شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الطهارةصفحات 497-515

وَقَدْرٌ مَعْلُومٌ يُبْنَى عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ مِثْلَ الْعَادَةِ، بَلْ تَقَدَّمَ تَارَةً وَتَأَخَّرَ أُخْرَى، وَضَاقَ مَرَّةً وَاتَّسَعَ أُخْرَى، وَوُجِدَ مَرَّةً، وَعُدِمَ أُخْرَى، فَكَذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَّا أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُ وَلَا الْمُضِيِّ فِيهَا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُتَّسِعٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَلْغَتِ الِانْقِطَاعَيْنِ مِنَ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، فَلَيْسَ إِلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَلِأَنَّ الِانْقِطَاعَ الضَّيِّقَ قَدْ صَارَ عَادَةً، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَعْدُ غَيْرَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الِانْقِطَاعَ لَا يُبْطِلُ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ وَيُوَقِّتُونَ بِوَقْتٍ يَقُولُونَ: إِذَا تَوَضَّأَتْ لِلصَّلَاةِ وَقَدِ انْقَطَعَ الدَّمُ ثُمَّ سَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ - تُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَيَقُولُونَ: إِذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا فَتَوَضَّأَتْ ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ - قَوْلًا آخَرَ، قَالَ: " لَسْتُ أَنْظُرُ فِي انْقِطَاعِهِ حِينَ تَوَضَّأَتْ سَالَ الدَّمُ أَمْ لَمْ يَسِلْ، إِنَّمَا آمُرُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَتُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالْفَائِتَةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى ". فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الِانْقِطَاعَ حِينَ الْوُضُوءِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ، وَأَنَّهُ سَالَ بَعْدَهُ دَمٌ أَوْ لَمْ يَسِلْ.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ طَوِيلًا فَتَوَضَّأَتْ فِيهِ وَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى سَالَ الدَّمُ فَطَهَارَتُهَا بَاقِيَةٌ، وَإِنِ اتَّسَعَ الِانْقِطَاعُ - وَأَنَّ السَّائِلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُضُوئِهَا، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَوْ هُوَ سَائِلٌ، وَلَوْ كَانَ الِانْقِطَاعُ قَدْ نَقَضَ الطَّهَارَةَ الْمَاضِيَةَ لَكَانَ الْوُضُوءُ فِيهِ وَاجِبًا بِخِلَافِ السَّيَلَانِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي

هَذَا الْكَلَامِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الْحَدَثِ لَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ، فَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِانْقِطَاعِ الْقَلِيلِ الْمُعْتَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُمْ أَهْلُ الْوَجْهِ الثَّانِي، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا أَثَرَ لِهَذَا الِانْقِطَاعِ الْعَارِضِ أَوِ الْمُخْتَلِفِ الْمُعْتَادِ، وَأَنَّ طَهَارَتَهَا صَحِيحَةٌ مَا لَمْ يَنْقَطِعِ انْقِطَاعَ بُرْءٍ أَوْ يَخْرُجِ الْوَقْتُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الِانْقِطَاعِ مَعْلُومًا وَاسِعًا كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ صَاحِبِ الْكِتَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَمَّا الِانْقِطَاعُ لِلْعَارِضِ فَإِنَّهَا تَفْعَلُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْمُتَكَرِّرُ وَالْمُخْتَلِفُ فَإِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي الْجُمْلَةِ أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَوِ اخْتَلَفَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ وُجُودًا وَعَدَمًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْتَحَاضَاتِ، فَإِنَّهُ يَعْرِضُ كَثِيرًا لَهُنَّ، ثُمَّ تَكْلِيفُهَا كُلَّمَا انْقَطَعَ الدَّمُ لَحْظَةً أَنْ تَنْظُرَ هَلْ يَعُودُ بَعْدَ مُدَّةٍ مُتَّسِعَةٍ أَوْ ضَيِّقَةٍ، فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ فِيهِ تَقْدِيرُ الطَّهَارَةِ بِالْفِعْلِ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ، وَإِنَّ قَوْلَهُمْ: " قَدْرَ مَا يَسَعُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ " يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ بُعْدِ الْمَاءِ مِنَ الْمُتَوَضِّئِ وَقُرْبِهِ وَسُرْعَتِهِ وَبِطَائِهِ وَنَشَاطِهِ وَكَسَلِهِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ، ثُمَّ بِمَاذَا يُقَدِّرُونَ هَذَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ؟ بِأَقَلِّ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْمُتَوَضِّئِ مَرَّةً مَرَّةً، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَمْ بِالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ الْكَامِلَتَيْنِ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَنَحْنُ نُجَوِّزُ لَهَا مَعَ قِيَامِ الدَّمِ أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةً كَامِلَةً، فَلَأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إِذَا انْقَطَعَ وَخَشِيَتْ عَوْدَهُ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَكَذَلِكَ الثَّانِي، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا تَطْوِيلُ الْأُولَى، ثُمَّ لَوْ كَانَ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ بِهِ وَلَمْ يَتَّسِعِ الْوَقْتُ لِلْقَدْرِ الْمُجْزِئِ لَمَا جَاءَ تَكْمِيلُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، كَمَنْ خَشِيَ أَنَّهُ إِنْ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا وَصَلَّى صَلَاةً كَامِلَةً خَرَجَ الْوَقْتُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا، ثُمَّ إِنَّهَا لَا

