صفة المفتي والمستفتي ت أبي جنةبَابُ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْمُفْتِي، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعلَّقُ بِهِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابُ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْمُفْتِي، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعلَّقُ بِهِ

الجزء: 1 - الصفحة: 181

تَصِحُّ فُتْيَا 1:

  • الْعَبْدِ.
  • وَالْمَرْأَةِ.
  • وَالْقَرِيبِ 2.
  • وَالْأُمِّيِّ.
  • وَالْأَخْرَسِ الْمَفْهُومِ الْإِشارَةِ أَوِ الْكِتابَةِ.
    وَتصِحُّ مَعَ جَرِّ النَّفْعِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ.
    وَكَذَا 3: مِنَ الْعَدُوِّ.
    وَقِيلَ: "لَا؛ كَالْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ".
    وَلا تَصِحُّ مِنْ فاسِقٍ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجتَهِدًا، لَكِنْ يُفْتِي نَفْسَهُ، وَلَا يَسْأَلُهُ غَيْرُهُ.
    وَأَمَّا مَسْتُورُ الْحَالِ؛ فَتَجُوزُ فُتْيَاهُ.
    وَقِيلَ: "لَا [تَجُوزُ] 4 ". وَقِيلَ: "تَجُوزُ، إِنِ اكْتَفَيْنَا 5 بِالْعَدَالةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِلَّا فَلَا" 6.

الجزء: 1 - الصفحة: 183

فَصْلٌ وَمَنْ 7 كَانَ مِنْ أَهْل الْفُتْيَا قَاضِيًا؛ فَهُوَ كَغَيْرهِ.
وَقِيلَ 8: "يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، دُونَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا 9 ". وَقَدْ قَال شُرَيْحٌ: "أَنَا أَقْضِي لَكُمْ، وَلَا أُفْتِي" 10. وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْحُكْمِ مِنْهُ عَلَى الْخَصْمِ، فَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ وَقْتَ الْمُحَاكَمَةِ؛ إِذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ ضِدُّهُ [بِقَوْلِ خِصْمِهِ] 11، أَوْ حُجَّتِهِ، أَوْ قَرَائِنِ حَالِهِمَا 12.

الجزء: 1 - الصفحة: 184

فَصْلٌ إِذَا سَأَل عَامِّيٌّ 13 عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ تَقَعْ؛ لَمْ تَجِبْ إِجَابَتُهُ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ 14. وَقِيلَ: "تُكْرَهُ 15؛ لِأَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَانَ لَا يَتكَلَّمُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ".
وَقَال أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ 16: "إِيَّاكَ أَنْ تَتَكلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَامٌ" 17. وَقُلْتُ: "إِنْ كَانَ غَرَضُ السَّائِلِ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ لَهُ، أَوْ لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ؛ فَلا بَأْسَ.
وَكَذَا 18: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَفَقَّهُ فِي ذَلِكَ، ويقَدِّرُ وُقُوعَ ذَلِكَ، وَيُفَرِّعُ عَلَيْهِ".

الجزء: 1 - الصفحة: 185

فَصْلٌ فَإِنْ أَفْتَى الْمُفْتِي بِشَيْءٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ: فَإِنْ عَلِمَ الْمُسْتَفْتِي بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَمِلَ بِالْأَوَّلِ؛ حَرُمَ عَمَلُهُ بِهِ.
وَلَوْ نَكَحَ بِفَتْوَاهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى النِّكَاحِ، ثُمَّ رَجَعَ بِاجْتِهَادٍ؛ لَزِمَهُ مُفَارَقَتُهَا -فِي الْأَقْيَسِ-؛ لِأَنَّ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ -فِي الْأَصَحِّ-.
كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مَنْ قَلَّدَهُ فِي القِبْلَةِ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ 19؛ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ مَعَهُ 20 -فِي الْأَصَحُّ 21 -.

  • وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي قَدْ عَمِلَ بِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ قَاطِعٍ؛ لَزِمَهُ نَقْضُ عَمَلِهِ ذَلِكَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِ الثَّانِي.
  • وَإِنِ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُ وَلَمْ يَرْجعْ؛ لَمْ يَنْقُضْ عَمَلَهُ بِالْأَوَّلِ.
  • وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ 22 بِهِ؛ تَرَكَهُ.
  • وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرُجُوعِهِ؛ اسْتَمَرَّ كَمَا كَانَ.
    وَلَا يَلْزَمُهُ إِعْلَامُهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 186

وَقِيلَ: "بَلَى؛ لِأَنَّ مَا رَجَعَ عَنْهُ لَا يَعْمَلُ هُوَ بِهِ، فَكَذَا 23 مَنْ قَلَّدَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ -فِي الْأَصَحِّ-".
قَال [الْقَاضِي] 24 الإمَامُ أَبُو يَعْلَى فِي "الْكِفَايَةِ": "مَنْ أَفْتَى بِالإِجْتِهَادِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ 25 إِعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي بِذَلِكَ، إِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ 26 بِهِ، وَإِلَّا أَعْلَمَهُ بِتَغَيُّرِ مَذْهَبِهِ الَّذِي اتَّبَعَهُ فِيهِ" 27. وَقَال غَيْرُهُ: "يُعْلِمُهُ بِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ 28، وَكَذَا بَعْدَهُ حَيْثُ يَجِبُ النَّقْضُ، وَإِلَّا فَلَا" 29. وَإِذَا كَانَ الْمُفْتِي [إِنَّمَا] 30 يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ:

  • فَإِذَا رَجَعَ لِكَوْنِهِ بَانَ لَهُ قَطْعًا أَنَّهُ خَالفَ فِي فَتْوَاهُ نَصَّ مَذْهَبِ إِمَامِهِ؛ وَجَبَ نَقْضُهُ، وَإِنْ كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّ نَصَّ مَذْهَبِ إِمَامِهِ فِي حَقِّهِ كَنَصِّ الشَّارعِ فِي حَقِّ [الْمُفْتِي] 31 الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ 32.

الجزء: 1 - الصفحة: 187

فَصْلٌ

إِذَا عَمِلَ الْمُسْتَفْتِي بِفُتْيَا مُفْتٍ فِي إِتْلَافٍ، ثُمَّ بَانَ خَطَؤُهُ

بِمُخَالفَةِ الْقَاطِعِ؛ ضَمِنَهُ الْمُفْتِي.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْفَتْوَى؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِتَقْصِيرِ الْمُسْتَفْتِي فِي تَقْلِيدِهِ.
وَقِيلَ 33: "يَضْمَنُ؛ لَأِنَّهُ تَصَدَّى لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، وَغَرَّ مَنِ اسْتَفْتَاهُ بِتَصَدِّيهِ لِذَلِكَ" 34.

الجزء: 1 - الصفحة: 188

فَصْلٌ

يَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِي الفَتْوَى، وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ؛

إِمَّا لِتَسَارُعِهِ 35 قَبْلَ تَمَامِ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، أَوْ لِظَنِّهِ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ، وَتَرْكَهُ عَجْزٌ وَنَقْصٌ.
فَإِنْ سَبْقَتْ مَعْرِفَتُهُ لِمَا سُئِلَ عَنْهُ قَبْلَ [تَمَامِ] 36 السُّؤَالِ، فَأَجَابَ سَرِيعًا؛ جَازَ.
وَإِنْ تَتَبَّعَ الْحِيَلَ الْمُحَرَّمَةَ؛ كَالسُّرَيْجيَّةِ 37، أَوِ الْمَكْرُوهَةَ، أَوِ الرُّخَصَ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ، أَوِ التَّغْلِيظَ عَلَى مَنْ أَرَادَ مَضَرَّتَهُ؛ فَسَقَ.
وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ فِي حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا تَقْتَضِي 38 مَفْسَدَةً؛ [لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ] 39 مِنْ يَمِينٍ صَعْبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا؛ جَازَ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالى

الجزء: 1 - الصفحة: 189

  • لِأَيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ 40 لَمَّا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ 41. وَقَدْ قَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: "إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصةُ مِنْ ثِقَةٍ، فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ" 42.

