى إِعَادَتِهِ ثَانِيًا، وَيَكُونُ أَقَلَّ فِي إِرَاقَةِ الْمَاءِ، وَلِذَلِكَ بَدَأَ بِأَعَالِي الْبَدَنِ قَبْلَ أَسَافِلِهِ.