تَعْلَمُ قَدْرَ الزَّمَانِ إِلَّا بِمُضِيِّهِ، وَحِينَئِذٍ يَفُوتُ الْمَقْصُودُ، فَكَيْفَ تُكَلَّفُهُ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ ثَانِيًا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ لِقِيَامِ الْحَدَثِ مَعَهُ، وَهِيَ لَا تُنْسَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَفْرِيطٍ، ثُمَّ تَقْدِيرُ الزَّمَانِ بِفِعْلٍ قَلِيلٍ لِلْوَاحِدِ، إِنَّمَا يُعْلَمُ بِحَزْرٍ وَفَرْضٍ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ آرَاءِ النَّاسِ، وَمَوَاقِيتُ الْعِبَادَاتِ حُدُودٌ لِلَّهِ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهَا، فَكَيْفَ يُفَوَّضُ إِلَى النَّاسِ.

[مَسْأَلَةٌ إِذَا اسْتَمَرَّ بالمستحاضة الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ]

مَسْأَلَةٌ " فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَحَيْضُهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً، وَلَهَا تَمْيِيزٌ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ دَمِهَا أَسْوَدَ ثَخِينًا، وَبَعْضُهُ رَقِيقًا أَحْمَرَ - فَحَيْضُهَا زَمَنُ الْأَسْوَدِ الثَّخِينِ ". أَمَّا إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ مَحْفُوظَةٌ يُعْلَمُ قَدْرُهَا وَوَقْتُهَا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا عَادَةٌ رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا فَجَلَسَتْ قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهَا حَيْضَتُهَا، سَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ فِي جَمِيعِهَا أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ، أَوْ بَعْضُهُ أَسْوَدَ، وَبَعْضُهُ أَحْمَرَ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ، فَإِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ مُحْتَدِمٌ، وَدَمَ الْمُسْتَحَاضَةِ أَحْمَرُ رَقِيقٌ أَوْ أَصْفَرُ، فَتَجْلِسُ زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَلَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ بِأَنْ كَانَ الدَّمُ كُلُّهُ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ، وَزَادَ الْأَسْوَدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ نَقَصَ عَنْ أَقَلِّهِ، رُدَّتْ إِلَى الْعَادَةِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، فَإِنْ كَانَ زَمَنَ الْعَادَةِ كُلُّهُ أَسْوَدَ،

وَمَا سِوَاهُ أَحْمَرُ، عَمِلَتْ بِذَلِكَ بِلَا شُبْهَةٍ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: " إِنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ.
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَيُرْجَعُ إِلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ كَالْمَنِيِّ الْمُشْتَبِهِ بِالْمَذْيِ، وَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ فِي تَمَيُّزِ الدَّمِ حَاضِرَةٌ، وَالْعَادَةُ عَلَامَةٌ مُنْقَضِيَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أُمَّ حَبِيبٍ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّمَ، قَالَ لَهَا: " «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي» "، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنِ الْقَاسِمِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، فَقَالَ: " «تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ الْعَصْرَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَتُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
«وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا

اسْتَفْتَتْ رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةٍ تُهْرَاقُ الدَّمَ، فَقَالَ: " لِتَنْظُرْ قَدْرَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ فَتَدَعُ الصَّلَاةَ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَلْتَسْتَثْفِرْ ثُمَّ تُصَلِّي» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةٍ فَسَدَ حَيْضُهَا وَاهْرِيقَتْ دَمًا لَا تَدْرِي مَا تُصَلِّي، قَالَتْ: " فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَهَا فَلْتَنْتَظِرْ قَدْرَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، ثُمَّ لْتَدَعِ الصَّلَاةَ فِيهِنَّ وَتُقَدِّرُهُنَّ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُحْسِنُ طُهْرَهَا ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ ثُمَّ تُصَلِّي» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ طَبِيعَةٌ ثَابِتَةٌ، فَوَجَبَ الرَّدُّ إِلَيْهَا عِنْدَ التَّغَيُّرِ لِتَمْيِيزِ دَمِ الْجِبِلَّةِ مِنْ دَمِ الْفَسَادِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ مَرَضٌ وَفَسَادٌ، وَالْفَاسِدُ هُوَ مَا خَرَجَ مِنْ عَادَةِ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، وَلِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى سَقَمِ الْأَعْضَاءِ بِخُرُوجِهَا عَنْ عَادَتِهَا، وَقَدَّمْنَا الْعَادَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَى بِهِ فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ بِالتَّمْيِيزِ مُقَدَّمًا لَبَدَأَ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ عَنْ حَالِ دَمِهَا، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ يُوجِبُ عَدَمَ الْجَوَابِ لِجَمِيعِ صُوَرِ السُّؤَالِ، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِنَّ مُمَيِّزَةٌ، وَلِأَنَّ الدَّمَ الْمَوْجُودَ فِي الْعِدَّةِ هُوَ حَيْضٌ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ بِكُلِّ حَالٍ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ؛ بِخِلَافِ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَلِأَنَّ الدَّمَ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ حَادِثٌ مَعَ الِاسْتِحَاضَةِ، فَكَانَ اسْتِحَاضَةً، كَمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الدَّمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا حَدَثَ وَهُنَاكَ سَبَبٌ صَالِحٌ لَهُ أُضِيفَ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ الدَّمَ الْأَسْوَدَ إِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنَ الْعَادَةِ فَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ حَيْضٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، وَلِأَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَنَا أَنَّ الدَّمَ إِذَا تَغَيَّرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ عَنْ حَالِهِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ فَيَصِيرَ عَادَةً فِي الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُعْتَادَةِ؛ مَعَ أَنَّهُ صَالِحٌ لَا يَكُونُ حَيْضًا، فَلَأَنْ يُعْمَلَ بِالْعَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ

مَعَ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْلَى، وَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: " لَا، إِنَّ ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَقَدْ رَدَّهَا تَارَةً إِلَى التَّمْيِيزِ، وَتَارَةً إِلَى الْعَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْعَادَةِ أَوَّلًا فَلَمْ يَقْطَعْهَا، فَأَمَرَهَا بِالتَّمْيِيزِ، كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: " إِنَّهَا نَسِيَتْ أَيَّامَهَا ". وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعَادَةِ الَّتِي يُرْجَعُ إِلَيْهَا، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِثَلَاثٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ، فَإِذَا رَأَتْ دَمًا أَسُودَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَمَا فِيهِ دَمٌ أَحْمَرُ مُتَّصِلٌ، وَهِيَ مُبْتَدَأَةٌ أَوْ نَاسِيَةٌ، ثُمَّ صَارَ دَمًا مُبْهَمًا - فَإِنَّهَا تَجْلِسُ زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَلَكِنْ هَلْ تُقَدَّمُ هَذِهِ الْعَادَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَعْدَمَا أَثْبَتْنَا التَّمْيِيزَ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مِثْلَ أَنْ تَرَى فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ خَمْسَةً: أَحْمَرَ ثُمَّ أَسْوَدَ وَثَلَاثَةً أَحْمَرَ ثُمَّ أَسْوَدَ، فَقِيلَ: حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ قَدْرَ عَادَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَسْوَدَ يَمْنَعُ الْأَحْمَرَ قَبْلَهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَصْلُ هَذِهِ الْعَادَةِ، فَيَكُونُ أَقْوَى مِنْهَا، وَقِيلَ: حَيْضُهَا مِنَ الْأَحْمَرِ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَانَ الْعَادَةِ، وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْعَادَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّمْيِيزِ.

فَصْلٌ وَالْعَادَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُتَّفِقَةٍ وَمُخْتَلِفَةٍ، فَالْمُتَّفِقَةُ: أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ كُلِّ شَهْرٍ، فَيُعْمَلُ بِهَا، وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَةُ فَعَلَى قِسْمَيْنِ: مَضْبُوطَةٍ وَغَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَالْمَضْبُوطَةُ إِنْ كَانَتْ عَلَى تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ثَلَاثَةً، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً، ثُمَّ تَحِيضُ ثَلَاثَةً ثُمَّ أَرْبَعَةً ثُمَّ خَمْسَةً، فَإِذَا اسْتُحِيضَتْ قَعَدَتْ هَكَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَتَجْلِسُ فِي شَهْرِ

الِاسْتِحَاضَةِ بِقَدْرِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ تَبْنِي عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ شَهْرَ الِاسْتِحَاضَةِ جَلَسَتِ الْيَقِينَ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَاغْتَسَلَتْ عَقِيبَهَا غُسْلًا وَاحِدًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الثَّانِي: تَجْلِسُ أَكْثَرَهُ لِأَنَّ هَذِهِ مُتَحَيِّرَةٌ، فَتَجْلِسُ أَغْلَبَ عَادَاتِ النِّسَاءِ، أَوْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي رِوَايَةٍ، لَكِنَّ هُنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا بِيَقِينٍ، وَلَا يَلْزَمُهَا إِلَّا غُسْلٌ وَاحِدٌ كَالْمُتَمَيِّزَةِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ شَيْئًا مَضْبُوطًا مُعْتَادًا عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبٍ، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ خَمْسَةً، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَةً، وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةً، وَتُسَمَّى الْعَادَةَ الدَّائِرَةَ.
وَأَمَّا الَّتِي لَيْسَتْ مَضْبُوطَةً، مِثْلَ أَنْ تَحِيضَ تَارَةً ثَلَاثَةً، وَتَارَةً خَمْسَةً، وَتَارَةً أَرْبَعَةً، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَتَّسِقُ عَلَى نِظَامٍ - فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الْأَقَلَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَةٌ بِيَقِينٍ، وَالزَّائِدُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَوْ نَقَصَتْ عَادَتُهَا، كَمَنْ عَادَتُهَا عَشَرَةٌ فَرَأَتْ سَبْعَةً وَطَهُرَتْ، فَإِنَّهَا طَاهِرٌ، فَإِذَا اسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ جَلَسَتِ السَّبْعَةَ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْعَادَةُ الْقَرِيبَةُ، وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ طُهْرٌ مُتَيَقَّنٌ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَعْقُبُهُ شَهْرُ الِاسْتِحَاضَةِ، فَلَمْ يَكُنْ حَيْضًا كَمَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ.