الجزء: 1 - الصفحة: 190

فَصْلٌ [وَيَحْرُمُ] 43 التَّحَيُّلُ لِتَحْلِيل الْحَرَام وَتَحْرِيمِ 44 الْحَلَالِ بلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ، وَهُمَا مُحرَّمَانِ 45. [لِقَوْلِ اللهِ -تَعَالى-: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ 46. وَ] 47 قَوْلهِ 48 - تَعَالى-: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ 49. وَقَوْلهِ [-تَعَالى-] 50: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ 51. وَقَوْلهِ [-تَعَالى-] 52: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ 53.

الجزء: 1 - الصفحة: 191

وَلقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ مَكَرَ بِهِ" 54 رَوَاهُ مُسْلِمٌ 55. وَيقَوْلِهِ عَلَيْهَ السَّلام: "الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ" 56. وَلقَوْلهِ عليه السَّلَامُ: "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ 57 الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ - تَعَالى- بِأَدْنَى الْحِيَلِ" 58 ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّةَ.
وَلِقَوْلهِ عَلَيْهَ السَّلَامُ: "مَا بَال أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللهِ -تَعَالى- وَيَسْتَهْزِؤُونَ 59 بِآيَاتِهِ: خَلَعْتُكِ رَاجَعْتُكِ 60، طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ بَطَّةَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 192

وَفِي لَفْظٍ: "طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ، طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ 61 " 62. ولقَوْلهِ 63 عَلَيه السَّلَام: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، وَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا" حَدِيثٌ صَحِيحٌ 64. وَ"جَمَلُوهَا" بِمَعْنَى 65: أَذَابُوهَا 66. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "مَن يَخْدَعِ اللهَ يَخْدَعْهُ" 67. وَقَال [الْإِمَامُ] 68 أَحْمَدُ: "هَذ الْحِيَلُ الَّتِي وَضَعَهَا هَؤُلَاءِ، عَمَدُوا إِلَى السُّنَنِ فَاحْتَالوا فِي نَقْضِهَا، أَتَوْا إِلَى الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِنَّهُ حَرَامٌ، احْتَالوا 69 فِيهِ حَتَى أَحَلُّوهُ" 70.

الجزء: 1 - الصفحة: 193

وَقَال: "إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ احْتَال بِحِيلَةٍ فَصَارَ إِلَيْهَا، فَقَدْ صَارَ إِلَى ذَلِكَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ" 71. وَقَال: "مَنِ احْتَال بِحِيلَةٍ فَهُوَ حَانِثٌ" 72. [وَقَال: "مَا أَخْبَثَهُمْ -يَعْنِي أَصْحَابَ الْحِيَلِ-] 73 يَحْتَالونَ لِنَقْضِ سُنَنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" 74.

الجزء: 1 - الصفحة: 194

فَصْلٌ لَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِي حَالِ شَغْلِ قَلْبِهِ وَمَنْعِهِ التَّثَبُّتَ وَالتَّأَمُّلَ؛ لِغَضَبٍ، أَوْ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ غَمٍّ، أَوْ هَمٍّ 75، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ فَرَحٍ غَالِبٍ، أَوْ نُعَاسٍ، أَوْ مَلَلٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ، أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ، أَوْ مُدَافَعِةِ الْأَخْبَثَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا.
وَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، فَمَتَى أحَسَّ بِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ حَالِ اعْتِدَالِهِ؛ أَمْسَكَ عَنِ الفُتْيَا.
فَإِنْ أَفْتَى فِي شَيءٍ مِنْ هَذه الْأَحْوَالِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إِدْرَاكِ الصَّوَابِ؛ صَحَّتْ فُتْيَاهُ.
وَإِنْ خَاطَرَ بِهَا؛ فَالتَّرْكُ أَوْلَى.
وَفِي الْحُكْمِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ 76.

الجزء: 1 - الصفحة: 195

فَصْلٌ الْأَوْلَى [لَهُ] 77 التَّبَرُّعُ بِالْفُتْيَا.
وَلَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ [عَلَى ذَلِكَ] 78 مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَهُ كِفَايَةٌ تَامَّةٌ؛ احْتَمَلَ الْمَنْعَ وَالْجَوَازَ.
فَإِنْ كَانَ اشْتِغَالهُ بِهَا وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، يَقْطَعُهُ عَمَّا يَعُودُ بِهِ عَلَى حَالِهِ؛ فَلَهُ الْأَخْذُ.
وَإِذَا كَانَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْهُ؛ لَمْ يَأْخُذْ أُجْرَةً مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يُفْتِيهِ.
وَقِيلَ 79: لَوْ قَال لِلْمُسْتَفْتِي: "إِنَّمَا يَلْزَمُنِي أَنْ أُفْتِيَكَ بِقَوْلِي، وَأَمَّا 80 بِخَطِّي فَلَا"؛ فَلَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى خَطِّهِ.
وَقِيلَ 81: "لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ 82 عَلَى أَنْ جَعَلُوا 83 لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِيتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ؛ جَازَ" وَهُوَ بَعِيدٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 196

وَأَمَّا الهَدِيَّةُ لَهُ؛ فَلَهُ قَبُولُهَا.
وَقِيلَ 84: "يَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ رِشْوَةً عَلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُ".
قُلْتُ: "أَوْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ، فيُفْتِيَهُ لِذَلِكَ بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ، مِمَّنْ لَا يَنتفِعُ بِهِ كَنَفْعِ الْأَوَّلِ" 85.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

فَصْلٌ وَلَا يُفْتِي فِي الْأَقَارِيرِ، وَالْأَيْمَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ اللَّافِظِ بِإِقْرَارٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ خَبِيرًا بِهِ عَارِفًا بِتَعَارُفِهِمْ فِي ألفَاظِهِمْ.
فَإِنَّ الْعُرْفَ قَرِينَةٌ حَالِيَةٌ يَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ بِهَا، وَيَخْتَلُّ مُرَادُ اللَّافِظِ مَعَ عَدَمِ مُرَاعَاتِهَا، وَكَذَا فَقْدُ كُلِّ قَرِينَةٍ تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ 86.

الجزء: 1 - الصفحة: 198

فَصْلٌ مَنْ كَانَتْ فُتْيَاهُ نَقْلًا مِنْ مَذْهَبِ إِمَامِهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى كِتَاب يُوثَقُ بِصِحَّتِهِ؛ جَازَ، كَاعْتِمَادِ الرَّاوِي عَلَى كِتَابِهِ، وَالْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا يَكْتمهُ الْمُفْتِي.
وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي كِتَابٍ غَيْرِ مَوثُوقٍ بِهِ؛ بِأَنْ يَجِدَهُ فِي نُسَخٍ أُخَرَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي نُسْخَةٍ غَيْرِ مَوثُوقٍ بِهَا؛ بِأَنْ يَرَاهُ كَامِلًا مُنتظِمًا، وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ، لَا يَخْفَى [عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ] 87 [مَوَاقِعُ] 88 الإِسْقَاطِ وَالتَّغْيِيرِ.
وَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَثِقْ بِصِحَّتِهِ، نَظَرَ:

  • فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ لَمْ 89 يَجِدْهُ مَنْقُولًا؛ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ.
    فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحكِيَهُ عَنْ إِمَامِهِ، فَلَا يَقُلْ: "قَال أَحْمَدُ كَذَا وَكَذَا" بَلْ: "وَجَدْتُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا"، أَوْ: "بَلَغَنِي"، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ.
  • وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ [فِيهِ] 90، وَلَمْ

الجزء: 1 - الصفحة: 199

يَذْكُرْهُ بِلَفْظٍ جَازِمٍ مُطْلَقٍ، فَإِنَّ سَبِيلَ مِثْلِهِ النَّقْلُ الْمَحْضُ، وَلَمْ يَحْصلْ لهُ مَا يُجَوِّزُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْكرهُ فِي [غَيْرِ] 91 مَقَامِ الفَتْوَى مُفْصِحًا بِحَالِهِ فِيهِ، فَيَقُولَ: "وَجَدْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الفُلَانِيِّ" أَوْ: "مِنْ كِتَابِ فُلَانٍ، وَلا 92 أَعْرِفُ صِحَّتَهُ" أَوْ: "وَجَدْتُ عَنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا" أَوْ: "بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا"، وَمَا 93 ضَاهَى ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ.
وَلا 94 يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ 95 أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَجِدُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ 96.