فَصْلٌ فَإِنْ تَغَيَّرَتِ الْعَادَةُ بِتَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ أَوْ زِيَادَةٍ لَمْ تُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ فَتَرَى الْحَيْضَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا - لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ؛ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ يَكُونُ مَشْكُوكًا فِيهِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَقْضِي الصَّوْمَ إِنْ تَكَرَّرَ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنْ يَئِسَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَانْقَطَعَ حَيْضُهَا تَقْضِيهِ كَطُهْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَقِيلَ: تَقْضِيهِ كَصَوْمِ النِّفَاسِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِي آخِرِ الْعَادَةِ إِنْ كَانَ فِي أَثَرِ الْعَادَةِ؛ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ بِمَنْزِلَةِ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَوْلَى.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: " إِنَّ نِسَاءَكُنَّ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ، فِيهَا الْكُرْسُفُ، فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ.
تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ " فَاعْتَبَرَتْ حُصُولَ النَّقَاءِ الْخَالِصِ، وَلَمْ تَأْمُرْهُنَّ بِالْعَادَةِ.
وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: " كُنَّا فِي حِجْرِ جَدَّتِي أَسْمَاءَ بَنَاتِ بِنْتِهَا، فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَطْهُرُ مِنَ الْحَيْضَةِ، ثُمَّ لَعَلَّ الْحَيْضَةَ تُنَكِّسُهَا بِالصُّفْرَةِ فَتَأْمُرُنَا أَنْ نَعْتَزِلَ الصَّلَاةَ مَا رَأَيْنَاهَا حَتَّى لَا نَرَى إِلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا " رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّمِ الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ؛ لِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ دَمُ مَرَضٍ وَفَسَادٍ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يُرِيبُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ: " إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، أَوْ قَالَ: عُرُوقٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَتْ أَمُّ عَطِيَّةَ: " كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الطُّهْرِ الْمُعْتَادِ لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَلِأَنَّهُ دَمٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَادَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يُمَيَّزَ بِالتَّكْرَارِ؛ كَالزَّائِدِ عَلَى الْعَادَةِ فِي حَقِّ الِاسْتِحَاضَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَخُرُوجُهُ عَلَى الْعَادَةِ يُورِثُ الشَّكَّ فِيهِ، فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ، فَأَمَّا إِنْ نَقَصَ عَنِ الْعَادَةِ فَإِنَّ الطُّهْرَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطَّاهِرَ لَا تَكُونُ حَائِضًا قَطُّ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ قَبْلَ كَمَالِ الْعَادَةِ طُهْرٌ

صَحِيحٌ إِذَا رَأَتِ النَّقَاءَ الْخَالِصَ، فَإِنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ فِي الْعَادَةِ حَيْضٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إِذَا رَأَتْ بَعْدَ الْغُسْلِ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ ".

فَصْلٌ أَمَّا التَّمْيِيزُ فَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَزِيدَ الدَّمُ الْأَسْوَدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَلَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّهِ، وَأَنْ لَا يَنْقُصَ الْأَحْمَرُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اخْتِلَافِ لَوْنِ الدَّمِ، فَتَكُونُ أَقْرَاؤُهُ هُوَ الْحَيْضَ، وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةً، فَإِذَا رَأَتْ خَمْسَةً أَسْوَدَ وَخَمْسَةً أَحْمَرَ وَخَمْسَةً أَصْفَرَ، فَالْأَسْوَدُ هُوَ الْحَيْضُ، وَالْأَحْمَرُ وَالْأَصْفَرُ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى التَّمْيِيزِ تَكَرُّرُهُ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، بَلْ نَصُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي الْآخَرِ: لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ كَالْعَادَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا، لَا سِيَّمَا إِذَا قَدَّمْنَا الْعَادَةَ عَلَيْهِ، فَلَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أَسْوَدَ، وَالْبَاقِي أَحْمَرُ، فَالْحَيْضُ أَيَّامُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ أَوَّلَ مَرَّةٍ تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ لِأَنَّ اسْتِحَاضَتَهَا لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً، ثُمَّ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي تَجْلِسُ الدَّمَ الْأَسْوَدَ كُلَّهُ، وَتَقْضِي مَا فَعَلَتْهُ فِي مُدَّةِ الدَّمِ الْأَسْوَدِ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ صِيَامٍ وَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ تَكَرَّرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ صَارَ عَادَةً، فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ أَوِ الثَّالِثِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ دَمُهَا أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ؛ لِأَنَّهُ زَمَنُ عَادَةٍ، فَيُقَدَّمُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَلَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَحْمَرَ ثُمَّ أَسْوَدَ، وَلَمْ يَجْرِ الْأَسْوَدُ أَكَثَرَ الْحَيْضِ، فَحَيْضُهَا زَمَنُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ، وَلَا يَضُرُّهُ تَقَدُّمُ الْأَحْمَرِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَضُرُّ زَمَنَ الْعَادَةِ تَقَدُّمُ دَمٍ آخَرَ عَلَيْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا أَنَّ التَّمْيِيزَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَكْرَارٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يَفْتَقِرُ إِلَى تَكْرَارٍ فَإِنَّهَا تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ ثَلَاثَةً، وَإِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ،

فَقِيلَ: تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْأَحْمَرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ، فَكَانَتْ كَمَنِ اتَّفَقَ لَوْنُ دَمِهَا، وَقِيلَ: تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ تَكَوُّنَ دَمِ الْحَيْضِ، وَلَوْ كَانَ الْأَحْمَرُ الْمُتَقَدِّمُ أَكْثَرَ مِنَ الطُّهْرِ الْكَامِلِ بِقَدْرِ حَيْضَةٍ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَبَاقِي الشَّهْرِ أَسْوَدُ - فَعَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الْأَسْوَدِ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
وَالثَّانِي: تَحِيضُ مِنْ أَوَّلِ الْأَحْمَرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَتَحِيضُ الْأَسْوَدَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا حَيْضَتَيْنِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا تَحِيضُ عَلَى هَذَا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ حُيِّضَتْ غَالِبَ الْحَيْضِ وَنَحْوَهُ لَنَقَصَ مَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَهُوَ يَفْتَقِرُ بِحَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى تَكَرُّرِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْأَحْمَرُ مَعَ الْأَسْوَدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهَرٍ، فَقِيلَ: لَيْسَ لَهَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً وَطُهْرًا، فَإِذَا خَالَفَ التَّمْيِيزُ الْغَالِبَ ضَعُفَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ كَانَ زَمَنُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَالَبِ الْحَيْضِ.

فَصْلٌ وَالْأَحْمَرُ كَالْأَسْوَدِ فِي غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ مِثْلُهُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ السَّوَادُ فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ، فَلَا تَكُونُ بَالِغَةً بِالْأَحْمَرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» "، وَلِأَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ لَا عَادَةَ لَهَا، فَيَكُونُ السَّوَادُ دَلِيلَ الْحَيْضَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ إِذَا جَاءَ فِي الْعَادَةِ بَدَلَ الْأَسْوَدِ كَانَ حَيْضًا، فَإِذَا لَمْ يُخَالِفْ صِفَةً مُتَقَدِّمَةً فَهُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا تَجِيءُ الْحَيْضَةُ مِنْهَا وَحْدَهَا قَطُّ، فَأَمَّا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فَهِيَ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ حَيْضٌ يَتَقَدَّمُهَا حُمْرَةٌ وَسَوَادٌ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمُهَا، وَفِيمَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ لَيْسَتْ بِحَيْضٍ، تَكَرَّرَتْ مِنْهَا أَوْ لَمْ تَتَكَرَّرْ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا الْوُضُوءُ،

وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إِنْ تَكَرَّرَتْ كَانَتْ حَيْضًا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهَا بِالتَّكَرُّرِ تَصِيرُ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ مَا تَرَاهُ بَعْدَ الطُّهْرِ، فَإِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ لَوْ كَانَ دَمًا، وَلِأَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ مِنْ أَلْوَانِ الدَّمِ، فَأَشْبَهَ السَّوَادَ وَالْحُمْرَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي الَّتِي تَرَى مَا يُرِيبُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ: " «إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ أَوْ عُرُوقٌ» "، وَقَالَتْ أَمُّ عَطِيَّةَ: " كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ: " بَعْدَ الطُّهْرِ "، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ قَبْلَ الطُّهْرِ حَيْضٌ.
كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ: " إِنَّ نِسَاءَكُنَّ يُرْسِلْنَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الشَّيْءُ مِنَ الصُّفْرَةِ إِلَيْهَا، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ "، قَالَ أَحْمَدُ: " الْقُصَّةُ شَيْءٌ يَتْبَعُ الْحَيْضَةَ أَبْيَضُ، لَا يَكُونُ فِيهِ صُفْرَةٌ وَلَا كُدْرَةٌ "، وَقَالَ أَيْضًا: " تُدْخِلُ الْقُطْنَةَ، فَتَخْرُجُ عَلَيْهَا نُقْطَةٌ بَيْضَاءُ تَكُونُ عَلَى أَثَرِ الدَّمِ، هِيَ عَلَامَةُ الطُّهْرِ " وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " الْقُصَّةُ الْبَيْضَاءُ: إِذَا اسْتُدْخِلَتِ الْقُطْنَةُ فَخَرَجَتْ بَيْضَاءَ لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ " وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ.
وَالْقُصَّةُ بِضَمِّ الْقَافِ: الْقُطْنَةُ الَّتِي تَحْشُوهَا الْمَرْأَةُ، فَإِذَا خَرَجَتْ بَيْضَاءَ لَا تَغَيُّرَ عَلَيْهَا فَهِيَ الْقُصَّةُ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " فِي الصُّفْرَةِ

وَالْكُدْرَةِ إِذَا كَانَتْ وَاصِلَةً بِالْحَيْضِ فَهِيَ بَقِيَّةٌ مِنَ الْحَيْضِ لَا تُصَلِّي حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ ثُمَّ رَأَتِ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا تِلْكَ التَّرِيَّةُ، تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي ". قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: " إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ الْأَبْيَضَ ثُمَّ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً مُسْتَلْزِمًا بِحَيْضِهَا فِي أَيَّامِ أَقْرَائِهَا فَذَلِكَ حَيْضٌ كُلُّهُ ". قَالَ: " وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ ". وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إِذَا رَأَتْ بَعْدَ الطُّهْرِ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ، وَإِنْ رَأَتْ دَمًا أَحْمَرَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ " وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ حُكْمَهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الدَّمِ الْأَحْمَرِ، تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَلِأَنَّهُ عَدِمَ اللَّوْنَ وَالْعَادَةَ، فَضَعُفَ كَوْنُهُ حَيْضًا، وَهُوَ وَحْدَهُ لَا يَكَادُ يَتَكَرَّرُ وَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ فَهُوَ نَادِرٌ، وَلَوْ رَأَتِ الْمُبْتَدَأَةُ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: " تَجْلِسُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ لِلْمُبْتَدَأَةِ كَالْعَادَةِ لِلْمُعْتَادَةِ ". وَبَنَى عَلَى هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا لَوْ رَأَتِ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ خَارِجَ الْعَادَةِ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الدَّمِ الْعَبِيطِ فِي أَنَّهَا تَحْسِبُهَا حَيْضًا عَلَى رِوَايَةٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ، إِذِ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ لَيْسَتْ بِنَفْسِهَا حَيْضًا، لَا سِيَّمَا إِذَا وَرَدَتْ عَلَى طُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ.