الجزء: 1 - الصفحة: 200

فَصْلٌ

إِذَا (1) أَفْتَى فِي حَادِثَةٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ [لَهُ] (2) مَرَّةً أُخْرَى:

  • فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا مُسْتَنَدَهُ فِيهَا؛ أَفْتَى بِهِ.
  • وَإِنْ ذَكَرَهَا 99 دُونَ مُسْتَنَدِهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَا يُوجِبُ رُجُوعَهُ عَنْهَا؛ لَمْ يُفْتِ بِهِ حَتَّى يُجَدِّدَ النَّظَرَ.
    وَقِيلَ: "بَلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ الاجْتِهَادِ".
    وَالْأَوْلَى: أنَّهُ لَا يُفْتِي بِشَيْءٍ حَتَّى يُجَدِّدَ النَّظَرَ فِي دَلِيلِهِ بِكُلِّ حَالٍ.
    وَمَنْ لَمْ تَكُنْ فَتْوَاهُ حِكَايَةً عَنْ غَيْرِهِ؛ فَلَا بُدَّ [لَهُ] 100 مِنَ اسْتِحْضَارِ الدَّلِيلِ فِيهَا 101. 9798

الجزء: 1 - الصفحة: 201

فَصْلٌ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: "إِذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدَعُوا مَا قُلْتُهُ" 102. وَقَوْلُهُ: " [إِذَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثٌ] 103، وَقُلْتُ قَوْلًا [يُخَالِفُهُ] 104، فَأَنَا رَاجعٌ عَنْ قَوْلِي، [قَائِلٌ] 105 بِذَلِكَ الْحَدِيثِ" 106، وَفِي لَفْظٍ: "فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ": صَرِيحٌ فِي مَدْلُولِهِ، وَأَنَّ مَذْهَبَهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، لَا قَوْلُهُ الْمُخَالِفُ لَهُ، فَتَجُوزُ الْفَتْوَى بالْحَدِيثِ 107 عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُهُ.
وَلَيْسَ لِكُلَّ فَقِيهٍ أَنْ يَعْمَلَ بمَا يَرَاه 108 حُجَّةً مِنَ الْحَدِيثِ حَتَّى يَنْظُرَ؛ هَلْ

الجزء: 1 - الصفحة: 202

لَهُ مُعَارِضٌ أَوْ نَاسِخٌ أَمْ لَا؟ أَوْ 109 يَسْأَلَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ ويعْرَفُ بِهِ.
وَقَدْ تَرَكَ الشَّافِعِيُّ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ عَمْدًا؛ [لِأَنَّهُ] 110 عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ 111، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ حَدِيثُ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" 112 [وَتَرَكَهُ] 113، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ لِمَا بَيَّنَهُ [هُوَ] 114. وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ خُزَيْمَةَ: هَلْ تَعْرِفُ سُنَّةً لِرَسُولِ 115 اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُودِعْهَا الشَّافِعِيُّ كِتَابَهُ؟ قَال: "لَا" 116. فَمَنْ وَجَدَ 117 مِنَ الشَّافِعَيَّةِ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ:

  • فَإِنْ كَمَلَتْ [لَهُ] 118 آلَةُ الاجْتِهَادِ فِيهِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، أَوْ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ، أَوْ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلةِ؛ فَلَهُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 203

  • وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ آلَتُهُ، وَوَجَدَ فِي قَلْبِهِ حَزَازَةٌ مِنْ مُخَالفَةِ الْحَدِيثِ، بَعْدَ أَنْ بَحَثَ فَلَمْ يَجِدْ لِمُخَالفَتِهِ 119 عَنْهُ جَوَابًا شَافِيًا، فَلْيَنْظُرْ؛ هَلْ عَمِلَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ إِمَامٌ مُسْتَقِلٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ وَجَدَهُ؛ فَلَهُ أَنْ تَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِهِ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ مَذْهَبِ إِمَامِهِ فِي ذَلِكَ 120. وَقَدَ ذَهَبَ [بَعْضُ] 121 الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَأَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ 122.

الجزء: 1 - الصفحة: 204

فَصْلٌ وَهَلْ لِلْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبٍ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبٍ آخَرَ أَمْ لَا؟

  • فَإِنْ 123 كَانَ مُجْتَهِدًا، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ آخَرَ؛ تَبعَ اجْتِهَادَهُ.
  • وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ مُقَيَّدًا مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ التَّقْلِيدِ؛ نَقَلَ ذَلِكَ الشَّوْبَ مِنَ التَّقْلِيدِ إِلَى ذَلِكَ الإمَامِ الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَذْهَبِهِ، ثُمَّ إِذَا أَفْتَى بَيَّنَ ذَلِكَ فِي فُتْيَاهُ 124. وَلِهَذَا قَال الْقَفَّال: "لَوْ أَدَّى 125 اجْتِهَادِي إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، قُلْتُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا، لَكِنِّي أَقُولُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
    لِأَنَّهُ 126 جَاءَ السَّائِلُ لِيَسْتَفْتِيَ 127 عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَلَابُدَّ أَنْ أُعَرِّفَهُ بِأَنِّي 128 أُفْتِي بِغَيْرِهِ" 129.
  • وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ بَنَى عَلَى اجْتِهَادِهِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 205

  • فَإِنْ تَرَكَ مَذْهَبَهُ إِلَى مَذْهَبٍ [هُوَ] 130 أَسْهَلُ مِنْهُ وَأَوْسَعُ؛ فَالْمَنْعُ أَصَحُّ.
  • وَإِنْ 131 تَرَكَهُ لِكَوْنِ الآْخَرِ أَحْوَطَ الْمَذْهَبَيْنِ؛ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ، ثُمَّ عَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ 132 كَمَا سَبَق 133.

الجزء: 1 - الصفحة: 206

فَصْلٌ

لَيْسَ لِمَنِ انْتَسَبَ إِلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ فِي مَسْأَلةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ؛ أَنْ يَتَخَيَّرَ فَيَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ بَأَيِّهمَا شَاءَ.

[بَلْ] 134 إِنْ عَلِمَ تَارِيخَ الْقَوْلَيْنِ، عَمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ، إِنْ صَرَّحَ قَائِلُهُمَا بِرُجُوعِهِ عَنِ الْأوّلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَا: إِنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ.
وَقِيلَ: "يَجُوزُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إِذَا تَرَجَّحَ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِقَائِلِهِمَا -كَمَا يَأْتِي-؛ لِأَنَّ كَلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالهُ بِدَلِيلٍ".
وَإِنْ ذَكَرَهُمَا [قَائِلُهُمَا] 135 مَعًا، وَرَجَّحَ أَحَدَهُمَا؛ تَعَيَّنَ.
وَإِنْ لَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا، أَوْ جَهِلَ الْحَال، هَلْ قَالهُمَا مَعًا أَمْ لَا؟ عَمِلَ بِالأرْجَحِ -عَلَى 136 الأْصَحِّ- الأْشْبَهِ بِقَوَاعِدِ الإْمَامِ وَأُصُولِهِ كَمَا يَأْتِي.
هَذَا إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِهِ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا؛ فَلْيَأْخُذْهُ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، تَوَقَّفَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 207

وَلَابُدَّ فِي الْوَجْهَيْنِ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا، وَمَعْرِفَةِ أَصَحِّهِمَا عِنْدَ الْفَتْوَى وَالْعَمَلِ بِمِثْلِ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّاخّرِ، وَسَوَاءٌ وَقَعَا مَعًا أَوْ لَا، مِنْ إِمَامٍ أَوْ إِمَامَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا نُسِبَا إِلَى الْمَذْهَبِ نِسْبَةً وَاحِدَةً، وَتَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا لَا يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ تَقَدُّمِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ.
وَلَيْسَ 137 ذَلكَ [أَيْضًا] 138 مِنْ قَبيل اخْتِلَافِ الْمُفْتِينَ عَلَى الْمُسْتَفْتِى، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ رَاجعٌ إِلَى شَخصٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ؟ فَلْيَلْتَحِقُ 139 بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي أنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِأَصَحِّهِمَا عَنْهُ وَأَصْرَحِهِمَا وَأَوْضَحِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الرَّأْيَيْنِ 140 مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مُخَرَّجًا؛ فَالظَّاهرُ أَنَّ الَّذي نَصَّ عَلَيْه منْهُمَا يُقَدَّمُ، كَمَا يُقَدَّمُ مَا يُرَجِّحُهُ منَ الْقَوْلَيْن الْمَنْصُوصَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؛ لأَنَّهُ أَقْوَى نِسْبَةً إِلَيْهِ مِنْهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ مُخَرَّجًا مِنْ نَصٍّ آخَرَ؛ لِتَعَذُّرِ الْفَارِقِ.
وَمَنْ يَكْتَفِي بأَنْ يَكُونَ فِي فُتْيَاهُ 141 أَوْ عَمَلِهِ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي المَسْألةِ، وَيَعْمَل بِمَا شاءُ مِنَ الأقوَالِ أوِ 142 الأوْجُهِ، مِنْ غيْرِ نَظيرٍ فِي التَّرْجِيحِ وَلَا تَقَيُّدٍ بِهِ؛ فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الإِجْمَاعَ.

الجزء: 1 - الصفحة: 208

وَقَدْ حُكِيَ [عَنْ] 143 بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، أنَّهُ قَال: "الَّذِي عَلَيَّ لِصَدِيقِي إِذَا وَقَعَتْ لَهَ حُكُومَةٌ، أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ".
وَوَقَعَتْ لِرَجُلٍ وَاقِعَةٌ فَأَفْتَى 144 فِيهَا جَمَاعَةٌ بِمَا يَضُرُّهُ، فَلَمَّا عَادَ وَسَأَلهُمْ قَالوا: "مَا عَلِمْنَا أَنها لَكَ! " وَأَفْتَوْه بالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تُوَافِقُهُ 145. وَذَلِكَ يَفْعَلُونَهُ لِقِلَّةِ خَيْرِهِمْ، وَكثْرَةِ نِفَاقِهِمْ، وَلا خِلافَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ قَال مَالِكٌ: "لَيْسَ كَلُّ مَا فِيهِ [تَوْسِعَةٌ] 146 قُلْتُ: لَا تَوْسِعَةَ فِيهِ" 147. يَعْني أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِيمَا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ مُتَعَيِّنٍ، لَا مَجَال لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ.
وَقَال فِي اخْتِلافِ الصَّحَابَةِ: "مِنْهُمْ مُخْطِئٌ وَمُصِيبٌ، فَعَلَيْكَ بِالاِجْتِهَادِ" 148. قُلْتُ 149: "وَيتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالأْرْجَحِ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي كُلِّ مَسْأَلةٍ اخْتَلَفُوا

الجزء: 1 - الصفحة: 209

فِيهَا، وَمَا فِيهَا قَوْلٌ [وَاحِدٌ] 150 لَأِحَدِهِمْ وَلَمْ يَشْتَهِرْ بَيْنَهُمْ؛ أَخَذَ بِهِ مَنْ يَرَى تَقْلِيدَهُمْ.
وَإِنْ اشْتَهَرَ فَلَمْ 151 يُنْكَرْ؛ فَبِطَرِيقِ الأْوْلَى، وَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ، وَفِيهِ لِبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافٌ 152 مَشْهُورٌ 153.

الجزء: 1 - الصفحة: 210

فَصْلٌ إِذَا اعْتَدَلَ عِنْدَ الْمُفْتِي قَوْلَانِ، وَقُلْنَا: "يَجُوزُ ذَلِكَ":

  • فَقَدْ قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: "لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِأَيَّهِمَا شَاءَ، كَمَا يجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ الْمُفْتِي بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ" 154.
  • وَقِيلَ: "إِنَّهُ يُخَيِّرُ الْمُسْتَفْتِيَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْتِيهِ 155 بِمَا يَرَاهُ، وَالَّذِي يَرَاهُ [هُوَ] 156 التَّخْيِيرُ، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَال بِالتَّخْيِيرِ".
  • وَإِنْ قُلْنَا: "يَمْتَنِعُ 157 تَعَارُضُ الأْمَارَاتِ 158 وَتَعَادُلُهَا"، تَعَيَّنَ الأحْوَطُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
  • وَإِنْ أَفْتَاهُ بِقَوْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، لَمْ يُخَيِّرْه فِي الْقَبُولِ مِنْهُ.
  • وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ، خَيَّرَهُ بَيْنَ الْقَبُولِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ.
    -[أَمَّا إِنْ قُلْنَا: "كَلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"؛ فَظَاهِرٌ.
  • وَ] 159 أَمَّا إِنْ قُلْنَا: "الْمُصِيبُ وَاحِدٌ" فَلَأِنَّهُ غَيْرُ مُتعَيِّنٌ 160 مِنْهُمَا؛

الجزء: 1 - الصفحة: 211

كَتَخْيِيرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ -رضي الله عنه- 161 مَنْ أَفْتَاهُ بِالطَّلَاقِ بَيْنَ قَوْلِهِ لَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ يُفْتِيهِ بِخِلَافِهِ؛ فَلا 162 يَلْزَمُهُ أَنْ يُخَيَّرَهُ صَرِيحًا بِذَلِكَ 163.

الجزء: 1 - الصفحة: 212

فَصْلٌ إِذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ بالدَّلِيلِ، اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْأصَحِّ مِنَ القَوْلَيْنِ أوِ الوَجْهَيْنِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ فِي التّرْجِيحِ إِلَى صِفَاتِهِمُ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ، فَيَعْمَلَ بَقَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَالْأَعْلَمِ، وَالْأَوْرَعِ.
فَإِذَا اخْتَصَّ [وَاحِدٌ مِنْهُمْ] 164 بِصِفَةٍ مِنْهَا، وَالآخَرُ بِصِفَةٍ أُخْرَى؛ قَدَّمَ الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بِالْإِصَابَةِ 165، فَالأعْلَمُ الْوَرعُ 166 مُقَدَّمٌ عَلَى الأوْرَعِ الْعَالِمِ، كَمَا قُلْنَا فِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ فِي صِفَاتِ الرُّوَاةِ.
وَكَذَلِكَ: إِذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أوْ وَجْهَيْنِ، لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِهِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا؛ اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا وَقَائِلِيهِمَا، وَيُرَجِّحُ مَا وَافَقَ مِنْهُمَا أَئِمَّةَ أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ، أَوْ أَكْثَرَ الْعُلَماءِ.
وَقَدْ قَال الْقَاضِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّد الشَّافِعِيُّ: إِذَا اخْتَلَفَ قَوْلَا الشَّافِعِيِّ -مَثَلًا- فِي مَسْأَلَةٍ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مُوَافِقٌ مَذْهَبَ 167 أبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا ظَاهِرًا بِشَيْءٍ، فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْفَتْوَى؟

الجزء: 1 - الصفحة: 213

فَقِيلَ 168: "الْمُخَالِفُ؛ لَأِنَّهُ إِنَّمَا خَالفَهُ لِمَعْنًى خَفِيَ عَلَيْنَا".
وَقِيلَ 169: "بَلِ الْمُوَافِقُ؛ لِلتَّعَاضُدِ وَالْمُوَافَقَةِ فِي الاِجْتِهَادِ وَدَلِيلِهِ".
وَقِيلَ 170: "الأْوْلَى التَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى لَا بِمُوَافَمة وَلَا بِمُخَالفَةٍ" 171. وَهَذ التَّرَاجَيحُ مُعْتبرةٌ بِالنِّسْبِةِ 172 إِلَى أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ.
وَمَا رَجَّحَهُ الدَّلِيلُ مُقَدَّمٌ عِنْدَهُمْ 173. وَهُوَ أَوْلَى.