[مَسْأَلَةٌ مدة الحيض إِذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا ولا تمييز]

مَسْأَلَةٌ " وَإِذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا فَحَيْضُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ عَادَاتِ النِّسَاءِ ".

ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، تَحِيضُ غَالِبَ حَيْضِ النِّسَاءِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَوْ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَحِيضُ أَقَلَّ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْحَيْضَ وَالِاسْتِحَاضَةَ، وَالصَّلَاةُ ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، فَلَا تَتْرُكُهَا بِالشَّكِّ، لَا سِيَّمَا وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّا نَحْتَاطُ بِذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ، بَقِيَ حَالُ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْلَى.
وَعَنْهُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ: أَنَّهَا تَحِيضُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ، فَتَعْمَلُ بِذَلِكَ مَا لَمْ تَتَيَقَّنْ كَوْنَهُ اسْتِحَاضَةً، وَلَا تَتَيَقَّنُ ذَلِكَ إِلَّا بِمُجَاوَزَةِ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَحِيضُ مِثْلَ حَيْضِ نِسَائِهَا مِنْ أُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاكَ الْأَقَارِبِ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَالْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ أَقْرَبُ، ثُمَّ خَرَّجَ الْقَاضِي فِي النَّاسِيَةِ مِثْلَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، وَامْتَنَعَ غَيْرُهُ مِنَ التَّخْرِيجِ؛ تَفْرِيقًا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ حَيْضَهَا أَكْثَرُ الْحَيْضِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ يُفْضِي إِلَى الْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا إِذَا انْكَشَفَ الْأَمْرُ وَذَكَرَتِ الْعَادَةَ؛ لِأَنَّهَا تَقْضِي حِينَئِذٍ مَا تَرَكَتْهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى انْكِشَافُ حَيْضِهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا رَوَتْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ «أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اسْتُحِضْتُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَرَى فِيهَا، قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ؟ فَقَالَ: " أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ "، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " فَاتَّخِذِي ثَوْبًا "، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " فَتَلَجَّمِي "، قَالَتْ: إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ: " سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيُّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ "، فَقَالَ لَهَا: " إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، فَتَغْتَسِلِينَ ثُمَّ تُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ وَتُصَلِّينَ، فَكَذَلِكَ فَافْعَلِي وَصَلِّي وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ،

وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ: " «تَلَجَّمِي وَتَحَيَّضِي فِي كُلِّ شَهْرٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي غُسْلًا وَصَلِّي وَصُومِي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ» "، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ مُتَمَيِّزَةً وَلَا مُعْتَادَةً، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَرَدَّهَا إِلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ مُبْتَدَأَةً؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً، قَدْ حَاضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ.
هَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، ثُمَّ لَمْ يَسْأَلْهَا هَلْ حَاضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَحِضْ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَسَأَلَهَا، وَلِأَنَّ السِّتَّ أَوِ السَّبْعَ أَغْلَبُ الْحَيْضِ، فَيُلْحَقُ الْمُشْتَبَهُ بِالْغَالِبِ، إِذِ الْأَصْلُ إِلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ دُونَ النَّادِرِ.

فَصْلٌ وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ السِّتِّ وَالسَّبْعِ تَخَيُّرُ تَحَرٍّ وَاجْتِهَادٍ، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ فَعَلَتْهُ وُجُوبًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: " حَتَّى إِذَا رَأَتْ أَنْ قَدْ طَهُرَتْ وَاسْتَنْقَأَتْ "، وَلِئَلَّا تَكُونَ مُخَيَّرَةً فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بَيْنَ كَوْنِ الصَّلَاةِ وَاجِبَةً أَوْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ، وَفِي الثَّانِي تَخَيُّرُ إِرَادَةٍ وَمَشِيئَةٍ، فَأَيُّهُمَا شَاءَتْ فَعَلَتْ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ " أَوْ ".