الجزء: 1 - الصفحة: 214

فَصْلٌ كُلُّ مَسْأَلةٍ [فِيهَا لِإمَامٍ رِوَايَتَانِ] 174 أَوْ قَوْلَانِ، جَدِيدٌ وَقَدِيمٌ؛ فَالْفَتْوَى مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الْجَدِيدِ الْمُتَأَخِّرِ -عَلَى الأصَحِّ-.
إِلَّا فِي عِشْرِينَ مَسْأَلةً لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الْفَتْوَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ 175، مِنْهَا: مَسْأَلةُ التَّثْوِيبِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ، [وَمَسْأَلةُ التَّبَاعُدِ عَنِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ] 176، وَأنَّه لَا يُسْتَحَبُّ قِرَاة السُّورَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ 177؛ فَيَكُونُ اخْتِيَارُهُمْ لِلْقَدِيمِ كَاخْتِيَارِهِمْ لِمَذْهَبِ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ إِذَا أَدَّاهُمْ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ؛ إِذِ الْقَدِيمُ لَمْ يَبْقَ مَذْهَبًا لَهُ لِرُجُوعِهِ عَنْهُ لِمَا سَبَقَ، وَبَلْ أَوْلَى؛ لِكَوْنِ الْقَدِيمِ قَدْ كَانَ قَوْلًا مَنْصُوصًا.
وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ: مَا إِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمُ الْقَوْلَ الْمُخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَنْصُوصِ، أَوِ اخْتَارَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ 178 رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ أَحَدَهُمَا عَلَى غَيْرِ مَا رَجَّحَهُ، وَبَلْ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ حَكَمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ 179 أَهْلًا

الجزء: 1 - الصفحة: 215

لِلتَّخْرِيجِ مِنَ الْمُتَّبِعِينَ لِمَذْهَب الشَّافِعِيِّ -مَثَلًا-؛ أَلا تتَّبعَ شَيْئًا مِنَ اخْتِيَارَاتِهِمْ هَذِه الْمَذْكُورةِ؛ لِأنَّهُمْ مُقَلِّدُونَ لِلشَّافِعِيِّ دُونَ مَنْ خَالفَهُ 180. وَكَذَا الْكَلَامُ بَيْنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ [وَبَيْنَ] 181 أَصْحَابِهِ، إِنْ قُلْنَا: "أَوَّلُ قَوْلَيْهِ فِي مَسْألةٍ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ"، وَإِلَّا فَلَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 216

فصل إِذَا اقْتَصَرَ الْمُفْتِي فِي جَوَابِهِ عَلَى ذكْرِ الْخِلَافِ، وَقَال 182: "فِيهَا قول المفتى فيها قولان أو روايتان رِوَايَتَانِ" أَوْ: "قَوْلانِ" أَوْ: "وَجْهَانِ" أَوْ نَحْوَ ذلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَرْجَحَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفْتِ فِيهَا بِشَيْءٍ.
وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، إِذا حَصَلَ غَرَضُ السَّائِلِ مِنَ الْجَوَابِ بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ.
وَإِنْ سَأَلهُ عَنِ الْخِلَافِ؛ ذَكرَهُ، فَرُبَّمَا أَرَادَ [أَنْ] 183 يَعْلَمَ أَنهُ [لَا إِجْمَاعَ] 184 فِي ذَلِكَ؛ لِيُمْكِنَ تَقْلِيدُ غَيْرِ إِمَامِهِ 185.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

فصلٌ لَيسَ لَهُ أَنْ يفْتِيَ فِي شَيءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلامِ مُفَصِّلًا، بَلْ يَمْنَعُ السَّائِلَ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ 186 يَقْتَصِرُوا فِيهَا عَلَى الْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ 187. وَأَنْ يَقُولُوا فِيهَا وَفِيمَا وَرَدَ مِنَ الآيَاتِ وَالأخْبَارِ الْمُتَشَابِهَةِ: "إِنَّ الثَّابِتَ فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كُلُّ مَا هُوَ [اللَّائِقُ فِيهَا بِاللهِ -تَعَالى-، وَبِكَمَالِهِ] 188، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلَالِهِ، وَتَقْدِيسِهِ، مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ، وَلَا تَجْسِيمٍ، وَلَا تكْيِيفٍ، وَلَا تَأْوِيل، وَلَا تَفْسِيرٍ، وَلَا تَعْطِيل، وَلَيْسَ عَلَيْنَا تَفْصِيلُ الْمُرَادِ وَتَعْيِينُهُ، وَلَيْسَ الْبَحْث عَنْهُ مِنْ شَأْنِنَا -فِي الأكثَرِ [وَالْأَشْهَرِ] 189 -، بَلْ نَكِلُ عِلْمَ تَفْصِيلِهِ إِلَى اللهِ -تَعَالى-، وَنَصْرِفُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ قُلُوبَنَا وَألْسِنَتَنَا".
فَهَذَا وَنَحْوُهُ [هُوَ] 190 الصَّوَابُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَهُوَ سَبِيلُ 191 السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتبرةِ، وَأَكَابِرِ [الْفُقَهَاءِ وَ] 192 الْعُلَمَاءِ، مِنَّا وَمنْ غَيْرِنَا.

الجزء: 1 - الصفحة: 218

وَهُوَ أَصْوَبُ وَأَسلَمُ لِلعَامَّةِ وَأَشبَاهِهِمْ، مِمَّنْ يُدْغِلُ قَلْبَهُ بِالْخَوضِ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدِ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا بَاطِلًا مُفَصَّلًا، فَفِي إِلْزَامِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الاِعْتِقَادِ [الْبَاطِلِ] 193 بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَأَيْسَرُ وَأَسلَمُ.
وَإِذَا عَزَّرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَنْ حَادَ مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّريقَةِ؛ فَقَدْ تَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- فِي تَعْزِيرِ [صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ] 194 الَّذِي كَانَ يَسْأل عَنِ الْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْمُتكَلِّمُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مُعْتَرِفُونَ بِصَحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَأَنهَا أَسْلَمُ لِمَنْ سَلِمَتْ لَهُ 195. حَتَّى الْغَزَالِيُّ -أَخِيرًا- فَإِنَّهُ قَال: "كُلُّ مَنْ يَدْعُو الْعَوَامَّ إِلَى الْخَوضِ فِي هَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ، بَلْ مِنَ الْمُضِلِّينَ، وَهُوَ كَمَنْ يَدْعُو صَبِيًّا يَجْهَلُ السِّبَاحَةَ إِلَى خَوْضِ الْبَحْرِ" 196. وَقَال: "الصَّوَابُ لِلخَلْقِ إِلَّا النَّادِرَ سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ 197 فِي الإْيمَانِ الْمُرْسَلِ، وَالتَّصْدِيقِ الْمُجْمَلِ، وَمَا قَالهُ اللهُ [- تَعَالى-] 198 أَوْ 199 رَسُولُهُ [-صلى الله عليه وسلم] 200

الجزء: 1 - الصفحة: 219

بِلَا بَحْثٍ وَتَفْتِيشٍ" 201. قَال: "وَفِي الاشْتِغَالِ [بِالتَّقْوَى] 202 شُغُلٌ شَاغِلٌ" 203. وَقَال فِي "التَّفْرِقَةِ" 204 فِي حَقِّ عَوَامِّ الْخَلْقِ: "إِنَّ الْحَقَّ فِيهِ الاتِّبَاعُ، وَالْكَفُّ عَنْ تَغْيِيرِ [الظَّوَاهِرِ] 205 رَأْسًا، [وَالْحَذَرُ] 206 عَنْ إِبْدَاعِ 207 تَأْوِيلَاتٍ لَمْ تُصَرِّحْ 208 بِهَا الصَّحَابَةُ، وَحَسْمُ بَابِ السُّؤَالِ رَأْسًا، وَالزَّجْرُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ وَالْبَحْثِ، وَاتِّبَاعِ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
[الثَّانِي: ] 209 بَيْنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ 210 اضْطَرَبَتْ عَقَائِدُهُمُ الْمَأْثُورَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَوْرُوثَةُ، وينْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَحْثُهُمْ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَتَرْكُهُمُ الظَّاهِرَ 211 لِضَرُورَةِ الْبرهَانِ الْقَاطِعِ" 212. وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "مِنَ النَّاسِ مَنْ يُبَادِرُ إِلَى التَّأوِيلِ ظَنًّا لَا قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ فَتْحُ

الجزء: 1 - الصفحة: 220

هَذَا الْبَابِ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ يُؤَدِّي إِلَى تَشْوِيشِ قُلُوبِ الْعَوَامِّ؛ بُدِّعَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكَلُّ مَا لمْ يُؤْثَرْ عَنِ السَّلَفِ ذِكْرُهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ الْمُهِمَّةِ؛ فَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَنْ يُغَيِّرُ الظَّاهِرَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ" 213. وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "كَلُّ مَا [لَا] 214 يَحْتَمِلُ التَّأوِيلَ فِي نَفْسِهِ، وَتَوَاتَرَ نَقْلُهُ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَقُومَ عَلَى خِلَافِهِ بُرْهَانٌ؛ فَمُخَالفَتُهُ تَكْذِيبٌ مَحْضٌ، وَمَا 215 تَطرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَال تَأْوِيل وَلَوْ بِمَجَازٍ 216 بَعِيدٍ، فَإِنْ كَانَ بُرْهَانهُ قَاطِعًا؛ وَجَبَ الْقَول بِهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي إِظْهَارِهِ مَعَ الْعَوَامِّ ضَرَرٌ لِقُصُورِ أَفْهَامِهِمْ؛ فَإِظْهَارُهُ بِدْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ البرهَانُ يُفيدُ ظَنًّا غَالِبًا وَلَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ؛ فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَإِنْ عَظُمَ ضَرَرُهُ؛ فَهُوَ كفْرٌ" 217. وَفِيهِ اِحْتِمَالٌ.
قَال: "وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ 218 السَّلَفِ بِالدَّعْوَةِ بِهَذِه الْمُجَادَلَاتِ، بَلْ شَدَّدُوا الْقَوْلَ عَلَى مَنْ يَخُوضُ فِي الْكَلَامِ، ويشْتَغِلُ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ" 219. وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "الْإِيمَانُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْكَلَامِ ضَعِيفٌ، وَالْإِيمَانُ الرَّاسِخُ إِيمَانُ الْعَوَامِّ الْحَاصِلُ فِي قُلُوبِهِمْ فِي 220 الصِّبَا بِتَوَاتُرِ السَّمَاعِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ بِقَرَائِنَ يَتَعَذَّرُ 221

الجزء: 1 - الصفحة: 221

التَّعْبِيرُ عَنْهَا، ويؤَكِّدُهُ مُلَازَمَةُ الْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ، فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتكلِّمِينَ يُشْعِرُ السَّامِعُ أَنَّ فِيهِ صَنْعَة 222 يَعْجِزُ عَنْهَا الْعَامِّيُّ، [لَا أنَّهُ] 223 حَقٌّ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبُ عِنَادِهِ" 224. وَقَال شَيْخُةُ 225 أَبو الْمَعَالِي: "يَحْرِصُ الإْمَامُ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى جَمْعِ عَامَّةِ الْخَلْقِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ" 226. وَقَال الصَّيْمَرِيُّ: "أَجْمَعَ أَهْلُ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِهَا؛ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ خَطَّهُ بفَتْوَى فِي مَسْأَلةِ كَلَامٍ، كَالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَتِمُّ قِرَاءَةَ مِثْلِ هَذِهِ الرُّقْعَةِ" 227. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الامْتِنَاعَ مِنَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ عَنِ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَالْحَدِيثِ، قَال: "وَإِنَّمَا خَالفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ" 228. وَقِيلَ 229: "إِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلةُ مِمَّا يُؤْمَنُ فِي تَفْصِيلِ جَوَابِهَا مِنْ ضَرَرِ الْخَوْضِ الْمَذْكُورِ؛ جَازَ الْجَوَابُ مُفْصَّلا 230، بِأَنْ يَكُونَ جَوَابُهَا مُخْتَصَرًا مَفْهُومًا، فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَطْرَافٌ يَتَجَاذَبُهَا [إِلَيْهَا] 231 الْمُتَنَازِعُونَ، وَالسُّؤال عَنْهُ صَادِرٌ مِنْ مُسْتَرْشِدٍ خَاصٍّ

الجزء: 1 - الصفحة: 222

مُنْقَادٍ، أَوْ مِنْ عَامَّةٍ قَلِيلَةِ التّنَازُعِ وَالْمُمَارَاةِ، وَالْمُفتِي مِمَّنْ يَنْقَادُونَ لِفُتْيَاهُ، وَنَحْوُ هَذَا".
وَعَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ يُخَرَّجُ مَا جَاءَ عَنْ [بَعْضِ] 232 السَّلَفِ مِنَ الْفَتْوَى 233 فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْكَلامِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ نَادِرٌ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ شَيءٌ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ، حَتَّى إِنَّ شَيْخَ الإسْلَامِ الأنْصَارِيَّ جَمَعَ مِنْ 234 ذَلِكَ مُجلَّدًا 235. وَقَدْ قَال أَحْمَدُ: "لَسْتُ بِصَاحِبِ كَلَامٍ، وَلَا أَرَى الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ، إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللهِ [-تَعَالى-] 236 أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ [-صلى الله عليه وسلم-] 237 " 238. وَقَال: "كُنَّا نَأْمُرُ بِالسُّكُوتِ، فَلَمَّا دُعِينَا إِلَى الْكَلَامِ تَكَلَّمْنَا" 239. يَعْني زَمَنَ الْمِحْنَةِ؛ لِلضَّرُورَةِ فِي دَفْعِ شُبَهِهِمْ، لَمَّا ألجِئَ إِلَى ذَلِكَ.
وَقَال: "لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدَعَ الْجِدَال، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ السُّنَّةَ" 240.

الجزء: 1 - الصفحة: 223

وَقَال: "مَنِ ارْتَدَى بِالْكَلَامِ لَمْ يُفْلحْ" 241. وَقَال: "لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْكَلَامِ وَإِنْ ذَبُّوا عَنِ السُّنَّةِ" 242. وَقَال مَالِكٌ: "لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُجَادِلَ عَنِ السُّنَّةِ، بَلِ السُّنَّةُ أَنْ تُخْبِرَ بِهَا، فَإِنْ سُمِعَتْ مِنْكَ، وَإِلَّا سَكَتَّ" 243. وَإِذَا كانَ هَذَا حَال مُتكلِّمِي 244 الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فكَيْفَ نَحْنُ وَمَنْ يَتِّبعُ الآثَارَ؟ وَقَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: "النَّاسُ يَكْتبونَ أحْسَنَ مَا يَسْمَعُونَ، وَيَحْفَظُونَ أَحْسَنَ مَا يَكْتبونَ، وَيَتَحَدَّثُونَ بِأَحْسَنِ مَا يَحْفَظُونَ" 245. وَقَال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا -أَوْ إِثْمًا- أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" 246.