فَصْلٌ النَّاسِيَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: الْمُتَحَيِّرَةُ: وَهِيَ النَّاسِيَةُ لِلْعَدَدِ وَالْوَقْتِ فَتَحِيضُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَشْهُورِ، ثُمَّ إِنْ عَلِمَتْ شَهْرَهَا وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي لَهَا فِيهِ طُهْرٌ وَحَيْضٌ، مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: كُنْتُ أَحِيْضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً لَا أَعْلَمُ قَدْرَهَا وَلَا وَقْتَهَا، جَعَلْنَا ذَلِكَ شَهْرَ حَيْضٍ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ، ثُمَّ إِنْ ذَكَرَتْ زَمَنَ افْتِتَاحِ الدَّمِ مِثْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْهَا الدَّمُ مُدَّةً ثُمَّ يَعُودَ وَيَسْتَمِرَّ بِهَا، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ مِنْ حِينِ عَوْدَتِهِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، كَأَنَّهُ عَادَةٌ فِي خَامِسِ الشَّهْرِ فَتَجْلِسُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فِي خَامِسِهِ الْمُدَّةَ الْمَضْرُوبَةَ.
" وَالْوَجْهُ الثَّانِي " تَجْلِسُهُ بِالتَّحَرِّي كَغَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ تَذْكُرِ افْتِتَاحَ الدَّمِ وَطَالَ عَهْدُهَا بِهِ جَلَسَتْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ تَجْلِسُهُ بِالتَّحَرِّي، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَهُوَ أَصَحُّ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ هُنَا طَرِيقٌ وَلَا يُعَارِضُهُ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ أَوَّلَ الدَّمِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا مِنْ آخِرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا شَيْءٌ جَلَسَتْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: " «تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي كُلِّ شَهْرٍ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَصُومِي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ» " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ قَبْلَ الطُّهْرِ وَأَنَّهُ مَحْسُوبٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا ذَاكِرَةً لِوَقْتِهَا، مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: كُنْتُ أَحِيْضُ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنَ الشَّهْرِ وَلَا أَعْلَمُ عَدَدَهُ، فَتَجْلِسُ سِتًّا " أَوْ سَبْعًا " فِي الْمَشْهُورِ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَبِالتَّحَرِّي فِي أَقْوَاهُمَا، وَإِنْ قَالَتْ: أَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ حَائِضًا وَلَا أَعْلَمُ آخِرَ الْحَيْضِ، حَيَّضْنَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَا بَعْدُ، وَإِنْ قَالَتْ: كَانَ آخِرُ الشَّهْرِ آخِرَ حَيْضَتِي، حَيَّضْنَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَا قَبْلَهُ، وَإِنْ قَالَتْ: كُنْتُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ حَائِضًا لَا أَدْرِي هَلْ كَانَ أَوَّلَ حَيْضِي أَوْ آخِرَهُ، حَيَّضْنَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَا بَعْدَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ تَتَحَرَّى فِيمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ ذَاكِرَةً لِعَدَدِهَا دُونَ وَقْتِهَا، فَإِنْ لَمْ " تُحَدِّدْ " لَهَا وَقْتًا أَصْلًا كَأَنْ تَقُولَ: حَيْضِي خَمْسَةُ أَيَّامٍ لَا أَدْرِي مَتَى هِيَ، فَإِنَّهَا تُحَيَّضُ الْخَمْسَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ تَتَحَرَّى لِوَقْتِهَا وَشَهْرِهَا، إِنْ عَرَفَتْهُ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْهُ فَهُوَ الشَّهْرُ الْغَالِبُ لِلنِّسَاءِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَإِنْ عَلِمَتْ لَهَا وَقْتًا مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: حَيْضَتِي فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوْ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَهِيَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ وَلَا أَعْلَمُ عَيْنَهَا، فَهَذِهِ كُلُّ زَمَانٍ تَيَقَّنَتْ فِيهِ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ وَكُلُّ زَمَانٍ تَيَقَّنَتْ فِيهِ الْحَيْضَ فَهِيَ حَائِضٌ، وَكُلُّ زَمَانٍ اشْتَبَهَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَجْلِسُ مِنْهُ قَدْرَ عَادَتِهَا إِمَّا بِالتَّحَرِّي أَوْ مِنْ أَوَّلِهِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا تَيَقَّنَتِ الْحَيْضَ فِي أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ الْحَيْضِ بِقَدْرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِهَا فَلَيْسَ هُنَا حَيْضٌ مُتَيَقَّنٌ وَلَا طُهْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَتَجْلِسُ قَدْرَ الْحَيْضِ إِمَّا مِنْ أَوَّلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ أَوْ بِالتَّحَرِّي، وَإِنْ كَانَ الْحَيْضُ أَكْثَرَ مَنْ نِصْفِ تِلْكَ الْأَيَّامِ فَالزَّائِدُ عَلَى النِّصْفِ " وَمِثْلُهُ " مِنْ وَسَطِ تِلْكَ الْأَيَّامِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ لَا بُدَّ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَرَضَتِ ابْتِدَاءَ الْحَيْضِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الْوَسَطُ فِيهِ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: كُنْتُ أَحِيْضُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ، فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ الْوُسْطَى حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَهِيَ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَالثَّلَاثُ الْبَاقِيَةُ مِنْ حَيْضِهَا تَجْلِسُهَا إِمَّا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ بِالتَّحَرِّي، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ وَهِيَ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَتَبْقَى الثَّلَاثَةُ الْأُخَرُ وَهِيَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَإِنْ قَالَتْ: حَيْضِي عَشَرَةٌ مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِنَّ الزَّائِدَ عَلَى النِّصْفِ إِذَا " أَضَافَتْهُ " كَانَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَهَذِهِ الْخَمْسُ الْوُسْطَى حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَالْخَمْسُ الْأُوَلُ وَالْأَوَاخِرُ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَتَجْلِسُ إِحْدَى الْخَمْسَتَيْنِ بِالتَّحَرِّي أَوِ الْأَقَلَّ مِنْهُمَا.