الجزء: 1 - الصفحة: 224

فَمَا كَانَ يَعْلَمُهُ الإِنْسَانُ يَنْبَغِي أَلَّا يُعْلِمَ بِهِ [مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ] 247، وَلَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ بِسَبَبِهِ.
وَأَكثر أَهْلِ السُّنَّةِ يَعْرِفُونَ الْيَسِيرَ مِنْهُ، وَلا يَنتمُونَ إِلَيْهِ، وَلا يُدِلُّونَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَلا يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ.
وَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ: "حُكْمِي فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ، ويُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ، ويقَال: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَاشْتَغَلَ بِالْكَلَامِ" 248 أَوْ مَعْنَى ذَلِكَ.
وَقَال: "لَقَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْل 249 الْكَلَامِ عَلَى شَيءٍ؛ لَأَنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ شَيءٍ نُهِيَ عَنْهُ -غَيْرَ الْكُفْرِ- أَهْوَن مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِهِ" 250 أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَعِلْمُ الْكَلامِ الْمَذْمُومِ: هُوَ أُصُولُ الدِّينِ إِذَا تُكُلِّمَ فِيهِ بِالْمَعْقُولِ الْمَحْضِ، أَوِ الْمُخَالِفِ لِلْمَنْقُولِ الصَّرِيحِ [الصَّحِيحِ] 251. فَإِنْ تُكُلِّمَ فِيهِ بِالنَّقْلِ فَقَطْ، أَوْ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ الْمُوَافِقِ لَهُ؛ فَهُوَ أُصُولُ

الجزء: 1 - الصفحة: 225

الدِّينِ، وَطَرِيقَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، [وَعَلَمُ السّنَّةِ] 252 وَأَهْلِهَا.
وَاجْتِنَابُ الْجَوَابِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ لِغَيْرِ [الْمُتَمَيِّزِ] 253 الْمُسْتَرْشِدِ أَوْلَى وَأَسْلَمُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى-؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِمَّا كُفْرٌ أَوْ فِسْقٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هَيِّنًا.
وَقَدْ قَال الْغَزَالِيُّ -أَخِيرًا-: "الْخَوْضُ فِي الْكَلَامِ حَرَامٌ؛ لِكَثْرَةِ الْآفَةِ فِيهِ، إِلَّا لِرَجُل وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ لَيْسَتْ تزولُ بِكَلَامٍ أقَرِيبٍ، 254 وَعْظِي، وَلَا بِحَدِيثٍ نَقْلِيٍّ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَول الْمُرَتَّبُ الْكَلامِيُّ رَافِعًا شُبْهَتَهُ، وَدَوَاءً لَهُ مِنْ مَرَضِهِ، فَيُسْتَعْمَلَ مَعَهُ، ويحْرَسَ عَنْهُ 255 سَمْعُ الصَّحِيحِ الَّذِي لَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ لِرَجُلٍ كَامِل الْعَقْلِ، رَاسِخِ الْقَدَمِ فِي الدِّينِ، ثَابِتِ الإيمَانِ بِأَنْوَارِ 256 الْيقِينِ، يُرِيدُ أَنْ يُحَصِّلَ هَذَا الْعِلْمَ؛ لِيُدَاوِيَ بِهِ مَرِيضًا إِذَا وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ، ويفْحِمَ بِهِ مُبْتَدِعًا إِذَا نبَغَ، وَلِيَحْرُسَ بِهِ مُعْتَقَدَهُ إِذَا قَصَدَ مُبْتَدِعٌ أَنْ يُغْوِيَهُ، فتعَلُّمُ ذَلِكَ لِهَذَا الْغَرَضِ؛ فيرْضُ كفَايَةٍ، وَتَعَلُّمُ قَدْرِ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّكَّ وَالشُّبْهَةَ فِي حَقِّ الْمُتَشَكِّكِ؛ فرْضُ عَيْنٍ، إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِعَادَةُ اعْتِقَادِهِ الْمَجْزُومِ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوَاهُ، فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ؛ جَازَ جَوَابُهُ، إِذَا أُمِنَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِه مِنَ التَّشْوِيشِ" 257.

الجزء: 1 - الصفحة: 226

فصلٌ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْجَزْمُ، وَلَا إِثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا 258. فَلا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ [- سُبْحَانَهُ وَ] 259 تَعَالى-، وَتَوْحِيدِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَلَا فِي نُبُوَّةِ رُسُلِهِ وَتَصْدِيقهِمْ فِيمَا أَتوْا بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِي وُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ كُلُّ مُكَلَّفٍ قَبْلَ النَّظَرِ فِي الْمُعْجِزَةِ وَثُبُوتِ النُّبُوَّةِ بِهَا.
قَالهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى 260 وَأَصْحَابهُ كلُّهُمْ -كأَبِي الْخَطَّابِ 261 وَابْنِ عَقِيلٍ 262 وَغَيْرِهِمَا 263 - وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَسَائِرُ الْمُتَمَيِّزِينَ، مِنَّا وَمنْ غَيْرِنَا.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُورُ 264 عِنْدَ الأصْحَابِ وَغَيْرهمْ؛ لأنَّهُ قَدْ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْعَقْلِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ، فَيَصِيرَ كُلُّ مُكَلِّفٍ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعَقْلِ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَغَيْرُهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ لِبَعْضِهِمْ تَقْلِيدُ بَعْضٍ، [كَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ لِبَعْضِهِمْ تَقْلِيدُ بَعْضٍ] 265؛

الجزء: 1 - الصفحة: 227

لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي آلَةِ الاجْتِهَادِ.
وَالتَّقْلِيدُ هُوَ: "الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حُجَّةٌ؛ فَلَيْسَ الْأَخْذُ بِهِ تَقْلِيدًا".
قَالهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ [الْمَقْدِسِيُّ رَحَمَهُ آللَّهُ] 266 وَغَيْرُهُ 267. وَإِذَا ثَبَتَتِ النُّبُوَّةُ بِالْمُعْجِزَةِ؛ وَجَبَ [اتِّتَاعُ الرَّسُولِ] 268 وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيِلِ عَلَى [وُجُوبِ] 269 ذَلِكَ.
وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَال أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: "إِنَّ الْمُعْلُومَ 270 إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالشَّرْعِ أَوْ بِالْعَقْلِ 271 أَوْ بِهِمَا، فَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ؛ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ، بَلْ يُعْلَمُ بِدُونِهِ".
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ وَتَقْرِيرُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالدِّينِ 272.

الجزء: 1 - الصفحة: 228

فصلٌ وَأَدِلَّةُ مَنْعِ التَّقْلِيدِ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ كثِيرَةٌ: وَقَدْ قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: "أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ" 273. وَقَال: "أَلَا لَا يُوَطِّنَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ إِنْ كَفَرَ النَّاسُ أَنْ يَكْفُرَ" 274. وَقَال: "لَا يَكُنْ 275 أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً؛ يَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، إِنْ ضَلُّوا ضَلَلْتُ، وَإِنِ اهْتَدَوْا اهْتَدَيْتُ!، [أَلَا لَا يُوَطِّنَنَّ نَفْسَهُ إِنْ كَفَرَ النَّاسُ أَنْ يَكْفُرَ] 276 " 277. وَقَال أَحْمَدُ: "مِنْ ضِيقِ عِلْمِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ فِي اعْتِقَادِهِ" 278.

الجزء: 1 - الصفحة: 229

وَقَال لِرَجُلٍ: "لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ أَحَدًا، وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ" 279. وَقَال [لِلْفَضْلِ] 280 بْنِ زِيَادٍ: "لَا تُقَلِّدَ دِينَكَ الرِّجَال، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا" 281. وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى [أَنَّ الْمُكَلَّفَ] 282 لَا بُدَّ لَهُ مِنَ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ، وَالتَّقْلِيدُ لَا يُفيدُهُ كَمَا سَبَقَ.
وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ [وَغَيْرِه] 283 فِي "الْمُرْتَضَى" وَغَيْرِه.