فَصْلٌ وَالطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ إِذَا رَأَتِ النَّقَاءَ الْخَالِصَ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْقُطْنَةِ إِذَا احْتَشَتْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَنْهُ أَنَّ مَا دُونُ الْيَوْمِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ كَالْفَتَرَاتِ وَاللَّحَظَاتِ وَمَا لَمْ تَرَ فِيهِ " الْقُصَّةَ " الْبَيْضَاءَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ الطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ بِطُهْرٍ صَحِيحٍ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّمِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ يَسْتَمْسِكُ مَرَّةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَلَيْسَ بِدَائِمِ الْجَرَيَانِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتُ الِانْقِطَاعِ طُهْرًا لَمْ تَسْقُطْ عَنْهَا الصَّلَاةُ بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طُهْرًا صَحِيحًا كَانَ مَا قَبْلُهُ وَمَا بَعْدَهُ حَيْضًا صَحِيحًا تَامًّا فَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِثَلَاثٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: " إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي فَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ النَّقَاءِ الْخَالِصِ حَيْضًا تَبَعًا لِمَا يَتَخَلَّلُهُ مِنَ الدَّمِ فِي الْعَادَةِ، فَأَمَّا الْلَحَظَاتُ الَّتِي يَسْتَمْسِكُ فِيهَا دَمُ الْحَيْضِ فَلَا يَحْصُلُ فِيهَا النَّقَاءُ الْخَالِصُ وَلَا تَرَى مَعَهُ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ، فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا وَلَمْ يُجَاوِزْ مَجْمُوعُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ اغْتَسَلَتْ أَيَّامَ النَّقَاءِ، وَصَلَّتْ وَصَامَتْ وَضَمَّتِ النَّقَاءَ إِلَى الدَّمِ، فَكَانَ مَجْمُوعُهَا حَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَأَمَّا إِنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ سَوَاءٌ حَصَلَ النَّقَاءُ بَعْدَ أَكَثَرِ الْحَيْضِ أَوِ اتَّصَلَ الدَّمُ بِأَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً فَإِنَّ النَّقَاءَ فِي السَّادِسِ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ وَلَا خَالَفَ عَادَةً مُتَقَدِّمَةً فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ

هَذَا الدَّمَ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ فَاسِدٍ فَلَمْ يَتَّصِلْ بِدَمٍ صَحِيحٍ فَعَارَضَ الْأَمْرَانِ، وَكَانَ كَمَا لَوِ اتَّصَلَ بِهِمَا، وَلَوِ اتَّصَلَ بِهِمَا كَانَ الْجَمِيعُ اسْتِحَاضَةً فَكَذَلِكَ إِذَا انْفَصَلَ عَنْهُمَا، وَهَذِهِ تُسَمَّى الْمُلَفَّقَةُ.

[مَسْأَلَةٌ الحامل لا تحيض]

مَسْأَلَةٌ " وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ إِلَّا أَنْ تَرَى الدَّمَ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَيَكُونُ دَمَ نِفَاسٍ " أَمَّا الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ دَمَ الْحَيْضِ غِذَاءً لِلْجَنِينِ فَإِذَا خَرَجَ شَيْءٌ فَقَدْ خَرَجَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَفَعَ الْحَيْضَ عَنِ الْحُبْلَى وَجَعَلَ الدَّمَ رِزْقًا لِلْوَلَدِ " وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ الْحَيْضَ عَنِ الْحُبْلَى وَجَعَلَ الدَّمَ مِمَّا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ " رَوَاهُمَا أَبُو حَفْصِ ابْنُ شَاهِينَ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ فَقَالَتْ: " الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي " فَأَمَرَتْهَا بِالْغُسْلِ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ وَالْمُسْتَحَاضَةُ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْغُسْلُ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْحَيْضَ عَلَامَةً عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الْحَمْلِ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، فَلَوْ جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا لَمَا كَانَ عَلَامَةً عَلَى عَدَمِهِ، وَلِأَنَّ طَلَاقَ الْحَائِضِ مُحَرَّمٌ وَالطَّلَاقُ " بَعْدَ " تَبَيُّنِ الْحَمْلِ جَائِزٌ، فَلَوْ كَانَ الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ حَيْضًا لَمَا جَازَ الطَّلَاقُ فِيهِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْقِيَاسِ، فَأَمَّا الَّذِي تَرَاهُ قَبْلَ الْوَضْعِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ لِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ فَكَانَ نِفَاسًا كَالْخَارِجِ بَعْدَهَا، وَهَذَا

لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَكَادُ تَرَى الدَّمَ فَإِذَا رَأَتْهُ قَرِيبَ الْوَضْعِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِسَبَبِ الْوَلَدِ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ قَدْ ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ وَهَذِهِ الْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَإِنْ جَعَلْنَاهَا نِفَاسًا، فَلَيْسَتْ مِنَ الْمُدَّةِ، بَلْ أَوَّلُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْوَضْعِ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ " كَانَتْ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا " وَفِي الْآخَرِ " كَمْ تَجْلِسُ النُّفَسَاءُ إِذَا وَلَدَتْ؟ " فَأَمَّا إِذَا خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ فَالدَّمُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ مَحْسُوبٌ مِنَ الْمُدَّةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ حَتَّى يَنْفَصِلَ جَمِيعُهُ.

[بَابُ النِّفَاسِ]

جارٍ التحميل