الجزء: 1 - الصفحة: 230

فَصْلٌ وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِثْبَاتِهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.
وَكُلُّ حُكْمٍ يَثْبُتُ بِدَلِيل ظَنِّيٍّ فَهُوَ اجْتِهَادِيٌّ، إِذْ [لَا] 284 اجْتِهَادَ مَعَ الْقَطْعِ، فَإِنَّ الاجْتِهَادَ: بَذْلُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِهِ 285. وَقِيلَ: "يَجِبُ التَّقْلِيدُ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالدَّلِيلِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بِالضَّرُورَةِ أَنهَا مِنَ الدِّينِ، وَمَا عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مِنَ الدِّينِ؛ فَلَا تَقْلِيدَ فِيهِ -كَمَا سَبَقَ- وَإِنْ كَانَ مِنَ الْفُرُوعِ".
وَدَلِيلُ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ فِيهَا:

  • قَوْلُهُ -تَعَالى-: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ 286.
  • وَقَول النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَسَأَل أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً؟ فَقَالوا: لَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ.
    فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ 287 - "قَتَلُوهُ

الجزء: 1 - الصفحة: 231

قَاتَلَهُمُ الله -أَوْ "قَتَلَهُمُ اللهُ "-أَلا سَأَلوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا، إِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال" 288 رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْر.

  • إِذْ لَوْ مُنِعَ 289 كُلُّ النَّاسِ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَكُلِّفُوا مَعْرِفَةَ الأْحْكَامِ بِدِلِيلٍ؛ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْعِلْمِ عَلَى الْكَافَّةِ، وَتَعَطَّلَتِ الْمَعَايِشُ، وَفَسَدَ النِّظَامُ، وَالْجِهَادُ، وَكَثِير مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
    وَقَدْ دَلَّ عَلَى أنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ:
  • قَوْلُهُ -تَعَالى-: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ 290.
  • وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ عُسْرًا وَحَرَجًا يَنتفِيَانِ بِقَوْلِهِ -تَعَالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 291، وَقَوْلِهِ [-تَعَالى-] 292: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر 293، وَقَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ 294.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

  • وَقَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم- 295: "لا ضَرَرَ وَلا إِضْرَارَ فِي الإْسْلامِ" 296 رَوَاه مَالِكٌ وَغَيْرُه.
  • وَلَوْ جَازَ لِلْكُلِّ 297 التَّقْلِيدُ؛ بَطَلَ 298 الاجْتِهَادُ، وَسَقَطَ فَرْضُ التَّعَلُمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَانْدَرَسَ الْعِلْمُ.
    وَإِنَّمَا طَلَبُ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِيَكُونَ الْبَاقُونَ تَبَعًا وَمُقَلِّدِينَ لَهُ، وَالآيَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تُسْقِطِ الاجْتِهَادَ عَنِ الْكُلِّ، وَلَا أَوْجَبَتْهُ 299 عَلَى الْكُلِّ، بَلْ عَلَى الْبَعْضِ، [وَهَذَا] 300 هُوَ الْمُدَّعَى.

الجزء: 1 - الصفحة: 233

فَصْلٌ يَجِبُ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا شَرَعَهُ، وَأَمَرَ بِهِ، وَنَهَى عَنْهُ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبرَ بِهِ؛ لِثبوتِ عِصْمَتِهِ وَصِدْقِهِ، وَلزوم طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِهِ فِيمَا 301 عُرِفَ فِي أَمَاكِنِهِ مِنَ الأْصُولِ وَغَيْرِهَا.
وَقَال الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: "لَيْسَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ عليه السلام 302 تَقْلِيدًا؛ لَأِنَّ قَوْلَهُ [-صلى الله عليه وسلم-] 303 حُجَّةٌ"؛ لِمَا سَبَقَ وَعُرِفَ فِي مَوَاضِعِهِ.
وَالتَّقْلِيدُ: "أَخْذُ السَّائِلِ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ، بِلَا حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ [لَهُ] 304 يَعْرِفُهَا" كَمَا سَبَقَ.
وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الإِجْمَاعِ فِيهِ، بَلْ يَجبُ 305. ويُمْكِنُ أَنْ يُقَال: "الْأَخْذُ بِهِ لَيْسَ تَقْلِيدًا"؛ لأَنَّهُ حُجَّةٌ، كَمَا قُلْنَا 306 فِي قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
وَأَمَّا أَقْوَال الصَّحَابَةِ وَمَذَاهِبُهُمْ 307:

الجزء: 1 - الصفحة: 234

فَفِيهَا 308 مَذْهَبَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا 309 حُجَّةٌ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهَا.
وَقِيلَ: "وَإِنْ 310 خَالفَتِ الْقِيَاسَ".

  • وَهَلْ [يَكُونُ تَقْلِيدًا -عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ-؟ وَالظَّاهِرُ: أَنهُ] 311 تَقْلِيدٌ مِمَّنْ دُونَهُمْ.
    إِنْ قُلْنَا: "لَيْسَا بِحُجَّةٍ"؛ فَلا 312 يُقَلِّدُونَ.
    وَهُوَ بَعِيدٌ.
  • وَللْجَاهِلِ تَقْلِيدُهُمْ بِشَرْطِهِ، كَبَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ.
    وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي "الْمَنْخُولِ" 313: "يَجِبُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَرَ [-رضي الله عنه-] 314 ". لِقَوْلِهِ عليه السلام: ["اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" 315.

الجزء: 1 - الصفحة: 235

وَقَوْلهِ] 316 [-صلى الله عليه وسلم-] 317: "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ" الْحَدِيثِ 318. وَقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم- 319: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" 320. وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي الأخْبَارِ لِمَنْ 321 هُوَ [مِنْ] 322 أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَالثِّقَةِ 323 وَالْخِبْرَةِ.
وَلَا تَكْفِي 324 عَدَالتُهُ وَلَا عَدَالةُ الْمُفْتِي، بَلْ لَابُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أَهْلِيَّتهِمَا لِذَلِكَ.
وَقِيلَ: "يَجِبُ التَّقْلِيدُ فِي الْأَخْبَارِ لِلصَّدُوقِ 325 مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ [وَالْخِبْرَةِ] 326

الجزء: 1 - الصفحة: 236

لِدَعْوَى 327 الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِيمَا غَابَ عَنَّا؛ لِعَدَمِ الدَّلَالةِ [عَلَيْهِ] 328، إِذْ عَدَالةُ الْمُخْبِرِ [لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ، كَمَا أَنَّ عَدَالةَ الْعَالِمِ] 329 لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ فُتْيَاهُ".
وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ: [مَا] 330 اخْتَصَّ بِالْقَوْلِ الْمَنْقُولِ مِنْ حُكْمٍ أَوْ خَبَرٍ، لَا مَا اخْتَصَّ بِالْقَائِلِ مِنْ عَدَالةٍ وَصِدْقٍ.
وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ وَإِمْكَانِ سُؤَالِهِ 331. وَقِيلَ: "لَا يَجُوزُ".
فَلَوِ اسْتَفْتَى فَقِيهًا، فَلَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ؛ سَأَل ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى تَسْكُنَ نَفْسُهُ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِي الْأَوَّلُ.
وَالأوْلَى: الوُقُوفُ مَعَ سُكُونِ النَّفْسِ؛ لِقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم- 332: "اسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ" 333. وَقَوْلِهِ: "دع مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ" 334.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

[وَقَوْلِهِ: "الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ" 335] 336. وَقَوْلِهِ: "الإِثْمُ حَوَّازُ الْقُلُوبِ" 337. فَإِنْ حَصَلَ السُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا زَادَ لِيَحْصُلَ ذَلِكَ.
[وَاللهُ أَعْلَمُ] 338.

الجزء: 1 - الصفحة: 238

فصول الكتاب · 6 فصل
جارٍ التحميل